النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
قوله تعالى : ثم عبس وبسر . سورة المدثر .
١=٠٠٠٠
ثُمَّ عَسَ وَبَسَرَ (٦﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ هُ
٠٠٠٤٤١
فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِريؤثر
ثم إنه تعالى وصف بعد ذلك أحوال وجهه، فقال: ﴿ثم عبس وبسر) وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله (عبس وبسر) يد على أنه كان عارفاً فى قلبه صدق محمد
ورائ إلا أنه كان يكفر به عناداً، ويدل عليه وجوه: (الأول) أنه بعد أن تفكر وتأمل قدر فى
نفسه كلاماً عزم على أنه يظهره ظهرت العبوسة فى وجهه ولو كان معتقداً صحة ذلك الكلام لفرح
باستنباطه وإدراكه، ولكنه لما لم يفرح به علمنا أنه كان يعلم ضعف تلك الشبهة، إلا أنه لشدة
عناده ما كان يجد شبهة أجود من تلك الشبهة، فلهذا السبب ظهرت العبوسة فى وجهه ( الثانى)
ما روى أن الوليد مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حم السجدة فلما وصل
إلى قوله ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أنشده الوليد بالله وبالرحم
أن يسكت ، وهذا يدل على أنه كان يعلم أنه مقبول الدعاء صادق اللهجة ، ولما رجع الوليد قال
لهم: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة،
وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلووما يعلى عليه، فقالت قريش صبأ الوليدولو صباً لتصبأن قريش كلها.
فقال أبو جهل أنا أكفيكوه، ثم دخل عليه محزوناً فقال مالك يا ابن الأخ؟ فقال إنك قد صبوت
لتصيب من طعام محمد وأصحابه وهذه قريش تجمع لك مالا ليكون ذلك عوصاً ما تقدر أن تأخذ من
أصحاب محمد ، فقال والله ما يشبعون فكيف أقدر أن آخذمتهم .الا، ولكنى تفكرت فى أمره كثيراً
فلم أجد شيئاً يليق به إلا أنه ساحر، فأفول استعظامه للقرآن واعترافه بأنه ليس من كلام الجن.
والإنس يدل على أنه كان فى ادعاء السحر معانداً لأن السحر يتعلق بالجن (والثالث ) أنه كان يعلم
أن أمر السحر مبنى على الكفر بالله، والأفعال المنكرة، وكان من الظاهر أن محمداً لا يدعو إلا إلى
الله، فكيف يليق به السحر؟ فثبت بمجموع هذه الوجوه أنه إنما (عبس وبسر) لأنه كان يسلمان
الذى يقوله كذب وبهتان .
المسألة الثانية﴾ قال الليث عبس يعبس فهو عابس إذا خطب ما بين عينيه، فان أبدى عن
أسنانه فى عرسه قيل كاح ، فإن اهتم لذلك وفكر فيه قيل بسر ، فإن غضب مع ذلك قيل بسل.
قوله تعالى: ﴿ ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سٍ يؤثر﴾ أدب عن سائر الناس إلى أهله
واستكبر أى تعظم عن الإيمان فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، وإنما ذكره بفاء التعقيب ليعلم أنه
لما ولى واستكبر ذكر هذه الشبه، وفى قوله (يؤثر) وجهان (الأول) أنه من قولهم أثرت
الحديث آثره أثراً إذا حدثت به عن قوم فى آثارهم ، أى بعد ماماتوا هذاهو الأصل ، ثم صار بمعنى
٢٠٢
قوله تعالى : إن هذا إلا قول البشر . سورة المدثر .
إِنْ هَذَآَ إِلَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٥َ سَأَصْلِيهِ سَقَرَ (٦) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَاسَقَر (3)
لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرَ ﴾
٢٨
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
الرواية عمن كان ( والثانى ) يؤثر على جميع السحر، وعلى هذا يكون هو من الإيثار.
ثم قال ﴿ إن هذا إلا قول البشر﴾ والمعنى أن هذا قول البشر، ينسب ذلك إلى أنه ملتقط
من كلام غيره، ولو كان الأمر كما قال لتمكنوا من معارضته إذ طريقتهم فى معرفة اللغة متقاربة.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن الوليد إنما كان يقول هذا الكلام عناداً منه ، لأنه روى
عنه أنه لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حم السجدة) وخرج من عند الرسول عليه
السلام قال سمعت من محمد كلاماً ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له الحلاوة وإن
عليه لطلاوة وأنه يعلو ولا يعلى عليه ، فلما أقر بذلك فى أول الأمر علمنا أن الذى قاله ههنا من أنه
قول البشر، إنما ذكره على سبيل العناد والتمرد لا على سبيل الاعتقاد.
ثم قال ( سأصليه سقر﴾ قال ابن عباس (سقر) اسم للطبقة السادسة من جهنم ، ولذلك
لا ينصرف للتحريف والتأنيث.
ثم قال ﴿ وما أدراك ما سقر﴾ والغرض التهويل.
ثم قال ﴿ لا تبقى ولا تذر﴾ واختلفوا فمنهم من قال هما لفظان مترادفان معناهما واحد،
والغرض من التكرير التأكيد والمبالغة كما يقال صد عنى وأعرض عنى . ومنهم من قال لا بد من
الفرق، ثم ذكروا وجوهاً (أحدها) أنها لا تبقى من الدم واللحم والعظم شيئاً فإذا أعيدوا
خلقاً جديداً (فلا تذر) أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت ، وهكذا أبدا، وهذا رواية عطاء
عن ابن عباس (وثانيها ) لا تبقى من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك
المعذبين شيئاً إلا أحرقته ( وثالثها) لا تبقى من أبدان المعذبين شيئاً، ثم إن تلك النيران لا تذر
من قوتها وشدتها شيئاً إلا وتستعمل تلك القوة والشدة فى تعذيهم .
ثم قال ﴿ لواحة للبشر﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الاراحة قولان (الأول) قال الليث: لاحه العطش ولوحه إذا غيره ،
فاللواحة هى المغيرة. قال الفراء: تسود البشرة بإحراقها (والقول الثانى) وهو قول الحسن.
والأصم : أن معنى اللواحة أنها تلوح للبشر من صغيرة خمسمائة عام، وهو كقوله (وبرزت
الجحيم لمن يرى) ولواحة على هذا القول من لاح الشىء يلوح إذا لمع نحو البرق ، وطعن القائلون
بهذا الوجه فى الوجه الأول، وقالوا إنه لا يجوز أن يصفها بتسويد البشرة مع قوله إنها ( لا تبقى
ولا تذر) .
٢٠٣
قوله تعالى : عليها تسعة عشر . سورة المدثر .
عَلَيْهَا نَسْعَةَ عَشَرَ (*) وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَبِّكَةُ
٠٠ - ٠٠٤
٠٠٠٠
المسألة الثانية﴾ قرى. ﴿لواحة﴾ نصباً على الاختصاص للتهويل.
ثم قال ﴿ عليها تسعة عشر﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾. المعنى أنه يلى أمر تلك النار، ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكا، وقيل
تسعة عشر صنفاً، وقيل تسعة عشر صفاً. وحكى الواحدى عن المفسرين: أن خزنة النار تسعة
عشر مالك ، ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق ، وأنيابهم كالصياحى ، وأشعارهم تمس أقدامهم ،
يخرج لهب النار من أفواههم ، ما بين منكى أحدهم مسيرة سنة ، يسع كف أحدهم مثل ربيعة
ومضر ، نزعت منهم الرأفة والرحمة ، يأخذ أحدهم سبعين ألفاً فى كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم
المسألة الثانية ﴾ ذكر أرباب المعانى فى تقدير هذا العدد وجوهاً (أحدها) وهو الوجه
الذى تقوله أرباب الحكمة . أن سبب فساد النفس الإنسانية فى قوتها النظرية، والعملية هو القوى
الحيوانية والطبيعية .
أما القوى الحيوانية فهى: الخمسة الظاهرة ، والخمسة الباطنة ، والشهوة والغضب، ومجموعهما
اثنتا عشرة .
وأما القوى الطبيعة فهى : الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة ،
وهذه سبعة ، فالمجموع تسعة عشر، فلما كان منشأ الآفات هو هذه التسعة عشر، لا جرم كان
عدد الزبانية هكذا ( وثانيها ) أن أبواب جهنم سبعة، فستة منها للكفار، وواحد للفساق ، ثم إن
الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة : ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل ، فيكون لكل باب
من تلك الأبواب الستة ثلاثة والمجموع ثمانية عشر، وأما باب الفساق فليس هناك زبانية بسبب ترك
الاعتقاد ولا بسبب ترك القول، بل ليس إلا بسبب ترك العمل، فلا يكون على بابهم إلا زبانية واحدة
فالمجموع تسعة عشر ( وثالثها) أن الساعات أربعة وعشرون خمسة منها مشغولة بالصلوات الخمس
فيبقى منها تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قراءة أبى جعفر ويزيد وطلحة بن سليمان (عليها تسعة عشر) على تقطيع
فاعلان، قال ابن جنى فى المحتسب، والسبب أن الاسمين كاسم واحد، فكثرت الحركات ، فأسكن
أول الثانى للتخفيف ، وجعل ذلك أمارة القوة اتصال أحد الإسمين بصاحبه، وقرأ أنس بن مالك
(تسعة عشر) قال أبو حاتم هذه القراءة لا تعرف لها وجهاً، إلا أن يعنى: تسعة أعشر جمع عشير
مثل يمين وأيمن ، وعلى هذا يكون المجموع تسعين .
قوله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) روى أنه لما نزل قوله تعالى (عليها تسعة عشر)
قال أبو جهل لقريش ثكلنكم أمهاتكم، قال ابن أبى كبشة، إن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الجمع
٢٠٤
قوله تعالى : وما جعلنا عدتهم الا فتنة . سورة المدثر .
وَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْلِيَسْقَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَيَْدَ الَّذِينَءَ امُواْإِيَا وَلَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونٌ وَلِيَقُولَ
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مِّرَضُ وَالْكَفِرُونَّ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا
العظيم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ! فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحى
وكان شديد البطش، أنا أكفيكم سبعة عشر واكفونى أنتم اثنين! فلما قال أبو جهل وأبو الأشد
ذلك، قال المسلمون ويحكم لا تقاس الملائكه بالحدادین ! فری هذا مثلا فى كل شيئين لا يسوى
بينهما، والمعنى لا تقاس الملائكة بالسجانين والحداد، الجان الذى يحبس النار، فأنزل الله تعالى
( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) واعلم أنه تعالى إنما جعلهم ملائكة لوجوه (أخدما)
ليكونوا بخلاف جنس المعذبين ، لأن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة ، ولذلك بعث الرسول المبعوث
إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ورحمة بنا (وثانيها) أنهم أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم
على الطاعات الشاقة "(وثالثها) أن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس ، فإن قيل ثبت فى
الأخبار ، أن الملائكة مخلوقون من النور ، والمخلوق من النور كيف يَطبق المكث فى النار؟ قلنا
مدار القول فى إثبات القيامة على كونه تعالى قادراً على كل الممكنات ، فكما أنه لا استبعاد فى أن يبقى
الحى فى مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد فى بقاء الملائكة هناك
من غير ألم .
قوله تعالى : ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة الذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد
الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين فى قلوبهم مرض
والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ هذا العدد إنما صار سبباً افتنة الكفار من وجهين (الأول ) أن الكفار
يستهزئون، يقولون لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضى لتخصيص هذا العدد بالوجود؟ ( الثانى)
أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن
والإنس من أول ما خلق الله إلى قيام القيامة؟ وأما أهل الإيمان فلا يلتفتون إلى هذين السؤالين.
﴿ أما السؤال الأول) فلأن جملة العالم متناهية. فلا بد وأن يكون للجواهر الفردة التى منها
تألفت جملة هذا العالم عدد معين ، وعند ذلك يجىء ذلك السؤال، وهو أنه لم خصص ذلك العدد
بالإيجاد ، ولم يزد على ذلك العدد جوهر آخر ولم ينقص، وكذا القول فى إيجاد العالم ، فإنه لما
كان العالم محدثاً والإله قديماً، فقد تأخر العالم عن الصانع بتقدير مدة غير متناهية ، فلم لم يحدث
٢٠٥
قوله تعالى : ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب . سورة المدثر.
العالم قبل أن حدث بتقدير لحظة أو بعد أن وجد بتقدير لحظة ؟ وكذا القول فى تقدير كل واحد
من المحدثات بزمانه المعين ، وكل واحد من الأجسام بأجزائه المحدودة المعدودة، ولا جواب
عن شىء من ذلك إلا بأنه قادر مختار، والمختار له أن يرجح الشىء على مثله من غير علة، وإذا
كان هذا الجواب هو المعتمد فى خلق جملة العالم ، فكذا فى تخصيص زبانية النار بهذا العدد.
﴿ وأما السؤال الثانى) فضعيف أيضاً، لأنه لا يبعد فى قدرة الله تعالى أن يعطى هذا العدد
من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق ، ومتمكنين من ذلك من غير
خلل : وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح فى كمال قدرة الله، فأما من اعترف بكونه تعالى
قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات ، وعلم أن أحوال القيامه على خلاف أحوال الدنيا زال
عن قلبه هذه الاستبعادات بالكلية .
المسألة الثانية﴾ احتج من قال إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية، قال لأن قوله
تعالى ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) يدل على أن المقصود الأصلى إنما هو فتنة
الكافرين، أجابت المعتزلة عنه من وجوه (أحدها) قال الجبائى المراد من الفتنة تشديد التعبد
ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوى هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف
ملك أقوياء (وثانيها) قال الكعى المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص
بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه، وهذا من المتشابه الذى أمروا بالإيمان به ( وثالثها) أن المراد
من الفتنة ماوقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة ، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا
ليكذبوا به، وليقولوا ما قالوا، وذلك عقوبة لهم على كفرهم ، وحاصلة راجع إلى ترك الألطاف
( والجواب) أنه لا نزاع فى شىء بما ذكرتم، إلا أنا نقول هل لإنزال هذه المتشابهات أثر فى
تقوية داعية الكفر ، أم لا؟ فإذا لم يكن له أثر فى تقوية داعية الكفر، كان إنزالها كسائر الأمور
الأجنبية، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه البتة، وإن كان له أثر
فى تقوية داعية الكفر ، فقد حصل المقصود، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل ، صارت داعية الترك
مرجوجة، والمرجوح يمتنع أن يؤثر، فالفرك يكون متنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع
والله أعلم، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة. (أولها) (ليستيقن
الذين أوتوا الكتاب) (وثانيها) (ويزداد الذين آمنوا إيماناً) ( وثالثها) (ولا يرتاب الذين
أوتوا الكتاب والمؤمنون) (ورابعها) (وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد
الله بهذا مثلا) واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات :
﴿ السؤال الأول ) لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سبباً
لهذه الأمور الأربعة، فما الوجه فى ذلك؟ (والجواب) أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً لهذه الأشياء
وبيانه من وجهين (الأول) التقدير: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين
٢٠٦
قوله تعالى : ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب . سورة المدثر .
أوتوا الكتاب، كما يقال فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك، قالوا والعاطفة قد تذكر فى هذا
الموضع تارة. وقد تحذف أخرى (الثانى) أن المرادمن قوله (وما جعلنا عدتهم إلافتنة للذين كفروا)
هو أنه وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر إلا أنه وضع فتنة الذين كفروا موضع تسعة عشر كأنه عبر
عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر، تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر.
﴿السؤال الثانى) ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه فى استيقان أهل الكتاب؟ (الجواب)
من وجوه (أحدها) أن هذا العدد لما كان موجوداً فى كتابهم ، ثم إنه عليه السلام أخبر على
وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم ، فظهر أن ذلك إنما حصل بسبب الوحى من السماء فالذين
آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يزدادون به إيماناً (وثانيها) أن التوراة
والإنجيل كانا محرفين ، فأهل الكتاب كانوا يقرأون فيهما أن عدد الزبانية هو هذا القدر ، ولكنهم
ما كانوا يعولون على ذلك كل التعويل لعلمهم بتطرق التحريف إلى هذين الكتابين ، فلما سمعوا
ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوى إيمانهم بذلك واستيقنوا أن ذلك العدد هو الحق
والصدق ( وثالثها ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من حال قر یش أنه متی أخبرهم بهذا
العدد العجيب ، فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه، لأنهم كانوايستهزئون به فى إثبات التوحيد والقدرة
والعلم ، مع أن تلك المسائل أوضح وأظهر فكيف فى ذكر هذا العدد العجيب ؟ ثم إن استهزاءهم
برسول الله وشدة سخريتهم به ما منعه من إظهار هذا الحق، فعند هذا يعلم كل أحد أنه لو كان غرض
محمد صلى الله عليه وسلم طلب الدنيا والرياسة لاحترز عن ذكر هذا العدد العجيب، فلما ذكره مع
علمه بأنهم لابد وأن يستهزئوا به علم كل عاقل أن مقصوده منه إنما هو تبليغ الوحى ، وأنه ما كان
يبالى فى ذلك لابتصديق المصدقين ولا بتكذيب المكذبين .
( السؤال الثالث) ما تأثير هذه الواقعة فى ازدياد إيمان المؤمنين ؟ ( الجواب ) أن المكلف
مالم يستحضر كونه تعالى عالما بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحادثات منزها عن الكذب والحلف
لا يمكنه أن ينقاد لهذه العدة ويعترف بحقيقتها، فإذا اشتغل باستحضار تلك الدلائل ثم جعل العلم
الإجمالى بأنه صادق لا يكذب حكيم لا يجهل دافعاً للتعجب الحاصل فى الطبع من هذا العدد العجيب
حينئذ يمكنه أن يؤمن بحقيقة هذا العدد ، ولا شك أن المؤمن يصير عند اعتبار هذه المقامات أشد
استحضاراً للدلائل وأكثر انقياداً الدين ، فالمراد بازدياد الإيمان هذا .
﴿ السؤال الرابع) حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان ذا قولكم فى هذه الآية؟
(الجواب) تحمله على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه.
( السؤال الخامس) لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين
فما الفائدة فى قوله بعد ذلك (ولاير تاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون)؟ (الجواب) أن المطلوب
إذا كان غامضاً دقيق الحجة كثير الشبهة ، فاذا اجتهد الإنسان فيه وحصل له اليقين فربما غفل عن
٢٠٧
قوله تعالى : كذلك يضل الله من يشاء . سورة المدثر .
ج
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَّآءُ
متقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق ، فيعود الشك والشبهة ، فإثبات اليقين فى بعض الأحوال
لا ينافى طربان الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم،
بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب.
﴿ السؤال السادس) جمهور المفسرين قالوا فى تفسير قوله ( الذين فى قلوبهم مرض ) إنهم
الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلى أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ، فالمرض فى
هذه الآية ليس بمعنى النفاق ، و (الجواب) قول المفسرين حق وذلك لأنه كان فى معلوم اللّه تعالى
أن النفاق سيحدث فأخبر عما سيكون، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة ، لأنه إخبار عن غيب
سيقع، وقد وقع على وفق الخبر فيكون معجزاً ، ويجوز أيضاً أن يراد بالمرض الشك لأن أهل
مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب .
﴿ السؤال السابع) هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من
إنزال هذا المتشابه، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصوداً؟ (الجواب) أما على
أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدى من يشاء ويضل من يشاء ، وسياتى مريد تقرير لهذا فى الآية
الآتية، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض فى كونه واقعا، فأدخل عليه
حرف اللام وهو كقوله (ولقد ذرأنا لجهنم).
﴿ السؤال الثامن ) لم سموه مثلا ؟ (الجواب) أنه لما كان هذا العدد عدداً عجيبا ظن القوم
أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلا لشىء آخرو تنبيهاً على «قصود آخر،
لاجرم سموه مثلا .
﴿السؤال التاسع) القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند الله، فكيف قالواماذا أراد الله
بهذا مثلا؟ (الجواب ) أما الذين فى قلوبهم مرض، وهم المنافقون فكانوا فى الظاهر معترفين بأن
القرآن من عند الله فلا جرم قالوا ذلك باللسان، وأما الكفار فقالوه على سبيل النهكم أو على سبيل
الاستدلال بأن القرآن لو كان من عند الله لما قال مثل هذا الكلام .
قوله تعالى: ﴿ كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء) وجه الاستدلال بالآية للأصحاب
ظاهر لأنه تعالى ذكر فى أول الآية قوله ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) ثم ذكر فى
آخر الآية ( وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا) ثم قال (كذلك
يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء) أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التى لهم (أحدها)
أن المراد من الإضلال منع الألطاف (وثانيها) أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه
الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر فى ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو
٢٠٨
قوله تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو . سورة المدثر .
وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ وَمَاهِىَ إِلَّذِ كَرَى لِلْبَشَرِ ◌ّكَلََّ وَالْقَمَرِ ◌ّ وَآَلَّيْلِ
إِذْ أَدْبَرَ بـ
هذه الآيات، وهو كقوله (فزادتهم إيماناً) وكقوله (فزادتهم رجساً) (وثالثها) أن المراد من قوله
(يضل) ومن قوله (يهدى) حكم الله بكونه ضالا وبكونه مهتدياً (ورابعها) أنه تعالى يضلهم يوم القيامة
عن دار الثواب ، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت فى سورة البقرة فى قوله ( يضل به كثيراً
ويهدی به كثيراً).
قوله تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ فيه وجوه: (أحدها) وهو الأولى أن القوم
استقبلوا ذلك العدد ، فقال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو) فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن
لكل واحد منهم من الأعوان والجنود ما لا يعلم عددهم إلا اللّه (وثانيها) وما يعلم جنود ربك
لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له فى هذا العدد حكمة لا يعدها
الخلق وهو جل جلاله يعلمها ( وثالثها ) أنه لاحاجة بالله سبحانه فى تعذيب الكفار والفساق إلى
هؤلاء الخزنة ، فإنه هو الذى يعذبهم فى الحقيقة، وهو الذى يخلق الآلام فيهم، ولو أنه تعالى قلب
شعرة فى عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة ،
فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلة العذاب ، جنود الله غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية.
قوله تعالى: ﴿وماهى إلا ذكرى للبشر﴾ الضمير فى قوله (وما هى) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان
(الأول) أنه عائد إلى سقر، والمعنى وماسقر وصفتها إلا تذكرة للبشر (والثانى) أنه عائد إلى هذه
الآيات المشتملة على هذة المتشابهات ، وهى ذكرى لجميع العالمين ، وإن كان المنتفع بها ليس إلا
أهل الإيمان .
قوله تعالى: ﴿ كلا﴾ وفيه وجوه (أحدها) أنه إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن تكون لهم
ذكرى لأنهم لا يتذكرون (وثانيها) أنه ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيراً (وثالثها)
أنه ردع لقول أبى جهل وأصحابه إنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار (ورابعها) أنه ردع لهم
عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة .
قوله تعالى: ﴿والقمر، والليل إذ أصبح﴾ وفيه قولان (الأول) قال الفراء والزجاج دبر
وأدر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من قرأ إذا دبر، وروى أن مجاهداً سأل
ابن عباس عن قوله ( دبر) فسکت حتی إذا أدبر اللیل قال یا مجاهد هذا حین دبر اللیل، وروى أبو
الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة ويقول: إنما يدبر ظهر البعير، قال الواحدى والقراء تان
عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا، وأنشد أبو على:
٢٠٩
قوله تعالى : والصبح إذا أسفر . سورة المدثر .
وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (ج) إِنَّهَ لَإِحْدَى الْكُبَرِ (َ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (﴾ لِمَنْ شَآءَ
مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَّخر (
وأنى الذى ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدة كأمس الدابر
(القول الثانى) قال أبو عبيدة وابن قتيبة دبر أى جاء بعد النهار ، يقال دبرنى أى جاء خلفى ودبر
الليل أى جاء بعد النهار ، قال قطرب فعلى هذا معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضى النهار .
قوله تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ أى أضاء، وفى الحديث ((أسفروا بالفجر)) ومنه قوله
( وجوه يومئذ مسفرة) أى مضيئة .
قوله تعالى: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ هذا الكلام هو جواب القسم أو تعليل لكلام والقسم معترض للتوكيد.
المسألة الثانية) قال الواحدى ألف إحدى مقطوع ولا تذهب فى الوصل. وروى عن
أن كثير أنه قرأ إنها لاحدى الكبر بحذف الهمزة كما يقال ويله، وليس هذا الحذف بقياس
والقياس التخفيف وهو أن يجعل بين بين .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف الكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتا.
التأنيث فكما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها ونظير ذلك السوافى جمع السافياء وهو التراب
الذى سفته الريح، والقواصع فى جميع القاصعاء كأنهما جمع فاعلة .
المسألة الرابعة ﴾ (إنها لإحدى الكبر) يعنى أن سقر التى جرى ذكرها لإحدى الكبر
والمراد من الكبر دركات جهنم، وهى سبعة جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم
والهاوية، أعاذنا الله منها .
قوله تعالى: ﴿نذيراً للبشر﴾ نذيراً تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهى إنذاراً كما
تغول هى إحدى النساء عفافاً ، وقيل هو حال ، وفى قراءة أبى نذير بالرفع خبر أو بحذف المبتدأ .
قوله تعالى: ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى تفسير الآية وجهان ( الأول) أن (يتقدم) فى موضع الرفع بالابتداء
ولمن شاء خبر مقدم عليه كقولك لمن توضأ أن يه ، ومعناه التقدم والتأخر مطلقان لمن شاءهما
منكم ، والمراد بالتقدم والتأخر السبق إلى الخير والتخلف عنه، وهو فى معنى قوله (فمن شاء فليؤمن
ومن شاء فليكفر) (الثانى) لمن شاء بدل من قوله للبشر، والتقدير: إنها نذير لمن شاء منكم أن
يتقدم أو يتأخر، نظيره ( ولله على الناس حج البيت من استطاع).
﴿ المسألة الثانية) المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور
. الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٤
٢١٠
قوله تعالى : كل نفس بما كسبت . سورة المدثر .
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةٌ ﴾ إِلَّ أَصْحَبَ الْبِينِ (٣٦) فِ جَّتِ يََّسَآءَلُونَ
عَنِ الْمُجْرِمِنَ(®
عليه ( وجوابه) أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة
على مشيئة الله تعالى لقوله ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وحينئذ قصير هذه الآية حجة لنا عليهم،
وذكر الأصحاب عن وجه الاستدلال بهذه الآية جوابين آخرين (الأول) أن معنى إضافة المشيئة.
إلى المخاطبين التهديد، كقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الثانى) أن هذه المشيئة لله تعالى
على معنى لمن شاء اللّه منكم أن يتقدم أو يتأخر.
قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين) قال صاحب الكشاف رهينة
ليست بتأنيث رجين فى قوله ( كل امرى. بما كسب رهين) التأنيث النفس لأنه لو قصدت الصيغة
لفيل رهين ، لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث، وإنما هى اسم بمعنى الرهن
كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة:
أبعد الذى بالنعف ذوف كواكب رهينة رمس ذى تراب وجندل
كأنه قال رهن رمس، والمعنى كل نفس رهن بكبها عند اللّه غير مفكوك إلا أصحاب اليمين،
فإنهم فكوا عنه رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق، ثم ذكروا
وجوهاً فى أن أصحاب اليمين من هم؟ (أحدها ) قال ابن عباس: هم المؤمنون (وثانيها) قال الكلبى:
ثم الذين قال [فيهم] اللّه تعالى ((هؤلاء فى الجنة ولا أبالى)) وهم الذين كانوا على يمين آدم (وثالثها)
قال مقاتل : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم لا يرتهنون بذنوبهم فى النار (ورابعها ) قال على بن
أبى طالب عليه السلام وابن عمر: هم أطفال المسلمين، قال الفراء: وهو أشبه بالصواب لوجهين:
(الأول) لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به ( والثانى) أنه تعالى ذكر فى وصفهم ، فقال
( فى جزات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم فى سقر) وهذا إنما يليق بالولدان، لأنهم لم يعرفوا
الذنوب، فسألوا ( ما سلككم فى سفر) (وخامسها) عن ابن عباس: هم الملائكة .
قوله تعالى : ﴿ فى جنات ﴾ أى هم فى جنات لا يكتنه وصفها.
قوله تعالى: ﴿يتساءلون عن المجرمين) وفيه وجهان (الأول) أن تكون كلمة عن صلة
زائدة، والتقدير: يتساءلون الحج مين فيقولون لهم ما سلككم فى سقر؟ فإنه يقال سألته كذا،
ويقال سألته عن كذا ( الثانى) أن يكون المعنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال
المجرمين ، فإن قيل فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقولوا: ما سلكهم فى سقر؟ قلنا أجاب صاحب
الكشاف عنه فقال: المراد من هذا أن المسئولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين،
٢١١
قوله تعالى : ما سلككم في سفر. سورة المدثر .
مَاسَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ (﴾ قَالُوْ لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ وَلَمْنَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
ـل وَكُّ تَخُوضُ مَعَ الْخَبِضِينَ (٣) وَكُنُكَذِّبُ بِيَوْمِالّذِينِ (٨٦) حَتَّ أَتَنْنَ الْيَقِينُ
ـّ ◌َ تَتَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ (٣٨) ◌َ لَهُمْ عَنِ الَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
٤٩
فيقولون قلنا لهم ( ما سلككم فى سقر) وفيه وجه آخر، فهو أن يكون المراد أن أصحاب اليمين
كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم قالوالهم ( ما سلككم فى سفر) والإضمارات
كثيرة فى القرآن .
قوله تعالى: ﴿ ما سلككم فى سقر ، قالوا لم نك من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين ، وكنا
نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين﴾.
المقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل ، والمعنى ما ،حبسكم فى هذه الدركة من النار ؟
فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة: (أولها) (قالوا لم نك من المصلين) (وثانيها)
لم نك نطعم المسكين، وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة الواجبة لأن
ما ليس بواجب، لا يجوز أن يعذبوا على تركه ( وثالثها) (وكنا نخوض مع الخائضين) والمراد
منه الأباطيل (ورابعها) (وكنا نكذب بيوم الدين) أى بيوم القيامة حتى أتانا اليقين، أى الموت
قال تعالى (حتى يأتيك اليقين) والمعنى أنا بقينا على إنكار القيامة إلى وقت الموت، وظاهر اللفظ
يدل على أن كل أحد من أولئك الأقوام كان موصوفاً بهذه الخصال الأربعة، واحتج أصحابنا بهذه
الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع الشرائع ، والاستقصاء فيه قد ذكرناه فى المحصول من
أصول الفقه، فإن قيل لم أخر التكذيب، وهو آخش تلك الخصال الأربع ، قلنا أريد أنهم بعد
الصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانو مكذبين بيوم الدين ، والغرض تعظيم هذا الذنب ، كقوله (ثم
كان من الذين آمنوا) .
قوله تعالى : ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم
هذه الآية ، وقالوا إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم
شفاعة الشافعين .
قوله تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ أى عن الذكر وهو العظة يريد القرآن أو غيره
من المواعظ ، ومعرضين نصب على الحال كقولهم مالك قائماً .
٢١٢
قوله تعالى : كأنهم حمر مستنفرة . سورة المدثر .
كَأَنْهُمْ حُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ (* فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ (٨٦) بَلْ يِيِدُ كُلُّ أَحْرٍِ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْقَى
صُحْفًا مُنَشَّرَةً؟
ثم شبههم فى نفورهم عن القرآن بحمر نافرة فقال ﴿ کانهم حمر مستنفرة ﴾ قال ابن عباس یرید
الحمر الوحشية، ومستنفرة أى نافرة. يقال نفر واستنفر مثل سخر، واستسخر، وعجب واستعجب،
وقرىء بالفتح، وهى المنفرة المحمولة على النفار ، قال أبو على الفارسى، الكسر فى مستنفرة أولى
ألا ترى أنه قال ( فرت من قسورة) وهذا يدل على أنها هى استنفرت، ويدل على صحة ما قال
أبو على أن محمد بن سلام . قال سألت أبا سوار الغنوى، وكان أعرابياً فصيحاً، فقلت كأنهم حمر
ماذا؟ فقال مستنفرة طردها قسورة . قلت إنما هو فرت من قسورة، قال أفرت؟ قلت نعم، قال
فمستنفرة إذاً .
ثم قال تعالى ﴿فرت) يعنى الخمر ﴿من قسورة}
وذكروا فى القسورة وجوهاً (أحدها) أنها الأسد يقال ليوث قساور، وهى فعولة من القسر
وهو القهر ، والغلبة سمى بذلك لأنه يقهر السباع، قال ابن عباس الحر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت
كذلك هؤلاء المشركين إذا رأوا محمداً وَ الهِ هربوا منه، كما يهرب الحمار من الأسد، ثم قال ابن
عباس: القسورة، هى الأسد بلسان الحبشة ، وخالف عكرمة فقال: الأسد بلسان الحبشة ، عنبسة
(وثانيها) القسورة، جماعة الرماة الذين يتصيدونها، قال الأزهرى: هو اسم جمع الرماة لا واحد
له من جنسه ( وثالثها) القسورة: ركز الناس وأصواتهم (ورابعها) أنها ظلمة الليل . قال صاحب
الكشاف: وفى تشبيههم بالخمر شهادة عليهم بالبله ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، وإطرادها
فى العدو إذا خافت من شىء .
ثم قال تعالى ﴿ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة﴾ أنهم قالوا لرسول الله صلى
الله عليه وسلم: لا نؤمن بك حتى تأتى كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى
فلان بن فلان، وتؤمر فيه باتباعك ، ونظيره ( لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه) وقال
(ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس فلسوه بأيديهم) وقيل: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند
رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة من النار ، وقيل: كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بنى إسرائيل
كان يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل،
إلا أن يراد بالصحف المنشرة ، الكتابات الظاهرة المكشوفة، وقرأ سعيد بن جبير (صحفاً منشرة)
بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد، كأنزله ونزله .
ثم قال تعالى ﴿ كلا﴾ وهو ردع لهم عن تلك الإرادة، وزجر عن اقتراح الآيات.
٢١٣
قوله تعالى : بل لا يخافون الآخرة . سورة المدثر .
كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿ فَمَنْ شآءَ ذَكَرَهُ، (٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ
بَلِ لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ(
إِلَّ أَن يَشَآءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرِةِ
ثم قال تعالى ﴿بل لا يخافون الآخرة﴾ فلذلك أعرضوا عن التأمل، فإنه لماء حصلت المعجزات
الكثيرة ، كفت فى الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب التعنت .
ثم قال تعالى ﴿ كلا﴾ وهو ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة.
ثم قال تعالى ﴿إنه تذكرة) يعنى تذكرة بليغة كافية ﴿فمن شاء ذكره﴾ أى جعله نصب
عينه، فإن نفع ذلك راجع إليه، والضمير فى (إنه) (وذكره) للتذكرة فى قوله (فالهم عن التذكرة
معرضين) وإنما ذكر[ت] لأنها فى معنى الذكر أو القرآن .
ثم قال تعالى ﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله ﴾
قالت المعتزلة: يعنى إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجتهم إليه ( والجواب) أنه تعالى نفى الذكر.
مطلقاً ، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة ، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر نحيث لم
يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة ، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك الظاهر ، وقرى.
يذكرون بالياء والتاء مخففاً، ومشدداً.
ثم قال تعالى ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة) أى هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه
فيؤمنوا ويطيعوا وحقيق بأن يغفرلهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا ، والله سبحانه
وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآ له وصحبه أجمعين.
٢١٤
سورة القيامة
(٧٥) سُورة القيامَ مَكِيَّةْ
وَآيَاتِهَا أَرْبَعُونَ
بسـ
لَا أُقْسِمُ سَوْمِ الْقِيَامَةِ (ج) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ الَّمَةِ
٢
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ المفسرون ذكراو فى لفظة (لا) فى قوله ( لا أقسم ) ثلاثة أوجه:
(الأول) أنها صلة زائدة والمعنى (أقسم بيوم القيامة) ونظيره ( لثلا يعلم أهل الكتاب) وقوله
( ما منعك أن لا تسجد، فبما رحمة من الله) وهذا القول عندى ضعيف من وجوه: (أولها) أن
تجويز هذا يفضى إلى الطعن فى القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفى إثباتاً والإثبات نفياً
وتجويزه يفضى إلى أن لا يبقى الاعتماد على إثباته ولا على نفيه (وثانيها) أن هذا الحرف إنما
يزاد فى وسط الكلام لا فى أوله، فإن قيل [فال]. كلام عليه من وجهين: (الأول) لا نسلم أنها إنما
تزاد فى وسط الكلام ، ألا ترى إلى أمرى. القيس كيف زادها فى مستهل قصيدته وهى قوله:
لا وأبيك ابنة العامرى لا يدعى القوم أنى أفر
(الثانى) هب أن هذا الحرف لايزاد فى أول الكلام إلا أن القرآن كله كالسورة الواحدة لاتصال
بعضه ببعض، والدليل عليه أنه قد يذكرالشىء فى سورة ثم يجىء جوابه فى سورة أخرى كقوله تعالى
( وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) ثم جاء جوابه فى سورة أخرى وهو قوله (ما أنت
بنعمة ربك بمجنون) وإذا كان كذلك ، كان أول هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام
(والجواب عن الأول) أن قوله لا وأبيك قسم على النفى، وقوله (لا أقسم) نفى للقسم، فتشبيه
أحدهما بالآخر غير جائز، وإنما قلنا إن قوله لا أقسم نفى للقسم، لأنه على وزان قولنا لا أقتل
لا أضرب، لا أنصر، ومعلوم أن ذلك يفيد النفى. والدليل عليه أنه لو حلف لا يقسم كان البر
بترك القسم ، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور، ليس من هذا الباب (وعن الثانى)
أن القرآن كالسورة الواحدة فى عدم التناقض، فإما فى أن يقرن بكل آية ما قرن بالآية الأخرى
فذلك غير جائز، لأنه يلزم جواز أن يقرن بكل إثبات حرف النفى فى سائر الآيات ، وذلك يقتضى
انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفى إثباتاً، وإنه لا يجوز (وثالثها) أن المراد من قولنا لا صلة
أن لغو باطل، يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام، ومعلوم أن وصف كلام اللّه تعالى بذلك
٢١٥
قوله تعالى : لا أقسم بيوم القيامة . سورة القيامة .
لا يجوز (القول الثانى) للفسرين فى هذه الآية ، ما نقل عن الحسن أنه قرأ، لأقسم على أن اللام
للابتداء، وأقسم خبر مبتدأ محذوف ، معناه لأنا أقسم ويعضده أنه فى مصحف عثمان بغير ألف
واتفقوا فى قوله ، ولا أقسم بالنفس اللوامة على لا أقسم ، قال الحسن معنى الآية أنى أقسم بيوم
القيامة لشرفها ، ولا أفسم بالنفس اللوامة لخساستها، وطعن أبو عبيدة فى هذه القراءة وقال لو كان
المراد هذا لقال لأقسمن لأن العرب لا تقول لأفعل كذا، وإنما يقولون لأفعلن كذا ، إلا أن
الواحدى حكى جواز ذلك عن سيبويه والفراء ، واعلم أن هذا الوجه أيضاً ضعيف، لأن هذه
القراءة شاذة ، فهب أن هذا الشاذ استمر، فما الوجه فى القراءة المشهورة المتواترة؟ ولا يمكن دفعها
وإلا لكان ذلك قدحاً فيما ثبت بالتواتر ، وأيضاً فلا بد من إضمار قسم آخر لتكون هذه اللام
جواباً عنه، فيصير التقدير: والله لأقسم بيوم القيامة، فيكون ذلك قسما على قسم، وإنه ركيك
ولأنه يفضى إلى التسلسل (القول الثالث ) أن لفظة لا وردت للنفى ، ثم ههنا احتمالان
(الأول) أنها وردت نفياً لكلام ذكر قبل القسم، كانهم أنكروا البعث فقيل لا ليس الأمر
على ما ذكرتم، ثم قيل أقسم بيوم القيامة، وهذا أيضاً فيه إشكال ، لأن إعادة حرف النفى مرة
أخرى فى قوله ( ولا أقسم بالنفس اللوامة) مع أن المراد ما ذكروه تقدح فى فصاحة الكلام.
(الاحتمال الثانى) أن لامهنا لنفى القسم كأنه قال لا أقسم عليكم بذلك اليوم وتلك النفس ولكنى
أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت فإن كنت تحسب ذلك فاعلم
أنا قادرون على أن نفعل ذلك، وهذا القول اختيار أبى مسلم وهو الأصح، ويمكن تقدير هذا
القول على وجوه أخر (أحدها ) كانه تعالى يقول (لا أقسم) بهذه الأشياء على إثبات هذا
المطلوب فإن هذا المطلوب أعظم وأجل من أن يقسم عليه بهذه الأشياء ويكون الغرض من هذا
الكلام تعظيم المقسم عليه وتفخيم شأنه (وثانيها) كانه تعالى يقول (لا أقسم) بهذه الأشياء على
إثبات هذا المطلوب ، فإن إثباته أظهر وأجلى وأقوى وأحرى ، من أن يحاول إثباته بمثل هذا
القسم ، ثم قال بعده (أيحسب الإنسان أن لن تجمع عظامه) أى كيف خطر بباله هذا الخاطر
الفاسد مع ظهور فساده ( وثالثها ) أن يكون الغرض منه الاستفهام على سبيل الإنكار والتقدير
ألا أقسم بيوم القيامة. ألا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر والنشر حق .
﴿ المسألة الثانية) ذكروا فى النفس اللوامة وجوهاً (أحدها) قال ابن عباس إن كل نفس
فإنها تلوم نفسها يوم القيامة سواء كانت برة أو فاجرة ، أما البرة فلأجل أنها لم لم تزد على طاعتها ،
وأما الفاجرة فلأجل أنها لم لم تشتغل بالتقوى، وطعن بعضهم فى هذا الوجه من وجوه (الأول )
أن من يستحق الثواب لا يجوز أن يلوم نفسه على ترك الزيادة ، لأنه لو جاز منه لوم نفسه على
ذلك لجاز من غيره أن يلومها عليه (الثانى) أن الإنسان إنمنا يلوم نفسه عند الضجارة وضيق
القلب، وذلك لا يليق بأهل الجنة حال كونهم فى الجنة ، ولأن المكلف يعلم أنه لا مقدار من
٢١٦
قوله تعالى : ولا أقسم بالنفس اللوامة . سورة القيامة .
الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد منه ، فلو كان ذلك موجباً للوم لامتنع الانفكاك عنه
وما كان كذلك لا يكون مطلوب الحصول ، ولا يلام على ترك تحصيله ( والجواب) عن الكل
أن يحمل اللوم على تمنى الزيادة، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة (وثانيها) أن النفس اللوامة هى
النفوس المتقية التى تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت النقوى .
(ثالثها) أنها هى النفوس الشريفة التى لاتزال تلوم نفسها وإن اجتهدت فى الطاعة، وعن الحسن
أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه، وأما الجاهل فإنه يكون راضياً بما هو فيه من الأحوال
الخسيسة (ورابعها) أنها نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها الذى خرجت به من الجنة ( وخامسها)
المراد نفوس الأشقياء حين شاهدت أحوال القيامة وأهوالها ، فإنها تلوم نفسها على ماصدر عنها
من المعاصى ، ونظيره قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت) (وسادسها ) أن
الإنسان خلق ملولا ، فأى شىء طلبه إذا وجده مله، فيتذ يلوم نفسه على أنى لم طلبته، فلكثرة
هذا العمل سمى بالنفس اللوامة ، ونظيره قوله تعالى (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا
وإذا سـ، الخير منوعا) واعلم أن قوله لوامة، ينى عن التكرار والإعادة، وكذا القول فى لوام
وعذاب وضرار ،
المسألة الثالثة﴾ إعلم أن فى الآية إشكالات (أحدها ) ما المناسبة بين القيامة وبين النفس
اللوامة ، حتى جمع الله بينهما فى القسم؟ (وثانيها) المقسم عليه، هو وقوع القيامة فيصير خاصله أنه
تعالى أقسم بوقوع القيامة ( وثالثها) لم قال ( لا أقسم بيوم القيامة) ولم يقل والقيامة، كما قال فى
سائر السور، والطور والذاريات والضحى؟ (والجواب) عن الأول من وجوه (أحدها ) أن
أحوال القيامة عجيبة جداً، ثم المقصودمن إقامة القيامة إظهار أحوال النفوس اللوامة. أعنى سعادتها
وشقاوتها ، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشديدة ( وثانيها) أن القسم
بالنفس اللوامة تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما قال عليه الصلاة والسلام (( من عرف نفسه
فقد عرف ربه)) ومن أحوالها العجيبة، قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
وقوله ( إنا عرضنا الأمانة - إلى قوله - وحملها الإنسان) وقال قائلون القسم وقع بالنفس اللوامة
على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبداً تستحقر فعلها وجدها واجتهادها فى طاعة الله، وقال آخرون
إنه تعالى أقسم بالقيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة ، وهذا على القراءة الشاذة التى رويناها عن
الحسن، فكأنه تعالى قال ( أقسم بيوم القيامة ) تعظيما لها، ولا أقسم بالنفس اللوامة تحقيراً
لها، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما أن تكون فاسقة مقصرة
فى العمل ، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة .
﴿ وأما السؤال الثانى) فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم
بربها وخالقها فى الحقيقة ، فكأنه قيل أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة .
قوله تعالى أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه . سورة القيامة . ٢١٧
٤ ٠٠٠٠٠٤
) بَلَ قَدِرِينَ عَلَىّ أن نْسَوِّىَ بَنَانَهُ
أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ الَّنِ تَجْمَعَ عِظَامَهُ,
٤٠
﴿ وأما السؤال الثالث﴾ جوابه أنه حيث أقسم قال (والطور، والذاريات) وأما ههنا فإنه
نفى كونه تعالى مقسما بهذه الأشياء. فزال السؤال والله تعالى أعلم .
قوله تعالى: ﴿أبحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوى بنانه ﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى جواب القسم وجوهاً (أحدها) وهو قول الجمهور أنه محذوف
على تقدير ليبعثن ويدل عليه ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه)، (وثانيها) قال الحسن وقع
القسم على قوله ( بلى قادرين)، ( وثالثها) وهو أقرب أن هذا ليس بقسم بل هو نفى للقسم فلا
يحتاج إلى الجواب، فكأنه تعالى يقول لا أقسم بكذا وكذا على شىء، ولكنى أسألك (أيحسب
الإنسان أن ان نجمع عظامه ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ المشهور أن المراد من الإنسان إنسان معين، روى أن عدى بن أبى
ربيعة ختن الأخنس بن شريق، وهما اللذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما «اللهم
ا كفنى شر جارى السوء)) قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد حدثنى عن يوم القيامة منى
يكون وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لوعاينت، ذلك اليوم لم أصدفك
يا محمد ولم أؤمن بك كيف يجمع اللّه العظام؟ فنزلت هذه الآية ، وقال ابن عباس يريد بالإنسان
ههنا أبا جهل ، وقال جمع من الأصوليين بل المراد الإنسان المكذب بالبعث على الإطلاق .
{ المسألة الثالثة) قرأ قتادة (أن لن نجمع عظامه) على البناء للمفعول، والمعنى أن الكافر ظن
أن العظام بعد تفرقها وصيرورتها تراباً واختلاط تلك الأجزاء بغيرها وبعد ما نسفتها الرياح
وطيرتها فى أباعد الأرض لا يمكن جمعها مرة أخرى وقال تعالى فى جوابه (بلى) فهذه الكلمة
أو جبت ما بعد النفى وهو الجمع، فكانه قيل بل يجمعها، وفى قوله (قادرين) وجهان (الأول) وهو
المشهور أنه حال من الضمير فى نجمع أى تجمع العظام قادرين على تأليف جميعها وإعادتها إلى التركيب
الأول وهذا الوجهعندى فيه إشكال وهو أن الحال إنما يحمن ذكره إذا أمكن وقوع ذلك الأمرلا على
تلك الحالة تقول رأيت زيداً راكباً لأنه يمكن أن نرى زيد غير راكب ، وههنا كونه تعالى جامعاً
للعظام يستحيل وقوعه إلا مع كونه قادراً ، فكان جعله حالا جارياً مجرى بيان الواضحات ،
وإنه غير جائز ( والثانى) أن تقدير الآية كنا قادرين على أن نسوى بنانه فى الإبتداء فوجب أن
نبقى قادرين على تلك التسوية فى الانتهاء، وقری. قادرون أی ونحن قادرون، وفى قوله ( على أن
نسوى بنانه) وجوه: (أحدها ) أنه نبه بالبنان على بقية الأعضاء، أى نقدر على أن نسوى بنانه
٢١٨
قوله تعالى : بل يريد الانسان ليفجر أمامه . سورة القيامة .
٠٤١٬٠٠ ,٠١٠٠
يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
بَلْ يُرِيدُ آلْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (
بعد صيرورته تراباً كماكان ، وتحقيقه أن من قدر على الشىء فى الابتداء قدر أيضاً عليه فى الإعادة
وإنما خص البنان بالذكر لأنه آخر ما يتم خلقه، فكأنه قيل نقدر على ضم سلاماته على صغرها
ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولا من غير نقصان ولاتفاوت ، فكيف القول فى كبار العظام
( وثانيها ) بلى قادرين على أن نسوى بنانه أى نجعلها مع كفه صفيحة مستوية لا شقوق فيها كيف
البعير ، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وسائر الأعمال اللطيفة التى يستعان
عليها بالأصابع، والقول الأول أقرب إلى الصواب .
قوله تعالى : ﴿ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ﴾.
اعلم أن قوله ( بل يريد ) عطف على أيحسب ، فيجوز فيه أن يكون أيضاً استفهاماً كأنه
استفهم عن شىء ثم استفهم عن شىء آخر، ويجوز أن يكون إيجاباً كانه استفهم أولا ثم أتى بهذا
الإخبار ثانياً. وقوله ( ليفجر أمامه) فيه قولان: (الأول) أى ليدوم على جرره فيما يستقبله
من الزمان لا ينزع عنه ، وعن سعيد بن جبير: يقدم الذنب ويؤخر النوبة ، يقول سوف أتوب
حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله (القول الثانى) ليفجر أمامه، أى ليكذب بما
أمامه من البعث والحساب ، لأن من كذب حقاً كان كاذباً وفاجراً، والدليل عليه قوله ( يسأل
أيان يوم القيامة ) فالمعنى يريد الإنسان ليفجر أمامه، أى ليكذب بيوم القيامة وهو أمامه ، فيهو
يسأل أيان يوم القيامة ، متى يكون ذلك تكذيباً له .
ثم قال تعالى ﴿يسأل أيان يوم القيامة﴾ أى يسأل سؤال مستنعت مستبعداقيام الساعة، فى قوله
أيان يوم القيامة ، ونظيره يقولون متى هذا الوعد: واعلم أن إنكار البعث تارة يتولد من الشبهة
وأخرى من الشهوة ، أما من الشبهة فهو الذى حكاه الله تعالى بقوله ( أيحسب الإنسان أن لن
نجمع عظامه) وتقريره أن الإنسان هو هذا البدن فإذا مات تفرقت أجزاء البدن واختلطت تلك
الأجزاء بسائر أجزاء التراب وتفرقت فى مشارق الأرض ومغاربها فكان تمييزها بعد ذلك عن
غيرها محالا فكان البعث محالا، واعلم أن هذه الشبهة ساقطة من وجهين (الأول) لا نسلم أن
الإنسان هو هذا البدن فلم لا يجوز أن يقال إنه شىء مدير لهذا البدن فإذا فسد هذا البدن بقي هو
حياً كما كان. وحينئذ يكون اللّه تعالى قادراً على أن يرده إلى أى بدن شاء وأراد، وعلى هذا القول
يسقط السؤال، وفى الآية إشارة إلى هذا لأنه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال (أيحسب الإنسان
أن لن نجمع عظامه وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن ( الثانى) إن سلمنا أن الإنسان هو هذا
البدن فلم قلتم إنه بعد تفريق أجزائه لا يمكن جمعه مرة أخرى وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات
فيكون عالماً بالجزء الذى هو بدن عمرو ، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من
٢١٩
قوله تعالى : فإذا أبرق البصر . سورة القيامة .
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (﴾ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴾ وَبُجِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَذٍ أَيْنَ الْمَغَرِّ
٩
الممكنات وإلا لما وجد أولا، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها. ومتى ثبت كونه تعالى عالما
بجميع الجزئيات قادراً على جميع الممكنات لا يبقى فى المسألة إشكال .
﴿ وأما القسم الثانى) وهو إنكار من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذى حكاه الله تعالى
بقوله ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ومعناه أن الإنسان الذى يميل طبعه إلى الاسترسال فى
الشهوات والاستكثار من الذات لايكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات الثلا تتنغص عليه
الذات الجسمانية فيكون أبدا منكراً لذلك قائلا على سبيل الهزؤ والسخرية أبان يوم القيامة.
ثم إنه تعالى ذكر علامات القيامة فقال ﴿فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر
يقول الإنسان يومئذ أين المفر﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى ذكر من علامات القيامة فى هذا الموضع أموراً ثلاثة (أولها)
قوله ( فاذا برق البصر ) قرى. بكسر الراء وفتحها ، قال الأخفش المكسورة فى كلامهم أكثر
والمفتوحة لغة أيضاً، قال الزجاج برق بصره بكسر الراء يبرق برقاً إذا تحير، والأصل فيه أن يكثر
الإنسان من النظر إلى لمعان البرق ، فيؤثر ذلك فى ناظره ، ثم يستعمل ذلك فى كل حيرة، وإن لم
يكن هناك نظر إلى البرق ، كما قالوا قمر بصره إذا فسد من النظر إلى القمر، ثم استعير فى الحيرة.
وكذلك بعل الرجل فى أمره، أى تحير ودهش، وأصله من قولهم بعلت المرأة إذا فاجأها زوجها،
فنظرت إليه وتحيرت ، وأما برق بفتح الراء، فهو من البريق، أى لمع من شدة شخوصه، وقرأ
أبو السمال بلق بمعنى انفتح، وانفتح يقال بلق الباب وأبلقته وبلقته فتحته .
﴿ المسألة الثانية ) اختلفوا فى أن هذه الحالة متى تحصل؟ فقيل عند الموت، وقيل عند البعث
وقيل عند رؤية جهنم، فمن قال إن هذا يكون عند الموت ، قال إن البصر يبرق على معنى يشخص
عند معاينة أسباب الموت، والملائكة كما يوجد ذلك فى كل واحد إذا قرب موته، ومن مال إلى
هذا التأويل ، قال إنهم إنما سألوه عن يوم القيامة ، لكنه تعالى ذكر هذه الحادثة عند الموت
والسبب فيه من وجهين: (الأول ) أن المنكر لما قال ( أيان يوم القيامة ) على سبيل الاستهزاء
فقيل له إذا برق البصر وقرب الموت زالت عنه الشكوك، وتيقن حينئذ أن الذى كان عليه من
إنكار البعث والقيامة خطأ (الثانى) أنه إذا قرب موته وبرق بصره تيقن أن إنكار البعث
لأجل طلب اللذات الدنيوية كان باطلا ، وأما من قال بأن ذلك إنما يكون عند قيام القيامة ،
قال لأن السؤال إنما كان عن يوم القيامة ، فوجب أن يقع الجواب بما يكون من خواصه
٢٢٠
قوله تعالى : فإذا برق البصر . سورة القيامة .
وآثاره، قال تعالى (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)، (وثانيها) قوله (وخسف القمر)
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ يحتمل أن يكون المراد من خسوف القمر ذهاب ضوئه كما نعقله من حاله
إذا خسف فى الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ذهابه بنفسه كقوله (نفسفنا به وبداره الأرض).
المسألة الثانية) قرىء (وخسف القمر) على البناء للمفعول (وثالثها) قوله ( وجمع الشمس
والقمر ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا فى كيفية الجمع وجوهاً (أحدها) أنه تعالى قال (لا الشمس ينبغى لها
أن تدرك القمر ) فإذا جاء وقت القيامة أدرك كل واحد منهما صاحبه واجتمعا (وثانيها) جمعا فى
ذهاب الضوء، فهو كما يقال الشافعى يجمع ما بين كذا وكذا فى حكم كذا (وثالثها) يجمعان أسودين
مكورين كأنهما ثوران عقيران فى النار ، وقيل يجمعان ثم يقذفان فى البحر، فهناك نار الله الكبرى
واعلم أن هذه الوجوه التى ذكرناها فى قوله ، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر إنما تستقيم
على مذهب من يجعل برق البصر من علامات القيامة ، فأما من يجعل برق البصر من علامات الموت
قال معنى ( وخسف القمر ) أى ذهب ضوء البصر عند الموت ، يقال عين خاسفة ، إذا فقئت حتى
غابت حدقتها فى الرأس، وأصلها من خسفت الأرض إذا ساخت بما عليها، وقوله ( وجمع الشمس
والقمر) كناية عن ذهاب الروح إلى عالم الآخرة ، كأن الآخرة كالشمس ، فإنه يظهر فيها المغيبات
وتتضح فيها المبهمات، والروح كالقمر فإنه كما أن القمر يقبل النور من الشمس ، فكذا الروح
تقبل نور المعارف من عالم الآخرة ، ولا شك أن تفسير هذه الآيات بعلامات القيامة أولى من
تفسيرها بعلامات الموت وأشد مطابقة لها .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الفراء إنما قال جمع، ولم يقل جمعت لأن المراد أنه جمع بينهما فى زوال
النور وذهاب الضوء، وقال الكسائى، المعنى جمع النوران أو الضياءان، وقال أبو عبيدة ، القمر
شارك الشمس فى الجمع، وهو مذكر، فلا جرم غلب جانب التذكير فى اللفظ، قال الفراء، قلت
لمن نصر هذا القول: كيف تقولون الشمس جمع والقمر؟ فقالواجمعت ، فقلت ما الفرق بين الموضعين؟
فرجع عن هذا القول.
﴿ المسألة الثالثة) طعنت الملاحدة فى الآية، وقالوا خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع
الشمس والقمر (والجواب) اللّه تعالى قادر على أن يجعل القمر منخفاً، سواء كانت الأرض
متوسطة بينه وبين الشمس ، أو لم تكن، والدليل عليه أن الأجسام متماثلة ، فيصح على كل واحد
منها ما يصح على الآخر ، واللّه قادر على كل الممكنات ، فوجب أن يقدر على إزالة الضوء عن القمر
فى جميع الأحوال .
قوله تعالى: ﴿ يقول الإنسان يومئذ أين المفر﴾ أى يقول هذا الإنسان المنكر للقيامة إذا