النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ قوله تعالى : عينا يشرب بها عباد الله . سورة الإنسان . عَيْنًا يَشْرِبُ بِهَا عِبَادُ الَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَغِْيرًا ﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يخلق الله تعالى الكافور فى الجنة لكن من طعم طيب لذيذ، ويسلب عنه ما فيه من المضرة؟ ثم إنه تعالى يمزجه بذلك المشروب ، كما أنه تعالى سلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها فى الدنيا من المضار . ﴿السؤال الثانى) مافائدة كان فى قوله (كان مزاجها كافوراً)؟ (الجواب) منهم من قال إنها زائدة، والتقدير من كاس مزاجها كافورا، وقيل بل المعنى كان مزاجها فى علم الله، وحكمه كافورا قوله تعالى: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ إن قلنا الكافور اسم النهركان عيناً بدلامنه، وإن شئت نصبت على المدح، والتقدير أعنى عيناً، أما إن قلنا إن الكافور اسم لهذا الشىء المسمى بالكافور كان عيناً بدلا من محل من كأس على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل يشربون خمراً خمرعين ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه. المسألة الثانية﴾ قال فى الآية الأولى (يشربون من كأس) وقال ههنا يشرب بها، فذكر هناك من وههنا الباء، والفرق أن الكاس مبدأ شربهم وأول غايته. وأما العين فيها يمزجون شرابهم فكان المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول شربت الماء بالعسل. المسألة الثالثة﴾ قوله ( يشرب بها عباد اللّه) عام فيفيد أن كل عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون منها ، فدل على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان، إذا ثبت هذا فقوله (ولا يرضى لعباده الكفر) لا يتناول الكفار بل يكون مختصاً بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، فلا تدل الآية على أنه تعالى لا يريد كفر الكافر . قوله تعالى: ﴿يفجرونها تفجيراً ﴾ معناه يفجرونها حيث شاؤًا من منازلهم تفجيراً سهلا لا يمتنع عليهم واعلم أنه سبحانه لما وصف ثواب الأبرار فى الآخرة شرح أعمالهم التى بها استوجبوا ذلك الثواب فالأول قوله تعالى ﴿يوفون بالنذر﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ الإيفاء بالشىء هو الإتيان به وافياً، أما النذر فقال أبو مسلم النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من اللّه تعالى فهو وعد، واختص هذا اللفظ فى عرف الشرغ بأن يقول للّه على كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول إن شفى الله مريضى، أورد غائى فعلى كذا كذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر، كما إذا قال إن دخل فلان الدار فعلى كذا ، فمن الناس من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذر ، إذا عرفت هذا ، فنقول المفسرين فى تفسير الآية أقوال (أولها) أن المراد من النذر هو النذر فقط، ثم قال الأصم هذا مبالغة فى وصفهم بالترفر على أداء الواجبات . لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه اللّه عليه أو فى، وهذا الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٦ _ ٢٤٢ قوله تعالى: ويخافون يوماً كان شره مستطيراً . سورة الإنسان . وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيرًا ٧ التفسير فى غاية الحسن (وثانيها) المراد بالنذر فهنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب ( وثالثها) قال الكلى المراد من النذر العهد والعقد، ونظيره قوله تعالى (أوفوا بعهدى أوف بعهد كم) فسمى فرائضه عهداً، وقال (أوفوا بالعقود) سماها عقوداً لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان . المسألة الثانية) هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر، لأنه تعالى عقبه بيخافون يوماً وهذا يقتضى أنهم إنما وفو بالنذر خوفا من شر ذلك اليوم ، والخوف من شر ذلك اليوم لايتجةق إلا إذا كان الوفاء به واجباً، وتأكد هذا بقوله تعالى (ولا تنقضوا الإيمان) بعد توكيدها وبقوله ( ثم ليقضوا تفتهم وليوفوا نذورهم) فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التى ألزموها أنفسهم. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الفراء وجماعة من أرباب المعانى: كان فى قوله (كان مزاجها كافوراً) زائدة. وأما ههنا فكان محذوفة ، والتقدير كانوا يوفون بالنذر. ولقائل أن يقول: إنا بينا أن كان فى قوله (كان مزاجها) ليست بزائدة، وأما فى هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها، وذلك لأنه تعالى ذكر فى الدنيا أن الأبرار يشربون أى سيشربون ، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال ، ثم قال السبب فى ذلك الثواب الذى سيجدونه أنهم الآن (يوفون بالنذر ). (النوع الثانى) من أعمال الأبرار التى حكاها اللّه تعالى عنهم قوله تعالى ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ) . واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل ، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله ( يوفون) حكى عنهم النية وهو قوله (ويخافون يوماً) وتحقيقه قوله عليه السلام ((إنما الأعمال بالنيات)) وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار، وفى الآية سؤالات: (السؤال الأول) أحوال القيامة وأهو الها كلها فعل الله، وكل ما كان فعلالله فهو يكون حكمة وصواباً، وما كان كذلك لا يكونشراً، فكيف وصفها الله تعالى بأنها شر؟ (الجواب) أنها إنماسميت شراً لكونها مضرة بمن تنزل عليه وصعبة عليه، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شروراً. .﴿ السؤال الثانى) ما معنى المستطير؟ (الجواب) فيه وجهان (أحدهما) الذى يكون فاشياً منتشراً بالغاً أقصى المبالغ، وهو من قولهم: استطار الحريق ، واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر ، فإن قيل كيف يمكن أن يقال شر ذلك اليوم مستطير منتشر، مع أنه تعالى قال فى صفة أوليائه (لا يحزنهم الفزع الأكبر)؟، قلنا الجواب من وجهين (الأول) أن هول القيامة شديد ، ألا ترى أن السموات تنشق وتنفطر وتصير كالمهل ، وتتناثر الكواكب، وتتكور ٢٤٣ قوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه . سورة الإنسان . وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِبًا وَأَسِبْرًا ي إِنََّا نُطْعِمُ يِوَجْهِ اللهِ لَ يُرِدُ مِنْكُمْ بَزَاءُ وَلَا شُكُورًا (﴾ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أَمْطَرِيرًا ١٠ الشمس والقمر ، وتفرغ الملائكة ، وتبدل الأرض غير الأرض، وتنسف الجبال ، وتسجر البحار وهذا الهول عام يصل إلى كل المكلفين على ما قال تعالى (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وقال ( يوما يجعل الولدان شيباً) إلا أنه تعالى بفضله يؤمن أولياءه من ذلك الفزع ( والجواب الثانى) أن يكون المراد أن شر ذلك اليوم يكون مستطيراً فى العصاة والفجار. وأما المؤمنون فهم آمنون، كما قال (لا يحزنهم الفزع الأكبر، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ) إلا أن أهل العقاب فى غاية الكثرة بالنسبة إلى أهل الثواب ، فأجرى الغالب مجرى الكل على سبيل الحجاز . ﴿ القول الثانى) فى تفسير المستطير أنه الذى يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع . ﴿ السؤال الثالث) لم قال كان شره مستطيراً، ولم يقل وسيكون شره مستطيراً؟ (الجواب) اللفظ وإن كان للماضى، إلا أنه بمعنى المستقبل، وهو كقوله (وكان عهد الله مسؤلا) ويحتمل أن يكون المراد إنه كان شره مستطيراً فى علم الله وفى حكمته، كأنه تعالى يعتذر ويقول إيصال هذا الضرر إنما كان لأن الحكمة تقتضيه، وذلك لأن نظام العالم لا يحصل إلا بالوعد والوعيد، وهما يوجبان الوفاء به ، لاستحالة الكذب فى كلامى ، فكأنه تعالى يقول كان ذلك فى الحكمة لازماً ، فلهذا السبب فعلته ، ﴿ النوع الثالث ) من أعمال الأبرار قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويقيما وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، إما نخاف من ربنا يوماً عبوساً قطربراً أعلم أن مجامع الطاعات محصورة فى أمرين التعظيم لأمر الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله (يوفون بالنذر) والشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله ( ويطمعون الطعام ) وههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة، كأبى بكر الأصم وأبى على الجبائى وأبى القاسم الكعبى ، وأبى مسلم الأصفهانى ، والقاضى عبد الجبار بن أحمد فى تفسيرهم أن هذه الآيات نزلت فى حق على بن أبى طالب عليه السلام ، والواحدى من أصحابنا ذكر فى كتاب ٢٤٤ قوله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه . سورة الإنسان . البسيط أنها نزلت فى حق على عليه السلام ، وصاحب الكشاف من المعتزلة ذكر هذه القصة ، فروى عن ابن عباس رضى الله عنهما (( أن الحسن والحسين عليهما السلام مرضاً فعادهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى آناس معه، فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر على وفاطمة وفضة جارية لهما، إن شفاهما الله تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شىء فاستقرض على من شمعون الخبرى اليهودى ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبرت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مسا كين المسلمين أطعمونى أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صائمين ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يقيم فاتروه وجاءهم أسير فى الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ على عليه السلام بيد الحسن والحسين ودخلوا على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ما أشد ما يسونى ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة فى محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك ، فنزل جبريل عليه السلام وقال خذها يا محمد هناك الله فى أهل بيتك فأقرأها السورة)) والأولون يقولون إنه تعالى ذكر فى أول السورة أنه إنما خلق الخلق للابتلاء والامتحان ، ثم بين أنه هدى الكل وأزاح عللهم ثم بين أنهم انقسموا إلى شاكر وإلى كافر ثم ذكر وعيد الكافر ثم أتبعه بذكر وعد الشاكر فقال (إن الأبرار يشربون) وهذه صيغة جمع فتتناول جميع الشاكرين والأبرار ، ومثل هذا لا يمكن تخصيصه بالشخص الواحد ، لأن نظم السورة من أولها إلى هذا الموضع يقتضى أن يكون هذا بياناً لحال كل من كان من الأبرار والمطيعين ، فلو جعلناه مختصاً بشخص واحد لفسد نظم السورة ( والثانى) أن الموصوفين بهذه الصفات مذكورون بصيغة الجمع كقوله ( إن الأبرار يشربون، ويوفون بالنذر، ويخافون ويطعمون) وهكذا إلى آخر الآيات فتخصيصه بجمع معينين خلاف الظاهر ، ولا ينكر دخول على بن أبى طالب عليه السلام فيه ، ولكنه أيضاً داخل فى جميع الآيات الدالة على شرح أحوال المطيعين، فكما أنه داخل فيها فكذا غيره من أتقياء الصحابة والتابعين داخل فيها ، حينئذ لا يبقى للتخصيص معنى البتة ، اللهم إلا أن يقال السورة نزلت عند صدور طاعة مخصوصة عنه، ولكنه قد ثبت فى أصول الفقة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ﴿ المسألة الثانية) الذين يقولون هذه الآية مختصة بعلى بن أبى طالب عليه السلام، قالوا المراد من قوله ( وبطعموين الظطام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيراً) هو ما رويناه أنه عليه السلام أطعم المسكين واليقيم والأسير ، وأما الذين يقولون الآية عامة فى حق جميع الأبرار [فانهم] قالوا إطعام الطعام كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأى وجه كان ، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه ، ووجه ذلك أن أشرف أنواع الإحسان هو الإحسان بالطعام وذلك لأن قوام الأبدان ٢٤٥ قوله تعالى : إنما نطعمكم لوجه الله . سورة الإنسان . بالطعام ولا حياة إلا به، وقد يتوهم إمكان الحياة مع فقد ما سواه، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع وجوه المنافع والذى يقوى ذلك أنه يعبر بالأكل عن جميع وجوه المنافع، فيقال أكل فلان ماله إذا أتلفه فى سائر وجوه الإتلاف ، وقال تعالى ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً) وقال (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إذا ثبت هذا فنقول: إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون بأموالهم أهل الضعف والحاجة، وأما قوله تعالى (على حبه) ففيه وجهان (أحدهما) أن يكون الضمير للطعام أى مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره ( وآتى المال على حبه ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ما قال ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) ( والثانى) قال الفضيل بن عياض على حب الله أى لحبهم الله: واللام قد تقام مقام على، وكذلك تقام على مقام اللام ، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم ، وهم ثلاثة (أحدهم) المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه ( والثانى) اليتيم وهو الذى مات كاسبه فيبقى عاجزاً عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه (والثالث) الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوكـ[4] رقبته الذى لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلة ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى ههنا هم الذين ذكرهم فى قوله ( فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام فى يوم ذى مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة ) وقد ذكرنا اختلاف الناس فى المسكين قبل هذا ، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال (أحدها) قال ابن عباس والحسن وقتادة إنه الأسير من المشركين ، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أومن أو فداء أو استرقاق، ولا يمتنع أيضاً أن يكون المراد هو الأسير كافراً كان أو مسلماً ، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الاسلام أولى، فإن قيل لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه ؟ قلنا القتل فى حال لا يمنع من الإطعام فى حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر ، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ماهو دون القتل ثم هذا الاطعام على من يجب؟ فنقول الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين (وثانيها) قال السدى الأسير هو المملوك (وثالثها) الأسير هو الغريم قال عليه السلام ((غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك)) (ورابعها) الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، وروى ذلك مرفوعاً من طريق الخدرى أنه علية" لام قال (مسكيناً) فقيراً (ويتيما) لا أب له ( وأسيراً) قال المملوك المسجون (وخامسها) الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج، قال عليه الصلاة والسلام ((اتقوا الله فى النساء فانهن عندكم أعوان)» قال القفال واللفظ محتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد ، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له، ثم سمى بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس . ٢٤٦ قوله تعالى : إنما نطعمكم لوجه الله . سورة الإنسان . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين (أحدهما) تحصيل رضا الله. وهو المواد من قوله (إنما نطعمكم لوجه الله) (والثانى) الاحتراز من خرف يوم القيامة وهو المراد من قوله ( إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قطريراً) وههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ قوله (إنما نطعمكم لوجه الله) إلى قوله (قمطريراً) يحتمل ثلاثة أوجه ( أحدها) أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا هذه الأشياء باللسان، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعاً لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق ، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغى أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدى غيرهم بهم فى تلك الطريقة ( وثانيها) أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك ( وثالثها) أن يكون ذلك بياناً وكشفاً عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولواشيئاً . وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل اللّه تعالى، وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمد وثناء وتارة يكون له) وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى، وأما القسمان الباقيان فمر دودان قال تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله راء الناس) وقال ( وما أوتيتم من رباً ليربوا فى أموال الناس فلا يربوا عند اللّه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) ولا شك أنّ التماس الشكر من جنس المن والأذى. إذا عرفت هذا فنقول: القوم لما قالوا (إنما نطعمكم لوجه الله) بقى فيه احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل القشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله (لا يريد منكم جزاء ولا شكوراً). المسألة الثالثة﴾ الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر، وهو على وزن الدخول والخروج، هذا قول جماعة أهل اللغة، وقال الأخفش إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقوله ( فأبى الظالمون إلا كفوراً) مثل برد وبرود وإن شئت مصدراً واحداً فى معنى جمع مثل قعد قعوداً وخرج خروجاً . المسألة الرابعة) قوله ( إنا نخاف من ربنا) يحتمل وجهين (أحدهما) أن إحساناً إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم ( والثانى) أنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكاملة بالصدقة، فإن قيل إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام على ذلك بأمرين بطلب رضاء اللّه وبالخوف عن القيامة فما السبب فيه؟ قلنا الإيفاء بالنذر دخل فى حقيقة طلب رضاء اللّه تعالى، وذلك لأن النذر هو الذى أوجبه الإنسان على نفسه لأجل الله فلما كان كذلك لا جرم ضم إليه خوف القيامة فقط، أما الإطعام، فإنه لا يدخل فى حقيقة طلب رضا الله، فلا جرم ضم إليه طلب رضا الله وطلب الحذر من خوف القيامة . ٢٤٧ قوله تعالى . فوقاهم الله شر ذلك اليوم . سورة الإِنسان. فَوَقَنُهُمُ الَّهُ شَرَّ ذَلِكَ أَلْيَوْمٍ وَلَقَُّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (٨﴾ وَجَئُهُم ◌ِمَا صَبَرُواْ جَنَّةُ وَحِيرًا (٨ مُتَّكِينَ فِيهَ عَلَى الْأُرَآبِكِ ﴿ المسألة الخامسة﴾ وصف اليوم بالعبوس مجازاً على طريقتين (أحدهما) أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم نهارك صائم ، روى أن الكافر يحبس حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران ( والثانى ) أن يشبه فى شدته وضراوته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل. المسألة السادسة ﴾ قال الزجاج جاء فى التفسير أن قطريرا معناه تعبيس الوجه، فيجتمع ما بين العينين ، قال: وهذا سائغ فى اللغة يقال اقطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورست بأنفها يعنى أن معنى اقطر فى اللغة جمع ، وقال الكلى قطريراً يعنى شديداً وهو قول الفراء وأبى عبيدة والمبرد وابن قتيبة، قالوا يوم قمطرير، وقما طر إذا كان صعباً شديداً أشدما يكون من الأيام وأطوله فى البلاء ، قال الواحدى هذا معنى والتفسير هو الأول . قوله تعالى: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين طلب رضا الله والخوف من القيامة بين فى هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين ، أما الحفظ من هول القيامة، فهو المراد بقوله (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) وسمى شدائدها شراً توسعاً على ما علمت ، واعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب ، وأما طلب رضاء اللّه تعالى فأعطاهم بسيه نضرة فى الوجه وسروراً فى القلب، وقد من تفسير (ولقاهم) فى قوله ( ويلقون فيها تحية) وتفسير النضرة فى قوله (وجوه يومئذ ناضرة) والتفكير فى (سروراً) للنعظيم والتفخيم . قوله تعالى: ﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثارومايؤدى إليه من الجوع والعربى، بستاناً فيه مأكل هنىء وحريراً فيه ملبس بهى، ونظيره قوله تعالى (ولباسهم فيها حرير ) أقول وهذا يدل على أن المراد من قوله (إنما نطعمكم) ليس هو الإطعام فقط بل جمع أنواع المواساة من الطعام والكسوة، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم، وصف مساكنهم ، ثم إن المعتبر فى المساكن أمور: ﴿ أحدها) الموضع الذى يجلس فيه فوصفه بقوله: ﴿متكئين فيها على الأرائك) وهى السرر فى الحجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت، وفى نصب متكئين وجهان (الأول) قال الأخفش إنه نصب على الحال ، والمعنى وجزاهم جنة فى حال اتكائهم كما تقول جزاهم ذلك قياماً ، ( والثانى ) قال الأخفش وقد يكون على المدح . ٢٤٨ قوله تعالى . لا يرون فيها شمساً . سورة الإنسان. لَ يَرَوَّنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (﴾ وَدَانِيَةٌ عليهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴿ والثانى) هو المسكن فوصفه بقوله ﴿لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾ وفيه وجهان (أحدهما ) أن هواءها معتدل فى الحر والبرد (والثانى) أن الزمهرير هو القمر فى لغة طى. هكذا رواه ثعلب وأنشد : وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر . ﴿ والثالث﴾ كونه بستاناً نزهاً، فوصفه الله تعالى بقوله (ودانية عليهم ظلالها) وفى الآية سؤالان (الأول ) ما السبب فى نصب (ودانية)؟ (الجواب) ذكر الأخفش والكسائى والفراء والزجاج فيه وجهين ( أحدهما ) الحال بالعطف على قوله ( متكئين ) كما تقول فى الدار: عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، لأنه حيث قال عليهم رجع إلى ذكرهم (والثنى) الحال بالعطف على محمل (برون فيها شمساً ولا زمهريراً) والتقدير غير رائين فيها شمساً ولا زمهريراً (ودانية عليهم ظلالها) ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، كانه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد، ودنو الظلال عليهم (والثالث) أن يكون دائية نعتاً للجنة ، والمعنى: وجزاهم جنة دانية ، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة لموصوف محذوف ، كأنه قيل وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً، وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، وذلك لأنهم وعدوا جنتين ، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله (إنا نخاف من ربنا) وكل من خاف فله جنتان ، بدليل قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وقرى. (ودانية) بالرفع على أن (ظلالها) مبتدأ (ودانية) خبر، والجملة فى موضع الحال ، والمعنى (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) والحال أن ظلالها دائية عليهم. ﴿ السؤال الثانى) الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، فإن كان لا شمس فى الجنة فكيف يحصل الظل هناك؟ ( والجواب) أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظللة منها . قوله تعالى: ﴿وذللت قطوفها تذليلا ﴾ ذكروا فى ذللت وجهين (الأول) قال ابن قتيبة: ذللت أدنيت منهم من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك (والثانى) ظللت أى جعلت منقادة ولا تمتنع على قطاقها كيف شاءوا. قال البراء بن عازب: ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل بالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه. واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم عليه ٢٤٩ قوله تعالى : ويطاف عليهم بآنية . سورة الإِنسان . وَيُطَافُ عَلَيْهِم ◌ِثَانِيةٍ مِّنِ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ تَوَارِيرَاْ (٥) قَوَارِيَرَاًمِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (3) وصف تلك الأوانى التى فيها يشربون فقال ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة قدروها تقديراً﴾ فى الآية -ؤالات : ﴿ السؤال الأول) قال تعالى (ويطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب) والصحاف هى. القصاع، والغالب فيها الأكل فإذا كان ما ياكلون فيه ذهباً فما يشربون فيه أولى أن يكون ذهباً لأن العادة أن يتنوق فى إناء الشرب ما لا يقنوق فى إناء الأكل وإذا دلت هذه الآية على أن إناء شربهم يكون من الذهب فكيف ذكرههنا أنه من الفضة (والجواب ) أنه لا منافاة بين الأمرين فتارة يسقون بهذا وتارة بذاك. ( السؤال الثانى) ما الفرق بين الآنية والأكواب ؟ (الجواب) قال أهل اللغة الأكواب الكيزان التى لاعرى لها ، فيحتمل أن يكون على معنى أن الإناء يقع فيه الشرب كالفدح، والمكوب .اصب منه فى الإناء كالإبريق . ﴿ السؤال الثالث) ما معنى كانت؟ (الجواب) هو من يكون فى قوله (كن فيكون) أى تكونت قوارير بتكوين اللّه تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتى الجوهرين المتباينين. ﴿ السؤال الرابع ) كيف تكون هذه الأكواب من فضة ومن قوارير؟ ( الجواب) عنه من وجوه (أحدها) أن أصل القوارير فى الدنيا الرمل وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة فكما أن الله تعالى قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية ، فكذلك هو قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة ، فالغرض من ذكر هذه الآية ، التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة فضة الجنة إلى رمل الدنيا، فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين، فكذا بين القارورتين فى الصفاء واللطافة (وثانيها) قال ابن عباس ليس فى الدنيا شىء مما فى الجنة إلا الأسماء وإذا كان كذلك فكال الفضة فى بقائها ونقاتها وشرفها إلا أنه كثيف الجوهر، وكال القارورة فى شفافيتها وصفائها إلا أنه سريع الانكسار، فآنية الجنة آنية يحصل فيها من الفضة بقاؤها ونقاؤها، وشرف جوهرها، ومن القارورة، صفاؤها وشفافيتها (وثالثها) أنها تكون فضة ولكن لها صفاء القارورة، ولا يستبعد من قدرة الله تعالى الجمع بين هذين الوصفين (ورابعها) أن المراد (بالقوارير) فى الآية ليس هو الزجاج، فإن العرب تسمى ما استدار من الأوانى التى تجعل فيها الأشربة ورق وصفا قارورة، فمعنى الآية ( وأكواب من فضة) مستديرة صافية رقيقة . ٢٥٠ قوله تعالى : ويسقون فيها كأساً . سورة الإنسان . وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَتَجِيلًا (١٢) عَيْنَا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (٨) ﴿ السؤال الخامس) كيف القراءة فى (قواريرا، قوارير)؟ (الجواب) قرئا غير منوزين وبتنوين الأول وبتنوينهما، وهذا التنوين بدل عن ألف الإطلاق لأنه فاصلة ، وفى الثانى لاتباعه الأول لأن الثانى بدل من الأول فيقبع البدل المبدل ، وقرىء (قراريز من فضة ) بالرفع على هى قوارير ، وقدروها صفة لقوارير من فضة . أما قوله تعالى ( قدروها تقديراً ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال المفسرون معناه (قدروها تقديراً) على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص من الرى ليكون الذ لشربهم، وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأوانى تكون بمقدار مل. الكف لم تعظم فيثقل حملها . المسألة الثانية) أن منتهى مراد الرجل فى الآنية التى يشرب منها الصفاء والنقاء والشكل. أما الصفاء فقد ذكره الله تعالى بقوله (كانت قوارير) وأما النقاء فقد ذكره بقوله من فضة، وأما الشكل فقد ذكره بقوله ( قدروها تقديراً). ﴿ المسألة الثالثة﴾ المقدر لهذا التقدير من هو؟ فيه قولان (الأول) أنهم هم الطائفون الذين دل عليهم قوله تعالى ( ويطاف عليهم ) وذلك أنهم قدروا شرابها على قدر رى الشارب ( والثانى) أنهم هم الشاربون وذلك لأنهم إذا اشتهوا مقداراً من المشروب جاءهم على ذلك القدر واعلم أنه تعالى لما وصف أوانى مشروبهم ذكر بعد ذلك وصف مشروبهم، فقال ﴿ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا ﴾ العرب كانوا يحبون جعل الزنجبيل فى المشروب، لأنه يحدث فيه ضرباً من اللذع، فلما كان كذلك وصف الله شراب أهل الجنة بذلك، ولابد وأن تكون فى الطيب على أقصى الوجوه. قال ابن عباس: وكل ماذكره الله تعالى فى القرآن بما فى الجنة ، فليس منه فى الدنيا إلا الاسم، وتمام القول ههنا مثل ما ذكرناه فى قوله (كان مزاجها كافوراً). قوله تعالى : ﴿ عیناً فيها تسمى سلسبيلا ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال ابن الأعرابى لم أسمع السلسبيل إلا فى القرآن ، فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق، وقال الأكثرون يقال شراب سلسل وسلسال وسليل أى عذب سهل المساغ، وقد زيدت الباء فى التركيب حتى صارت الكلمة سداسية، ودات على غاية السلاسة، قال الزجاج السلسبيل فى اللغة صفة لما كان فى غاية السلاسة ، والفائدة فى ذكر السلسبيل هو أن ذلك الشراب يكون فى طعم الزنجبيل ، وليس فيه لذعة لأن نقيض اللذع هو السلاسة ، وقد عزوا إلى على بن أبى طالب عليه السلام أن معناه: سل سبيلا إليها، وهو بعيد إلا أن يراد أن جملة قول ٢٥١ قوله تعالى : ريطوف عليهم ولدان . سورة الإنسان . ١٠١٠/٠١/٤٠ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْنُؤَا مَّنْشُورًا (3) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا القائل سلسبيلا جعلت عدماً للعين، كما قيل تأبط شراً، وسميت بذلك، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح . المسألة الثانية﴾ فى نصب عيناً وجهان (أحدهما) أنه بدل من زنجبيلا ( وثانيهما) أنه نصب على الاختصاص . ﴿ المسألة الثالثة﴾ سلسبيلا صرف لأنه رأس آية، فصار كقوله الظنونا والسبيلا، وقد تقدم فى هذه السورة بيان ذلك. واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً فى تلك المجالس . فقال ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ وقد تقدم تفسير هذين الوصفين فى سورة الواقعة والأقرب أن المراد به دوام كونهم على تلك الصورة التى لا يراد فى الخدم أبلغ منها ، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحمنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة ، قال الفراء يقال مخلدون مسورون ويقال مقرطون. وروى نفطويه عن ابن الأعرابى مخلدون محلون . ﴿ والصفة الثالثة) قوله تعالى: ﴿إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً﴾ وفى كيفية التشبيه وجوه ( أحدها ) شبهوا فى حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم فى مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم ، ألا ترى أنه تعالى قال (ويطوف عليهم) فإذكانوا يطوفون كانوا متناثرين ( وثانيها) أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ما. ( وثالثها ) قال القاضى هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن فى المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً المجتمع منه . واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيراً﴾ وفيه مسائل: ( المسألة الأولى﴾ رأيت هل له مفعول؟ فيه قولان (الأول) قال الفراء: المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال (لقد تقطع بينكم) يريد ما بينكم، قال الزجاج لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة (الثانى) أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم ، كأنه قيل وإذا وجدت الرؤية ثم ، ومعناه أن بصر الرائى أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير، وثم فى موضع النصب على الظرف يعنى فى الجنة . . المسألة الثانية) اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة فى أمور ثلاثة. قضاء الشهوة، وإمضاء ٢٥٢ قوله تعالى : عاليهم ثياب سندس . سورة الإنسان . ٠٠٠/١,١ عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌّ الغضب، والذة الخيالية التى يعبر عنها يحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان فى واحدمنها ، فالملك الكبير الذى ذكره الله ههنا لابد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ماهر على أصول المتكلمين ، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى فى الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين فى هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد بما تقدم ذكره ، قال ابن عباس لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه . ويقال إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر فى ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه ، وقيل لازوال له وقيل إذا أرادوا شيئاً حصل ، ومنهم من حمله على التعظيم. فقال الكلى هو أن يأتى الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولى اللّه وهو فى منزله فيستأذن عليه ، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم قوله ( وإذا رأيت) خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناى ما ترى عيناك؟ فقال نعم ، فبكى حتى مات ، وقال آخرون بل هو خطاب لكل أحد . قوله تعالى: ﴿ عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق﴾ فيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحمزة عاليهم بإسكان الياء والباقون بفتح الياء ( أما القراءة الأولى) فالوجه فيها أن يكون عاليهم مبتدأ ، وثياب سندس خبره ، والمعنى ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ، فإن قيل عاليهم مفرد، وثياب سندس جماعة ، والمبتدأ إذا كان مفرداً لا يكون خبره جمعاً ، قلنا: المبتدأ، وهو قوله ( عاليهم ) وإن كان مفرداً فى اللفظ ، فهو جمع فى المعنى، نظيره قوله تعالى ( مستكبرين به سامراً تهجرون، فقطع دابر القوم) كأنه أفرد من حيث جعل بمنزلة المصدر (أما القراءة الثانية) وهى فتح الياء، فذكروا فى هذا النصب ثلاثة أوجه (الأول ) أنه نصب على الظرف ، لأنه لما كان عالى بمعنى فرق أجرى مجراه فى هذا الإعراب ، كما كان قوله ( والركب أسفل منكم) كذلك وهو قول أبى على الفارسى (والثانى) أنه نصب على الحال ، ثم هذا أيضاً يحتمل وجوهاً (أحدها ) قال أبو على الفارسى: التقدير: ولقاهم نضرة وسروراً حال ما يكون عاليهم ثياب سندس (وثانيها) التقدير: وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً حال ما يكون عاليهم ثياب سندس (وثانيها) أن يكون التقدير ويطوف على الأبرار ولدان ، حال ما يكون الأبرار عاليهم ثياب سندس (ورابعها) حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، حال ما يكون ٢٥٣ قوله تعالى : وحلوا أساور من فضة . سورة الإنسان . وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ عاليهم ثياب سندس ، فعلى الاحتمالات الثلاثة (الأول) تكون الثياب الأبرار ، وعلى الاحتمال الرابع تكون الثياب ثياب الولدان ( الوجه الثالث ) فى سبب هذا النصب ، أن يكون التقدير: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس. المسألة الثانية ) قرأ نافع وعاصم: خضر واستبرق، كلاهما بالرفع، وقرأ الكسائى وحمزة: كلاهما بالخفض ، وقرأ ابن كثير: خضر بالخفض ، واستبرق بالرفع، وقرأ أبو عمرو وعبد الله بن عامر: خضر بالرفع ، واستبرق بالخفض، وحاصل الكلام فيه أن خضراً يجوزفيه الخفض والرفع، أما الرفع فإذا جعلتها صفة لثياب ، وذلك ظاهر لأنها صفة مجموعة لموصوف مجموعة ، وأما الخفض فإذا جعلتها صفة سندس ، لأن سندس أريد به الجنس ، فكان فى معنى الجمع ، وأجاز الأخفش وصف اللفظ الذى يراد به الجنس بالجمع ، كما يقال أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض إلا أنه قال إنه قبيح، والدليل على قبحه أن العرب تجىء بالجمع الذى هو فى لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد وذلك قولهم حصى أبيض وفى التنزيل (من الشجر الأخضر) و (أعجاز نخل منقعر) إذكانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجمع، فالواحد الذى فى معنى الجمع أولى أن تفرد صفته، وأما استبرق فيجوز فيه الرفع والخفض أيضاً معاً ، أما الرفع فاذا أريد به العطف على الثياب، كأنه قيل: ثيابسندس واستبرق وأما الخفض فإذا أريد إضافة الثيابإلیه کانه قیل ثياب سندس واستبرق ، والمعنى ثيابهما فأضاف الثياب إلى الجنسين كما يقال ثياب خز وكتان ، ويدل على ذلك قوله تعالى ( يلبسون ثيابًخضراً من سندس واستبرق) واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت فى سورة الكهف. ﴿ المسألة الثالثة) السندس مارق من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه، وكل ذلك داخل فى اسم الحرير قال تعالى (ولباسهم فيها حرير) ثم قيل إن الذين هذا لباسهم م الولدان المخلدون ، وقيل بل هذا لباس الأبرار، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذى يعلوها أفضلها، ولهذا قال (عاليهم) وقيل هذا من تمام قوله (متكئين فيها على الأرائك) ومعنى (عاليهم) أى فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس ، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج . قوله تعالى: ﴿وحلو أساور من فضة) وفيه سؤالات : (السؤال الأول ) قال تعالى فى سورة الكهف ( أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيهامن أساور من ذهب) فكيف جعل تلك الأساور ههنامن فضة؟ (والجواب) من ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء فى الدنيا (وثانيها) أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب ، فالله تعالى يعطى كل أحد ماتكون رغبته فيه أتم ، وميله إليه ٢٥٤ قوله تعالى : وسقاهم ربهم شراباً . سورة الإنسان . وَسَقَنُهُمْ رَبِهُمْ شَرَاباً طَهُورًا أشد (وثالثها) أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون الوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس . ﴿ السؤال الثانى) السوار إنما يليق بالفاء وهو عيب للرجال، فكيف ذكر الله تعالى ذلك فى معرض الترغيب ؟ (الجواب) أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يخلوا ذهباً وفضة وإن كانوا رجالا ، وقيل هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط ، ثم غلب فى اللفط جانب التذكير، وفى الآية وجه آخر، وهو أن آلة أكثر الأعمال هى اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هى التى يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية ، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التى يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب ، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله (وسقام ربهم شراباً طهوراً) وبالجملة فقوله ( وحلوا أساور من فضة) إشارة إلى قوله (والذين جاهدوا فينا) وقوله (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) إشارة إلى قوله ( لنهدينهم سبلنا) فهذا احتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده. قوله تعالى: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ الطهور فيه قولان (الأول) المبالغة فى كرة، ظاهراً ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات (أحدها) أنه لا يكون نجساً كهر الدنيا (وثانيها) المبالغة فى البعد عن الأمور المستقذرة يعنى ما مسته الأيدى الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة ( وثالثها) أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك (القول الثانى) فى الطهور أنه المطهر، وعلى هذا التفسير أيضاً فى الآية احتمالان (أحدهما) قال مقاتل هو عين ماء على باب الجنه تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان فى قلبه من غل وغش وحسد، وما كان فى جوفه من قذر وأذى ( وثانيهما) قال أبو قلابة" يؤتون الطعام والشراب فإذا كان فى آخر ذلك أتر بالشراب الطهير ، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور، مطهراً لأنه يطهر باطهم عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية، فإن قيل قوله تعالى (وسقاهم ربهم) هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور، والزنجبيل ، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا بلى هذا نوع آخر، وبدل عليه وجوه (أحدها ) دفع التكرار (وثانيها) أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ، فقال (وسقاهم ربهم) وذلك يدل على فضل فى هذا دون غيره ( وثالثها) ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة ، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون ، ٢٥٥ قوله تعالى : إن هذا كان لكم جزاء . سورة الإنسان . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرُ جَزَاءُ وَكَانَ سَعْيُكُ مَّشْكُورًا ( فيطهر ذلك بطونهم ، ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة ، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه ريح كريح المسك، وكل ذلك يدل على المغايرة (ورابعها) وهو أن الروح من عالم الملائكة ، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة ، وعظاماتهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذى يزيل العطش ويقوى البدن ، وكما أن العيون متفاوتة فى الصفاء والكثرة والقوة، فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة، فبعضها تكون كافورية على طبع البرد واليبس ، ويكون صاحبها فى الدنيا فى مقام الخوف والبكاء والانقباض، وبعضها تكون زنجبيلية على طبع الحر واليبس، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ما سوى الله تعالى قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات، ثم لا تزال الروح البشرية منتق لة من ينبوع إلى يفبوع، ومن نور إلى نور ، ولا شك أن الأسباب والمسبيات متناهية فى ارتقائها إلى واجب الوجود الذى هو النور المطلق جل جلاله وعز كماله، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب النهضمت تلك الأشربة المتقدمة، بل فنيت ، لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل فى مقابلة نور الله وكبريائه وعظمته، وذلك هو آخر سير الصديقين، ومنتهى درجانهم فى الإرتقاء والكمال ، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) . واعلم أنه تعالى لما تم شرح أحوال السعداء، قال تعانى ﴿إن هذا كان لكم جزاءاً وكان سيكم مشكوراً ﴾ . أعلم أن فى الآية وجهين (الأول) قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم لنعيمها: إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله تعالى لكم إلى هذا الوقت ، فهو كاء لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم، كما قال حاكياً عن الملائكة إنهم يقولون لأهل الجنة (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) وقال (كارا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية ) والغرض من ذكر هذا الكلام أن يزداد سرورهم، فإنه يقال للمعاقب: هذا بعملك الردى. فيزداد غمه وألم قلبه، ويقال للمثاب، هذا بطاعتك، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة فى سريره، والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمراً، أى ويقال لهم هذا الكلام (الوجه الثانى) أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى لعباده فى الدنيا، فكأنه تعالى شرح جواب أهل الجنة، أن هذا كان فى على وحكمى جزاء لكم يامعاشر عبادى، لكم خلفتها، ولأجلكم أعددتها، وبقى فى الآية سؤالان : ٢٥٦ قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن . سورة الإنسان . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا. ﴿ السؤال الأول) إر' كان فعل العبد خلفاً لله، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله؟ ( الجواب) الجزء هو الكافى، وذلك لا ينافى كونه فعلا لله تعالى. ﴿ السؤال الثانى) كون سعى العبد مشكوراً لله يقتضى كون الله شاكراً له (والجواب) كون الله تعالى شاكراً للعبد محال إلا على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه (الأول) قال القاضى إن الثواب مقابل لعلمهم ، كما أن الشكر مقابل للنعم (الثانى) قال الففال إنه مشهور فى كلام الناس، أن يقولوا للراضى بالقليل والمثنى به إنه شكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات ، وإعطاؤه إياهم عليه ثواباً كثيراً (الوجه الثالث) أن منتهى درجة العبد أن يكون راضياً من ربه مرضياً لربه على ما قال ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية) وكونها راضية من ربه ، أقل درجة من كونها مرضية لربه ، فقوله إن هذا كان لكم جزاء) إشارة إلى الأمر الذى به قصير النفس راضية من ربه وقوله ( وكان سعيكم مشكوراً) إشارة إلى كونها مرضية لربه ، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها فى ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين . قوله تعالى : ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ﴾ اعلم أنه سبحانه بين فى أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) ثم بين أنه سبحانه خلفه من أمشاج، والمراد منه إما كونه مخلوقاً من العناصر الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء والأرواح أومن البدن والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، وعلى أى هذه الوجوه تحمل هذه الآية ، فلذلك يدل على أنه لا بد من الصانع المختار .جل جلاله وعظم كبر ياؤه. ثم بين بعد ذلك أنى ما خلقته ضائماً عاطلا باطلا، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان، وإليه الإشارة بقوله (نبتليه) وههنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر، ثم ذكر تعالى أنى أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان، وهو السمع والبصر والعقل، وإليه الإشارة بقوله ( جعلناه سميعاً بصيراً) ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها فى هذا الباب أفرده عن السمع والبصر ، فقال (إنا هديناه السبيل) ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين: منهم شاكر، ومنهم كفور، وهذا الإنقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية، أو من اللّه على ما هو تأويل الجبرية، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء ، وهو إلى قوله ( وكان سعيكم مشكوراً) واعلم أن الاختصار فى ذكر العقاب مع الإطناب فى شرح الثواب يدل على أن جانب ٢٥٧ قوله تعالى : فاصبر لحكم ربك . سورة الإنسان . فَأَصْبِرْ لِحُكْ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَ ائِمًا أَوْ كَفُورًا. الرحمة أغلب وأقوى، فظهر ما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع فى بيان أحوال الآخرة، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك فى أحوال الدنيا، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين. أما المطيعون فهم الرسول وأمته، والرسول هو الرأس والرئيس، فلهذا خص الرسول بالخطاب. واعلم أن الخطاب إما النهى وإما الأمر، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهى والأمر، قدم مقدمة فى تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإزالة الغم والوحشة عن خاطره، وإنما فعل ذلك ، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة . ذكر نهيه عن بعض الأشياء ، ثم بعد الفراغ عن النهى ، ذكر أمره ببعض الأشياء، وإنما قدم النهى على الأمر، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع، وإزالة مالا ينبغى مقدم على تحصيل ما ينبغى ، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين والكفار على ما سيأتى تفصيل بيانه، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه السورة، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام، فالحمدلله الذى نور عقل هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار، وله الشكر عليه أبدالآ باد. ولنرجع إلى التفسير ، فنقول أما تلك المقدمة، فهى: قوله تعالى (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) واعلم أن المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهامة وسحر ، فذكر الله تعالى أن ذلك وحى من الله، فلا جرم بالغ وكرر الضمير بعد إيقاعه اسما، لأن تأكيداً على تأكيد أبلغ، كأنه تعالى يقول إن كان هؤلاء الكفار يقولون إن ذلك كهانة، فأنا الله الذلك الحق أقول على سبيل التأكيد والمبالغة إن ذلك وحى حق وتعديل صدق من عندى ، وهذا فيه فائدتان : ﴿إحداهما) إزالة الوحشة المتقدمة الحاصلة بسبب طعن أولئك الكفار، فإن بعض الجهال وإن طعنوا فيه إلا أن جبار السموات عظمه وصدقه . ﴿ والثانية) تقويته على تحمل التكليف المستقبل، وذلك لأن الكفار كانوا يبالغون فى إيذائه ، وهو كان يريد مقاتلتهم فلما أمره الله تعالى بالصبر على ذلك الإيذاء وترك المقاتلة، وكان ذلك شافاً عليه، فقال له (إنا نزلنا عليك القرآن تنزيلا) فكأنه قال له إنى ما نزلت عليك هذا القرآن مفرقا منجما إلا لحكمة بالغة تقتضى تخصيص كل شىء بوقت معين ، ولقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن فى القتال ، فاصبر لحكم ربك الصادر عن الحكمة المحضة المبرأ عن العيب والعبث والباطل. ثم إنه تعالى لما قدم هذه المقدمة ذكر النهى فقال تعالى ﴿فاصبر لحكم ربك ولا قطع منهم آئماً أو كفوراً﴾. فإما أن يكون المعنى (فاصبر لحكم ربك ) فى تأخير الإذن فى القتال ونظيره ( فاصبروا حتى الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٧ ٢٥٨ قوله تعالى : فاصبر لحكم ربك . سورة الإنسان . يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) أو يكون المعنى عاماً فى جميع التكاليف ، أى فاصبر فى كل ماحكم به ربك سواء كان ذلك تكفاً خاصاً بك من العبادات والطاعات أو متعلقاً بالغير وهو التبليغ وأداء الرسالة ، وتحمل المشاق الناشئة من ذلك، ثم فى الآية سؤالات: ﴿ السؤال الأول) قوله (فاصبر لحكم ربك) دخل فيه أن (لا قطع آئماً أو كفوراً) فكان ذكره بعد هذا تكريراً (الجواب) الأول أمر بالمأمورات، والثانى نهى عن المنهيات ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح فيكون التصريح به مفيداً . ﴿ السؤال الثانى) أنه عليه السلام ما كان يطيع أحداً منهم، فما الفائدة فى هذا النهى؟ ( الجواب ) المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد، لأجل ماتركب فيهم من الشهوات الداعية إلى الفساد، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله وإمداده وإرشاده، لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم، ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم، لأنه لابد له من الرغبة إلى الله والتضرع إليه فى أن يصونه عن الشبهات والشهوات . ﴿ السؤال الثالث) ما الفرق بين الآثم والكفور؟ (الجواب) الآثم هو المقدم على المعاصى أى معصية كانت، والكفورهو الجاجد للنعمة، فكل كفور آثم، أماليس كل آثم كفوراً، وإنما قلنا إن الآثم عام فى المعاصى كلها لأنه تعالى قال (ومن يشرك بالله. فقد افترى إنما عظيما) فمى الشرك إثماً، وقال ( ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وقال ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه) وقال ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) فلت هذه الآيات على أن هذا الإثم شامل لكل المعاصى، واعلم أن كل من عبد غير الله فقد اجتمع فى حقه هذان الوصفان، لأنه لما عبد غيره، فقد عصاه وجحد إنعاده، إذا عرفت هذا فنقول فى الآية قولان (الأول) أن المراد شخص معين ، ثم منهم من قال الآثم، والكفور هو شخص واحد وهو أبو جهل، ومنهم من قال الآثم هو الوليد والكفور هو عتبة ، قال القفال، ويدل عليه أنه تعالى سمى الوليد أثيم) فى قوله ( ولا قطع كل حلاف مهين ) إلى قوله ( مناع للغير معتد أثيم ) وروى صاحب الكشاف أن الآثم هو عتبة. والكفور هو الوليد لأن عتبة كان ركاباً للمسآثم متعاطياً لأنواع الفرق والوليد كان غالياً فى الكفر، والقول الأول أولى لأنه متأيد بالقرآن، يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدى فإنى من أجمل قريش ولداً وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فإنى من أكثرهم مالا، فقرأ عليهم رسول اللّه مش لتت عشر آيات من أول (حم - السجدة إلى قوله - بإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ونمود ) فانصرفا عنه وقال أحدهما ظنت أن الكعبة ستقع على ( القول الثانى) أن الآثم والكفور مطلقان غير مختصين بشخص معين، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر، ثم قال الحسن الآثم هو المنافق والكفور مشركوا العرب، وهذا ضعيف بل الحق ما ذكرناه من أن الآثم عام والكفور خاص ٢٥٩ قوله تعالى : واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا . سورة الإنسان . وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (يَّ وَمِنَ الَّيْلِ فَأَتْجُدْ لَهُ, وَسَبِحُهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿السؤال الرابع) كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة فى قوله (آ ثما أو كفوراً)؟ (الجواب) (الكفور ) أخبث أنواع الآثم، مخصه بالذكر تنبيهاً على غاية خبئه ونهاية بعده عن الله. ﴿ السؤال الخامس) كلمة أو تقتضى النهى عن طاعة أحدهما فلم لم يذكر الواو حتى يكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟ (الجراب) ذكروا فيه وجهين: (الأول) وهو الذى ذكره الزجاج واختاره أكثر المحققين أنه لو قيل ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما لأن النهى عن طاعة مجموع شهرين لا يقتضى النهى عن طاعة كل واحد منهما وحده ، أما النهى عن طاعة أحدهما فيكون نهياً عن طاعة مجموعهما لأن الواحد داخل فى المجموع، ولقائل أن يقول هذا ضعيف، لأن قوله (لا قطع) هذا وهذا معناه كن مخالفاً لأحدهما ، ولا يلزم من إيجاب مخالفة أحدهما إيجاب مخالفتهما معاً. فإنه لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين خالفه، أما إذا توافقا فلا تخالفهما. (والثانى) قال الفراء تقدير الآية لا قطع منهم أحداً سواء كان (آثما أو كفوراً) كقول الرجل لمن يسأله شيئاً: لا أعطيك سواء سألت أو سكت. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا النهى عقبه بالأمر ، فقال ﴿ واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا، ومن الليل فاجد له وسبحه ليلا طويلا ﴾ وفى هذه الآية قولان: ﴿ الأول) أن المراد هو الصلاة قالوا لأن التقييد بالبكرة والأصيل يدل على أن المراد من قوله ( واذكر اسم ربك) الصلوات. ثم قالوا البكرة هى صلاة الصبح والأصيل صلاة الظهر والعصر (ومن الليل فاسود له ) المغرب والعشاء، فتكون هذه الكلمات جامعة الصلوات الخمس وقوله ( وسبحه ليلا طويلا) المراد منه التهجد ، ثم اختلفوا فيه فقال بعضهم كان ذلك من الوجبات على الرسول عليه السلام، ثم نسخ كما ذكرنا فى سورة المزمل واحتجوا عليه بأن قوله (فاسود له وسبحه) أمر وهو للوجوب لا سيما إذا تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون بل المراد التطوع وحكمه ثابت . ﴿ القول الثانى) أن المراد من قوله (واذكر اسم ربك) إلى آخر الآية ليس هو الصلاة بل المراد التسبيح الذى هو القول والاعتقاد، والمقصود أن يكون ذا كراً لله فى جميع الأوقات ليلا ونهاراً بقلبه ولسانه، وهو المراد من قوله ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحره بكرة وأصيلا ) . واعلم أن فى الآية لطيفة أخرى وهى أنه تعالى قال ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) أى ٢٦٠ قوله تعالى : إن هؤلاء يحبون العاجلة . سورة الإنسان . أَحْنُ خَلَقْنَهَم إِنَّ هَؤلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَّرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَ إِذَا شِئْنَا بَّلْنَا أَمْثَلَّهُمْ تَبْدِيلا (3) هديناك إلى هذه الأسرار، وشرحنا صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقاداً مطيعاً لأمرنا، وإياك وأن تكون منقاداً مطيعاً لغيرنا، ثم لما أمره بطاعته، ونهاه عن طاعة غيره قال ( واذكر اسم ربك) وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا، فتارة يقال له ( واذكر اسم ربك) وهو إشارة إلى معرفة الأسماء، وتارة يقال له ( واذكر ربك فى نفسك) وهو إشارة إلى مقام الصفات، وأما معرفة الحقيقة المخصوصة التى هى المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية، فلا سبيل لشىء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكال نوره . واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهى والأمر عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين، فقال تعالى ﴿إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا﴾ والمراد أن الذى حمل هؤلاء الكفار على الكفر ، وترك الالتفات والإعراض عما ينفعهم فى الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل المذكورة فى أول هذه السورة، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة والراحات الدينية ، وفى الآية سؤالان : ﴿ السؤال الأول) لم قال وراءهم ولم يقل قدامهم؟ (الجواب) من وجوه (أحدها) لما لم يلتفتوا إليه، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم (وثانيها) المراد ويذرون وراهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف (وثالثها) أن وراء تستعمل بمعنى قدام كقوله (من وراته جهنم) ( وكان وراءهم ملك ) . ﴿ السؤال الثانى) ما السبب فى وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل؟ (الجواب) استعير الثقل لشدته وهوله ، من الشىء الثقيل الذى يتعب حامله ونحوه (ثقلت فى السموات والأرض). ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعى لهم إلى هذا الكفر حب العاجل، قال ﴿ نحن خلفناهم وشددنا أسرهم ، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ . والمراد أن حبهم العاجلة يوجب عليهم طاعة الله من حيث الرغبة ومن حيث الرهبة ، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذى خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التى بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة ، وخلق جميع ما يمكن الانتفاع به، فإذا أحبوا اللذات العاجلة، وتلك اللذات لا تحصل