النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً . سورة الحديد .
مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ فَرْضًا حَسَنًا
قد أصبحت أم الخيار تدعى على ذنباً كله لم أصنع
روى كاء بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر ، واعلم أن للشيخ عبد القاهر فى هذا الباب كلاماً
حسناً ، قال إن المعنى فى هذا البيت يتفاوت بسبب النصب والرفع ، وذلك لأن النصب يفيد أنه
مافعل كل الذنوب، وهذا لا ينافى كونه فاعلا لبعض الذنوب ، فإنه إذا قال : مافعلت كل الذنوب،
أفاد أنه ما فعل الكل ، ويبقى احتمال أنه فعل البعض، بل عند من يقول بأن دليل الخطاب
حجة يكون ذلك اعترافاً بأنه فعل بعض الذنوب . أما رواية الرفع، وهى قوله: كله لم أصنع ،
فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع، فيكون معناه أنه ما أتى بشىء
من الذنوب البتة ، وغرض الشاعر أن يدعى البراءة عن جميع الذنوب ، فعلمنا أن المعنى يتفاوت
بالرفع والنصب، وبما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب فى هذا الباب قوله تعالى (إنا كل
شىء خلقناه بقدر ) فن قرأكل شىء بالنصب ، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر ، ومن قرأكل بالرفع
لم يفد أنه تعالى خلق الكل ، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقاً له فهو إنما خلقه بقدر ، وقد يكون
تفاوت الإعراب فى هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله (والقمر قدرناه) فإنك سواء
قرأت (والقمر) بالرفع أو بالنصب فإن المعنى واحد فكذا فى هذه الآية سواء قرأت (وكلا وعد
الله الحسنى) أو قرأت ( وكل وعد الله الحسنى) فإن المعنى واحد غير متفاوت.
المسألة الثالثة) تقدير الآية: وكلا وعده الله الحسنى. إلا أنه حذف الضمير لظهوره كما
فى قوله ( أهذا الذى بعث الله رسولا) وكذا قوله ( واتقوا يوماً لاتجزى نفس عن نفس شيئاً)
ثم قال (والله بما تعملون خبير) والمعنى أنه تعالى لما وعد السابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن
يكون عالماً بالجزئيات، وبجميع المعلومات، حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين، إذ لو لم
يكن عالماً بهم وبأفعالهم على سبيل التفصيل، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام ، فلهذا
السبب أتبع ذلك الوعد بقوله ( والله بما تعملون خبير) .
قوله تعالى : ﴿ من ذا الذى يقرض اللّه قرضاً حسناً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا أن رجلا من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إله
محمد حتى افتقر، فلطمه أبو بكر، فشكا اليهودى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ما
أردت بذلك؟ فقال ما ملكت نفسى أن لطمته فنزل قوله تعالى (ولنسمعن من الذين أوتوا الكتاب
من قبلكم ومن الذين أشر كوا أذى كثيراً) قال المحققون: اليهودى إنما قال ذلك على سبيل
الاستهزاء، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر، وكذا القول في قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء.
المسألة الثانية﴾ أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس فى أن ينفقوا أموالهم فى نصرة

٢٢٢
قوله تعالى : فيضاعفه له وله أجر كريم ، سورة الحديد .
فَيُضَعِفَهُ، لَهُ, وَلَهُ وَ أَبْ كَرِيمٌ ﴾
المسلمين وقتال الكافرين رمواساة فقراء المسلمين، وسمى ذلك الإنفاق فرضً من حيث وعد به الجنة
تشياً بالفرض.
المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى المراد من هذا الإنفاق، فمنهم من قال المراد الإنفاقات الواجبة،
ومنهم من قال: بل هو فى التطوعات ، والأغرب دخول الكل فيه.
﴿ المسألة الرابعة﴾ ذكروا فى كون الفرض حسناً وجوهاً (أحدها) قال مقاتل: يعنى طيبة
بها نفسه (وثانيها) قال الكلبى: يعنى يتصدق بها لوجه الله (وثالثها) قال بعض العلماء: القرض
لا يكون حسناً حتى يجمع أو صافاً عشرة (الأول) أن يكون من الخلال قال عليه الصلاة والسلام
(((إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب)) وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا
صدقة من غلول)) (والثانى) أن يكون من أكرم ما يملكهدون أن ينفق الردى.، فال اللّه تعالى (ولا
تيممرا الخيث منه تنفقون)، (الثالث) أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو
المراد بقوله تعالى ( وآتى المال على حبه) ويقول (ويطعمون الطعام على حبه) على أحد التأويلات
وقال عليه الصلاة والسلام (( الصدقة أن تعطى وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، ولا تمهل حتى
إذا بلغت الفراقى قلت لفلان كذا ولفلان كذا)) (والرابع) أن تصرف صدقتك إلى الأحوج
الأولى بأخذها، ولذلك خص الله تعالى أقواماً بأخذها وهم أهل السهمان (الخامس ) أن تكتم
الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لنكم)، (السادس) أن
لا تتبعها مناً ولا أذى ، قال تعالى ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى). (السابع) أن تقصد بها
وجه الله ولا تراثى، كما قال (إلا ابتغاء وجهربه الأعلى ولسوف يرضى) ولأن المراقى مذموم بالاتفاق
(الثامن) أن تستحقر مانتعطى وإن كثر، لأن ذلك قليل من الدنيا، والدنيا كلها قليلة، وهذا هو
المراد من قوله تعالى (ولا تمنن تستكثر) فى أحد التأويلات (التاسع) أن يكون من أحب أموالك
إليك ، قال تعالى (أن تنا البر حتى تنفقوا ما تحبون)، (العاشر) أن لازى عن نفسك وذل الفقير،،
بل يكون الأمر بالعكس فى نظرك ، فترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذى قبله بقوله
(وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها) وترى نفسك تحت دين الفقير، فهذه أو ضاف عشرة
إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضاً حسناً، وهذه الآية مفسرة فى سورة البقرة .
قوله تعالى: ﴿ فيضاعفه له وله أجر كريم﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين (أحدهما) المضاعفة على:
ما ذکر فی سورة البقرة ، وبین أن مع المضاعفة له أجر کريم، وفيهقولان: (الأول) وهو قول
أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى بضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم

٢٢٣
قوله تعالى : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات . سورة الحديد .
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَبأَتْمَنِم
عبارة عن الثواب ، فإن قيل مذهبكم أن الثواب أبضاً تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا
.التفسير (الجواب) أنه تعالى كتب فى اللوح المحفوظ، أن كل من صدر منه الفعل الفلانى ، فله قدر
كذا من الثواب، فذاك القدرهو الثواب، فإذا ضم إليه مثله فذلك المثل هو الضعف (والقول الثانى)
هو قول الجبائى من المعتزلة أن الأعراض تضم إلى الثواب فذلك هو المضاعفة، وإنما وصف الأجر
بكونه كريماً لأنه هو الذى جلب ذلك الضعف، وبسببه حصلت تلك الزيادة، فكان كريماً من هذا الوجه .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر: فيضعفه مشددة بغير ألف، ثم إن ابن كثيرة أ
بضم الفاء وابن عامر بفتح الفاء، وقرأ عاصم فيضاعفه بالألف وفتح الفاء ، وقرأ نافع وأبو عمرو
وحمزة والكسائى فيضاعفه بالألف وضم الفاء ، قال أبو على الفارسى يضاعف ويضعف بمعنى إنما
الشأن فى تعليل قراءة الرفع والنصف ، أما الرفع فوجهه ظاهر لأنه معطوف على يقرض، أو على
الإنقطاع من الأول، كأنه قيل فهو يضاعف، وأماة ا. النصب فوجهها أنه لما قال ( من ذا الذى
يقرض) فكأنه قال: أيقرض الله أحد قرضاً حسناً، ويكون قوله (فيضاعفه) جراباً عن
الاستفهام حينئذ ينصب .
قوله تعالى : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ( يوم ترى) ظرف لقوله ( وله أجر كريم) أو منصوب باذكر تعظيما
لذلك اليوم.
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة، واختلفوا فى هذا النور على وجوه:
(أحدها) قال قوم المراد نفس النور على ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن كل
مطالب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه فى العظم والصغر)) فعلى هذامراتب الأنوار مختلفة
فمنهم من يضىء له نور كما بين عدن إلى صنعاء ، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضى. له
نور إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه يتعافى. مرة ويتقد أخرى،
وهذا القول منقول عن ابن مسعود، وققادة وغيرهما، وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى
يوم القيامة يا فلان ما نورك، ويا فلان لا نور لك ، نعوذ بالله منه، واعلم أنا بينا فى سورة
النور، أن النور الحقيقي هو الله تعالى، وأن نور العلم الذى هو نور البصيرة أولى بكونه نوراً من
فور البصر ، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هى النور فى القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة
على حسب مقادير المعارف فى الدنيا ( القول الثانى) أن المراد من النور ما يكون سبباً للنجاة، وإنما
قال بين أيديهم وبأيمانهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء
يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم (القول الثالث) المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة ، كما يقال

٢٢٤
قوله تعالى : بشراكم اليوم جنات . سورة الحديد ..
بُشْرَكُ اَلْيَوْمَ جَّتُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (٨٦) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَدْتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
مِن نُورِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَآءَ كُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًاً
ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلا ، ويقال هذا الأمر له نور ورواق، إذا كان
المقصود حاصلا .
المسألة الثالثة ﴾ قرأ سهل بن شعيب (وياءانهم) بكسر الهمزة، والمعنى بسعى نورهم بين أيديهم
وبأيمايهم حصل ذلك السعى، ونظيره قوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك ) أى ذلك كان بذلك.
قوله تعالى : ﴿ بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز
العظيم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ حقيقة البشارة ذكرناها فى تفسير قوله ( وبشر الذين آمنوا) ثم قالوا تقدير
الآية، وتقول لهم الملائكة بشرا كم اليوم ، كما قال ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام
عليكم) .
المسألة الثانية﴾ دات هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى
بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص .
المسألة الثالثة) احتج الكعى على أن الفاسق ليس بمؤمن ، فقال لو كان مؤمناً لدخل تحت
هذه البشارة ، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة ، ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن
( والجواب) أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه
سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى فيها أبد الآباد، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة ، فسقط هذا
الاستدلال .
المسألة الرابعة) قوله ( ذلك ) عائد إلى جميع ما تقدم وهو النوروالبشرى بالجنات المخلدة.
﴿ المسألة الخامسة) قرىء: ذلك الفوز، بإسقاط كلمة: هو.
واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين فى موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين.
فقال ﴿ يوم يقول المنافقون والمنافقات الذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا
وراءكم فالمسوانوراً﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ يوم يقول، بدل من يوم ترى، أو هو أيضاً منصوب باذكر تقديراً.
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة وحده انظرونا مكسورة الظاء، والباقون انظروا، قال أبو على

٢٢٥
قوله تعالى : يوم يقول المنافقون . سورة الحديد .
الفارشى لفظ النظر يستعمل على ضروب (أحدها) أن تريد به نظرت إلى الشىء ، فيحذف الجار
ويوصل الفعل، كما أنشد أبو الحسن :
ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما ينظر الأراك الظباء
والمعنى ينظرن إلى الأراك (وثانيها) أن تريد به تأملت وتدرت، ومنه قولك: إذهب فانظر
زيداً أيؤمن، فهذا يراد به التأمل، ومنه قوله تعالى (انظر كيف ضربوالك الأمثال، انظر كيف
يفترون على الله الكذب، انظركيف فضلنا بعضهم على بعض) قال: وقد يتعدى هذا إلى كقوله:
(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه، وقد يتعدى
بفى، كقوله ( أفلم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض، أولم يتفكروا فى أنفسهم) (ونائتها)
أن يراد بالنظر الرؤية كما فى قوله :
ولما بدا حوران والآل دونه. نظرت فلم تنظر بعينك منظراً
والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظراً تغرفه فى الآل قال: إلا أن هذا على سبيل المجاز، لأنه
دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئى التماساً لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من
توابع النظر ولوازمه غالباً أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب
قال: ويجوز أن يكون قوله: نظرت فلم تنظر، كما يقال: تكامت وماتكلمت، أى ما تكلمت بكلام
مفيد، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظراً مفيداً (ورابعها) أن يكون النظر بمعنى الإنتظار ، ومنه
قوله تعالى (إلى طعام غير ناظرين إذاه) أى غير مننظرية إدراكه وبلوغه، وعلى هذا الوجه يكون
نظرت معناه انتظرت ، ومجىء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم: شويت واشتويت،
وحقرت واحتقرت، إذا عرفت هذا فقوله (انظرونا) يحتمل وجهين (الأول) انظرونا، أى
انتظرونا، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة، والمنافقون مشاة (والثانى) انظرونا أى
انظروا إلينا ، لأنهم إذا انظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، والنور بين أيديهم، فيستضيئون به ،
وأما قراءة انظرونا مكسورة الظاء فهى من النظرة والإمهال، ومنه قوله تعالى ( أنظر نى إلى يوم
يبعثون) وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنظار المعسر، والمعنى أنه جعل انتادهم فى المشى
إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم .
واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان فى صحة هذه القراءة، وقد ظهر الآن وجه صحتها .
المسألة الثالثة﴾ اعلم أن الاحتمالات فى هذا الباب ثلاثة (أحدها) أن يكون الناس كلهم فى
الظلمات، ثم إنه تعالى يعطى المؤمنين هذه الأنوار ، والمنافقون يطلبونها منهم ( وثانيها ) أن تكون
الناس كلهم فى الأنوار، ثم إن المؤمنين يكونون فى الجنات فيمرون سريعاً، والمنافقون يبقون وراءهم
فيطلبون منهم الانتظار (وثالثها) أن يكون المؤمنون فى النور والمنافقون فى الظلمات ، ثم المنافقون يطلبون
النورمن المؤمنين، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٥ |

٢٢٦
قوله تعالى : فضرب بينهم بسور له باب . سورة الحديد .
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍلَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَِّهِ اَلْعَذَّابُ
عند الموقف، فالمراد من قوله (انظرونا) انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم، فقد أقبلواعليهم،
ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار، وإن كانت هذه الحالة إنما
تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد من قوله (انظرونا) يحتمل أن يكون هو الانتظار ،
وأن يكون النظر إليهم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ القبس: الشعلة من النار أو السراج، والمنافقون طمعوا فى شىء من أنوار
المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، لأن تلك الأدوار نتائج الأعمال الصالحة
فى الدنيا، فلما لم توجد تلك الأعمال فى الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار فى الآخرة، قال الحسن:
يعطى يوم القيامة كل أحد فوراً على قدر عمله، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم وبما فيه من الكلاليب
والحسك ويلقى على الطريق، فتمضى زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضى
زمرة أخرى كأضواء الكواكب فى السماء، ثم على ذلك تخشاهم ظلمة فتبطفى نور المنافقين؛
فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم ) كقبس النار.
المسألة الخامسة ﴾ ذكروا فى المراد من قوله تعالى ( قيل ارجعوا ور.كم فالتمسو نوراً)
وجوهاً (أحدها) أن المراد منه: ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك، فإن هذه
الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق
الذميمة، والمراد من ضرب السور، هو امتناع العود إلى الدنيا (وثانيها) قال أبو أمامة: الناس
يكونون فى ظلمة شديدة، ثم المؤمنون يعطون الأنوار، فإذا أسرع المؤمن فى الذهاب قال المه فق
( انظرونا نقتبس من نوركم) فيقال لهم (ارجعوا وراء كم فالتموا نوراً) قال وهى خدعة خدع
بها المنافقون، كما قال (يخادعون الله وهو خادعهم) فيرجعون إلى المكان الذى قسم فيه النور فلا
يحدون شيئاً، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين (وثالثها) قال أبو مسلم:
المراد من قول المؤمنين (ارجعوا) منع المنافقين عن الاستضاءة، كقول الرجل لمن يريد القرب
منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله (ارجعوا) أن يقطعوا بأنه لاسبيل
لهم إلى وجدان هذا المطلوب البته ، لا أنه أمر لهم بالرجوع .
قوله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب
وفيه مسألتان .
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى السور، فمنهم من قال: المراد منه الحجاب والحيلولة، أى.

٢٢٧
قوله تعالى : ينادونهم ألم نكن معكم . سورة الحديد .
يُنَادُونَهُمْ أَلَّمْ نَكُن مَّعَكُرْ قَالُواْ بَلَنَ وَلَكِنَّكُرْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَرَبَّصْتُمْ وَأَرْتَبْتَمْ
وَغَرَّتْكُرُ الْأُمَانِىّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ الَهِ
المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين: وقال آخرون: بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول
قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف .
﴿ المسألة الثانية) الباء فى قوله ( بسور) صلة وهو للتأكيد، والتقدير: ضرب بينهم سور
كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال (له باب) أى لذلك السور باب ( باطنه فيه الرحمة) أى فى باطن
ذلك السور الرحمة ، والمراد من الرحمة الجنة التى فيها المؤمنين (وظاهره) يعنى وخارج السور
(من قبله العذاب ) أى من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما بلى المؤمنين ففيه الرحمة، وما بلى.
الكافرين يأتيهم من قبله العذاب، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السوء، ولذلك الدور
باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، والكافرون يبقون فى العذاب والنار .
قوله تعالى: ﴿ ينادونهم ألم تكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتتتم أنفسكم وتربصتم وارتقتم وغرتكم
الأمانى حتى جاء أمر الله﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى الآية قولان (الأول) (ألم نكن معكم) فى الدنيا (والثانى) (ألم
تكن معكم) فى العبادات والمساجد والصلوات والغزوات، وهذا القول هو المتعين.
﴿ المسألة الثانية﴾ البعد بين الجنة والنار كثير، لأن الجنة فى أعلى السموات، والنار فى
الدرك الأسفل، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك، ولا يمكن أن يقال إن الله
عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما
يليق بالأشداء الأقوياء جداً، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد
لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا، ثم حكى تعالى: إن المؤمنين (قالوا بلى) كنتم معنا إلا
أنكم فعلتم أشياء بسبيها وقعتم فى هذا العذاب (أولها) (ولكنكم فتتتم أنفسكم) أى بالكفر
والمعاصى. وكلها فتنة (وثانيها) قوله ( وتربصتم) وفيه وجوه (أحدها ) قال ابن عباس: تربصتم
بالتوبة ( وثانيها) قال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت، فلم يوشك أن يموت فلمتريح منه
(وثالثها) كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقموا بالكفار، وتتخلصوا من النفاق (وثالثها) قوله
(وارتقتم) وفيه وجوه (الأول) شككنم فى وعيد الله (وثانيها) شككتم فى نبوة محمد (وثالثها)
شككتم فى البعث والقيامة (ورابها) قوله (وغرتكم الأمانى) قال ابن عباس: يريد الباطل
وهو ماكانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين (حتى جاء أمر الله) يعنى الموت، والمعنى

٢٢٨
قوله تعالى : وغركم بالله الغرور . سورة الحديد .
ج
وَغَرَّكُ بِاللهِ الْغَرُورُ (٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُرْ فِذْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مَأْوَثُ النَّارِّ مِىَ مَوْلَئِكٌ وَبِئْسَ الْمَصِبُرُ®
ما زالوا فى خدع الشيطان وغروره حتى أماتهم الله ، وألقام فى النار .
قوله تعالى: ﴿وغركم بالله الغرور﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ قرأسماك بن حرب: الغرور بضم الغين، والمعنى وغركم بالله الاغترار
وتقديره على حذف المضاف أى غركم بالله سلامتكم منه مع الاغترار .
المسألة الثانية﴾ الغرور بفتح الغين هو الشيطان لإلقائه إليكم أن لا خوف عليكم من محاسبة
ومجازاة .
ثم قال تعالى ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا﴾.
الفدية ما يفتدى به وهو قولان :
(الأول) لا يؤخذ منكم إيمان ولا توبة فقد زال التكليف وحصل الإلجاء.
(الثانى ) بل المراد لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم، كقوله تعالى ( ولا يقبل
منها عدل ولا تنفعها شفاعة)، واعلم أن الفدية ما يفتدى به فهو يتناول الإيمان والتوبة والمبال،
وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا على ما تقوله المعتزلة لأنه تعالى بين أنه لا يقبل
الفدية أصلا . والتوبة فدية ، فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة أصلا، وإذا كان كذلك لم
تمكن التوبة واجبة القبول عقلا. أما قوله ( ولا من الذين كفروا) ففيه (بحث) وهو عطف
الكافر على المنافق يقتضى أن لا يكون المنافق كافراً لوجوب حصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف
عليه . ( والجواب ) المراد الذين أظهروا الكفر، وإلا فالمنافق كافر.
ثم قال تعالى ﴿.أواكم النار هى مولا كم وبئس المصير
وفي لفظ المولى ههنا أقوال (أحدها ) قال ابن عباس (مولا. كم) أى مصير كم، وتحقيقه أن
المولى موضع الولى، وهو القرب ، فالمعنى أن النار هى موضعكم الذى تقربون منه وتصلون إليه ،
(والثانى) قال الكلبى: يعنى أولى بكم، وهو قول الزجاج والفراء وأبى عبيدة، واعلم أن هذا الذى
قالوه معنى وليس بتفسير للفظ ، لأنه لوكان مولى وأولى بمعنى واحد فى اللغة ، لصح استعمال كل واحد
منهما فی مکان الآخر ، فکان یجب أن یصح أن يقال هذا مولیمن فلان کما یقال هذا أولیمنفلان ،
ويصح أن يقال هذا أولى فلان كما يقال هذاً مولى فلان، ولما يطل ذلك علمنا أن الذى قالوه معنى
وليس بتفسير ، وإنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تمسك بإمامة على، بقوله

٢٢٩
قوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا . سورة الحديد .
أَلَمْ يَأْنِ لَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَحَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلُ فَطَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمّ
وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ
عليه السلام ((من كنت مولاه فعلى مولاه ، قال أحد معانى مولى أنه أولى، واحتج فى ذلك بأقوال
أئمة اللغة فى تفسير هذه الآية، بأن مولى معناه أولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له. وجب حمله
عليه ، لأن ما عداه إما بين الثبوت، ككونه ابن العم والناصر، أو بين الإنتفاء، كالمعتق والمعتق ،
فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثانى كذباً، وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء
فى هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به ، وفى الآية وجه آخر: وهو أن معنى
قوله (هى مولا كم) أى لا مولى لكم، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا. ولی له ، كما يقال ناصره
الخذلان ومعينه البكاء، أى لا ناصر له ولامعين، وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى (وأن الكافرين
لا مولى لهم) ومنه قوله تعالى (يغاثوا بماء كالمهل).
قوله تعالى: ﴿ ألم يأن الذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا
كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون
وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن: ألما يأن، قال ابن جنى: أصل لما لم، ثم زيد عليها ما.
فلم: نفى اقوله أفعل ، ولما: نفى لقوله قد يفعل، وذلك لأنه لما زيد فى الإثبات قد لا جرم زيد فى
نفيه ما، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ، أما المعنى فإنها صارت فى بعض المواضع
ظرفاً، فقالوا لما قمت قام زيد، أى وقت قيامك قام زيد ، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها
دون مجزومها، فيجوز أن تقول جنت ولما ، أى ولما يجىء، ولا يجوز أن يقول جئت ولم .
وأما الذين قرأوا ( ألم يأن) فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأتى إذا جاء إناء أتاه أى وقته.
وقری .: ألم يئن ، من أن یتین بمعنى أنى بأنى .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختافرا فى قوله (ألم يأن الذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) فقال
بعضهم : نزل فى المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفى قلوبهم النفاق المباين للخشوع ، والقائلون
بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمناً فى الحقيقة إلا مع خشوع القلب ، فلا يجوز
أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن، وقال آخرون: بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة،

٢٣٫٠
قوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا . سورة الحديد .
لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشبة ، وقد لا يكون كذلك، ثم على هذا القول تحتمل الآية
وجوهاً (أحدها) لعل ظائفة من المؤمنين ما كان فيهم ،زيد خشوع ولا رقة ، فوا عليه بهذه
الآية ( وثانيها) لعل قوماً كان فيهم خشوع كثير، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع تحتوا على
المعاودة إليها، عن الأعمش قال: إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً فى العيش ورفاهية،
ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية. وعن أبى بكر: أن هذه الآية قرئت بين يديه
وعنده قوم من أهل اليمامة فيكوا بكاء شديداً، فنظر إليهم! فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب،
وأما قوله ( لذكر الله) ففيه قولان (الأول ) أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم
لذكر الله، أى مواعظ اللّه التى ذكرها فى القرآن، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل
( والقول الثانى) أن الذكر مضاف إلى المفعول، والمعنى لذكر هم الله، أى يجب أن يورثهم الذكر
خشوعاً، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر قوله تعالى: ﴿وما نزل من الحق)
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ما فى موضع جر بالعطف على الذكر. وهو موصول، والعائد إليه محذوف
على تقدير وما نزل من الحق ، ثم قال ابن عباس فى قوله ( وما نزل من الحق ) يعنى القرآن .
المسألة الثانية﴾ قال أبو على: قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم، وما نزل من الحق
خفيفة ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ، وما نزل ، مشددة، وعن أبى عمرو وما نزل من الحق
من تفعة النون مكسورة الزاى، والتقدير فى القراءة الأولى: أن تخشع قلوبهم لذكر الله. ولما نزل
من الحق، وفى القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق، وفى القراءة الثالثة ولما نزل من الحق.
﴿ المسألة الثالثة﴾ يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر
والموعظة وإنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقاً، والمراد.
بما نزل من الحق هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن، لأن
الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك
لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله، ثم قال تعالى ( ولا يكونو!) قال الفراء هو فى موضع نصب
معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا، قال ولو كان جزماً على النهى كان صواباً ، ويدل
على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات ، ثم قال (كالذين أوتوا الكتاب من قبل)
يريد اليهود والنصارى ( فطال عليهم الأمد) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ ذكروا فى تفسير طول الأمد وجوهاً (أحدها) طالت المدة بينهم وبين
أتبياتهم فقست قلوبهم ( وثانيها) قال ابن عباس مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله
(وثالثها) طالت أعمارهم فى الغقلة حصلت القسوة فى قلوبهم بذلك السبب (ورابعها) قال

٢٣١
قوله تعالى : إعلموا أن الله يحيي الأرض . سورة الحديد .
أَعْلَمُواْ أَنَّ الَّهَ يُحِيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُرُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
إِنَّالْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضًا حَسَنَّا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
أْرٌ كريمٌ (
ابن جبان: الأمد ههنا الأمل البعيد، والمعنى على هذاطال عليهم الأمد بطول الأمل , أى لما طالت
آمالهم لاجرم قست قلوبهم (وخامسها) قال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبى عليه
السلام ( وسادسها) طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست
قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك، قاله القرظى .
المسألة الثانية) قرى الأمد بالتشديد، أى الوقت الأطول , ثم قال (وكثير منهم فاسقون)
أى خارجون عن دينهم رافضون لما فى الكتابين ، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع فى أول
الأمر يفضى إلى الفسق فى آخر الأمر.
ثم قال تعالى ﴿اعلموا أن الله يحمي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآياتهلكم تعقلون}
وفيه وجهان (الأول) أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التى ماتت بسبب القساوة، فالمواظبة على الذكر
سبب لعود حياة الخشوع إليها. كما يحمى الله الأرض بالغيث ( والثانى) أن المراد من قوله (يحيى
الأرض بعد موتها ) بعث الأموات فذكر ذلك ترغيباً فى الخشوع والخضوع وزجراً عن القساوة.
قوله تعالى: ﴿ إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر
كريم﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال أبو على الفارسى: قرأ ابن كثير وعاصم فى رواية أبى بكر (إن
المصدقين والمصدقات ) بالتخفيف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم (إن المصدون والمصدقات)
بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن، فيكون المعنى ( إن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات) لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة، ثم قالوا: وهذه القراءة أولى
لوجهين (الأول) أن من تصدق لله وأفرض إذا لم يكن مؤمناً لم يدخل تحت الوعد، فيصير ظاهر.
الآية متروكا على قراءة التشديد، ولا يصير متروكا على قراءة التخفيف ( والثانى) أن المتصدق هو
الذى يقرض الله، فيصير قوله ( إن المصدقين والمصدقات) وقوله ( وأقرضوا اللّه) شيئاً واحداً
وهو تكرار. أما على قراءة التخفيف فانه لا يلزم التكرار، وحجة من نقل وجهان (أحدهما)
أن فى قراءة أبى (إن المتصدقين والمتصدقات) بالناء (والثانى) أن قوله (وأفرضوا الله
قرضاً حسناً) اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، والاعتراض بمنزله الصفة، فهو للصكافة أشد لازمة

٢٣٢
قوله تعالى : والذين امنوا بالله ورسله . سورة الحديد .
وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ بِلَّهِ وَرُسُلِ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ
لَهُمْ أَبْرُهُمْ وَنُورُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَّبُواْ بِعَايَئِنَا أَوْلَئِكَ أَعْحَبُ الْجَحِمِ
منه للتصديق، وأجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله (وأقرضوا) على الاعتراض، ولكنا نعطفه
على المعنى، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه: إن الذين صدقوا، فصار تقدير الآية: إن
الذين صدقوا وأقرضا الله.
المسألة الثانية﴾ فى الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه
ههنا؟ قال صاحب الكشاف قوله (واقرضوا) ،عطوف على معنى الفعل فى المصدقين، لأن اللام
بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى صدقوا، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأفرضوا، واعلم أن هذا
لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ ، والذى عندى فيه أن
الألف واللام فى المصدقين والمصدقات للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر
الخبر أخبر عنهم بأنهم أنو بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن، ثم ذكر الخبر بعد
ذلك وهو قوله (يضاعف هيم) فقوله ( وأقرضوا الله) هو المسمى بحشو الاوزنج كما فى قوله:
إن الثمانين وبلغتها [قد أحوجت سمعى إلى ترجمان]
{ المسألة الثالثة﴾ من قرأ (المصدقين) بالتشديد اختلفوا فى أن المراد هو الواجب أو التطوع
أوهما جميعاً، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإفراض التطوع لأن تسميته بالفرض كالدلالة على ذلك.
فكل هذه الاحتمالات مذكورة، أما قوله ( يضاعف لهم ولهم أجر كريم) فقد تقدم القول فيه .
قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم
ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ﴾
اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين والمنافقين ، وذكر الآن حال المؤمنين وحال
الكافرين ، ثم فى الآية مسالتان :
المسألة الأولى﴾ الصديق نعت لمن كثر منه الصدق، وجمع صدقاً إلى صدق فى الإيمان بالله
تعالى ورسله. وفى هذه الآية قولان (أحدهما) أن الآية عامة فى كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب
مجاهد قال: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق ثم قرأ هذه الآية، ويدل على هذا ماروى عن ابن
عباس فى قوله (هم الصديقون) أى الموحدون (الثانى) أن الآية خاصة،وهو قول المقاتلين أن
الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين، ومثل مؤمن
آل فرعون، وأما فى ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى الإسلام أبو بكر وعلى وزيد وعثمان
وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته.

٢٣٣
قوله تعالى : إعلموا أنما الحياة الدنيا . سورة الحديد .
أَعْلُواْ أَّمَا الحَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاءُ بَيْنَكُمْ وَتَكَافُرُ فِ اْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَدِ كَثَلِ غَيْتٍ أَنْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاءُ، ثُمَيَسِيحُ فَرَهُ مُصْفَرَّاتُمَّ يَكُونُ
حُطَمًا وَفِ اْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الَّنْيَآ
إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ (
٢
المسألة الثانية﴾ قوله (والشهداء) فيه قولان (الأول) أنه عطف على الآية الأولى
والتقدير: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء، قال مجاهد: كل مؤمن فهو.
صديق وشهيد. وتلا هذه الآية، جذا القول اختلفوا فى أنه لم سمى كل مؤمن شهيد؟ فقال بعضهم
لأن المؤمنين هم الشهداء عند ربهم على العباد فى أعمالهم ، والمراد أنهم عدول الآخرة الذين تقبل
شهادتهم، وقال الحسن : السبب فى هذا الإسم أن كل . ؤمن فإنه يشهد كرامة ربه، وقال الأصم
كل . ؤمن شهيد لأنه قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من وجوب الإيمان ووجوب الطاعات
وحرمة الكفر والمعاصى ، وقال أبو مسلم قد ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وجمع
صدقاً إلى صدق فى الإيمان بالله تعالى ورسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم ( القول الثانى) أن
قوله (والشهداء) ليس عطفاً على ما تقدم. بل هو مبتدأ، وخبره قوله (عند ربهم) أو يكون ذلك
صفة وخبره هو قوله (لهم أجرهم) وعلى هذا القول اختلفوا فى المراد من الشهداء، فقال الفراء
والزجاج: هم الأنبياء لقوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)
وقال مقاتل وحمد بن جرير: الشهداء هم الذين استشهدوا فى سبيل الله، وروى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال ((ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا المقتول، فقال إن شهداء أمتى إذاً لعليل، ثم ذكر
أن المقتول شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد)) الحديث.
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين ، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال ( والذين كفروا
وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم).
ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده مايدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة
فقال ﴿ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد كمثل
غين أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة
من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ المقصود الأصلى من الآية تحقير حال الدنيا ونعظيم حال الآخره فقال:

٢٣٤
قوله تعالى : إعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو . سورة الحديد .
الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة، وأما الآخرة فهى
عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام، ولا شك أن ذلك عظيم.
المسألة الثانية﴾ اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب، ولذلك لما قال تعالى: (إنى جاعل
فى الأرض خليفة - قال إنى علم ما لا تعلمون) ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك، ولأن الحياة
خلقه، كما قال (الذى خلق الموت والحياة) وأنه لا يفعل العبث على ما قال (الخبتم أنما خلقناكم
عبثاً) وقال ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) ولأن الحياة نعمة بل هى أصل لجميع
النعم، وحقائق الأشياء لاتختلف بأن كانت فى الدنيا أو فى الآخرة، ولأنه تعالى عظم المئة بخلق
الحياة فقال ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحيا كم) فأول ماذكر من أصناف نعمه هو الحياة،
فال مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة ، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا
لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى، فذاك هو المذموم، ثم إنه تعالى وصفها
بأمور: (أولها) أنها (لعب) وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جداً، ثم إن تلك المتاعب
تنقضى من غير فائدة (وثانيها) أنها ( لهو) وهو فعل الشبان ، والغالب أن بعد انقضائه لا يتى إلا
الحسرة، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهباً والعمر ذاهباً، واللذة منقضية، والنفس
ازدادت شوقاً وتعطشاً إليه مع فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية (وثالثها) أنها ( زينة)
وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح، وعمارة البناء المشرف على أن يصير
خراباً ، والاجتهاد فى تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضى لا يقاوم الذاتى ، فإذا كانت الدنيا
منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن العاقل من إزاله هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس:
المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل الآخرة، وهذا كما قيل :
(( حياتك يا مغرور سهو وغفلة)
(ورابعها) (تفاخر بينكم) بالصفات الفانية الزائلة، وهو إما التفاخر بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة
والقوة والعساكر وكلها ذاهبة (وخامسها) قوله ( وتكاثر فى الأموال والأولاد) قال ابن عباس:
يجمع المال فى سخط الله، ويتباهى به على اولياء الله، ويصرفه فى مساخط الله، فهو ظلمات بعضها
فوق بعضُ، وأنه لاوجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام، وبين أن حال الدنيا إذا لم
يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى مايؤدى إلى عمارة الآخرة، ثم ذكر تعالى لهذه
الحياة مثلا ، فقال (كمثل غيث ) يعنى المطر، ونظيره قوله تعالى ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا
كماء) والكاف فى قوله (كمثل غيث) موضعة رفع من وجهين (أحدهما) أن يكون صفة لقوله
(لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكثر)، (والآخر) أن يكون خبراً بعد خبر قاله الزجاج،
وقوله (أعجب الكفار نباته) فيه قولان (الأول) قال ابن مسعود: المراد من الكفار الزراع
قال الأزهرى: والعرب تقول للزارع كافر، لأنه يكفر البذر الذى يُذره بقراب الأرض، وإذا

٢٣٥
قوله تعالى : سابقوا إلى مغفرة من ربكم . سورة الحديد .
سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ اَلَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
أمجب الزراع نباته مع علمهم به فى؛ فى غاية الحسن (الثانى) أن المراد بالكفار فى هذه الآية
الكفار بالله وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة
الدنيا ، وقوله ( نباته ) أى ما نبت من ذلك الغيث ، وباقى الآية مفسر فى سورة الزمر .
ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال (وفى الآخرة عذاب شديد) أى لمن كانت حياته
بهذه الصفة، ومغفرة من الله ورضوان لأولياته وأهل طاعته، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة
وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات
الثواب، ثم قال ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) يعنى لمن أقبل عليها، وأعرض بها عن طلب
الآخرة ، قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك
إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة .
ثم قال تعالى ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ والمراد
كأنه تعالى قال: لمتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم فى غير ما أنتم عليه ، بل احرصوا على أن تكون
مسابقتكم فى طلب الآخرة .
واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة فى قوله ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم ) ثم شرح ههنا كيفية
تلك المسارعة، فقال ( سارعوا) مسارعة المسابقين لأقرانهم فى المضمار، وقوله ( إلى مغفرة)
فيه مسالتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ لاشك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقال قوم المراد
سابقوا إلى التوبة، وقال آخرون: المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه النوبة، وهذا أصح
لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصى والاشتغال بكل الطاعات.
المسألة الثانية﴾ احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، فقالوا هذه الآية دلت
على وجوب المسارعة ، فوجب أن يكون التراخى محظوراً، أما قوله تعالى (وجنة عرضها كعرض
السماء والأرض) وقال: فى آل عمران (وجنة عرضها السموات والأرض)، فذكروا فيه
وجوهاً (أحدما) أن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض
لكانت الجنة فى عرضها، هذا قول مقاتل (وثانيها) قال: عطاء [عن] ابن عباس يريد أن لكل واحد
من المطيعين جنة بهذه الصفة، ( وثالثها) قال السدى: إن الله تعالى شبه عرض الجنة بمرض
السموات السبع والأرضين السبع ، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها ، فذكر العرض تنبيهاً
على أن طولها أضعاف ذلك، ( ورابعها) أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع فى نفوسهم
وأفكارهم، وأكثر مايقع فى نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج، (وخامسها)

٣٦
قوله تعالى : أعدت للذين آمنوا . سورة الجديد .
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْبِللهِ وَرُسُلِهِ
وهو اختیارابنعباس أنالجنان أربعة ، قال تعالى (ولمنخاف مقام ربه چنتان) وقال (ومن دونهما
جنتان) فالمراد ههنا تشبيه واحدة من تلك الجنان فى العرض بالسموات السبع والأرضين السبع.
قوله تعالى: ﴿أعدت للذين آمنوا باقه ورسله ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ احتج جمهور الأعصاب بهذا على أن الجنة مخلوقة ، وقالت المعتزلة هذه
(الآية) لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: (الأول) أن قوله تعالى (أكلهاً دائم) بدل
على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى، لكنها لو كانت الآن موجدة لفنيت بدليل قوله تعالى
(كل شىء هالك إلا وجهه) (الثانى) أن الجنة مخلوقة وهى الآن فى السماء السابعة , ولا يجوز مع
أنها فى واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات ، قالوا فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد
من التأويل ، وذلك من وجهين: (الأول ) أنه تعالى لما كان قادراً لايصح المنع عليه، وكان
حكيما لا يصح الخلف فى وعده، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة ، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة
لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، وقد يقول المرء لصاحبه (أعدت لك المكافأة) إذا عزم عليها ،
وإن لم يوجدها، ( والثانى) أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها اللّه تعالى لهم كقوله تعالى: (ونادى
أصحاب النار أصحاب الجنة) أى إذا كان يوم القيامة نادى ﴿ الجواب) أن قوله (كل شىء هالك)
عام، وقوله (أعدت للمتقين) مع قوله ( أكلها دائم) خاص، والخاص مقدم على العام، وأما قوله
ثانياً (الجنة مخلوقة فى السماء السابعة ) قلنا إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ماقال عليه السلام فى
صفة الجنة ((سقفها عرش الرحمن)) وأى استبعاد فى أن يكون المخلوق فوق الشى. أعظم منه، أليس
أن العرش أعظم المخلوقات ، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.
المسألة الثانية)قوله ﴿أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ فيه أعظم ربها. وأقوى أمل، إذ
ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ؛ ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، والمعتزلة وإن
زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات بحكم قصرف الشرع، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان
إذا عدى بحرف الباء، فإنه باق على مفهومه الأصلى وهو التصديق ، فالآية حجة عليهم، ومايتا كد
به ما ذكر ناه قوله بعد هذه الآية ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) يعنى أن الجنة فضلى لا معاملة،
فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى، فإن قيل فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع
العصاة , وأن تقطعوا بأنه لاعقاب لهم؟ قلنا نقطع بفضول الجنة لهم، ولا نقطع بنفى العقاب عنهم،
لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنة معدة لهم، فإن قيل:
فالمرتد قد آمن بالله، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت خص من العموم ، فيبقى العموم حجة
فيما عداه .

٢٣٧
قوله تعالى : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . سورة الحديد ..
مَآ أَصَابَ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
مِن تُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّ فِي كِتَدٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ
ثم قال تعالى ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل
محض لا أنه مستحق بالعمل، وهذا أيضاً قول الكعبى من المعترلة، واحتجوا على صحة هذا
المذهب بهذه الآية ، أجاب القاضى عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة
وبين كونها فضلا من الله تعالى، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال، وإنما
قلنا إنه لامنافاة بين هذين الوصفين ، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التى يتمكن المكلف معها
من كسب هذا الاستحقاق ، فلما كان تعالى متفضلا بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلا
بها، قال ولما ثبت هذا، ثبت أن قوله ( يؤتيه من يشاء) لابد وأن يكون مشروطاً بمن يستحقه،
ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) معنى.
واعلم أن هذا ضعيف، لأن كونه تعالى متفضلا بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى
متفضلا بنفس الجنة ، فإن من وهب من إنسان كاغداً ودواة وقلاً، ثم إن ذلك الإنسان كتب
بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفاً وباعه من الواهب ، لا يقال إن أداء ذلك الثمن تفضيل ، بل
يقال إنه مستحق ، فكذا ههنا، وأما قوله أولا أنه لا بد من الاستحقاق، وإلا لم يكن لقوله من قبل
(سابقوا إلى مغفرة) معنى، غرابه أن هذا استدلال عجيب، لأن للمتفضل أن يشرط فى تفضله أى
شرظ شاء، ويقول لا أتفضل إلا مع هذا الشرط .
ثم قال تعالى ﴿ والله ذو الفضل العظيم﴾ والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة، وذلك لأن
ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه ، فإنه لابد وأن يكون ذلك
العطاء عظيما .
قوله تعالى: ﴿ ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها
إن ذلك على الله يسير﴾ قال الزجاج: إنه تعالى لما قال ( سابقوا إلى مغفرة) بين أن المؤدى إلى
الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر ، فقال ( ما أصاب من مصيبة) والمعنى لا توجد مصيبة من
هذه المصائب إلا وهى مكتوبة عند الله، والمصيبة فى الأرض هى قحط المطر، وقلة النبات ،
ونقص الثمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوع، والمصيبة فى الأنفس فيها قولان ( الأول )
أنها هى: الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها (والثانى) أنها تتناول الخير

٢٣٨
قوله تعالى : إن ذلك على الله يسير . سورة الحديد .
والشر أجمع التقوله بعد ذلك (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتا كم) ثم قال (إلا فى
كتاب) يعنى مكتوب عند الله فى اللوح المحفوظ. وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها فى الوجود
مكتوبه فى اللوح المحفوظ. قال المتكلمون وإنما كتب كل ذلك لوجوه (أحدها) تستدل الملائكة
بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع الأشياء قبل وقوعها (وثانيها) ليعرفوا
حكمة الله فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصى خلقهم ورزقهم ( وثالثها) ليحذروا
من أمثال تلك المعاصى (ورابعها) ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته
إياهم من المعاصى. وقالت الحكماء: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبرات أمراً، وهم
المقسمات أمراً ، إنما هى المبادى. لحدوث الحوادث فى هذا العالم السفلى بواسطة الحركات الفلكية
والاتصالات الكوكبية، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسبيات هو المراد من قوله تعالى
( إلا فى كتاب ) .
﴿ المسألة الثانية) استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل
وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم ، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها فى الكتاب قبل وقوعها
وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالماً بها بأسرها .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( ولا فى أنفسكم) يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم
ومعاصيهم ، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبه فى اللوح المحفوظ، ومثبتة فى علم الله
تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالا، لأن علم الله بوجودها مناق لعدمها، والجمع بين
المتنافيين محال، فلما حصل العلم بوجودها، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم
الله بوجودها محالا .
المسألة الرابعة ﴾ أنه تعال لم يقل أن جميع الحوادث مكتوبة فى الكتاب ، لأن حركات
أهل الجنة والنار غير متناهية ، فإثباتها فى الكتاب محال، وأيضاً خصص ذلك بالأرض والأنفس
وما أدخل فيها أحوال السموات ، وأيضاً خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات
الأرض والأنفس، وفى كل هذه الرموز إشارات وأسرار، أما قوله (من قبل أن نبرأها) فقد
اختلفوا فيه، فقال بعضهم من قبل أن تخلق هذه المصائب ، وقال بعضهم: بل المراد الأنفس ،
وقال آخرون: بل المراد نفس الأرض، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم، وإن كان
الأقرب نفس المصيبة لأنها هى المقصود ، وقال آخرون : المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات ،
والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما فى قوله (إنا أنزلناه).
ثم قال تعالى ( إن ذلك على اللّه يسير) وفيه قولان (أحدهما). إن حفظ ذلك على الله هين ،.
( والثانى) إن إثبات ذلك على كثرته فى الكتاب يسير على الله وإن كان عسيراً على العباد، ونظير
هذه الآية قوله ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب إن ذلك على الله يسير).

٢٣٩
قوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم . سورة الحديد .
لَيْلا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَ اتَكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ
قوله تعالى: ﴿ لكيلا تأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال لحور
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه اللام تفيد جعل أول الكلام -ياً لآخره، كما تقول: قمت لأضربك
فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار اللّه عن كون هذه الأشياء
واقعة بالقضاء والقدر ، ومثبتة فى الكتاب الذى لا يتغير. يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما
وقع ، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام ((من عرف سر الله فى
القدر هانت عليه المصائب)) وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع
واجب، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضاً لأسباب أربعة (أحدها) أن الله تعالى علم وقوعه . (لو لم
يقع انقلب العلم جهلا (ثانيها) أن الله أراد وقوعه، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنياً ( ثالثها) أنه
تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزاً، (رابعها) أن اللّه تعالى حكم
بوقوعه بكلامه الذى هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصادق كذباً، فإذن هذا الذى وقع لو
لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص، ومن قدمها إلى الحدوث، ولما كان ذلك
متعاً علمنا أنه لادافع لذلك الوقوع، وحينئذ يزول الغم والحزن، عند ظهور هذه الخواطروهانت
عليه المحن والمصائب ، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون فى القدرة والإرادة، ولكنهم يوافقون فى
العلم والخير، وإذا كان الجبر لازماً فى هاتين الصفتين، فأى فرق بين أن يلزم الجبر بسبب ماتين
الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع، وأما الفلاسفة فالجبرمذهبهم، وذلك لأنهم ربطوا
حديث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والنخيلات الحيوانية ، ثم ربطوا تلك التصورات
والتخيلات بالأدوار الفلكية التى لها مناهج مقدرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وأما الدهرية لذبن
لا يثبتون شيئاً من المؤثرات فهم لابد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقى، وإذا كان اتفاقاً
لم يكن اختيارياً، فيكون الجبر لازماً، فظهر أنه لامندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء، سواء
أقروا به أو أنكروه، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية، قالت المعتزلة الآية دالة على
صحة مذهبنا فى كون العيد منمكناً مختاراً، وذلك من وجره (الأول) أن قوله ( لكيلا تأسرا على
ما فاتكم) يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب معينة فى الكتاب لأجل أن بحترزوا عن
الحزن والفرح، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقى لهذه اللام فائدة ( والثانى) أن هذه
الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة إن الله تعالى

٢٤٠
قوله تعالى : الذین یبخلون ويآمرون الناس . سورة الحديد .
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلِّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِّ الْحَسِدُ
أراد كل ذلك منهم (والثالث) أنه تعالى قال بعد هذه الآية (والله لا يحب كل مختال فور) وهذا
يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء ، فهو خلاف قول المجبرة إن كل واقع
فهو مراد الله تعالى (الرابع) أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله ( لكيلا) وهذا يدل على
أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض، وأقول: العاقل يتعجب جداً من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر
والقدر وتعلق كلنا الطائفتين بأكثرها .
﴿المسألة الثانية﴾ قال أبو على الفارسى قرأ أبو عمرو وحده (بما أتاكم) قصراً، وقرأ الباقون
(آتا كم) بعدوداً، حجة أبى عمرو أن (أتاكم) معادل لقوله (فاتكم) فكما أن الفعل الغائب فى
قوله ( فاتكم ) كذلك يكون الفعل الآنى فى قوله ( بما أنا كم) والعائد إلى الموصول فى الكلمتين
الذكر المرفوع بانه فاعل، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوباً إلى الله تعالى وهو المعطى
لذلك، ويكون فاعل الفعلى فى (آتا كم) ضميراً عائداً إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة
من الصلة تقديره بما آتا كموه .
المسألة الثالثة﴾ قال المبرد: ليس المراد من قوله ( لكيلا تأسوا على مافاتنكم ولا تفرحوا
بما آتاكم) :فى الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنو حزناً يخرجكم إلى أن تهلكوا
أنفسكم ولا تعتدوا بشراب على فوات ما سلب منكم، ولا تفرحوا فرحاً شديد يطغيكم حتى تأشروا
فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى ( والله لا يحب كل مختال) فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذى
يختال فيه صاحبه ويبطر، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم، وهذا كله معنى ما روى
عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً
وللخير شكراً. واحتج القاضى بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد ( والجواب) عنه أن
كثيراً من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال المحبة إرادة مخصوصة ، وهى إرادة الثواب
فلا يلزم من نفى هذه الإردة نفى مطلق الإرادة.
قوله تعالى: ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى الآية قولان (الأول) أن هذا بدل من قوله (كل مختال لمحور) كأنه
قال لا يحب المختال ولا يحب الذين يبخلون يريد الذين يفرحون الفرح المطفى فإذارزة وامالا وحظاً
من الدنیا فلخهم له وعزته عندهم يبخلون به ولا یکفیهم أنهم بخلوا به بل پامرول الناس بالبخل به ،
وكل ذلك نتيجة فرحهم عند إصابته ، ثم قال بعد ذلك (ومن يتول) عن أوامر الله ونواهيه
ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتى فإن الله غنى عنه ( القول الثانى) أن قوله.