النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى : والله جعل لكم الأرض سورة نوح .
قَالَ
لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا
وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُرُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
نُوحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْفِىِ وَأَنَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُوَ إِلَّ ◌َخَرَارِ
بواسطة إخبار الله تعالى، وهذا المقام مقام الاستدلال على كال قدرة الله تعالى فلا يمكن إثباته
بالسمع، أما لما قال (أنبتكم نباتاً) على معنى أنبتكم فنتم نباتاً عجيباً كاملا كان ذلك وصفاً للنبات بكونه
مجيباً كاملا، وكون النبات كذلك أمر مشاهد محسوس، فيمكن الاستدلال به على كما قدرة الله
تعالى ، فكان هذا موافقاً لهذا المقام. فظهر أن العدول من تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر
اللطيف ، أما قوله (ثم يعيد كم فيها) فهو إشارة إلى الطريقة المعهودة فى القرآن من أنه تعالى لما
كان قادراً على الابتداء كان قادراً على الإعادة، وقوله (ويخرجكم إخراجا) أكده بالمصدر كأنه
قال يخرجكم حقاً لا محالة .
﴿الدليل الرابع) قوله تعالى ﴿والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلا تجاجاً ﴾
أى طرقاً واسعة واحدها فج وهو مفسر فيما تقدم .
واعلم أن نوحاً عليه السلام لما دعاهم إلى الله ونبهم على هذه الدلائل الظاهرة حكى عنهم
أنواع قبائحهم وأقوالهم وأفعالهم .
فالأول قوله ﴿ قال نوح رب إنهم عصونى) وذلك لأنه قال فى أول السورة أن اعبدوا
الله واتقوه وأطيعون، فكانه قال قلت لهم أطيعون فهم عصونى .
الثانى قوله ﴿ واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ ذكر فى الآية الأولى أنهم عصوه وفى هذه الآية أنهم ضموا إلى عصيانه
معصية أخرى وهى طاعة رؤسائهم الذين يدعونهم إلى الكفر ، وقوله ( من لم يزده ماله موولده
إلا خساراً) يعنى هذان وإن كانه من جملة المنافع فى الدنيا إلا أنهما لما صاراسباً للخسار فى
الآخرة فكأنهما صارا محض الخسار والأمر كذلك فى الحقيقة لأن الدنيا فى جنب الآخرة كالعدم
فاذا صارت المنافع الدنيوية أسباباً للخسار فى الآخرة صار ذلك جارياً مجرى اللقمة الواحدة من
الحلو إذا كانت مسمومة سم الوقت، واستدل بهذه الآية من قال إنه ليس لله على الكافر نعمة لأن
هذه النعم استدراجات ووسائل إلى العذاب الأبدى فكانت كالعدم ، ولهذا المعنى قال نوح عليه
السلام فى هذه الآية ﴿لم يزده ماله وولده إلا خساراً ﴾
﴿المسألة الثانية) قرى. وولده بضم الواو وأعلم أن الولد بالضم لغة فى الولد، ويجوز أن
يكون جمعاً إما جمع ولد كالفلك، وههنا يجوز أن يكون واحداً وجمعاً.

١٤٢
قوله تعالى : ومكروا مكراً كباراً . سورة نوح .
وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (٢) وَقَالُوْ لَا تَذَرُنَّ ءَ الَتَكُر وَلَا تَذَّرُنَّ وَّا وَلَا سُوَاءً
وَلَا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَنَسْرًا (٣) وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيرًاً وَلَا تَزِدِ الظَّالِينَ إِلَا ضَلَلًا
٢٤
﴿ النوع الثالث ) من قبائح أفعالهم قوله تعالى: ﴿ومكروا مكراً كباراً، وقالوا لانذرن آلهتكم
ولا تذرن وداً ولا سواءاً ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقد أضلوا كثيراً ولا تزد الظالمين إلاّ
ضلالا﴾ فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ومكروا، معطوف على من لم يزده، لأن المتبوعين هم الذين مكروا،
وقالوا للأتباع لا تذرن ، وجمع الضمير وهو راجع إلى من ، لأنه فى معنى الجمع .
المسألة الثانية) قرى. كباراً وكباراً بالتخفيف والتثقيل، وهو مبالغة فى الكبير ، فأول
المراتب الكبير ، والأوسط الكبار بالتخفيف، والنهاية الكبار بالتثقيل، ونظيره: جميل وجمال
وجمال، وعظيم وعظام وعظام ، وطويل وطوال وطوال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المكر الكبار، هو أنهم قالوا لأتباعهم (لا تذرن وداً) فهم منعوا القوم عن
التوحيد، وأمروهم بالشرك ، ولما كان التوحيد أعظم المراتب، لاجرم كان المنع منه أعظم الكبائر.
فلهذا وصفه الله تعالى بأنه كبار، واستدل بهذا من فضل علم الكلام على سائر العلوم، فقال الأمر
بالشرك كبار فى القبح والخزى ، فالأمر بالتوحيد والإرشاد وجب أن يكون كباراً فى
الخير والدين ،
﴿ المسألة الرابعة) أنه تعالى إنما سماه (مكراً) لوجهين (الأول) لما فى إضافة الإلهية إليهم من
الحيلة الموجبة لاستمرارهم على عبادتها، كأنهم قالوا هذه الأصنام آلهة لكم، وكانت ألهة لآ بائكم،
فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين كافرين ، وعلى آبائكم بأنهم كانوا
كذلك، ولما كان اعتراف الإنسان على نفسه، وعلى جميع أسلافه بالقصور والنقص والجهل
شاقاً شديداً ، صارت الإشارة إلى هذه المعانى بلفظ آلهتكم صارفاً لهم عن الدين ، فلأجل اشتمال
هذا الكلام على هذه الحيلة الخفية سمى الله كلامهم (مكراً) (الثانى) أنه تعالى حكى عن أولئك
المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح، لأن آلهتكم
يعطونكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيه شيئاً لأنه فقير، فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح،
وهذا مثل مكر فرعون إذ قال (أليس لى ملك مصر) وقال (أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ،
ولا يكاد يبين ، فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب).

١٤٣
قوله تعالى : وقالوا لا تذرن آلهتكم . سورة نوح .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ذكر أبو زيد البلخى فى كتابه فى الرد على عبدة الأصنام: أن العلم بأن
هذه الخشبة المنحوتة فى هذه الساعة ليست خالقة السموات والأرض ، والنبات والحيوان علم
ضرورى ، والعلوم الضرورية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها بين العقلاء ، وعبادة الأوثان دين
كان موجوداً قبل مجىء نوح عليه السلام بدلالة هذه الآية، وقد استمر ذلك الدين إلى هذا
الزمان، وأكثر سكان أطراف المعمورة على هذا الدين، فوجب حمل هذا الدين على وجه
لا يعرف فساده بضرورة العقل؟، وإلا لما بقى هذه المدة المتطاولة فى أكثر أطراف العالم ، فإذاً
لابد وأن يكون للذاهبين إلى ذلك المذهب تأويلات (أحدها) قال أبو معشر جعفر بن محمد
المنجم: هذه المقالة إنما تولدت من مذهب القائلين بأن الله جسم، وفى مكان، وذلك لأنهم قالوا
إن الله نور هو أعظم الأنوار، والملائكة الذين هم حافون حول العرش الذى هو مكانه، هم أنوار
صغيرة بالنسبة إلى ذلك النور الأعظم، فالذين اعتقدوا هذا المذهب اتخذوا صنما هو أعظم
الأصنام على صورة إلههم الذى اعتقدوه، واتخذوا أصناماً متفاوتة، بالكبر والصغر والشرف
والخسة على صورة الملائكة المقربين، واشتغلوا بعبادة تلك الأصنام على اعتقاد أنهم يعبدون
الإله والملائكة، فدين عبادة الأوثان إنما ظهر من اعتقاد التجسيم ( الوجه الثانى) وهو أن جماعة
الصابئة كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم خلق هذه الكواكب الثابتة والسيارة، وفوض تدبير
هذا العالم السفلى إليها ، فالبشر عبيد هذه الكواكب، والكواكب عبيد الإله الأعظم ، فالبشر
يجب عليهم عبادة الكواكب ، ثم إن هذه الكواكب كانت تطلع مرة وتغيب أخرى ، فاتخذوا
أصنافاً على صورها واشتغلوا بعبادتها، وغرضهم عبادة الكواكب (الوجه الثالث ) أن القوم
الذين كانوا فى قديم الدهر ، كانوا منجمين على مذهب أصحاب الأحكام ، فى إضافات سعادات
هذا العالم، ونحو -اتها إلى الكواكب ، فإذا اتفق فى الفلك شكل مجيب صالح لطلسم عجيب ، فكانوا
يتخذون ذلك الطلسم ، وكان يظهر منه أحوال عجيبة وآثار عظيمة ، وكانوا يعظمون ذلك الطلسم
، ويكرمونه ويشتغلون بعبادته ، وكانوا يتخذون كل طلسم على شكل مرافق لكوكب خاص ولبرج
خاص، فقيل كان ودعلى صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على
صورة فرس ، ونسر على صورة نسر (الوجه الرابع) أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون
تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها، وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ماتوا حتى يكونوا
شافعين لهم عند الله وهو المراد من قولهم ( مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)(الوجه الخامس)أنهربما
مات ملك عظيم، أو شخص عظيم، فكلوا يتخذون تمثالا على صورته وينظرون إليه، فالذين جاؤا
بعد ذلك ظنوا أن آباءهم كانوا يعبدونها فاشتغلوا بعبادتها لتقليد الآباء ، أو لعل هذه الأسماء الخمسة
وهى: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، أسماء خمسة من أولاد آدم، فلما ماتوا قال
إبليس لمن بعدهم ، لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم ، ففعلوا ، فلما مات أولئك

١٩٤
قوله تعالى : لا تذرن آلهتكم . سورة نوح .
قال لمن بعدهم إنهم كانوا يعيدونهم فعبدوهم ، ولهذا السبب نهى الرسول عليه السلام، عن زيارة
القبور أولا ، ثم أذن فيها على ما يروى أنه عليه السلام. قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور
ألا فزوروها فإن فى زيارتها تذكرة (السادس) الذين يقولون إنه تعالى جسم، وإنه يجوز عليه
الانتقال والحلول ، لا يستبعدون أن يحل تعالى فى شخص إنسان، أو فى شخص صنم، فإذا أحسوا
من ذلك الصنم المتخذ على وجه الطلسم حالة عجيبة ، خطر ببالهم أن الإله حصل فى ذلك الصنم :
ولذلك فإن جمعاً من قدماء الروافض، لما رأوا أن علياً عليه السلام، قلع باب خيبر، وكان ذلك على
خلاف المعتاد ، قالوا إن الإله حل فى بدنه وإنه هو الإله ( الوجه السابع) لعلهم اتخذوا تلك
الأصنام كالمحراب ومقصودهم بالعبادة هو الله، فهذا جملة ما فى هذا الباب، وبعضها باطلة بدليل
العقل، فإنه لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم بطل اتخاذ الصنم على صورة الإله ، وبطل القول أيضاً.
بالحلول والنزول، ولما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات ، بطل القول بالوسايط
والطلسيات ، ولما جاء الشرع بالمنع من اتخاذ الصنم ، بطل القول باتخاذها محاريب وشفعاء.
﴿ المسألة السادسة﴾ هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم، ثم إنها انتقلت عن قوم نوح
إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذ حج، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير .
ولذلك سمت العرب بعبد ود، وعبد يغوث، هكذا قيل فى الكتب ، وفيه إشكال. لأن الدنیا
قد خربت فى زمان الطوفان ، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب، ولا يمكن
أن يقال إن نوح عليه السلام، وضعها فى السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام، إنما جاء لنفيها
وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها فى السفينة سعياً منه فى حفظها .
المسألة السابعة﴾ قرى (لاتذرن ودا) بفتح الواو وبضم الواو ، قال الليث ود يفتح
الواو صنم كان لقوم نوح، ود بالضم صنم لقريش، وبه سمى عمرو بن عبد ود، وأقول على قول
الليث وجب أن لا يجوز ههنا قراءة ود بالضم لأن هذه الآيات فى قصة نوح لا فى أحوال قريش
وقرأ الأعش (ولا يغوتا ويعوقا) بالصرف. وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو
جميين ففيهما سببا منع الصرف، إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة، فلعله صرفهما
لأجل أنه وجد أخواتهما منصرفة وداً وسواعا ونبراً.
وأعلم أن نوحا لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم (لا تذرن أصنامكم) قال (وقد أضلوا كثراً)
فيه وجهان: (الأول) أولئك الرؤساء ( قد أعضلوا كثراً) قبل هؤلاء الموصين بعبادة الأصنام
وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال (الثانى) يجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الأصنام ،
كقوله ( إنهن أضللن كثيراً من الناس) وأجرى الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله
( ألهم أرجل)، وأما قوله تعالى ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) ففيه سؤالان:
﴿ الأول﴾ كيف موقع قوله ( ولا تزد الظالمين)؟ (الجواب) كأن نوحا عليه السلام لما

١٤٥
قوله تعالى : مماخطيئاتهم . سورة نوح .
◌ِمَّا خَطِبَعَتِهِمْ أَغْرِ قُواْ فَأَدْخِلُواْ نَارًا
أطنب فى تعديد أفعالهم المنكرة وأقر الهم القبيحة امتلأ قلبه غيظاً وغضباً عليهم لختم كلامه بأن دعاعليهم.
﴿ السؤال الثانى) إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله فى أن يزيد
فى ضلالهم؟ (الجواب) من وجهين: (الأول) لعله ليس المراد الضلال فى أمر الدين، بل الضلال
فى أمر دنياهم، وفي ترويج مكرهم وحيلهم (الثانى) الضلال العذاب لقوله (إن المجرمين فى ضلال وسعر)
ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده ﴿،ا خطا ياهم أغرقوا فادخلوا ناراً ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما صلة كقوله (فيما نقضهم، فبما رحمة)؟ والمعنى من خطاياهم أى من أجلها
وبسببها، وقرأ ابن مسعود (من خطيآتهم ما أغرقوا") فأخر كلمة ما، وعلى هذه القراءة لا تكون
ما صلة زائدة لأن ما مع ما بعده فى تقرير المصدر .
وأعلم أن تقديم قوله (ما خطاياهم) لبيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان إلا من أجل خطياتهم،
فمن قال من المنجمين إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى فى ذلك الوقت نصف الدور الأعظم ،
وما يجرى مجرى هذه الكلمات كان مكذبا لصريح هذه الآية فيجب تكفيره .
المسألة الثانية﴾ قرى. خطيئاتهم بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها وخطاياهم وخطيقتهم
بالتوحيد على إرادة الجنس ، ويجوز أن يراد به الكفر. واعلم أن الخطايا والخطيئات كلاهما جمع
خطيئة، إلا أن الأول جمع تكسير والثانى جمع سلامة، وقد تقدم الكلام فيها فى البقرة عند قوله:
(نغفر لكم خطايا كم) وفى الأعراف عند قوله ( خطيئاتكم).
﴿ المسألة الثالثة) تمسك أصحابنا فى إثبات عذاب القبر بقوله ( أغرقوا فأدخلوا ناراً) وذلك
من وجهين (الأول) أن الفاء فى قوله (فأدخلوا ناراً) تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق
فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء (الثانى) أنه قال فأدخلوا على
سبيل الإخبار عن الماضى . وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك، قال مقاتل والكلبى معناه أنهم سيدخلون
فى الآخرة ناراً ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضى لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله (ونادى
أصحاب النار ) (ونادى أصحاب الجنة) وأعلم أن الذى قالوه ترك للظاهر من غير دليل. فإن قيل
إنما تركنا هذا الظاهر لدليل، وهو أن من مات فى الماء. فإنا نشاهده هناك، فكيف يمكن أن يقال
إنهم فى تلك الساعة أدخلوا ناراً؟ (والجواب) هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو
مجموع هذا الهيكل، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذى كان موجوداً من أول عمره، مع
أنه کان صغیر الجثة فى أول عمره، ثم إن أجزاءهدائماً فى التحلل والذوبان ، ومعلوم أن الباقى غير
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٠

١٤٦
قوله تعالى : فلم يجدوا من دون الله أنصاراً . سورة نوح .
وَقَالَ نُوحُ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
فَلْ يَجِدُ واْ لَهُم مِّن دُون اللَّهِ أَنصَارًا
مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّرًا ﴾ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكٌ وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّ فَاِرًا
رَّبّ اغْفِرْلِ وَلِوَ لِدَىّ
كَفَارًا ◌َـ
المتبدل، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشىء الذى هو باق من أول عمره إلى الآن، فلم لا يجوز أن
يقال إنه وإن بقيت هذه الجثة فى الماء إلا أن الله تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التى كان
الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب .
ثم قال تعالى ﴿فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً﴾ وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على
عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة الآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا
بتلك الأصنام، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب الله عنهم، وهو كقوله (أم لهم آلهة تمنعهم
من دوننا) واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شىء غير الله تعالى.
قوله تعالى ﴿وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال المبرد (دياراً)
لا تستعمل إلا فى النفى العام، يقال ما باندار دياراً. ولا تستعمل فى جانب الإثبات ، قال أهل العربية
هو فيعال من الدور، وأصله ديوار فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما فى الأخرى، قال الفراء
والزجاج، وقال ابن قتيبة ما بها ديار أى نازل دار .
ثم قال تعالى ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا بلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ فإن قيل كيف
عرف نوح عليه السلام ذلك؟ قلنا للنص والاستقراء ، أما النص فقوله تعالى ( إنه لن يؤمن من
قومك إلا من قد آمن ) وأما الاستقراء، فهو أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فعرف
طباعهم وجربهم ، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه ، ويقول احذر هذا فإنه كذاب ، وإن أبى
أو صافى بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، وقوله ( ولا يلدوا إلا فاجراً
كفاراً) فيه وجهان: (أحدهما) أنهم يكونون فى علمك كذلك (والثانى) أنهم سيصيرون كذلك.
واعلم أنه عليه السلام لما دعا على الكفار قال بعده ﴿رب اغفرلى ﴾ أى فيما صدر عنى من
ترك الأفضل ، ويحتمل أنه حين دعا على الكفار إنما دما عليهم بسبب تأذيه منهم ، فكان ذلك
الدعاء عليهم كالانتقام فاستغفر عن ذلك، لما فيه من طلب حظ النفس .
ثم قال ﴿ ولو الدى﴾ أبوه لمك بن متوشلخ وأمه شمخاء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، وقال
عطاء لم يكن بين نوح وآدم عليهما السلام من آبائه كافر ، وكان بينه وبين آدم عشرة آباء : وقرأ
الحسن بن على ولو لدى يريد ساما وحاما.

١٤٧
قوله تعالى : ولمن دخل بيتي مؤمناً . سورة نوح .
وَلِمِنْ دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا تَزِدِ الَِّينَ إِلَّا تَبَارًا
ثم قال تعالى ﴿ ولمن دخل یتی مؤمناً ﴾ قیل مسجدى ، وقيل سفیتی، وقيل لمن دخل فى
دينى، فإن قيل فعلى هذا التفسير يصير قوله (مؤمناً) مكرراً، قلنا إن من دخل فى دينه ظاهراً،
قد يكون مؤمناً بقلبه، وقد لا يكون، والمعنى ولمن دخل فى دينى دخولا مع تصديق القلب.
ثم قال تعالى ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ إنما تنص نفسه (أولا) بالدعاء ثم المتصلين به لأنهم
أولى وأحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات .
ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على الكافرين، فقال: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ أى
هلاكا ودماراً وكل شىء أهلك فقد تبر ، ومنه قوله ( إن هؤلاء متبر ماهم فيه) وقوله ( وليتبروا
ما علوا تتبيرا) فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالكلية، فإن قيل ما جرم الصبيان حين أغرقوا؟
والجواب من وجوه (الأول) أن الله تعالى أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل
الطوفان بأربعين سنة أو تسعين فلم يكن معهم صبى حين أغرقوا ، ويدل عليه قوله ( استغفروا
ربكم - إلى قوله - ويمدد كم بأموال وبنين) وهذا يدل بحسب المفهوم على أنهم إذا لم يستغفروا
فانه تعالى لا يمددهم بالبنين (الثانى) قال الحسن علم الله براءة الصبيان فأهلكهم بغير عذاب (الثالث)
غرقوا معهم لاعلى وجه العقاب بل كما يموتون بالغرق والحرق وكان ذلك زيادة فى عذاب الآباء
والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلاته
وسلامه على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .
-

١٤٨
سورة الجن
(٧٢) سُورة الجِنْمَكِيَّة
وَآَيَانهائيِاتِ وَغَشِرُون
بِسْـ
إِلَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيم
قُلْ أُوِحِى إِلَىّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفْرٌ مِّنَ آلْجِنّ
بسم الله الرحمن الرحيم
قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اختلف الناس قديماً وحديثاً فى ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن
أكثر الفلاسفة إنكاره ، وذلك لأن أبا على بن سينا قال فى رسالته فى حدود الأشياء. الجن حيوان
هوائى متشكل بأشكال مختلفة ، ثم قال وهذا شرح للاسم. فقوله وهذا شرح للاسم يدل على أن
هذا الحد شرح للمراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود فى الخارج، وأما جمهور أرباب
الملل والمصدقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجن ، واعترفوا به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة
وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية، وزعموا أن الأرواح النفلية أسرع إجابة
إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهى أبطأ إجابة إلا أنها أقوى. واختلف المثبتون على
قولين فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة فى الأجسام بل هى جواهر قائمة بأنفسها ، قالوا
ولا يلزم من هذا أن يقال أنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساماً ولا جسمانية
سلوب والمشاركة فى السلوب لا تقتضى المساواة فى الماهية ، قالوا ثم إن هذه الذوات بعداشترا كها
فى هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استواتها فى الحاجة إلى المحل
فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها كريمة محبة للخيرات ، وبعضها دنيئة خسيسة محنة
للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله، قالوا وكونها موجودات مجردة
لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر
وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد
أن يكون فى أنواعها ما يقدر على أفعال شافة عظيمة تعجز عنها قدر البشر، ولا يبعد أيضاً أن يكون
لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبية على أن
المتعلق الأول النفس الناطقة التى ليس الإنسان إلا هى، هى الأرواح وهى أجسام بخارية لطيفة

١٤٩
قوله تعالى : قل أوحى إلي . سورة الجن .
تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون فى الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه
الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التى تسرى فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضاً أن يكون لكل واحد
من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهوائي، فيكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلق الاول لذلك
الروح ثم بواسطة سيران ذلك الهواء فى جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق وتصرف
فى تلك الأجسام الكثيفة، ومن الناس من ذكر فى الجن طريقة أخرى فقال هذه الأرواح
البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكالا بسبب ما فى ذلك العالم الروحانى
من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس
المفارقة من البدن ، فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما لهذا البدن ، وتصير
تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن فى أفعالها وتدبيرها لذلك البدن.، فإن الجنسية علة
الضم ، فان اتفقت هذه الحالة فى النفوس الخيرة سمى ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاماً، وإن
أنفقت فى النفوس الشريرة سمى ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة .
و﴿ القول الثانى) فى الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين، منهم من
زعم أن الأجسام مختلفة فى ماهياتها ، إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهى كونها بأسرها حاصلة فى
الحيزوالمكان والجهة وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات ،
والاشتراك فى الصفات لا يقتضى الإشتراك فى تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة فى تمام
الماهية لا يمتنع اشتراكها فى لازم واحد. قالوا وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال
الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد ، وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يحصل التفاوت فى ماهية
الجسم من حيث هو جسم ، بل إن حصل التفاوت حصل فى مفهوم زائد على ذلك ، وأيضاً فلأنه
يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف، والعلوى والسفلى، ومورد التقسيم مشترك بين
الأقسام، فالأقسام كلها مشتركة فى الجسمية والتفاوت، إنما يحصل بهذه الصفات ، وهى اللطافة .
والكثافة ، وكونها علوية وسفلية قالوا وهاتان الحجتان ضعيفتان.
﴿ أما الحجة الأولى) فلأنا نقول، كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد ، وحقيقة
واحدة ، فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد، وحقيقة واحدة فيلزم منه أن تكون
الأعراض كلها متساوية فى تمام الماهية، وهذا ما لا يقوله عافل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس
للأعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك ، لكان ذلك المشترك
جنساً لها ، ولو كان كذلك لمنا كانت التسعة أجناساً عالية بل كانت أنواع جنس واحد ، إذا ثبت
هذا فنقول: الأعراض من حيث أنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون
بينها ذاتى مشترك أصلا ، فضلا عن أن تكون متساوية فى تمام الماهية ، فلم لا يجوز أن يكون الحال
فى الجسم كذلك ، فإنه كما أن الأعراض مختلفة فى تمام الماهية ، ثم إن تلك المختلفات منساوية فى

١٥٠
قوله تعالى : قل أوحى إلي أنه استمع . سورة الجن .
وصف عارض وهو كونها عارضة لموضوعاتها ، فكذا من الجائز أن تكون ماهيات الأجسام
مختلفة فى تمام ماهياتها ثم إنها تكون متساوية فى وصف عارض ، وهو كونها مشاراً إليها بالحس
وحاصلة فى الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا.
﴿ وأما الحجة الثانية) وهى قولهم إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهى أيضاً
منقوضة بالعرض فأنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر
مشترك من الذاتى فضلا عن التساوى فى كل الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمرحهنا أيضاً كذلك
إذا ثبت أنه لاامتناع فی کون الأجسام مختلفة ولم یدل دلیل علی بطلان هذا الاحتمال ، فیفئذ قالوا
لا يمتنع فى بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء فى الماهية ثم تكون
تلك الماهية تقتضى لذاتها علما مخصوصاً وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة ، وعلى هذا التقدير يكون
القول بالجن ظاهر الاحتمال وتكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال .
﴿ القول الثانى) قول من قال الأجسام متساوية فى تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب
أيضاً فرقتان .
﴿ الفرقة الأولى ) الذين زعموا أن البنية ليست شرطا للحياة وهذا قول الأشعرى وجمهور
أتباعه وأدلتهم فى هذا الباب ظاهرة قوية ، قالوا ولو كانت البنية شرطا للحياة لكان إما أن يقال إن
الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أويقال قام لكل واحدمن الأجزاء حياة على حدة، والأول
محال لأن حلول العرض الواحد فى المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول ، والثانى أيضاً باطل
لأن الأجزاء التى منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها مساوية للحياة القائمة
بالجزء الآخر وحكم الشىء حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة. بذلك
الجزء لحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور وهو محال، وإن لم يحصل هذا
الافتقار فيفئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثانى ،
وإذا بطل هذا التوقف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة والعلم والقدرة والإرادة
وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا وأما دليل المعتزلة وهو أنه لابد من البنية فليس إلا الاستقراء
وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة ومتى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف الحياة
على حصول البنية ، إلا أن هذا ركيك، فإن الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل
على أن حال من لم يشاهد كمال ماشوهد، وأيضاً فلأن هذا الكلام إنما يستقيم على قول من
ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه والفرق بينهما فى جعل بعضها
على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه ، فثبت أن البنية ليست
شرطاً فى الحياة ، وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى فى الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة

١٥١
قوله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع . سورة الجن .
على أشياء شاقة شديدة، وعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة
أو كثيفة، وسواء كانت أجزاؤهم كبيرة أو صغيرة.
﴿ القول الثانى) أن البنية شرط الحياة وأنه لابد من صلابة فى البنية حتى يكون قادراً على
الأفعال الشاقة فههنا مسألة أخرى ، وهى أنه هل يمكن أن يكون المرئى حاضراً والموانع من تفعة
والشرائط من القرب والبعد حاصلة ، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الإدراك
أو يكون هذا متنعاً عقلا؟ أما الأشعرى وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه
عقلا، والأشعرى احتج على قوله بوجوه عقلية ونقلية، أما العقلية فأمران: (الأول) أنا نرى
الكبير من البعد صغيراً وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض مع أن نسبة
الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهى بالنسبة إلى الأجزاء التى هى غير مرئية فعلمنا
أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئى وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الإدراك
واجباً (الثانى) أن الجسم الكبير لامعنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم
الكبير على مقدار من البعدفقد رأينا تلك الأجزاء، فإما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية
ذلك الجزء الآخر أو لا تكون، فإن كان الأول يلزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية
هذا الجزء إلىرؤية ذلكالجزء لافتقرت أيضاً رؤية ذلك الجزء إلىرؤية هذا الجزء فیقع الدور ، وإن
لم يحصل هذا الافتقار حينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من المسافة تكون ممكنة، ثم من
المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سار الجواهر فإنه لايرى ، فعلمنا أن
حصول الرؤية عنداجتماع الشرائط لا يكون واجباً بل جائزاً، وأما المعتزلة فقدعولوا على أنا لو جوزنا
ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولانراها ولا نسمعها فإذا عارضناهم بسائر الأمور
العادية وقلنالهم بجوزوا أن يقال: انقلبت مياه البحار ذهب وفضة، والجبال يا قوتاًوزبر جدا، أو حصلت
فى السماء حال ماغمعمنت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله عجزواعن الفرق، والسبب
فى هذا التشوش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة فى مناهج العادات ، فوهموا
أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجبة، ولم يجدوا قانوناً مستقيما »ومأخذاً سليما فى الفرق بين
البابين ، فتشوش الآمر عليهم ، بل الواجب أن يسوى بين الكل ، فيحكم على الكل بالوجرب،
كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب. كما هو قول الأشعرى. فأما التحكم فى
الفرق فهو بعيد، إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن ، فإن أجسامهم وإن كانت كثيفة قرية
إلا أنه لا يمتنع أن لا تراها، وإن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعرى. فهذا هو تفصيل هذه
الوجوه، وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء فى القرآن من إثبات الملك
والجن مع استمرارهم على مذاهبهم ، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على.
الأفعال الشاقة، والجن أيضاً كذلك ، وهذه القدرة لا تثبت إلا فى الأعضاء الكثيفة الصلبة،

١٥٢
:
قوله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع . سورة الجن .
فإذاً يجب فى الملك والجن أن يكون كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبداً، وهم
الكرام الكاتيون والحفظة، ويحضرون أيضاً عند قبض الأرواح، وقد كانوا يحضرون عند
الرسول ◌ِ ي، وأن أحداً من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون فى
النزع لا يرون أحداً ، فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها وإن لم تجب الرؤية
فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصفون بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل
قولهم: إن البنية شرط الحياة ، وإن قالوا إنها أجسام لطيفة وحية ، ولكنها للطاقتها لا تقدر على
الأعمال الشاقة ، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فى الهم فى الإقرار بالملك والجن مع هذه
المذاهب عجيب، وليتهم ذكروا على صحة مذاهبهم شبهة مخيلة فضلا عن حجة مبينة ، فهذا هو التنبيه
على ما فى هذا الباب من الدقائق والمشكلات، وبالله التوفيق.
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفت الروايات فى أنه عليه الصلاة والسلام ، هل رأى الجن أم لا؟
(فالقول الأول) وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم ، قال إن الجن كانوا
يقصدون السماء فى الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث
الله محمداً عليه السلام حرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم
فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال لابد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها
واطلبوا السبب فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله بمثليخ فى سوق عكاظ
وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا والله هو الذى حال
بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى قومهم وقالوا ياقومنا (إنا سمعنا قرآناً عجيباً) فأخبر الله
تعالى محمداً عليه السلام عن ذلك الغيب وقال ( قل أوحى إلى) كذا وكذا، قال وفى هذا دليل
على أنه عليه السلام لم ير الجن إذ لو رآهم لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحى فإن ما عرف
وجوده بالمشاهدة لا يسند إثباته إلى الوحى، فإن قيل الذينرموا بالشهبهم الشياطين والذين سمعوا
القرآن هم الجن فكيف وجه الجمع؟ قلنا فيه وجهان: (الأول ) أن الجن كانوا مع الشياطين فلما
رمى الشياطين أخذالجن الذين كانوا معهم فى تجسس الخبر (الثانى) أن الذين رموا بالشهب كانوا من
الجن إلا أنه قيل لهم شياطين كما قيل شياطين الجن والإنس فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة
الله، واختلفوا فى أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم؟ فروى عاصم عن ذر قال قدم رهط
زوبعة وأصحابه مكة على النبى صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبى صلى عليه وسلم ثم انصرفوا
فذلك قوله ( وإذ صرفنا إليك نفرأً من الجن) وقيل كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً
١
وعامة جنود إبليس منهم .
(القول الثانى) وهو مذهب ابن مسعود أنه أمر النبي ◌َ يتم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم
ويدعوهم إلى الإسلام، قال ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام (أمرت أن أتلو القرآن على الجن

١٥٣
قوله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع . سورة الجن .
فمن يذهب معى؟ فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقال عبد الله قلت أنا أذهب معك
يارسول الله قال فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبى دب، خط على خطأً فقال لاتجاوزه،
.ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الججل كأنهم رجال الزط (١) يقرعون فى دفوفهمكما تقرع
النسوة فى دفوفها حتى غشوه، فغاب عن بصرى فقمت، فأومأ إلى بيده أن إجلس ، ثم تلا القرآن ،
فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أرام. وفى رواية أخرى،
فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنت؟ قال أنا فى اللّه، قالوا فمن يشهدلك على ذلك؟ قال هذه
الشجرة، تعالى يا شجرة، بجاءت تجر عروقها لها فعاقع حتى انصبت بين يديه ، فقال على ماذا
تشهدين لى؟ قالت أشهد أنك رسول الله، قال اذهبى، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت.
قال ابن مسعود: فلما عاد إلى، قال أردت أن تأتينى؟ قلت نعم يارسول الله. قال ما كان ذلك
لك، هؤلاء الجن أقوا يستمعون القرآن، ثم ولها إلى قومهم منذرين ، فسألونى الزاد . فزودتهم
العظم والبعر ، فلا يستطيين أحد بعظم ولا بعر
وأعلم أنه لاسبيل إلى تكذيب الروايات ، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس ، ومذهب
ابن مسعود من وجوه (أحدها) لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا ، فأوحى الله تعالى إليه بهذه
السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك ، كما زوى ابن مسعود ( وثانيها) أن بتقدير أن تكون
وافعة الجن مرة واحدة، إلا أنه عليه السلام أمر بالذهاب إليهم، وقراءة القرآن عليهم، إلا أنه
عليه السلام ما عرف أنهم ماذا قالوا ، وأى شىء فعلوا ، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وقالوا
كذا (وثالثها) أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو عليه السلام رآهم وسمع كلامهم ، وهم آمنوا
به، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على سبيل الحكاية (إنا سمعنا قرآناً عجباً) وكان كذا
وكذا، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم، وإذا كانت هذه الوجوه
محتملة فلا سبيل إلى التكذيب .
﴿ المسألة الثالثة) اعلم أن قوله تعالى (قل) أمر منه تعالى لرسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى
الله فى واقعة الجن، وفيه فوائد (إحداها) أن يعرفوا بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى
الإنس ، فقد بعث إلى الجن ( وثانيها) أن يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن
عرفوا إعجازه، فآمنوا بالرسول ( وثالثها) أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس ( ورابعها)
أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا (وخامسها) أن يظهر أن المؤمن منهم يدعو
غيره من قبيلته إلى الإيمان، وفى كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس.
المسألة الرابعة ﴾ الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس فى خفاء كالإلهام وإنزال الملك ويكون
ذلك فى سرعة من قولهم : الوحی الوحى والقراءة المشهورة ، أوحی بالألف ، وفى رواية يونس
(١) يروى الحديث هكذا: أجسامهم كأجسام الزط ورؤسهم كرموس المكاكى. يعنى عظام الأجسام صغار الرمرس والمكاكى جمع
مکاء وهو طائر صغير .

١٥٤
قوله تعالى فقالوا إنا سمعنا قرآناً . سورة الجن .
فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا تَجَبًا جِ يَهْدِىّ إِلَى الُّشْدِ فَامَنَّا بِهِ وَلَنْ تُشْرِكَ بِرَيْنَا
أَحَدًا (جٌ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا مَا الَّخَذَ صَدِحِبَةً وَلَا وَلَدَّانِ
٣
وهرون ، عن أبى عمرو وحى بضم الواو بغير ألف وهما لغتان ، يقال وحى إليه وأوحى إليه
وقرى. أحى بالهمز من غير واو، وأصله وحى، فقلبت الواو همزة كما يقال أعد وأذن (وإذا
الرسل أقتت) وقوله تعالى﴿ أنه استمع نفر من الجن﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أجمعوا على أن قوله (أنه استمع) بالفتح وذلك لأنه نائب فاعل أوحى
فهو كقوله ( وأوحى إلى هذا القرآن) وأجمعوا على كسر إنا فى قوله (إنا سمعنا) لأنه مبتدأ محكى
بعد القول، ثم ههنا قراءتان (إحداهما) أن نحمل البواقى على الموضعين الذين بينا أنهم أجمعوا
عليهما فما كان من الوحى فتح، وما كان من قول الجن كسر ، وكلها من قول الجن إلا الآخرين .
وهما قوله ( وأن المساجد لله، وأنه لما قام)، (وثانيهما) فتح الكل والتقدير (فآمنا به) وآمنا
بأنه تعالى (جد ربنا) وبأنه كان يقول سفيهنا وكذا البواقى ، فإن قيل ههنا إشكال من وجهين
(أحدهما) أنه يقبح إضافة الإيمان إلى بعض هذه السورة فإنه يقبح أن يقال وآمنا بأنه كان يقول
سفيهنا على اللّه شططاً (والثانى) وهو أنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض لا يقال
آمنا به وزيد، بل يقال آمنا به وبزيد ( والجراب) عن الإشكالين أنا إذا حملنا قوله أننا على معنى
صدقنا وشهدنا زال الإشكالان .
﴿ المسألة الثانية) نفر من الجن جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة روى أن ذلك النفركانوا
هوداً، وذكر الحسن أن فيهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين، ثم اعلم أن الجن حكوا أشياء:
﴿ النوع الأول) ،ا حكوه قوله تعالى ﴿فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدى إلى الرشد فآمنا
به ولن نشرك بربنا أحداً ) أى قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله ( فلما قضى ولوا إلى قومهم
منذرين)، (قرآنا عجباً) أى خارجاً عن حد أشكاله ونظائره، (ويجا) مصدر يوضع موضع العجيب
ولاشك أنه أبلغ من العجيب ، (يهدى إلى الرشد) أى إلى الصواب، وقيل إلى التوحيد (فآمنابه أى
بالقرآن) ويمكن أن يكون المراد فآمنا بالرشد الذى فى القرآن ، وهو التوحيد (ولن نشرك بربنا أحداً
أى ولن تعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا من المشركين.
﴿ النوع الثانى) با ذكره الجن، أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك، نزهوا ربهم عن الصاحبة
والولد .
فقالوا ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الجد قولان (الأول) الجد فى اللغة العظمة يقال جد فلان أى عظم

١٥٥
قوله تعالى : وانه كان يقول سفيهنا على الله . سورة الجن .
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَ عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (ج وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّنْ تَقُولَ آلْإِنْسُ وَآِنُّ
عَلَى اللهِ كَذِبًّاً (
ومنه الحديث ((كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا)) أى جد قدره وعظم، لأن الصاحبة
تتخذ للحاجة إليها والولد للتكثر به والاستئناس ، وهذه من سمات الحدوث وهو سبحانه منزه
عن كل نقص.
﴿ القول الثانى) الجد الغنى ومنه الحديث ((لا ينفع ذا الجد منك الجد)) قال أبو عبيدة أى
لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وكذلك الحديث الآخر «قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها
الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون)) يعنى أصحاب الغنى فى الدنيا ، فيكون المعنى وأنه تعالى غنى عن
الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد .
وعندی فیه (قول ثالث) وهو أن جد الإنسان أصله الذی منه و جوده فهل الجد مجازاً عن
الأصل ، فقوله تعالى (جد ربنا ) معناه تعالى أصل ربنا وأصله حقيقته المخصوصة التى لنفس تلك
الحقيقة من حيث إنها هى تكون واجبة الوجود فيصير المعنى أن حقيقته المخصوصة متعالية عن
جميع جهات التعلق بالغير لأن الواجب لذاته يجب أن يكون واجب الوجود من جميع جهاته ، وما
کان کذلك استحال أن یکون له صاحبة وولد .
﴿ المسألة الثانية) قرىء جدا ربنا بالنصب على التمييز وجد ربنا بالكسر أى صدق ربوبيته
وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، وكأن هؤلاء الجن لما سمعوا القرآن تنبهوا لفساد ما عليه
كفرة الجن فرجعوا أولا عن الشرك وثانياً عن دين النصارى .
﴿ النوع الثالث) بما ذكره الجن قوله تعالى: ﴿أنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً.
السفه خفة العقل والشطط مجاوزة الحد فى الظلم وغيره ومنه أشط فى الصوم إذا أبعد فيه أى
يقول قولا هو فى نفسه شطط لفرط ما أشط فيه :
واعلم أنه لما كان الشطط هو مجاوزة الحد ، وليس فى اللفظ ما يدل على أن المراد مجاوزة الحد
فى جانب النفى أو فى جانب الإثبات ، فينشذ ظهر أن كلا الأمرين مذموم فمجاوزة الحد فى النفى
تفضى إلى التعطيل ومجاوزة الحدفى الإثبات تفضى إلى التشبيه، وإثبات الشريك والصاحبة والولد.
وكلا الأمرين شطط ومذموم .
(النوع الرابع) قوله تعالى ﴿وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) وفيه مسألتان:
﴿ المسألَة الأولى﴾ معنى الآية أنا إنما أخذنا قول الغير، لأنا ظننا أنه لا يقال الكذب على
الله، فلما سمعنا القرآن علينا أنهم قد يكذبون، وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا فى تلك الجهالات

١٥٦
قوله تعالى وانه كان رجال من الانس . سورة الجن .
وَأَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنِسِ يَعُوذُونَ بِ جَالٍ مِّنَ آلْجِنِّ فَادُوهُمْ رَهَقًّا (٣)
وَّهُمْ ظَنُواْ كَ ظَنَفْتُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًّا.
٧
بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا عن تلك الظلمات ببركة الاستدلال والاحتجاج.
المسألة الثانية ) قوله كذبا بم نصب؟ فيه وجوه (أحدها) أنه وصف مصدر محذوف
والتقدير أن لن تقول الإنس والجن على اللّه قولا كذباً ( وثانيها) أنه نصب نصب المصدر لأن
الكذب نوع من القول (وثالثها) أن من قرأ (أت لن تقول) وضع كذباً موضع تقولا، ولم يجعله
صفة، لأن التقول لا يكون إلا كذبا .
(النوع الخامس) - قوله تعالى ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ فيه
قولان (الأول) وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل فى الجاهلية إذا سافر فأمسى فى قفر من
الأرض، قال أعوذ بسید هذا الوادى أو بعزیز هذا المكان من شر سفها. قومه، فيبيت فى جوار
منهم حتى بصبح ، وقال آخرون ، كان أهل الجاهلية ، إذا قحطوا بعثوا رائدهم ، فإذا وجد مكاناً
فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم ، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادى
من أن يصيبنا آفة يعنون الجن ، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وربما تفزعهم الجن فيهربون ( القول
الثانى) المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً، لكن من شر الجن ، مثل
أن يقول الرجل ، أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادى، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا
إليه، لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وهذا ضعيف، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من
الجن لا يسمى رجلا، أما قوله (فزادوهم رهقاً﴾ قال المفسرون معناه زادوهم إثماً وجرأة
وطغياناً وخطيئة وغياً وشراً، كل هذا من ألفاظهم، قال الواحدى الرهق غشيان الشىء ، ومنه قوله
تعالى (ولا يرهق وجوههم قتر) وقوله (ترهقها فترة) ورجل مرهق أى يغشاه السائلون. ويقال
رهقتنا الشمس إذا قربت، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن،
ثم إنهم زادوا فى ذلك الغشيان، فإنهم لما تعوذوا بهم، ولم يتعوذوا بالله استغلوهم واجترؤا عليهم
فزاد وهم ظلماً، وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوم ، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن
وفى الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن
يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغياناً فيقولون سدنا الجن والإنس ، والقول الأول هو اللائق بمساق
الآية والموافق لنظمها .
﴿ النوع السادس) قوله تعالى ﴿وأنهم ظنوا كما ظننتم أن أن يبعث الله أحداً ﴾
اعلم أن هذه الآية والتى قبلها يحتمل أن يكونا من كلام الجن، ويحتمل أن يكونامن جملة الوحى فإن

١٥٧
قوله تعالى : وإنا لمسنا السماء . سورة الجن .
٤١٤٠٤
، وَأَنَّا ◌ُّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعَدَ
٨
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا،
لِلسَّمْع ◌َنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُم ◌ِشِهَابًا رَّصَدًا
كانا من كلام الجن وهو الذى قاله بعضهم مع بعض ، كان التقدير وأن الإنس ظنوا كما ظنقم أبها
الجن ، وإن كانا من الوحى كان التقدير: وأن الجن ظنواكما ظنفتم يا كفار قريش. وعلى التقديرين
فالآية دلت على أن الجن كما أنهم كان فيهم مشرك ويهودى وقصرانى ففيهم من ينكر البعث ،
ويحتمل أن يكون المرادأنه لا يبعث أحداً للرسالة على ماهو مذهب البراهمة، واعلم أن حمله على كلام
الجن أولى لأن ما قبله وما بعده كلام الجن فإلقاء كلام أجنبى عن كلام الجن فى البين غير لائق .
﴿ النوع السابع ) قوله تعالى ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهياً﴾
اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف يقال: لمسه والتمسه ، ومثله الجس
يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أملها ، والحرس اسم
مفرد فى معنى الحراس كالخدم فى معنى الخدام ولذلك وصف بشديد ولو ذهب إلى معناه لقيل شداداً.
﴿ النوع الثامن) قوله تعالى ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً
رصداً ﴾ أى كنا نستمع فالآن متى حاولنا الاستماع رمينا بالشهب ، وفى قوله (شهاباً وصدا)
وجوه (أحدها ) قال مقاتل يعنى رمياً من الشهب ورصداً من الملائكة، وعلى هذا يحب أن يكون
التقدير شهاباً ورصداً لأن الرصد غير الشهاب وهو جمع راصد ( وثانيها) قال الفراء أى شهاباً قد
أرصد له ليرجم به، وعلى هذا الرصد نعت الشهاب، وهو فعل بمعنى مفعول ( وثالثها) يجوز أن
يكون رصداً أى راصداً، وذلك لأن الشهاب لما كان معداً له ، فكأن الشهاب راصدله ومترصدله
واعلم أنا قد استقصينا فى هذه المسألة فى تفسير ، قوله تعالى: ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح
وجعلناها رجوماً للشياطين ) فإن قيل هذه الشهب، كانت موجودة قبل المبعث ، ويدل عليه
أمور (أحدها ) أن جميع الفلاسفة المتقدمين ، تكلموا فى أسباب انقضاض هذه الشهب ، وذلك
يدل على أنها كانت موجودة قبل المبعث (وثانيها) قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح
وجعلناها رجوماً للشياطين) ذكر فى خلق الكواكب فائدتين ، التزيين ورجم الشياطين (وثالثها)
أن وصف هذا الانقضاض جاء فی شعر أهل الجاهلية ، قال أوس بن حجر ؛
فانقض كالدرى يتبعه نقع يثور نخاله طنبا
وقال عوف بن الخرع: يرد علينا العير من دون إلفه أو الثور كالدرى يقبعه الدم
وروى الزهرى، عن على، بن الحسين عن ابن عباس رضى الله عنهما ((بينارسول اللّه عَطَا}
.

١٥٨
قوله تعالى : وانا لا ندري أشر أريد . سورة الجن .
٠/١٠٤ ٤٠٠٠١٠٠٠
وَأَنَّا لَ نَدْرِىّ أَشَُّّ أُرِيدَ بِمَنْ فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
جالس فى نفر من الأنصار إذارمى بنجم فاستنار ، فقال: ما كنتم تقولون فى مثل هذا فى الجاهلية؟
فقالوا كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم)) الحديث إلى آخره ذكرناه فى تفسير قوله تعالى:
(ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) قالوا : فثبت بهذه الوجوه، أن هذه الشهب كانت موجودة قبل
المبعث ، فما معنى تخصيصها بمحمد عليه الصلاة والسلام؟ و﴿ الجواب ) مبنى على مقامين:
﴿ المقام الأول ) أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل المبعث وهذا قول ابن عباس رضى
الله عنهما، وأبى بن كعب، روى عن ابن عباس قال : كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحى
فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً ، أما الكلمة فإنها تكون حقة ، وأما الزيادات فتكون باطلة
فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، ولم تكن النجوم يرى بها قبل ذلك ، فقال لهم
إبليس ما هذا إلا لأمر حدث فى الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
قائماً يصلى ، الحديث إلى آخره، وقال أبى بن كعب: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى بعث رسول
اللّه فرمى بها، فرأت قريش أمراً ما رأوه قبل ذلك جعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم ، يظنون
أنه الفناء . فبلغ ذلك بعض أكابرهم ، فقال لم فعلتم ما أرى؟ قالوا ؟ رمى بالنجوم فرأيناهاتتهافت من
السماء ، فقال اصبروا فإن تکن نجوماً معروفة فهو وقت فناء الناس ، وإن كانت نجوماً لا تعرف فهو
أمر قد حدث فنظروا ، فإذا هى لا تعرف، فأخبروه فقال فى الأمر مهلة ، وهذا عند ظهور نى فا
مكنوا إلا يسيراً حتى قدم أبو سفيان على أمواله وأخبر أولئك الأقوام بأنه ظهر محمد بن عبد الله
ويدعى أنه فى مرسل، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين
ألحقوا هذه المسألة بها طعناً منهم فى هذه المعجزة، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها
مختلفة عليهم ومنحولة .
﴿ المقام الثانى) وهو الأقرب إلى الصواب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث إلا
أنها زيدت بعد المبعث وجعلت أكمل وأقوى، وهذا هو الذى يدل عليه لفظ القرآن ، لأنه قال :
(فوجدناها ملئت) وهذا يدل على أن الحادث هو المل. والكثرة وكذلك قوله (نقعد منها مقاعد).
أى كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن مثتت المقاعد كلها ، فعلى هذا الذى
حمل الجن على الضرب فى البلاد وظلب السبب، إنما هو كثرة الرجم ومنع الاستراق بالكلية.
﴿ النوع التاسع ) قوله تعالى ﴿وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم
رشداً ﴾ وفيه قولان: (أحدهما) أنا لا ندرى أن المقصود من المنع من الاستراق هو أشر أريد
بأهل الأرض أم صلاح وخير ( والثانى ) لاندرى أن المقصود من إرسال محمد الذى عنده منع
من الاستراق هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا.

١٥٩
قوله تعالى : واذا منا الصالحون . سورة الجن .
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِعُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ كُنَّا طَرَآبَقَ قِدَدًا (١٨) وَأَنَّا فَنَّاً
أَنْ أَّنْ تُعْجِزَ الله ◌ِ الْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَهُ هَبًا ﴾ وَأَنَّ ◌َمَّ سَمِعْنَا الْمُدَىّءَامَنَّ بِهِ
◌َنْ يُؤْمِنْ بِيِِّ، فَلَا يَخَافُ بَْسًاً وَلَا رَهَقًّا (
﴿النوع العاشر) قوله تعالى ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا﴾.
أى منا الصالحون المتقون أى ومنا قوم دون ذلك تحذف الموصوف كقوله ( وما منا إلا له مقام
معلوم) ثم المراد بالذين هم دون الصالحين من؟ فيه قولان (الأول) أنهم المقتصدون الذين يكونون
فى الصلاح غير كاملين ( والثانى) أن المراد من لا يكون كاملا فى الصلاح، فيدخل فيه المقتصدون
والكافرون ، والقدة من قدد، كالقطعة من قطع . ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع
والتفرق، وفى تفسير الآية وجوه (أحدها) المراد كنا ذوى (طرائق قدداً) أى ذوى مذاهب
مختلفة . قال السدى : الجن أمثالكم، فيهم مرجئة وقدرية وروافض وخوارج ( وثانيها ) كنافى
اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة ( وثالثها) كانت طرائقنا طرائق قدداً على حذف المضاف
الذى هو الطرائق ، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه .
﴿النوع الحادى عشر) قوله تعالى ﴿وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الأرض ولن نعجزه هرباً ﴾
الظن ، بمعنى اليقين، وفى الأرض وهرباً، فيه وجهان (الأول) أنهما حالان، أى لن نعجزه
كائتين فى الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء (والثانى) لن نعجزه فى
الأرض إن أراد بنا أمراً، ولن نعجزه هرباً إن طلبنا .
﴿ النوع الثانى عشر) قوله تعالى ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف
بخماً ولا رحقاً﴾ (لما سمعنا الهدى) أى القرآن، قال تعالى (هدى للمتقين آمنا به) أى آمنا
بالقرآن ( فلا يخاف) فهو لا يخاف، أى فهو غير خائف، وعلى هذا يكون الكلام فى تقدير جملة
من المبتدأ والخبر ، أدخل الفاء عليها لتصير جزاء للشرط الذى تقدمها ، ولولا ذاك لقيل لا يخف ،
فإن قيل أى فائدة فى رفع الفعل ، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء،
وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال لا يخف ، قلنا الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك ، فكأنه قيل فهو
لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة ، وأنه هو المختص لذلك دون غيره ،
لأن قوله فهو لا يخاف معناه أن غيره يكون خائفاً، وقرأ الأعمش: فلا يخف ، وقوله تعالى
( بخساً ولا رحقاً) البخس النقص، والرهق الظلم، ثم فیه وجهان (الأول ) لا يخاف جزاء بخس
ولا رهق، لأنه لم يبخس أحداً حقاً، ولا ظلم أحداً، فلا يخاف جزاءهما (الثانى) لا ناف أن

١٦٠
قوله تعالى : وانا منا المسلمون . سورة الجن .
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّ الْقَسِطُونَ أَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاَرَشَدًّا (3)
وَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ تَهَنَّمَ حَطَبًا لَه وَأَلَِّ أَسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم
مََّ غَدَقًّا (٨٦) لِنَفْئَِّهُمْ فِهْ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرٍ رَبِهِ، يَسْلُكُ عَذَابًا صَعَدًا.
يبخس ، بل يقطع بأنه يجرى الجزاء الأوفى ، ولا يخاف أن ترهقه ذلة من قوله (ترهقهم ذلة).
﴿ النوع الثالث عشر) قوله تعالى ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاطون فمن أسلم فأولئك
تحروا رشداً ﴾ القاسط الجائر، والمقسط العادل، وذكرنا معنى قسط وأقسط فى أول سورة
النساء، فالقاسطون، الكافرون الجائرون عن طريق الحق، وعن سعيد بن جبير: أن الحجاج
قال له حين أراد قتله ما تقول فى ؟ قال قاسط عادل ، فقال القوم ما أحسن ما قال ، حسبوا أنه
يصفه بالقسط والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة إنه سمانى ظالماً مشركا، وتلا لهم قوله ( وأما
القاسطون) وقوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ، (تحروا رشداً) أى قصدوا طريق الحق،
قال أبو عبيدة: تحروا توخوا، قال المبرد: أصل التحرى من قولهم: ذلك أحرى، أى أحق
وأقرب، وبالحرى أن تفعل كذا ، أى يجب عليك.
ثم إن الجن ذموا الكافرين فقالوا ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ وفيه سؤالان:
﴿الأول) لم ذكر عقاب القاسطين، ولم يذكر ثواب المدين؟ (الجواب) بل ذكر أواب
المؤمنين وهو قوله تعالى (تحروا رشداً) أى توخوا رشداً عظيما لا يبلغ كنهه إلا اللّه تعالى،
ومثل هذا لا يتحقق إلا فى الثواب.
﴿ السؤال الثانى) الجن مخلوقين من النار، فكيف يكونون حطباً للنار؟ (الجواب) أنهم
وإن خلقوا من النار ، لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية وصاروا لحماً ودماً هكذا، قيل وههنا
آخر كلام الحسن ،
قوله تعالى: ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقاً، لنفتنهم فيه ومن يعرض
عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً﴾ هذا من جملة الموحى إليه , والتقدير ( قل أوحى إلى أنه استمع
نفر) ﴿وأن لو استقاموا﴾ فيكون هذا هو النوع الثانى ما أوحى إليه، وههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أن مخففة من الثقيلة، والمعنى وأوحى إلى أن الشأن، والحديث لو
استقاموا لكان كذا وكذا. قال الوحدى : وفصل لو بينها وبين الفعل. كفصل لا والسين فى