النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
قوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات . سورة الحديد .
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْوَّلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
(الذين يبخلون) كلام مستأنف لانعلق له بما قبله ، وهو فى صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد
صلى الله عليه وسلم ويخلوا بنيان نعته، وهو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله ( ومن يتول فإن
الله هو الغنى الحميد) وحذف الخبر كثير فى القرآن كقوله ( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال).
المسألة الثانية﴾ قال أبو على الفارسى: قرأ نافع وابن عامر فإن الله الغنى الحميد، وحذفوا
لفظ (هو) وكذلك هو فى مصاحف أهل المدينة والشأم، وقرأ الباقون (هو الغنى الحميد ) قال
أبو على: ينبغى أن هو فى هذه الآية فصلا لامبتدأ، لأن الفصل حذفه أسهل، ألاترى أنه لا موضع
للفصل من الإعراب، وقد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله ( إن ترن أنا أقل منك مالا وولداً).
المسألة الثالثة﴾ قوله (فإن الله هو الغنى الحميد ) معناه أن الله غى فلا يعود ضرر عليه يخل
ذلك البخيل، وقوله (الحميد) كأنه جواب عن السؤال يذكر ههنا، فإنه يقال لما كان تعالى عالمً أنه
يبخل بذلك المال ولا يصرفه إلى وجوه الطاعات ، فلم أعطاه ذلك المال ؟ فأجاب بأنه تعالى حميد فى
ذلك الإعطاء ، ومستحق للحمد حيث فتح عليه أبواب رحمته ونعمته، فإن قصر العبد فى الطاعة فإن
وباله عائد إليه .
ثم قال تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) وفى تفسير البينات قولان (الأول) وهو قول
مقاتل بن سليمان إنها هى المعجزأة الظاهرة والدلائل القاهرة ( والثانى) وهو قول مقاتل بن حبان
أى أرسلناهم بالأعمال التى تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، والأول هو الوجه
الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات.
ثم قال تعالى ﴿وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس
شديد ومنافع الناس ﴾
واعلم أن نظير هذه الآية قوله (الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان) وقال ( والسما. رفعها
ووضع الميز ) وههنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. (أحدها) وهو
الذى أقوله أن مدار التكليف على أمرين: (أحدهما) فعل ما ينبغى فعله (والثانى) ترك ما ينبغى
تركه؛ والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لوكان هو الترك لو جب أن لا يخلق أحد ،
لأن الغرك كان حاصلا فى الأزل ، وأما فعل ما ينيغى فعله، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس، وهو
المعارف. أو بالبدن وهو أعمال الجوارح ، فالكتاب هو الذى ينوسل به إلى فعل ماينبغى من
الفخر الرازى - ج ٢٩ م ١٦
٢٤٢
قوله تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس . سورة الحديد .
الأفعال النفسانية . لأن يتمييز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة ، والميزان هو الذى يتوسل
به إلى فعل ما ينبغى من الأفعال البدنية ، فإن معظم التكاليف الشاقة فى الأعمال هو ما يرجع إلى
معاملة الخلق ، والميزان هو الذى يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص ، وأما الحديد فقيه
بأس شديد ، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغى ، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية ،
والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع مالا ينبغى، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح
الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغى، روعى هذا الترتيب فى هذه الآية
( وثانيها) المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم
بالسوية وهى بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد ( وثالثها) الأقوام ثلاثة:
أما السابقون وهم بعاملون الخلق بمقتضى الكتاب ، فينصفون ولا يقتصفون، ويحترزون عن
مواقع الشبهات، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون ويفتصفون، فلا بد لهم من الميزان ، وإما
ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر ( ورابعها ) الإنسان ،
إما أن يكون فى مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين ، فهنا لا يكن إلا إلى
اللّه، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وإما أن يكون فى مقام
الطريقة وهو مقام النفس اللوامة ، ومقام أصحاب اليمين ، فلا بد له من الميزان فى معرفة الأخلاق
حتى يحترز عن طر فى الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون فى مقام
الشريعة وهو مقام النفس الأمارة، وههنا لا بد له من ههنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضات
الشاقة (وخامسها) الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب،
أو صاحب الطلب والاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج،
فلا بد وأن ينفى من الأرض بالحديد ( وسادسها) أن الدين هو إما الأصول وإما الفروع، وبعبارة
أخرى: إما المعارف وأما الأعمال ، فالأصول من الكتاب، وأما الفروع: فالمقصود الأفعال التى
فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، والحديد لتأديب من ترك ذينك
الطريقين ( وسابعها) الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله فى كتابه من الأحكام المقتضية للعدل
والإنصاف ، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو
شأن الملوك ، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، وهذا يدل على
أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف ، ووجوه
المناسبات كثيرة ، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقى .
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى: إنزال الميزان - وإنزال الحديد، قولين (الأول) أن الله
تعالى أنزلهما من السماء ، روى أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ، وقال م
قومك يزنوا به، وعن ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان
٢٤٣
قوله تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس . سورة الحديد .
والمقمعة والمطرفة والإبرة ، والمقمعة ما يحدد به ، ويدل على صحة هذا ماروى ابن عمر أنه عليه
. الصلاة والسلام قال (( إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد والنار
والماء والملح)). (والقول الثانى) أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة، كقوله تعالى (وأنزل
لكم من الأنعام ثمانية أزواج) قال قطرب (أنزلناها) أى هيأناها من النزل، يقال أنزل الأمير على
فلان نزلا حسنا ، ومنهم من قال هذا من جنس قوله: علفتها تبناً وماء بارداً ، وأكات خبراً ولبناً.
المسألة الثالثة﴾ ذكر فى منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو
الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك، والعادل مقسط قال الله تعالى (إن
الله يحب المقسطين) والقاسط الجائز قال تعالى (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً) وأما الحديد
ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، وفيه أيضاً منافع كثير منها قوله تعالى ( وعلمناه
صنعة ليوس لكم) ومنها أن مصالح العالم، إما أصول ، وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة
والحياكة وبناء البيوت والسلطنة ، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء
يجلس فيه ، والانسان مدنى بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل
كل واحد منهم بمهم خاص، فينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل ، وذلك الانتظام لابد وأن يفضى
إلى المزاحمة ، ولابد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض ، وذلك هو السلطان ، فثبت أنه
لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة ، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد ، وذلك فى
کرب الأراضى وحفرها ، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لابد من خبزها وتنقيتها، وذلك
لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لابد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم لابد من خبزها ولا
يتم إلا بالنار ، ولا بد فيها من المقدحة الحديدية ، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها ،
وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد ، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج
فى آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج فى قطع الثيات وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلوم
أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنه فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا
بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، ويظهر أيضاً أن الذهب لا يقوم
مقام الحديد فى شىء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب فى الدنيا ما كان يختل شىء من مصالح
الدنيا ، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه
شديدة، جعله سهل الوجدان ، كثير الوجود ، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز
الوجود، وعند هذا بظهر أثر جود الله تعالى ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم
إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل، ولهذا قال بعض الحكماء: إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء،
فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان فى الحال ، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء
وجداناً ، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى أن الإنسان يتنفس دائماً بمقتضى طبعه من غير
٢٤٤
قوله تعالى : وليعلم الله من ينصره ورسله . سورة الحديد .
وَلِيَعْلَمَ الَهُ مَن يَنصُرُ، وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْرَّهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ
حاجة فيه إلى تكلف عمل ، وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة
إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلامن تحصيل الهواء، وبعد الماء الطعام ، ولمنا كانت الحاجة
إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء ، ثم تفاوت
الأطعمة فى درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، وكل
ما كان وجدارة أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جداً ، لا جرم
كانت عزيزة جداً، فعلمنا أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ، ولما كانت
الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شىء فنزجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء
وجداناً ، قال الشاعر :
سبحان من خص العزيز بعزه والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الهواء وكل ذى نفس فحتاج إلى أنفاسه
قوله تعالى: ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ المعنى وليعلم الله من ينصره، أى ينصر دينه، وينصر رسله باستعمال
السيوف والرماح وسائر السلاح فى مجاهدة أعداء الدين بالغيب أى غائباً عنهم . قال ابن عباس :
ينصرونه ولا يبصرونه، ويفرب منه قوله تعالى (إن تنصروا الله ينصركم).
المسألة الثانية﴾ احتج من قال: بحدوث علم الله بقوله ( وليعلم الله) والجواب عنه أنه تعالى
أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره ..
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الجبائى: قوله تعالى ( ليقوم الناس بالقسط) فيه دلالة على أنه تعالى
أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول، وإذا كان هذا
مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك (جوابه) أنه كيف يمكن أن
يزيد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، وأن الجمع بين الضدين محال، وأن المحال غير مراد.
المسألة الرابعة ﴾ لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة ، كما يقع من منافق أو من مراده المنافع
فى الدنيا، بين تعالى أن الذى أراده النصرة بالغيب، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب ، ثم بين
تعالى أنه قوى على الأمور عزيز لا يمانع .
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب﴾ واعلم أنه
تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأنه أنزل الميزان والحديد، وأمر الخلق بأن
٢٤٥
قوله تعالى : فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون . سورة الحديد .
◌ِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٣٦) ثُمَّقَفَّيْنَا عَلَّءَالَِّهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا
بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَ وَاتَيْنَهُ الْإِلَّ وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ أَنْبَعُوهُ رَأْفَةً وَرْمَةُ
وَرَهْبَائَِّةً أَبْتَدَعُوهَا
يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التى أنعم بها غليهم، فبين أنه تعالى شرف نوحاً
وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة ، ثم جعل فى ذريتهما النبوة والكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة
إلا وكان من أولادهما ، وإنما قدم النبوة على الكتاب ، لأن كمال حال النبى أن يصير صاحب
الكتاب والشرع.
قوله تعالى: ﴿ فمنهم مهند وكثير منهم فاسقون) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فمنهم مهند ، أى فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد دل عليهم ذكر
الإرسال والمرسلين ، والمعنى أن منهم مهند ومنهم فاسق ، والغلبة للفساق ، وفى الفاسق ههنا قولان
(الأول) أنه الذى ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن ، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر
وعلى من لا يكون ، كذلك إذا كان مرتكباً للكبيرة، (والثانى) أن المراد بالفاسق ههنا الكافر ،
لأن الآية دات على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين ، فكان المراد أن فيهم من قبل الدين
واهتدى ، ومنهم من لم يقبل ولم يهتد، ومعلوم أن من كان كذلك كان كافراً ، وهذا ضعيف ، لأن
المسلم الذى عصى قد يقال فيه : إنه لم يهتد إلى وجه رشده ودينه.
قوله تعالى: ﴿ ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعينى بن مريم وآتيناه الإنجيل)
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض
إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل.
المسألة الثانية) قال ابن جنى قرأ الحسن (وآتيناء الأنجيل) بفتح الهمزة، ثم قال هذا مثال
لا نظير له، لأنه أفعيل وهو عندهم من نجلت الشىء إذا استخرجته، لأنه يستخرج به الأحكام ،
والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار ، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين
الشيئين ، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له ، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله
وجهان (أحدهما ) أنه شاذكما حكى بعضهم فى البرطيل (وثانيهما ) أنه ظن الإنجيل أعجمياً حرف
مثاله تنبيها على كونه أعجمياً .
قوله تعالى: ﴿وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة وهبانية ابتدعوها﴾ وفيه مسائل:
٢٤٦.
قوله تعانى : فمنهم مهتد وكثير منهم . سورة الحديد .
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسبب للعيد ،
قالوا لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية، قال
القاضى المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية ، التى هى تحمل الكلفة
الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن (والجواب) أن هذا ترك للظاهر من غير دليل ، على
أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضاً، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان
وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض ، وإذا كان الحصول عند الاستواء
ممتنعاً، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعاً ، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه
لا خروج عن طرفى النقيض .
المسألة الثانية﴾ قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع
بعض ، كما وصف الله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بذلك فى قوله (رحماء بينهم).
المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف : قرى. رآفة على فعالة .
المسألة الرابعة ﴾ الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان. وهو الخائف فعلان من
رهب، كشيان من خشى، وقرى . : ورهبانية بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان ، وهو جمع راهب
كرا كب وركبان، والمراد من الرهبانية ترهبهم فى الجبال فارين من الفتنة فى الدين ، مخلصين أنفسهم
للعبادة ومتحملين كلفاً زائدة على العبادات التى كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن ،
والاعتزال عن النساء والتعبد فى الغيران والكهوف ، عن ابن عباس أن فى أيام الفترة بين عيسى
ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم فى الأرض ولبسوا الصوف ،
وروى ابن مسعود أنه عليه السلام، قال « يا ابن مسعود: أما علمت أن بنى أسرائل تفرقواسبعين
فرقة، كلها فى النار إلا ثلاث فرق، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام، وقاتلوا أعداء الله فى نصرته
حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفرقة لم يكن
لها طاقة بالأمرين، فلبسوا العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافى وهو قوله ( وجعلنا فى قلوب
الذين اتبعوه رأفة) الى آخر الآية)».
المسألة الخامسة ﴾ لم يعن اللّه تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من
عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده ( ما كتبناها عليهم).
المسألة السادسة﴾ (رهبانية ) منصوبة بفعل مضمر، يفسره الظاهر ، تقديره : ابتدعوا
رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو على الفارسى: الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا، لأن ما يبتدعونه م
لا يجوز أن يكون مجعولا لله تعالى، وأقول هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين،
ومن أين يليق بأبى على أن يخوض فى أمثال هذه الأشياء .
--
٢٤٧
قوله تعالى : ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله . سورة الحديد .
مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْإِلَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ الَّه ◌َا رَعَوْهَا خَّ رِعَتِهَا فَعَيْنَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَبْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (8) ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ أَنَّقُوا اللهَ
وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنٍ مِن رََّتِهِ، وَيَجْعَلَ لَّكُمْنُورَانَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ
"
٢٨
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم
ثم قال تعالى ﴿ ما كتبناها عليهم ﴾ أى لم تفرضها نحن عليهم.
أما قوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ ففيه قولان (أحدهما) أنه استثناء منقطع. أى ولكنهم
ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (الثانى) أنه استثناء متصل، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه
ابتغاء مرضاة الله تعالى، والمراد أنها ليست واجبة، فإن المقصود من فعل الواجب، دفع العقاب
وتحصيل رضا الله، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ليس إلا
تحصيل مرضاة الله تعالى .
أما قوله تعالى ﴿ فارعوها حق رعايتها وآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾
ففيه أقوال (أحدها) أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية مارعوها حق رعايتها، بل ضموا
إليها التثليث والاتحاد ، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام
فآمنوا به فهو قوله ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون)، (وثانيها) أناما كتبنا
عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم أنهم أتوا بتلك الأفعال، لكن
لا لهذا الوجه . بل لوجه آخر، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة (وثالثها) أنا لما كتبناها عليهم
تركوها، فيكون ذلك ذماً لهم من حيث أنهم تركوا الواجب (ورابعها) أن الذين لم يرعوها حق
رعايتها هم الذين أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا به، وقوله (فآتينا الذين آمنوا
منهم أجرهم ) أى الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعنى الذين لم يؤمنوا به، ويدل على هذا
ماروى أنه عليه السلام قال (( من آمن بى وصدقنى واتبعنى فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن
بى فأولئك هم الهالكون)) (وخامسها) أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية
وانقرضوا عليها، ثم جاء بعده قوم اقتدوا بهم فى اللسان ، وما كانوا مقتدين بهم فى العمل ، فهم
الذين مارعوها حق رعايتها ، قال عطاء: لم يرعرها كما رعاها الحواريون ، ثم قال ( وكثير منهم
فاسقون) والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفرق وترك تلك الطريقة ظاهراً وباطناً.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل
لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم
٢٤٨
قوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب . سورة الحديد .
لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنْ الْفَضْلَ بِيَدِ
الهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
أعلم أنه لما قال فى الآية الأولى (فآتينا الذين آمنوا منهم) أى من قوم عيسى (أجرم) قال فى
هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا) والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة
والسلام ثم قال ( يؤتكم كفلين) أى نصدين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى، وثانياً بمحمد عليه
الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين ) عن ابن عباس أنه نزل فى
قوم جاءوا من اليمين من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين، وههنا سؤالان:
﴿ السؤال الأول) ما الكفل فى اللغة؟ (الجواب) قال المؤرج: الكفل النصيب بلغة هذيل
وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل بن مسلمة : الكفل كساء يديره الرا كب حول السنام
حتى يتمكن من القعود على البعير .
﴿السؤال الثانى) أنه تعالى لما آناهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلا واحداً كان حالهم أعظم
(والجواب) روى أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين، وهو ضعيف لأنه لا يبعد
أن يكون النصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد
نصفاً، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة
الأولى أزيد من عشرين نصيباً من القسمة الثانية ، فكذا ههنا ، ثم قال تعالى ( ويجعل لكم) أى
يوم القيامة (نوراً تمشون به) وهو النور المذكور فى قوله ( يسعى نورهم) ويغفر لكم ما أسلفتم
من المعاصى ( والله غفور رحيم).
قوله تعالى: ﴿لثلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ فيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدى هذه آية مشكلة وليس للفسرين فيها كلام واضح فى كيفية
اتصال هذه الآية بما قبلها .
واعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) مهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال
أبو مسلم الأصفهانى وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسر الآية على القولين
بعون الله تعالى وتوفيقه . ( أما القول المشهور ) وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لابد ههنا
من تقديم مقدمة وهى : أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون الوحى والرسالة فينا ،
والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جمع العالمين، إذا
عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان يمحمد عليه الصلام والسلام وعدهم
٢٤٩
قوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب . سورة الحديد .
بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتيعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن
النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا فى قومهم، فقال إنما بالغنا فى هذا البيان ، وأطنبنا فى الوعد
والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر
الرسالة والنبوة فى قوم مخصوصين، وأن الفضل بيدالله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه فى ذلك
أصلا ( أما القول الثانى) وهو أن لفظة لاغير زائدة، فاعلم أن الضمير فى قوله (ألا يقدرون) عائد
إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبى والمؤمنين لا يقدرون على شىء من
فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، ثم قال (وأن
الفضل بيد الله) أى وليعلموا أن الفضل بيد الله، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذاو كذا لئلايعتقد أهل
الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه فى أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيدالله،
واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا فى قوله ( وأن الفضل بيد الله ) تقدير
وليعتقدوا أن الفضل بيد الله. وأما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شىء موجد ، ومن
المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا فتقر إلى الاضمار لم يوهم ظاهره باطلا
أصلا، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قرىء: لكى يعلم، ولكيلايعلم، وليعلم، ولأن يعلم،
بإدغام النون فى الياء، وحكى ابن جنى فى المحتسب عن قطرب: أنه روى عن الحسن: ليلا، بكسر اللام
وسكون الياء، وحكى ابن مجاهد عنه ليلا بفتح اللام وجزم الياء من غير همز، قال ابن جنى وماذكر
قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقى لئلا فيجب إدغام النون فى اللام فيصير للا
فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلا، وأما رواية ابن مجاهد
عنه ، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له فمنهم من قاس المظهر عليه، حكى
أبو عبيدة أن بعضهم قرأ (وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال ) .
وأما قوله تعالى ( وأن الفضل بيد الله) أى فى ملكه وتصرفه. واليد مثل يؤتيه من يشاء لأنه
قادر مختار يفعل بحسب الاختيار ( والله ذو الفضل العظيم) والعظيم لابد وأن يكون إحسانه
عظيما ، والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم فى نبوته وشرعه وكتابه ، والله أعلم بالصواب
وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٢٥٠
سورة المجادلة
(٥٨) سورة المجاد لتمَدِنِيّة
وَآيَاتِهَائِلْتَانِ وَعِشْرُونَ
بسـ
قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىّ إِلَى اللّهِ وَاللهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ﴾
روى أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت رآها زوجها وهى
تصلى، وكانت حسنة الجسم، وكان بالرجل لم ، فلما سلمت راودها، فأبت ، فغضب ، وكان به
خفة فظاهر منها، فأتت رسول اللّه وج رائم وقالت إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلماخلا
سنى وكثر ولدى جعلنى كأمه، وإن لى صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى
جاءوا، ثم ههنا روايتان: يروى أنه عليه السلام قال لها ((ما عندى فى أمرك شىء)) وروى أنه
عليه السلام قال لها ((حرمت عليه)) فقالت يا رسول الله ما ذكر طلاقاً، وإنما هو أبو ولدى
وأحب الناس إلى، فقال (حرمت عليه)) فقالت أشكوا إلى الله فاقتی وو جدی ، وكلما قال رسول
الله {لتے « حرمت علیه ) هتفت وشکت إلى الله، فبیما هی کذلك إذ تربد وجه رسول اله ڑٹے ،
فنزلت هذه الآية ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى زوجها، وقال «ما حملك على ماصنعت؟
فقال الشيطان فهل من رخصة؟ فقال نعم، وقرأ عليه الأربع آيات، وقال له هل تستطيع العاق؟
فقال لا والله، فقال هل تستطيع الصوم؟ فقال لا والله لولا أنى آكل فى اليوم مرة أو مرتين لكل
يصرى ولظننت أنى أموت ، فقال له: هل تستطيع أن قطعم ستين مسكيناً؟ فقال لا والله يا رسول
الله إلا أن تعيننى منك بصدقة، فأعانه بخمسة عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله. فتصدق به
على ستين مسكيناً )، واعلم أن فى هذا الخبر مباحث :
﴿ الأول) قال أبو سليمان الخطابى: ليس المراد من قوله فى هذا الخبر: وكان به لم، الخبل
والجنون إذ لو كان به ذلك - ثم ظاهر فى تلك الحالة - لم يكن يلزمه شىء، بل معنى اللم هنا: الإلمام
بالنساء، وشدة الحرص ، والتوقان إليهن .
:
٢٥١
قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم . سورة المجادلة .
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِّنْ نِسَآءِم مََّ هُنَّ أَمَّهَتِهِمْ
﴿ البحث الثانى) أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية، لأنه فى التحريم أوكد ما يمكن،
وإن كان ذلك الحكم صار مقرراً بالشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يعد نسخاً، لأن النسخ إنما
يدخل فى الشرائع لا فى عادة الجاهلية ، لكن الذى روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها (حرمت))
أو قال: ((ما أراك إلا قد حرمت)) كالدلالة على أنه كان شرعاً. وأما ما روى أنه توقف فى الحكم
فلا يدل على ذلك .
(البحث الثالث) أن هذه الواقعة تدل على أن من أنقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له فى
مهمه أحد سوى الخالق. كفاه الله ذلك المهم، ولنرجع إلى التفسير، أما قوله ( قد سمع اللّه) ففيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى) قوله (قد) معناه التوقع، لأن رسول اللّه والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع
اللّه مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج عنها .
﴿ المسألة الثانية﴾ كان حمزة يدغم الدال فى السين من ( قد سمع ) وكذلك فى نظائره، واعلم
أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين (أولى)) المجادلة وهى قوله ( تجـادلك فى زوجها) أى
تجادلك فى شأن زوجها، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كاما قال لها ((حرمت عليه))
قالت: والله ما ذكر طلاقاً (وثانيهما) شكواها إلى الله، وهو قولها: أشكر إلى اللّه فاقتى ووجدى،
وقولها: إن لى صبية صغاراً، ثم قال سبحانه ( والله يسمع تحاوركما) والمحاورة المراجعة فى الكلام،
من حار الشىء يحور حوراً، أى رجع يرجع رجوعاً، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومنه
فما أحار بكلمة، أى فما أجاب ، ثم قال ( إن الله سميع بصير) أى يسمع كلام من يناديه، ويبصر
من ينضرع إليه .
قوله تعالى: ﴿ الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم ) اعلم أن قوله (الذين يظاهرون)
فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية، فنقول فى هذه الآية بحثان.
(أحدهما ) أن الظهار ما هو ؟
(الثانى) أن المظاهر من هو؟ وقوله ( من نسائهم) فيه بحث: وهو أن المظاهر منها من هى ؟
﴿ أما البحث الأول ) وهو أن الظهار ما هو ؟ ففيه مقامان:
﴿ المقام الأول) فى البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان (أحدهما) أنه عبارة
عن قول الرجل لامرأته: أنت على كظهر أمى ، فهو مشتق من الظهر.
٢٥٢
قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم . سورة المجادلة .
الثامن والعشرون.
( والثانى) وهو صاحب النظم ، أنه ليس مأخوذاً من الظهر الذى هو عضو من الجسد، لأنه
ليس الظهر أولى بالذكر فى هذا الوضع من سائر الأعضاء التى هى مواضع المباضعة والتلذذ، بل
الظهر ههنا مأخوذ من العلو، ومنه قوله تعالى ( فما اسطاعوا أن يظهروه) أى يعلوه ، وكل من
علا شيئاً فقد ظهره ، ومنه سمى المركوب ظهراً ، لأن راكبه يعلوه ، وكذلك امرأة الرجل
ظهره، لأنه يعلوها بملك البضع، وإن لم يكن من ناحية الظهر ، فكأن امرأة الرجل من كب للرجل
وظهر له ، ويدل على صحة هذا المعنى: أن العرب تقول فى الطلاق: نزلت عن امرأتى، أى طلقتها،
وفى قولهم: أنت على كظهر أمى ، حذف وإضمار، لأن تأويله: ظهرك على، أى ملكى إياك.
وعلوى عليك حرام ، كما أن علوى على أمى وملكها حرام على .
﴿المقام الثانى) فى الألفاظ المستعملة بهذا المعنى فى عرف الشريعة. الأصل فى هذا الباب أن
يقال: أنت على كمظهر أمى، فإما أن يكون لفظ الظهر، ولفظ الأم مذكورين وإما أن يكون لفظ.
الأم مذكوراً دون لفظ الظهر، وإما أن يكون لفظ الظهر مذكوراً دون لفظ الأم، وأما أن
لا يكون واحد منهما مذكوراً ، فهذه أقسام أربعة :
﴿ القسم الأول) إذا كانا مذكورين وهو معتبر بالاتفاق، ثم لامناقشة فى الصلات إذا انتظم
الكلام ، فلو قال: أنت على كظهر أمى، أو أنت منى كمظهر أمى ، فهذه الصلات كلها جائزة ولو لم
يستعمل صلة، وقال: أنت كظهر أمى، فقيلى إنه صريح، وقيل يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه فى
حق غيره، ولكن هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أردت بذلك الإخبار
عن كونها طالقاً من جهة فلان .
﴿ القسم الثانى ) أن تكون الأم مذكورة ، ولا يكون الظهر مذكوراً، وتفضيل مذهب
الشافعى فيه أن الأعضاء قسمان ، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر بالإكرام ، ومنها ما يكون
التشبيه بها مشعر بالإكرام، (أما الأول) فهو كقوله: أنت على كرجل أمى، أو كيد أمى، أو
كبطن أمى، والشافعى فيه قولان: الجديد أن الظهار يثبت، والقديم أنه لا يثبت، أما الأعضاء
التى يكون التشبيه بها سباً للاكرام، فهو كقوله: أنت على كعين أمى ، أو روح أمى، فإن أراد
الظهار كان ظهاراً، وإن أراد الكرامة فليس بظهار ، فإن لفظه محتمل لذلك ، وإن أطلق ففيه
تردد، هذا تفضيل مذهب الشافعى، وأما مذهب أبى حنيفة ، فقال أبو بكر الرازى فى أحكام
القرآن: إذا شبه زوجته بعضو من الأم يحل له النظر إليه لم يكن ظهاراً، وهو قوله: أنت على كيد
أمى أو كرأسها، أما إذا شبهها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهاراً، كما إذا قال: أنت
على كبطن أى أو خذها ، والأقرب عندى هو القول القديم للشافعى، وهو أنه لا يصح الظهار
بشىء من هذه الألفاظ ، والدليل عليه أن حل الزوجة كان ثابتاً ، وبراءة الذمة عن وجوب
الكفارة كانت ثابتة، والأصل فى الثابت البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال: أنت على
٠٠
٢٥٣
قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم . سورة المجادلة .
كظهر أمى لمعنى مفقود فى سائر الصور، وذلك لأن اللفظ المعهود فى الجاهلية هو قوله: أنت على
كظهر أمى، ولذلك سمى ظهاراً، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعراً بالتحريم، ولم يوجد هذا
المعنى فى سائر الألفاظ ، فوجب البقاء على حكم الأصل .
﴿ القسم الثالث) ما إذا كان الظهر مذكوراً ولم تكن الأم مذكورة ، فهذا يدل على ثلاثة
مراتب: (المرتبة الأولى) أن يجرى التشبية بالمحرمات من النسب والرضاع، وفيه قولان: القديم
أنه لا يكون ظهاراً، والقول الجديد أنه يكون ظهاراً، وهو قول أبى حنيفة. (المرتبة الثانية )
تشبيها بالمرأة المحرمة تحريما، وقتاً مثل أن يقول لامرأته: أنت على كظهر فلانة ، وكان طلقها
والمختار عندى أن شيئاً من هذا لا يكون ظهاراً، ودليله ما ذكرناه فى المسألة السالفة، وحجة
أبى حنيفة أنه تعالى قال (والذين يظاهرون) وظاهر هذه الآية يقتضى حصول الظهار بكل محرم
فمن قصره على الأم فقد خص (والجواب) أنه تعالى لما قال بعده ( ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا
اللائى ولدنهم) دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم، ولأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر
المحارم، فنقول: المقتضى لبقاء الحل قائم على مابيناه، وهذا الفارق موجود، فوجب أن لا يجوز
القياس.
﴿ القسم الرابع) ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم، كما لو قال: أنت على كبطن أختى، وعلي
قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهاراً .
﴿ البحث الثانى ) فى المظاهر ، وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الشافعى رحمه الله: الضابط أن كل من صح طلاقه صح ظهاره ،
فعلى هذا ظهار الذى عنده صحيح ، وقال أبو حنيفة لا يصح ، واحتج الشافعى بعموم قوله تعالى
(والذين يظاهرون من نسائهم) وأما القياس فمن وجهين (الأول ) أن تأثير الظهار فى التحريم
والذمى أهل لذلك، بدليل صحة طلاقه، وإذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياساً
على سائر التصرفات (الثانى) أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذى
هو منكر من القول وزور ، وهذا المعنى قائم فى حق الذمى فوجب أن يصح ، واحتجوا لقول
أبى حنيفة بهذه الآية من وجهين (الأول ) احتج أبو بكر الرازى بقوله تعالى ( والذين يظاهرون
منكم من نسائهم) وذلك خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين ( الثانى ) أن
من لوازم الظهار الصحيح، وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى (والذين
يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا - إلى قوله - فمن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين)
وإيجاب الصوم على الذمى يمتنع، لأنه لو وجب لوجب، أما مع الكفر وهو باطل بالإجماع ، أو
بعد الإيمان وهو باطل، لقوله عليه السلام ((الإسلام يجب ما قبله)) (والجواب) عن الأول
:
الفخر الرازى - ج ٢٩ م ١٧
٢٥٤
قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم . سورة المجادلة . ٢٥٣
من وجوه (أحدها) أن قوله ( منكم) خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين، فلم قلتم إنه مختص
بالمؤمنين؟ سلمنا أنه مختص بالمؤمنين ، فلم قلتم إن تخصيصه بالمؤمنين فى الذكر يدل على أن حال
غيرهم بخلاف ذلك ، لا سيما ومن مذهب هذا القائل أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال
ما عداه بخلافه ، سلمنا بأنه يدل عليه ، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق ، فكان التمسك
بعموم قوله ( والذين يظاهرون ) أولى، سلمنا الاستواء فى القوة، لكن مذهب أبى حنيفة أن
العام إذا ورد بعد الخاص كان نائهاً للخاص، والذى تمكنا به، وهو قوله ( والذين يظاهرون
من نسائهم) متأخر فى الذكر عن قوله (الذين يظاهرون منكم) والظاهر أنه كان متأخراً فى النزول
أيضاً لأن قوله ( الذين يظاهرون منكم) ليس فيه بيان حكم الظهار، وقوله ( والذين يظاهرون
من نسائهم) فيه بيان حكم الظهار، وكون المبين متأخراً فى النزول عن المجمل أولى ( والجواب)
عن الثانى من وجوه ( الأول ) أن لوازمه أيضاً أنه متى عجز عن الصوم اكتفى منه بالإطعام . فههنا
إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه بالإطعام ، وإن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال، (والثانى)
أن الصوم يدل عن الإعتاق ، والبدل أضعف من المبدل ، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه
يصح ظهاره ، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع ، مع صحة الظهار، فوات أضعف
اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار (الثالث) قال القاضى حسين من أصحابنا إنه يقال :
إن أردت الخلاص من التحريم، فأسلم وصم ، أما قوله عليه والسلام ((الإسلام يجب ما قبله))
قلنا إنه عام، والتكليف بالتكفير خاص، والخاص مقدم على العام ، وأيضاً فنحن لا نكلفه بالصوم
بل نقول: إذا أردت إزالة التحريم فصم ، وإلا فلا تصم.
المسألة الثانية﴾ قال الشافعى وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله: لا يصح ظهار المرأة من زوجها
وهو أن تقول المرأة لزوجها أنت على كظهر أمى، وقال الأوزاعى: هو يمين تكفرها، وهذا خطأ
لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين، وهو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك؟ ولأن الظهاريوجب
تحريماً بالقول، والمرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق.
المسألة الثالثة﴾ قال الشافعى وأبو حنيفة إذا قال: أنت على كظهر أمى اليوم، بطل الظهار
بمضى اليوم ، وقال مالك وابن أبى ليلى، هو مظاهر أبداً. لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت
وإلا لما انحل بالتفكير ، وإذا كان قابلا للتوقيت ، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت
قياساً على اليمين ، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى (الذين يظاهرون) ، أما قوله تعالى (من
نسائهم) فيتعلق به أحكام المظاهر منه، واختلفوا فى أنه هل يصح الظهار عن الأمة؟ فقال أبو حنيفة
والشافعى لا يصح، وقال مالك والأوزاعى يصح، حجة الشافعى أن الحل كان ثابتاً، والتكفير لم
يكن واجباً، والأصل فى الثابت البقاء، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله (والذين يظاهرون
من نسائهم) يتناول الحرائر دون الإماء، والدليل عليه قوله (أو نسائهن) والمفهوم منه الحراثر
٢٥٥
قوله تعالى : إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم . سورة المجادلة .
ولولا ذلك لما صح عطف قوله ( أو ما ملكت أيمانهن) لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وقال
تعالى ( وأمهات نسائكم) فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين.
﴿ المسألة الرابعة) فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات، قال أبو على: قرأ ابن كثير ونافع
وأبو عمر ( والذين يظهرون) بغير الألف، وقرأ عاصم (يظاهرون) بضم الياء وتخفيف الظاء
والألف ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسان يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء، قال أبو
على: ظاهر من امرأته ، ظهر مثل ضاعف وضعف ، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر
وتظهر، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر ويتظهر ، ثم تدغم التاء فى الظاء لمقاربتهالها، فيصير
يظاهر ويظهر ، وتفتح الياء التى هى حرف المضارعة، لأنها للمطاوعة كما يفتحها فى يتدحرج الذى
هو مطاوع، دحرجته فتدحرج، وإنما فتح الياء فى يظاهر ويظهر ، لأنه المطاوع كما أن يتدحرج
كذلك، ولأنه على وزنهما ، وإن لم يكونا للالحاق، وأما قراءة عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر
يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ لفظة ( منكم) فى قوله (والذين يظاهرون منكم) توبيخ للعرب وتهجين
لعادتهم فى الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم ، وقوله تعالى ( ماهن
أمهاتهم ) فيه مسألتان .
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم فى رواية المفضل (أمهاتهم) بالرفع، والباقون بالنصب على
لفظ الخفض ، وجه الرفع أنه لغة تميم، قال سيبويه وهو أقيس الوجهين ، وذلك أن النفى كالاستفهام
فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه ، فكذا ينبغى أن لا يغير النفى الكلام عما كان عليه ،
ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ فى التنزيل بلغتهم أولى، وعليها جاء قوله (ماهذا بشرا)
ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس فى أمرين (أحدهما) أن (ما) تدخل على المبتدأ والخبر، كما أن
ليس تدخل عليهما ( والثانى) أن ما تنفى وافى الحال، كما أن ليس تنفى ما فى الحال، وإذا حصلت
المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة فى سائر الأحكام ، إلا ما خص بالدليل قياساً على باب
مالا ينصرف .
﴿ المسألة الثانية﴾ فى الآية إشكال: وهو أن من قال لامرأته: أنت على كظهر أمى ، فهو
شبه الزوجة الأم، ولم يقل إنها أم ، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله ( ما هن
أمهاتهم) وكيف يليق أن يقال ( وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً) والجواب ، أما
الكذب إنما لزم لأن قوله: أنت على كظهر أمى، إما أن يجعله إخباراً أو إنشاء وعلى التقدير الأول
أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة بالمحرمة فى وصف الحل والحرمة كذب،
وإن جعلناه إنشاءكان ذلك أيضاً كذباً، لأن كونه إنتماء معناه أن الشرع جعله سباً فى حصول الحرمة،
فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء فى وقوع هذا الحكم يكون كذبا وزوراً، وقال
٢٥٦
قوله تعالى : إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم . سورة المجادلة .
إِنْ أُمَّهَدُهُمْ إِلّ الَّتِى وَلَّنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَ إِنَّاللهَ
لَعَفُ غَفُورٌ ﴿ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنِسَاءِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَعْرِبُ رَقَبَةٍ
مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسًا
بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه (منكراً من القول وزوراً) لأن الأم محرمة تحريماً مؤبداً،
والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريماً مؤبداً، فلا جرم كان ذلك منكراً من القول وزوراً، وهذا
الوجه ضعيف لأن تشبيه الشىء بالشىء لا يقتضى وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه، فلا يلزم
من تشبيه الزوجة بالأم فى الحرمة تشبيهها بها فى كون الحرمة مؤبدة، لأن مسمى الحرمة أعم من
الحرمة المؤبدة والمؤقتة .
قوله تعالى: ﴿إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا هن القول وزوراً﴾ أما
الكلام فى تفسير لفظة اللائى، فقد تقدم فى سورة الأحزاب عند قوله (وما جعل أزواحكم اللائى
تظاهرون ) ثم فى الآية سؤالان: وهو أن ظاهرها يقتضى أنه لا أم إلا الوالدة، وهذا مشكل)،
لأنه قال: فى آية آخرى (وأمهاتكم من الرضاعة) وفى آية أخرى (وأزواجه أمهاتهم، ولا يمكن
أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أماً، وزوجة الرسول أماً، حرمة النكاح، وذلك
لأنا نقول : إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة، فإذاً لا يلزم
من عدم كون الزوجة أماً عدم الحرمة ، وظاهر الآية: يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على
عدم الحرمة ، وحينئذ يتوجه السؤال (والجواب) أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل
بل تقدير الآية كأنه قيل: الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، ولم يرد الشرع
يجعل هذا اللفظ سبباً لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة، فإذاً لا تحصل الحرمة هناك البتة . فكان
وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً .
ثم قال تعالى ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ إما من غير التوبة لمن شاء، كما قال ( ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء ) أو بعد التوبة .
قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن
يتماسا﴾ قال الزجاج: الذين، رفع بالابتداء، وخبر، فعليهم تحرير رقبة، ولم يذكر عليهم لأن فى
الكلام دليلا عليه ، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى ( ثم يعودون لمنا
قالوا) فاعلم أنه كثر اختلاف الناس فى تفسير هذه الكلمة، ولا بد أولا من بيان أقوال أهل
العربية فى هذه الكلمة، وثانياً من بيان أقوال أهل الشريعة ، وفيها مسائل:
٢٥٧
قوله تعالى : ان امها تهم إلا اللائي ولدينهم . سورة المجادلة .
المسألة الأولى﴾ قال الفراء لافرق فى اللغة بين أن يقال: يعودون لما قالوا، وإلى ما قالوا
وفيما قالوا، أبو على الفارسى: كلمة إلى واللام يتعاقبان، كقوله (الحمد لله الذي هدانا لهذا)
وقال ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وقال تعالى ( وأوحى إلى نوح) وقال (بان ربك أوحى لها).
﴿ المسألة الثانية﴾ لفظ: ما قالوا، فى قوله ( ثم يعودون لما قالوا) فيه وجهان (أحدهما)
أنه لفظ الظهار، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ (والثانى) أن يكون المراد بقوله: لما قالوا،
المقول فيه، وهو الذى حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه ، ونظيره
قوله تعالى (ونزئه ما يقول) أى ونزئه المقول، وقال عليه السلام ((العائد فى هبته، كالكلب يعود
فى قيته)) وإنما هو عائد فى الموهوب، ويقول الرجل: اللهم أنت رجاؤنا، أى مرجونا، وقال
تعالى ( واعبد ربك حتى تأتيك اليقين) أى الموقن به ، وعلى هذا معنى قوله (ثم يعودون لما
قالوا ) أى يعودون إلى الشىء الذى قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول
فنقول: قال أهل اللغة، يجوز أن يقال: عاد لما فعل، أى فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال: عاد
لما فعل، أى نقض مافعل ، وهذا كلام معقول ، لأن من فعل شيئاً ثم أراد أن يقال مثله ، فقد عاد
إلى تلك الماهية لامحالة أيضاً، وأيضاً من فعل شيئاً ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه، لأن التصرف فى
الشىء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ظهرما قدمنا أن قوله (ثم يعودون لما قالوا) يحتمل أن يكون المراد
.ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة، ويحتمل أن يكون المراد منه، ثم يعودون إلى تكوين
مثله مرة أخرى ، أما الاحتمال الأول فهو الذى ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه:
(الأول) وهو قول الشافعى أن معنى العود، لما قالوا : السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه
أن يطلقها فيه، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقدتم ما شرع منه
من إيقاع التحريم ، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق ، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به
من التحريم ، فحينئذ تجب عليه الكفارة، واحتج أبو بكر الرازى فى أحكام القرآن على فساد هذا
القول من وجهين: (الأول) أنه تعالى قال (ثم يعودون لما قالوا) وثم تقتضى التراخى، وعلى
هذا القول يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ ، وذلك خلاف مقتضى الآية ( الثانى )
أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها ، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضى جرمة إمساك الزوجه ، فلا يكون
إمساك الزوجة نقضاً لقوله: أنت على كظهر أبى، فوجب أن لا يفسر العودهذا الإمساك ( والجواب
عن الأول ) أن هذا أيضاً واراد على قول أبى حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء،
فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى
يحصل التراخى ، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضاً، ثم نقول
إنه مالم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائداً، فقد تأخر كونه عائداً عن
٢٥٨
قوله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم .. سورة المجادلة
كونه مظاهراً بذلك القدر من الزمان ، وذلك يكفى فى العمل بمقتضى كلمة : ثم (والجواب عن الثانى)
أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها، فقوله: أنت على كظهر أمى، لم
فيه بيان أن التشبيه وقع فى إمساكها على سبيل الزوجية، أو فى الاستمتاع بها، فوجب حمله على
الكل ، فقوله: أنت على كظهرأمى، يقتضى تشبيهها بالأم فى حرمة إمسا كما على سبيل الزوجية ، فإذا
لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضاً لمقتضى قوله: أنت على كظهر
أمى، فوجب الحكم عليه بكونه عائداً، وهذا كلام ملخص فى تقرير مذهب الشافعى (الوجه الثانى)
فى تفسير العود ، وهو فول أبى حنيفة: أنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة،
قالوا وذلك لأنه لما شبهها بالأم فى حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة هذه الأشياكان ذلك
مناقضاً لقوله: أنت على كظهر أمى، واعلم أن هذا الكلام ضعيف، لأنه لما شبهها بالأم، لم يبين أنه
فى أى الأشياء شبهها بها. فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع، وحرمة النظر أولى من
صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل ، وإذا كان
كذلك، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة، فقد نقض حكم قوله: أنت على كظهرأى، فوجب أن
يتحقق العود ( الوجه الثالث ) فى تفسير العود وهو قول مالك: أن العود إليها عبارة عن العزم
على جماعها وهدا ضعيف ، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة
القصد إلى استحلال جماعها، وحينئذ نرجع إلى قول أبى حنيفة رحمه الله (الوجه الرابع) فى تفسير
العود وهو قول طاوس والحسن البصرى : أن العود إليها عبارة عن جماعها، وهذا خطأ لأن
قوله تعالى ( ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ينماسا) بفاء التعقيب فى قوله (فتحرير
رقبة) يقتضى كون التكفير بعد العود، ويقتضى فوله (من قبل أن يتماسا) أن يكون التكفير قبل.
الجماع ، وإذا ثبت أنه لابد وأن يكون التكفير بعد العود. وقبل الجماع، وجب أن يكون العود
غير الجماع، واعلم أن أصحابنا قالوا: العود المذكور ههنا، هب أنه صالح للجماع، أو للعزم على الجماع،
أو لاستباحة الجماع، إلا أن الذى قاله الشافعى رحمه الله، هو أقل ماينطلق عليه الإسم فيجب تعليق
الحكم عليه لأنه هو الذى به يتحقق مسمى العود، وأما الباقى فزيادة لا دليل عليها البتة .
﴿ الاحتمال الثانى) فى قوله ( ثم يعودون) أى يفعلون مثل مافعلوه، وعلى هذا الاحتمال
فى الآية أيضاً وجوه (الأول ) قال الثورى العود هو الإتيان بالظهار فى الإسلام، وتقريره أن أهل
الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، لجعل الله تعالى حكم الظهار فى الإسلام، خلاف حكمه عندهم فى الجاهلية،
فقال ( والذين يظاهرون من نسائهم ) يريد فى الجاهلية (ثم يعودون لما قالوا ) أى فى الإسلام والمعنى أنهم
يقولون فى الإسلام مثل ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، فكفارته كذ و كذا ، قال أصحابنا هذا القول
ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة: ثم وهذا يقتضى أن يكون المراد من
العود شيئاً غير الظهار ، فإن قالوا المراد والذين كانو يظاهرون من نسائهم قبل الاسلام ، والعرب
٢٥٩
قوله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم . سورة المجادلة .
تضمر لفظ كان، كمافى قوله (واتبعو أما تتلواالشياعلين) أى ما كانت تتلوا الشياطين، قلنا الإضمار خلاف
الأصل (القول الثانى) قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فقدعاد. فإن لم يكررلم يكن عوداً، وهذا
قول أهل الظاهر، واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله ( ثم يعودون لما قالوا) يدل على إعادة ما فعلوه،
وهذا لا يكون إلا بالتكرير، وهذا أيضاً ضعيف من وجهين: ( الأول) أنه لو كان المراد هذا
لكان يقول، ثم يعيدون ما قالوا (الثانى) حديث أوس فإنه لم يكرر الظهار إنما عزم على إجماع
وقد ألزمه رسول الله الكفارة، وكذلك حديث سلمة بن صخر البياضى فإنه قال : كنت لا أصبر
عن الجماع فلما دخل شهررمضان ظاهرت من امرأتى مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت
منها شهر رمضان كله ثم لم أصبر فواقعتها فأتيت رسول الله فأخبرته بذلك وقلت: أمض فى حكم الله،
فقال (اعتق رقبة)) فأوجب الرسول عليه السلام عليه الكفارة مع أنه لم يذكر تكرار الظهار
( القول الثالث ) قال أبو مسلم الأصفهانى: معنى العود، هو أن يحلف على ما قال أولا من لفظ
الظهار ، فإنه إذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال فى بعض الأطعمة، إنه حرام على
كلحم الآدمى، فإنه لا تلزمه الكفارة، فأما إذا حلف عليه لزمه كفارة اليمين، وهذا أيضا ضعيف
لأن الكفارة قد تجب بالإجماع فى المناسك . ولا يمين هناك، وفى قتل الخطأ ولا يمين هناك.
قوله تعالى: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا فيما يحرمه الظهار، فالشافعى قولان , أحدهما ) أنه يحرم الجماع
فقط ( القول الثانى) وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات. وهو قول أبى حنيفة رحمه
اللّه ودليله وجوه (الأول) قوله تعالى (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) فكان ذلك عاماً فى جميع
ضروب المسيس ، من لمس بيد أو غيرها ( والثانى.) قوله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم)
ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم، فكما أن مناشرة ظهر الأم ومسه يحرم عليه ،
فوجب أن يكون الحال فى المرأة كذلك (الثالث) روى عكرمة ((أن رجلا ظاهر من امرأته ثم
واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى
تكفر » .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فيمن ظاهر مراراً، فقال الشافعى وأبو حنيفة لكل ظهار كفارة
إلا أن يكون فى مجلس واحد، وأراد بالتكرار التأكيد، فإنه يكون عليه كفارة واحدة، وقال
مالك : من ظاهر من امرأته فى مجالس متفرقة مائة فليس علية إلا كفارة واحدة ، دليلنا أن قوله
تعالى ( والذين يظاهرون من نسائهم - فتحرير رقبة) يقتضى كون الظهار علة الإيجاب الكفارة ،
فإذا وجد الظهار الثانى فقد وجدت علة وجوب الكفارة ، والظهار الثانى إما أن يكون علة
للمكفارة الأولى، أو الكفارة ثانية والأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار الأول
وتكوين الكائن محمال، ولأن تأخر العلة عن الحكم محال ، فعلمنا أن الظهار الثانى يوجب كفارة
٢٦٠
قوله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم . سورة المجادلة .
ثانية، واحتج مالك بأن قوله (والذين يظاهرون ) يتناول من ظاهر مرة واحدة ، ومن ظاهر
مراراً كثيرة، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة ، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف فى
الظهار، سواء كان مرة واحدة أو مراراً كثيرة ( والجواب) أنه تعالى قال (لا يؤاخذ كم الله باللغو
فى أيمانكم ولكن يؤاخذ بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين) فهذا يقتضى
أن لا يجب فى الأيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة، ولما كان باطلا، فكذا ما قلتموه.
﴿ المسألة الثالثة) رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال: أنتن على كظهر
أمى، الشافعى قولان : أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات ، نظراً إلى عدد اللواتى ظاهر منهن ،
ودليله ماذكرنا ، أنه ظاهر عن هذه، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار، وظاهر أيضاً عن تلك،
فالظهار الثانى لابد وأن يوجب كفارة أخرى .
﴿ المسألة الرابعة) الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة، فإن جامع قبل أن يكفر
لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كما لك وأبى حنيفة والشافعى وسفيان
وأحمد وإسحق رحمهم الله، وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ، وهو قول
عبد الرحمن بن مهدى دليلنا أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود، فههنا فأنت
صقة القبلية ، فيبقى أصل وجوب الكفارة ، وليس فى الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب
كفارة أخرى .
المسألة الخامسة﴾ الأظهر أنه لا ينبغى للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر، فإن نهاون
بالتكفير حال الإمام بينه وبينها ويجبره على التكفير ، وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من
الجماع، قال الفقهاء : ولا شىء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأن
ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله هذه الرقبة تجرى. سواء كانت مؤمنة أو كافرة،
لقوله تعالى (فتحرير رقبة ) فهذا اللفظ يفيد العموم فى جميع الرقاب، وقال الشافعى: لابد وأن
تكون مؤمنة ودليله وجهان (الأول) أن المشرك نجس، لقوله تعال (إنما المشركون نجس)
وكل نجس خبيث بإجماع الأمة وقال تعالى (ولا قيمموا الخبيث) (الثانى) أجمعنا على أن الرقبة
فى كفارة القتل مقيدة بالإيمان ، فكذا ههنا ، والجامع أن الإعتاق إنعام ، فتقييده بالإيمان
يقتصى صرف هذا الإنعام إلى أولياء الله وحرمان أعداء الله، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضى إلى
حرمان أولياد الله، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلا لهذه المصلحة .
﴿ المسألة السابعة﴾ إعتاق المكاتب لا يجزى. عند الشافعى رحمه الله، وقال أبو حنيفة
رحمه الله إن أعتقه قبل أن يؤدى شيئاً جاز عن الكفارة، وإذا أعتقه بعد أن يؤدى شيئاً، فظاهر
الرواية أنه لا يجزىء، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يجزى.، حجة أبى حنيفة أن المكاتب رقبة