النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قوله تعالى : وان لو استقاموا . سورة الجن . قوله ( أن لا يرجع إليهم قولاً) و (علم أن سيكون) . المسألة الثانية) الضمير فى قوله ( استقاموا) إلى من يرجع؟ فيه قولان : قال بعضهم إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم ، أى هؤلاء القاسطون لو آمنوا لفعلنا بهم كذا وكذا. وقال آخرون: بل المراد الإنس، وأحجرا عليه بوجهين (الأول) أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس لا بالجن (والثانى) أن هذه الآية إنما نزلت بعد ما حبس الله المطرعن أهل مکن سنین ، أقصى ما فى الباب أنه لم يتقدم ذ کر الإنس ، ولکنه لما كان ذلك معلوماً جری مجرى قوله ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر ) وقال القاضى الأقرب أن الكل يدخلون فيه. وأقول يمكن أن يحتج لصحة قول القاضى بأنه تعالى لما أثبت حكما معللا بعلة وهو الاستقامة، وجب أن يعم الحكم بعموم العلة . المسألة الثالثة﴾ الغدق بفتح الدال وكسرها: الماء الكثير، وقرى. بهما يقال غدقت العين بالكسر فهى غدقة ، وروضة مغدقة أى كثيرة الماء ، ومطر مغدوق وغیداق وغيدق إذا كان كثير الماء ، وفى المراد بالماء الغدق فى هذه الآية ثلاثة أقوال (أحدها) أنه الغيت والمطر، (والثانى) وهو قول أبى مسلم أنه إشارة إلى الجنة كما قال ( جنات تجرى من تحتها الأنهار) (وثالثها) أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها ، لأن الماء أصل الخيرات كلها فى الدنيا . ( المسألة الرابعة) إن قلنا الضمير فى قوله ( استقاموا) راجع إلى الجن كان فى الآية قولان ( أحدهما) لو استقام الجن على الطريقة المثلى أى لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ، ونظيره قوله تعالى (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا) وقوله ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا) وقوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه) وقوله ( فقلت استغفروا ربكم - إلى قوله - ويمددكم بأموال وبنين) وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع ، فان اللائق بالجن هو هذا الماء المشروب ( والثانى) أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التى كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق ، ونظيره قوله تعالى ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة) واختار الزجاج الوجه الأول قال لأنه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فتكون راجعة إلى الطريقة المعروفة المشهورة وهى طريقة الهدى والذاهبون إلى التأويل الثانى استدلوا عليه بقوله بعد هذه الآية ( لثقتهم فيه) فهو كقوله (إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً) ويمكن الجواب عنه أن من آمن فأنعم الله عليه كان ذلك الإنعام أيضاً ابتلاء واختباراً حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا، وهل ينفقه فى طلب مراضى اللّه، أو فى مراضى الشهوة والشيطان ، وأما الذين قالوا الضمير عائد إلى الإنس ، فالوجهان عائدان فيه بعينه الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١١ ١٦٢ قوله تعالى : وان المساجد لله . سورة الجن . وَأَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِأَحَدًّا لَّه وههنا يكون إجراء قوله (لأسقيناهم ماء غدقاً) على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أثم وأكمل. ﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج أصحابنا بقوله لنفتهم على أنه تعالى يضل عباده، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هى الاختبار كما يقال فتقت الذهب بالنار لاخلق الضلال ، واستدلت المعتزلة باللام فى قوله لنفتنهم على أنه تعالى إنما يفعل لغرض ، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلت هذه الآية، على أن اللام ليست للغرض فى حق الله، وقوله تعالى ( ومن يعرض عن ذكر ربه) أى عن عبادته أو عن موعظته ، أو عن وحيه يسلكه، وقرىء بالنون مفتوحة ومضمومة أى ندخله عذاباً، والأصل نسلكه فى عذاب كقوله ( ماسلككم فى سقر) إلا أن هذه العبارة أيضاً مستقيمة لوجهين (الأول) أن يكون التقدير نسلكه فى عذاب، ثم حذف الجار وأوصل الفعل، كقوله ( واختار مرسى قومه) ( والثانى) أن يكون معنى نسلكه أى ندخله، يقال سلكه وأسلكه، والصعد مصدر صعد، يقال صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب لأنه يصعد [فوق] طقة المعذب أى يعلوه، ويغلبه، فلا يطيقه، ومنه قول عمر ما تصعدنى شىء ما تصعدتنى خطبة النكاح، يربد ماشق على، ولا غلبنى، وفيه قول آخر، وهو ماروى عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن صعداً جبل فى جهنم، وهو صخرة ملساء، فيكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها فى أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها، ثم يكلف الصعودمرة أخرى ، فهذا دأبه أبداً، ونظير هذه الآية قوله تعالى (سأرهقه صعودا). ( النوع الثالث ) من جملة الموحى قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ التقدير: قل أوحى إلى أن المساجد لله، ومذهب الخليل، أن التقدير ولأن المساجد لله فلا تدعوا، فعلى هذا الام متعاقة، فلا تدعوا أى فلا تدعواً مع الله أحدا فى المساجد لأنها لله خاصة، ونظيره قوله ( وأن هذه أمتكم) على معنى، ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، أى لأجل هذا المعنى فاعبدون. المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى المساجد على وجوه (أحدما) وهو قول الأكثرين أنها المواضع التى بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين، وذلك أن أهل الكتاب يشركون فى صلاتهم فى البيع والكنائس ، فأر اللّه المسلمين بالإخلاص والتوحيد (وثانيها) قال الحسن أراد بالمساجد البقاع كلها قال عليه الصلاة والسلام ( جعلت لى الأرض مسجداً) كأنه تعالى قال: الأرض كلها مخلوقة لله تعالى فلا تسجدوا عليها لغير خالقها (وثائها) روى عن الحسن أيضاً أنه قال المساجد هى الصلوات. فالمساجد على هذا القول جمع مسجد بفتح ١٦٣ قوله تعالى : وأنه لما قام عبد الله يدعوه . سورة الجن . وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (لـ الجيم والمسجد على هذا القول مصدر بمعنى السجود (ورابعها) قال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التى يسجد العبد عليها وهى سبعة القدمان والركبتان واليدان والوجه ، وهذا القول اختيار ابن الأنباري، قال لأن هذه الأعضاء هى التى يقع السجود عليها وهى مخلوقة لله تعالى، فلا ينبغى أن يسجد العاقل عليها لغير الله تعالى، وعلى هذا القول معنى المساجد مواضع السجود من الجسد واحدها مسجد بفتح الجيم (وخامسها ) قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما يريد بالمساجد مكة بجميع ما فيها من المساجد، وذلك لأن مكة قبلة الدنيا وكل أحد يسجد إليها، قال الواحدى وواحد المساجد على الأقوال كلها مسجد بفتح الجيم إلا على قول من يقول إنها المواضع التى بنيت للصلاة فان واحدها بكسر الجيم لأن المواضع والمصادر كلها من هذا الباب بفتح العين إلا فى أحرف معدودة وهى : المسجد والمطلع والمنسك والمسكن والمنبت والمفرق والمسقط والمجزر والمحشر والمشرق والمغرب، وقد جاء فى بعضها الفتح وهو المنسك والمسكن والمفرق والمطلع، وهو جائز فى كلها وإن لم يسمع . المسألة الثالثة﴾ قال الحسن: من السنة إذادخل الرجل المسجد أن يقول لا إله إلا الله، لأن قوله (لا تدعوا مع الله أحداً) فى ضمنه أمر بذكر الله وبدعائه. ﴿ النوع الرابع) من جملة الموحى قوله تعالى ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدأ اعلم أن عبد الله هو النبى صلى الله عليه وسلم فى قول الجميع، ثم قال الواحدى إن هذا من كلام الجن لامن جملة الموحى، لأن الرسول لا يليق أن يحكى عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد، كما فى قوله ( يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) والأكثرون على أنه من جملة الموحى، إذ لو كان من كلام الجن لكان ماليس من كلام الجن . وفى خلل ما هو كلام الجن مختلا بعيداً عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة فى أن ، ومن جعله من كلام الجن كسرها، ونحن نفسر الآية على القولين، أما على قول من قال إنه من جملة الموحى فالضمير فى قوله كادوا إلى من يعود؟ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) إلى الجن ، ومعنى قام يدعوه أى قام يعبد یرید قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن ، فاستعموا القراءة كادوا يكونون عليه لبدأ ، أى يزدحمون عليه مترا كمين تعجباً بما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكماً، وساجداً. وإعجاباً بما تلامن القرآن، لأنهم رأوا مالم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله ( والثانى) لما قدم رسول الله يعبد الله وحده مخالفاً للتر كين فى عبادتهم الأوثان، كاد المشر كون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته، يزدحمون عليه (والثالث) وهو قول قتادة، لما قام عبد الله. تلبدت ١٦٤ قوله تعالى : قل إنما أدعوا ربي . سورة الجن . قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِىِ وَلاَ أَشْرِكُ بِهَِ أَحَدًا (﴾ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴿ قُلْ إِ لَنْ يُجِيْرَنِىِ مِنَ الِّ أَحَدٌ وَلَنْ أَِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا. الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذى جاء به ويطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه ، وأما على قول من قال إنه من كلام الجن ، فالوجهان أيضاً عائدان فيه ، وقوله (لبدأً) فهو جمع لبدة وهو ما تليد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض ، وكل شىء ألصقته بشىء إلصاقاً شديداً فقدلبدته ، ومنه اشتقاق هذه اللبود التى تفرش. ويقال لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بین کتفيه، ومنه قول زهير : [لدى أسدشا كي السلاح مقذف] له لبد أظفاره لم تقلم وقرى. (لبدأ ) بضم اللام واللبدة فى معنى البدة ، وقرى. لبدأ جمع لابد كجد فى ساجد. وقرى. أيضاً ( لبداً ) بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور، فإن قيل لم سمى محمداً بعبد الله، وماذكره برسول الله أو فى اللّه؟ قلنا لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبد الله لما اشتغل بعبودية الله، فهؤلاء الكفارلم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل؟ قوله تعالى: ﴿قال إنما أدعو ربى ولا أشرك به أحداً﴾ قرأ العامة قال على الغيبة وقرأ عاصم وحمزة، قل حتى يكون نظيراً لما بعده، وهو قوله ( قل إنى لا أملك ... قل إنى لن يجير نى) قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم ((إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا)) فأنزل الله ( قل إنما أدعرا ربى) وهذا حجة لعاصم وحمزة، ومن قرأ قال حمل ذلك على أن القوم لما قالوا ذلك ، أجابهم النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ((إنما أدعو ربى)) فيكى الله ذلك عنه بقوله قال: أو يكون ذاك من بقية حكاية الجن أحوال الرسول لقومهم. قوله تعالى: ﴿قل إنى لا أملك لكم ضراً ولا رشداً﴾ إما أن يفسر الرشد بالنفع حتى يكون تقدير الكلام، لا أملك لكم غياً ولا رشداً، ويدل عليه قراءة أبى غياً ولارشداً ، ومعنى الكلام أن النافع والضار، والمرشد والمغوى هو الله، وإن أحداً من الخلق لاقدرة له عليه. قوله تعالى: ﴿ قل إنى لن يجيرفى من اللّه أحد ﴾ قال مقاتل: إنهم قالوا: اترك ما تدعوا إليه، ونحن نجيرك ، فقال الله له : ( قل إنى لن يحيرنى من الله أحد). ثم قال تعالى ﴿ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ أى ملجأ وحرزا، قال المبرد: ملتحداً مثل قولك، منعرجاً، والتحد، معناه فى اللغة مال، فالملتحد المدخل من الأرض مثل السرب الذاهب فى الأرض . ١٦٥ قوله تعالى : إلا بلاغاً من الله . سورة الجن . ج فَإِنَّ لَهُو نَارَ جَهَنْمَ إِلَّا بَلَغَّا مِّنَ الَهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ الهَ وَرَسُولَهُ. ٥٠٤٠٠ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قوله تعالى: ﴿ إلا بلاغاً من الله ورسالاته﴾ ذكروا فى هذا الاستثناء وجوهاً (أحدها) أنه استثناء من قوله (لا أملك) أى لا أملك لكم ضراً ولا رشدا إلا بلاغاً من الله، وقوله: (قل إنى أن يجيرنى) جملة معترضة، وقعت فى البين لتأكيدفى الاستطاعة عنه ، وبيان معجزه على معنى : أنه تعالى إن أراد به سوء لم يقدر أحد أن يجيره منه، وهذا قول الفراء (وثانيها) وهو قول الزجاج: أنه نصب على البدل من قوله ( ملتحدا) والمعنى: ولن أجد من دونه، ملجأ إلا بلاغاً، أى لا ينجينى إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، وأقول هذا الاستثناء منقطع، لأنه تعالى لما لم يقل، ولن أجد ملتحدا، بل قال: ولن أجد من دونه ملتحدا، والبلاغ من اللّه لا يكون داخلا. تحت قوله ( من دونه ملتحدا) لأن البلاغ من اللّه لا يكون من دون الله، بل يكون من الله وياعانته وتوفيقه ( ثالثها) قال بعضهم : إلا معناه إن، ومعناه: إن لا أبلغ بلاغاً كقولك: إلا قياماً فقعودا، والمعنى: إن لا أبلغ ، لم أجد ملتحدا ، فإن قيل المشهور ، إنه يقال بلغ عنه ، قال عليه السلام ((بلغوا عنى، بلغوا عنى)) فلم قال ههنا (بلاغاً من اللّه)؟ قلنا من ليست بصفة للتبلغ إنما هى بمنزلة من فى قوله (براءة من الله) بمعنى بلاغاً كائنا من اللّه. أما قوله تعالى (ورسالاته) فهو عطف على بلاغاً كأنه قال: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله، فأفول قال الله كذا ناسباً القول إليه وأن أبدغ رسالاته التى أرسلنى بها من غير زيادة ولا نقصان. قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) قال الواحدى إن مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله ( ومن عاد فينتقم الله منه ، ومن كفر فأمتعه ، ومن يؤمن بربه فلا يخاف) على أن المبتدأ فيها مضمر وقال صاحب الكشاف وقرى. (فإن له نارجهنم) على تقدير جزاؤه أن له نار جهنم، كقولك (فإن لله خمسه) أى تحكمه أن لله خمسه. قوله تعالى: ﴿ خالدين فيها أبداً﴾ حملا على معنى الجمع فى من وفى الآ ية مسالتان: المسألة الأولى ﴾ استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة مخلدون فى الناروأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار ، قالوا وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها، قالوا وهذا العموم أقوى فى الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر العمومات ماجاء فيها قوله (أبدأ) فالمخالف يحمل الخلود على المكث الطويل، أما ههنا [فقد] جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحاًفى إسقاط الاحتمال الذى ذكره المخالف (والجواب) أنابينا فى سورة البقرة وجوه الأجوبة على التمسك بهذه العمومات، ونزيدههنا وجوها (أحدها) أن تخصيص ١٦٦ قوله تعالى : إلا بلاغاً من الله . سورة الجن . العموم بالواقعة التى لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور، فإن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار ساعة ، فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين : تلك الساعة المعينة حتى أنها لو خرج فى يوم آخر لم تطلق ، فههنا أجرى الحديث فى التبليغ عن الله تعال، ثم قال ( ومن يعص الله ورسوله) يعنى جبريل (فإن له نار جهنم) أى من يعص الله فى تبليغ رسالاته وأداء وحيه فان له نار جهنم ، وإذا كان ما ذكرنا محتملا سقط وجه الاستدلال (الوجه الثانى) وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن يذكر عقيب هذه الواقعة حكما لا تعلق له بها ، فيكون هذا الوعيد وعيداً على ترك التبليغ من الله ، ولا شك أن ترك التبليغ من الله أعظم الذنوب ، والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب ، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع الذنوب، لأن الذنوب المتفاوتة فى الصغر والكبر لايجوز أن تكون متساوية فى العقوبة، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب، وثبت أن ما كان عقوبة على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب، علمنا أن هذا الحكم مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى سائر الذنوب (الوجه الثالث ) وهو أنه تعالى ذكر عمومات الوعيد فى سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد، وذكرها ههنا مقيدة بقيد الأبد ، فلابد فى هذا التخصيص من سبب ، ولا سبب إلا أن هذا الذنب أعظم الذنوب، وإذا كان السبب فى هذا التخصيص ، هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب، وإذا ثبت أن هذا الوعيد مختص بفاعل هذا الذنب ، صارت الآ ية دالة على أن حال سائر المذنبین مخلافذلك ، لأن قوله( فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً) معناه، أن هذه الحالة له لا لغيره، وهذا كقوله (لكم دينكم) أى لكم لا لغير كم. وإذا ثبت أن لهم هذه الحالة لا لغيرهم، وجب فى سائر المذنبين أن لا يكون لهم نارجهنم على سبيل التأبيد، فظهر أن هذه الآية حجة لنا عليهم . وعلى تمسكهم بالإبة سؤال آخر، وهو أن قوله ( ومن يعص الله ورسوله) إنما يتناول من عصى الله ورسوله بجميع أنواع المعاصى، وذلك هو الكافر ونحن نقول بأن الكافر يبقى فى النار مؤبداً، وإنما قلنا إن قوله (ومن يعص الله ورسوله) إنما يتناول من عصى الله بجميع أنواع المعاصى لأن قوله (ومن يعص الله) يصح استثناء جميع أنواع المعاصى عنه، مثل أن يقال ، ومن يعص الله إلا فى الكفر وإلا فی الزنا، وإلا فی شرب الخمر ، ومن مذهب القائلين بالوعيد، أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا تحت اللفظ وإذا كان كذلك، وجب أن يكون قوله (ومن يعص الله) متناولا لمن أتى بكل المعاصى، والذى يكون كذلك هو الكافر ، فالآية مختصة بالكافر على هذا التقدير ، فسقط وجه الاستدلال بها. فإن قيل كون الانسان الواحد آتياً لجميع أنواع المعاصى محال ، لأن من المحال أن يكون قائلا بالتجسم، وأن يكون مع ذلك قائلا بالتعطيل، وإذا كان ذلك محالا جمل الآية عليه غير جائز قلنا تخصيص العام بدليل العقل جائز، فقولنا (ومن يعص الله) يفيد كونه آتياً بجميع أنواع ١٦٧ قوله تعالى : حتى إذا رأوا ما يوعدون . سورة الجن . حَتَّ إِذَا رَأَوْ أَاُ عَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (يَ قُلْ إِنْ أَدْرِىّ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا ( ٢٥ المعاصى ، ترك العمل به فى القدر الذى امتنع عقلا حصوله. فيبقى متناولا للآتى بجميع الأشياء التى يمكن الجمع بينها ، ومن المعلوم أن الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به . ﴿ المسألة الثانية) تمسك القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، فقالوا تارك المأمور به عاص لقوله تعالى ( أفعصيت أمرى، لا يعصون الله ما أمرهم،"لا أعصى لك أمراً) والعاصى مستحق للعقاب لقوله ( ومن يعص الله ورسوله فإن نار جهنم خالدين فيها أبداً ) قوله تعالى : ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً ﴾ فإن قيل ما الشىء الذى جعل ما بعد حتى غاية له؟ قلنا فيه وجهان (الأول) أنه متعلق بقوله ( يكونون عليه لبدأ ) والتقدير أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عدده (حتى إذا رأوا ما يوعدون) من يوم بدر وإظهار الله له عليهم أو من يوم القيامة، فسيعلمون أيهم أضعف ناصراً وأقل عددا، (الثانى) أنه متعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده. كأنه قيل هؤلاء لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا كان كذا كان كذا، واعلم أن نظير هذه الآية قوله فى مريم (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة) واعلم أن الكافر لا ناصر له ولا شفيع يوم القيامة، على ما قال ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) ويفر كل أحد منهم من صاحبه، على ما قال ( يوم يفر المرء من أخيه) إلى آخره (ويوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) وأما المؤمنون فلهم العزة والكرامة والكثرة، قال تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) والملك القدوس يسلم عليهم ( سلام قولا من رب رحيم) فهناك يظهر أن القوة والعدد فى جانب المؤمنين أو فى جانب الكفار . قوله تعالى: ﴿قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربى أمداً ﴾ قال مقاتل لما سمعوا قوله (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً) قال النضر بن الحرث متى يكون هذا الذى توعدنا به؟ فأنزل الله تعالى (قل إن أدرى أقريب ماتوعدون) إلى آخره والمعنى أن وقوعه متيقن، أما وقت وقوعه فغير معلوم، وقوله (أم يجعل له ربى أمداً) أى غاية وبعدأ وهذا كقوله ( وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون) فإن قيل أليس أنه قال ((بعثت أنا والساعة كهاتين، فكان عالما بقرب وقوع القيامة ، فكيف قال ههنا لا أدرى أقريب أم بعيد؟ قلنا المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقى من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم ، ١٦٨ قوله تعالى : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد . سورة الجن . عَلِمُ الْغَيْبٍ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًّا (٣٦) إِلَّ مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ وأما معنى معرفة القرب القريب وعدم ذلك فغير معلوم . ثم قال تعالى ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ، إلا من ارتضى من رسول) لفظة من فى قوله من رسول تبيين لمن ارتضى يعنى أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذى يكون رسولا ، قال صاحب الكشاف، وفى هذا إبطال الكرامات لأن الذين تضاف الكرامات إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل ، وقد خص اللّه الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيها أيضاً إبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شىء من الإرتضاء وأدخله فى السخط ، قال الواحدى ، وفى هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك ، فقد كفر بما فى القرآن . واعلم أن الواحدى يجوز الكرامات وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعض الوقائع فى المستقبل. ونسبة الاية إلى الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم فينبغى أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله صاحب الكشاف، وإن زعم أنها لا تدل على المنع من الإلهامات الحاصلة للأولياء فينبغى أن لا يجعلها دالة على المنع من الدلائل النجومية ، فأما التحكم بدلالتها على المنع من الأحكام النجومية وعدم دلالتها على الإلهامات الحاصلة للأولياء فمجرد التشهى، وعندى أن الآية لا دلالة فيها على شىء ما قالوه والذى تدل عليه أن قوله (على غينه) ليس فيه صيغة عموم فيكفى فى العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى فى الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئً من الغيوب لأحد، والذى ؤكدهذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله (إن أدرى أقريب ما نوعدون أم يجعل له ربى أمداً) يعنى لا أدرى وقت وقوع القيامة، ثم قال بعده ( عالم الغيب فلا يد غيبه أحداً) أى وقت وقوع القيامة من الغيب الذى لا يظهره الله لأحد، وبالجملة فقوله ( على غيبه ) لفظ مفرد مضاف، فيكفى فى العمل به حمله على غيب واحد ، فأما العموم فليس فى اللفظ دلالة عليه ، فإن قيل فإذا حملتم ذلك على القيامة، فكيف قال ( إلا من ارتضى من رسول) مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله ؟ قلنا بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة ، وكيف لا وقد قال ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا) ولا شك أن الملائكة يعلمون فى ذلك الوقت قيام القيامة ، وأيضاً يحتمل أن يكون هذا الاستثناء منقطعاً، كأنه قال عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو قيام القيامة أحداً، ثم قال بعده لكن من ارتضى من رسول ( فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ) حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن ، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جواباً لسؤال من سأله عن وقت وقوع ٦٦٩ قوله تعالى : فإنه يسلك من بين يديه . سورة الجن . فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (8) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوْ رِسَلَاتِ القيامة على سبيل الاستهزاء به، والاستحقار لدينه ومقالته . واعلم أنه لابد من القطع بأنه ليس مراد الله من هذه الآية أن لا يطلع أحداً على شىء من المغيبات إلا الرسل ، والذى يدل عليه وجوه (أحدها ) أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقاً وسطيحاً كاناً كاهنين يخبران بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره ، وكانا فى العرب مشهورين بهذا النوع من العلم ، حتى رجع إليهما كسرى فى تعرف أخبار رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شىء من الغيب ( وثانيها ) أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير ، وأن المعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية فى المستقبل، ويكون صادقاً فيه ( وثاثها) أن الكاهنة البغدادية التى نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان، وسألها عن الأحوال الآتية فى المستقبل فذكرت أشياء ، ثم إنها وقعت على وفق كلامها . (قال مصنف الكتاب) ختم الله له بالحسنى: وأنا قد رأيت أناساً محققين فى علوم الكلام والحكمة ، حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة أخباراً على سبيل التفصيل ، وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها ، وبالغ أبو البركات فى كتاب المعتبر فى شرح حالها ، وقال لقد تفحصت عن حالها مدة ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً . (ورابعها) أنا نشاهد [ذلك] فى أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصاً بالأولياء بل قد يوجد فى السحرة أيضاً من يكون كذلك زى الإنسان الذى يكون سهم الغيب على درجة طالعه یکون کذلك فی کثیرمن أخباره وإن کاں قد یکذب أیضاً فی أ کثر تلك الأخبار ، ونری الأحكام النجومية قد تكون مطابقة وموافقة للأمور ، وإن كانوا قد يكذبون فى كثير منها ، وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن، وذلك باظل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه، والله أعلم. أما قوله تعالى ﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ فالمعى أنه يسلك من بين يدى من ارتضى للرسالة ، ومن خلفه رصداً ، أى حفظة من الملائكة يحفظونه من وساوس شياطين الجن و تخالیطهم، حتی یبلغ ما أوحى به إلیه ، ومن زحمة شیاطین الإنس حتى لا يؤذونه ولا يضرونه وعن الضحاك ما بعث فى إلا ومعه ملائكة بحرسونه من الشياطين الذين يتشبهون بصورة الملك. قوله تعالى: ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ فيه مسائل: ١٧٠ قوله تعالى : وأحاط بما لديهم . سورة الجن . ٠٠٤٬٠٠ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلّ شَىْءٍ عَدَدًا ( وحد الرسول فى قوله ( إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين المسألة الأولى ﴾ يديه ومن خلفه) ثم جمع فى قوله ( أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) ونظيره ما تقدم من قوله (فإن له نار جهنم خالدين). ﴿ المسألة الثانية) احتج من قال بحدوث علم اللّه تعالى بهذه الآية، لأن معنى الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة، ونظيره قوله تعالى (حتى نعلم المجاهدين) (والجواب) من وجهين: (الأول) قال قتادة ومقاتل ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا اللام فى قوله ( ليعلم ) متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام ، كانه قيل أخبرناه بحفظ الوحى ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ الحق، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أى جبريل والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من اللّه (الثانى) وه: اختيار أكثر المحققين أن المعنى، ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء رسالات ربهم، والعلم ههنا مثله فى قوله (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم، فيعلم ذلك منهم. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرى. ليعلم على البناء المفعول. قوله تعالى: ﴿وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عدداً أما قوله ( وأحاط بما لديهم) فهو يدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات، وأما قوله ( وأحصى كل شىء عدداً) فهو يدل على كونه عالماً بجميع الموجودات ، فإن قيل إحصاء العدد إنما يكون فى المتناهى، وقوله (كل شىء) يدل على كونه غير متناه، ملزم وقوع التناقض فى الآية، قلنا. لا شك أن إحصاء العدد إنما يكون فى المتناهى، فأما لفظة ( كل شىء) فإنها لا تدل على كونه غير متناه، لأن الشىء عندنا هو الموجودات، والموجودات متناهية فى العدد، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشىء، وذلك لأن المعدوم لو كان شيئاً، لكانت الأشياء غير متناهية. وقوله ( أحصى كل شىء عدداً) يقتضى كون تلك المحصيات متناهية ، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية ، وذلك محال ، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشىء حتى يندفع هذا التناقض. والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد النبى وآله وصحبه أجمعين . ١٧١ سورة المزمل (٧٣) سُورة المُزْملَكِيّةْ وايَانها عِشْرُونْ ٩١ -١ - بِسْـ لا يَأَيُّهَا الْمَزْمِلَ ﴿ فَم ◌َالَّيْلَ باسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المزمل ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ أجمعوا على أن المراد بالمزمل النبى عليه السلام، وأصله المنزمل بالتاء وهو الذى تزمل بثيابه، أى تلفف بها ، فأدغم التاء فى الزاى، ونحوه المدثر فى المندثر، واختلفوا لم تزمل بثوبه؟ على وجوه (أحدها) قال ابن عباس : أول ما جاءه جبريل عليه السلام حافه وظن أن به مساً من الجن ، فرجع من الجبل مقعداً وقال زملونى، فبينا هو كذلك إذ جاء جبريل وناداه، وقال يا أيها المزمل ( وثانيها) قال الكابى: إنما تزمل النبى عليه السلام بثيابه للنهي. للصلاة، وهو اختيار الفراء (وثالثها) أنه عليه السلام كان نائماً بالليل منزملا فى قطيفة فنودى بما يهجن تلك الحالة ، وقيل يا أيها النائم المتزمل بثوبه قم واشتغل بالعبودية (ورابعها) أنه كان متزملا فى مرط لخديجة مستأنساً بها فقيل له (يا أيها المزمل قم الليل) كأنه قيل اترك نصيب النفس واشتغل بالعبودية (وخامسها) قال عكرمة: يا أيها الذى زمل أمراً عظيما أى حمله، والزمل الحمل ، وازدمام احتمله ، المسألة الثانية﴾ قرأ عكرمة المزمل والمدثر بتخفيف الزاى والدال وتشديد الميم والنساء على أنه اسم فاعل أو مفعول ، فإن كان على اسم الفاعل كان المفعول محذوفاً والتقدير يا أيها المزمل نفسه والمدثر نفسه وحذف المفعول فى مثل هذا المقام فصيح، قال تعالى ( وأوتيت من كل شىء) أى أوتيت من كل شىء شيئاً، وإن كان على أنه اسم المفعول كان ذلك لأنه زمل نفسه أوزمله غيره، وقرى. يا أيها المتزمل على الأصل . قوله تعالى : ﴿قم الليل﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله، لقوله (قم الليل) وظاهر الأمر للوجوب ثم نسخ، واختلفوا فى سبب النسخ على وجود (أولها) أنه كان فرضاً قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بها (وثانيها) أنه تعالى لما قال ( قم الليل إلا قليلا نصفه ١٧٢ قوله تعالى : إلا قليلاً . سورة المزمل . نِصْفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴾ أَوْزِدْ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا ( ٢ أو انقص منه قليلا أو زد عليه) فكان الرجل لايدرى كم صلى وكم فى من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وشق عليهم ذلك حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله فى آخر هذه السورة (فاقرأوا ما تيسر منه) وذلك فى صدر الإسلام، ثم قال ابن عباس وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة ، وقال فى رواية أخرى إن إيجاب هذاكان بمكة ونسخه كان بالمدينة ، ثم نسخ هذا القدر أيضاً بالصلوات الخمس، والفرق بين هذا القول وبين القول الأول أن فى هذا القول نسخ وجوب التهجد بقوله (فاقرأوا ماتيسر من القرآن ) ثم نسخ هذا بإيجاب الصلوات، وفى القول الأول نسخ إيجاب التهجد بإيجاب الصلوات الخمس ابتداء، وقال بعض العلماء: التهجد ما كان واجباقط، والدليل عليه وجوه ( أولها) قوله ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك) فبين أن التهجد نافلة له لافرض ، وأجاب ابن عباس عنه بأن المعنى زيادة وجوب عليك ( وثانيها ) أن التهجد لو كان واجباً على الرسول لوجب على أمته، لقوله (واتبعوه) وورود النسخ على خلاف الأصل ( وثالثها ) استدل بعضهم على عدم الوجوب بأنه تعالى قال ( نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ) ففوض ذلك إلى رأى المكلف وما كان كذلك لا يكون واجباً وهذا ضعيف لأنه لا يبعد فى العقل أن يقول أوجت عليك قيام الليل فأما تقديره بالقلة والكثرة فذاك مفوض إلى رأيك ، ثم إن القائلين بعدم الوجوب أجابوا عن التمسك بقوله (قم الليل ) وقالوا ظاهر الأمر يفيد الندب، لأنا رأينا أوامر الله تعالى تارة تفيد الندب وتارة تفيد الإيجاب، فلا بد من جعلها مفيدة القدر المشترك بين الصورتين دفعاً للاشتراك والمجاز، وما ذاك إلا ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، وأما جواز الترك فإنه ثابت بمقتضى الأصل ، فلما حصل الرجحان بمقتضى الأمر وحصل جواز النرك بمقتضى الأصل كان ذلك هو المندوب والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ أبو السمال قم الليل بفتح الميم وغيره بضم الميم ، فال أبو الفتح بن جنى الغرض من هذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين ، فأى الحركات تحرك فقد حصل الغرض. وحكى قطرب عنهم: قم الليل ، وقل الحق برفع الميم واللام وبع الثوب ثم قال من كسر فعلى أصل الباب ومن ضم أتبع ومن فتح فقد مال إلى خفة الفتح. قوله تعالى: ﴿إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه أعلم أن الناس قد أكثروا فى تفسير هذه الآية وعندى فيه وجهان ملخصان (الأول) أن المراد بقوله ( إلا قليلا) الثلث، والدليل عليه قوله تعالى فى آخر هذه السورة (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) فهذه الآية دات على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان، فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد فى قوله (قم الليل إلا ١٧٣ قوله تعالى : ورتل القرآن . سورة المزمل . وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْثِيلًا ( ٤٠ ـين قليلا) هو الثلث، فإذا قوله ( قم الليل إلا قليلا) معناه قم ثلثى الليل ثم قال (نصفه) والمعنى أو قم نصفه، كما تقول جالس الحسن أو ابن سيرين، أى جالس ذا أوذا أيهما شئت ، فتحذف واو العطف فتقدير الآية: قم الثلثين أو قم النصف أو انقص من النصف أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة ، ويكون الثلث أقصى النقصان ، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه يكون مندوباً ، فإن قيل فعلى هذا التأويل يلزمكم أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب ، لأنه تعالى قال (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف ، وأقل من الثلث ، فإذا كان الثلث واجباً كان عليه السلام تاركا للواجب، قلنا إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد ، فربما أخطأوا فى ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئاً قليلا ، فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند الله، ولذلك قال تعالى لهم (علم أن لن تحصوه)، (الوجه الثانى ) أن يكون قوله (نصفه) تفسيراً لقوله (قليلا) وهذا التفسير جاز لوجهين (الأول) أن نصف الشىء قليل بالنسبة إلى كله (والثانى) أن الواجبٍ إذا كان هو النصف إلى يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شىء قليل عليه فيصير فى الحقيقة نصفاً وشيئاً ، فيكون الباقى بعد ذلك أنل منه ، وإذا ثبت هذا فنقول (قم الليل إلا قليلا ) معناه قم الليل إلا نصفه، فيكون الحاصل: قم نصف الليل، ثم قال ( أو انقص منه قليلا) يعنى أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع ، ثم قال (أو زد عليه) يعنى أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه، وحينئذ يرجغ حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف ، وبين أنيقوم ربع الليل ، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه ، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذى لابد منه هو قيام الربع ، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل ، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذى ذكرتم بالكلية . لأن قوله (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثى الليل، ولا نصفه، ولا ثلثه ، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شىء من الواجبات، فزال السؤال المذكور، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ورتل القرآن ترتيلا) قال الزجاج، رتل القرآن ترتيلا، بينه تبييناً، والتبيين لا يتم بأن يعجل فى القرآن، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف ، ويوفى حقها من الإشباع، قال المبرد: أصله من قولهم ثغر رقل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير ، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشىء، وثغر رتل، حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلا ، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه، وقوله تعالى (ترتيلا) تأكيد فى إيجاب الأمر به، وأنه مما لابد منه للقارى .. ١٧٤ قوله تعالى : إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً سورة المزمل . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا واعلم أنه تعانى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن الخاطر من التأمل فى حقائق تلك الآيات ودقائقها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلالته، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف ، وحينئذ يستنير القلب نور معرفة الله ، والإسراع فى القراءة يدل على عدم الوقوف على المعانى، لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية، ومن ابتهج بشيء أحب ذكره، ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة ، فظهر أن المقصود من الترتيل إبما هو حضور القلب، وكمال المعرفة. قوله تعالى: ﴿إنا سنلق عليك قولا ثقيلا﴾ ذكروا فى تفسير الثقيل وجوهاً (أحدها) وهو المختار عندى أن المراد من كونه ثقيلا عظم قدره وجلالة خطره، وكل شىء نفس وعظم خطره، فهو ثقل وثقيل ونافل، وهذا معنى قول ابن عباس فى رواية عطاء (قولا ثقيلا) يعنى كلاماً عظيما، ووجه النظم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل، فكأنه قال: إما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سلفى عليك قولا عظيما، فلا بد وأن تسعى فى صيرورة نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، ولا يحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل، فإن الإنسان فى الليلة الظلماء إذا اشتغل بعب-، الله تعالى وأقبل على ذكره ، والثناء عليه ، والتضرع بين يديه، ولم يكن هناك شىء من الشواغل الحسية، والعوائق الجسمانية استعدت النفس هنالك لإشراق جلال الله فيها، وتهيأت للتجرد التام، والانكشاف الأعظم بحسب الطاقة البشرية. فلما كان لصلاة الليل أثر فى صيرورة النفس مستعدة لهذا المعنى، لا جرم قال: إني إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سناقى عليك قولا ثقيلا، قصير نفسك مستعدة لقبول ذلك المعنى، وتمام هذا المعنى ما قال عليه الصلاة والسلام (( إن لربكم فى أيام دهر كم نفحات ألافتعرضوا لها)) (وثانيها) قالوا المراد بالقول الثقيل، القرآن ومافيه من الأوامر والنواهى التى هى تكاليف شافة ثقيلة على المكلفين عامة، وعلى رسول الله خاصة، لأنه يتحملها بنفسه ويبلغها إلى أمته، وحاصله أن ثقله راجع إلى ثقل العمل به، فإنه لامعنى للتكليف إلا إلزام ما فى فعله كلفة ومشقة ( وثالثها) روى عن الحسن: أنه ثقيل فى الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى كثرة منافعه. وكثرة الثواب فى العمل به (ورابعها) المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يثقل عند نزول الوحى إليه ، روى أن الوحى نزل عليه وهو على ناقته فتقل عليها ، حتى وضعت جرانها ، فلم تستطع أن تتحرك، وعن ابن عباس : كان إذا نزل عليه الوحى ثقل عليه وتر د وجهه، وعن عائشة رضى الله عنها ((رأيته ينزل عليه الوحى، فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليرفض عرقاً)) (وخامسها) قال الفراء: قولا ثقيلا، أى ليس بالخفيف ولا بالسفساف، لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى (وسادسها) قال الزجاج : معناه أنه قول متین فی صحته وبيانه و نفعه ، ١٧٥ قوله تعالى : إن ناشئة الليل . سورة المزمل . إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ كما تقول هذا كلام رزين ، وهذا قول له وزن إذا كنت تستجيده، وتعلم أنه وقع موقع الحكمة والبيان ( وسابعها) قال أبو على الفارسى ، إنه ثقيل على المنافقين ، من حيث إنه يهتك أسرارهم ، ومن حيث إنه يبطل أديانهم وأقوالهم (ونامنها) أن الثقيل من شأنه أن يبقى فى مكانه ولا يزول، فجعل الثقيل كناية عن بقاء القرآن ، على وجه الدهر ، كما قال ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (وتاسعها) أنه ثقيل، بمعنى أن العقل الواحد لا يفى بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية ، فالمتكلمون غاصرا فى بحار مقولاته ، والفقهاء أقبلو على البحث عن أحكامه، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعانى، ثم لا يزال كل تأخر يفوز منه فوائد ما وصل إليها المتقدمون ، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله، فصار كالحمل الثقيل الذى يعجز أننى عن حمله، (وعاشرها) أنه ثقيل، لكونه مشتملا على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والفرق بين هذه الأقسام مما لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون ، المحيطون بجميع العلوم العقلية والحكمية، فلما كان كذلك لا جرم كانت الإحاطة به ثقيلة على أكثر الخلق . قوله تعالى: ﴿إن ناشئة الليل) يقال نشأت تنشأ نشأ، فهى: ناشئة، والإنشاء الإحداث، فكل ما حدث [فهو ناشىء] فإنه يقال للذكرناشىء، وللمؤنث ناشئة، إذا عرفت هذا فنقول فى الناشئة قولان: (أحدهما ) أنها عبارة عن ساعات الليل (والثانى) أنها عبارة عن الأمور التى تحدث فى ساعات اليل ، أما القول الأول ، فقال أبو عبيدة ناشئة الليل ساعاته وأجزاؤه المتتالية المتعاقبة فإنها تحدث واحدة بعد أخرى ، فهى ناشئة بعد ناشئة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال الليل كله ناشئة ، روى ابن أبي مليكة ، قال سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل ، فقال الليل كله ناشئة . وقال زين العابدين رضى الله عنه: ناشئة الليل مابين المغرب إلى العشاء ، وهو قول سعيد ابن جبير والضحاك والكسائى ، قالوا لأن ناشئة الليل هى الساعة التى منها يبتدىء سواد الليل، (القول الثانى) هو تفسير الناشئة بأمور تحدث فى الليل، وذكروا على هذا القول وجوهاً (أحدها) قالوا ناشئة الليل هى النفس الناشئة بالليل التى تنشأ من مضجعها إلى العبادة أى تنهض وترتفع ، من نشأت السجابة إذا ارتفعت ( وثانيها ) ناشئة الليل، عبارة عن قيام الليل بعد النوم ، قال ابن الأعرابى إذا نجحت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة، ومنه ناشئة الليل ، وعندى فيه ( وجه ثالث ) وهو أن الإنسان إذا أقبل على العبادة والذكر فى الليل المظلم فى البيت المظلم فى موضع لا تصير حواسه مشغولة بشىء من المحسوسات البتة ، حينئذ يقبل القلب على الخواطر الروحانية والأفكار الإلهية، وأما النهار فإن الحواس تكون مشغولة بالمحسوسات، فتصير النفس مشغولة بالمحسوسات، فلا تتفرغ للأحوال الروحانية ، فالمراد من ناشئة الليل تلك الواردات الروحانية ١٧٦ قوله تعالى : هي أشد وطئاً . سورة المزمل . هىَ أَشَدَّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ٦ والخواطر النوروانية ، التى تنكشف فى ظلمة الليل بسبب فراغ الحواس، وسماها ناشئة الليل لأنها لا تحدث إلا فى الليل بسبب أن الحواس الشاغلة للنفس معطلة فى الليل ومشغولة فى النهار، ولم يذكر أن تلك الأشياء الناشئة منها تارة أفكار وتأملات ، وتارة أنوار ومكاشفات ، وتارة انفعالات نفسانية من الابتهاج بعالم القدس أو الخوف منه ، أو تخيلات أحوال عجيبة، فلما كانت تلك الأمور الناشئة أجناساً كثيرة لا يجمعها جامع ، إلا أنها أمور ناشئة حادثة لا جرم لم يصفها إلا بأنها ناشئة الليل . قوله تعالى: ﴿هى أشد وطئاً﴾ أى مواطأة، وملاءمة وموافقة، وهو مصدر يقال واطأت فلانا على كذا، مواطأة ووطأة، ومنه (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أى ليوافقوا، فإن فسرنا الناشئة بالساعات كان المعنى أنها أشدموافقة لما يردمن الخشوع والإخلاص، وإن فسرناها بالنفس الناشئة كان المعنى شدة المواطأة بين القلب واللسان، وإن فسرناها بقيام الليل كان المعنى ما يراد من الخشوع والإخلاص ، وإن فسرناها بما ذكرت كان المعنى أن إفضاء تلك المجاهدات إلى حصول المكاشفات فى الليل أشد منه فى النهار، وعن الحسن أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق . المسألة الثانية﴾ مرى. (أشد وطنا) بالفتح والكسر وفيه وجهان (الأول) قال الفراء أشد ثبات قدم، لأن النهار يضطرب فيه الناس ويتقلبون فيه للمعاش (والثانى) أثقل وأغلظ على المصلى من صلاة النهار، وهو من قولك اشتدت على القوم وطأة سلطانهم إذا نقل عليهم معاملتهم معه، وفى الحديث ((اللهم أشدد وطأتك على مضر)) فأعلم الله نبيه أن الثواب فى قيام الليل على قدر شدة الوطأة وثقلها، ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام ((أفضل العبادات أحمزها)) أى أشقها. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى، قال لأنه تعالى لما أمره بقيام الليل ذكر هذه الآية، فكأنه قال إنما أمرتك بصلاة الليل لأن موافقة القلب واللسان فيه أكمل، وأيضاً الخواطر الليلية إلى المكاشفات الروحانية أتم . قوله تعالى: ﴿وأقوم قيلا ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ (أقوم قليلا) قال ابن عباس: أحسن لفظاً، قال ابن قتيبة: لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات ويخلص القول، ولا يكون دون تسمعه وتفهمه حائل المسألة الثانية﴾ قرأ أنس. وأصوب قيلا، فقيل له يا أبا حمزة إنماهى: وأقوم قيلا، فقال أنس وأصوب وأهيأ واحد، قال ابن جنى، وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعانى، فإذا وجدوها لم يلتفتوا إلى الألفاظ، ونظيره ما روى أن أبا سوار الغنوى: كان يقرأ (خاسوا خلال الديار ) بالحاء غير المعجمة ، فقيل له إنما هو جاسوا، فقال: حاسوا وماسوا واحد ، أنا ١٧٧ قوله تعالى : إن لك في النهار سبحاً طويلا . سورة المزمل . إِنَّ لَكَ فِ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (﴾ وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتْلْ إِلَيْه تَبْتِيلًا ﴾ أقول يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك تفسيراً للفظ القرآن ، لا على أنه جعله نفس القرآن، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جنى لا رتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ، ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقاً لذلك المعنى، ثم ربما أصاب فى ذلك الاعتقاد، وربما أخطأ. وهذا يحر إلى الطعن فى القرآن ، فثبت أنه حمل ذلك على ما ذكرناه . قوله تعالى : ﴿إن لك فى النهار سبحاً طويلا) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ قال المبرد سبحاً أى تقلباً فيما يجب ولهذا سمى السابح سابحاً لتقلبه بيديه ورجليه، ثم فى كيفية المعنى وجهان (الأول) إن لك فى النهار تصرفاً وتقلباً فى مهماتك فلا تتفرغ لخدمة اللّه إلا بالليل، فلهذا السبب أمرتك بالصلاة فى الليل (الثانى) قال الزجاج أى إن فاتك من الليلى شىء من النوم والراحة فلك فى النهار فراغه فاصرفه إليه . المسألة الثانية) قرى. سبخاً بالخاء المنقطة من فوق، وهو استعارة من سبخ الصوف. وهو نقشه ونشر أجزائه ، فإن القلب فى النهار يتفرغ بسبب الشواغل، وتختلف همومه بسبب الموجبات المختلفة، واعلم أنه تعالى أمر رسوله أولا بقيام الليل، ثم ذكر السبب فى أنه لم خص الليل بذلك دون النهار ، ثم بين أن أشرف الأعمال المأمور بها عند قيام الليل ما هو. قوله تعالى ( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) وهذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بشيئين، أحدهما الذكر، والثانى التبتل ، أما الذكر فاعلم أنه إنما قال ( واذكر اسم ربك) ههنا وقال فى آية أخرى (واذكر ربك فى نفسك تضرعاً وخفية ) لأنه لا بد فى أول الأمر من ذكر الإسم باللسان مدة ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هى المراد بقوله ههنا (واذكر اسم ربك ) والمرتبة الثانية هى المراد بقوله فى السورة الأخرى (واذكر ربك فى نفسك) وإنما تكون مشتغلا بذكر الرب ، إذا كنت فى مقام مطلعة ربوبيته، وربوبيته عبارة عن أنواع تربيته لك وإحسانه إليك ، فما دمت فى هذا المقام تكون مشغول القلب بمطالعة آلائه وفعمائه فلا تكون مستغرق القلب به، وحينئذ يزداد الترقى فنصير مشتغلا بذكر إلهيته، وإليه الإشارة بقوله (أذكروا اللّه كذكركم آباءكم) وفى هذا المقام يكون الإنسان فى مقام الهيبة والخشية، لأن الإلهية إشارة إلى القهارية والعزة والعلو والصمدية . ولا يزال العبد يرقى فى هذا المقام متردداً فى مقامات الجلال والتنزيه والتقديس إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الأحدية، التى كلت العبارات عن شرحها، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها، وهناك الانتها. إلى الواحد الحق ، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير فى الصفات ، حتى يحصل الانتقال من صفة إلى صفة ، ولا أن تكون الهوية مركبة حتى الفخر الرازي - ج ٣٠ م. ١٢ ١٧٨ قوله تعالى : رب المشرق والمغرب . سورة المزمل . رَّبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِلًا ينتقل نظر العقل من جزء إلى جزء، ولا أنها مناسبة لشىء من الأحوال المدركة عن النفس حتى تعرف على سبيل المقايسة ، فهى الظاهرة لأنها مبدأ ظهور كل ظاهر، وهى الباطنة لأنها فوق عقول كل المخلوقات ، فسبحان من احتجب عن العقول لشدة ظهوره واختفى عنها بكال نوره ، وأما قوله تعالى ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ اعلم أن جميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص، وأصل التبتل فى اللغة القطع، وقيل لمريم البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى فى العبادة، وصدقة بتلة منقطعة من مال صاحبها . وقال الليث التبتيل تمييز الشىء عن الشىء ، والبتول كل امرأة تنقبض من الرجال، لارغبة لها فيهم. إذا عرفت ذلك فاعلم أن للمفسرين عبارات، قال الفراء يقال العابد إذا ترك كل شىء وأقبل على العبادة قد تبتل أى انقطع عن كل شىء إلى أمر الله وطاعته ، وقال زيد بن أسلم التبتل رفض الدنيا ١ مع كل ما فيها والتمساس ما عند الله، واعلم أن معنى الآية فوق ما قاله هؤلاء الظاهريون لأن قوله (وتبتل) أى انقطع عن كل ماسواه إليه فالمشغول بطلب الآخرة غير متبتل إلى الله تعالى، بل التبتل إلى الآخرة والمشغول بعبادة اللّه متبتل إلى العبادة لا إلى الله، والطالب لمعرفة اللّه متبتل إلى معرفة الله لا إلى الله. فمن آثر العبادة لنفس العبادة أو لطلب الثواب أو ليصير متعبداً كاملا بتلك العبودية العبودية فهو متبتل إلى غير الله، ومن آثر العرفان للعرفان فهو متبتل إلى العرفان، ومن آثر العبودية لا للعبودية بل للمعبود وآثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول، وهذا مقام لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال، ومن أراده فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ولا يجد الإنسان لهذا مثالا إلا عند العشق الشديد إذا مرض البدن بسببه وانحبست القوى وعميت العينان وزالت الأغراض بالكلية وانقطعت النفس عما سوى المعشوق بالكلية ، فهناك يظهر الفرق بين التبتل إلى المعشوق وبين التبتل إلى رؤية المعشوق . ﴿ المسألة الثانية﴾ الواجب أن يقال: وتبتل إليه تبتلاأو يقال بتل نفسك إليه تبتيلا، لكنه تعالى لم يذكرهما واختار هذه العبارة الدقيقة وهى أن المقصود بالذات إنما هو التبتل. فأما التقتيل فهو تصرف والمشتغل بالتصرف لا يكون متبتلا إلى الله لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعاً إلى الله، إلا أنه لابد أولا من التبتيل حتى يحصل التبتل كماقال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) فذكر التقتل أو لا إشعاراً بأنه المقصود بالذات وذكر التبتيل ثانياً إشعاراً بأنه لا بدمنه ولكنه مقصود بالغرض. واعلم أنه تعالى لما أمره بالذكر أولا ثم بالتبتل ثانياً ذكر السبب فيه فقال تعالى ﴿ رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ وفيه مسائل: ١٧٩ قوله تعالى : رب المشرق والمغرب . سورة المزمل . المسألة الأولى﴾ اعلم أن التبتل إليه لا يحصل إلا بعد حصول المحبة، والمحبة لا تليق إلا بالله تعالى، وذلك لأن سبب المحبة إما الكمال وإما التكميل ، أما الكمال فلأن الكمال محبوب لذاته إذ من المعلوم أنه يمتنع أن يكون كل شىء إنما كان محبوباً لأجل شىء آخر، وإلا لزم التسلسل ، فاذاً لابدمن الانتهاء إلى مايكون محبوباً لذاته، والكمال محبوب لذاته ، فإن من اعتقد أن فلاناً الذى كان قبل هذا بألف سنة كان موصوفاً بعلم أزيد من على سائر الناس مال طبعه إليه وأحبه شاء أم أبى، ومن اعتقد فى رستم أنه كان موصوفاً بشجاعة زائدة على شجاعة سائر الناس أحبه شاء أم أبى . فعلمنا أن الكمال محبوبلذاته وکال الكمال لله تعالى، فالله تعالىمحبوب لذاته ، فمن لم يحصل فى قلبه محبته كان ذلك لعدم علمه بكاله ، وأما التكميل فهو أن الجواد محبوب والجواد المطلق هو الله تعالى فالمحبوب المطلق هو الله تعالى، والتبتل المطلق لا يمكن أن يحصل إلا إلى الله تعالى، لأن الكمال المطلق له والتكميل المطلق منه، فوجب أن لا يكون التبتل المطلق إلا إليه ، واعلم أن التبتل الحاصل إليه بسبب كونه مبدأ للتكميل مقدم على التبتل الحاصل إليه بسبب كونه كاملا فى ذاته ، لأنالإنسان فى مبدأ السيريكون طالباً للحصة فيكون تبتله إلى الله تعالى بسبب كونه مبدأ للتكميل والإحسان، ثم فى آخر السير يترقى عن طلب الحصة كما بينا من أنه يصير طالباً للمعروف لا للعرفان، فيكون تبتله فى هذه الحالة بسبب كونه كاملا فقوله ( رب المشرق والمغرب) إشارة إلى الحالة الأولى التى هى أول درجات المتبتلين وقوله (لا إله إلا هو) إشارة إلى الحالة الثانية التى هى منتهى درجات المتبتلين ومنتهى أقدام الصديقين ، فسبحان من له تحت كل كلمة سر يخفى ، ثم وراء هاتين الحالتين مقام آخر ، وهو مقام التفويض، وهو أن يرفع الاختيار من البين ، ويفوض الأمر بالكلية إليه ، فإن أراد الحق به أن يجعله متبتلا رضى بالتبتل لا من حيث إنه هو ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وإن أراد به عدم التبتل رضى بعدم التبتل لا من حيث إنه عدم التبتيل ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وههنا آخر الدرجات ، وقوله ( فاتخذه وكيلا) إشارة إلى هذه الحالة ، فهذا ما جرى به القلم فى تفسير فى هذه الآية، وفى الزوايا خبايا ، ومن أسرار هذه الآية بقايا (ولو أن ما فى الأرض من شجرة أفلام والبحر يمدده من بعده سرعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه). ﴿ المسألة الثانية﴾ (رب) فيه قراءتان (إحداهما) الرفع، وفيه وجهان: (أحدهما) على المدح، والتقدير هو رب المشرق، فيكون خبر مبتدأ محذوف، كقوله ( بشر من ذلكم النار) وقوله ( متاع قليل ) أى تقلبهم متاع قليل (والثانى) أن ترفعه بالابتداء، وخبره الجملة التى هى ، لا إله إلا هو، والعائد إليه الضمير المنفصل، و(القراءة الثانية) الخفض، وفيها وجهان: (الأول) على البدء من ربك (والثانى) قال ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك : اللّه لأفعلن ( وجوابه) لا إله إلا هو كما تقول والله لا أحد فى الدار إلا زيد، وقرأ ابن عباس رب المشارق والمغارب . أما قوله (فاتخذه وكيلا) فالمعنى أنه لما ثبت أنه لا إله إلا هو لزمك أن تتخذه وكيلا ، ١٨٠ قوله تعالى : واصبر على ما يقولون . سورة المزمل . وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَالْمُرُهُمْ مَجْرًا ◌َجِيلًا (٨﴾ وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (٦﴾ وأن تفوض كل أمورك إليه، وههنا مقام عظيم، فإنه لما كانت معرفة أنه لا إله إلا هو توجب تفويض كل الأمور إليه دل هذا على أن من لا يفوض كل الأمور إليه ، فانه غير عالم بحقيقة لا إله إلا هو ، وتقريره أن كل ماسواه ممكن ومحدث، وكل ممكن ومحدث، فانه مالم يقته إلى الواجب لذاته لم يجب، ولما كان الواجب لذاته واحداً كان جميع الممكنات مستندة إليه، منتهية إليه وهذا هو المراد من قوله ( فاتخذه وكيلا ) وقال بعضهم (وكيلا) أى كفيلا بما وعدك من النصر والإظهار . قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا﴾ المعنى أنك لما اتخذتى وكيلا (فاصبر على ما يقولون.) وفوض أمرهم إلى فإنى لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك باصلاح أمور نفسك، واعلم أن مهمات العباد محصورة فى أمرين كيفية معاملتهم مع الله، وكيفية معاملتهم مع الخلق. والأول أهم من الثانى، فلما ذكر تعالى فى أول هذه السورة ما يتعلق بالقسم الأول أتبعه بما يتعلق بالقسم الثانى ، وهو سبحانه جمع كل ما يحتاج إليه من هذا الباب فى هاتين الكلمتين ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطً للناس أو مجانباً عنهم فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة على إيذائهم وإيحاشهم ، فإنه إن كان يطمع منهم فى الخير والراحة لم يحد فيقع فى الغموم والأحزان، فثبت أن من أراد مخالطة مع الخلق فلا بد له من الصبر الكثير، فأما إن ترك المخالطة فذاك هو الهجر الجميل، فثبت أنه لابد لكل إنسان من أحد هذين الأمرين، والهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه ويخالفهم فى الأفعال مع المدارة والإغضاء وترك المكافأة، ونظيره (فأعرض عنهم وعظهم ، وأعرض عن الجاهلين، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) قال المفسرون هذه الآية إنما نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بالأمر بالقتال، وقال آخرون بل ذلك هو الأخذ بإذن الله فيما يكون أدعى إلى القبول فلا يرد النسخ فى مثله وهذا أصح. قوله تعالى: ﴿وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا﴾. - اعلم أنه إذا اهتم إنسان بمهم وكان غيره قادراً على كفاية ذلك المهم على سبيل التمام والكمال، قال له ذرنى أنا وذاك أى لا حاجة مع اهتمامى بذاك إلى شىء آخر. وهو كقوله ( فذرنى ومن يكذب) وقوله (أولى النعمة) بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة يقال أنعم بك ونعمك عينا أى أسرعينك وهم صناديد قريش وكانوا أهل تنعم وترقه (ومهلهم قليلا) فيه وجهان (أحدهما). المراد من القليل الحياة الدنيا (والثانى) المراد من القليل تلك المدة القليلة الباقة إلى يوم بدر ، فإن الله أهلكهم فى ذلك اليوم .