النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيُّ الفَخْرِ الزَّازى الشَّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِح الغَيب للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامن ضياءالدين عمر الشّهر بخطيِ الرّى نَفَعَ اللّهبالمنيمين ٥٤٤ - ٢٠٤ هـ : حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ٠ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي ٣ سورة النبأ (٧٨) سورة النّبَامِكَيَّة وَأَيَانِهَا أربعون بِسْـ عَمَّ يَنَسَآءَ لُونَ ١ عَنِ النّبِالْعَظِيمِ ﴾ آ ٣ الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بسم الله الرحمن الرحيم عم يتساءلون ، عن النبأ العظيم ، الذى هم فيه مختلفون﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ عم: أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان رحمه الله تعالى: على ما قام يشتمنى لتيم كمنزير تمرغ فى رماد والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل، ذكروا فى سبب الحذف وجوها (أحدما) قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة فى الألف فصارا كالحرفين المنماثلين ( وثانيها ) قال الجرجانى إنهم إذا وصفوا ما فى استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسماكقولهم : فيم ويم ولم وعلام وحتام ( وثالثها) قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت جزء منه لتقىء عن شدة الاتصال (ورابعها) السبب فى هذا الحذف التخفيف فى الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان . المسألة الثانية) قوله ( عم يتساءلون) أن. سؤال، وقوله (عن النبأ العظيم ) جواب السائل والمجيب هو اللّه تعالى، وذلك يدل على علمه بالغيب، بل بجميع المعلومات. فإن قيل ما الفائدة فى أن يذكر الجواب معه؟ قلنا لأن إيراد الكلام فى معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ عكرمة وعيسى بن عمر (عما) وهو الأصل، وعن ابن كثير أنه قرأعمه بها. السكت، ولا يخلو إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدى. بـ(يتساءلون عن النبأ العظيم) على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشىء مبهم ثم يفسره. ﴿ المسألة الرابعة﴾ (ما) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها، تقول ما الملك؟ وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ما هياتها وشرح حقائقها، وذلك يقتضى كون ذلك المطلوب مجهولا. ثم إن الشىء العظيم الذى يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عز أن يحيط بكنهه يبقى مجهولا، حصل بين الشىء المطلوب بلفظ ما وبين الشىء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز، فيهذا الطريق جعل ( ما) دليلا على عظمة حال ذلك المطلوب وعلى رقبته ٤ قوله تعالى : عن النبأ العظيم. سورة النبأ. الجزء الثَلاثُونْ ومنه قوله تعالى ( وما أدراك ما سجين)، ( وما أدراك ما العقبة ) وتقوو زيد وما زيد. المسألة الخامسة ﴾ التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل ، وقد يستعمل أيضاً فى أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قال قائل منهم إنى كان لى قرين يقول أثنك لمن المصدقين ) فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون، وهذا قول الفراء . المسألة السادسة﴾ أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم، فيه احتمالات: (أحدها) أنهم هم الكفار، والدليل عليه قوله تعالى (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) الضمير فى يتساءلون ، وهم فيه مختلفون وسيعلمون، راجع إلى شىء واحد وقوله (كلا سيعلمون) تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير فى قوله (يتساءلون) عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله (ثم فيه مختلفون ) مع أن الكفار كانوا متفقين فى إنكار الحشر؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين فى إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحانى ، وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسمانى فمنهم من كان شاكاً فيه كقوله ( وما أظن الساعة قائمة ولئن وددت إلى ربى إن لى عنده للحسنى) ومنهم من أصر على الإنكار ، ويقول ( إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) ومنهم من كان مقراً به، لكنه كان منكراً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل اختلافهم فيه، وأيضاً هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا فى كيفية إنكاره ، فمنهن من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم متنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادراً على ما يكون ممكناً فى نفسه ، وهذا هو المراد بقوله (م فيه مختلفون) .. ﴿ والاحتمال الثانى﴾ أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون، وكانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقيناً فى دينه ، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات . ﴿ والاحتمال الثالث ) أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذى تعدنا به من أمر الآخرة . قوله تعالى: ﴿ عن النبأ العظيم ﴾ ففيه مسائل. المسألة الأولى﴾ ذكر المفسرون فى تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه (أحدها) قوله (سيعلمون) والظاهر أن المراد منه أنهم سيعدون هذا الذى يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة (وثانيها) أنه تعالى بين كونه قادراً على جميع الممكنات بقوله ( ألم نجعل الأرض مهادا) إلى قوله ( يوم ينفخ فى الصور) وذلك يقتضى أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادراً ٥ قوله تعالى : عن النبأ العظيم. سورة النبأ . على إقامة القيامة ، ولما كان الذى أثبته اللّه تعالى بالدليلى العقلى فى هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذى كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة ( وثالثها) أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ) وقوله ( قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون) ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقاً (والقول الثانى) (إنه القرآن) واحتج القائلون بهذا الوجه بأمربن (الأول ) أن النبأ العظيم هو الذى كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله محراً وبعضهم شعراً، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين، فأما البعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذاضعيف، لأنا بينا أن الأختلاف كان حاصلا فى البعث (الثانى) أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة ، لأن ذلك فى نفسه ليس بنبأ بل منها عنه، ويقوى ذلك أن القرآن سمى ذكراً وتذكرة وذكرى وهداية وحديثاً، فكان اسم النبأبه أليق منه بالبعث والنبوة (والجواب) عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لاعظمة فى ألفاظ إنما العظمة فى المعانى، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضاً فى الفصاحة والاحتواء على العلوم الكثيرة، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة فى الأجسام مجاز فى غيرها وإذا ثبت التعارض بقی ما ذ کرنا من الدلائل سليما (القول الثالث) أن النبأ العظيم هو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام جعلوا يتساءلون بينهم ماذا الذى حدث؟ فأنزل الله تعالى (عم يتساءلون) وذلك لأنهم عجبوا من إرسال الله محمداً عليه الصلاة والسلام إليهم كما قال تعالى ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شىء عجيب) وعجبوا أيضاً أن جاءهم بالتوحيد كما قال ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) فحكى الله تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضاً على سبيل التعجب بقوله ( عم يتساءلون). المسألة الثانية﴾ فى كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه (أحدها) وهو قوله البصريين . أن قوله (عم يتساءلون) كلام قام ، ثم قال (عرض النبأ العظيم) والتقدير ( يتساءلون عن النبأ العظيم ) إلا أنه حذف يتساءلون فى الآية الثانية ، لأن حصوله فى الآية الأولى يدل عليه (وثانيها) أن يكون قوله (عن النبأ العظيم) استفهاماً متصلا بما قبله ، والتقدير: عم يتساءلون أعن النبأ العظيم الذى هم فيه مختلفون ، إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به ، وكالترجمة والبيان له كما قرىء فى قوله ( أئذمتنا وكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون) بكسر الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبحث ، ولكنه لما ظهر الاستفهام فى أول الكلام اقتصر عليه، فكذا ههنا (وثالثها) وهو اختيار الكوفيين أن الآية الثانية متصله بالأولى على تقدير ، لأى شىء يتساءلون عن النبأ العظيم، وعم كأنها فى المعنى لأى شىء، وهذا قول الفراء. ٦ قوله تعالى : كلا سيعلمون. سورة النبأ . كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّكَلَّا سَيَعْلُونَ (جْ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (﴾ قوله تعالى: ﴿ كلا سيعلمون، ثم كلا سيعدون﴾ قال القفال: كلا لفظة وضعت لرد شىء قد تقدم، هذا هو الأظهر منها فى الكلام، والمعنى ليس الأمر كما يقوله هؤلاء فى النبأ العظيم إنه باطل أو إنه لا يكون، وقال قائلون كلا معناه حقا، ثم إنه تعالى قرر ذلك الردع والتهديد، فقال ( كلا سيعلمون) وهو وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له، واقع لاريب فيه، وأما تكرير الردع، ففيه وجهان (الأول) أن الغرض من التكرير التأكيد والتشديد، ومعنى ثم الإشعار بأن الوعيد الثانى أبلغ من الوعيد الأول وأشد (والثان) أن ذلك ليس بتكرير ، ثم ذكروا وجوهاً (أحدها) قال الضحاك الآية الأولى للتكفار والثانية المؤمنين أى سيعلم الكفار عاقبه تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم (وثانيها) قال القاضى: ويحتمل أن يريد بالأول سيعدون نفس الحشر والمحاسبه، ويريد بالثانى سيعلمون نفس العذاب إذا شاهدوه (وثالثها) (كلاسيعلمون) ما الله فاعل بهم يوم القيامة (ثم كلا سيعلمون) أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن اللّه غير باعث لحم ( ورابعها) (كلا سيعلمون) ما يصل إليهم من العذاب فى الدنيا, كما جرى على كفار قريش يوم بدر ( ثم كلا سيعلمون) بما ينالهم فى الآخرة. ﴿ المسألة الثالثة﴾ جمهور القراء قرأوا بالياء المنقطة من تحت فى (سيعلمون) وروى بالتاء المنقطة من فوق عن ابن عامر. قال الواحدى: والأول أولى، لأن ما تقدم من قوله (م فيه مختلفون) على لفظ الغيبة ، والتاء على قل لهم : ستعلمون، وأقول يمكن أن يكون ذلك على سبيل الالتفات ، وهو ههنا متمكن حسن، كمن يقول: إن عبدى يقول كذا وكذا، ثم يقول لعبده: إنك ستعرف وبال هذا الكلام . قوله تعالى : ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً أعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث والحشر، وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة فى بيان كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات ، وذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعاً من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام والإتقان ، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم، ومتى ثبت هذان الأصلان وثبت أن الأجسام متساوية فى قبول الصفات والأعراض، ثبت لا محالة كونه تعالى قادراً على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها وأرضها، وعلى إيجاد عالم الآخرة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم . واعلم أنه تعالى ذكرههنا من عجائب مخلوقاته أموراً (فأولها) قوله ( ألم نجعل الأرض مهاداً ) والمهاد مصدر، ثم ههنا احتمالات (أحدها) المراد منه ههنا المعهود، أى ألم نجعل الأرض مهودة ٧ قوله تعالى : والجبال اوتادا. سورة النبأً .. وَاْحِبَالَ أَوْتَادًا (١) وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجًا ﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر، كقولك هذا ضرب الأمير (وثانيها) أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر، كما تقول: زيد جود وكرم وفضل، كأنه لكماله فى تلك الصفة صارعين تلك الصفة (وثالثها) أن تكون بمعنى ذات مهاد، وقرى. مهداً، ومعناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبى ، وهو الذى مهد له فينوم عليه . واعلم أنا ذكرنا فى تفسير سورة البقرة عند قوله ( جعل لكم الأرض فراشاً ) كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . (وثانيها) قوله تعالى ﴿والجبال أو تاداً﴾ أى للأرض [كى] لا تميد بأهلها، فيكل كون الأرض مهاداً بسبب ذلك قد تقدم أيضاً . ( وثالثها) قوله تعالى ﴿وخلقناكم أزواجاً﴾ وفيه قولان (الأول) المراد الذكر والأنثى كما قال (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)، (والثانى) أن المرادمنه كل زوجين و[كل].متقابلين من القبيح والحسن والطويل والقصير وجميع المتقابلات والأضداد، كما قال ( ومن كل شىء خلقنا زوجين) وهذا دليل ظاهر على كمال القدرة ونهاية الحكمة حتى يصح الابتلاء والامتحان، فيتعبد الفاضل بالشكر والمفضول بالصبر ويتعرف حقيقة كل شىء بضده، فالإنسان إنما يعرف قدر الشباب عند الشيب، وإنما يعرف قدر الاً من عند الخوف، فيكون ذلك أبلغ فى تعريف النعم . (ورابعها) قوله تعالى: ﴿ وجعلنا نومكم سباقاً﴾ طعن بعض الملاحدة فى هذه الآية فقالوا السبات هو النوم ، والمعنى : وجعلنا نومكم نوماً ، واعلم أن العلماء ذكروا فى التأويل وجوهاً (أولها) قال الزجاج ( سباقاً) موتاً والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران (أحدهما) قوله تعالى (وهو الذى يتوفاكم بالليل) إلى قوله (ثم يبعثكم) ( والثانى ) أنه لمبا جعل النوم موتاً جعل اليقظة معاشاً ، أى حياة فى قوله (وجعلنا النهار معاشاً ) وهذا القول عندى ضعيف لأن الأشياء المذكورة فى هذه الآية جلائل النعم ، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضاً ليس المراد بكونه موتاً، أن الروح انقطع عن البدن، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة، وهذا هو النوم، ويصير حاصل الكلام إلى: إنا جعلنا نومكم نوملـ ( وثانيها) قال الليث السبات النوم شبه الغشى يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة السبات الغشية التى تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضاً ضعيف، لأن الغشى ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشى فهو باطل، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره فى أثناء تعدين النعم ( وثالثها) أن السبت فى أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتاً إذا حلق شعره، وقال ابن الأعرابى فى قوله (سباقاً) أى قطعاً ٨ قوله تعالى : وجعلنا الليل لباسا. سورة النبأ. وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (٨٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَشًا (١٨) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُرْ سَبْعًا شدَادًا ثم عند هذا يحتمل وجوهاً (الأول) أن يكون المعنى: وجعلنا نومكم نوماً متقطعاً لا دائماً ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء. أما دوامه فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى فى معرض الإنعام (الثانى) أن الإنسان إذا تعب ثم نام، فذلك النوم. يزيل عنه ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتاً وقطعاً، وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة ، (وجعلنا نومكم سباقاً) أى راحة، وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله، فحينئذ تحصل الراحة ( الثالث) قال المبرد ( وجعلنا نومكم سباتاً) أى جعلناه نوماً خفيفاً يمكنكم دفعه وقطعه ، تقول العرب: رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه، كأنه قيل: وجعلنا نومكم نوماً لطيفاً يمكنكم دفعه، وما جعلناه غشياً مستولياً عليكم، فإن ذلك من الأمراض الشديدة، وهذه الوجوه كلها صحيحة . (وخامسها) قوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباساً ﴾ قال القفال: أصل اللباس هو الشىء الذى يلبسه الإنسان ويتغطى به، فيكون ذلك مغطياله ، فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباساً لهم، وهذا السبت سمى الليل لباساً على وجه المجاز، والمراد كون الليل ساتراً لهم . وأما وجه النعمة فى ذلك ، فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هرباً من عدو ، أو بياتاً له، أو إخفاء مالا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه، قال المتنبى. وكم لظلام الليل عندى من يد تخبر أن المانوية تكذب وأيضاً فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع عنه أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد فى جمال الإنسان ، وفى طراوة أعضائه وفى تكامل قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسمانى، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية ، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة . (وسادسها) قوله تعالى ﴿وجعلنا النهار معاشاً﴾ فى المعاش وجهان (أحدهما) أنه مصدر يقال: عاش يعيش عيشاً ومعاشاً ومعيشة وعيشة، وعلى هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار ، والمعنى وجعلنا الهار وقت معاش ( والثانى) أن يكون معاشاً مفعلا وظرفاً للتعيش، وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار ، ومعنى كون النهار معاشاً أن الخلق إنما يمكنهم التقلب فى حوائجهم ومكاسبهم فى النهار لا فى الليل . (وسابعها) قوله تعالى ﴿وبنينا فوقكم سباً شداداً﴾ أى سبع سموات شداداً جمع شديدة ٩ قوله تعالى : وجعلنا سراجاً وهّاجاً. سورة النبأ. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجَارِهِ وَأَنْزَلْنَ مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَّاجًا( یعنی محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان ، لا فطور فيها ولا فروج، ونظيره( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) فإن قيل لفظ البناء يستعمل فى أسافل البيت والسقف فى أعلاه فكيف قال (وبنينافوقكم سبعاً)؟ قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف، فذكر قوله (وبنينا) إشارة إلى أنه وإن كان سقفاً لكنه فى البعد عن الانحلال كالبناء، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة . ( وثامنها) قوله تعالى: ﴿وجعلنا سراجاً وهاجاً﴾ كلام أهل اللغة مضطرب فى تفسبر الوهاج، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أفعى الغايات فى هذين الوصفين، وهو المراد بكونها وهاجأً، وروى الكلبى عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة فى النور فقط ، يقال للجوهر إذا ثلالأ توهج، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الکال فى نوارها متباهج يتوهج النور ، ومنه قول الشاعر يصف النور : وفى كتاب الخليل: الوهج، حر النار والشمس، وهذا يقتضى أن الوهاج هو البالغ فى الحر واعلم أن أى هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل . (وتاسعها) قوله ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء نجاجاً ﴾ أما المعصرات ففيها قولان (الأول) وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقول مجاهد ، ومقاتل والكلى وقتادة إنها الرياح التى تثير السحاب ودليله قوله تعالى ( الله الذى يرسل الرياح فتثير سحاباً) فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغى أن يقال وأنزلنا بالمعصرات، قلنا (الجواب) من وجهين (الأول) أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما يثيره الرياح، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال هذا من فلان ، أى من جهته وبسبيه ( الثانى) أن من ههنا بمعنى الباء والتقدير ، وأنزلنا بالمعصرات أى بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا ( وأنزلنا بالمعصرات) وطعن الأزهرى فى هذا القول ، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء النجاج (وجوابه) أن الإعصار ليست من رياح المطر، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر؟ (القول الثانى) وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبى العالية والربيع والضحاك أنها السحاب ، وذكروا فى تسمية السحاب بالمعصرات وجوهاً (أحدها) قال المؤرج: المعصرات السحائب بلغة قريش (وثانيها) قال المازنى يجوز أن تكون المعصرات هى السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لابد وأن ينزل المطر منها ( وثالثها) أن المعصرات هى السحائب التى شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك أجز الزرع إذا حان له أن يحز، ١٠ قوله تعالی : لنخرج به حبا ونباتا. سورة النبأ . لِنُخْرِجَ بِهِ، حَبَّ وَنَبَاتًا وَجَتَّتِ أَلْفَافًا (٨٠) إِنْ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتًا ٠٠٠٠٠ ١٫٠٠٤ ١٥ ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، وأما النجاج فاعلم أن التج شدة الانصباب يقال مطر نجاج ودم نجاح أى شديد الانصباب . واعلم أن التج قد يكون لازماً ، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا ، وقد يكون متعدياً بمعنى الصب وفى الحديث (أفضل الحج المج والتج)) أى رفع الصوت بالتلبية ونصب دماء الهدى، وكان ابن عباس مشجاً أى يشج الكلام تجاً فى خطته وقد فسروا النجاح فى هذه الآية على الوجهين، وقال الكلبى ومقاتل وقتادة النجاج ههنا المتدفق المنصب ، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه ينج نفسه أى يصب، وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . قوله تعالى: ﴿ أُخرج به حباً ونباتاً، وجنات الفافاً﴾ فى الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ كل شىء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون ، فإنلم يكر له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد ههنا بقوله ( ونباتاً ) وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى (كارا وارعوا أنعامكم) وأما الذى له ساق فهو الشجر فاذا اجتمع منها شىء كثير سميت جنة، فثبت بالدليل العقلى انحصار ما ينبت فى الأرض فى هذه الأقسام الثلاثة، وإنما قدم اللّه تعالى الحب لأنه هو الأصل فى الغذاء، وإنما تى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، وإنما أخر الجنات فى الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية . ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى ألفافاً، فذكر صاحب الكشاف أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة. وكثير من اللغويين أثبتوا له واحداً، ثم اختلفوا فيه، فقال الأخفش والكسائى واحدما لف بالكسر ، وزاد الكسائى لف بالضم، وأشكر المبرد الضم، وقال بل واحدها نفا. وجمعها لف، وجمع لف ألفاف، وقيل يحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف نقله الففال رحمه الله، إذا عرفت هذا فنقول قوله (وجنات ألفافاً) أى ملتفة، والمعنى أن كل جنة فإن مافيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق. ﴿ المسألة الثالثة﴾ كان الكعبى من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى ( لنخرج به حباً ونباتاً وقال إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئاً بواسطة شىء آخر. قوله تعالى : ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ . ١١ قوله تعالى : يوم ينفخ في الصور. سورة النبأ. يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَقْوَاجًا ( أعلم أن التسعة التى عددها اللّه تعالى نظراً إلى حدوثها فى ذواتها وصفاتها، ونظراً إلى إمكانها فى ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم إن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم النسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلفهما بكل ما صح أن يكون مقدوراً ومعلوماً وإلا لا فتقر إلى المخصص وهو محال ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة فى الجسمية فكل ماصح على واحد منها صح على الآخر، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا، وقادر على إيجاد عالم آخر، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة مكن عقلا وإلى ههذا يمكن إثباته بالعقل، «أما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم فى هذه الأشياء بقوله (إن يوم الفصل كان ميقاتاً) ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة ( وأولها) قوله ( إن يوم الفصل كان ميقاتاً) والمعنى أن هذا اليوم كان فى تقدير اللّه، وحكمه حداً تؤقت به الدنيا، أو حداً للخلائق يقتهون إليه، أو كان ميقاتاً لما وعد الله من الثواب والعقاب، أو كان ميقاتاً لاجتماع كل الخلائق. فى فصل الحكومات وقطع الخصومات . ( وثانيها) قوله تعالى ﴿ يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا﴾. أعلم أن ( يوم ينفخ) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، وهذا النفخ هو النفخة الأخيرة التى عندما يكون الحشر، والنفخ فى الصور فيه قولان (أحدهما ) أن الصور جمع الصور ، فالنفخ فى الصور عبارة عن نفح الأرواح فى الأجساد ( والثانى) أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه . وتمام الكلام فى الصور وما قيل فيه قد تقدم فى سورة الزمر، وقوله ( فتأتون أفواجا) معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجا فوجاً حتى يتكامل اجتماعهم. قال عطاء كل نى يأتى مع أمته، ونظيره قوله تعالى ( يوم ندعو كل أناس إمامهم) وقيل جماعات مختلفة ، روى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقال عليه السلام: يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : يحشر عشرة أصناف من أمتى بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عمى، وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهى مدلاة على صدورهم يسيل القبح من أفواههم يتقذر م أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجاهم، وبعضهممصلبون على جذوع من نار، وبعضهم ١٢ قوله تعالى : وفتحت السماء فكانت ابوابا. سورة النبأ. وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا أَه وَسُبِرَتِ الْحِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًاً أشد نتناً من الجيف ، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم . فأما الذين على صورة القردة فالفتات من الناس . وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون فى الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء. ( وثالثها) قوله تعالى ﴿وفتحت السماء فكانت أبواباً قرأ عاصم وحمزة والكسائى فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضى وهذا الفتح هو معنى قوله (إذا السماء انشقت، وإذا السماء انفطرت) إذ الفتح والتشقق والتفطر، تتقارب ، وأفول هذا ليس بقوى لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والنفطر ، فربما كانت السماء أبواباً ، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل فى جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية، فان قيل قوله ( وفتحت السماء فكانت أبواباً) يفيد أن السماء بكليتها تصير أبواباً، فكيف يعقل ذلك؟ قلنا فيه وجوه: (أحدها) أن تلك الأبواب لما كثرت جداً صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة كقوله (ونجرنا الأرض عيوناً) أى كأن كلها صارت عيوناً تتفجر (وثانيها) قال الواحدى هذا من باب تقدير حذف المضاف، والتقدير فكانت ذات أبواب ( وثالثها) أن الضمير فى قوله ( فكانت أبواباً ) عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة ، كما قال تعالى (وجاءربك والملك صفاً صفاً). (ورابعها) قوله تعالى ﴿وسيرت الجبال فكانت سراباً﴾. اعلم أن الله تعالى ذكر فى مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذى نقوله ، وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله ( وحملت الأرض والجبال فد كتا دكة واحدة). ﴿ والحالة الثانية لها) أن تصير (كالعهن المنفوش) وذكر الله تعالى ذلك فى قوله ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) وقوله (يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن ) . ﴿ والحالة الثالثة) أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله ١٣ قوله تعالى : إن جهنم كانت مرصادا. سورة النبأ . إِنَّ جَهََّ كَانَتْ مِنْ صَادًا (٦) (إذا رجب الأرض رجاً، وبست الجبال بساً، فكانت هباءاً منبثاً). ﴿ والحالة الرابعة) أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة فى مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله ( فقل ينسفها ربى نسفاً). ﴿ والحالة الخامسة) أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعاً فى الهواء كأنها غبار فن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهى الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها [صيرها] مندكة متفتنة ، وهى قوله (تمر مر السحاب ) ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره، فقال ( ويوم نسير الجبال، وترى الأرض بارزة). ( الحالة السادسة) أن تصير سرابا، بمعنى لا شىء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذى كان يراه فيه لم يجده شيئاً والله أعلم. واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هى: أحوال عامة ، ومن ههنا يصف أهوال جهنم وأحوالها . فأولها قوله تعالى ﴿ إن جهنم كانت مر صاداً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ ابن يعمر: أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم كانت مر عباداً للطاغين، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء . ﴿ المسألة الثانية) كانت من صاداً، أى فى علم اللّه تعالى، وقيل صارت، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه اللّه تعالى، وفيه وجه ثالث ذكره القاضى، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم. المسألة الثالثة﴾ فى المرصاد قولان (أحدهما) أن المرصاد اسم المكان الذی یرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذى يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذى ينهج فيه، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان (أحدهما) أن خزنة جهنم يرصدون الكفار (والثانى) أن مجاز المؤمنين ومرثم كان على جهنم ، لقوله ( وإن منكم إلا واردها) غزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . (القول الثانى) أن المرصاد مفعال من الرصد، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم، كما قال تعالى (تكاد تميز من الغيظ ) قيل ترصد كل كافر ومنافق، والقائلون بالقول الأول. استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى ( إن ربك لبالمرصاد) ولو كان المرصاد نعناً لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد . ١٤ قوله تعالى : للطاغين مآبا. سورة النبأ. لَلَطَّفِينَ مَعَاباً ◌َّبِشِينَ فِيهَا أُحْقَابًا ٣٣ ﴿ المسألة الرابعة﴾ دات الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى (إن جهنم كانت مر صاداً) أى معدة، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضاً كذلك، لأنه لا قائل بالفرق. (وثانيها) قوله ﴿للطاغين مآبا) وفيه وجهان: إن قلنا إنه مضاد للكفار فقط كان قوله (للطاغين) من تمام ما قبله، والتقدير إن جهنم كانت مر صاداً للطاغين، ثم قوله (.آبا) بدل من قوله (من صاداً) وإن قلنا بأنها كانت مرصاداً مطلقاً للكفار والمؤمنين، كان قوله (إن جهنم كانت مرصاداً) كلاماً تاماً، وقوله ( للطاغين مآبا) كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل، وآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثانى وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى فى مخالفته ومعارضته ، وقوله (مآبا) أى مصيراً ومقراً. ( وثالثها) قوله ﴿لا بثين فيها أحقاباً ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم.آب للطاغين، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال ( لابثين فيها أحقاباً) وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الجمهور (لا بتين) وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لا بث ولبث، مثل طامع. وطمع، وفاره، وفره، وهو كثير، وقال صاحب الكشاف واللبث أقوى لأن اللابث من وجدمنه البث، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه البث، وهو أن يستقر فى المكان * ولا يكاد ينفك عنه . المسألة الثانية﴾ قال الفراء أصل الحقب من الترادف، والنتابع يقال أحقب، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزراً، فقد احتقب ، فيجوز على هذا المعنى ( لابثين فيها أحقاباً) أى دهوراً متابعة يتبع بعضها بعضاً ، ويدل عليه قوله تعالى (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقباً) يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس، واعلم أن الأحقاب ، واحدما حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة، والحقب السنون واحدتها حقبة وهى زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه (أحدها) قال عطاء والكلى ومقاتل عن ابن عباس فى قوله (أحقاباً) الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلثمائة وستون يوماً ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعاً (وثانيها) سأل هلال الهجرى علياً عليه السلام. فقال الحقب مائة سنة ، والسنة اثنا عشراً شهراً ، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم ألف سنة ( وثالثها) قال الحسن الأحقاب لا يدرى أحد ما هى، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون (فإن قيل) قوله أحقاباً وإن طالت إلا أنها متناهية، وعذاب أهل النار غيرٍ متناه، بل لو قال لا بثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال وارداً، ونظير هذا السؤال قوله ١٥ قوله تعالى : لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً. سورة النبأ. ٣٦ جَزَآءُ وفَاقًا ٢٥ إِلَّا حميمًا وَغَسَّاقًاً لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا أَـ فى أهل القبلة (إلا ما شاء ربك) قلنا (الجواب) من وجوه (الأول) أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضى حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه ، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد ( والثانى) قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقون فى الأحقاب برداً ولا شراباً ، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب ، وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميما وغسافاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب ( وثالثها) هب أن قوله (أحقاباً) يفيد التناهى ، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون. قال تعالى (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) ولا شك أن المنطوق راجح، وذكر صاحب الكشاف فى الآية وجهاً آخر، وهو أن يكون أحقاباً من حقب عامنا إدا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب . فينتصب حالا عنهم بمعنى لا بثين فيها حقبين مجدبين ، وقوله ( لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ) تفسير له . (ورابعها ) قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، إلا حيما وغساقاً، جزاءاً وفافاً ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ إن اخترنا قول الزجاج كان قوله ( لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً) متصلا بما قبله ، والضمير فى قوله (فيها) عائداً إلى الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاماً مستأنفاً مبتدأ، والضمير فى قوله عائداً إلى جهنم . المسألة الثانية﴾ فى قوله (برداً) وجهان (الأول) أنه البرد المعروف، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شراباً يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، والحاصل أنهم لا يجدون هواء بارداً ، ولا ماء بارداً ( والثانى) البرد ههنا النوم، وهو قول الأخفش والكسائى والفراء وقطرب والعتى، قال الفراء : وإنما سمى النوم برداً لأنه يبرد صاحبه، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم، وأنشد أبو عبيدة والمبرد فى بيان أن المراد النوم قول الشاعر: بردت مراشفها على فصدنى عنها وعن رشفاتها البرد يعنى النوم ، قال المبرد: ومن أمثال العرب: منع البرد البرد أى أصابنى من البردما منعنى من النوم، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على الجاز النادر الغريب، والقائلون بالقول الثانى تمسكوا فى إثباته بوجهين (الأول ) أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم ( الثانى ) أنهم يذوقون برد الزمهرير، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاقوا ١٦ قوله تعالى : لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً. سورة النبأ. برداً، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، فقد ذاقوا البرد (والجواب عن الأول ) كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضاً مجاز ، ولأن المراد من قوله ( لا يذوقون فيها برداً) أى لا يستنشقون فيها نفساً بارداً ، ولا هواء بارداً، والهواء المستنشق مره الفم والألف تجاز إطلاق لفظ الذوق عليه ( والجواب عن الثانى) أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال لا يذوقون فيها برداً واحداً ، وهو البرد الذى يفتفعون به ويستريحون إليه . المسألة الثالثة﴾ ذكروا فى الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلى جداً المسألة الرابعة ﴾ ذكروا فى الغساق وجوهاً . (أحدما) قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشىء الذى يتقذرونه خاشاك (١) ( وثانيها) أن الغساق هو الشىء البارد الذى لا يطاق، وهو الذى يسمى بالزمهرير ( وثالثها) الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة ، وفى كتاب الخليل غسقت عينه، تغق غسفاً وغساقا (ورابعها) الغساق هو المنتن ، ودليله ما ووى أنه عليه السلام قال ، لو أن دلواً من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا (وخامسها) أن الغاسق هو المظلم قال تعالى (ومن غاسق إذا وقب) فيكون الغساق شراباً أسود مكروهاً يستوحش كما يستوحش /الشىء المظلم، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير: لا يذوقون فيها برداً إلا غساقاً ولا شراباً إلا حميماً، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآى، ومثله من الشعر قول امرى. القيس . كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالى والمعنى كأن قلوب الطير رطباً العناب ويابساً الحشف البالى . أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم والغساق راجعاً إلى البرد والشراب معاً، وأن يكون مختصا بالشراب فقط . ( أما الاحتمال الأول) فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ فى الحميم والصديد المنتن . ( وأما الاحتمال الثانى) فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ فى فى السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من التراب ؟ قلنا إنه مائح فأمكن أن يشرب فى الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم . المسألة الخامسة﴾ قرأ حمزة والكسانى وعاصم من رواية حفص عنه غساقاً بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثانى اسم . واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه ( جزاء وفاقاً ) وفى المعنى ١٧ قوله تعالى : إنهم كانوا لا يرجون حسابا. سورة النبأ. ـمد ٢٧ إِنّهُمْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًاً وجهان : (الأول) أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديد فيكون العقاب ( وفاقاً) للذنب، ونظيره قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (والثانى) أنه (وفاقاً) من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوهاً: (أحدها) أن يكون الوفاق والموافق واحداً فى اللغة والتقدير جزاء مواقفً ( وثانيها) أن يكون نصباً على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم ( وفافاً) (وثالثها) أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملا فى ذلك المعنى، كذلك مهنا لما كان ذلك الجزاء كاملا فى كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه (وفافاً) (ورابعها) أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة (وفاقاً ) فعال من الوفق ، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ فى الشدة الغير المتناهى بحسب المدة ( وفاقاً) للاتيان بالكفر لحظة واحدة، وأيضاً فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعاً بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفافاً له؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم اللّه بعدم إيمانهم حاصلا ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بادخال المنافى الثانى فى الوجود متعاً لذاته وعينه ، ويكون تكليفاً بالجمع بين المتنافيين، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفافاً لمثل هذا الجرم؟ قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. وأعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جوانمهم ، وهى بعد ذلك نوعان : (أولهما ) قوله تعالى ﴿إنهم كانوا لا يرجون حساباً﴾ وفيه سؤالان: ﴿ الأول) وهو أن الحساب شىء شاق على الإنسان، والشىء الشاق لا يقال فيه إنه يرجى بل يجب أن يقال إنهم كانوا لا يخشون حساباً ( والجواب ) من وجوه (أحدها ) قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لايخافون، ونظيره قولهم فى تفسير قوله تعالى ( مالكم لاترجون لله وقاراً) (وثانيها) أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصى سوى الكفر، فقوله ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً) إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين ( وثالثها ) أن الرجاء ههنا بمعنى التوقع لأن الراجى للشىء متوقع له إلا أن أشرف أقسام التوقع هو الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه ( ورابعها) أن فى هذه الآية تنبيهاً على أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف، وذلك لأن للعبد حقاً على الله تعالى بحكم الوعد فى جانب الثواب ولله تعالى حق على العبد فى جانب العقاب، والكريم قد يسقط حق نفسه، ولا يسقط ما كان حقاً لغيره عليه ، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى فى الفخر الرازي - ج ٣١ م ٢ ١٨ قوله تعالى : وكذبوا بآياتنا كذابا. سورة النبأ. وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا كَذَّابًا ٢٨ الحساب، فلهذا السبب ذكر الرجاء ، ولم يذكر الخوف. ﴿ السؤال الثانى) أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح والكبائر، فما السبب فى أن خص الله تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر فى أول الأمر؟ (الجواب) لأن رغبة الإنسان فى فعل الخيرات ، وفى ترك المحظورات ، إنما تكون بسبب أن ينتفع به فى الآخرة ، فمن أنكر الآخرة، لم يقدم على شىء من المستحسنات ، ولم يحجم عن شىء من المنكرات، فقوله (إنهم كانوا لايرجون حساباً) تنبيه على أنهم فعلوا كل شر وتركواكل خير. ( والنوع الثانى) من قبائح أفعالهم قوله ﴿وكذبوا بآياتنا كذاباً﴾ اعلم أن النفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية وعملية ، وكمال الإنسان فى أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ولذلك قال ابراهيم (رب هب لى حكما والحقنى بالصالحين) (فهب لى حكما) إشارة إلى كمال القوة، النظرية (وألحقنى بالصالحين ) إشارة إلى كال القوة العملية، فههنا بين اللّه تعالى رداءة حالهم فى الأمرين ، أما فى القوة العملية فنبه على فسادها بقوله ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً ) أى كانوا مقدمين على جميع القبائح والمنكرات ، وغير راغبين فى شىء من الطاعات والخيرات . وأما فى القوة النظرية فنبه على فسادها بقوله ( وكذبوا بآياتنا كذاباً) أى كانوا منسكرين بقلوبهم للحق ومصرين على الباطل ، وإذا عرفت ما ذكر ناه من التفسير ظهر أبه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا فى الرداءة والفساد إلى حيث يستحيل عقلا وجود ما هو أزيد منه، فلما كانت أفعالهم كذلك كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة. فثبت بهذا صحة ما قدمه فى قوله ( جزاء وفاقاً ) فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة قد استمرت، ولم ينتبه لها أحد، فالحمد لله حمداً يليق بعلو شأنه وبرهانه على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار . واعلم أن قوله تعالى ( وكذبوا بآياتنا كذاباً) يدل على أنهم كذبوا بجميع دلائل الله تعالى فى التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن، وذلك يدل على كمال حال القوة النظرية فى الرداءة والفساد والبعد عن سواء السبيل وقوله ( كذاباً) أى تكذيباً وفعال من مصادر التفعيل وأنشد الزجاج: لقد طال ماريثتنى عن صحابتى وعن حوج قضاؤها من شفائنا من قصَّيت قضًّا، قال الفراء وهى لغة فصيحة يمانية ونظيره خرَّقت القميص خرَّاقا، وقال لى أعرابى منهم على المروة يستفتينى: الحلو أحب إليك أم العصَّار؟ وقال صاحب الكشاف كنت أفسرآية فقال بعضهم لقد فسرتها فسّاراًماسمع به، وقرى. بالتخفيف وفيه وجوه: (أحدها) أنهمصدر كَذَّب بدليل قوله ١٩ قوله تعالى : وكل شيء احصيناه كتابا. سورة النبأ. وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كتَبًا ٠٥/٠٤ فصدقتها أو كذبتها والمرء ينفعه كذا به وهو مثل قوله تعالى (أنبتكم من الأرض نباتاً) يعنى وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً (وثانيها) أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب (وثالثها) أن يجعل الكذاب. بمعنى المكاذبة ، فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين. لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرى. أيضاً كذلك وهو جمع كاذب، أى كذبوا بآياتنا كاذبين، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ فى الكذب، يقال رجل كذاب كقولك حسان وبخال، فيجعل صفة لمصدر كذبوا أى تكذيباً كذاباً مفرطاً كذبه، واعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم فى القوة العملية وفى القوة النظرية بلغ إلى أقصى العابات واعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال فى كمينها وكيفيتها معلومة له، وقدر ما يستحق عليه من العقاب معلوم له، فقال ﴿وكل شىء أحصيناه كتاباً﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج (كل) منصوب بفعلمضمر يفسره (أحصيناه) والمعنى: وأحصينا كل شىء وقرأ أبو السمال، وكل بالرفع على الابتداء. المسألة الثانية) قوله (وكل شيئاً أحصيناه) أي علناكل شىء كما هو علاً لا يزول ولا يتيدن رقوه نظيره قوله تعالى (أحصاه الله ونوه) واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات، واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل: وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريراً لما ادعاه من قوله ( جزاء وفاقاً ) كانه تعالى يقول: أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتبارانها التى لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقاً لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالماً بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كار كافراً قطعاً. المسألة الثالثة﴾. قوله (أحصيناه كتاباً) فيه وجهان (أحدهما ) تقديره أحصيناه إحصاء، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة، لأن الكتابة فى النهاية فى قوة العلم، ولهذا قال عليه السلام ((قيدوا العلم بالكتابة)) فكانه تعالى قال: وكل شىء أحصيناه إحصاء مساوياً فى القوة والثبات والتأكد للمكتوب، فالمراد من قوله كتاباً تأكيد ذلك الإحصاء والعلم، واعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر، فإن المكتوب يقبل الزوال، وعلم الله. بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته (القول الثانى) أن یکون قوله كتاباً حالا فى معنى مكتوباً والمعنى وكل شىء أحصيناه حال كونه مكتوباً فى اللوح المحفوظ، كقوله (وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين ) أو فى صحف الحفظة . ٢٠ قوله تعالى : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا. سورة النبأ. ٣٠ فَذُوقُواْ فَلَنْ تَّزِيدَكُمْ إِلَّ عَذَابًا ثم قال تعالى : ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً). واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولا، ثم ادعى كونه ( جزاء وفاقاً ) ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه أولا من أن ذلك العقاب كان ( جزاء وفاقاً ) لا جرم أعاد ذكر العقاب، وقوله (فذوقوا ) والفاء للجزاء، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله ( جزاء وفاقاً ). ﴿ المسألة الرابعة﴾ هذه الآية دالة على المبالغة فى التعذيب من وجوه (أحدها) قوله (فلن نزيد كم) وكلمة لن للتأكيد فى النفى (وثانيها) أنه فى قوله (كانوا لا يرجون حساباً) ذكرهم بالمغايبة وفى قوله (فذوقوا) ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب ( وثالثها) أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ، ثم قال (فذوقوا) فكانه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة فى التعذيب قال عليه الصلاة والسلام ((هذه الآية أشد ما فى القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشدمنه )» بقى فى الآية سؤالان: ﴿ السؤال الأول ) أليس أنه تعالى قال فى صفة الكفار (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إلهم) فهنا لما قال لهم (فذوقوا) فقد كلمهم؟ (الجواب) قال أكثر المفسرين تقدير الآية فذوقوا ، ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك الفائل أن يقول ( فلن نزيدكم إلا عذاباً) بل هذا الكلام لا يليق إلا بالله، والأقرب فى الجواب أن يقال قوله ( ولا يكلمهم ) أى ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فان تخصيص العموم غير بعيد لاسيما عند حصول القرينة ، فان قوله ( ولا يكلمهم) إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزناً، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب . ﴿ السؤال الثانى) دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد فى عذاب الكافر أبداً، فتلك الزيادة إما أن يقال إنها كانت مستحقة لهم أوغير مستحقة، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها فى أول الأمر إحساناً، والكريم إذا أسقط حق نفسه، فانه لا يليق به أن يسترجعة بعد ذلك، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلماً وإنه لا يجوز على اللّه (الجواب) كما أن الشىء يؤثر بحسب خاصية ذاته، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الا يلام أكثر ، وأيضاً فتلك الزيادة مستحقة، وتركها فى بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط، واللّه علم بما أراد. واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور: