النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ قوله تعالى : فلولا إن كنتم غير مدينين . سورة الواقعه. AV فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَّ (٨) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قوله تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين، ترجعونها إن كنتم صادقين) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ أكثر المفسرين على أن (لولا) فى المرة الثانية مكررة وهى بعينها هى التى قال تعالى ( فلولا إذا بلغت الحلقوم) ولها جواب واحد، وتقديره على ما قاله الزمخشرى : فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم، أى إن كنتم غير مدينين، وقال بعضهم هو كقوله تعالى ( إما يا تينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ) حيث جعل فلا خوف جزاء شرطين)، والظاهر خلاف ما قالوا، وهو أن يقال جواب لولا فى قوله (فلولا إذا بلغت الحلقوم) هو ما يدل عليهما سبق يعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم (فلولا تكذبون) وقت الفزع وأنتم فى ذلك الوقت تعلمون الأمور وتشاهدونها ، وأما لؤلا فى المرة الثانية بوابها (ترجعونها). المسألة الثانية) فى (مدينين) أقوال سهم من قال المراد ملوكين، ومنهم من قال مجزبين، وقال الزمخشرى من دانه السلطان إذا ساسه، ويحتمل أن يقال المراد غير مقيمين من من إذا أقام، هو حينئذ فعيل، ومنه المدينة ، وجمعها مدائن، من غير إظهار الياء، ولو كانت مفعلة لكانجمعها مداين كمعايش باثبات الياء، ووجهه أن يقال كان قوم ينكرون العذاب الدائم، وقوم ينكرون العذاب ومن اعترف به كان ينكر دوامه، ومثله قوله تعالى (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) قيل إن كنتم على ما تقولون لاتبقون فى العذاب الدائم فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة، وأما على قوله ( مجزيين ) فالتفسير مثل هذا كأنه قال: ستصدقون وقت النزع رسل الله فى الحشر، فإن كنتم بعد ذلك غير مجز بين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دنيا كم. فإن التعويق للجزاء لا غير ، ولولا الجزاء لكنتم مختارين كما كنتم فى دنيا كم التى ليست دار الجزاء مختارين تكونون حيث تربدون من الأماكن ، وأما على قولنا ملوكين من الملك ، ومنه المدينه للملوكة ، فالأمر أظهر بمعنى أنكم إذا كنتم استم تحت قدرة أحد، فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا كما كنتم فى دنيا كم التى ليست دار جزاء مع أن ذلك مشتهى أنفسكم ومنى قلوبكم، وكل ذلك عند التحقيق راجع إلى كلام واحد، وأنهم كانوا يأخذون بقول الفلاسفة فى بعض الأشياء دون بعض ، وكانوا يقولون بالطبائع، وأن الأمطار من السحب، وهى متولدة بأسباب، فلكية، والنبات كذلك ، والحيوان كذلك، ولا اختيار لله فى شىء. وسواء عليه إنكار الرسل والحشر، فقال تعالى إن كان الأمر كما يقولون فما بال الطبيعى الذى يدعى العلم لا يقدر على أن يرجع النفس من الحلقوم، مع أن فى الطبع عنده إمكاناً لذلك، فإن عندهم البقاء بالغداء وزوال الأمراض بالدواء، وإذا علم هذا فان قلنا (غير مدينين ) معناه غير ملو كين رجع إلى قولهم من إنكار الاختيار وقلب الأمور كما يشاء الله، وإن قلنا غير مقيمين فكذلك، لأن إنكار الحشر بناء على القول بالطبع، وإن قلنا غير ٢٠٢ قوله تعالى : فأما إن كان من المقربين . سورة الواقعه . ١٠٠٠٠٠٠٠٠١٠٠٠ فَرَوْحَ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعٍِ M فَأَمَّآَ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ محاسبين ومجزبين فكذلك، ثم لما بين أن الموت كان والحشر بعده لازم، بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثاً للمكلف على العمل الصالح، وزاجراً للتمرد عن العصيان والكذب فقال: فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنة نعيم﴾ هذا وجه تعلقه معنى، وأما تعلقه لفظاً، فنقول: لما قال (فلولا إن كنتم غير مدينين، ترجعونها) وكان فيها أن رجوع الحياة والنفس إلى البدن ليس تحت قدرتهم ولا رجوع لهم بعد الموت إلى الدنيا صار كأنه قال انتم بعد الموت دائمون فى دار الإمامة ومجزبون ، فالمجزى إن كان من المقربين فله الروح والريحان، وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ فى معنى الروح وفيه وجوه (الأول) هو الرحمة قال تعالى ( ولا تيأسوا من روح الله) أى من رحمة الله (الثانى) الراحة (الثالث) الفرح، وأصل الروح السعة، ومنه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج، وقرى.، فروح بضم الراء بمعنى الرحمة . ﴿ المسألة الثانية﴾ فى الكلام إضما تقديره: فله روح أفصحت الماء عنه لكون فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء، وكذلك إذا كان أمراً أو نهياً أو ماضياً، لأن الجزاء إذا كان مستقبلا يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر فى السمع والخط، وهذه الأشياء التى ذكرت لا تحتمل الجزم، أما غير الأمر والنهى فظاهر، وأما الأمر والنهى فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر، والجزاء مرتب على الشرط. المسألة الثالثة﴾ فى الريحان، وقد تقدم تفسيره فى قوله تعالى ( ذو العصف والريحان). ولكن ههنا فيه كلام، فمنهم من قال المراد ههنا ماهو المراد ثمة، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف، وعلى هذا فقد قيل إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه، وقيل إن المراد ههنا غير ذلك وهو الخلود، وقيل هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجذات لحم فيها نعم مقيم) وأما ( جنة ذميم) فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقین فی آوله ( أولئك ا.ه بون فى جنات النعيم ) وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التفكير ههنا. المسألة الرابعة﴾ ذكر فى حق المقربين أموراً ثلاثة مهنا وفى قوله تعالى (يبشرهم ربهم) وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهى: عقيدة حقة وكامة طيبة وأعمال حسنة، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرقة برحمة الله على عقيدته، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزةه اله دائماً وعلى الكلمة الطيبة وهى كلمة الشهادة، وكل من قال لا إله إلا الله وله رزق كريم والجنة له على أعم له الصالحه، قال تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه) وقل ( ونهى النفس عن الهوى، (إن الجنة هى المأوى) فإن قيل فعلى هذا من أتى بالعقيدة ٢٠٣ قوله تعالى : واما إن كان من أصحاب اليمين . سورة الواقعه . فَسَلَمُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ لا وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ الحقة ، ولم يأت بالكلمة الطيبة ينبغى أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم الله إلا من قال لا إله إلا اللّه، نقول من كانت عقيدته حقة، لابدو أن يأتى بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به، لأن العقيدة لا اطلاع لذا عليها فالقول دليل لنا، وأما اللّه تعالى فهو عالم الأسرار، ولهذا ورد فى الأخبار أن من الناس من يدفن فى مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين، ومنهم من يدفن فى مقابر المسلمين ويحشر مع الكفار لا يقال إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ماذكرت ، لأنا تقول الجواب عنه من وجهين: (أحدهما ) أن عقيدته الحقة وكلمته الطيبة لا يتركانه بلاعمل ، فهذا أمر غير وافع وفرض غير جائز (وثانيهما) أنا نقول من حيث الجزاء، وأما من قال لا إله إلا الله فيدخل الجنة ، وإن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل الله من غير جزاء، وإن كان الجزاء أيضاً من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة ، ومن الفضل ما لا كما يعطى الملك الكريم آخر والمهدى اليه غير ملك لا يستحق هديته ولا رزقه . قوله تعالى: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب البين﴾ وفيه مسالتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ فى السلام وفيه وجوه (أولها) يسلم به صاحب اليمين على صاحب اليمين ، كما قال تعالى من قبل (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما، إلا فيلا سلاماً سلاماً)، (ثانيها) (فسلام لك) أى سلامة لك من أمر خاف قلبك منه فإنه فى أعلى المراتب، وهذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه، إذا كان يخدم عند كريم ، يقول له : كن فارغاً من جانب ولدك فإنه فى راحة . (أنها) أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم كما يقال: فلان ناهيك به، وحسبك أنه فلان ، إشارة إلى أنه ممدوح فرق الفضل . ﴿ المسألة الثانية﴾ الخطاب بقوله (لك) مع من؟ نقول قد ظهر بعض ذلك فنقول: يحتمل أن يكون المراد من الكلام النبى صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيه وجه وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب الى صلى الله عليه وسلم فانهم غير محتاجين إلى شىء من الشفاعة وغيرها، فسلام لك يا محمد منهم فاهم فى سلامة وعافية لا يهمك أمرهم، أو فسلام لك يا محمد منهم، وكونهم من يسلم على محمد صلى الله عليه وسلم دليل العظمة، فإن العظيم لا يسلم عليه إلا عظيم، وعلى هذا ففيه (لطيفة) وهى أن النبى صلى اله عليه وسلم مكانته فوق مكانة أصحاب اليمين بالنسبة إلى المقربين الذين هم فى عليين ، كأصحاب الجنة بالنسبة إلا أهل عليين ، فلم قال (وأما إن كان من أصحاب اليمين ) كان فيه إشارة إلى أن مكانهم غير مكان الأولين المقربين، فقال تعالى هؤلاء وإن كانوا دون الأولين لكن لا تنفع بينهم المكانة والتسليم ، بل هم يرونك ويصلون إليك وصول جليس الملك إلى الملك والغائب إلى أهله وولده، وأما المغربون فهم يلازمونك ولا يفارقونك وإن كنت أعلى مرتبة منهم. ٢٠٤ ." قوله تعالى : وأما إن كان من المكذبين . سورة الواقعه . وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِيِنَ الضَّآلِنَ (® فُلٌ مِنْ هٍِ ﴾ وَتَصْلِيَةُ ◌َحِيم ـ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ ◌َلْيَقِينٍ (٤) فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قوله تعالى : ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين، فنزل من حيم، وتضلية جحيم﴾ وفيه مسالتان : المسألة الأولى ﴾ قال ههنا ( من المكذبين الضالين) وقال من قبل (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ) وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك . المسألة الثانية﴾ ذكر الأزواج الثلاثة فى أول السورة بعبارة وأعادهم بعبارة أخرى فقال (أصحاب الميمنة ) ثم قال ( أصحاب اليمين) وقال (أصحاب المشأمة) ثم قال (أصحاب الشمال) وأعادهم ههنا ، وفى المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين، أحدهما غير الآخر , وذكر السابقين فى أول السورة بلفظ السابقين، وفى آخر السورة بلفظ المقربين، وذكر أصحاب النار فى الأول بلفظ (أصحاب المشأمة) ثم بلفظ (أصحاب الشمال) ثم بلفظ (المكذبين) فما الحكمة فيه؟ نقول أما السابق فله حالتان إحداهما فى الأولى، والأخرى فى الآخرة، فذكره فى المرة الأولى بماله فى الحالة الأولى، وفى الثانية بماله فى الحالة الآخرة، وليس له حالة هى واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين ، لأن حالهم قريبة من حال السابقين، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم فى الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع شؤم، فوصفوهم بموضع الشؤم، فإن المشأمة مفعلة وهى الموضع، ثم قال (أصحاب الشمال) فإنهم فى الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم، ويقفون فى موضع هو شمال ، لأجل كونهم من أهل النار ، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم فى أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحيم ، ثم لم يقتصر عليه، ثم ذكر السبب فيه، فقال (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ، وكانوا يصرون) فذكر سبب العقاب لما بينا مراراً أن العادل يذكر للعقاب سباً ، والمتفضل لا يذكر للانعام والتفضل سبباً، فذكرهم فى الآخرة ما عملوه فى الدنيا ، فقال (وأما إن كان من المكذبين) ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل، وغير ذلك ظاهر . قوله تعالى : ﴿إن هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ هذا إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجوه (أحدما) القرآن (ثانيها) ماذكره فى السورة ( ثالثها ) جزاء الأزواج الثلاثة . المسألة الثانية﴾ كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد؟ نقول فيه وجوه ٢٠٥ قوله تعالى : فسبح باسم ربك العظيم سورة الواقعه . (أجدها) هذه الإضافة، كما أضاف الجانب إلى الغربى فى قوله ( وما كنت بجانب الغربى) وأضاف الدار إلى الآخرة فى قوله ( ولدار الآخرة) غير أن المقدر هنا غير ظاهر، «إن شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين، ويضاف إليه الحق، وما يوصف باليقين بعد إضافة الحق إليه ( وثانيها ) أنه من الإضافة التى بمعنى من، كما يقال باب من ساج، وباب ماج، وخاتم من فضة، وخاتم فضة وفكانه قال: لهو الحق من اليقين (ثالثها) وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد، يقال هذا من حق الحق، وصواب الصواب، أى غايته ونهايته التي لا وصول فوقه، والذى وقع فى تقرير هذا أن الإنسان أظهر ماعنده الأنوار المدركة بالحس، وتلك الأنوارا كثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول: وجدت أمر كذا، ثم إنه مع صحة إطلاق الفظ عليه لا يتميز عن غيره، فيتوسط الطالب ويأخذ مطلوبه من وسطه، مثاله من يطلب الماء، ثم يصل إلى بركة عظيمة، فإذا أخذ من طرفه شيئاً يقول هو ماء، وربما يقول قائل آخر : هذا ليس بماء، وإنما هو طين، وأما الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالذى فى طرف البركة ما. بالنسبة إلى أجسام أخرى ، ثم إذا نسب إلى الماء الصافى ربما يقال له شىء آخر ، وإذا. قال هذا هو الماء حقاً يكون قد أكد، وله أن يقول حق الماء، أى الماء حقاً هذا بحيث لا يقول أحد فيه شىء، فكذلك «هنا كأنه قال: هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذى يقول بعض أنه ليس بيقين، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يقال الإضافة على حقيقتها، ومعناه أن هذا القول لك يا محمد وللمؤمنين، وحق اليقين أن تقول كذ، ويقرب من هذا مايقال حق الكمال أن يصلى المؤمن، وهذا كما قيل فى قوله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) أن الضمير راجع إلى الكلمة أى إلا بحق الكلمة ، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قله الله تعالى فى الواقعة فى حق الأزواج الثلاثة، وعلى هذا معناه: أن اليقين لا يحق ولا يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق، فالتصديق حق اليقين الذى يستحقه، وأما قوله ( فسح باسم ربك العظيم) فقد تقدم تفسيره ، وقلنا إنه تعالى لما بين الحق وامتنع الكفار، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم هذا هو حق ، فإن امتنعوا فلا تتركهم ولا تعرض عنهم وسح ربك فى نفسك، وما عليك من قومك سواء صدقوك أو كذبوك، ويحتمل أن يكون المراد فسح واذكر ربك باسمه الأعظم ، وهذا متصل بما بعده لأنه قال فى السورة التى تلى هذه ( سح لله ما فى السموات) فكأنه قال: سبح الله ما فى السموات ، فعليك أن توافقهم ولا تلتفت إلى الشرذمة القليلة الضالة، فإن كل شىء .مك يسبح الله عز وجل . تم تفسبر السورة، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٢٠٦ سورة الحديد (٥٧) سُورة الجَدِيِكِ مَدِيَّة وَآَيَّاتِهَا نِشْعُ وَعَشْرُونَ، بِسْـ ٥١- سَبَّحَ لِلّهِ مَا فِ اَلَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( بسم الله الرحمن الرحيم سبح لله مافى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء، وكذا التقديس من سبح فى الماء وقدس فى الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. وأعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء، وتبعيد الصفات وتبعيد الأفعال، وتبعيد الأسماء وتبعيد الأحكام ، أما فى الذات ؛ فأن لا تكون محلا للامكان ، فإن السوء هو العدم وإمكانه، ثم نفى الإمكان يستلزم نفى الكثرة، ونفيها يستلزم نفى الجسمية والعرضية ، ونفى الضد والند وحصول الوحدة المطلقة. وأما فى الصفات : فأن يكون منزهاً عن الجهل بأن يكون محيطاً بكل المعلومات ، ويكون قادراً على كل المقدورات ، وتكون صفاته منزهة عن التغيرات. وأما فى الأفعال: فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال ، لأن كل مادة ومثال فهو فعله ، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن ، وكل مكن فهو فعله، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال ، لزم التسلسل ، وغير موقوفة على زمان ومكان ، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية، فيكون ممكناً، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز ، فيكون كل واحد منهما ممكناً ومحدثاً، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان، لافتقرت فاعلية الزمان والمكان إلى زمان ومكان، فيلزم المسلسل ، وغير موقوفة على جلب منفعة، ولا دفع مضرة، وإلا لكان مستكملا بغيره ناقصاً فى ذاته، وذلك محال. وأما فى الأسماء: فكما قال ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) . وأما فى الأحكام : فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير ، وأن كونه فضلا وخيراً ليس على سبيل الوجوب عليه، بل على سبيل الإحسان ، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد، وأنه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شىء أصلا ، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح . ٢٠٧ قوله تعالى : سبح لله ما فى السموات والأرض . سورة الحديد . ﴿ المسألة الثانية) جاء فى بعض الفواتح (سبح) على لفظ الماضى، وفى بعضها على لفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت ، بل هى كانت مسبحة أبداً فى الماضى، وتكون مسبحة أبداً فى المستقبل ، وذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لما هياتها ، فيستحيل انفكاك تلك الماهيات عن ذلك القبيح ، وإنما قلنا إن هذه المسبحية صفة لازمة لما هياتها ، لأن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل مكن فهو مفتقر إلى الواجب، وكون الواجب واجباً يقتضى تنزيهه عن كل سوء فى الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه ، فظهر أن هذه المسيحية كانت حاصلة فى الماضى، وتكون حاصلة فى المستقبل ، والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذا الفل قارة عدى باللام كما فى هذه السورة، وأخرى بنفسه كما فى قوله (وتسبحوه بكرة وأصيلا) وأصله التعدى بنفسه، لأن معنى سبحته أى بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مثل اللام فى نصحته ونصحت له، وإما أن يراد يسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله وخالصاً لوجهه . ﴿ المسألة الرابعة﴾ زعم الزجاج أن المراد بهذا القبيح، التسبيح الذى هو القول، واحتج عليه بوجه ين (الأول) أنه تعالى قال (وإن من شيء إلا يسبح بحمده. ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فلو كان المراد من القبيح، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكا وا يفقهونه (الثان) أنه تعالى قال (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) فلو كان تبيحاً عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان فى ذلك تخصيص لداود عليه السلام. واعلم أن هذا الكلام ضعيف [لحجتين]: ﴿ أما الأولى﴾ «لأن دلاله هذه الأجسام علىتنزيه ذات الله وصفاته وأفعاله من أدق الوجوه، ولذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها، فقوله ( ولكن لا تفقهون) لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة، وأيضاً بقوله ( لا تفقهون) إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال: كل هؤلاء ما فقهوا ذلك ، وذلك لا ينافى أن يفقهه بعضهم . ﴿ وأما الحجة الثانية) فضعيفة، لأن هناك من المحتمل أن الله خلق حياة فى الجبل حتى نطق بالتسبيح. أما هذه الجمادات التى نعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال إنها تسبح الله على سبيل النطق بذلك التسبيح، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال الله تعالى على كونه عالماً حياً، وذلك كفر، بل الحق أن التسبيح الذى هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى، فينوى بذلك القول تيزيه ربه سبحانه، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات، فإذاً التسبيح العام الحاصل من العاقل والجماد لا بد وأن يكون مفسراً بأحد وجهين (الأول) أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه ( والثانى) أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع ، إذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : إن حملنا ٢٠٨ قوله تعالى : له ملك السموات والأرض . سورة الحديد . لَهُوَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ التسبيح المذكور فى الاية على التسبيح بالقول، كان المراد بقوله ( ما فى السموات ) من فى السموات ومنهم حملة العرش (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون) ومنهم المقربون (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) ومن سائر الملائكة ( قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا) وأما المسبحون الذين هم فى الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون ( لا إله إلا أنت سبحانك) وقال موسى (سبحانك إنى تبت إليك) والصحابة يسبحون كما قال (سبحانك فقنا عذاب النار) وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبح المعنوى: فأجزاء السموات وذرات الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة واخمار والعرش والكرسى واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام والأعراض كلها سعة خاشعة خاضعة لجلال الله منقادة نتصرف الله كما قال عزمنقائل (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وهذا التسبيح هو المراد بالسجود فى قوله (ولله يسجد ما فى السموات والأرض) أما قوله (وهو العزيز الحكيم) فالمعنى أنه القادر الذى لا ينازعه شىء، فهو إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذى لا يحتجب عن علمه شىء من الجزئيات والكليات أو أنه الذى يفعل أفعاله. على وفق الحكمة والصواب، ولما كان العلم بكونه قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً لا جرم قدم العزيز على الحكيم فى الذكر . واعلم أن قوله (وهو العزيز الحكيم) يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة: تفيد الحصر، يقال زيد هو العالم لا غيره، فهذا يقتضى أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيزه ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا يكون إلهاً . ثم قال تعالى ﴿ له ملك السموات والأرض﴾. وأعلم أن الملك الحق هو الذى يستغنى فى ذاته، وفى جميع صفاته عن كل ما عداه، ويحتاج كل ما عداه إليه فى ذواتهم وفى صفاتهم، والموصوف بهذين الأمرين ليس إلا هو سبحانه. أما أنه مستغن فى ذانه وفى جميع صفاته عن كل ما عداه فلأنه لو افتقر فى ذانه إلى الغير لسكان ممكناً لذاته فكان محدثاً، فلم يكن واجب الوجود، وأما أنه مستغن فى جميع صفاته السلبية والإضافية عن كل ما عداه ، ولأن كل ما يفرض صفة له، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية فى تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلباً أو إيجاباً أو لا تكون كافية فى ذلك ، فإن كانت هويته كافية فى ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلباً كانت الصفة أو إيجاباً ، وإن لم تكن تلك لزم الهوية كافية ، فحينئذ تكون تلك الهدية متعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة وعن سلبها ، ثم ثبوت تلك الصفة وسلبها، يكون متوقفاً على ثبوت أمن آخر وسلبه، والموقوف على الموقوف على الشىء موقوف على ذلك الشىء، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق علة ٢٠٩ قوله تعالى : يحيي ويميت . سورة الحديد . يُحِيٍ وَيُمِيتٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير ◌ٌ ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها ، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته مكن الوجود لذاته ، وهذاخلف، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا فى ذاته ، ولا فى شىء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره، وأما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ماعداه ممكن، لأن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد والممكن لا بد له من مؤثر، ولا واجب إلا هذا الواحد وإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهراً أو عرضاً، وسواء كان الجوهر روحانياً أو جسمانياً، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود فى إعطاء الوجود لا فى الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجوداً، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سواداً، قالوا لأنه لو كان كون الوادسواداً بالفاعل، لكان لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سواداً وهذا محال، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضاً بالفاعل ، وإلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجوداً، فإن قالوا تأثير الفاعل ليس فى الوجود بل فى جعل الماهية موصوفة بالوجود ، قلنا هذا مدفوع من وجهين (الأول) أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمراً ثبوتياً، إذلو كان أمراً ثبوتياً لكانت له ماهية ووجود، فيفئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه ولرم التسلسل وهو محال، وإذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمراً ثبوتياً، استحال أن يقال لا تأثير للفاعل فى الماهية ولا فى الوجود بل تأثيره فى موصوفية الماهية بالوجود (الثانى) أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمراً ثبوتياً، استحال أيضاً جعلها أثراً للفاعل، وإلا لزم عند فرض عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية، فظهر أن الشبهة التى ذكروها لو تمت واستقرت يلزم نفى التأثير والمؤثر أصلا، بل كما أن الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود، فكذا أيضاً الماهيات إنماصارت ماهيات بتأثير واجب الوجود، وإذا لإحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان العقلى صدق قوله تعالى ( له ملك السموات والأرض) بل ملك السموات والأرض بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة، بل لا نسبة له إلى كمال .مكه أضلا، لأن ملك السموات والأرض ملك متناه ، وكمال ملكه غير متناه ، والمتناهى لا نسبة له البتة إلى غير المتنافى، لكنه سبحانه وتعالى ذكر ملك السموات والأرض لأنه شىء مشاهد محسوس، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم الترقى من المحسوس إلى المعقول . ثم إنه سبحانه لما ذكر من دلائل الآفاق ملك السموات والأرض ذكر بعده دلائل الأنفس فقال ﴿ يحي ويميت وهو على كل شىء قدير ﴾ وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر المفسرون فيه وجهين (أحدهما) يحيى الأموات للبعث، ويميت الأحياء فى الدنيا (والثانى) قال الزجاج يحيى النطف فيجعلها أشخاصاً عقلاء فاهمين باطقين ، ويميت الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٤ ٢١٠ قوله تعالى : هو الأول والآخر . سورة الحديد . ٣ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَِّرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وعندى فيهوجه ثالث وهو: أنه ليس المراد من تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين وبأشخاص معينين، بل معناه أنه هو القادر على خلق الحياة والموت ، كما قال فى سورة الملك ( الذى خلق الموت والحياة) والمقصود منه كونه سبحانه هو المنفرد بايجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق، لا يمنعه عنهما مانع ولا يرده عنهما راد، وحينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون . المسألة الثانية﴾ موضع (يحي ويميت) رفع على معنى هو يحيي ويميت، ويجوز أن يكون نصباً على معنى ( له ملك السموات والأرض) حال كونه محبباً وميناً. واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق (أولا) ودلائل الأنفس ( ثانياً) ذكر لفظاً يتاول الكل فقال ( وهو على كل شيء قدير) وفوائد هذه الآية مذكورة فى أول سورة الملك . قوله تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم) وفيه مسائل: ﴿المسألة الأولى ) روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى تفسير هذه الآية (((إنه الأول ليس قبله شىء والآخر ليس بعده شىء)) وأعلم أن هذا المقام مقام مهيب غاض عميق والبحث فيه من وجوه: (الأول ) أن تقدم الشىء على الشىء يعقل على وجوه (أحدها) التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخانم، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثرا فى المتأخر (وثانيها) التقدم بالحاجة لا بالتاثير، لأنا نعقل احتياج الأثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للائنين ( وثالثها) التقدم بالشرف كتقدم أبى بكر على عمر ( ورابعها) التقدم بالرقبة، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على الماموم. أو من مبدأ معقول، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالى، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلا كان أشد تأخراً ، ولو قلبناه انقلب الأمر (وخامسها) التقدم بالزمان، وهو أن الموجود فى الزمان المتقدم، متقدم على المؤجود فى الزمان المتأخر ، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم . وعندى أن ههنا قسما سادساً ، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض . فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً زمارآخر، ثم الكلام فى ذلك المحيط كالكلام فى المخاط به، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا إلى نهاية بحيث تكون كلها حاضرة فى هذاالان ، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً، بل يكون كل حاضر فى حاضراًحرلا إلى نهاية وذلك غير معقول، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآفات الحاضرة منأحر عن مجموع الآنات الماضية، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال، لأنه لما كان زماناً كان داخلا فى مجمع الأزمنة، فإذاً ذلك لزمان. داخل فى ذلك المجموع وخارج عنه. هو محال، فظهر بهذا البرهان الظهر أن تقدم بعض أجزاء الز ان على البعض ليس بالزمان، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بأطا جة، وإلا لوجدا معا، كما أن العلة والملول ٢١١ قوله تعالى : هو الأول والآخر . سورة الحديد . بوجدان معاً، والواحد والاثنين يوجدان معاً، وليس أيضاً بالشرف ولا بالمكان ، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام الخمسة المذكورة ، وإذا عرفت هذا فنقول إن القرآن دل على أنه تعالى أول لكل ماعداه، والبرهان دل أيضاً على هذا المعنى، لأنا نقول كل ماعدا الواجب يمكن، وكل ممكن محدث ، فكل ما عدا الوجب فهو محدث ، وذلك الوجب أول لكل ماعداه، إنما قلنا أن ماعدا الواجب مكن، لأنه أو وجد شيئان واجبان لذاتهما لاشتركا فى الوجب الذاتى، ولتباينا بالتعين وما به المشاركة غير مابه المازة، فيكون كل واحد منهما مركباً، ثم كل واحد من جزأيه إن كان واجباً فقد اشترك الجزآن فى الوجوب وتباينا بالخصوصية، فيكون كل واحد من ذينك الجزأين أيضاً مركباً ولزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين أولم يكن أحدهما واجباً، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجباً ، فثبت أن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، وذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم ، فإذا كان حال الوجود ، فإماحال البقاء وهو محال. لأنه يقتضى إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل وهو محال ، فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون كل ممكن محدثاً ، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك الواجب ، فإداًذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه، ثم طلب العقل كيفية تلك القبلية فقلنا لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير ، لأن امؤثرمن حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان٠ماً، والمع لا يكون قبل، ولا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج والمحتاج إليه لا يمتنع أن يوجدا معاً، وقد بينا أن تلك المعية مهنا متعة، ولا يجوز أن تكون لمحض الشرف. فانه ليس المطلوب من هذه القبلية مهنامجرد أنه تعالى أشرف من الممكنات، وأما القبلية المكانية فباطلة، وبتقدير ثبوتها فتقدم المحدث على المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة، وأما التقدم الزمانى فباطل، لأن الزمان أيضاً مكن ومحدث، أما أولا فلما بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد، وأما ثانياً ولأن أمارة الإمكان والحدوث فيه أظهر كما فى غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة، وكل ما وجد بعد العدم وعدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن المحدث، وإذا كان جميع أجزاء الزمان ممكناً ومحدثاً والكل متقوم بالأجزاء فالمعتقر إلى الممكن المحدث أولى بالإمكان والحمدوث ، فإذن الزمان بمجموعه وبأجزائه ممكن ومحدث، فتقدم موجده عليه لا يكون بالزمان، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان ، وإلا فيلزم فى ذلك الزمان أن يكون داخلا فى مجموع الأزمنة لأنه زمان، وأن يكون خارجاً عنها لأنه ظرفها ، والظرف مغاير المظروف لاعمال، لكن كون الشىء الواحد داخلا فى مى. وخار جاًعنه محال، وأما ثالثاً فلأن الزمان ماهيته تقتضى السيلان والتجدد، وذلك يقتضى المسبوقية بالغير والأزل ينافى المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال، فثبت أن تقدم الصانع على كل ماعداه ليس بالزمان البتة ، فإذن الذى عند العقل أنه متقدم على كل ما عداه، أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه ٢١٢ قوله تعالى : هو الأول والآخر . سورة الحديد . الخمسة ، فبقى أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة ، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر ، لأن كل ما يخطر ببال العقل فانه لابد وأن يقترن به حال من الزمان ، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال ، فإذن كونه تعالى أولا معلوم على سبيل الإجمال ، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية ، فليس عند عقول الخلق منه أثر. ﴿النوع الثانى) من هذا غوامض الموضع، وهو أن الأزل متقدم على اللايزال، وليس الأزل شيئاً سوى الحق ، فتقدم الأزل على اللايزال، يستدعى الامتياز بين الأزل وبين اللايزال، فهذا يقتضى أن يكون اللايزال له مبدأ وطرف، حتى يحصل هذا الإمتياز، لكن فرض هذا الطرف محال، لأن كل مبدأ فرضته، فان اللايزار ، كان حاصلا قبله، لأن المبدأ الذى يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة، يكون من جملة اللايزال، لامن جملة الأزل ، فقد كان معنى اللايزال موجوداً قبل أن كان موجوداً، وذلك محال. ﴿ النوع الثالث) من غوامض هذا الموضع، أن امتياز الأزل عن اللايزال، يستدعى انقضاء حقيقة الأزل، وانقضاء حقيقة الأزل محال ، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيه ماهية اللايزال، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللايزال، وامتياز اللايزال عن الأزال، وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر، فهذه أبحاث غامضة فى حقيقة التقدم والأوليه والأزلية ، وما هى إلا بسبب حيرة العقول البشرية فى نور جلال ما هية الأزلية والأولية، فإن العقل إنما يعرف الشىء إذا أحاط به، وكل ما استحضره العقل، ووقف عليه فذاك يصير محاطاً به، والمحاط يكون متناهياً، والأزلية تكون خارجة عنه، فهو سبحانه ظاهر باطن فی کونه أولا ، لأن العقول شاهدة یاسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولا أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية حجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهباً، فتكون الأولية خارجة عنا، فكونه تعالى أولا إذا اعتبرته من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن ، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولا . ﴿أما البحث) عن كونه آخراً، فمن الناس من قال هذا محال، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ماعداه، لو بقى هو مع عدم كل ماعداه، لكن عدم ماعداه إنما يكون بعد وجوده، وتلك البعدية ، زمانية ، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذى به تتحقق تلك البعدية ، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه ، أن لا يعدم كل ما عداه ، فهذا خلف ، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال ، وهذه الشبهة مبنية أيضاً على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالومان، وقد دلنا على فساد هذه المقدمه فيعن هذه الشبهة ، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه ، فنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخراً للكل ، وهذا مذهب جهم، فإنه زعم أنه ٢١٣ قوله تعالى : هو الأول والآخر . سورة الحديد . سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب ، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب، ثم يغنى الجنة وأهلها ، والنار وأهلها، والعرش والكرسى والملك والفلك، ولا يبقى مع اللهشىء أصلا، «كماأنه كان موجوداً. فى الأزل ولا شىء بقى موجوداً فى اللايزال أبد الآباد ولا شىء، واحتج عليه بوجو (أولها) قوله هو الآخر ، يكون آخراً إلا عند فناء الكل (وثانيها ) أنه تعالى إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل الجنة والنار، أولا يكون عالماً بها ، فإن كان عالماً بها كان عالماً بكميتها،، وكل ماله عدد معين فهو متناه، فإذن حركات أهل الجنة متناهية، فإذن لابد وأن يحصل بعدها عدم أبدى غير منقض. وإذا لم يكن عالماً بها كان جاهلا بها والجهل على اللّه محال (وثالثها) أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك فهو متناه (والجواب) أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه هو ان هذه الماهيات لوزالت إمكاناتها، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير، لانقلبت الماهيات وذلك محال، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبداً، وإذن ثبت أنه يحب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى (وأما الشبهة الثانية ) جوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين، وهذا لا يكون جهلا، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه ، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلا بل علما ( وأما الشبهة الثالثة ) بجرابها أن الخارج منه إلى الوجود أبداً لا يكون متناهياً ، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبداً عولوا فى بقاء الجنة والنار أبداً ، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات، ولا يخفى تقريرها، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبداً ، فقد اختلفوا فى معنى كونه تعالى آخراً على وجوه (أحدها) أنه تعالى يفنى جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداً ( وثانيها) أن الموجود الذى يصح فى العقل أن يكون آخراً لكل الأشياء ليس إلا هو، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه، لا جرم وصف بكونه آخراً (وثالثها) أن الوجود منه تعالى يبتدى.، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهى إلى الموجود الأخير ، الذى يكون هو مسبباً لكل ماعداه ، ولا يكون سبباً لشىء آخر، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولا ، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهى إلى آخر الترقى ، فهناك وجود الحق سبحانه، فهو سبحانه أول فى نزول الوجود منه إلى الممكنات، آخر عند الصعود من الممكنات إليه (ورابعها) أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار (وخامسها ) أنه أول فى الوجود وآخر فى الاستدلال ، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع ، وأما سائر الاستدلالات التى لا يراد منها معرفة الصانع فهى حقيرة خسيسة، أما كونه تعالى ظاهراً وباطناً ، فاعلم أنه ظهر بحسب الوجود ، فإنك لا ترى شيئا من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلا ٢١٤ قوله تعالى : هو الأول والآخر . سورة الحديد . على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه ، وأما كونه تعالى باطاًفن وجوه (الأول) أن كمال كونه ظاهراً سبب لكونه باطناً، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها ، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس ، فههذا لو أمكن انقطاع جود الله عن هذه الممكنات الظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى، لكنه لمنا دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه و کماء سبباً لوقوع الشهة ، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود کل شیء له من ذاته، فظهر أن هذا الاستنار إنما وقع من كمال وجوده، ومن دوام جوده ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره ، واحتجب عنها بكال نوره . (الوجه الثانى) أن ماهيته غير معقولة للبشر البتة، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشىء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات، فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ما هيته البتة ، وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر، ويدل عليه أيضاً أن المعلوم منه عند الخلق ، إما الوجود وإما السلوب ، وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر ، وإما الإضافة ، وهو أنه الأمر الذى من شأبه كذا وكذا، والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الامور فهى غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الاشياء منه عند العقل كونه خالقاً لهذه المخلوقات ، ومتقدماً عليها، وقد عرفت حيرة العقل ودهشته فى معرفة هذه الأولية ، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول، وهو الآخر ، وهو الظاهر، وهو الباطن، وسمعت والذی رحمه الله يقول: إنه كان یروی أهلما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج كثير من العلماء فى إثبات أن الإله واحد بقوله (هو الأول) قالوا الأول هو الفرد السابق ، ولهذا المعنى لو قال: أول ملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا، لأن شرط كونه أولا حصول الفردية، وههنا لم تحصل ، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الاولية كونه سابقاً وههنا لم يحصل ، فثبت أن الشرط فى كونه أولا أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد . المسألة الثالثة ﴾ أكثر المفسرين قالوا إنه أول لأنه قبل كل شىء ، وإنه آخرلا نه بعد كل سىء، وإنه ظاهر بحسب الدلائل، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار، وأن جماعة لما مجزوا عن جواب جهم قالوا معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه ، أی علیه يدور ، وبه يتم . واعلم أنه لما أمكنن حل الآية على الوجوه التى ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم ٢١٥ قوله تعانى : هو الذي خلق السموات والأرض . سورة الحديد . هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشَِّ يَعْلُمَا يَلِجُ فِ اْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيًّا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ وَاللَّهُبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾ لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة، وذكروا فى الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالى على كل شىء ، ومنه قوله تعالى (فأصبحوا ظاهرين) أى غالبين عالين، من قولك ظهرت على فلان أى علوته، ومنه قوله تعالى (عليها يظهرون) وهذا معنى ما روى فى الحديث ((وأنت الظاهر فليس فوقك شىء)) وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يطن أمر فلان، أى يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أى أخبر بباطنه، فمعنى كونه باطناً، كونه عالماً ببواطن الأمور، وهذا التفسير عندى فيه نظر، لأن قوله بعد ذلك ( وهو بكل شىء عليم ) يكون تكراراً. أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل إن أحداً لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره، وأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره ( تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك). قوله تعالى: ﴿هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش) وهو مفسر فى الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة . ثم قال تعالى ﴿ يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ﴾ وهو مفسر فى سبأ، والمقصود منه. كمال العلم، وإنما قدم وصف القدرة على وصف العلم، لأن العلم بكونه تعالى قادراً قبل العلم بكونه تعالى عالماً، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله، هو العلم بكونه قادراً، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه مؤثراً، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عاماً. قوله تعالى: ﴿وهر معكم أن ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن، وكل مكن فوجوده من الواجب , فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود ذلك الماهية. فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماعية وبين وجودها، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية، ومن هذا السر قال المحققون ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله، وقال المتوسطون مارأيت شيئاً إلا ورأيت اله معه، وقال الظاهريون مارأيت شيئاً إلا ورأيت الله بعده واعلم أن هذه الدقائق التى أظهرناها فى هذه المواضع لها درجتان (إحداهما) أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر ( والدرجة الثانية) أن تتفق لنفس الإنسان ٢١٦ قوله تعالى : له ملك السموات والأرض . سورة الحديد . لَهُمُلْكُ السَّعَلَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَهِ ◌ّرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ُ يُولِجُ الَّبْلَ فِى الَّهَارِ وَيُولِجُ النََّ فِ الَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ يْ ءَاِنُواْ بِلَهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْفِقُواْ فِمَا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِيِهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَبٌْ قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلانه. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال المتكلمون هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز، فإذن قوله ( وهو معكم) لا بد فيه هن التأويل . وإذا جوزنا التأويل فى موضع وجعب تجويزه فى سائر المواضع . المسألة الثالثة﴾ أعلم أن فى هذه الآيات ترتيباً عجيباً، وذلك لأنه بين بقوله (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) كونه إلهاً لجميع الممكنات والكائنات، ثم بين كونه إلهاً للعرش والسموات والأرضين . ثم بين بقوله (وهو محكم أينما كنتم) معيته لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالما بظواهرنا وبواطننا، فتأمل فى كيفية هذا الترتيب، ثم تأمل فى ألفاظ هذه الآيات بإن فيها أسراراً عجيبة وتنبيهات على أمور عالية .. ثم قال تعالى ﴿ له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور﴾ أى إلى حيث لا مالك سواه، ودل بهذا القول على إثبات المعاد. ثم قال تعالى ﴿ يوبج الليل فى الهار ويولج النهار فى الليل وهو عليم بذات الصدور﴾ وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها فى سائر السور، وهى جامعة بين الدلالة على قدرته ، وبين إظهار نعمه ، والمقصود من إعادتها البعث على النظر والتأمل، ثم الاشتغال بالشكر. قوله تعالى ﴿ آمنوا بالله ورسوله﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة، أتبعها بالتكاليف، وبدأ بالأمر بالإيمان بالله ورسوله، فإن قيل قوله (آمنوا) خطاب مع من عرف الله، أو مع من لم يعرف الله، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرفه من عرف، فيكون ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثانى، كان الخطاب متوجهاً على من لم يكر عارماً به. ومن لم يكن عارماً به استحال أن يكون عارفا بأمره، فيكون الأمن متوجهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وهذا تكليف مالا يطاق ( والجواب) من الناس من قال معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات. قوله تعالى: ﴿وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وانفقوا لهم أجر ٢١٧ قوله تعالى : وما لكم لا تؤمنون الله . سورة الحديد . كَبِيرٌ يٌ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِثَقَكُمْ إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ ٨ كبير ﴾ فى هذه الآية مسائل : المسألة الأولى) اعلم أنه أمر الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة الله، ثم أمرهم ثانياً بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها فى سبيل الله، كما قال ( قل الله) ثم ذرهم، فقوله ( قل الله) هو المراد ههنا من قوله ( آمنوا بالله ورسوله) وقوله (ثم ذره) هو المراد هنا من قوله (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ). ﴿ المسألة الثانية﴾ فى الآية وجهان (الأول) أن الأموال التى فى أيديكم إنما هى أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع، فالمكلف فى تصرفه فى هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه (الثانى) أنه جعلكم مستخلفين من كان قبلكم، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث، فاعتبروا بحالهم، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غير كم فلا تبخلوا بها. المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى هذا الإنفاق، فقال بعضهم: هو الزكاة الواجبة، وقال آخرون: بل يدخل فيه التطوع، ولا يمتنع أن يكون عاماً فى جميع وجوه البر، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجراً كبيراً فقال ( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) قال القاضى: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له . وأعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير، فلم قلتم: إنها تدل على أنه لا أجر له أصلا. قوله تعالى: ﴿ وما لكم لا تومنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى ويخ على ترك الإيمان بشرطين (أحدهما) أن يدعو الرسول، والمراد أنه ينلو عليهم القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة (الثانى) أنه أخذ الميثاق عليهم، وذكروا فى أخذ الميثاق وجهين (الأول) ما نصب فى العقول من الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسل، واعلم أن تلك الدلائل كما اقتضت وجوب القبول فهى أو كد من الحلف واليمين، ٢٢٨ قوله تعالى : هو الذي ينزل على عبده . سورة الحديد . هُوَ الَّذِى يُغَزِّلُ عَ عَبْدِهِةِ ءَايَتْ بَيِّنَتِ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ اْلّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وإِنَّاللَّهَ بِكُمْ لَرَءُ وفٌ رَّحِيمُ ( فلذاك سماه ميثاقاً، وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل، أما النقل فيقوله (والرسول يدعوكم)، وأما العقل فبقوله (وقد أخذ ميثاقكم) ومتى اجتمع هذان النوعان، فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه، واحتج بهذه الآية من زعم أن معرفة الله تعالى لا تجب إلا بالسمع ، قال لأنه تعالى إنما ذمهم بناء على أن الرسول يدعوهم ، فعلمنا أن استحقاق الذم لا يحصل إلا عند دعوة الرسول (الوجه الثانى فى تفسير أخذ الميثاق) قال عطاء ومجاهد والكلى والمقاتلان: يريد حين أخرجهم من ظهر آدم ، وقال (ألست بربكم؟ قالوا بلى) وهذا ضعيف ، وذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سباً فى أنه لم يبق لهم عذر فى ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول ، فقبل معرفه صدق الرسول لا يكون ذلك سبباً فى وجوب تصديق الرسول ، أما نصب الدلائل والبينات فمعلوم لكل أحد، فذلك يكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول ، فعلمنا أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز. المسألة الثانية﴾ قال القاضى قوله ( وما لكم) يدل على قدرتهم على الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل، كما لا يقال: مالك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لايخلق الله. ﴿ المسألة الثالثة) قرى. (وقد أخذ ميثاقكم) على البناء للفاعل، أما قوله (إن كنتم مؤمنين) فالمعنى إن كنتم تؤمنون بشىء لأجل دليل ، فما لكم لا تؤمنون الآن، فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية، وبلغت مبلغاً لا يمكن الزيادة عليها. قوله تعالى: ﴿ هو الذى ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وإن الله بكم لروف رحيم} قال القاضى : بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التى هى القرآن ، وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأكد ذلك بقوله ( وإن الله بكم لروف رحيم) ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر ، ويخلق ذلك فيهم ، ويقدره لهم تقديراً لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول ، فإن قيل أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ قلنا: لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى (هو الذى ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم) معنى ، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم، طلقه لما خلقه لا يتغير، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم فى إخراجهم (من الظلمات إلى ٢١٩ قوله تعالى : وما لكم الا تنفقوا . سورة الحديد . وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلَّه ◌ِبَرَاتُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَالَلَ أُوْلَئِكَ أَعْفَظُ دَرَجَةً مِنَ الّذِينَ أَنَفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ النور ) ولولا ذلك لم يكن بأن يصفى نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات. وأعلم أن هذا الكلام على خسته وروغته معارض بالعلم، وذلك لأنه تعالى كان عالماً بأن عليه سبحانه بعدم إيمانهم قائم، وعالماً بأن هذا العلم ينافى وجود الإيمان ، فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر فى الوجود بحيث لا يمكن إزلته وإبطاله، فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك الخير والإحسان، لا شك أن مما لا يقوله عاقل، وإذا توجهت المعارضة زالت تلك القوة، أما قوله (وإن الله بكم لر.وف رحيم) فقد حمله بعضهم على بعثة محمد لتع فقط، وهذا التخصيص لا وجه له، بل يدخل فيه ذلك مع سائر ما يتمكن به المراء من أداء التكاليف. ثم قال تعالى ﴿وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض﴾. لما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكد فى الآية المتقدمة إيجاب الإيمان أتبعه فى هذه الآية بتأ کید إبحاب الإنفاق، والمعنی أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه فى الإنفاق فى طاعة الله، وتحقيقه أن المال لا بد وأن يخرج عن اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق فى سبيل الله ، فإن وقع على الوجه الأول ، كان أثره اللعن والمقت والعقاب ، وإن وقع على الوجه الثانى، كان أثره المدح والثواب، وإذا كان لابد من خروجه عن اليد ، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن والعقاب. ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة فى الإنفاق تمام الفضيلة فقال: ﴿ لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ تقدير الآبة: لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح، ومن أنفق من بعد الفتح ، كما قال ( لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة) إلا أنه حذف لوضوح الحال. ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد بهذا الفتح فتح مكة، لأن إطلاق لفظ الفتح فى المتعارف ينصرف إليه، قال عليه الصلاة والسلام ((لا هجرة بعد الفتح)) وقال أبو مسلم: ويدل القرآن على فتح آخر بقوله ( جعل من دون ذلك فتحاً قريباً) وأيهما كان ، فقد بين اللّه عظم موقع الإنفاق قبل الفتح. : ٢٢٠ قوله تعالى : وكلا وعد الله الحسنى . سورة الحديد . ج وَكُلّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الكلى: نزلت هذه الآية فى فضل أبى بكر الصديق ، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله فى سبيل الله، قال عمر «كنت قاعداً عند النبى مصر لم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها فى صدره بخلال، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال مالى أرى أبا بكر عليه عبادة خللها فى صدره ؟ فقال أنفق ماله على قبل الفتح)) . واعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق فى سبيل الله، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالا من صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح، ومعلوم أن صاحب الإنفاق: هو أبو بكر، وصاحب القتال هو على، ثم إنه تعالى قدم صاحب الإنفاق فى الذكر على صاحب القتال ، وفيه إيماء إلى تقديم أبى بكر ، ولأن الإنفاق من باب الرحمة ، والقتال من باب الغضب،: وقال تعالى ((سبقت رحمتی غضبى)) فكان السبق لصاحب الإنفاق، فإن قيل بل صاحب الإنفاق. هو على، لقوله تعالى (ويطعمون الطعام) قلنا إطلاق القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق فى الوقائع العظيمة أموالا عظيمة، وذكر الواحدى فى البسيط: أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام، ولأن علياً فى أول ظهور الإسلام كان صبياً صغيراً، ولم يكن صاحب القتال. وأماا أبا بكر فإنه كان شيخاً مقدماً، وكان يذب عرب الإسلام حتى ضرب بسببه ضرباً أشرف به. على الموت . المسألة الرابعة ﴾ جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام،. وأنفق وجاهد مع الرسول من اله قبل الفتح، وبينوا الوجه فى ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس، وإنفاق المال فى تلك الحال، وفى عدد المسلمين قلة، وفى الكافرين. شوكة وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام. صار فى ذلك الوقت قوياً، والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله تعالى (والسابقون الأولون من! المهاجرين والأنصار) وقوله عليه الصلاة والسلام (( لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)). قوله تعالى: ﴿ وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ أى وكل واحد من الفريقين (وعد الله الحسنى) أى المثوبة الحسنى، .. وهى الجنة مع تفاوت الدرجات. ١٠ ﴿ المسألة الثانية) القراءة المشهورة (وكلا) بالنصب، لأنه بمنزلة: زيداً وعدت خيراً، فهو مفعول وعد« وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع، وحجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله ! فيه، والدليل عليه أنهم قالوا زيد ضربت، وكقوله فى الشعر: