النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
قوله تعالى : وقذف في قلوبهم الرعب . سورة الحشر .
وَقَذَفَ فِ قُوِهِمُ الرَّعْبَ يُخْرِبُونَ بُوْتَهُمُ بِأَيْدِيِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ
المسألة الثانية) قوله (فأتاهم الله) لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل
على باب التأويل مفتوح، وأن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز .
المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف: قرى. (فآتاهم الله) أى فآتاهم الهلاك، واعلم
أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل، لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى ، فإنها
ثابتة بالتواتر ، ومتى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها ، بل لابد فيها من التأويل.
قوله تعالى ﴿وقذف فى قلوبهم الرعب﴾ قال أهل اللغة: الرعب، الخوف الذى يستوعب الصدر،
أى يماؤه، وقذفه إثباته فيه ، وفيه قالوا فى صفة الأسد: مقذف، كانما قذف باللحم قذفاً لا كتنازه
وتداخل أجزائه، واعلم أن هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها لله، وذلك لأن الآية
دلت على أن وقوع ذلك الرعب فى قلوبهم كان من اللّه ودلت على أن ذلك الرعب صار سببا فى
إقدامهم على بعض الأفعال ، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة فى القلب ،
وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى اللّه بهذا الطريق.
قوله تعالى : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال أبو على: قرأ أبو عمرو وحده ( يخربون) مشددة، وقرأ الباقون
(يخربون) خفيفة، وكان أبو عمرو يقول: الإخراب أن يترك الشى. خراباً والتخريب الهدم، وبنو
النضير خربوا وما أخربوا قال المبرد : ولا أعلم لهذا وجهاً، ويخربون هو الأصل خرب المنزل،
وأخربه صاحبه، كقوله: علم وأعلمه، وقام وأقامه ، فإذا قلب يخربون من التخريب، فإنما هو
تكثير، لأنه ذكر بيوتاً تصلح القليل والكثير، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان فى الكلام ، فيجرى
كل واحد مجرى الآخر ، نحو فرحته وأفرحته، وحسنه الله وأحسنه، وقال الأعشى:
( وأخربت من أرض قوم دياراً ))
وقال الفراء: يخربون بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخربون منها ويتركونها .
﴿ المسألة الثانية ﴾ ذکر المفسرون فی بیان أنهم کیف کانوا ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأیدی
المؤمنين) وجوهاً (أحدها) أنهم لمنا أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم
ومنازلهم، لتجعلوا يخربونها من داخل ، والمسلمون من خارج (وثانيها) قال مقاتل: إن المنافقين
دسوا إليهم أن لا يخرجوا، ودربوا على الأزقة وحصرها ، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون
على أبواب الأزقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب (وثالثها) أن المسلمين إذا ظهروا على
درب من دروبهم خربوه ، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم ، وينقبونها من أدبارها
(ورابعها ) أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد ، واليهود لما أيقنوا بالجلاء ، وكانوا ينظرون
٢٨٢
قوله تعالى : فاعتبروا يا أولى الأبصار . سورة الحشر .
فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ
إلى الخشبة فى منازلهم ما يستحنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها ويجعلونها على الإبل،
فإن قيل مامعنى تخريهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلنا قال الزجاج : لما عرضوم لذلك وكانوا السبب:
فيه فكانهم أمروهم به وكلفوه إياهم .
قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار
أعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية فى كتاب المحصول من أصول الفقه على أن القياس حجة فلا.
نذكره ههما، إلا أنه لابد ههنا من بيان الوجه الذى أمر الله فيه بالاعتبار ، وفيه احتمالات
(أحدها) أنهم اعتمدوا على حصونهم ، وعلى قوتهم وشوكتهم ، فأباد الله شو كتهم وأزال
قوتهم ، ثم قال (فاعتبروا يا أولى الأبصار) ولا تعتمدوا على شىء غير الله، فليس الزاهد أن.
يتعمد على زهده، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، وليس للعالم أن يعتمد على علمه ،
أنظر إلى ابن الراوندى مع كثرة مارسته كيف صار ، بل لا اعتماد لأحد فى شىء إلا على فضل.
الله ورحمته ( وثانيها ) قال القاضى: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن فى
النبوة ، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر، والكفر فى البلاء والجلاء، والمؤمنون أيضاً
يعتبرون به فيعدلون عن المعاصى .
﴿فإن قيل ) هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا إنهم غدروا وكفروا فعذبوا، وكان السبب فى:
ذلك العذاب هو الكفر والغدر ، إلا أن هذا القول فاسد طرداً وعكساً ، أما الطرد فلأنه رب
شخص غدر وكفر، وما عذب فى الدنيا. وأما العكس فلأن أمثال هذه المحن ، بل أشد منها وقعت:
للرسول عليه السلام ولأصحابه، ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم، وإذا فسدت هذه العلة
فقد بطل هذا الاعتبار ، وأيضاً فالحكم الثالث فى الأصل هو أنهم (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى)
المؤمنين ) وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم فی کل من غدر و کفر أن يخرب بيته بيده وبأیدی
المسلمين، ومعلوم أن هذا لا يصلح، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح (والجواب) أن الحكم
الثابت فى الأصل له ثلاث مراتب (أولها) كونه تخريباً للبيت بأيديهم وأيدى المؤمنين ( وثانيها)
وهو أعم من الأول، كونه عذاباً فى الدنيا ( وثالثها) وهو أعم من الثانى ، كونه مطلق العذاب ،
والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب ، فأما خصوص كونه تخريباً أو قتلا
فى الدنيا أو فى الآخرة فذاك عديم الأثر، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا،
وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان فى الدنيا أو فى الآخرة ! والغدر والكفر
يناسبان العذاب ، فعلمنا أن الكفر والغدرهما السببان فى العذاب ، فأينما حصلا حصل العذاب
٢٨٣
قوله تعالى : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء . سورة الحشر .
وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَيْهِمُ الْخَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ اٌلَّنْيَا وَلَهُمْ فِ آَخِرَةِ عَذَابُ
النَّارِ يُ ذَلِكَ بِنَّهُمْ شَآتُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَآَقِّ اللهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
من غير بيان أن ذلك العذاب فى الدنيا أو فى الآخرة ، ومتى قررنا القياس والاعتبار على هذا
الوجه زالت المطاعن والنقوض وتم القياس على الوجه الصحيح .
﴿ المسألة الثانية﴾ الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شىء إلى شىء، ولهذا سميت
العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمى المعبر معبراً لأن به تحصل المجاوزة ، وسمى العلم
الخصوص بالتعبير، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات ، لأنها
تنقل المعانى من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل عقله
من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ولهذا قال المفسرون : الاعتبار هو النظر فى حقائق الأشياء
وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شىء آخر من جنسها، وفى قوله ( يا أولى الأبصار) وجهان
(الأول ) قال ابن عباس: يريد يا أهل الب والعقل والبصائر ( والثانىم قال الفراء (يا أولى
الأبصار) يا من عاين تلك الواقعة المذكورة .
قوله تعالى : ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب النار﴾
معنى الجلاء فى اللغة، الخروج من الوطن والتحول عنه، فإن قيل أن (لولا) تفيد انتفاء الشىء لثبوت
غيره فيلزم من ثبوت الجلاء عدم التعذيب فى الدنيا ، لكن الجلاء نوع من أنواع التعذيب ، فإذاً
يلزم من ثبوت الجلاء عدمه وهو محال ، قلنا معناه: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا
بالقتل كما فعل بإخوانهم بنى قريظة، وأما قوله ( ولهم فى الآخرة عذاب النار) فهو كلام مبتدأ
وغير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم أن لا يوجد لما بينا ، أن لولا تقتضى
انتفاء الجزاء لحصول الشرط .
أما قوله تعالى ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ فهو يقتضى أن علة ذلك التخريب هو
مشاقة الله ورسوله، فإن قيل لو كانت المثافة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال: أينما حصلت هذه
المشاقة حصل التخريب، ومعلوم أنه ليس كذلك، قلنا هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة
المنصوصة لا يقدح فى محتها.
ثم قال ﴿ ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾ والمقصود منه الزجر.
٢٨٤
قوله تعالى : ما قطعتم من لينه أو تركتموها . سورة الحشر .
مَا قَطَعْتُم مِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَكْتُمُوهَا قَائِمَةٌ عَلَىْ أَصُوِهَا فَبِإِذْنِ الَِّ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ
وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَآَ أَوْ حَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ
قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين
فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ (من لينة) بيان لما قطعتم، ومحل ما نصب بقطعتم، كأنه قال: أى شى.
قطعتم ، وأنث الضمير الراجع إلى ما فى قوله (أو تركتموها) لأنه فى معنى اللينة.
المسألة الثانية﴾ قال أبو عبيدة: اللينة النخلة ما لم تكن عجوة أو برنية، وأصل لينة لونة،
فذهبت الواو لكسرة اللام، وجمعها ألوان ، وهى النخل كله سوى البرفى والعجرة ، وقال بعضهم:
اللينة النخلة الكريمة ، كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين، فإن قيل لم خصت اللينة بالقطع ؟ قلنا
إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون
غيظ اليهود أشد .
المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف: قرى. قوماً على أصلها ، وفيه وجهان ( أحدهما)
أنه جمع أصل كرهن ورهن، واكتفى فيه بالضمة عن الواو، وقرى. قائماً على أصوله، ذهاباً إلى
لفظ ما، وقوله ( فإذن الله) أى قطعها بإذن الله وبأمره (وليخزى الفاسقين) أى ولأجل إخرا.
الفاسقين ، أى اليهود أذن الله فى قطعها .
المسألة الرابعة ) روى أنه عليه الصلاة والسلام حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق، قالوا
يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فى الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ وكان فى أنفس المؤمنين
من ذلك شىء ، فنزلت هذه الآية، والمعنى أن الله إنما أذن فى ذلك حتى يزداد غيظ الكفار،
وتتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم فى أعز أموالهم.
المسألة الخامسة ﴾ احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم لا بأس أن
تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة،
وعن ابن مسعود قطعوا منها ما كان موضعاً القتال .
﴿ المسألة السادسة) روى أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسأما
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار،"
فاستدلوا به على جواز الاجتهاد ، وعلى جوازه بحضرة الرسول .
قوله تعالى : ﴿ ما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله
٠
٢٨٥
قوله تعالى : وما أفاء الله على رسوله . سورة الحشر .
اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ, عَ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلٍ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
يُسلط رسله على من يشاء والله على كل شىء قدير﴾ قال المبرد: يقال فاء يفى إذا رجع، وأنا.ه الله
إذا رده، وقال الأزهرى: الفيء ما رده الله على أهل دينه، من أموال من خالف أهل دينه بلاقتال،
إما بأن يحلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو بصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم ، أو
مال غير الجزية يفتدون به من سفك دماتهم ، كما فعله بنو النضير حين صالحو رسول الله صلى الله
عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير ما شاءوا سوى السلاح ، ويتركوا الباقى ، فهذا المالى
هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أى رده من الكفار إلى المسلمين، وقوله ( منهم) أى من
يهود بنى النضير، وقوله (فما أو جفتم) يقال وجف الفرس والبعير. يجف وجفاً ووجيفاً، وهو
سرعة السير ، وأوجفه صاحبه، إذا حمله على السير السريع، وقوله (عليه ) أى على ما أفاء الله ،
وقوله ( من خيل ولا ركاب ) الركاب ما يركب من الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من
لفظها، والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً،
ومعنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم الفى بينهم كما قسم
الغنيمة بينهم ، فذكر الله الفرق بين الأمرين، وهو أن الغنيمة ما أنعبتم أنفسكم فى تحصيلها وأوجفتم
عليها الخيل والركاب . بخلاف الفى. فإنكم ما تحملتم فى تحصيله تعباً، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى
الرسول يضعه حيث يشاء .
﴿ ثم ههنا سؤال) وهو أن أموال بنى النضير أخذت بعد القتالى لأنهم حوعروا أياماً ،
وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء . فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة
الفيء، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون ههنا وجهين (الأول) أن هذه الآية ما نزلت فى قرى
بنى النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل والركاب وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون
بل هو فى فدك ، وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال فى يد الرسول
عليه السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله ،
ويجعل الباقى فى السلاح والكراع، فلما مات ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا ، فقال
أبو بكر: أنت أعز الناس على فقراً، وأحبهم إلى غنى، لكنى لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز أن
أحكم بذلك ، فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول عليه السلام، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذى يجوز
قبول شهادته فى الشرع فلم يكن، فأخرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم
ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول ، ويجعل ما يبقى فى السلاح والكراع، وكذلك عمر جعله فى
يد على ليجريه على هذا المجرى، ورد ذلك فى آخر عهد عمر إلى عمر، وقال إن بنا غنى وبالمسلمين
حاجة إليه، وكان عثمان رضى الله عنه يجريه كذلك، ثم صار إلى على فكان يجريه هذا المجرى
٢٨٦
قوله تعالى : وما أفاء الله على رسوله . سورة الحشر .
مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَيْهِ وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَشَدَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِمِنْكُمْ وَمَاءَ اتَكُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَانَهَكُرْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
فالأئمة الأربعة اتفقوا على ذلك ( والقول الثانى ) أن هذه الآية نزلت فى بنى النضير وقراهم ،
وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب ، ولم يقطعوا اليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين
من المدينة فشوا إليها مشياً، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راكب جمل ، فلما
كانت المقاتلة قليلة والخيل والركب غير حاصل ، أجراه الله تعالى مجرى مالم يحصل فيه المقاتلة أصلا
شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال، ثم روى أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط
الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصفة.
ثم إنه تعالى ذكر حكم الفى. فقال ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الله والرسول
ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم
الرسول :فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ).
قال صاحب الكشاف : لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيأن للأولى فهى منها وغير
أجنبية عنها ، واعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ( ولذى القربى) بنو هاشم وبنو المطلب.
قال الواحدى كان الفيء فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقسوماً على خمسة أسهم أربعة
منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان الخمس الباقى يقسم على خمسة أسهم ، سهم منها
لرسول الله أيضاً، والأسهم الأربعة لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد
وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فالشافعى فيما كان من الفيء لرسول اللّه قولان (أحدهما)
أنه للمجاهدين المرصدين للقتال فى الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله فى رباط الثغور (والقول
الثانى) أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر، يبدأ بالأم
فالأهم، هذا فى الأربعة أخماس التى كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما السهم الذى كان
له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف، وقوله تعالى ( كى لا يكون دولة بين الأغنياء
منكم) فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال المبرد: الدولة اسم للشىء الذى يتداوله القوم بينهم يكون كذا مرة
وكذامرة ، والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، فالدولة بالضم اسم ما يتداول،
وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل فى الحالة السارة التى تحدث للانسان، فيقال هذه دولة فلان
٢٨٧
قوله تعالى : للفقراء المهاجرين . سورة الحشر .
لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أَنْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ الِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهٍُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ
تَبَّهُ وَالدَّارَ وَاَلْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
أى تداوله ، فالذولة اسم لما يتداول من المال ، والدولة اسم لما ينتقل من الحال، ومعنى الآية
كى لا يكون الفيء الذى حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعاً فى يد الأغنياء
ودولة لهم .
﴿ المسألة الثانية) قرى .: دولة ودولة بفتح الدال وضمها، وقرأ أبو جعفر: دولة مرفوعة
الدال والهاء ، قال أبو الفتح: يكون ههنا هى التامة كقوله (وإن كان ذو عسرة فنظرة) يعنى
كى لا يقع دولة جاهلية، ثم قال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا) يعنى
ما أعطا كم الرسول من الفى. نفذوه فهو لكم حلال ومانها كم عن أخذه فانتهوا ( واتقوا الله) فى أمر
الفيء ( إن الله شديد العقاب) على مانها كم عنه الرسول، والأجود أن تكون هذه الآية عامة فى كل
ما آتى رسول الله ونهى عنه وأمر الفى. داخل فى عمومه.
قوله تعالى: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله
ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون
اعلم أن هذا بدل من قوله ( ولذى القربى والتيامى والمساكين وابن السبيل) كأنه قيل أعنى
بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا ، ثم إنه تعالى وصفهم
بأمور: (أولها) أنهم فقراء ( وثانيها) أنهم مها جرون (وثالثها) أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم
يعنى أن كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم (ورابعها) أنهم يبتغون فضلا من
الله ورضواناً، والمراد بالفضل ثواب الجنة وبالرضوان قوله ( ورضوان من الله أكبر)
(وخامسها) قوله (وينصرون الله ورسوله) أى بأنفسهم وأموالهم (وسادسها) قوله (أولئك
هم الصاقون) يعنى أنهم لما هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم فى دينهم،
وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبى بكر رضى الله عنه، فقال هؤلاء الفقراء من المهاجرين
والأنصار كانوا يقولون لأبى بكر ياخليفة رسول الله، والله يشهد على كونهم صادقين، فوجب أن
يكونوا صادقين فى قولهم ياخليفة رسول الله، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته ،
ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفى. إذ للمهاجرين دونهم فقال:
{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم
٢٨٨
قوله تعالى : والذين تبوؤا الدار . سورة الحشر .
صُدُوِهِمْ حَاجَةٌ فِيََّ أُوتُواْ وَيُؤْثُونَ عَ أَنْفُسِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ
◌ُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (
حاجة ما أوتو ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون) والمراد من الدار المدينة وهى دار الهجرة تبوأما الأنصار قبل المهاجرين وتقدير الآية:
والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم (فإن قيل) فى الآية سؤالان (أحدهما) أنه لا يقال
تبوأ الإيمان (والثانى) بتقدير أن يقال ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين
(والجواب) عن الأول من وجوه (أحدها) تبومرا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله:
ولقد رأيتك فى الوغى متقلداً سيفاً ورغما
(وثانيها) جعلوا الإيمان مستقراً ووظنالهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما أنهم لما
سألوا سلمان عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام (وثالثها) أنه سمى المدينة بالإيمان ، لأن فيها ظهر
الإيمان وقوى (والجواب) عن السؤال الثانى من وجهين (الأول) أن الكلام على التقديم
والتأخير ، والتقدير: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان (والثانى) أنه على تقدير حذف
المضاف والتقدير: تبوموا الدار والإيمان من قبل مجرتهم ، ثم قال (ولا يجدون فى صدورهم
حاجة مما أوتوا) وقال الحسن: أى حسداً وحرارة وغيظاً،ما أو فى المهاجرون من دونهم، وأطلق
لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحرارة، لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم
اللام على الملزوم على سبيل الكناية ، ثم قال (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
مقال آثره بكذا إذا خصه به، ومفعول الإيثار محذوف، والتقدير: ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم
على أنفسهم. عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الأنصار ((إن شئتم قسمتم للمهاجر بن من
دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لحم وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم
وأموالكم. فقالوا لابل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم فى الغنيمة)) فأنزل الله تعالى
(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، ولكنه
عن حاجة وخصاصة وهى الفقر، وأصلها من الخصاص وهى الفرج ، وكل خرق فى منخل أو
باب أو حاب أو برقع فهى خصاص، الواحد خصاصة، وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار
للضيف بالطعام وتعلهم عنه حتى يشبع الضيف ، ثم ذكروا أن الآية نزلت فى ذلك الإيثار)،
والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين، بالفى. ، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيئات،
ثم قال ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الشح بالضم والكسر، وقد قرى. بهما.
واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع ، والشح هو الحالة النفسانية التى
٢٨٩
قوله تعالى : والذين جاؤا من بعدهم . سورة الحشر .
وَالَّذِينَ جَاءُ ومِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَ بِلْإِنِ
وَلا ◌َجْعَلْ فِ قُوِنَا غِِّينَءَ امَنُوْ رَبََّآ إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمُ ( أَلَمْ فَ إِلَى الَّذِينَ
نَافَقُوْ يَقُولُونَ لِإِنْخَوِمُ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَبِنْ أُتْرِجُمْ لَنَخْرُجَنَّ
مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنصُرَتَّكُمْ وَلَّهُ يَشْهُ إنّهُمْ لَكَذِبُونَ
تقتضى ذلك المنع ، فلما كان الشح من صفات النفس ، لاجرم قال تعالى ( ومن يوق شح نفسه
فأولئك هم المفلحون) الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم
يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وفى شح نفسه.
قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان
ولا تجعل فى قلوبنا غلا الذين آمنوا ربنا إنك ر.وف رحيم ﴾ .
اعلم أن قوله (والذين جاءوا من بعدهم) عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا
من بعد ، وقيل التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ،
وذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ، وهو قوله ( يقولون ربنا اغفر لنا
ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا الذين آمنوا) أى غشاً وحداً وبغضاً.
واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين
جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين
وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجاً من جملة
أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية .
قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن
أخر جتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلم لتنصرفكم والله يشهد إنهم لكاذبون﴾
قال المقاتلان: يعنى عبد الله بن أبى، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوامن الأنصار، ولكنهم
نافقوا يقولون لإخوانهم، وهذه الإخوة تحتمل وجوهاً (أحدها) الإخوة فى الكفر لأن اليهود
والمنافقين كانوا مشتركين فى عموم الكفر بمحمد والي (وثانيها) الأخوة بسبب المصادقة والموالاة
والمعاونة ( وثالثها) الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٩
٢٩٠
قوله تعالى : لئن أخرجوا لا يخرجون معهم . سورة الحشر .
لَنْ أَحْرِ جُوْلَيَخْرُ جُونَ مَعَّهُمْ وَلَيْنِ قُوتِلُواْلَنْصُرُونَهُمْ وَلَيْ نَّصَرُوهُمْ لُوَلُنَّ الْأَدْبَرَ
ج
ثمّلَايُنْصَرُونَ ﴿ لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِمٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَهُمْ قَوْمٌ لَا
يَفْقَهُونَ (٣) لَا يُقَدِلُونَكُمْ حَيِعًا إِلَّا فِ قُرَّى مُحَصَّنَةٍ أَوْمِنِ وَرَآءْ جُدُرٍ
تعالى عنهم أنهم قالوا اليهود (لئن أخرجتم) من المدينة (لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم) أى فى
خذلا نكم (أحداً أبداً) ووعدوهم النصر أيضاً بقولهم (وإن قوتتم لتصرنكم) ثم إنه تعالى شهد
على كونهم كاذبين فى هذا القول فقال (والله يشهد إنهم لكاذبون) .
ولما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال: ﴿لتن أخرجوا لا يخرجون
معهم ، وانن قوتلوا لا ينصرونهم ، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾.
واعلم أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التى لا نهاية لها ، فعلم الموجودات فى الأزمنة الثلاثة،
والمعدومات فى الأزمنة الثلاثة، وعلم فى كل واحد من هذه الوجوه السنة ، أنه لو كان على خلاف
ما وقع کیف کان یکون علی ذلك التقدير، فههنا أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود اثن أخرجوا فهؤلاء
المنافقون لا يخرجون معهم، وقد كان الأمر كذلك، لأن بنى النضير لما أخرجوا لم يخرج معهم
المنافقون، وقوتلوا أيضاًفا نصروهم، فأما قوله تعالى (ولئن نصروهم) فتقديره كما يقول المعترض
الطاعن فى كلام الغير، لا نسلم أن الأمر كما تقول، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول، لكنه لا يفيدلك
فائدة، فكذا ههنا ذكر تعالى: أنهم لاينصرونهم، وبتقدير أن ينصروا إلا أنهم لابد وأن يتركوا
تلك النصرة وينهزموا، ويتركوا أولئك المنصورين فى أيدى الأعداء، ونظير هذه الآية قوله ( ولو
علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)، فأما قوله (ثم لا ينصرون) فقيه
وجهان: (الأول) أنه راجع إلى المنافقين يعنى لينهز من المنافقون (ثم لا ينصرون) بعد ذلك أى
يهلكهم الله، ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم ( والثانى) لينهز من اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.
ثم ذكر تعالى: أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من الله تعالى فقال:
﴿لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من اللّه ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ أى لا يعلمون عظمة الله
حتى يخشوه حق خشيته .
ثم قال تعالى ﴿ لا يقاتلونكم جميعاً إلا فی قری محصنة أو من وراء جدر﴾ يريد أن هؤلاء
اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا فى قرى محصنة بالخنادق والدروب
٢٩١
قوله تعالى : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان . سورة الحشر .
بَأْمُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَيُهُمْ جِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (١٤)
كَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًّا ذَاقُواْ وَبَالَ أَعْرِ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ◌َثَلِ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ أَكْفُرْ فَلَّا كَفَرَ قَالَ إِی بَرِىٌّ مِّنْكَ إِّ أَخَافُ
اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
أو من وراء جدر ، وذلك بسبب أن الله ألق فى قلوبهم الرعب، وأن تأیید الله ونصرته معكم، وقری.
( جدر ) بالتخفيف وجدار وجدر وجدر وهما الجدار .
ثم قال تعالى ﴿ بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾.
وفيه ثلاثة أوجه (أحدها ) يعنى أن البأس الشديد الذى يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم
مع بعض ، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن . والعز يذل عند
محاربة الله ورسوله (وثانيها) قال مجاهد: المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون لنفعلن كذا وكذا ،
فهم يهددون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يحترزون عن الخروج للقتال
فبأسهم فيما بينهم شديد، لا فيما بينهم وبين المؤمنين ( وثالثها) قال ابن عباس : معناه بعضهم عدو
للبعض، والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى ( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) يعنى تحسبهم فى
صورتهم مجتمعين على الألفة والمحبة، أما قلوبهم نشتى، لأن كل أحد منهم على مذهب آخر، وينهم
عداوة شديدة ، وهذا تشجيع المؤمنين على قتالهم ، وقوله (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) فيه وجهان:
(الأول) أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون مافيه الحظ لهم ( والثانى) لا يعقلون أن تشتيت
القلوب مما يوهن قواهم .
قوله تعالى: ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقو وبال أمرهم ولهم عذاب أليم﴾ أى مثلهم
كمثل أهل بدر فى زمان قريب . فإن قيل: بم انتصب قريباً، قلنا بمثل، والتقدير كوجود مثل
أهل بدر. ( قريباً ذاقوا وبال أمرهم) أى سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله من قولهم:
كلاً وبيل . أى وخيم سيء العاقبة يعنى ذاقوا عذاب القتل فى الدنيا (ولهم فى الآخرة عذاب
أليم) .
ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للانسان ا كفر فلما كفر قال
إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين﴾ أى مثل المنافقين الذين غروا بنى النضير بقولهم
( لئن أخر جتم لتخرجن معكم) ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم (كمثل الشيطان إذ قال للانسان ا كفر)
٢٩٢
قوله تعالى : فكان عاقبتهما أنهما في النار . سورة الحشر .
فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِهَا وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ الظَّالِنَ (®
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسّ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّاللهَ
خَسِبْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وَلَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنَئُهُمْ أَنْفُسَهُمْ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (
١٩
ثم تبرأ منه فى العاقبة، والمراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر، وإما إغواء الشيطان قريشاً
يوم بدر بقوله ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم - إلى قوله .. إنى برى. منكم).
ثم قال ﴿فكان عافيتهما أنهما فى النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ قال مقاتل: فكان عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة الشيطان، والإنسان
حيث صارا إلى النار .
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود خالدان فيها، على أنه خبرأن، وفى
النار لغو، وعلى القراءة المشهورة الخبر هو الظرف (وخالدين فيها) حال، وقرىء ( عاقبتهما)
بالرفع ، ثم قال ( وذلك جزاء الظالمين) أى المشركين، لقوله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) .
ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس
ما قدمت لغد﴾. الغد: يوم القيامة سماه باليوم الذى يلى يومك تقريباً له، ثم ذكر النفس والغد
على سبيل التنكير . أما الفائدة فى تنكير النفس فاستقلال الأنفس التى تنظر فيما قدمت للآخرة
كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة فى ذلك، وأما تنكير الغد فلتعظيمة وإبهام أمره، كأنه قيل: الغد
لا يعرف كنهه لعظمه .
ثم قال ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ كرر الأمر بالتقوى تاكيداً أو يحمل
(الأول) على أداء الواجبات (والثانى) على ترك المعاصى.
ثم قال تعالى ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ وفيه وجهان: (الأول)
قال المقاتلان: نسوا حق الله جعلهم ناسين حق أنفسهم حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده (الثانى)
(فأنسأهم أنفسهم ) أى أراهم يوم القيامة من الأهوال مانسوا فيه أنفسهم، كقوله ( لا يرتد اليهم
طرفهم وأمٹدتهم، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى).
ثم قال ﴿أولئك هم الفاسقون) والمقصود منه الذم، واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين
إلى ماهو مصلحتهم يوم القيامة بقوله ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد) وهدد الكافرين بقوله (الذين
٢٩٣
قوله تعالى : لا يستوى أصحاب النار . سورة الحشر .
لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ الَّارِ وَأَعْجَبُ الْجَنَّةِ أَمْحَبُ الْجَنَّةِ مُ الْفَآَيُونَ ﴾ لَوْ
أَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَ جَلٍ لَّرَأيْتَهُو ◌َخَشِعًا مُتَصَدِّعَا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ
تَضْرُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَُّ ونَ (٨) هُوَهُالَّذِى ◌َآ إلَهَ إِلََّهُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالثَّهَدَّةِ هُوَ الَّْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ هُوَاللهُالَّذِىِ لَآ إِلَهَ إِلَُّهُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ
نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) بين الفرق بين الفريقين فقال:
﴿ لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون
وأعلم أن التفاوت بين هذين الفريقين معلوم بالضرورة، فذكر هذا الفرق فى مثل هذا الموضع
يكون الغرض منه التنبيه على عظم ذلك الفرق ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ المعتزلة احتجوا على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة، لأن الآية دلت
على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان ، فلو دخل صاحب الكبيرة فى الجنة لكان أصحاب
النار وأصحاب الجنة يستويان ، وهو غير جائز، وجوابه معلوم .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمى ، وقد ببنا وجهه
فى الخلافيات .
ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال:
﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ والمعنى أنه لو جعل فى
الجبل عقل كما جعل فيكم، ثم أنزل عليه القرآن لخشع وخضع وتشقق من خشية الله،
ثم قال ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) أى الغرض من ذكر هذا الكلام
التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، ونظير قوله ( ثم قست قلوبكم من بعد
ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة) واعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة
تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بشرح عظمة الله فقال:
هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ﴾ وقيل السر والعلانية.
وقيل الدنيا والآخرة .
إعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة فى اللفظ وفيه سر عقلى، أما المفسرون فذكروا أقوالا
فى الغيب والشهادة ، فقيل الغيب المعدوم ، والشهادة الموجود. ماغاب عن العباد وما شاهدوه .
ثم قال ﴿ هو الله الذى لا إله إلا هو الملك ﴾ وكل ذلك قد تقدم تفسيره.
٢٩٤
قوله تعالى : السلام المؤمن المهيمن . سورة الحشر .
الَّلَمُ الْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
ثم قال ﴿ القدوس) قرىء: بالضم، والفنح، وهو البليغ فى النزاهة فى الذات والصافات،
والأفعال والأحكام والأسماء، وقد شرحناه فى أول سورة الحديد، ومضى شىء منه فى تفسير قوله
( ونقدس لك) وقال الحسن: إنه الذى كثرت بركاته.
وقوله (السلام)) فيه وجهان ( الأول) أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام، وسلام عليكم
وصف به مبالغة فى كونه سليما من النقائص كما يقال: رجاء، وغياث، وعدل . فإن قيل فعلى هذا
التفسير لا يبقى بين القدوس، وبين السلام فرق، والتكرار خلاف الأصل، قلنا كونه: قدوساً ،
إشارة إلى براءته عن جميع العيوب فى الماضى والحاضر .. كونه: سليما، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه
شىء من العيوب فى الزمان المستقبل . فإن الذى يطرأ عليه شىء من العيوب، فإنه تزول سلامته ولا
يبقى سليما (الثانى) أنه سلام بمعنى كونه موجباً للسلامة.
وقوله ( المؤمن ) فيه وجهان (الأول) أنه الذى آمن أولياءه عذابه، يقال آمنه يؤمنه فهو
مؤمن ( والثانى) أنه المصدق ، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، أو لأجل أن أمة
محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لسائر الأنبياء، كما قال ( لتكونوا شهداء على الناس) ثم إن الله
يصدقهم فى تلك الشهادة، وقرىء : بفتح الميم، يعنى المؤمن به على حذف الجار كما حذف فى قوله
( واختار موسى قومه ) .
وقوله ( المهیمن) قالوا معناه الشاهد الذی لا يغيب عنه شىء . ثم فى أصله قولان ، قال
الخليل وأبو عبيدة: هيمن، يهيمن، فهو مهيمن ، إذا كان رقيب على الشىء، وقال آخرون، مهيمن
أصله مؤيمن ، من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى المؤمن ، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله ( وههيمناً
عليه) وقال ابن الأنبارى: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد :
ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه فى العرف والفكر
قال معناه : القائم على الناس بعده .
وأما ( العزيز) فهو إما الذى لا يوجد له نظير، وإما الغالب القاهر ..
وأما ( الجبار) ففيه وجوه (أحدها) أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهرى: وهو لعمرى جابر كل كسير وفقير، وهو جابر دينه الذى ارتضاء، قال الحجاج :
« قد جبر الدین الإله جبر »
(والثانى) أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ماأراده، قال السدى إنه
الذى يقهر الناس ويخبرهم على ما أراده ، قال الأزهرى هى لغة تيم، وكثير من الحجازيين
يقولونها، وكان الشافعى يقول جبره السلطان على كذا بغير ألف. وجعل الفراء الجبار بهذا معنى
٢٩٥
قوله تعالى : هو الله الخالق البرىء . سورة الحشر .
الْمُتَكَِّرُ سُبْحَنَ الَهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (﴿ هُوَ اللهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ الْمُصَوِّرُّ
من أجبره، وهى اللغة المعروفة فى الإكراه. فقال لم أسمع فعالا من أفعل إلا فى حرفين ، وهما
جبار من أجبر، ودراك من أدرك، وعلى هذا القول الجبار هو القهار (الثالث) قال ابن الأنبارى:
الجبار فى صفة الله الذى لا ينال، ومنه قيل للنخلة التى فاتت يد المتناول جبارة (الرابع) قال
ابن عباس: الجبار ، هو الملك العظيم، قال الواحدى: هذا الذى ذكرناه من معانى الجبار فى صفة
الله، وللجبار معان فى صفة الخلق (أحدها) المسلط كقوله ( وما أنت عليهم بجبار)، (والثانى)
العظيم الجسم كقوله ( إن فيها قوماً جبارين) (والثالث ) المتمرد عن عبادة الله، كقوله ( ولم
يجعلنى جباراً)، (والرابع) القتال كقوله ( بطشتم جبارين) وقوله ( إن تريد إلا أن تكون
جباراً فى الأرض) .
أما قوله ( المتكبر) ففيه وجوه (أحدها) قال ابن عباس: الذى تكبر بربوبيته فلا
شىء مثله ( وثانيها) قال قتادة: المتعظم عن كل سوء ( وثالثها) قال الزجاج: الذى تعظم عن ظلم
العباد ( ورابعها ) قال ابن الانبارى: المتكبرة ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه
قوله تعالى ( وتكون لكما الكبرياء فى الأرض)، واعلم أن المتكبر فى حق الخلق اسم ذم، لأن
المتكبر هو الذى يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص فى حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا على ،
بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة ، فإذا أظهر العلو كان كاذباً ، فكان ذلك مذموماً فى حقه .
أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله
وعلوه، فكان ذلك فى غاية المدح فى حقه سبحانه. ولهذا السبب لما ذكر هذا الإسم :
قال ﴿سبحان الله عما يشركون﴾ كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة
الله فى هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذى هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب
ذوانهم ، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتى ، أما الحق سبحانه فله العلو
والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال ، فسبحان الله عما يشركون فى إثبات صفة
المتكبرية الخلق .
ثم قال ﴿ هو الله الخالق) والخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله على وجوه مخصوصة،
فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة .
ثم قال ﴿البارى. ) وهو بمنزلة قولنا صانع وموجد إلا أنه يتحميد اختراع الأجسام، ولذلك
يقال فى الخلق برية. ولا يقال فى الأعراض التى هى كاللون والطعم.
﴿ وأما المصور﴾ فمعناه أنه يخلق صور الخلق على مايريد، وقدم ذكر الخالق على البارى. ،
٢٩٦
قوله تعالى : له الأسماء الحسنى . سورة الحشر .
لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُو ◌َافِ السَّمَلَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ()
لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة. وقدم البادى. على المصور، لأن إيجاد الذوات مقدم
على إيجاد الصفات.
ثم قال تعالى ﴿ له الأسماء الحسنى﴾ وقد فسرناه فى قوله ( وقه الأسماء الحسنى).
أما قوله ﴿ يسبح له ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ فقد مر تفسيره فى أول
سورة الحديد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد
النبى الأمى وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تماماكثيراً.
=
٢٩٧
سورة الممتحنة
(٦٠) سُورة المتحِنَّمَدنيّة
وَآيَاتِهَا ثَلاثَ عَشَرَة
◌ِلَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَ نَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلِّقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان فى بيان
حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين فى زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم ، فإن بعضهم
أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: والله إنه النبى الذى
وجدنا نعته وصفته فى التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما
على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام فى الظاهر، ومع أهل الكفر فى الباطن ، وأما تعلق الأول
بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من
الوحدانية وغيرها ، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك
الصفات .
المسألة الثانية ﴾ أما سبب النزول فقد روى أنها نزلت فى حاطب بن أبي بلتعة ، لما كتب
إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز للفتح ويريد أن يغزوكم نفذوا حذركم،
ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبنى هاشم، يقال لها سارة جاءت إى النبى صلى الله عليه وسلم
من مكة إلى المدينة ، فقال عليه السلام: أمسلمة جئت؟ قالت لا ، قال: أمهاجرة جئت؟ قالت لا ،
قال فما جاء بك؟ قالت قد ذهب الموالى يوم بدر - أى قتلوافى ذلك اليوم - فاحتجت حاجة شديدة
حث عليها بنى المطلب فكرها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها
برداً واستحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة ، خرجت سائرة، فأطلع الله الرسول عليه السلام
على ذلك ، فبعث علياً وعمر وعماراً وطلحة والزبير خلفها وم فرسان ، فأدركوها وسألوها عن
ذلك فأنكرت وحلفت، فقال علی علیه السلام: والله ما کذبنا ، ولا کذب رسول الله ، وسل
سيفه، فأخرجته من عقاص شعرها، فجاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه ومسلم فعرضه
على حاطب فاعترف، وقال: إن لى بمكة أهلا ومالا فأردت أن أتقرب منهم ، وقد علمت أن الله
٢٩٨
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى . سورة الممتحنة .
تعالى ينزل بأسه عليهم ، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعنى يارسول الله أضرب عنق هذا المنافق،
فقال صلى الله عليه وسلم ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا
ما شئتم فقد غفرت لكم ، ففاضت عينا عمر ، وقال الله ورسوله أعلم فنزلت ، وأما تفسير الآية
فالخطاب فى ( يا أيها الذين آمنوا) قدمر، وكذلك فى الإيمان أنه فى نفسهشىء واحدوهو التصديق
بالقلب أو أشياء كثيرة وهى الطاعات ، كما ذهب إليه المعتزلة ، وأما قوله تعالى ( لا تتخذوا
عدوى وعدوكم) فاتخذ يتعدى إلى مفعولين، وهما عدوى وأولياء، والعدو فعول من عدا، كعفو
من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، والعداوة ضد الصداقة، وهما
لا يجتمعان فى محل واحد ، فى زمان واحد، من جهة واحدة، لكنهما يرتفعان فى مادة الإمكان ،
وعن الزجاج و الكرابيسى (عدوى) أى عدو دينى، وقال عليه السلام ((المرء على دين خليله،
فلينظر أحدكم من يخالل)) وقال عليه السلام لأبى ذر «يا أبا ذر أى عرا الإيمان أو ثق، فقال الله
ورسوله أعلم، فقال الموالاة فى الله والحب فى الله والبغض فى الله)) وقوله تعالى (تلقون إليهم بالمودة)
فيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ قوله ( تلقون) بماذا يتلعق، نقول فيه وجوه (الأول) قال صاحب النظم
هو وصف النكرة التى هى أولياء، قاله الفراء (والثانى) قال فى الكشاف بجوز أن يتعلق بلا تتخذوا
حالا من ضميره، وأولياء صفة له (الثالث) قال ويجوز أن يكون استئنافا ، فلا يكون صلة لأولياء،
والباء فى المودة كهى فى قوله تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) والمعنى: تلفون إليهم أخبار النبى
صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التى بينكم وبينهم، ويدل عليه (تسرون إليهم بالمودة).
المسألة الثانية﴾ فى الآية مباحث (الأول) اتخاذ العدو وليأ كيف يمكن، وقد كانت
العداوة منافية المحبة والمودة ، والمحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ ، نقول لا يبعد أن تكون
العداوة بالنسبة إلى أمر، والمحبة والمودة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى { إن من
أزواجكم وأولادكم عدواً لكم) والنبى صلى الله عليه وسلم قال ((أولادنا أكبادنا)) (الثانى) لما
قال (عدوى) فلم لم يكتف به حتى قال (وعدوكم) لأن عدو الله إنماهو عدو المؤمنين ؟ نقول:
الأمر لازم من هذا التلازم، وإنما لا يلزم من كونه عدواً للمؤمنين أن يكون عدواً لله، كما قال
(إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم)، (الثالث) لم قال، (عدوى وعدوكم) ولم يقل
بالعكس ؟ فنقول: العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله تعالى ومحبة رسوله، فتكون
محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة اللّه تعالى لعلة، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لالة، لمنا أنه
غنى على الإطلاق: فلا حاجة به إلى الغير أصلا ، والذى لا لعلة مقدم على الذى لعلة، ولأن
الشىء إذا كان له نسبة إلى الطرفين ، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى ، (الرابع )
قال ( أولياء) ولم يقل ولياً، والعدو والولى بلفظ، فنقول: كما أن المعرف بحرف التعريف
=
٢٩٩
قوله تعالى : وقد كفروا بما جاءكم من الحق . سورة الممتحنة .
قَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَ كُ مَّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِلّهِ رَ بِّكُمْ إِن
كُنْ تَجُمْ جِهَدًا فِى سَبِى وَابْتِغَاءَ مَرَضَانِى تُرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ
بِمََ أَنْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلُهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ الَّبِيلِ (
يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة (الخامس) منهم من قال : الباء زائدة ، وقد مر أن
الزيادة فى القرآن لا تمكن، والباء مشتملة على الفائدة ، فلا تكون زائدة فى الحقيقة.
ثم قال تعالى ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإيا كم أن تؤمنوا بالله ربكم
إن كنتم خرجتم جهاداً فى سبيلى وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما
أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾
(وقد كفروا) الواو الحال، أى وحالهم أنهم كفروا (بما جاءكم من) الدين (الحق)، وقيل:
من القرآن (يخرجون الرسول وإيا كم) يعنى من مكة إلى المدينة (أن تؤمنوا) أى لأن تؤمنوا
(باته ربكم) وقوله ( إن كنتم خرجتم) قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم وهو: لا تتخذوا
عدوى وعدوكم أولياء، وقوله ( جهاداً فى سبيلى وابتغاء مرضاتى) منصوبان لأنهما مفعولان له)،
(تسرون إليهم بالمودة) عن مقاتل بالنصيحة، ثم ذكر أنه لا يخقى عليه من أحوالهم شىء، فقال :
(وأنا أعلم بما أخفيتم) من المودة الكفار (وما أعلنتم) أى أظهرتم ، ولا يبعد أن يكون هذا
عاماً فى كل ما يخفى ويعلن، قال بعضهم هو أعلم بسرائر العبد وخفاياه وظاهره وباطنه، من أفعاله
وأحواله، وقوله ( ومن يفعله منكم) يجوز أن تكون الكناية راجعة إلى الإسرار، وإلى الإلقاء،
وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لما أن هذه الأفعال مذكورة من قبل ، وقوله تعالى (فقد ضل سواء
السبيل) فيه وجهان: (الأول) عن ابن عباس: أنه عدل عن قصد الإيمان فى اعتقاده، وعن
مقاتل: قد أخطأ قصد الطريق عن الهدى ، ثم فى الآية مباحث :
﴿ الأول) (إن كنتم خرجتم) متعلق بلا تتخذوا, يعنى لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليانى،
(وتسرون) استئناف ، معناه: أى طائل لكم فى إسرار كم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان فى على.
﴿ الثانى) لقائل أن يقول (إن كنتم خرجتم) الآية، قضية شرطية، ولو كان كذلك فلا
يمكن وجود الشرط، وهو قوله ( إن كنتم خرجتم) بدون ذلك النهى، ومن المعلوم أنه يمكن، فنقول:
هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهى ، لا للنهى بصريح اللفظ ، ولا يمكن وجود المجموع بدون
ذلك لأن ذلك موجود دائماً ، فالفائدة فى ابتغاء مرضاتى ظاهرة، إذ الخروج قد يكون ابتغاءلمرضاة
الله وقد لا يكون .
٣٠٠
قوله تعالى : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء . سورة الممتحنة
إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا
لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَهُ كُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ
بَيْنَكُمْ وَاللهُبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ
﴿ الثالث) قال تعالى ( بما أخفيتم وما أعلنتم) ولم يقل بما أسرر تم وما أعلنتم، مع أنه أليق
بما سبق وهو تسرون، فنقول فيه من المبالغة ماليس فى ذلك، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار ، ول
عليه قوله ( يعلم السر وأخفى) أى أخفى من السر .
﴿ الرابع﴾ قال: ( بما أخفيتم) قدم العلم بالإخفاء على الإعلان، مع أن ذلك مستلزم لهذا
من غير عكس. فنقول: هذا بالنسبة إلى علنا، لا بالنسبة إلى علمه تعالى، إذ هما سيان فى علمه كما
مر ، ولأن المقصود هو بيان ماهو الأخفى وهو الكفر، فيكون مقدماً.
﴿ الخامس) قال تعالى (ومن بفعله منكم) ما الفائدة فى قوله ( منكم) ومن المعلوم أن من
فعل هذا الفعل (فقد ضل سواء السبيل) نقول إذا كان المراد من ( منكم) من المؤمنين فظاهر،
لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمناً .
ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا
إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة
يفصل بينكم والله بما تعملون بصير) (يثقفوكم) يظفروا بكم ويتمكنوا منكم (يكونوا لكم)
فى غاية العداوة، وهو قول ابن عباس، وقال مقاتل: يظهروا عليكم يصادقوكم (ويبسطوا إليكم
أيديهم) بالضرب ( وألسنتهم) بالشتم (وودوا) أن ترجعوا إلى دينهم، والمعنى أن أعداء الله
. لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من المباينة (لن تنفعكم أرحامكم) لما عوتب حاطب على
ما فعل عتذر بأن له أرحاماً، وهى القرابات، والأولاد فيما بينهم، وليس له هناك من منه
عشيرته، فأراد أن يتخذ عندهم يداً ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته، فقال ( لن تنفعَ
أرعامكم ولا أولادكم) الذين توالون الكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم مخافة عليهم، ثم قال.
( يوم القيامة يفصل بينكم) وبين أقاربكم وأولادكم فيدخل أهل الإيمان الجنة، وأهل الكفر النار
( والله بما تعملون بصير) أى بما عمل حاطب، ثم فى الآية مباحث:
( الأول ) ما قاله صاحب الكشاف (إن يثقفو كم يكونوا لكم أعداء) کیف یورد جواب
الشرط مضارعاً مثله، ثم قال (وودوا) بلفظ الماضى نقول: الماضى وإن كان يجرى فى باب الشرط
مجرى المضارع فى علم الإعراب فإن فيه نكتة ، كما نه قيل: وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادكم