النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى : ويقولون إنه لمجنون . سورة القلم .
٥٢
، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
وَيَقُولُون إِنَّهُ، لَمَجْنُونٌ
ثم قال تعالى ﴿ويقولون إنه لمجنون) وهو على ما افتتح به السورة ﴿وما هو﴾ أى وما
هذا القرآن الذى يزعمون أنه دلالة جنونه ﴿إلا ذكر للعالمين) فإنه تذكير لهم، وبيان لهم،
وأدلة لهم، وتنبيه لهم على ما فى عقولهم من أدلة التوحيد، وفيه من الآداب والحكم ، وسائر
العلوم ((الاحد له ولا حصر، فكيف يدعى من يتلوه مجنوناً، ونظيره مما يذكرون، مع أنه من
أدلة الأمور على كمال الفضل والعقل. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

١٠٢
سورة الحاقة
(٦٩) سُورة الجافةمَكَيَّة
وَأَيَّاتَهَا بِكْتَانِ مِعْبِسْوْنَ
بِسْـ
إِلَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ
الْخَاقَّةُ (جَ مَا الْحَاقَّةُ (*) وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الْحَاقَّةُ (
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
الحاقة ما الحافة وما أدراك ما الحافة ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أجمعوا على أن (الحاقة) هى القيامة واختلفوا فى معنى الحاقة على وجوه:
(أحدها) أن الحق هو الثابت السكان ، فالحاقة الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجىء التى هى آتية
لا ريب فيها ( وثانيها ) أنها التى تحق فيها الأمور أى تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا
أى لا أعرف حقيقته جعل الفعل لها وهو لأهلها (وثالثها ) أنها ذوات الحواق من الأمور وهى
الصادقة الواجبة الصدق ، والثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة أموز واجبة الوقوع
والوجود فهى كلها حواق (ورابعها) أن (الحاقة) بمعنى الحقة والحقة أخص من الحق وأوجب
تقول هذه حقنى أى حقى ، وعلى هذا (الحاقة) بمعنى الحق ، وهذا الوجه قريب من الوجه الأول
(وخامسبا) قال الليت (الحافة) النازلة التى حقت بالجارية فلا كاذبة لها وهذا معنى قوله تعالى
( ليس لوقعتها كاذبة)، (وسادسها) (الحاقة ) الساعة التى يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى
وهى القيامة ( وسابعها) ( الحافة ) هو الوقت الذى يحق على القوم أن يقع بهم ( ونامنها ) أنها
الحق بأن يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين فإن فى ذلك اليوم يحصل الثواب والعقاب ويخرج
عن حد الانتظار وهو قول الزجاج ( وتاسعها ) قال الأزهرى: والذى عندى فى ( الحاقة ) أنها
سميت بذلك لأنها تحق كل محاق فى دين الله بالباطل أى تخاصم كل مخاصم وتغلبه، من قولك حافقه
حققته أى غالبته فغلبته وفلجت عليه (وعاشرها) قال أبو مسلم (الحاقة) الفاعلة من حقت كلمة ربك.
المسألة الثانية﴾ (الحاقة) مرفوعة بالابتداء وخبرها (ما الحافة) والأصل (الحاقة)
ما هى أى أى شىء هى؟ تفخيما لشأنها، وتعظيما لهولها فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها
ومثله قوله ( القارعة ما القارعة) وقوله ( وما أدراك) أى وأى شىء أعلمك ( ما الحاقة ) يعنى
إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها ، يعنى أنه فى العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهما
وكيفما قدرت حالها فهى أعظم من ذلك ( وما) فى موضع الرفع على الانتداء و (أدراك) معلق
عنه لتضمنه معنى الاستفهام .

١٠٣
قوله تعالى : كذبت ثمود وعاد بالقارعة . سورة الحاقة .
كَذَّبَتْ تُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (﴾ فَأَمَّا تَمُودُ فَأَهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ (﴾ وَأَمَّا عَادٌ
فَأَهْلِكُواْ بِرِيجٍ صَرْصٍَ عَتِيَةٍ (
قوله تعالى ﴿كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾ (القارعة) هى التى تقرع الناس بالإفزاع
والأهوال، والسماء بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف ، والنجوم
بالطمس والانكدار، وإنما قال ( كذبت نمود وعاد بالقارعة ) ولم يقل بها، ليدل على أن معنى
القرع حاصل فى الحاقة ، فيكون ذلك زيادة على وصف شدتها. ولما ذكرها ونخمها أتبع ذلك
بذکـ من كذب بها ، وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيراً لأهل مكة، وتخويفاً لهم من
عاقبة تكذيبهم .
قوله تعالى ﴿فأما نمود فأهلكوا بالطاغية
اعلم أن فى الطا غية أقوالا (الأول) أن الطاغية هى الواقعة المجاوزة للحد فى الشدة والقوة ،
قال تعالى ( إنا لما طغى الماء) أى جاوز الحد، وقال ( ما زاغ البصر وما طغى) فعلى هذا القول
الطاغية نعت محذوف، واختلفوا فى ذلك المحذوف ، فقال بعضهم: إنها الصيحة المجاوزة فى
القوة والشدة للصيحات، قال تعالى (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر)
وقال بعضهم ، إنها الرجفة، وقال آخرون: إنها الصاعقة ( والقول الثانى ) أن الطاغية مهنا
الطغيان، فهى مصدر كالكاذبة والباقية والعاقبة والعافية ، أى أهلكوا بطغيانهم على اللّه إذ كذبوا
رسله وكفروا به، وهو منقول عن ابن عباس، والمتأخرون طعنوا فيه من وجهين (الأول)
وهو الذى قاله الزجاج: أنه لما ذكر فى الجملة الثانية نوع الشىء الذى وقع به العذاب، وهو قوله
تعالى (بريح صرصر) وجب أن يكون الحال فى الجملة الأولى كذلك حتى تكون المناسبة حاصلة
(والثانى) وهو الذى قاله القاضى: وهو أنه لو كان المراد ما قالوه، لكان من حق الكلام أن
يقال: أهلكوا لها ولأجلها ( والقول الثالث) (بالطاغية) أى بالفرقة التى طغت من جملة ثمود،
فتآمروا بعق الناقة فعقروها، أى أهلكوا بشؤم فرقتهم الطاغية، ويجوز أن يكون المراد بالطاغية
ذلك الرجل الواحد الذى أقدم على عقر الناقة وأهلك الجميع، لأنهم رضوا بفعله وقيل له طاغية ،
كما يقول : فلان راوية الشعر، ودامية وعلامة ونسابة .
قوله تعالى ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ الصرصر، الشديدة الصوت لها صرصرة
وقيل الباردة من الصر كانها التى كرر فيها البرد. وكثر فهى تحرق بشدة بردها، وأما العاتية ففيها
أقوال (الأول) قال الكلبى ، عنت على خزنتها يومئذ، فلم يحفظوا كم خرج منها ، ولم يخرج قبل
ذلك ، ولا بعده منها شىء إلا بقدر معلوم، قال عليه الصلاة والسلام، طفى الماء على خزانه يوماً

١٠٤
قوله تعالى : سخرها عليهم سبع ليال . سورة الحاقة .
◌َخْرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَتَنِيَّةً أَيَّامِ حُومَا فَتَرَىَ أَنْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ
نوخ ، وعتت الريح على خزانها يوم عاد، فلم يكن لها عليها سبيل، فعلى هذا القول هى عانية على
الخزان ( الثانى) قال عطاء عن ابن عباس يريد الريح عنت على عاد، فما قدروا على ردها بحيلة من
استنار ببناء أو استناد إلى جبل ، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم (القول الثالث ) أن
هذاليس من العدو الذى هو عصيان، إنما هو بلوغ الشىء وانتهاؤه. ومنه، قولهم عما النبت أى
بلغ منتهاه وجف ، قال تعالى (وقد بلغت من الكبر عتيا) فعاتية أى بالغة منتهاها فى القوة والشدة.
قوله تعالى ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ قال مقاتل سلطها عليهم، وقال
الزجاج، أقلعها عليهم ، وقال آخرون أرسلها عليهم ، هذه هى الألماظ المنقوله عن المفسرين،
وعندى أن فيه لطيفة ، وذلك لأن من الناس من قال، إن تلك الرياح إنما اشتدت، لأن اتصالا
فلكياً نجومياً اقتضى ذلك ، فقوله (سخرها) فيه إشارة إلى نفى ذلك المذهب، وبيان أن ذلك إنما
حصل بتقدير الله وقدرته، فإنه لولا هذه الدقيقة لما حصل منه التخويف والتحذير عن العقاب.
وقوله ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما) الفائدة فيه أنه تعالى لو لم يذكر ذلك لما كان مقدار زمان
هذا العذاب معلوما ، فلما قال ( سبع ليال وثمانية أيام ) صار مقدار هذا الزمان معلوما ، ثم لما
كان يمكن أن يظن ظان ، أن ذلك العذاب كان متفرقاً فى هذه المدة ، أزال هذا الظن ، بقوله
حسوما أى متتابعة متوالية ، واختلفوا فى الحسوم على وجوه (أحدها) وهو قول الأكثرين
حسوماً ، أى متتابعة ، أى هذه الأيام تتابعت عليهم بالريح المهلكة ، فلم يكن فيها فتور ولا
انقطاع، وعلى هذا القول: حسوم ، جمع حاسم . كشهود وقعود، ومعنى هذا الحسم فى اللغة
القطع بالاستئصال، وسمى السيف حساماً ، لأنه يحسم العدو عما يريد ، من بلوغ عداوته فلما
كانت تلك الرياح متابعة ما سكنت ساعة حتى أنت عليهم أشبه تتابعها عليهم تتابع فعل الحاسم
فى إعادة الكى ، على الداء كرة بعد أخرى، حتى ينحسم (وثانيها) أن الرباح حسمت كل خير ،
واستأصلت كل بركة، فكانت حسوماً أو حسمتهم، فلم يبق منهم أحد ، فالحسوم على هذين
القولين جمع حاسم ( وثالثها) أن يكون الحسوم مصدراً كالشكور والكفور ، وعلى هذا التقدير
فإما أن ينتصب بفعله مضمراً، والتقدير: يحسم حسوماً، يعنى استأصل استئصالا، أو يكون
صفة، كقولك ذات حسوم، أو يكون مفعولا له، أى سخرها عليهم للاستئصال، وقرأ السدى :
(حسوماً) بالفتح حالا من الريح، أى سخرها عليهم متأصلة، وقيل هى أيام العجوز، وإنما
سميت بأيام العجوز، لأن عجوزاً من عاد توارت فى سرب ، فانتزعتها الريح فى اليوم الثامن
فأهلكتها ، وقيل هى أيام العجز وهى آخر الشتاء .
قوله تعالى ﴿فترى القوم فيها صرعى﴾ أى فى مهابها، وقال آخرون: أى فى تلك الليالى

١٠٥
قوله تعالى : كأنهم اعجاز نخل خاوية . سورة الحاقة .
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ,
تَحْلِخَاوِيةٍ (چے فَهَلْ تَرَى لُم مِنْ بَاقِبۆِ ے
وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةٍ
والأيام (صرعى) جمع صريع. قال مقاتل: يعنى موتى يريد أنهم صرعوا بموتهم، فهم مصرعون
صّرع الموت.
ثم قال ﴿كأنهم أجاز نخل خاوية ﴾ أى كأنهم أصول نخل خالية الأجواف لا شىء فيها،
والنخل يؤنث ويذكر، قال الله تعالى فى موضع آخر (كانهم أعجاز نخل منقعر) وقرى .: أعجاز
نخيل، ثم يحتمل أنهم شبهوا بالنخيل التى قلعت من أصلها، وهو إخبار عن عظيم خلقهم وأجسامهم
ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع ، أى أن الريح قد قطعتهم حتى صاروا قطعا
ضخاءاً كأصول النخل. وأما وصف النخل بالخواء، فيحتمل أن يكون وصفاً للقوم ، فإن الريح
كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف، ويحتمل أن تكون الخالية بمعنى البالية
لأنها إذا بليت خلت أجوافها، فشبهوا بعد أن أهلكوا بالنخيل البالية .
ثم قال ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى الباقية ثلاثة أوجه (أحدها) إنها البقية ( وثانيها) المراد من نفس
باقية (وثالثها ) المراد بالباقية البقاء، كالطاغية بمعنى الطغيان.
المسألة الثانية ) ذهب قوم إلى أن المراد أنه لم يبق من نسل أولئك القوم أحد، واستدل
بهذه الآية على قوله. قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء فى عقاب الله من الريح،
فلما أمسوا فى اليوم الثامن ماتوا ، فاحتملتهم الريح فألقتهم فى البحر، فذاك هو قوله ( فهل ترى لهم
من باقية) وقوله (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) .
القصة الثانية قصة فرعون
قوله تعالى : ﴿و جاء فرعون ومن قبله والمؤتفکات بالخاطئة )﴾ أى ومن كان قبله من الأمم
التى كفرت كما كفر هو ، ومن لفظ عام ومعناه خاص فى الكفار دون المؤمنين ، قرأ أبو عمرو
وعاصم والكسائى، ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء، قال سينويه قبل، لما ولى الشىء تقول
ذهب قبل السوق، ولى قبلك حق، أى فيما يليك، واتسع فيه حتى صار بمنزلة لى عليك، فمعنى
(من قبله) أى من عنده من أتباعه وجنوده. والذى يؤكد هذه القراءة ما روى أن ابن مسعود
وأبياً وأبا موسى قرؤا (ومن تلقاءه) روى عن أبى وحده أنه قرأ (ومن معه) أما قوله (والمؤتفكات)
فقد تقدم تفسيرها ، وهم الذين أهلكوا من قوم لوط ، على معنى والجماعات المؤتفكات ، وقوله
(بالخاطئة) فيه وجهان (الأول) أن الخاطئة مصدر كالخطأ (والثانى) أن يكون المراد بالفعلة

١٠٦
قوله تعالى : فعصوا رسول ربهم . سورة الحاقة .
فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةُ رَّاسِيَةٌ (٣٥﴾ إِنَّا لَمَّ ◌َفَا أَلْمَآءُ هَلْنَكُمْ
فِي الْجَارِيَةِ (٨) لِنَجْعَلَهَ لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ (١٦)
أو الأفعال ذات الخطأ العظيم .
قوله تعالى: ﴿ فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ﴾ الضمير إن كان عائداً إلى فرعون
ومن قبله، فرسول ربهم هو موسى عليه السلام، وإن كان عائداً إلى أهل المؤتفكات هرسول ربهم
هو لوط ، قال الواحدى: والوجه أن يقال المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما
بقوله، (فعصوا) فيكون كقوله (إنا رسول رب العالمين) وقوله ( فأخذهم أخذة رابية) يقال ربا
الشىء يربو إذا زاد ثم فيه وجهان (الأول ) أنها كانت زائدة فى الشدة على عقوبات سائر الكفار
كما أن أفعالهم كانت زائدة فى القبح على أفعال سائر الكفار (الثانى) أن عقوبة آل فرعون فى
الدنيا كانت متصلة بعذاب الآخرة، لقوله (أغرقوا فأدخلوا ناراً) وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة
الدنيا ، فتلك العقوبة كانها كانت تنمو وتربو .
القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام.
قوله تعالى: ﴿إنا لما طفى الماء حملنا كم فى الجارية) طغى الماء على خزانه فلم يدروا كم خرج
وليس ينزل من السماء قطرة قبل تلك الواقعة ولا بعدها إلا بكيل معلوم، وسائر المفسرين، قالوا
(طفى الماء) أى تجاوز حده حتى علاكل شىء وارتفع فوقه، و (حملنا كم) أى حملنا آباء كم وأنتم
فى أصلابهم، ولا شك أن الذين خوطبوا بهذا، هم أولاد الذين كانوا فى السفينة ، وقوله فى
(الجارية ) يعنى فى السفينة التى تجرى فى الماء، وهى سفينة نوح عليه السلام، والجارية من أسماء
السفينة ، ومنه قوله ( وله الجوارى ) .
قوله تعالى ﴿لنجعلها لكم تذكرة﴾ الضمير فى قوله (لنجعلها) إلى ماذا يرجع؟ فيه وجهان:
(الأول) قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التى هى معلومة، وإن كانت ههنا غير مذكورة، والتقدير
لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة (الثانى) قال الفراء لنجعل السفينة، وهذا ضعيف
والأول هو الصواب، ويدل على صحته قوله ( وتعيها أذن واعية) فالضمير فى قوله (وتعبها) عائد
إلى ما عاد إليه الضمير الأول، لكن الضمير فى قوله ( وتعيها) لا يمكن عوده إلى السفينة. فكذا
الضمير الأول .
قوله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية ﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ يقال لكل شىء حفظته فى نفسك وعيته: ووعيت العلم، ووعيت ما قلت.
ويقال لكل ما حفظته فى غير نفسك: أوعيته، يقال: أوعيت المتاع فى الوعاء، ومنه قول الشاعر:

١٠٧
قوله تعالى : فإذا نفخ فى الصور . سورة الحاقة .
فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٢) وَهُلَتِ الْأَرْضُ وَاِجَالُ فَدََُّّ دَ لَّهُ
وَاحِدَةً
والشر أخبث ما أوعيت من زاد
واعلم أن وجه التذكير فى هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من سواهم يدل على
قدرة مدير العالم ونفاذ مشيئته ، ونهاية حكمته ورحمته وشدة قهره وسطوته، وعن النبى مواقع
عند نزول هذه الآية «سألت الله أن يجعلها أذنك ياعلى، قال على: فما نسيت شيئاً بعد ذلك، وما
كان لى أن أنسى» فإن قيل لم قال أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلنا للإيذان بأن الوعاة فيهم
قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله
فهى السواد الأعظم عندالله، وأن ما سواه لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالم منهم.
المسألة الثانية﴾ قراءة العامة: وقعيها بكسر العين، وروى عن ابن كثير وتعيها ساكنة
العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة نفذ، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من
نفذ وكبد وكتف ، وإنما فعل ذلك لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل ، فأشبه ما هو من
نفس الكلمة ، وصار كقول من قال وهو وهى ومثل ذلك قوله ويتقه فى قراءة من سكن القاف.
واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة والحكمة للصانع .
فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة، وثبت بثبوت الحكمة إمكان وقوع القيامة.
ولما ثبت ذلك شرع سبحانه فى تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولا مقدماتها .
فقال ﴿فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى) قرى. نفخة بالرفع والنصب، وجه الرفع أسند الفعل إليها ، وإنما حسن
تذكير الفعل للفصل ، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور. ثم نصب نفخة على المصدر.
المسألة الثانية﴾ المراد من هذه النفخة الواحدة، هى النفخة الأولى لأن عندها يحصل
خراب العالم ، فإن قيل لم قال بعد ذلك يومئذ تعرضون ، والعرض إنما يكون عند النفخة
الثانية؟ قلنا جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذى تقع فيه النفختان ، والصعقة والنشور، والوقوف
الحساب، فلذلك قال (يومئذ تعرضون) ) تقول جئته عام كذا، وإنما كان مجيئك فى وقت
أحد من أوقاته
قوله تعالى: ﴿ وحملت الأرض والجبال فد كتا دكة واحدة ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ رفعت الأرض والجبال، إما بالزلزلة التى تكون فى القيامة، وإما بريح
نت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من الملائكة أو بقدرة اللّه من غير

١٠٨
قوله تعالى : فيومئذ وقعت الواقعة". سورة الحاقة .
وَأَنشَّقَّتِ السَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَيِذٍ وَاِهِيَةٌ
فَيَوْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَهُ ﴾
وَالْمَلَكُ عَلَ أَرْجَبِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ تَمَنِيَةٌ
COV
١١٦
سبب فدكتا ، أى فدكت الجملتان جملة الأرض وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض ، حتى تندق
وتصير ( كئيباً مهيلا) و (هباء منبثاً) والدك أبلغ من الدق، وقيل فبسطتا بسطة واحدة فصارتا
أرضاً ( لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) من قولك اندك السنام إذا انفرش، وبعير أدك وناقة دكاء
ومنه الدكان .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الفراء: لا يجوز فى دكة ههنا إلا النصب لارتفاع الضمير فى دكتا، ولم
يقل فدككن لأنه جعل الجبال كالواحدة والأرض كالواحدة، كما قال (إن السموات والأرض
كانتا رتقاً) ولم يقل كت .
ثم قال تعالى ﴿ فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهى يومئذ واهية﴾ أى فيومئذ
قامت القيامة الكبرى ، وانشقت السماء لنزول الملائكة (فهى يومئذ واهية) أى مسترخية سافطة
القوة (كالعهن المنفوش ) بعد ما كانت محكمة شديدة .
قوله تعالى: ﴿والملك على أرجائها﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قوله (والملك) لم يرد به ملكا واحداً ، بل أراد الجنس والجمع.
المسألة الثانية﴾ الأرجاء فى اللغة النواحى يقال رجاور جوان والجمع الأرجاء، ويقال ذلك
لحرف البئر وحرف القبر وما أشبه ذلك ، والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن
مواضغ الشق إلى جوانب السماء، فإن قيل الملائكة يموتون فى الصعقة الأولى، لقوله (فصعق من فى
السموات ومن فى الأرض ) فكيف يقال إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ قلنا الجواب من وجهين:
(الأول) أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون (الثانى) أن المراد الذين استثناهم الله
فى قوله ( إلا من شاء اللّه).
قوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا العرش هو الذى أراده الله بقوله الذين يحملون العرش، وقوله
( وترى الملائكة حافين من حول العرش).
المسألة الثانية﴾ الضمير فى قوله (فوقهم) إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان (الأول) وهو الأقرب
أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الائكة الذين هم حملة
العرش (الثانى) قال مقاتل يعنى أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم، و[مجىء] الضمير قبل
الذكر جائز كقوله : فى بيته يؤتى الحكم.

١٠٩
قوله تعالى : يومئذ تعرضون . سورة الحاقة .
يَوْمَِّذْ تُعْرَضُونَ
المسألة الثالثة﴾ نقل عن الحسن رحمه الله أنه قال لا أدرى ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف
أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف صف. واعلم أن حمله على ثمانية أشخاص أولى لوجوه: (أحدها)
ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة
آخرين فيكونون ثمانية)) ويروى «ثمانية أملاك أرجلهم فى تخوم الأرض السابعة والعرش فوق
رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون)) وقيل بعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور
وبعضهم على صورة النسر ، وروى ثمانية أملاك فى صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها
مسيرة سبعين عاماً ، وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد
على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلك بعد علمك
(الوجه الثانى) فى بيان أن الحمل على ثمانية أشخاص أولى من الحمل على ثمانية آلاف وذلك لأن الثمانية
أشخاص لابد منهم فى صدق اللفظ ، ولا حاجة فى صدق اللفظ إلى ثمانية آلاف ، حينئذ يكون
اللفظ دالا على ثمانية أشخاص، ولا دلالة فيه على ثمانية آلاف فوجب حمله على الأول (الوجه
الثالث ) وهو أن الموضع موضع التعظيم والتهويل فلو كان المراد ثمانية آلاف ، أو ثمانية صفوف
لوجب ذكره ايزداد التعظيم والتهويل، حيث لم يذكر ذلك علمنا أنه ليس المراد إلا ثمانية أشخاص.
﴿ المسألة الرابعة) قالت المشبهة : لو لم يكن الله فى العرش لكان حمل العرش عبثاً عديم
الفائدة ، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى ( يومئذ تعرضون) والعرض إنما يكون لو كان
الإله حاصلا فى العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس
فى العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان فىالعرش ، فلو كان الإله فى
العرش للزم الملائكة أن يكونوا عاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضى احتياج الله إليهم، وأن
يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح ، فعلمنا أنه لابد فيه من التأويل فنقول:
السبب فى هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه ، تخلق لنفسه بيتاً يزورونه، وليس أنه
يسكنه، تعالى الله عنه وجعل فى ركن البيت حجراً هو يمينه فى الأرض، إذ كان من شأنهم أن
يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه ،
لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على
سرير ووقف الأعوان حوله أخضر الله يوم القيامة عرشاً وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه
يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه فى البيت والطواف.
قوله تعالى ﴿ يومئذ تعرضون) العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة ، شبه ذلك بعرض
السلطان العسكر لتعرف أحواله، ونظيره قوله (وعرضوا على ربك صفاً) وروى ((أن فى القيامة
١

١١٠
قوله تعالى : لا تخفى منكم خافية . سورة الحاقة .
لَا تَحْفَ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (٨) فَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ، بِمِينِهِ، فَيَقُولُ هَا ؤُمُ أَقْرَةُ وأ
كِتَبِيَهْ
١٩
ثلاث عرضات، فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ ، وأما الثالثة ففيها تنثر الكتب فيأخذ
السعيد كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله))،
ثم قال ﴿ لا تخفى منكم خافية ) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى الآية وجهان (الأول) تقرير الآية: تعرضون لا يخفى أمركم فإنه
عالم بكل شىء، ولا يخفى عليه منكم خافية، ونظيره قوله ( لا يخفى على الله منهم شىء) فيكون
الغرض منه المبالغة فى التهديد، يعنى تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا (الوجه الثانى)
المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مخفياً منكم فى الدنيا ، فإنه تظهر أحوال المؤمنين فيتكامل بذلك
سرورهم ، وتظهر أحوال أهل العذاب فيظهر بذلك حزنهم وفضيحتهم ، وهو المراد من قوله (يوم
تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر ) وفى هذا أعظم الزجر والوعيد وهو خوف الفضيحة .
﴿ المسألة الثانية) قراءة العامة ( لا تخفى) بالتاء المنقطة من فوقها، واختار أبو عبيدة الياء
وهی قراءة حمزة ، والکسائی قال لأن الياء تجوز للذ کر والأنثى والتاء لا تجوز إلا للأنثى، وههنا
يجوز إسناد الفعل إلى المذكر وهو أن يكون المراد بالخافية شىء ذوخفاء. وأيضاً فقد وقع الفصل
ههنا بين الاسم والفعل بقوله منكم.
واعلم أنه تعالى لما ذكر ما ينتهى هذا العرض إليه قال ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول
هاؤم اقرأوا كتابيه ) وفيه مسألتان.
( المسألة الأولى﴾ ها. صوت يصوت به، فيفهم منه معنى خذ كاف وحس، وقال أبو
القاسم الزجاجى وفيه لغات وأجودها ما حكاه سيبويه عن العرب فقال: وما يؤمر به من المبنيات
قولهم ها. يافتى ، ومعناه تناول ويفتحون الهمزة ويجعلون فتحها على المذكر كما قالوا هاك يافتى ،
فتجعل فتحة الكاف علامة المذكر ويقال للاثنين هاؤما ، وللجمع هاؤموا وهاؤم والميم فى هذا
الموضع كالميم فى أنتما وأنتم وهذه الضمة التى تولدت فى همزة هاؤم إنما هى ضمة ميم الجمع لأن
الأصل فيه هاؤموا وأنتمرا فاشبعوا الضمة وحكموا للاثنين بحكم الجمع لأن الاثنين عندهم فى حكم
الجمع فى كثير من الأحكام .
المسألة الثانية) إذا اجتمع عاملان على معمول واحد، فإعمال الأقرب جاز بالاتفاق
وإعمال إلا بعد هل يجوز أم لا؟ ذهب الكوفيون إلى جوازه والبصريون منعوه، واحتج
البصريون على قولهم بهذه الآية، لأن قوله (هائم) ناصب، وقوله (اقرؤا) ناصب أيضاً ، فلو كان

١١١
هوله تعالى : إني ظننت أني ملاق . سورة الحاقة .
إِىِ ظَنَنْتُ أَنِىِ مُلَقٍ حِسَابِيَة
الناصب هو الأبعد لكان التقدير: هاؤم كتابيه، فكان يجب أن يقول اقرأوه، ونظيره (آتونى
أفرغ عليه قطرأً) (واعلم) أن هذه الحجة ضعيفة لأن هذه الآية دلت على أن الواقع مهنا إعمال
الأقرب وذلك لانزاع فيه إنما النزاع فى أنه هل يجوز إعمال الأبعد أم لا ، وليس فى الآية تعرض
لذلك ، وأيضاً قد يحذف الضمير لأن ظهوره يغنى عن التصريح به كما فى قوله ( والذاكرين الله
كثيراً والذاكرات) فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول
متقدم فى الوجود على العامل الثانى ، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولا لامتناع حصول
العلة دون المعمول ، فصيرورة المعمول معمولا للعامل الأول متقدم على وجود العامل الثانى ،
والعامل الثانى إنما وجد بعد أن صار معمولا للعامل الأول فيستحيل أن يصير أيضاً معمولا
للعامل الثانى؛ لامتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين ، ولا متناع تعليل ماوجد قبل بما يوجد بعد،
وهذه المسألة من لطائف النحو .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الهاء للسمكت (فى كتابيه) وكذا فى (حسابيه، وماليه، وسلطانيه) وحق
هذه الهاءات أن تثبت فى الوقف وتسقط فى الوصل ، ولما كانت هذه الهاءات مثبتة فى المصحف
والمثبتة فى المصحف لابد وأن تكون مثبتة فى اللفظ، ولم يحسن إثباتها فى اللفظ إلا عند الوقف،
لاجرم استحبوا الوقف لهذا السبب. وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل ، وقرأ ابن
محيصن بإسكان الياء بغيرها. وقرأ جماعة بإثبات الهاء فى الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف.
المسألة الرابعة) اعلم أنه لما أوتى كتابه بيمينه، ثم إنه يقول (ماؤم اقرأوا كتابيه)
دل ذلك على أنه بلغ الغاية فى السرور لأنه لما أعطى كتابه بيمينه علم أنه من الناجين ومن الفائزين
بالنعيم ، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله. وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.
ثم إنه تعالى حكى عنه أنه يقول ( إني ظننت أنى ملاق حسابيه) وفيه وجوه (الأول)
المراد منه اليقين الاستدلالى وكل ما ثبت بالاستدلال فإنه لا ينفك من الخواطر المختلفة ، فكان ذلك
شبيهاً بالظن (الثانى) التقدير: إنى كنت أظن أنى ألاقى حسابى فيؤاخذنى الله بسيئاتى، فقد تفضل
على بالعفو ولم يؤاخذنى بها فهاؤم أقرؤا كتابيه ( وثالثها) روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال :
((إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه فتظهر حسناته فى ظهر كفه وتكتب سيئاته فى بطن
كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن ، فيقال له اقلب كفك فينظر فيه غيرى حسناته فيفرح ، ثم يقول
(هاؤم اقرؤا كتابيه، إنى ظنفت - عند النظرة الأولى - أنى ملاق حسابيه)) على سبيل الشدة،
وأما الآن فقد فرج الله عنى ذلك الغم، وأما فى حق الأشقياء فيكون ذلك على الضدما ذكرنا
( ورابعها) ظننت: أى علمت، وإنما أجرى مجرى العلم. لأن الظن الغالب يقام مقام العلم فى

١١٢
قوله تعالى : فهو في عيشة راضية . سورة الحاقة .
فَهُوَ فِ عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٣٧) فِ جَنَّةٍ حَلِيَةٍ.
وَأَشْرَبُواْ هَنِيَئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِ اَلْأَيَّامِ اَلْحَلِيَةِ
٢٤
◌ُواْ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
العادات والأحكام ، يقال أظن ظناً كاليقين أن الأمر كيت وكيت ( وخامسها) المراد إنى ظنفت
فى الدنيا أن بسبب الأعمال التى كنت أعملها فى الدنيا سأصل فى القيامة إلى هذه الدرجات وقد
حصلت الآن على اليقين فيكون الظن على ظاهره، لأن أهل الدنيا لا يقطعون بذلك.
ثم بين تعالى عاقبة أمره فقال ﴿فهو فى عيشة راضية) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان (الأول) المعنى أنها منسوبة
إلى الرضا كالدارع والنابل، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة بالصيغة ( والثانى) أنه جعل
الرضا للعيشة مجازا مع أنه صاحب العيشة .
( المسألة الثانية) ذكروا فى حد الثواب أنه لا بد وأن يكون منفعة، ولا بد وأن تكون
خالصة عن الشوائب، ولابد وأن تتكون دائمة ولابد وأن تكون مقرونة بالتعظيم، فالمعنى إنما
يكون مرضياً به من جميع الجهات لو كان مشتملا على هذه الصفات فقوله (عيشة راضية) كلمة
حاوية لمجموع هذه الشرائط التى ذكرناها .
ثم قال ﴿فى جنة عالية ﴾ وهو أن من صار فى (عيشة راضية) أى يعيش عيشاً مرضياً فى جنة
عالية، والعلو إن أريد به العلو فى المكان فهو حاصل، لأن الجنة فوق السموات، فإن قيل: أليس
أن منازل البعض فوق منازل الآخرين، فهؤلاء السافلون لا يكونون فى الجنة العالية ، قلنا إن كون
بعضها دون بعض لا يقدح فى كونها عالية وفوق السموات ، وإن أريد العلو فى الدرجة والشرف
فالأمر كذلك، وإن أريد به كون تلك الأبنية عالية مشرفة فالأمر أيضاً كذلك.
ثم قال ﴿قطوفها دانية﴾ أى ثمارها قريبة التناول يأخذها الرجل كما يريد إن أحب أن
يأخذها بيده انقادت له، قائماً كان أو جالساً أو مضطجعاً. وإن أحب أن تدنو إلى فيه دنت،.
والقطوف جمع خطف وهو المقطوف.
قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم فى الأيام الخالية ﴾ والمعنى يقال لهم ذلك
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ منهم من قال قوله (كلوا) ليس بأمر إيجاب ولا ندب، لأن الآخرة
ليست دار تكليف ، ومنهم من قال لا يبعد أن يكون ندباً ، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان
وإدخال السرور فى قلبه .
﴿ المسألة الثانية﴾ إنما جمع الخطاب فى قوله: كلوا بعد قوله فهو فى عيشة، لقوله ( فأما من)

١١٣
قوله تعالى : وأما من أوتي كتابه . سورة الحاقة .
وَأَمَّا مَنْ أَوِىَ كِتَلَبَهُ، بِمَلِهِ، فَيَقُولُ يَدْلَيْتَنِى لَّ أُوتَ كِتَبِيَهْ (٢٥) وَلَّمْ أَدْرٍ
مَا حِسَابِيَةُ (٣) يَشَلَيْهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
٢٧
أوتى) ومن مضمن معنى الجمع .
المسألة الثالثة﴾ قوله (ما أسلفتم) أى قدمتم من أعمالكم الصالحة، ومعنى الإسلاف
فى اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض. ومنه يقال أسلف فى كذا إذا قدم
فيه ماله، والمعنى بما عملتم من الأعمال الصالحة: والأيام الخالية ، المراد منها أيام الدنيا والخالية
الماضية، ومنه قوله (وقد خلت القرون من قبلى) و (تلك أمة قد خلت) وقال الكلى (بما أسلفتم)
يعنى الصوم، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب ، دل ذلك على أنه لمن امتنع فى الدنيا عنه
بالصوم ، طاعة لله تعالى.
المسألة الرابعة﴾ قوله ( بما أسفلتم ) يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بسبب عملهم،
وذلك يدل على أن العمل موجب للثواب، وأيضاً لو كانت الطاعات فعلاً لله تعالى لكان قد أعطى
الإنسان ثوباً لا على فعل فعله الإنسان ، وذلك محال وجوابه معلوم.
قوله تعالى: ﴿وأما من أوفى كتابه بشماله، فيقول ياليتنى لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه ﴾
وأعلم أنه تعالى بين أنه لما نظر فى كتابه وتذكر قبائح أفعاله خجل منها وصار العذاب الحاصل
من تلك الخجالة أزيد من عذاب النار ، فقال ليتهم عذبونى بالنار، وما عرضوا هذا الكتاب الذى
ذكرفى قبائح أفعالى حتى لا أفع فى هذه الخجالة ، وهذا ينبك على أن العذاب الروحانى أشد من
العذاب الجسمانى، وقوله ( ولم أدر ما حسابيه) أى ولم أدر أى شىء حسابه، لأنه، حاصل ولا
ظائل له فى ذلك الحساب ، وإنما كله عليه .
ثم قال ﴿ ياليتها كانت القاضية﴾ الضمير فى (ياليتها) إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان (الأول) إلى
الموتة الأولى، وهى وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة و(القاضية) القاطعة
عن الحياة. وفيها إشارة إلى الإنتهاء والفراغ ، قال تعالى (فإذا قضيت ) ويقال قضى على فلان،
أى مات فالمعنى ياليت المونة التى متها كانت القاطعة لأمرى ، فلم أبعث بعدها، ولم ألق ماوصلت
إليه ، قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن فى الدنيا عنده شىء أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب
له الموت ، قال الشاعر :
تمنيت منه الموت والموت أعظم
وشر من الموت الذى إن لقيته
(والثانى) أنه عائد إلى الحالة التى شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: ياليت هذه الحالة كانت
المونة التى قضيت على لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر بما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٨

١١٤
قوله تعالى : ما أغنى عني ماليه . سورة الحاقة .
هَّلَكَ عَنِی سُلْطَانِيَهْ
٢٨
مَآ أَغْنَى عَنِّى مَالِيَه
الْجَحِيمَ صَلُوهُ * ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءً فَاسْلُكُوهُ
خُذُوهُ فَغُلُوهُ
٣٠
ثم قال ﴿ما أغنى عنى ماليه، هلك عنى سلطانيه، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم فى سلسلة ذرعها
سبعون ذراعاً فاسلكوه﴾ (ما أغنى) نفى أو استفهام على وجه الإنكار أى أى شىء أغنى عنى ما كان
لى من اليسار، ونظيره قوله (ويأتينا فرداً) وقوله (ملك عنى سلطانيه) فى المراد بسلطانيه وجهان :
(أحدهما ) قال ابن عباس: ضلت عنى حجتى التى كنت أحتج بها على محمد فى الدنيا ، وقال مقاتل
ضلت عنى حجتى يعنى حين شهدت عليه الجوارح بالشرك (والثانى) ذهب ملكى وتسلطى على
الناس وبقيت فقيراً ذليلا، وقيل معناه: إننى إنما كنت أنازع المحقين بسبب الملك والسلطان ،
فالآن ذهب ذلك الملك وبقى الوبال .
واعلم أنه تعالى ذكر سرور السعداء أولا ، ثم ذكر أحوالهم فى العيش الطيب وفى الأكل
والشرب، كذا ههنا ذكر غم الأشقياء وحزنهم، ثم ذكر أحوالهم فى الغل والقيدوطعام الغسلين،
فأولها أن تقول خزنة جهنم خذوه فيبتدر إليه مائة ألف ملك، وتجمع يده إلى عنقه ، فذلك قوله
(فغلوه) وقوله ( ثم الجحيم صلوه) قال المبرد أصليته النار إذا أوردته إياها وصليته أيضاً كما
يقال أكرمته وكرمته، وقوله ( ثم الجحيم صلوه) معناه لا تصلوه إلا الجحيم، وهى النار العظمى
لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس، ثم فى سلسلة وهى حلق منتظمه كل حلقة منها فى حلقة وكل شىء
مستمر بعد شىء على الولاء والنظام فهو مسلسل ، وقوله ( ذرعها ) معنى الذرع فى اللغة التقدير
بالذراع من اليد، يقال ذرع الثوب يذرعه ذرعاً إذا قدره بذراعه ، وقوله ( سبعون ذراعاً ) فيه
قولان: (أحدهما) أنه ليس الغرض التقدير بهذا المقدار بل الوصف بالطول، كما قال: إن تستغفر
لهم سبعين مرة يريد مرات كثيرة (وانثانى) أنه مقدر بهذا المقدار ثم قالوا كل ذراع سبعون
باعاً وكل باع أبعدما بين مكة والكوفة، وقال الحسن الله أعلم بأى ذراع هو، وقوله (فاسلكوه)
قال المبرد يقال سلكه فى الطريق، وفى القيد وغير ذلك وأسلكته معناه أدخلته ولغة القرآن
سلکته قال الله تعالی ( ماسلککم فی صقر) وقال ( سلکناہ فی قلوب المجرمین ) قال ابن عباس
تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه ، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه ، وقال الكلبى كما يسلك
الخيط فى اللؤلؤ ثم يجعل فى عنقه سائرها، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) ما الفائدة فى تطويل هذه السلسلة؟ (الجواب) قال سويد بن أبى نجيح:
بلغنى أن جميع أهل النار فى تلك السلسلة، وإذا كان الجمع من الناس مقيدين بالسلسلة الواحدة كان
العذاب على كل واحد منهم بذلك السبب أشد .

١١٥
قوله تعالى : إنه كان لا يؤمن بالله . سورة الحاقة .
وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِيْنِ
إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ
فَلَيْسَ لَهُ أَلْيَوْمَ هَنْهُنَا حِيمٌ (
٣٤
( السؤال الثانى) سلك السلسلة فيهم معقول، أما سلكهم فى السلسلة فما معناه؟ (الجواب)
سلكه فى السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أجزاؤها وهو فيما بينها .زهق مضيق عليه
لا يقدر على حركة، وقالوا الفراء: المعنى ثم اسلكموا فيه السلسلة كما يقال أدخلت رأسى فى القلنسوة
وأدخلتها فى رأسى ، ويقال الخاتم لا يدخل فى إصبعى ، والإصبع هو الذى يدخل فى الخاتم .
﴿ السؤال الثالث) لم قال فى سلسلة فاسلكوه، ولم يقل فاسلكوه فى سلسلة؟ (الجواب) المعنى
فى تقديم السلسلة على السلك هو الذى ذكرناه فى تقديم الجحيم على التصلية ، أى لا تسلكوه إلا
فى هذه السلسلة لأنها أفظع من سائر السلاسل ﴿ السؤال الرابع) ذكر الأغلال والتصلية بالفاء
وذكر السلك فى هذه السلسلة بلفظ ثم، فما الفرق؟ (الجواب) ليس المراد من كلمة ثم تراخى المدة
بل التفاوت فى مراتب العذاب .
واعلم أنه تعالى لما شرح هذا العذاب الشديد ذكر سببه فقال ﴿ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم،
ولا يحض على طعام المسكين ﴾ فالأول إشارة إلى فساد حال القوة العاقلة. والثانى إشارة إلى فساد
حال القرة العملية ، وههنا مسائل :
{ المسألة الأولى) قوله (ولا يحض على طعام المسكين) فيه قولان (أحدهما) ولا بحض على
بذل طعام المسكين ( والثانى ) أن الطعام ههنا اسم أقيم مقام الإطعام كما وضع العطاء مقام الإعطاء
فى قوله :
وبعد عطائك المائة الرقاعا
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف قوله (ولا محض على طعام المسكين) فيه دليلان
قويان على عظم الجرم فى حرمان المساكين (أحدهما) عطفه على الكفر وجعله قرينة له (والثانى)
ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بمن يترك الفعل !.
﴿ المسألة الثالثة) دلت الآية على أن الكفار يعاقبون على ترك الصلاة والزكاة ، وهو المراد
من قولنا إنهم مخاطبون بفروع الشرائع، وعن أبى الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق
لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا تخلع النصف الباقى! وقيل المراد منه
منع الكفار وقولهم ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه).
ثم قال ﴿ فليس له اليوم ههنا حميم ) أى ليس له فى الآخرة حميم أى قريب يدفع عنه ويحزن
عليه، لأنهم يتحامون ويفرون منه كقوله ( ولا يسأل حميم حميما) وكقوله ( ما للظالمين من حميم
ولا شفيع يطاع ) .

١١٦
قوله تعالى : ولا طعام الا من غسلين . سورة الحاقة .
فَلَا أُقْسِمُ
وَلَ طَعَلُ إِلَّ مِنْ غِسْلِينٍ (*) لَا يَأْكُمْ إِلَّا الْخَطِعُونَ ﴾
بِمَا تُبْصِرُونٌ ﴾ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيٍ
٤٠
قوله تعالى: ﴿ ولا طعام إلا من غسلين ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين، فقال لا أدرى ما الغسلين. وقال
الكلى وهو ما. يسيل من أهل النار من القيح والصديد والدم إذا عذبوا فهو (غسلين) فعلين من الغسل.
المسألة الثانية ﴾ الطعام ما هي للأكل، فلما هيء الصديد ليأكله أهل النار كان طعاماً لهم،
ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم لهم مقام الطعام فسمى طعاماً، كما قال:
تحية بينهم ضرب وجيع
والتحية لا تكون ضرباً إلا أنه لما أقيم مقامه جاز أن يسمى به .
ثم إنه تعالى ذكر أن الغسلين أكل من هو ؟ فقال: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ الأثمون أصحاب
الخطايا وخطى. الرجل إذا تغمد الذنب وم المشركون ، وقرىء الخاطيون بابدال الهمزة يا.
والخاطون بطرحها، وعن ابن عباس أنه طعن فى هذه القراءة، وقال ما الخاطيون كلنا نخطو إنما
هر الخاطئون، ما الصابون، إنما هو الصابئون، ويجوز أن يجاب عنه بأن المراد الذين يتخطون
الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله .
وأعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على إمكان القيامة، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السعداء
وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال :
فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ منهم من قال المراد أقسم ولا صلة، أو يكون رد الكلام سبق، ومنهم من
قال لا ههنا نافية للقسم ، كأنه قال لا أقسم، على أن هذا القرآن (قول رسول كريم) يعنى أنه
الوضوحه يستغنى عن القسم، والاستقصاء فى هذه المسألة سنذكره فى أول سورة (لا أقسم
يوم القيامة ) .
المسألة الثانية ) قوله ( بما تبصرون وما لا تبصرون) يعم جميع الأشياء على الشمول ،
لأنها لا تخرج من قسمين: فبصر وغير مبصر ، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة ،
والأجسام والأرواح، والإنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة .
ثم قال تعالى ﴿ إنه لقول رسول کریم ﴾.
واعلم أنه تعالى ذكر فى سورة ( إذا الشمس كورت ) مثل هذا الكلام، والأكثرون هناك
على أن المراد منه جبريل عليه السلام، والأكثرون ههنا على أن المراد منه محمد پٹے ، واحتجوا

١١٧
قوله تعالى : وما هو بقول شاعر . سورة الحاقة .
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ () وَلَا بِقَوْلِ كَامِنٍ قَلِيلًا مَّاتَذَ كَّرُونَ
على الفرق بأن ههنا لما قال ( إنه لقول رسول كريم ) ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ، ولا
كاهن ، والقوم ماكانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة ، بل كانوا يصفون محمداً
بهذين الوصفين . وأما فى سورة (إذا الشمس كورت) لما قال (إنه لقول رسول كريم) ثم
قال بعده ( وما هو بقول شيطان رجيم) كان المعنى: إنه قول ملك كريم ، لا قول شيطان رجيم ،
فصح أن المراد من الرسول الكريم ههنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفى تلك السورة هو
جبريل عليه السلام، وعند هذا يتوجه السؤال: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى،
وحينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاماً لله تعالى ، ولجبريل ولمحمد ، وهذا غير معقول
(والجواب) أنه يكفى فى صدق الإضافة أدنى سبب، فهو كلام اللّه تعالى، بمعنى أنه تعالى هو الذى
أظهره فى اللوح المحفوظ، وهو الذى رتبه ونظمه، وهو كلام جبريل عليه السلام، بمعنى أنه هو
الذى أنزله من السموات إلى الأرض، وهو كلام محمد، بمعنى أنه هو الذى أظهره للخلق ، ودعا
الناس إلى الايمان به ، وجعله حجة لنبوته .
قوله تعالى : ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ﴾
وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الجمهور: تؤمنون وتذكرون بالتاء المنقوطة من فوق على الخطاب
إلا ابن كثير ، فإنه قرأهما بالياء على المغايبة ، فمن قرأ على الخطاب، فهو عطف على قوله (بما
تبصرون ومالا تبصرون) ومن قرأ على المغايبة سلك فيه مسلك الالتفات .
﴿المسألة الثانية﴾ قالوا لفظة ما فى قوله ( قليلا ما تؤمنون، قليلا ما تذكرون) لغو وهى
مؤكدة ، وفى قوله (قليلا) وجهان (الأول) قال مقاتل: يعنى بالقليل أنهم لا يصدقون بأن
القرآن من اللّه، والمعنى لا يؤمنون أصلا، والعرب يقولون: قلما يأتينا يريدون لا يأتينا (الثانى)
أنهم قد يؤمنون فى قلوبهم ، إلا أنهم يرجعون عنه سريعاً ولا يتمون الاستدلال، ألا ترى إلى
قوله ( إنه فيكر وقدر ) إلا أنه فى آخر الأمر قال ( إن هذا إلا سحر يؤثر) .
المسألة الثالثة) ذكر فى نفى الشاعرية ( قليلا ما تؤمنون) وفى نفى الكاهنية ( ما تذكرون)
والسبب فيه كأنه تعالى قال: ليس هذا القرآن قولا من رجل شاعر، لأن هذا الوصف مباين
لصنوف الشعر كلها إلا أنكم لا تؤمنون، أى لا تقصدون الإيمان ، فلذلك تعرضون عن التدبر،
.ولو قصدتم الإيمان لعلمتم كذب قولكم إنه شاعر ، لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر ، ولا

١١٨
قوله تعالى : تنزيل من رب العالمين . سورة الحاقة .
تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٢﴾ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴾ لَأَخَذْنَا مِنْهُ
بِالْيَمِينِ (٤) ثُمَ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ لَه
أيضاً بقول كاهن، لأنه وارد بسب الشياطين وشتمهم، فلا يمكن أن يكون ذلك بإلهام الشياطين،
إلا أنكم لا تتذكرون كيفية نظم القرآن، واشتماله على شتم الشياطين ، فلهذا السبب تقولون إنه
من باب الكهانة .
قوله تعالى ﴿تنزيل من رب العالمين﴾.
اعلم أن نظير هذه الآية قوله فى الشعراء ( إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على
قلبك لتكون من المنذرين ) فهو كلام رب العالمين لأنه تنزيله ، وهو قول جبريل لأنه نزل به ،
وهو قول محمد لأنه أنذر الخلق به ، فههنا أيضاً لما قال فيما تقدم (إنه لقول رسول كريم) أتبعه
بقوله ( تنزيل من رب العالمين) حتى يزول الإشكال ، وقرأ أبو السمال: تنزيلا، أى نزل تنزيلا.
ثم قال تعالى ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل) قرى. (ولو تقول) على البناء للمفعول ،
التقول افتعال القول ، لأن فيه تكلفاً من المفتعل ، وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تحقيراً لها ،
كقولك الأعاجيب والأضاحيك ، كانها جمع أفعولة من القول ، والمعنى ولو نسب إلينا قولا
لم نقله .
قوله تعالى: ﴿ لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين ) وفيه مسألتان .
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الآية وجوه (الأول) معناه لأخذنا بيده ، ثم لضربنا رقبته وهذا
ذكره على سبيل التمثيل بما يفعله الملوك بمن يتكذب عليهم ، فإنهم لا يمهلونه ، بل يضربون رقبته
فى الحال، وإنما خص اليمين بالذكر ، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب فى قفاه أخذ بيساره،
وإذا أراد أن يوقعه فى جيده وأن يلحقه بالسيف، وهو أشد على المعمول به ذلك العمل لنظره
إلى السيف أخذ بيمينه، ومعناه: لا خذنا بيمينه ، كما أن قوله (لقطعنا منه الوتين ) لقطعنا وتينه
وهذا تفسير بين وهو منقول عن الحسن البصرى (القول الثانى) أن اليمين بمعنى القوة والقدرة
وهو قول الفراء والمبرد والزجاج ، وأنشدوا قول الشماخ .
تلقاها عرابة باليمين
إذا ما راية رفعت لمجد
والمعنى لأخذ منه اليمين ، أى سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير صلة زائدة ، قال ابن قتيبة
وإنما قام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شىء فى ميا منه ( والقول الثالث) قال مقاتل (لأخذنا
منه باليمين ) يعنى انتقمنا منه بالحق ، واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى (إنكم كنتم
تأتوننا عن اليمين ) أى من قبل الحق .

١١٩
قوله تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين . سورة الحاقة .
فَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ (﴾ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٨) وَإِنَّا
لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُ مُّكَذِّبِينَ ﴿ـ
واعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لونسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك. إما بواسطة إقامة
الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه ، وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه ، فيكون ذلك إبطالا
لدعواه وهدماً لكلامه، وإما بأن نسلب عنده القدرة على التكلم بذلك القول، وهذا هو الواجب
فى حكمة الله تعالى املا يشتبه الصادق بالكاذب .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذى إذا قطع مات الحيوان
قال أبو زيد وجمعه الوتن و[يقال] ثلاثة أوتنة والموتون الذى قطع وتينه، قال ابن قتيبة، ولم يرد
أنا نقطعه بعينه يل المراد أنه لو كذب لأمتناه، فكان كمن قطع وتينه، ونظيره قوله عليه السلام
((مازالت أكلة خيبر تعاودنى فهذا أو ان انقطاع ابهرى)) والأبهر عرق يتصل بالقلب ، فإذا انقطع
مات صاحبه فكأنه قال هذا أو أن يقتلنى السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره.
ثم قال ﴿ فما منكم من أحد عند حاجزين ﴾ .
قال مقاتل والكلى معناه ليس منكم أحد يحجزنا عن ذلك الفعل، قال الفراء والزجاج إنما
قال حاجزين فى صفة أحد لأن أحداً هنا فى معنى الجمع ، لأنه اسم يقع فى النفى العام مستوياً فيه
الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى (لا نفرق بين أحد من رسله) وقوله ( لستن
كأحد من النساء) واعلم أن الخطاب فى قوله (فما منكم) للناس.
واعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن تنزيل من اللّه الحق بواسطة جبريل على محمد الذى من
صفته أنه ليس بشاعر ولا كاهن ، بين بعد ذلك أن القرآن ما هو ؟ فقال :
﴿ وإنه لتذكرة للمتقين) وقد بينا فى أول سورة البقرة فى قوله (هدى للمتقين) ما فيه
من البحث .
ثم قال ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾ له بسبب حب الدنيا، فكانه تعالى قال: أما من اتقى
حب الدنيا فهو يتذكر بهذا القرآن وينتفع. وأمامن مال إليها فإنه يكذب بهذا القرآن ولا يقربه.
وأقول: للمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله، وذلك لأنه وصف
القرآن بأنه تذكرة للمتقين ، ولم يقل بأنه إضلال المكذبين ، بل ذلك الضلال نسبه إليهم ، فقال
وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ، ونظيره قوله فى سورة النحل (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر)
واعلم أن الجواب عنه ما تقدم .

١٢٠
قوله تعالى . وإنه لحسرة على الكافرين . سورة الحاقة .
٩٠٠٠
وَإِنَّهُو ◌َخَسْرَةٌ عَلَى الْكَفِرِينَ
فَسَبِحُ بِاسْمِ
﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْيَقِينِ
٥٠
رَبِّكَ الْعَظِيمِ
ثم قال تعالى ﴿وإنه لحسرة على الكافرين) الضمير فى قوله (إنه) إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان:
(الأول) أنه عائد إلى القرآن، فكأنه قيل: وإن القرآن لحسرة على الكافرين. إما يوم القيامة
إذا رأوا ثواب المصدقين به، أو فى دار الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين (والثانى) قال مقاتل:
وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم ، ودل عليه قوله ( وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ).
ثم قال تعالى ﴿وإنه لحق اليقين) معناه أنه حق يقين ، أى حق لا بطلان فيه، ويقين لاريب
فيه ، ثم اضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد .
ثم قال ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ إما شكراً على ما جعلك أهلا لإيحانه إليك، وإنما تنزيهاً
له عن الرضا بأن ينسب إليه الكاذب من الوحى ما هو برى. عنه. وأما تفسير قوله ( فسبح باسم
ربك) فمذ كور فى أول سورة ( سبح اسم ربك الأعلى) وفى تفسير قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم)
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي الأمى وعلى آله وصحبه أجمعين.