النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الرَّازى الصَّهُ بِالْغِيرِ الكبيرِ وَمَفَع الغَيب للإمَام محمّ الرَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطيِ الرّى نَفَعَ اللّه بالميمين ٥٤٤ - ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م الجرُّ الثّلاثُون دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ٢ سورة الجمعة (٦٢) سُوَّرَة الجُعَنْ مَدِفِيَّة زايَائها إخْرَى عَشِرَة بِسُـ يُسَبِّحُ لِّمَا فِ السَّمَنَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما فى السموات وما فى الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ﴾ وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال فى أول تلك السورة (سبح لله) بلفظ الماضى وذلك لا يدل على التسبيح فى المستقبل، فقال فى أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح فى زمانى الحاضر والمستقبل، وأما تعلق الأول بالآخر ، فلأنه تعالى ذكر فى آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار ، وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذهو غنى على الإطلاق ، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة فى الآفاق ، وفى أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدساً ومنزهاً عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق ، ثم إذا كان خلق السموات والأرض بأجمعهم فى تسبيح حضرة الله تعالى فله الملك ، كما قال تعالى ( يسبح لله ما فى السموات وما فى الأرض له الملك) ولا .لمك أعظم من هذا، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم فى قبضة قدرته وتحت تصرفه ، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل فى سائر الأزمان، كما مر فى أول تلك السورة، ولما كان الملك كاء له فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك، والمالك والملك أشرف من المملوك، فيكون متصفاً بصفات يحصل منها الشرف، فلا مجال لما ينا فيه من الصفات فيكون قدوساً، فلفظ (الملك) إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية، ولفظ (القدوس) هو إشارة إلى نفى مالا يكون منها، وعن الغزالى (القدوس) المنزه عما بخطر ببال أوليائه، وقد مر تفسيره وكذلك ( العزيز الحكيم) ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح، أى هو الملك القدوس ، ولو قرئت بالنصب لكان وجهاً، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد ، كذا ذكره فى الكشاف ، ثم فى الآية مباحث: ﴿ الأول) قال تعالى (يسبح لله) ولم يقل: يسبح الله، فما الفائدة؟ نقول هذا من جملة ما يجرى فيه اللفظان: كشكره وشكر له، ونصحه ونصح له . ﴿ الثانى ﴾ ( القدوس) من الصفات السلبية، وقيل معناه المبارك. ٣ قوله تعالى : هو الذي بعث فى الأميين رسولا . سورة الجمعة . هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَتِهِ وَيُزَكِيِمْ وَيُعَلِّهُمُ اَلْكِتَبَ وَالْحِكَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلٍ مُبِينٍ ( ٢ ﴿ الثالث) لفظ (الحكيم) يطلق على الغير أيضاً، كما قيل فى لقمان: إنه حكيم، نقول الحكيم عند أهل التحقيق هو الذى يضع الأشياء [فى] مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى. ثم إنه تعالى بعد ما فرغ من التوحيد والنزيه شرع فى النبوة فقال : ﴿ هو الذى بعث فى الأمييزرسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . وإن كانوا من قبل افى ضلال مبين الأمى منسوب إلى أمة العرب، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم ، ولا يقرأون كتاباً ولا يكتبون . وقال ابن عباس : يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نى بعث فيهم ، وقيل الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه وقد مر بيانه، وقرى الأمين بحذف ياء النسب ، كما قال تعالى (رسولا منهم) يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم، وهو من جنسهم، كما قال تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) قال أهل المعانى: وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضاً أمياً مثل الأمة التى بعث فيهم ، وكانت البشارة به فى الكتب قد تقدمت بأنه التى الأمى ، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة ، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقة . وقوله تعالى ( يتلوا عليهم آياته ) أى بيناته التى تبين رسالته وتظهر نبوته، ولا يبعد أن تكون الآيات هى الآيات التى تظهر منها الأحكام الشرعية، والتى يتميز بها الحق من الباطل (ويزكيهم) أى يطهرهم من خبث الشرك ، وخبث ماعداه من الأقوال والأفعال ، وعند البعض (يزكيهم) أى يصلحهم ، يعنى يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون به أزكياء أتقياء ( ويعلمهم الكتاب والحكمة) والكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هى الفرائض، وقيل (الحكمة) السنة، لأنه كان يتلو عليهم آياته ويعلمهم سفنه، وقيل (الكتاب ) الآيات نصا، والحكمة ما أودع فيها من المعانى ، ولا يبعد أن يقال الكتاب آيات القرآن والحكمة وجه التمسك بها، وقوله تعالى ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام وكانو فى ضلال مبين وهو الشرك، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والإعراض عما كانوافيه، وفى هذه الآية مباحث: ﴿ أحدها ) احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله ( بعث فى الأميين رسولا منهم) يدل على أنه عليه السلام كان رسولا إلى الأميين وهم العرب خاصة ، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشىء بالذكر نفى ماعداه، ألا ترى إلى قوله تعالى ( ولا تخطه بيمينك) أنه لا يفهم منه أنه ٤ قوله تعالى : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم . سورة الجمعة . وَكَانَخِرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ذَلِكَ فَضْلُ الّهِ يُؤْنِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِينَ مَثَلُ الَّذِينَ صِلُوْ التَّوْرَنَ ثُمَّ ◌َمْ بَحْلُوهَا كَفَلٍ الْحِمَارِ يَعْلُ أَسْفَارَهُ بِسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ الّهِ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوِّمَ يخطه بشماله ، ولأنه لو كان رسولا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى (كافة للناس بشيراً ونذيراً) لا يناسب ذلك، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، وهو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى (كافة للناس ) دليلا على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولا إلى الكل. ثم قال تعالى ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ( وآخرين) عطف على الأميين : يعنى بعث فى آخرين منهم ، قال المفسرون: هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أى طائفة كانت قاله ابن عباس وجماعة ، وقال مقاتل يعنى التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم ، وفى الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل فى الإسلام بعد النبى صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب. وبالآخرين سواهم من الأمم، وقوله (وآخرين) مجرور لأنه عطف على المجرور يعنى الأميين ، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب فى (ويعلمهم) أى ويعلمهم ويعلم آخرين منهم، أى من الأميين وجعلهم منهم، لأنهم إذا أسلموا صاروامنهم ، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم ، قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وأما من لم يؤمن بالنبى مصر له ولم يدخل فى دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله (وآخرين منهم) وإن كان التى مبعوثاً إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال فى الآية الأولى ( ويز كيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة (وهو العزيز) من حيث جعل فى كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه، والحكيم حيث جعل فى كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته، قوله تعالى ( ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) قال ابن عباس: يريد حيث ألحق العجم وأبناءهم بقريش، يعنى إذا آمنوا ألحقوا فى درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام، وشاركوهم فى ذلك، وقال مقاتل ( ذلك فضل الله) يعنى الإسلام. (يؤتيه من يشاء) وقال مقاتل بن حيان: يعنى النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء، فاختص بها محمداً صلى الله عليه وسلم: والله ذو المن العظيم على جميع خلقه فى الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كمامر، وفى الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال. ثم إنه تعالى ضرب اليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنى والنّمثلافقال: ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يخملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين قوله تعالى : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم . سورة الجمعة . الظّلمِينَ كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين فى النبوة أنه عليه السلام بعث إلى الأميين واليهود لما أوردوا تلك الشبهة، وهى أنه عليه السلام بعث إلى العرب خاصة ، ولم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه الله تعالى بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنبى عليه السلام، والمقصود .:. أنهم لما لم يعملوا بما فى التوراة شبهوا بالحمار، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لا تنفعوا بها، ولم يوردوا تلك الشبهة ، وذلك لأن فيها فعت الرسول عليه السلام، والبشارة بمقدمه، والدخول فى دينه ، وقوله ( حملوا التوراة) أى حملوا العمل بما فيها، وكلفوا القيام بها، وحملوا (وقرىء) بالتخفيف والتثقيل، وقال صاحب النظم: ليس هو من الحمل على الظهر، وإنماهو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل الجميل، والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها. قال الأصمى: الجميل، الكفيل، وقال الكسائى: حملت له حمالة. أى كفلت به، والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرى.، ونظيره شبر وأشبار، شبة اليهود إذ لم ينتفعوا بما فى التوراة ، وهى دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذى يحمل الكتب العلمية ولا يدرى ما فيها. وقال أهل المعانى: هذا المثل مثل من يفهم معانى القرآن ولم يعمل به، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون ابن مهران: يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية، وقوله تعالى (لم يحملوها) أى لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما بيناه، فشبهم والتوراة فى أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتباً، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع بما يحمله، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم ، ثم ذم المثل، والمراد منه ذمهم فقال ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) أى بئس القوم مثلا الذين كذبوا، كما قال (ساء مثلا القوم) وموضع الذين رفع، ويجوز أن يكون جراً، وبالجله لما بلغ كذبهم مبلغاً وهو أنهم كذبوا على الله تعالى كان فى غاية الشر والفساد، فلهذا قال ( بئس مثل القوم) والمراد بالآيات ههنا الآيات الدالة على حمة نبوة محمد مريم، وهو قول ابن عباس ومقاتل، وقيل الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أشبه هنا ( والله لا يهدى القوم الظالمين ) قال عطاء يريد الذين ظلوا أنفسهم بتكذيب الأنبياء وههنا مباحث: ﴿ البحث الأول ) ما الحكمة فى تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات؟ نقول لوجوه (منها) أنه تعالى خالق (الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) والزينة فى الخيل أكثر وأظهر؛ بالنسبة ٦ قوله تعالى : قل يا أيها الذين هادوا . سورة الجمعة . قُلْ يَأيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنُّواْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِين ﴾ وَلَ يَتَمَنَّوَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ وَالله عَلِيمٌ بالطّلِمِينَ إلى الركوب، وحمل الشىء عليه، وفى البغال دون، وفى الحمار دون البغال، فالبغال كالمتوسط فى المعانى الثلاثة ، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار فى معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال ، وغيرهما من الحيوانات، (ومنها) أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة ، وذلك فى الحمار أظهر ، (ومنها) أن فى الحمار من الذل والحقارة مالا يكون فى الغير، والغرض من الكلام فى هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم، لكونه ذلولا، سلس القياد ، لين الانقياد،، يتصرف فيه الصبى الغبى من غير كلفة ومشقة. وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره (ومنها) أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم فى الكلام ، وبين لفظى الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد فى الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى. ﴿ الثانى﴾ (يحمل) ما محله؟ نقول النصب على الحال، أو الجر على الوصف كما قال فى الكشاف إذ الجمار كاللتيم فى قوله : ولقد أمر على اللثيم يسبى. [فررت ثمة قلت لا يعنينى] ﴿ الثالث) قال تعالى (بئس مثل القوم) كيف وصف المثل بهذا الوصف؟ نقول: الوصف وإن كان فى الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم ، فكانه قال بئس القوم قوماً مثلهم هكذا . ثم إنه تعالى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو: قوله تعالى: ﴿ قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) هذه الآية من جملة ما مربيانه، وقرى. (فتمنوا الموت) بكسر الواو، و(هادوا) أى تهودوا، وكانوا يقولون نحن أبناء اللّه وأحباؤه. فلو كان قولكم حقاً وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التى أعدها لأوليائه، قال الشاعر . ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه، وقوله تعالى (ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم ) أى بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات، وذكر مرة بلفظ التأكيد (ولن ٧ قوله تعالى : قل إن الموت الذي تفرون منه . سورة الجمعة . قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِىِ تَفِرُونَ مِنْهُ فَُّ مُكَتِكُرْ ثُمَّ ◌ُدُّونَ إِلَ عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَ امَنُواْإِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْإِلَى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (قَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَةُ فَاتَشِرُ واْ فِى الْأَرْضِ يتمنوه أبداً) ومرة بدون لفظ التأكيد ( ولا يتمنونه) وقوله (أبداً واللّه عليهم بالظالمين ) أى بظلمهم من تحريف الآيات وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها . ثم قال تعالى ﴿قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ يعنى أن الموت الذى تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات وغيره ملاقيكم لا محالة ، ولا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة يعنى ما أشهد تم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم بما غيتم عن الخلق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما أسررتم فى أنفسكم من تكذيبكم رسالته، وقوله تعالى (فينبئكم بما كنتم تعملون) إما عياناً مقروناً بلقائكم يوم القيامة، أو بالجزاء إن كان خيراً بخير. وإن كان شراً فشر، فقوله (إن الموت الذى تفرون منه) هو التنبيه على السعى فيما ينفعهم فى الآخرة وقوله (فينبئكم بما كنتم تعملون) هو الوعيد البليغ والتهديد الشديد . ثم فى الآية مباحث : ﴿البحث الأول) أدخل الفاء لما أنه فى معنى الشرط والجزاء، وفى قراءة ابن مسعود (ملاقيكم) من غير ( فإنه ) . (الثانى) أن يقال الموت ملاقيهم على كل حال، فروا أولم يفروا، فما معنى الشرط والجزاء؟ قيل: إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، وقد صرح بهذا المعنى، وأفصح عنه بالشرط الحقيقى فى قوله : ومن هاب أسباب المنايا تناله . ولو نال أسباب السماء بسلم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من ۔۔۔ ٨ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة . سورة الجمعة . وَبْتَغُوْ مِن فَضْلِ اللهِ وَذْ كُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك، فنيههم الله تعالى بقوله (فاسعوا إلى ذكر الله) أى إلى ما ينفعكم فى الآخرة، وهو حضور الجمعة، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية ، قال تعالى (والآخرة خير وأبقى) ووجه آخر فى التعلق، قال بعضهم قد أبطل اللّه قول اليهود فى ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم بقوله ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) وبأنهم أهل الكتاب ، والعرب لا كتاب لهم ، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة، وقوله تعالى (إذا نودى) يعنى النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول مقاتل، وأنه كما قال لأنه لم يكن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا على عهد أبى بكروعمر، وقوله تعالى (للصلاة) أى لوقت الصلاة يدل عليه قوله (من يوم الجمعة) ولا تكون الصلاة من اليوم , وإنما يكون وقتها من اليوم، قال اليث : الجمعة يوم خص به لا جتماع الناس فى ذلك اليوم ، ويجمع على الجمعات والجمع، وعن سلمان رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيها خلقه)» وقيل ما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء، فاجتمعت فيها المخلوقات . قال الفراء وفيها ثلاث لغات التخفيف، وهى قراءة الأعمش والتثقيل، وهى قراءة العامة، ولغة لبنى عقيل، وقوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) أى فامضوا، وقيل فامشوا وعلى هذا معنى، السعى: المشى لا العدو، وقال الفراء: المضى والسعى والذهاب فى معنى واحد، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ (فاسعوا) قال من أقرأكهذا ، قال أبى، قال لايزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فاسعوا لسعيث حتى يسقط ردائى، وقيل المراد بالسعى القصد دون العدو ، والسعى التصرف فى كل عمل ، ومنه قوله تعالى (فلما بلغ معه السعى ) قال الحسن: والله ما هو سعى على الأقدام ولكنه سعى بالقلوب، وسعى بالنية، وسعى بالرغبة، ونحو هذا، والسعى ههنا هو العمل عند قوم، وهو مذهب مالك والشافعى، إذ السعى فى كتاب الله العمل، قال تعالى (وإذا تولى سعى فى الأرض) (وإن سعيكم لشتى) أى العمل، وروى عنه صلى الله عليه وسلم « إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن انتوها وعليكم السكينة)) واتفق الفقهاء على ((أن النبى ◌َّ} [كان] متى أتى الجمعة أنى على هينة» وقوله (إلى ذكر الله) الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير، وقيل هو الصلاة، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية، وقوله تعالى (وذروا البيع) قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع، وقال عطاء: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، ٩ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة . سورة الجمعة . وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات ، وقوله تعالى (ذلكم خيرلكم) الى فى الآخرة (إن كنتم تعلمون) ما هو خير لكم وأصلح، وقوله تعالى ( فإذا قضيت الصلاة) أى إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة (فانتشروا فى الأرض) هذا ضيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة ، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا فى الأرض ويبتغوا من فضل الله، وهو الرزق، ونظيره ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)، وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل إلى العصر، وإن شئت فاقعد، كذلك قوله (وابتغوا من فضل الله) فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضاً لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع، بقوله تعالى (وذروا البيع) وعن مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، فمن شاء خرج. ومن شاء لم يخرج، وقال مجاهد: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وقال الضحاك، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ، «إن شاء خرج، وإن شاء قعد، والأفضل فى الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق ، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة ، والظاهرهو الأول، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد [و] قال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين، وقوله تعالى (واذكروا الله كثيراً) قال مقاتل باللسان، وقال سعيد ابن جبير بالطاعة، وقال مجاهد: لا يكون من الذا كرين كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة والصرقتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيراً، قال تعالى (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). وعن عمر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شىء قدير، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئه ورفع له ألف ألف درجة)) وقوله تعالى (لعلكم تفلحون) من جملة ما قد مر مراراً، وفى الآية مباحث: ﴿ البحث الأول ) ما الحكمة فى أن شرع الله تعالى فى يوم الجمعة هذا التكليف؟ فنقول: قال القفال هى أن الله عزوجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً، فكان ما سوى الجماد أصنافاً، منها بها تم وملائكة وجن وإنس ، ثم هى مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلى هم الناس لعجيب تركيبهم ، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق ، وركب فيهم من العقول والطباع التى بها غاية النعبد بالشرائح ، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة فى يوم من الأيام السبعة التى فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها، ليكون فى اجتماعهم فى ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله تعالى به عليهم، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تنخللهم ، وإن منة الله مثبتة عليهم ١٠ قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . سورة الجمعة . وَإِذَا رَأَوْأَ تِجِدَةٌ أَوْ لَمُوا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَفَرَكُوكَ قَبِمًا قُلْ مَاعِندِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَرَةِ وَاللَّهُ خَيْرُالَِّقِينَ ( قبل استحقاقهم لها ، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم، فاليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، وللمسلمين يوم الجمعة، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يوم الجمعة هذا اليوم الذى اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غداً وللنصارى بعد غد)) ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذى به تقع شهرته لجمعت الجماعات له كالسنة فى الأعياد، واحتيج فيه إلى الخطبة تذ كيراً بالنعمة وحثاً على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا فى مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع والله أعلم. ﴿ الثانى) كيف خص ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر الله وغير اللّه؟ نقول المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله، وأما ماعدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان. ﴿ الثالث) قوله (وذروا البيع) لم خص البيع من جميع الأفعال ؟ نقول لأنه من أهم ما يشتغل به المرء فى النهار من أسباب المعاش، وفيه إشارة إلى ترك التجارة، ولأن البيع والشراء فى الأسواق غالباً، والغفلة على أهل السوق أغلب ، فقوله (وذروا البيع) تنبيه الغافلين، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لمينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة فى الأرض المغصوبة. ( الرابع) ما الفرق بين ذكر الله أولا وذكر الله ثانياً؟ فنقول الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة اصلا إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر ، والثانى من جملة ما يجتمع كما فى قوله تعالى ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). ثم قال تعالى ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً أنفضوا إليها وتركرك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين قال مقاتل إن دحية بن خليفة الكلى أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان معه من أنواع التجارة ، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق: وكان ذلك فى يوم الجمعة والنبى صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب تخرج إليه الناس وتر كوا النبى صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا اثنا عشر رجلا أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين ، فقال عليه السلام لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة ، ونزلت الآية: وكان من الذين معه أبو بكر وعمر . وقال الحسن أصاب أهل المدينة جوع وغلاء ١١ قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انقضوا إليها . سورة الجمعة . سعر فقدمت غير والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لو اتبع آخرهم أولهم لا لتهب الوادى عليهم ناراً، قال قتادة فعلوا ذلك ثلاث مرات، وقوله تعالى (أو لهواً) وهو الطبل، وكانوا إذا أنكحوا الجوارى يضربون المزامير، فروا يضربون، فتركوا النبى صلى الله عليه وسلم، وقوله ( انفضوا إليها ) أى تفرقوا وقال المبرد: مالوا إليها وعدلوا نحوها ، والضمير فى إليها للتجارة، وقال الزجاج : انفضوا إليه وإليها، ومعناهما واحد كقوله تعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة) واعتبرهنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم، وقوله تعالى (وتركوك قائماً) انفقوا على أن هذا القيام كان فى الخطبة للجمعة قال جابر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخطبة إلا وهو قائم، وسئل عبد الله أكان التى يخطب قائماً أو قاعداً فقرأ (وتر كوك قائماً) وقوله تعالى (قل ما عند الله خير) أى ثواب الصلاة والثبات مع النبى صلى الله عليه وسلم ( خير من اللهو ومن التجارة ) من اللهو الذى مر ذكره، والتجارة التى جاء بهادحية، وقوله تعالى (والله خير الرازقين) هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين ، والمعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين ، وقيل لفظ الرأزق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز ، ولا يرتاب فى أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز ، وفى الآية مباجث : ﴿ البحث الأول ) أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلا، ولو كان كذلك كيف يصح (وإذا رأوا تجارة أو لهواً)؟ نقول ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، ومثله حتى يسمع كلام الله، إذ الكلام غير مسموع، بل المسموع صوت يدل عليه . ﴿ الثانى) كيف قال (انفضوا إليها) وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه، وقال صاحب الكشاف تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه تحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه . ﴿ الثالث) أن قوله تعالى (والله خير الرازقين) مناسب للتجارة التى مر ذكرها لا للهو، نقول بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذى مرذكره كالتبع للتجارة ، لما أنهم أظهروا ذلك فرحاً بوجود التجارة كمامر، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآ له وصحبه أجمعين . ١ ١٢ سورة المنافقون (٦٣) سُورَة المَنَافِقِونَ مَانِيَّة وآياتها أخْرَى عَشَرَة إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ فَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ تَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَئِذِبُونَ بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وجه تعلق هذه السورة بما قبلها ، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر من كان يكذبه قلباً ولساناً بضرب المثل كما قال (مثل الذين حملوا التوراة) وهذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلباً دون اللسان ويصدقه لساناً دون القلب، وأما الأول بالآخر ، فذلك أن فى آخر تلك السورة تنبيهاً لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته فى الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين ، والمنافقون م الكاذبون ، كما قال فى أول هذه السورة (إذا جاءك المنافقون) يعنى عبد الله بن أى وأصحابه ( قالوا نشهد إنك لرسول اللّه) وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال ( والله يعلم إنك لرسوله) أى أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله (والله يشهد أنهم) أضمروا غير ما أظهروا، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب ، وحقيقة كل كلام كذلك ، فإن من أخبر عن شىء واعتقد بخلافه فهو كاذب ، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظى والوجود الذهنى ، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهنى ، والوجود الخارجى ، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله، وسماهم الله كاذبين لما أن قولهم: يخالف اعتقادهم، وقال: قوم لم يكذبهم الله تعالى فى قولهم: (نشهد إنك لرسول الله) إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم فى قوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا) الآية. و(يحلفون بالله إنهم لمنكم) وجواب إذا ( قالوا نشهد) أى أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة ، فهم كاذبون فى تلك الشهادة، لما من أن قولهم يخالف اعتقادهم، وفى الآية مباحث: ١٣ قوله تعالى : اتخذوا ايمانهم جنة . سورة المنافقون . ٠٠٠٠٠٤٠١٠١٠٠ ٢ أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَّلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَ كَفَرُواْ قَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَّهُونَ. ﴿البحث الأول) أنهم قالوا نشهد إنك لرسول اللّه، فلو قالوا نعلم إنك لرسول الله، أفاد مثل ما أفاد هذا، أم لا؟ نقول ما أفاد، لأن قولهم: نشهد إنك لرسول الله، صريح فى الشهادة على إثبات الرسالة ، وقولهم : نعلم ليس بصريح فى إثبات العلم، لما أن علمهم فى الغيب عند غير م . ثم قال تعالى ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك ٠ بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ قوله (اتخذوا أيمانهم جنة) أى ستراً ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم من القتل. قال فى الكشاف (اتخذوا أيمانهم جنة) يجوز أن يراد أن قولهم (نشهد أنك لرسول الله) يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأن الشهادة تجرى مجرى الحلف فى التأكيد، قول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله فى موضع أقسم وأولى: وبه استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين، ويجوز أن يكون وصفاً للمنافقين فى استخفافهم بالإيمان، فإن قيل لم قالوا نشهد، ولم يقولوا نشهد بالله كما قلتم ؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه فى معنى الحلف من المؤمن وهو فى المتعارف إنما يكون بالله، فلذلك أخبر بقوله نشهد عن قوله بالله . وقوله تعالى ( فصدوا عن سبيل الله) أى أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله، وقيل صدوا، أى صرفوا ومنعوا الضعفة عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم (سام) أى بؤس (ما كانوا يعملون) حيث آثروا الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين . وقوله تعالى ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا﴾ ذلك إشارة إلى قوله (ساء ما كانوا يعملون) قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا فى الظاهر ، ثم كفروا فى السر، وفيه تأكيد لقوله (والله يشهد إنهم الكاذبون) وقوله ( فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) لا يتدبرون ، ولا يستدلون بالدلائل الظاهرة. قال ابن عباس : ختم على قلوبهم ، وقال مقاتل : طبع على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون القرآن ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إنهم كانوا يظنون أنهم على الحق ، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم، ثم فى الآية مباحث: ﴿البحث الأول ) أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل ، ولم يقل إنهم ساءماكانوا يعملون، فلم قال هنا؟ نقول إن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التى جعلوها جنة، أى سترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون كمامر . ١٤ قوله تعالى : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . سورة المنافقون . وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ نَسْمَعْ لِقَوْهِمْ كَنَّهُمْ ◌ُبٌ مُسَنَّكَةً بَحْسَبُونَ كُلَّ صَبْعَةٍ عَلَيْهِمَّ هُمُ الْعَدُوْ فَاحْذَرْهُمْ قَدْتَهُمُ اللَّ أَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِلَوَّوَأْ رُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (*) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ج ﴿ الثانى) المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله تعالى (آمنوا ثم كفروا) ؟ نقول قال فى الكشاف ثلاثة أوجه (أحدها) (آمنوا) نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل فى الإسلام (ثم كفروا) ثم ظهر كفرثم بعد ذلك (وثانيها) (آمنوا) نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ( ثم كفروا) نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ( وثالثها) أن يراد أهل الذمة منهم. ﴿ الثالث﴾ الطبع على القلوب لا يكون إلا من اللّه تعالى، ولما طبع الله على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل ، ولو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على الله تعالى، فيقولون إعراضنا عن الحق لغفلتنا، وغفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا، فنقول هذا الطبع من الله تعالى لسوء أفعالهم، وقصدهم الإعراض عن الحق، فكأنه تعالى تركهم فى أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة . قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى ؤفكون، وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون، سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين ﴾ . اعلم أن قوله تعالى (وإذا رأيتهم) يعنى عبد الله بن أبى، ومغيث بن قيس، وجد بن قيس ، كانت لهم أجسام ومنظر، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبى جسيما صبيحاً فصيحاً، وإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وهو قوله تعالى ( وإن يقولوا تسمع لقولهم) أى وبقولوا إنك لرسول اللّه تسمع لقولهم، وقرى. يسمع على البناء للمفعول، ثم شبههم بالخشب المسندة، وفى الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد ، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر ، وخشبة قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم . سورة المنافقون . ١٥ وخشب ، ومدرة ومدر. وهى قراءة ابن عباس، والتثقيل لغة أهل الحجاز، والخشب لا تعقل ولا تفهم ، فكذلك أهل النفاق كانهم فى ترك التفهم ، والاستبصار بمنزلة الخشب . وأما المسندة يقال سند إلى الشىء، أى مال إليه، وأسنده إلى الشىء، أى أماله فهو مسند، والتشديد للمبالغة، وإنما وصف الخشب بها، لأنها تشبه الأشجار القائمة التى تنمو وتثمر بوجه ما، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به ، فقال ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو) وقال مقاتل : إذا نادى مناد فى العسكر ، وأنفلتت دابة ، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما فى قلوبهم من الرعب ، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة، ثم أعلم [ اللّه] رسوله بعداوتهم فقال: (هم العدو فاحذرهم) أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون فى العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى (قاتلهم الله أنى يؤفكون) مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك، و(أنى يؤفكون) أى يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم وظهم الفاسد أنهم على الحق . وقوله تعالى ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه) قاله الكلى لما نزل القرآن على الرسول والتع بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأنوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسالوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا فی الاستغفارفىزلت ، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبی من أحد بکثیرمن الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه لو أتيت رسول صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لى، وجعل يلوى رأسه فنزلت. وعند الأكثرين، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال (ليخرجن الأعز منها الأذل) وقال (لا تنفقوا على من عند رسول اللّه) فقيل له: تعال يستغفر لك رسول الله فقال: ماذا قلت فذلك قوله تعالى (لووا رءوسهم) وقرى. (لووا) بالتخفيف والتشديد الكثرة والكناية قد تجعل جمعاً والمقصود واحد وهو كثير فى أشعار العرب قال جرير : لا بارك الله فیمنکان یحسبکم إلا علی العهد حتی کان ما كانا وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) أى عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال ( سواء عليهم أستغفرت لهم) قال قتادة نزلت هذه الآية بعد قوله (استغفر لهم أولا تستغفر لهم) وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خير نى ربى فلأزيدنهم على السبعين)) فأنزل الله تعالى ( لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين ) قال ابن عباس المنافقين، وقال قوم فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراءهداية البيان، وهى خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك ، وقيل معناه لا يهديهم الفسقهم وقالت المعتزلة لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفى الآية مباحث : ١٦ قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا . سورة المنافقون . هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ الَِّ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَلِلّهِ تَحْزَآَبِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٣) يَقُولُونَ لَيِنِ رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَّ مِنْهَا الْأَذَلِّ وَبِّ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ﴿ البحث الأول ) لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد فى الغير ( الأولى ) قال فى الكشاف: شبهوا فى استنادهم وماهم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان فى سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به فى عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها فى حسن صورهم، وقلة جداوهم (الثانية) الخشب المسندة فى الأصل كانت غصناً طرياً يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها، ثم تصير غليظة يابسة، والكافر والمنافق كذلك كان فى الأصل صالحاً لكذا وكذا، ثم يخرج عن تلك الصلاحية ( الثالثة) الكفرة من جنس الإنس حطب ، كما قال تعالى ( حصب جهنم أنتم لها واردون) والخشب المسندة حطب أيضاً ( الرابعة ) أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، والآخر إلى جهة أخرى، والمنافقون كذلك ، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام (الخامسة ) المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات ، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك، وإذا كانوا من المشركين إذهو الأصنام ، إنها من الجمادات أو النباتات. ﴿الثانى) من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة، ثم قال من بعد ما ينافى هذا التشبيه وهو قوله تعالى ( بحسبون كل صيحة عليهم هم العدو) والخشب المسندة لا يحسبون أصلا، نقول لا يلزم أن يكون المشبه، والمشبه به يشتركان فى جميع الأوصاف، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها . ﴿ الثالث﴾ قال تعالى ( إن الله لا يهدى القوم الفاسقين) ولم يقل القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره ؟ نقول كل أحد من تلك الأقرام داخل تحت قوله (الفاسقين ) أى الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون. ثم قال تعالى ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ، يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ١٧ قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا . سورة المنافقون . وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ منها الأدل ولله العزة ولرسوله والمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾ . أخبر اللّه تعالى بشنيع مقالتهم فقال (هم الذين يقولون) كذا وكذا (وينفضوا) أى يتفرقوا، وقرى. (ينفضوا) من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم. قال المفسرون: اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله ابن أبى فى بعض الغزوات فأسمع أجبر عمر عبد الله بن أبى المكروه واشتد عليه لسانه، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل، يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعنى المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلاد كم الاتنفقوا عليهم حتى ينفضوا من جول محمد فنزلت، وقرى. ( ليخرجن) بفتح الياء، وقرأ الحسن وابن أبى عيلة (لنخرجن) بالنون ونصب الأعز والأذل، وقوله تعالى ( ولله خزان السموات والأرض) قال مقاتل يعنى مفاتيح الرزق والمطر والنبات، والمعنى أن الله هو الرزاق (قل من يرزقكم من السماء والأرض) وقال أهل المعانى خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء ما يريد إخراجه، وقال الجنيد: خزائن الله تعالى فى السموات الغيوب وفى الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب، وقوله تعالى ( ولكن المنافقين لا يفقهرون) أى لا يفقهون أن (أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) وقوله يقولون ( لئن رجعنا) أى من تلك الغزوة وهى غزوة فى المصطلق إلى المدينة فرد اللّه تعالى عليه وقال (ولله العزة) أى الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وايده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولوعلموه ما قالوا مقالهم هذه، قال صاحب الكشاف (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين، وعن بعض الصالحات وكانت فى هيئة رئة ألست على الإسلام وهو العز الذى لاذل معه، والغنى الذى لا فقر معه، وعن الحسن بن على رضى الله عنهما أن رجلا قال له إن الناس بزعمون أن فيك تيهاً قال ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذى لاذل معه والغتى الذى لا فقر معه، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين فى تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان محقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر، قال تعالى (ذلكم بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق ، وفيه إشارة الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٢ ١٨ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم . سورة المنافقون . وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُ كُمْ عَنْ ذِكْرِاللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْخَسِرُونَ ﴾ وَأَنِقُواْ مِن ◌َّارَزَقْنَكُم مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىّ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ ◌َوْلَا أَنَّرْتَنِّيَّ إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿ وَلَنْ يُؤَنَّ اللّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللّه ◌َخَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ خفية لإثبات العزة بالحق ، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر، فإن قيل: قال فى الآية الأولى (لا يفقهون) وفى الآخرى (لا يعلمون) فما الحكمة فيه؟ فنقول: ليعلم بالأول فلة كياستهم وفهمهم ، وبالثانى كثرة حماقتهم وجهلهم، ولا يفقهون من فقه يفقه، كعلم يعلم، ومن فقه يفقه: كعظم يعظم، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثانى لا بالتكلف ، فالأول علاجى، والثانى مزاجى. ثم قال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، وأنفقوامما رزقنا كم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخر تنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاءأجلها والله خبير بماتعملون} ( لاتلهكم) لا تشغلكم كما شغلت المنافقين، وقد اختلف المفسرون منهم من قال: نزلتفىحق المنافقين، ومنهم من قال فى حق المؤمنين ، وقوله ( عن ذكر الله) عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة الله تعالى وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وعند مقاتل: هذه الآية وما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفرو بالإيمان ( ومن يفعل ذلك ) أى ألهاه ماله وولده عن ذكر الله (فأولئك هم الخاسرون ) أى فى تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقى بالخسيس الفانى وقيل هم الخاسرون فى إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث. وقال الكلى الجهاد ، وقيل هو القرآن وقيل هو النظر فى القرآن والتفكر والتأمل فيه (وأنفقوا ما رزقناكم) قال ابن عباس يريد زكاة المال ومن للنبعيض، وقيل المراد هو الإنفاق الواجب (من قبل أن يأتى أحدكم الموت) أى دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله (رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب) وقيل حضهم على إدامة الذكر، وأن لايضنوا بالأموال، أى هلا أمهلتنى وأخرت أجلى إلى زمان قليل، وهو الزيادة فى أجله حتى يتصدق وينزكى وهو ١٩ قوله تعالى : ولن يؤخر الله نفساً . سورة المنافقون . قوله تعالى ( فأصدق وأكز من الصالحين ) قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة . وقال الضحاك لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية، وقال صاحب الكشاف من قبل أن يعاين ما بيأس معه من الإسهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الانفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنا.له على فقد ما كان متمكناً منه، وعن ابن عباس تصدفوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله ( وأكن من الصالحين) قال ابن عباس أحج وقرى. فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون ، قال المبرد وأكون على ما قبله لأن قوله ( فأصدق) جواب للاستفهام الذى فيه التمنى والجزم على موضع الفاء، وقرأ أبى أتصدق على الأصل وأكن عطفاً على موضع فاصدق: وأنشد سيبويه أبياتاً كثيرة فى الحمل على الموضع منها : [ معاوى إننا بشر فأسمح] فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد عطفاً على المحل والباء فى قوله : بالجبال ، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبى سلمى : بدالى أنى لست مدرك ماضى ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق، عطفاً على المفهوم، وأما قراءة أبى عمرو (وأكون) فإنه حمله على اللفظ دون المعنى ، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال ( وان يؤخر الله نفساً) يعنى عن الموت إذا جاء أجلها ، قال فى الكشاف هذا نفى للتأخير على وجه التأكيد الذى معناه منافاة المنفى، وبالجملة فقوله (لا تلهكم أموالكم ولا أولاد كم) تنبيه على الذكر قبل الموت (وأنفقوا مما رزقنا كم) تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى ( والله خبير بما تعلمون) أى لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج ، ويكون هذا كقوله (ولو ردو العادوا لمانهوا عنه) والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيراً أو شراً وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله ( ولن يؤخر الله نفساً) لأن النفس وإن كان واحداً فى اللفظ ، فالمراد به الكثير حمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ٢٠ سورة التغابن (٦٤) سورة التغابُرُ مَدِنِّة وَأياتها شها نى عَشَرَة بِسْـ يُسَبِّحُ لِلِّمَا فِ السَّمَنَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما فى السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ﴾ وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضاً تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سراً وعلانية، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى ( يعلم مافى السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور) وأما الأول بالآخر فلأن فى آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كمامر، وفى أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر، قلنا من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائما، وهم الذين يسبحون، كما قال تعالى ( يسبح لله ما فى السموات فى الأرض)، وقوله تعالى ( له الملك وله الحمد) معناه إذا سبح لله ما فى السموات وما فى الأرض فله الملك وله الحمد، ولما كان له الملك فهو متصرف فى ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال ( والله على كل شىء قدير ) وقال فى الكشاف قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى وذلك لأن الملك فى الحقيقة له لأنه مبدى. لكل شىء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه ، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده، وقوله تعالى (وهو على كل شيء قدير) قيل معناه وهو على كل شىء أراده قدير ، وقيل قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك، وفى الآية مباحث : ﴿الأول) أنه تعالى قال فى الحديد (سبح) والحشر والصف كذلك، وفى الجمعة والتغابن ( يسبح لله) فما الحكمة فيه؟ نقول الجواب عنه قد تقدم. ﴿ البحث الثانى) قال فى موضع ( سبح لله ما فى السموات وما فى الأرض) وفى موضع