النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
قوله تعالى : أفرأيتم ما تحرثون. سورة الواقعة.
أَفَرَةَ يْتُم ◌َّا تَحْرُ ؤُونَ (٣)َ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ مْ أَمْ نَحْنُ الَّرِعُونَ
إما أن يكون جمع مثل ، وإما جمع مثل ، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على
هذا الوجه ، وهو أن نغير أو صافكم فتكونوا أطفالا، ثم شباناً، ثم كهولا ، ثم شيوخاً، ثم
يدرككم الأجل ، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك
فتهلكون بنفخة واحدة. وإن قلنا هو جمع مثل فنقول معنى ( نبدل أمثالكم) تجعل أمثالكم بدلا
وبدله بمعنى جعله بدلا، ولم يحسن أن يقال بدلنا كم على هذا الوجه، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلا فلا
يدل على وقوع الفناه عليهم ، غاية ما فى الباب أن قول القائل: جعلت كذا بدلا لا تتم فائدته إلا
إذا قال جعلته بدلا عن كذا لكنه تعالى لما قال ( نبدل أمثالكم) فالمثل يدل على المثل ، فكأنه
قال: جعلنا أمثالكم بدلا لكم، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نغنى الخلق دفعة بل
قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعاً ثم ننشتهم ، وقوله تعالى (فيما لا تعلمون)
على الوجه المشهور فى التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق ، والظاهر أن المراد
(فيما لا تعدون) من الأوصافي والزمان ، فإن أحداً لا يدرى أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم
قالوا ومتى الساعة والإنشاء؟ فقال: لا علم لكم بهما، هذا إذا قلنا أن المراد ما ذكر فيه على الوجه
المشهور ( وفيه لطيفة) وهى أن قوله فيما لا تعلمون تقرير لقوله (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)
وكأنه قال كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون فى بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعدون
وكيف يكون خالق الشىء غير عالم به؟ وهو كقوله تعالى ( هو أعلم بكم إذ أنشأ كم من الأرض
وإذ أنم أحنة فى بطون أمهاتكم) وعلى ماذكرنا فيه فائدة وهى التحريض على العمل الصالح، لأن
التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعاً فى زمان لا يعلمه أحد فينبغى أن لا يتكل
الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة ، وقال تعالى (ولقد علمتم النشأة الأولى) تقريراً
لإمكان النشأة الثانية .
ثم قال تعالى ﴿ أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ ذكر بعد دليل الخلق
دليل الرزق فقوله ( أفرأيتم ماتمنون) إشارة إلى دليل الخلق وبه الابتداء، وقوله. (أفرأيتم
ما تحر ؤون) إشارة إلى دليل الرزق وبه البقاء، وذكر أموراً ثلاثة المأكول، والمشروب، وما به
إصلاح المأكول، ورتبه ترتيباً فذكر المأكول أولا لأنه هو الغذاء، ثم المشروب لأن به
الاستمراء، ثم النار التى بها الإصلاح. وذكر من كل نوع ما هو الأصل، فذكر من المأكول
الحب فإنه هو الأصل، ومن المشروب الماء لأنه هو الأصل، وذكر من المصلحات النار
لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها ، ودخل فى كل واحد منها ما هو دونه، هذا هو الترتيب ،
وأما التفسير فنقول : الفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته
١٨٢
قوله تعالى: لو نشاء الجعلناه حطاماً. سورة الواقعة.
لَوْ نَشَاءُ بَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (َ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ () بَلْ نَحْرُ
٦٧
مَحْرُومُونَ
من كراب الأرض، وإلقاء البذر، وسقى المبذور ، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات
واستغلاظه واستوائه على الساق، فقوله (أفرأيتم ما تحرثون ) أى ما تبتدئون منه من الأعمال
النتم تبلغونها المقصود أم الله؟ ولا يشك أحد فى أن إيجادالحب فى السنبلة ليس بفعل الناس، وليس
بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي، فان قيل هذا يدل على أن الله هو الزارع ، فكيف قال
تعالى ( يعجب الزراع) وقال النبى صلى الله عليه وسلم ((الزرع المزارع)) قلنا قد ثبت من التفسير:
أن الحرث متصل بالزرع، فالحرث أوائل الزرع، والزرع أواخر الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما
على الآخر ، لكن قوله ( يعجب الزراع ) بدلا عن قوله : يعجب الحراث ، يدل على أن الحارث
إذا كان هو المبتدى، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهى ،
ولا يعجبه إلا شىء عظيم ، فقال ( يعجب الزراع) الذين تعودوا أخذ الحراث ، فماظنك بإعجابه
الحراث، وقوله صلى الله عليه وسلم ((الزرع للمزارع)) فيه فائدة، لأنه لو قال الحارث، فمن ابتدأ
بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض وتسويتها يصير حارثاً، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع أن أن
بالأمر المتأخر وهو إلقاء البذر ، أى من له البذر على مذهب أبى حنيفة رجمة الله تعالى عليه وهذا
أظهر ، لأنه بمجرد الإلقاء فى الأرض يجعل الزرع للملق سواء كان مالكا أو غامباً.
ثم قال تعالى ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكرون، إنا لمغرمون ، بل نحن محرومون
وهو تدريج فى الإثبات، وبيانه هو أنه لما قال (اأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) لم يبعد من معاند
أن يقول: نحن نحرث وهو بنفسه يصير زرعاً، لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا، فقال تعالى: ولو سلم
لكم هذا الباطل هذا الباطل، فما تقولون فى سلامته عن الآفات التى تصيبه ، فيفسد قبل اشتداد الحب
وقبل انعقاده ، أو قبل اشتداد الحب وقبل ظهور الحب فيه ، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه ،
أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه تلك الآفات ، كما تقولون إنه بنفسه ينبت ، ولا يشك
أحد أن دفع الآفات بإذن الله تعالى، وحفظه عنها بفضل الله، وعلى هذا أعاده ليذكر
أموراً مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر (الأول ) المهتدين (والثانى) للظالمين ( والثالث)
للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذى لاشك فيه فى آخر الأمر إقامة الحجة على الضال المعاند.
وفيه سؤال وهو أنه تعالى ههنا قال ( لجعلناه) بلام الجواب وقال فى الماء ("جعلناه أجاجً) من
غیر لام فما الفرق بينهما؟ نقول ذکر الزمخشرى عنه جوابين (أحدهما) قوله تعالى: (لو نشاء لجعلناه
حطاماً) كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانياً، وهذا ضعيف لأن
١٨٣
قوله تعالى : لو نشاء لجعلناه حطاماً . سورة الواقعة .
وقوله تعالى ( لو نشاء لطمسنا على أعينهم) مع قوله ( لو نشاء لمخناهم ) أقرب من قوله ( لجعلناه
خطاءاً، وجعلناه أجاجاً) اللهم إلا أن نقول هناك أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى لأن
الطمس لا يلزمه المسخ ولا بالعكس والمأ كول معه المشروب فى الدهر ، فالأمران تقارباً لفظاً
ومعنى ( والجواب الثانى) أن اللام يفيد نوع تأكيد فذكر اللام فى المأكول ليعلم أن أمر
المأكول أهم من أمر المشروب وأن نعمته أعظم وما ذكرنا أيضاً وأرد عليه لأن أمر الطمس
أهون من أمر المخ وأدخل فيهما اللام، وههنا جواب آخر يبين بتقديم بحث عن فائدة اللام فى
جواب لو ، فنقول حرف الشرط إذا دخل على الجملة يخرجها عن كونها جملة فى المعنى فاحتاجوا
إلى علامة تدل على المعنى، فأنوا بالجزم فى المستقبل لأن الشرط يقتضى جزاء، وفيه تط يل فالجزم
الذى هو سكون أليق بالموضع وبينه وبين المعنى أيضاً مناسبة لكن كلمة لو مختصة بالدخول على
الماضى معنىٍ فإنها إذا دخلت على المستقبل جعلته ماضياً، والتحقيق فيه أن الجملة الشرطية لا تخرج عن
أقسامُ فإنها إذا ذكرت لابد من أن يكون الشرط معلوم الوقوع لأن الشرط إن كان معلوم الوقوع
فالجزاء لازم الوقوع جعل الكلام جملة شرطية عدول عن جملة إسنادية إلى جملة تعليقية وهو تطويل
من غير فائدة فقول القائل: آتيك إن طلعت الشمس تطويل والأولى أن يقول آتيك جزماً من غير
شرط فإذا علم هذا فيل الشرط لا يخلو من أن يكون معلوم العدم أو مشكوكا فيه فالشرط إذا وقع
على قسمين فلابد لهما من لفظين وهما إن ولو، واختصت إن بالشكوك، ولو بمعلوم لأمر بيناه
فى موضع آخر لكن ما علم عدمه يكون الآخر فقد أثبت منه فهو عاض أو فى حكمه لأن العلم بالأمور
يكون بعد وقوعها وما يشك فيه فهو مستقبل أو فى معناه لأننا نشك فى الأمور المستقبلة أنها تكون
أو لا تكون والماضى خرج عن التردد، وإذا ثبت هذا، فنقول: لمادخل لو على الماضى وما اختلف آخر
بالعامل لم يتبين فيه إعراب، وإن لما دخل على المستقبل بان فيه الإعراب، ثم إد الجزاء على حسب
الشرط وكان الجزاء فى باب لوماضياً فلم يقبين فيه الجال بحركة ولا سكون، فيضاف له حرف
يدل على خروجه عن كونة جملة ودخوله فى كونه جزء جملة ، إذا ثبت هذا فنقول: عندما يكون
الجزاء ظاهراً يستغنى عن الحرف الصارف، لكن كون الماء المذكور فى الآية، وهو الماء
المشروب المنزل من المزن أجاجاً ليس أمراً واقعاً يظن أنه خبر مستقل، ويقويه أنه تعالى يقول
( جعلناه أجاجاً) على طريقة الاخبار والحرث والزرع كثيراً ماوقع كونه حطاءً فلو قال: جعلاه
حظاماً، كان يقوم ... الإخبار فقال هناك (لو نشاء لجعلناه) ليخرجه عما هو صاح له فى الواقع،
وهو الحظامية وقال الماء المنزل المشروب من. المزن (جعلناه أجاجاً) لأنه لا يتوهم ذلك فاستغنى
عن اللام، (وفيه لطيفة) أخرى نحوية، وهى أن فى القرآن إسقاط اللام عن جزاء لو حيث كانت
لو داخلة على مستقبل لفظا، وأما إذا كان مادخل عليه لوماضياً ، وكان الجزاء موجباً فلا كما فى قوله
تعالى (ولو شئا لآتينا) ( ولو هدانا الله لهدينا كم) وذلك لأن لو إذا دخلت على فعل مستقل كما فى
١٨٤
قوله تعالى : افرأيتم الماء الذي تشربون. سورة الواقعة.
٠٠١١٠٠٤٠١٤
أَقَرَةَ يُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ (﴾ ءَأَنْتُمْ أَلْتُهُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
، لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
قوله (لو نشاء) فقد أخرجت عن حيزها لفظاً، لأن لو للماضى فإذا خرج الشرط عن جيزه جاز
فى الجزاء الإخراج عن حيزه لفظاً وإسقاط اللام عنه، لأن إن لما كان حيزها المستقبل وتدخل
على المستقبل ، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضياً كمقولك: إن جئتنى، جاز فى الخبر الإخراج عن
حيزه وترك الجزم فنقول أكرمك بالرفع، وأكرمك بالجزم، كما تقول فى ( لو نشاء لجعاناه) وفى
(لو نشاء جعلناه) وما ذكرناه من الجواب فى قوله (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) إذا نظرت إليه
تجده مستقيما، وحيث لم يقل لو شاء الله أطعمه، علم أن الأخر جزاء ولم يبق فيه توم، لأنه إما أن
يكون عند المتكلم ، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه، وإما أن يكون عندهم وذلك غير
جائز هه:١، لأن قولهم: لوشاء اللّه أطعمه رد على المؤمنين فى زعمهم يعنى أنتم تقولون إن الله لوشا.
فعل فلا نطعم من لو شاء اللّه أطعمه على زعمكم، فلما كان أطعمه جزاءً معلوماً عند السامع والمتكلم
استغنى عن اللام، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من الفت والجذ
والفعال فى أكثر الأمر بدل على مكروه أو منكر أما فى المعانى: فكالسبات والقولق والزكام
والدوار والصداع لأمراض وآوات فى الناس والنبات. وأما فى الأعيان: فتكالجذاذ والحطام
والفتات وكذا إذا لحقته الهاء كابرادة والسحالة، وفيه زيادة بيان وهوأن ضم الفاء من الكلمة يدل
على ما ذكرنا فى الأفعال فإنا نقول فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن
فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق وهو الضم، فإذا ثبت فهو لعارض، فإن
علم كما ذكرنا فلا كلام. وإن لم يعلم كما فى برد وقفل فالأمر خفى يطول ذكره والوضع يدل عليه فى
الثلاثى. وقوله تعالى (إنا لمغزمون، بل نحن محرومون) وفيه وجهان: أما على (الوجة الأول)
كا ماهر كلام مقدر عنهم كأنه يقول وحينئذ يحق أن تقولوا إنا لمعذبون دائمون فى العذاب. وأما
على (الوجه الثانى) فيقولون إنا المعذبون ومحرومون عن إعادة الزرع مرة أخرى ، يقولون إنا
المعذبون بالجوع بهلاك الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع انمرات الماء ( والوجه الثانى) فى
الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه .
ثم قال تعالى ﴿ أفرأيتم الماء الذى تشربون. النتم أنز لتموه من المزن أم نحن المغزلون، لو نشاء
جملناه اجاجاً فلولا تشكرون
خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيراً لهم بالإنعام عليهم، والمؤن السحاب الثقيل بالماء
لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو النزم فى بعض اللغات
١٨٥
٠٫٠
قوله تعالى : افرأيتم النار الذى تورون. سورة الواقعة.
.
أَفَرَةَ يْتُ النَّارَ آَلَّى تُورُونَ (﴾ ◌َ أَنتُمْ أَنْشَّأُمْ فَجَرَتَهَا أَمْ تَحْنُ الْمُنِعُونَ (8) نَحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَعًا لِلْمُقْوِينَ (٣) فَسَبِحُ بِسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
٧٤
السحاب الذى مس الأرض. وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة، والظاهر
أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم، وقد ذكرناه فى قوله تعالى (هذا عذب فرات وهذا
ملح أجاج) ذكر فى الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية
مدسه وهى البرودة واللطافة، وفى الماء الآخر أيضاً صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى
عائدة إلى كيفية لمسه وهى الحرارة، ثم قال تعالى ( فلولا تشكرون) لم يقل عند ذكر الطعام الشكر
وذلك لوجهين (أحدهما) أنه لم يذكر فى المأكول أكلهم ، فلما لم يقل تأكلون لم يقل تشكرون
وقال فى الماء (تشربون) فقال (تشكرون) (والثانى) أن فى المأكول قال (تحرثون) فأثبت لهم سعياً فلم
يقل تشكرون وقال فى الماء (أأنتم أنز لتموه من المزن) لاعمل لكم فيه أصلا فهو محض النعمة فقال
(فلولا تشكرون) (وفيه وجه ثالث) وهو الأحسن أن يقال النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب
ألا ترى أن فى البرارى التى لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئاً مخافة العطش، فلما ذكر
المأكول أولا وأتمه بذكر المشروب ثانياً قال ( فلولا تشكرون) على هذه النعمة التامة .
ثم قال تعالى ﴿أفر أ يتم النار التى تورون﴾ أى تقدحون ﴿النتم أنشأتم ثرتها أم نحن المنشئون﴾
وفى شجرة النار وجوه (أحدها) أنها الشجرة التى تورى النار منها بالزند والزندة كالمرخ (وثانيها)
الشجرة التى تصلح لإيقاد النار كالحطب بإيها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار، لأن النار لا تتعلق بكل
شىء كما تتعلق بالحطب (وثالثها) أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما صلحت
لإنضاج الأشياء والباقى ظاهر.
قوله تعالى: ﴿ نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين) فى قوله (تذكرة) وجهان (أحدهما)
تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة ( وثانيها)
تذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار فى الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة
الغريزية فى بدن الميت وقد ذكرناه فى تفسير قوله تعالى (الذى جعل لكم من الشجر الأخضر زاراً)
والمقوى: هو الذى أوقده فقواه وزاده ( وفيه لطيفة) وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها
متاعاً ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أم .
قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى وجه تعلقه بما قبله؟ نقول لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر
والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم الإيمان قال لنبيه صلى الله عليه وسلم
١٨٦
قوله تعالى : فسبح بأسم ربك العظيم. سورة الواقعة.
أن وظيفتك أن تكمل فى نفسك وهو علمك بربك وعملك لربك ( فسبح باسم ربك) وقد ذكرنا
ذلك فى قوله تعالى ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ) وفى موضع آخر .
﴿ المسألة الثانية﴾ التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الإسم ولم يقل: فسبح بريك
العظيم ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) هو المشهور وهو أن الإسم مقحم، وعلى هذا
الجواب فنقول فيه فائدة زيادة التعظيم ، لأن من عظم عظيما وبالغ فى تعظيمة لم يذكر اسمه إلا
وعظمه، فلا يذكر اسمه فى موضع وضيع ولا على وجه الاتفاق كيفما اتفق، وذلك لأن من يعظم
شخصاً عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه، فإن كان بمحضرمن، لا يقول
ذلك، فإذا عظم عنده لا يذكره فى حضوره وغيبته إلا بأوصاف العظمة، فإن قيل فعلى هذا فما
فائدة الباء وكيف صار ذلك، ولم يقل فسبح اسم ربك العظيم، أو الرب العظيم، نقول قد تقدم
مراراً أن الفعل إذا كان تعلقه بالمفعول ظاهراً غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال: ضربت
يزيد بمعنى ضربت زيداً ، وإذا كان فى غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف فلا يقال : ذهبت زيداً
بمعنى ذهبت بزيد ، وإذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول: سبحته وسبحت به وشكرته وشکرت له ،
إذا ثبت هذا فنقول: لما علق التسبيح بالاسم وكان الاسم مقحما كان التسبيح فى الحقيقة متعلقاً بغيره
وهو الرب وكان التعلق خفياً من وجه جاز ادخال الباء، فإن قيل إذا جاز الإسقاط والإثبات فما
الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى ( سبح اسم ربك الأعلى)؟ فنقول ههنا تقديم الدليل على
العظمة أن يقال الباء فى قوله ( باسم ) غير زائدة، وتقريره من وجهين (أحدهما) أنه لما ذكر
الأمور وقال: نحن أم أنتم، فاعترف الكل بأن الأمور من اللّه، وإذا طولبوا بالوحدانية قالوانحن
لا شرك فى المعنى وإنما تتخذ أصناءً آلهة فى الإسم ونسميها آلهة والذى خلقها وخلق السموات
هو اللّه فنحن تنزهه فى الحقيقة يقال (فسبح باسم ربك) وكما أنك أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراكهما
فى الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما فى الاسم، ولا تقل اغيره إله، فان الإسم يتبع المعنى والحقيقة،
وعلى هذا فالخطاب لا يكون مع النبى صلى الله عليه وسلم بل يكون كما يقول الواعظ: يامسكين أفنيت
عمرك وما أصلحت عملك، ولا يريد أحداً بعينه، وتقديره يا أيها المسكين السامع (وثانيهما) أن
يكون المراد بذكر ربك، أى إذا قلت: وتولوا، فسبح ربك بذكر اسمه بين قومك واشتغل باة ليغ،
والمعنى اذكره باللسان والقلب وبين وصفه لهم وإن لم يقبلوا فإنك مقبل على شغلك الذى هو التبليغ،
وأو قال: فسبح ربك، ما أفاد الذكر لهم، وكان ينى عن التسبيح بالقلب، ولما قال فسبح بأسم
ربك، والإسم هوالذى يذكر لفظاً دل على أنه مأمور بالذكر اللسانى وليس له أن يقتصر على الذكر
القلبي ويحتمل أن يقال (فسبح) مبتدئاً باسم ربك العظيم فلا تكون الباء زائدة.
﴿المسألة الثالثة﴾ كيف يسبح ربنا ؟ نقول إما معنى، فبأن يعتقد فيه أنه واحد منزه عن
١٨٧
قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. سورة الواقعة.
فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَّقِع النُّجُومِ (٣٥) وَإِنَُّ لَقَسَمْ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
الشريك وقادر برى. عن العجز فلا يعجز عن الحشر. وإما لفظاً فبأن يقال سبحان الله وسبحان
الله العظيم، وسبحانه عما يشر كون، أو ما يقوم مقامه من الكلام الدال على تنزيه عن الشريك
والعجزفانك إذا سبحته واعتقدت أنه واحد منزه عن كل مالا يجرز فى حقيقته، لزم أن لا يكون
جسما لأن الجسم فيه أشياء كثيرة وهو واحد حقيقي لا كثرة لذاته ، ولا يكون عرضاً ولا فى
مكان، وكل ما لا يجوز له يفتفى عنه بالتوحيد ولا يكون على شىء ، ولا فى شىء ، ولا عن شىء ،
وإذا قلت هو قادر ثبت له العلم والإرادة والحياة وغيرها من الصفات وسنذكر ذلك فى تفسير
سورة الإخلاص إن شاء الله تعالى .
المسألة الرابعة﴾ ما الفرق بين العظيم وبين الأعلى، وهل فى ذكر العظيم هنا بدل الأعلى
وذكر الأعلى فى قوله ( سبح اسم ربك الأعلى) بدل العظيم فائده ؟ نقول أما الفرق بين العظيم
والأعلى فهو أن العظيم يدل على القرب، والأعلى يدل على البعد، بيانه هو أن ما عظم من الأشياء
المدركة بالحس قريب من كل ممكن ، لأنه لو بعد عنه لخلا عنه موضعه، فلو كان فيه أجزاء أخرلكان
أعظم ماهو عليه فالعظيم بالنسبة إلى الكل هو الذى يقرب من الكل، وأما الصغير إذا قرب من جهة فقد بعد
عن أخرى ، وأما العلى فهو البعيد عن كل شىء لأن ما قرب من شىء من جهة فوق يكون أبعد منه وكان
أعلى فالعلى المطلق بالنسبة إلى كل شىء هو الذى فى غاية البعد عن كل شىء، إذا عرفت هذا فالأشياء
المدركة تسبح الله، وإذا علمنا من اللّه معنى سلبياً فصح أن نقول هو أعلى من أن يحيط به إدراكنا،
وإذا علمنا منه وصفاً ثبوتيا من علم وقدرة يزيد تعظيمه أكثر ما وصل إليه علمنا، فنقول هو أعظم
وأعلى من أن يحيط به علمنا ، وقولنا أعظم معناه عظيم لا عظيم مثله، ففيه مفهوم سلبى ومفهوم ثبوتى
وقوله أعلى، معناه هو على ولا على مثله، والعلى إشارة إلى مفهوم سلبى والأعلى مثله بسبب أخر ،
فالأعلى مستعمل على حقيقته لفظاً ومعنى، والأعظم مستعمل على حقيقته لفظاً، وفيه معنى سلبى،
وكأن الأصل فى العظيم مفهوم ثبوتى لاسلب فيه فالاً على أحسن استعمالا من الأعظم هذا هو الفرق.
قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى الترتيب ووجهه هو أن الله تعالى لما أرسل رسوله بالهدى ودين الحق
أتاه كل ما ينبغى له وطهره عن كل مالا ينبغى له فآتاه الحكمة وهى البراهين القاطعة واستعمالها على
وجوهها, والموعظة الحسنة وهى الأمور المفيدة المرقفة للقلوب المنورة للصدور، والمجادلة التى هى
على أحسن الطرق فأتى بها وعجز الكل عن معارضته بشىء ولم يؤمنوا والذى يُتلى عليه، كل ذلك
ولا يؤمن لا يقى له غير أنه يقول هذا البيان ليس لظهور المدعى بل لقوة ذهن المدعى وقوته على
تركيب الأدلة وهو يعلم أنه يغلب بقوة جداله لا يظهور مقاله وربما يقول أحد المناظرين الآخر عند
١٨٨
قوله تعالى : فلا اقسم بمواقع النجوم. سورة الواقعة.
انقطاعه أنت تعلم أن الحق بيدى لكن تستضعفنى ولا تنصفنى وحينئذ لا يبقى للخصم جواب غير
القسم بالا يمان التى لامخارج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف، وذلك لأنه لو أتى بدليل آخر لكان
له أن يقول وهذا الدليل أيضاً غلبتنى فيه بقوتك وقدرتك، فكذلك النبى صلى الله عليه وسلم لما
آتاه الله جل وعز ما ينبغى قالوا إنه يريد التفضل علينا وهو يجادلنا فيما يعلم خلافه، فلم يبق له إلا
أن يقسم فأنزل الله تعالى عليه أنواعاً من القسم بعد الدلائل، ولهذا كثرت الأيمان فى أوائل
التنزيل وفى السبع الأخير خاصة .
﴿ المسألة الثانية) فى تعلق الباء، نقول: إنه لما بين أنه خالق الخاق والرزق وله العظمة
بالدليل القاطع ولم يؤمنوا قال لم يبق إلا القسم فأقسم بالله إنى الصادق.
المسألة الثالثة﴾ ما المعنى من قوله. لا أقسم. مع أنك تقول إنه قسم ؟ نقول فيه وجوه
منقولة ومعقولة غير مخالفة للنقل، أما المنقول (فأحدها) أن ( لا) زائدة مثلها فى قوله تعالى ( لثلا
يعلم ) معناه ليعلم (ثانيها) أصلها لأقسم بلام التأكيد أشبعت فتحتها فصارت لاكما فى الوقف (ثالثها)
لا، نافية وأصله على مقالتهم والقسم بعدها كأنه قال: لا، والله لا صحة لقول الكفار أقسم عليه ، أما
المعقول فهو أن كلمة لاهى نامية على معناها غير أن فى الكلام مجازاً تركيبياً، وتقديره أن نقول لافى النفى
هنا كهى فى قول القائل لا تسألنى عما جرى على، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغى
أن يسأله فان غرضه من السؤال لا يحصل. ولا يكون غرضه من ذلك النهى إلا بيان عظمة الواقعة
ويصير كأنه قال: جرى على أمر عظيم . ويدل عليه أن السامع يقول له ماذا جزى عليك ولو فهم
من حقيقة كلامه النهى عن السؤال لما قال ماذا جرى عليك، فيصح منه أن يقول أخطأت حيث
منعتك عن السؤال، ثم سألتنى وكيف لا، وكثيراً ما يقول ذلك القائل الذى قال لا تسألنى عند
سكوت صاحبه عن السؤال، أولا تسألنى، ولا تقول ماذا جرى عليك ولا يكون السامع أن يقول
إنك منعتنى عن السؤال كل ذلك تقرر فى أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لاالنهى ، إذا علم هذا
فنقول فى القسم مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة فى غاية الظهور فيقول لا أقسم
بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول لا أقسم ولا يريد به القسم
ونفيه، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة. وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به ، والمقسم
صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يميناً بل ألف يمين ، ولا أقسم برأس الأمير بل برأس السلطان ويقول
لاأقسم بكذا مريداً لكونه فى غاية الجزم (والثانى) يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد فى القرآن والمقسم
به هو اللّه تعالى أو صفة من صفاته، وإنما جاءت أمور مخلوقة والأول لايرد عليه إشكال إن
قلنا أن المقسم به فى جميع المواضع رب الأشياء كما فى قوله ( والصافات) المراد منه رب الصافات.
ورب القيامة ورب الشمس إلى غير ذلك فإذاً قوله ( لا أقسم بمواقع النجوم) أى الأمر أظهر من :
أن يقسم عليه، وأن يتطرق الشك إليه .
٠.
١٨٩
قوله تعالى : فلا اقسم بمواقع النجوم. سورة الواقعة.
المسألة الرابعة﴾ مواقع النجوم ماهى؟ فنقول فيه وجوه (الأول) المشارق والمغارب
أو المغارب وحدها ، فإن عندها سقوط النجوم (الثانى) هى مواضعها فى السماء فى بروجها ومنازلها
(الثالث) مواقعها فى أنباع الشياطين عند المزاحمة (الرابع) مواقعها يوم القيامة حين نفتثر النجوم،
وأما . وافع نجوم القرآن ، فهى قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحى المؤمنين ، أو معانيها
وأحكامها التى وردت فيها .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ هل فى اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة؟ قلنا نعم فائدة جليلة ،
وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بموافعها كما هى قسم كذلك هى من الدلائل، وقد بيناه فى
الذاريات ، وفى الطور، وفى النجم، وغيرها، فنقول: هى هنا أيضاً كذلك، وذلك من حيث أن
الله تعالى لما ذكر خلق الآدمى من المنى وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين فى الأنفس قدرته
واختياره، ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضاً قدرته واختياره ،
فقال (أفرأيتم ما تحرثون، أفرأيتم الماء) إلى غير ذلك، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاماً،
وخلقه الماء فراتاً عذباً، وجعله أجاجاً، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار، ولم يكن ذكر من
الدلائل السماوية شيئاً، فذكر الدليل السماوى فى معرض القسم ، وقال مواقع النجوم، فإنها أيضاً
دايل الاختيار، لأن كون كل واحد فى موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء
المواضع فى الحقيقة دليل فاعل مختار، فقال ( بمواقع النحوم) ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية
بالذكر كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم) وهذا كقوله تعالى (وفى الأرض
آيات الموقنين، وفى أنفسكم أفلا تبصرون، وفى السماء رزقكم وما توعدون) حيث ذكر الأنواع
الثلاثة كذلك هنا، ثم قال تعالى ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) والضمير عائد إلى القسم الذى
يتضمنه قوله تعالى (فلا أقسم) فإنه يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التى لم تظهر
بعد الفعل ، فيقال ضربته قوياً ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية :
﴿ المسألة الأولى﴾ هو أن يقال جواب لو تعلمون ماذا، وربما يقول بعض من لا يعلم أن
جوابه ما تقدم وهو فاسد فى جميع المواضع، لأن جواب الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل
الحروف فى معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال زيداً إن قام ولا غيره من الحروف
والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعانى، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان
العامل معنى لاموضع له فى الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال قائماًضربت زيد،
أو ضرباً شديداً ضربته، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس، فلم يمكن بعد علينا
بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعانى، إذا ثبت هذا فنقول؟ عمل حرف الشرط فى
المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة، فإذا قلت: من، وأن، لا يمكن إخراج
الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على
١٩٠
قوله تعالى : وإنه لقسم لو تعلمون عظيم . سورة الواقعة.
عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدماً ومتأخراً، وعمل الأفعال عمل معتوى، وعمل الحروف عمل
مشيه بالمعنى، إذا ثبت هذا فنقول فى قوله تعالى ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ) قال بعض
الوعاظ متعلق بلولا ، فلا يكون الهم وقع منه، وهو باطل لما ذكرنا، وهنا أدخل فى البطلان،
لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر، فإن من قال: لو تعلمون إن زيداً لقائم، لم يأت بالعربية، إذا
تبين هذا فالقول يحتمل وجهين (أحدهما ) أن يقال الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك
جواب، وإنما يراد نفى ما دخلت عليه لو، وكأنه قال: وإنه لقسم لا تعلمون، وتحقيقه أن لو تذكر
لامتناع الشىء لامتناع غيره، فلابد من انتفاء الأول ، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف،
سواء علمنا الجواب أو لم نعلم ، وهو كقولهم فى الفعل المتعدى : فلان يعطى ويمنع ، حيث لا يقصد
به مفعول ، وإنما يراد إثبات القدرة، وعلى هذا إن قيل فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة ، وترك
قوله: إنه لقسم ولا تعلمون ؟ فنقول فائدته تأكيد النفي ، لأن من قال: لو تعلمون كان ذلك دعوى
منه، فإذا طولب وقبل لم قلت إنا لا نعلم. يقول لو تعلمون لفعلتم كذا، فإذا قال فى ابتداء الأمر
لا تعلمون كان مريداً للنفى، فكأنه قال: أقول إنكم لا تعلمون قولا من غير تعلق بدليل وسبب
(وثانيهما) أن يكون له جواب تقديره: لو تعدون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه، فعلم أنكم
لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم فى أعينكم، ولا تعظيم فلا تعلمون .
المسألة الثانية﴾ إن قيل قوله (لو تعلمون) هل له مفعول أم لا؟ قلنا على الوجه الأول
لا مفعول له، كما فى قولهم: فلان يعطى ويمنع، وكأنه قال لا علم لكم، ويحتمل أن يقال لا على لكم
بعظم القسم، فيكون له مفعول، والأول أبلغ وأدخل فى الحسن ، لأنهم لا يعلمون شيئاً أصلا.
لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة، فهو كقوله (صم
بكم) وقوله ( كالأنعام بل هم أضل ) وعلى الثانى أيضاً يحتمل وجهين (أحدهما) لو كان لكم علم
بالقسم لعظمتموه ( وثانيهما) لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه.
المسألة الثالثة ﴾ كيف تعلق قوله تعالى ( لو تعلمون) بما قبله وما بعده؟ فنقول: هو كلام
اعتراض فى أثناء الكلام تقديره، وإنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم ، فإن قيل فما فائدة الاعتراض؟
نقول الاهتمام بقطع اعتراض المعترض ، لأنه لما قال ( وإنه لقسم ) أراد أن يصفه بالعظمة بقوله
عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم ، وکاوا یقولون لو كان كذلك فما
باله لا يحصل لنا علم وظن، فقال (لو تعلمون) لحصل لكم القطع، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من
هذا ، وذلك لأنا قلنا إن قوله (لا أقسم) معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين، والكفار كاوا
يقولون: أين الظهور ونحن نقطع بعدمه، فقال لوتعلمون شيئاً لما كان كذلك، والأظهر منه أنا
بينا أن كل ما جعله الله قسما فهو فى نفسه دليل على المطلوب وأخرجه مخرج القسم، فقوله (وإنه لقسم)
معناه عند التحقيق، وإنه دليل وبرهان قوى لو تعلمون وجهه لاعتر فتم بمدلوله ، وهو التوحيد
١٩١
قوله تعالى : إنه لقرآن كريم . سورة الواقعة .
بِنَُّ لَقُرْءَانٌ كَرِيمُ (٦) فِ كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿يَ لَّا يَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهِّرُونَ (8) تَنْزِيلٌ
مِّن رَّبِّ الْعَلِينَ
٨٠
والقدرة على الحشر ، وذلك لأن دلالة اختصاص الكوا كب بمواضعها فى غاية الظهور ولا يلزم
الفلاسفة دليل أظهر منه ، وأما المعنوية :
المسألة الأولى﴾ ما المقسم عليه؟ نقول فيه وجهان ( الأول) القرآن كانوا يحملونه تارة
شعراً وأخرى سيراً وغير ذلك (وثانيهما) هو التوحيد والحشر وهو أظهر، وقوله (القرآن) ابتداء
كلام وسنبين ذلك.
المسألة الثانية﴾ ما القائدة فى وصفه بالعظيم فى قوله ( وإنه لقسم-) فتقول لما قال (لا أقسم)
وكان معناه: لا أقسم بهذا الوضوح المقسم به عليه. قال لست تاركا للقسم بهذا ، لأنه ليس بقسم أو
ليس بقسم عظيم ، بل هو قسم عظيم ولا أقسم به ، بل بأعظم منه. أقسم لجزمى بالأمر وعلى بحقيقته.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اليمين فى أكثر الأمر توصف بالمخلظة، والعظم يقال فى المقسم حلف فلان
بالأيمان العظام، ثم تقول فى حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة. وأما فى حق الله عز وجل فبالعظيم
وذلك هو المناسب ، لأن معناه هو الذى قرب قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن
معنى العظيم فيه ذلك. كما أن الجسم العظيم هو الذى قرب من أشياء عظيمة وملأ أماكن كثيرة من
العظم ، كذلك العظيم الذى ليس بجسم قرب من أمور كثيرة، وملأصدوراً كثيرة.
قوله تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم، فى كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب
العالمين ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير فى قوله تعالى (إنه) عائد إلى ماذا ؟ فنقول فيه وجهان (أحدهما)
إلى معلوم وهو الكلام الذى أنزل على محمد ◌ٍ يتم، وكان معروفاً عند الكل ، وكان الكفار يقولون
إنه شعر وإنه سحر، فقال تعالى رداً عليهم (إنه لقرآن) عائد إلى مذكور وهو جميع ما سبق فى سورة
الواقعة من التوحيد، والحشر، والدلائل المذكورة عليهما، والقسم الذى قال فيه ( وإنه لقسم)
وذلك لأنهم قالوا هذا كاء كلام محمد ومخترع من عنده، فقال ( إنه لقرآن كريم فى كتاب
مكنون ) .
المسألة الثانية﴾ القرآن مصدر أو اسم غير مصدر؟ فنقول فيه وجهان: (أحدهما ) مصدر
أريد به المفعول وهو المقروء ومثله فى قوله تعالى (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال) وهذا كما يقال
فى الجسم العظيم انظر إلى قدرة الله تعالى أى مقدوره وهو كما فى قوله تعالى (هذا خلق الله فأرونى)
(ثانيهما) اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب به، والحلوان لما يحلى به فم المكارى أو الكاهن
١٩٢
قوله تعالى : إنه لقرأن كريم . سورة الواقعة .
وعلى هذا سنبين فساد قول من رد على الفقهاء قولهم فى باب الزكاة يعطى شيئاً أعلى مما وجب
ويأخذ الجبران أو يعطى شيئاً دونه، ويعطى الجبران أيضاً، حيث قال الجبران مصدر لا يؤخذ
ولا يعطى، فيقال له هو كالفرآن بمعنى المقروء، ويجوز أن يقال لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال
هو اسم لما يجبر به كالقربان .
المسألة الثالثة) إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ينكرون كونه
مقروءاً فما الفائدة فى قوله (إنه القرآن)؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) أنه إخبار عن الكل وهوقوله
(قرآن كريم ) فهم كاوا ينكرون كونه قرآناً كريماً وهم ما كاوا يقرون به ( وثانيهما) وهو أحسن
من الأول، أنهم قالوا هو مخترع من عنده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه مسموع سمعته
وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءاً، وما كانوا يقولون إن النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن
وفرق بين القراءة والإنشاء، فلما قال (إنه لقرآن) أثبت كونه مقر وء أعلى النبى صلى الله عليه وسلم ليقرأ
ويتلى فقال تعالى (إنه لقرآن ) سماه قرآناً لكثرة ماقرى.، ويقرأ إلى الأبد بعضه فى الدنيا وبعضه
فى الآخرة .
﴿ المسألة الرابعة ) قوله (كريم) فيه لطيفة؟ وهى أن الكلام إذا قرى. كثيراًيهون فى الأعين
والآذان ، ولهذا ترى من قال شيئاً فى مجلس الملوك لا يذكره ثانياً، ولو قيل فيه يقال لقائله لم تكرر
هذا، ثم إنه تعالى لما قال (إنه القرآن) أى مقروء قرى. ويقرأ، قال (كريم) أى لايهون بكثرة التلاوة
ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض والحديث الطرى ، ومن هنا يقع أن وصف القرآن بالحديث مع
أنه قديم يستمد من هذا مدداً فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام الساعة ، وما فرع سمع الجماعة
لأن الملائكة الذين علموه قبل النبى بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدما يتلذذون به التذاذالسامع
!كلام جديد لم يذكر له من قبل، والكريم إسم جامع لصفات المدح ، قبل الكريم هو الذى كان
طاهر الأصل ظاهر الفضل ، حتى إن من أصله غير زكى لا يقال له كريم مطلقاً ، بل يقال له كريم
فى نفسه ، ومن يكون زكى الأصل غير زكى النفس لا يقال له كريم إلا مع تقييد، فيقال هو كريم
الأصل لكنه خسيس فى نفسه، ثم إن الخى المجرد هو الذى يكثر عطاؤه للناس، أو يسهل
عطاؤه ويسمى كريماً، وإن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة ولكن ذلك لسبب، وهو أن الناس
يحبون من يعطيهم، ويفرحون بمن يعطى أكثر بما يفرحون بغيره ، فإذا رأوا زاهدا أو عالماً
لا يسمونه كريماً، ويؤيد هذا إنهم إذا رأوا واحداً لا يطلب منهم شيئاً يسمونه كريم النفس لمجردتركه
الاستعطاء لما أن الأخذمنهم صعب عليهم وهذا كله فى العادة الرديمة، وأما فى الأصل فيقال السكريم
هو الذى استجمع فيه ما ينبغى من طهارة الأصل وظهور الفضل، ويدل على هذا أن السخى فى
معاملته ينبغى أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه لنيم، فالقرآن أيضاً كريم بمعنى طاهر الأصل
ظاهر الفضل لفظه فصيح، ومعناه صحيح لكن القرآن أيضاً كريم على مفهوم العوام فإن كل من
١٩٣
قوله تعالى : إنه لقرآن كريم . سورة الواقعة .
طلب منه شيئاً أعطاه ، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه، والحكيم يستمد به ويحتج به، والأديب
يستفيد منه ويتقوى به، والله تعالى وصف القرآن بكونه كريماً، وبكونه عزيزاً، وبكونه حكيما،
فلكونه كريما كل من أقبل عليه نال منه مايريده فإن كثيراً من الناس لا يفهم من العلوم شيئاً
وإذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه، وقلما يرى شخص يحفظ كتاباً بقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة
بكلمة، ولا يبدل حرفا بحرف وجميع القراء يقرأون القرآن من غير توقف ولا تبديل، ولكونه
عزيزاً أن كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شىء، بخلاف سائر الكتب، فإن من قرأ كتاباًوحفظه
ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحاً، والقرآن من تركه لا يبقى معه منه شىء لعزته ولا يثبت
عند من لا يلزمه بالحفظ ، ولكونه حكيما من اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم .
وقوله تعالى ( فى كتاب ) جعله شيئاً مظروفاً بكتاب فما ذلك؟ نقول فيه وجهان (أحدهما)
المظروف: القرآن، أى هو قرأن فى كتاب، كما يقال فلان رجل كريم فى بيته، لا يشك السامع أن
مراد القائل أنه فى الدار قاعد ولا يريد به أنه كريم إذا كان فى الدار ، وغير كريم إذا كان خارجا
ولا يشك أيضاً أنه لا يريد به أنه كريم فى بيته، بل المراد أنه رجل كريم وهو فى البيت، فكذلك
ههنا أن القرآن كريم وهو فى كتاب، أو المظروف كريم على معنى أنه كريم فى كتاب ، كما يقال
فلان رجل كريم فى نفسه، فيفهم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلا مظروفاً. فإن القائل لم يرد أنه
رجل فى نفسه قاعد أو نائم، وإنما أراد به أنه كريم كرمه فى نفسه، فكذلك قرأن كريم. فالقرآن
كريم فى اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريماً عند الكفار (ثانيهما) المظروف هو مجموع قوله تعالى
(قرآن كريم) أى هو كذا فى كتاب، كما يقال (وما أدراك ماعليون) فى كتاب الله تعالى، والمراد
حينئذ أنه فى اللوح المحفوظ نعته مكتوب (إنه قرآن كريم) والكل صحيح، والأول أبلغ فى التعظيم
بالمقروه السماوى .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما المراد من الكتاب؟ نقول فيه وجوه (الأول) وهو الأصح أنه اللوح
المحفوظ ويدل عليه قوله تعالى ( بل هو قرآن مجيد، فى لوح محفوظ) (الثانى) الكتاب هو المصحف
( الثالث) كتاب من الكتب المنزلة فهو قرآن فى التوراة والإنجيل وغيرهما فإن قيل كيف سمى
الكتاب كتاباً والكتاب فعال، وهو إذا كان الواحد فهو إما صدر كالحساب والقيام وغيرهما ، أو
إسم لما يكتب كاللباس واللئام وغيرهما، فكيفما كان، فالقرآن لا يكون فى كتاب بمعنى المصدر،
ولا يكون فى مكتوب، وإنما يكون مكتوباً فى لوح أوورق، فالمكتوب لا يكون فى الكتاب، إنما
يكون فى القرطاس ، نقول ما ذكرت من الموازين يدل على أن الكتاب ليس المكتوب ولا هو
المكتوب فيه أو المكتوب عليه، فإن اللئام ما يلثم به ، والصوان ما يصان فيه الثوب، لكن اللوح
لما لم يكن إلا الذى يكتب فيه صح قسميته كتاباً.
﴿ المسألة السادسة﴾ المكتوب هو المستور قال الله تعالى (كاللؤلؤ المكنون)، قال ( بيض
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٣
١٩٤
قوله تعالى : إنه لقرآن كريم . سورة الواقعة .
-
مكنون) فإن كان المراد من الكتاب اللوح فهوليس بمستور وإنما الشىء فيهمنشور، وإن كار المراد
هو المصحف فعدم كونه مكتوباً مستوراً، فكيف الجواب عنه؟ فتقول: المكنون المحف ظ إذا كان
غير عزيز يحفظ بالعين ، وهو ظاهر للناس فاذا كان شريفاً عزيزاً لا يكتفى بالصون والحفظ بالعين
بل يستر عن العيون، ثم كلما تزداد عزته يزداد ستره فتارة يكون مخزوناً ثم يجعل مدفوناً، فالستر
صار كاللازم للصون البالغ فقال (مكنون) أى محفوظ غاية الحفظ، فذكر اللام وأرادالملزوم وهو
باب من الكلام الفصيح. تقول مثلا: فلان كبريت أحمر، أى قليل الوجود (والجواب الثانى) إن الــح
المحفوظ مستور عن العين لا يطلع عليه إلا ملائكة مخصوصون، ولا ينظر إليه إلا فوم مطهرون، وأما
القرآن فهو مكتوب مستور أبد الدهر عن أعين المدلين ، مصون عن أيدى المحرفين. فإن قيل فى فائدة
كونه (فى كتاب) وكلمقروء فى كتاب؟ نقول هولتا كيد الردعلى الكفارلأنهم كانوايقولون إنه مخترع
من عنده مفترى، فلماقال مقروه عليه اندفع كلامهم ، ثم إنهم قالوا إن كان مقروءاً عليه فى كلام الجن
فقال ( فى كتاب) أى لم ينزل به عليه الملك إلا بعدما أخذه من كتاب فهو ليس بكلام الملائكة فضلا
أن يكون كلام الجن ، وأما إذا قلنا إذا كان كريما فهو فى كتاب، ففائدته ظاهرة، وأما فائدة
كونه ( فى كتاب مكنون) فيكون رداً على من قال: إنه أساطير الأولين فى كتب ظاهرة، أى فلم
لا يطالعها الكفار، ولم لا يطلعون عليه لابل هو ( فى كتاب مكنون ، لا يمسه إلا المطهرون)،
فإذا بين فيما ذكرنا أن وصفه بكونه قرآناً صار رداً على من قال يذكره من عنده، وقوله ( فى كتاب )
رد على من قال: يتلوه عليه الجن حيث اعترف بكونه مقروء أونازع فى شىء آخر، وقوله (مكنون)
رد على من قال: إنه مقروء فى كتاب لكنه من أساطير الأولين.
﴿المسألة السابعة﴾ (لا يمسه) الضمير عائد إلى الكتاب على الصحيح، ويحتمل أن يقال هو
عائد إلى ماعاد إليه المضمر من قوله (إنه) ومعناه: لا يمس القرآن إلا المطهرون، والصيغة إخبار،
لكن الخلاف فى أنه هل هو بمعنى النهى، كما أن قوله تعالى (والمطلقات يتربصن) إخبار بمعنى الأمر،
فمن قال المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، وهو الأصح على ما بينا، قال هو إخبار معى كما هو
إخبار لفظاً، إذا قلنا إن المضمر فى ( يمسه) للكتاب، ومن قال المراد المصحف اختلف فى قوله،
وفيه وجه ضعيف نقله ابن عطية أنه نهى لفظاً ومعنى وجلبت إليه ضمة الهاء لا للاعراب ولاوجه له،
المسألة الثامنة) إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، فالصحيح أن
الضمير فى لا يمسه للكتاب، فكيف يصح قول الشافعى رحمة الله تعالى عليه: لا يجوز مس المصحف
للمحدث ، نقول الظاهر أنه ما أخذه من صريح الآية ولعله أخذه من السنة فإن النبى صلى الله عليه
وسلم كتب إلى عمرو بن حزم ((لايمس القرآن من هو على غير طهر)) أو أخذه من الآية على
طريق الاستنباط ، وقال إن المس يطهر صفة من الصفات الدالة على التعظيم والمس بغير طهور
١٩٥
قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون . سورة الواقعة.
نوع إهانة فى المعنى، وذلك لأن الأضداد ينبغى أن تقابل بالأصداد ، فالمس بالمطهر فى مقابلة المس
على غير طهر ، وترك المس خروج عن كل واحدة منهما فكذلك الإكرام فى مقابلة الإهانة وهـ ك
شىء لا إكرام ولا إهانه فنقول: أن من لا يمس المصحف لا يكون مكرماً ولا مهيناً وبترك المس
خرج عن الضدين ففى المس على الطهر التعظيم ، وفى المس على الحدث الإهانة فلا تجوز وهو معنى
دقيق يليق بالشافعى رحمه الله ومن يقرب منه فى الدرجة .
ثم إن ههنا ( لطيفة فقهية) لاحت لهذا الضعيف فى حال تفكره فى تفسير هذه الآية ،أراد
تقييدها هنا فإنها من فضل الله فيجب على اكرامها بالتقيد بالكتاب، وهى أن الشافعى رحمه الله منع
المحدث والجنب من مس المصحف وجعلهما غير مطهرين ثم منع لجنب عن قراءة القرآن ولم يمنع
المحدث وهو استنباط منه من كلام اللّه تعالى، وذلك لأن الله تعالى منعه عن المسجد بصريح قوله
( ولا جنباً ) فدل ذلك على أنه ليس أهلا للذكر لأنه لو كان أهلا للذكر لما منعه من دخول المسجد
لأنه تعالى أذن لأهل الذكر فى الدخول بقوله تعالى ( فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)
الآية، والمأذون فى الذكر فى المسجد ،أذون فى دخول المسجد ضرورة فلو كان الجنب أهلا للذكر
لما كان منوعاً عن دخول المسجد والمكث فيه وأنه تمنوع عنهما وعن أحدهما، وأما المحدث فعلم
أنه عير منوع عن دخول المسجد فإن من الصحابة من كان يدخل المسجد وجوز النبى صلى الله عليه
وسلم نوم القوم فى المسجد وليس النوم حدثاً إذ النوم الخاص يلزمه الحكم بالحدث على اختلاف
بين الأئمة وما لم يكن منوعاً من دخول المسجد لم يثبت كونه غير أهل الذكر بجازله القراءة، فإن
قيل وكان ينبغى أن لا يجوز للجنب أن يسبح ويستغفر لأنه ذكر، نقول القرآن هو الذكر المطاق
قال الله تعالى (وإنه لذكر لك ولمقومك) وقال الله تعالى (والقرآن ذى الذكر) وقوله (يذكر
فيها اسمه) مع أنا نعلم أن المسجد يسمى مسجداً، ومسجد القوم محل السجود، والمراد منه الصلاة
والذكر الواجب فى الصلاة هو القرآن، فالقرآن مفهوم من قوله ( يذكر فيها اسمه ) ، ومن حيث
المعقول هو أن غير القرآن ربما يذكر مريداً به معناه فيكون كلاماً غير ذكراً، فان من قال أستغفر
الله أخبر عن نفسه بأمر ، ومن قال لاحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم كذلك أخبر عن أركان
بخلاف من قال ( قل هو الله أحد) فإنه ليس بمتكلم به بل هو قائل له غير آمر لغيره بالقول،
فالقرآن هو الذكر الذى لا يكون إلا على قصد الذكر لا على قصد الكلام فهو المطلق
وغيره قد يكون ذكراً، وقد لا يكون ، فإن قيل فاذا قال (أدخلوها بسلام) وأراد الإخبار
ينبغى أن لا يكون قرآناً وذكراً، نقول هو فى نفسه قرآن، ومن ذكره على قصد الإخبار،
وأراد الأمر والإذن فى الدخول يخرج عن كونه قارئا للقرآن، وإن كان لا يخرج عن كونه قرآناً،
ولهذا نقول نحن بيطلان صلاته ولو كان قارئاً لما بطلت ، وهذا جواب فيه لطف
ينبغى أن يتنبه له المطالع لهذا الكتاب، وذلك من حيث أنى فرقت بين أن يقال ليس قول
١٩٦
قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون . سورة الواقعة.
القائل: أو خلوها بسلام ، على قعد الإذن قرآناً، وبين قوله ليس القائل ادخلوها بسلام، على غير
قصد بقارىء للقرآن، وما الجواب من حيث المعقول فهو أن العبادة على منافاة الشهوة، والشهوة
إما شهوة البطن، وإما شهوة الفرج فى أكثر الأمر، فإن أحداً لا يخلو عنهما، وإن لم يشته شيئاً
آخر من المأكول والمشروب والمنكوح ، لكن شهوة البطن قد لا تبقى شهوة بل قصير حاجة
عند الجوع وضرورة عند الخوف ، ولهذا قال تعالى ( ولحم طير ما يشتهون) أى لا يكون
لحاجة ولا ضرورة بل لج د الشهوة وقد بيناه فى هذه السورة، وأما شهوة الفرج فلا تخرج عن
كونها شهوة وإن خرجت تكون فى محل الحاجة لا الضرورة، فلا يعلم أن شهوة الفرج ليست
شهرة محمضة ، والعبادة فيها منضمة للشهوة ، فلم تخرج شهرة الفرج عن كونها عبادة بدنية قط بل
حكم الشارع ببطلان الحج به، وبطلان الصوم والصلاة، وأما قضاء شهرة البطن فذا لم يكن شهوة
مجردة بطل به الصلاة والصوم دون الحج، وربما لم تبطل به الصلاة أيضاً، إذا ثبت هذا فنقول
خروج الخارج دليل قضاء الشهوة البطنية ، وخروج المنى دليل قضاء الشهوة الفرجية ، فواجب بهما
تطهير النفس ، لكن الظاهر والباطن متحاذيان، فأمر الله تعالى بتطهير الظاهر عند الحدث والإزال
الموافقه الباطن ، والإنسان إذا كان له بصيرة وبنظر فى تطهير باطنه عند الاغتسال للجنابة ، فإنه
يحد خفة ورغبة فى الصلاة والذكر (وهنا تتمة لهذه اللطيفة) وهى أن قائلا لو قال : لوصح قولك
للزم أن يجب الوضوء بالأكل كما يجب بالحدث لأن الأكل قضاء الشهوة، وهذا كما أن الاغتسال.
لما وجب بالإنزال، لكونه دليل قضاء الشهوة، وكذا بالإيلاج لكونه قضاء بالإيلاج، فكذلك
الإحداث، والأكل فنقول ههنا سرمكنون وهو ما بيناه أن الأكل قد يكون لجاجة وضرورة فتقول
الأكل لا يعلم كونه للشهوة إلا بعلامة ، فاذا أحدث علم أنه أكل ولا يعلم كوته للشهوة. وأما الإيلاج
فلا يكون للحاجة ولا يكون للضرورة فهو شهوة كيفما كان، فناط الشارع إيجاب التطهير بدليلين
(أحدهما) قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الماء من الماء) فإن الإنزال كالإحداث، وكماأن الحدث
هو الخارج وهو أصل فى إيجاب الوضوء، كذلك ينبغى أن يكون الإنزال الذى هو الخروج هو الأصلى
فى إيجاب الغسل فإن عنده يتبين قضاء الحاجة والشهوة فإن الإنسان بعد الإنزال لا يشتهى الجماع
فى الظاهر (وثانيهما) ماروى عنه صلى الله عليه وسلم ((الوضوء من أكل ما مسته النار » فإن ذلك
دليل قضا الشهوة كما أن خروج الحدث دليله، وذلك لأن المضطر لا يصبر إلى أن يستوى الطعام
بالنار بل يأكل كيفما كان ، فأكل الشىء بعد الطبخ دليل على أنه قاض به الشهوة لادافع به الضرورة،
ونعود إلى الجواب عن السؤال ونقول: إذا تبين هذا فالشافعى رضى الله عنه قضى بأن شهوة الفرج
شهوة محضة ، فلا تجامع العبادة الجنابة، فلا ينبغى أن يقرأ الجنب القرآن، والمحدث يجوز له أن يقرأ
لأن الحدث ايس يكون عن شهوة محضة .
المسألة التاسعة) قوله (إلا المطهرون) هم الملائكة طهر هم الله فى أول أمرثم وأبقاهم
١٩٧
قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون . سورة الواقعة.
كذلك طول عمرهم ولو كان المراد نفى الحدث لقال: لا يمسه إلا المتطهرون أو المطهرون، بتشديد
الطاء والهاء، والقراءة المشهورة الصحيحة (المطهرون) من التطهير لا من الإطهار، وعلى هذا يتأيد
ماذَكريا من وجه آخر، وذلك من حيث إن بعضهم كان يقول: هو من السماء يغزل به الجن ويلقيه
عليه كما كانوا يقولون فى حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون النبى معَّ اللّه كاهن، فقال لا يمسه الجن وإنما
يمسه المطهرون الذين طهروا عن الخبث ، ولا يكونون محلا للافساد والسفك، فلا يفسدون ولا
يسفكون، وغيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه، فيكون هذا رداً على القائلين بكونه مفترياً، وبكونه
شاعراً، وبكونه مجوناً بمس الجن، وبكونه كاهناً، وكل ذلك قولهم والكل رد عليهم بما ذكر الله
تعالى فهذا من أو صاف كتاب الله العزيز.
المسألة العاشرة﴾ قوله (تنزيل من رب العالمين) مصدر، والقرآن الذى فى كتاب ليس
تنزيلا إنما هو منزل كما قال تعالى (نزل به الروح الأمين) نقول ذكر المصدر وإزادة المفعول
كثير كما قلنا فى قوله تعالى ( هذا خلق الله) فان قيل ما فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز فى هذا
الموضع؟ فنقول التنزيل والمنزل كلاهما مفعولان ولها تعلق بالفاعل، لكن تعلق الفاعل بالمصدر
أكثر، وتعلق المفعول عبارة عن الوصف القائم به، فنقول هذا فى الكلام ، فإن كلام اللّه أيضاً
وصف قائم باللّه عندنا ، وإنما نقول من حيث الصيغة واللفظ ولك أن تنظر فى مثال آخر ليقيسر
لك الأمر من غير غلط وخطأ فى الاعتقاد ، فنقول فى القدرة والمقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ
من تعلق المقدور ، فإن القدرة فى القادر والمقدور ليس فيه ، فإذا قال : هذا قدرة الله تعالى كان له
من العظمة مالا يكون فى قوله: هذا . قدور الله. لأن عظمة الشىء بعظمة الله، فإذا جعلت الشى.
قائما بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم، وإذا ذكرته بلفظ يقال مثله فيما لا يقوم باللّه وهو المفعول
به كان دونه، فقال تنزيل ولم يقل منزل، ثم إن ههنا ( بلاغة أخرى) وهى أن المفعول قد يذكر
ويراد به المصدر على ضد ما ذكرنا، كما فى قوله ( مدخل صدق ) أى دخول صدق أو إدخال صدق
وقالى تعالى (كل ممزق) أى تمزيق، فالممزق بمعنى التمزيق، كالمنزل بمعنى التنزيل، وعلى العكس
سواء، وهذه البلاغ، هى أن الفعل لابرى، والمفعول به يصير مرئياً، والمرى أقوى فى العلم، فيقال
مزقهم تمزيقاً . وهو فعل معلوم لكل أحد عدماً بيناً يبلغ درجة الرؤية ويصير التمزق هنا كما صار
الممزق ثابتاً مرئياً، والكلام يختلف بمواضع الكلام، ويستخرج الموفق بتوفيق الله، و قوله (منرب
العالمي) أيضاً لتعظيم القرآن ، لأن الكلام يعظم بعظمة المكلم ، ولهذا يقال لرسول الملك هذا كلام
أملك أو كلامك . وهذا كلام الملك الأعظم أو كلام الملك الذى دونه ، إذا كان الرسول رسول
ملوك، فيعظم الكلام بقدر عظمة المتكام، فإذا قال من رب العالمين؟؟ تبين منه عظمة لا عظمة مثلها
وقد بينا تفسير العالم وما فيه من اللطائف، وقوله (تنزيل) رد على طائفة أخرى، وهم الذين يقولون
إنه فى كتاب، ولا يمسه إلا المطهرون، وهم الملائكة، لكن الملك يأخذ ويعلم الناس من عنده ولا
١٩٨
قوله تعالى : أفيهذا الحديث أنتم مدهنون . سورة الواقعة.
أَفَهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم مُدْمِنُونَ (﴾ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُرْ تُكَذِّبُونَ
٨٢
يكون من الله تعالى، وذلك أن طائفة من الروافض يقولون إن جبرائيل أنزل على على ، فنزل على
محمد ، فقال تعالى هو من الله ليس باختيار الملك أيضاً، وعند هذا تبين الحق فعاد إلى توبيخ الكفار.
قوله تعالى: ﴿ أنهذا الحديث أنتم مدهنون ، وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ هذا إشارة إلى ماذا؟ فنقول المشهور أنه إشارة إلى القرآن وإطلاق
الحديث فى القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه اسماً لا وصفاً فان الحديث اسم لما يتحدث
به ، ووصف يوصف به ما يتجدد، فيقال أمر حادث ورسم حديث أى جديد، ويقال أمجنى حديث
فلان وكلامه . وقد بينا أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد، والحديث الذى لم يسمع ( الوجه
الثانى) أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل فى قوله تعالى (وكانوا يقولون أنذا متنا وكنا تراباً
وعظاماً أثنا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون) وذلك لأن الكلام مستقل منتظم فانه تعالى رد عليهم
ذلك بقوله تعالى (قل إن الأولين والآخرين) وذكر الدليل عليهم بقوله (نحن خلقناكم)
وبقوله ( أفرأيتم ما تمنون، أفرأيتم ما تحرثون) وأقسم بعد إقامة الدلائل بقوله ( فلا أقسم) وبين
أن ذلك كله إخبار من اللّه بقوله (إنه القرآن) ثم عاد إلى كلامهم ، وقال (أفهذا الحديث) الذى
تتحدثون به (أنتم مدهنون) لأصحابكم تعلمون خلاف وتقولونه، أم أنتم به جازمون، وعلى الإصرار.
عازمون ، وسلبين وجه بتفسير المدهن ، وفيه وجهان (أحدهما) أن المدهن المراد به المكذب
قال الزجاج: معناه أفبالقرآن أنتم تكذبون ، والتحقيق فيه أن الإدهان تليين الكلام لاستمالة
السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو إذا عجز عن عدوه يقول له أما داع
لك ومثن عليك مداهنة وهو كاذب ، فصار استعمال المدهن فى المكذب استعمالا ثانياً وهذا
إذا قلنا إن الحديث هو القرآن ( والوجه الثانى) المدهن هو الذى يلين فى الكلام ويوافق
باللسان وهو مصر على الخلاف فقال (أنتم مدهنون) فمنهم من يقول إن النبى كاذب ، وإن
الحشر محال وذلك لما هم عليه من حب الرياسة، وتخافون أنكم إن صدقتم ومنعتم ضعفاءكم عن
الکفر یفوت علیکم من کسکم ماتر محونه بسبیهم فتجعلون رزقكم انكم تكذبون الرسل، والأول
عليه أكثر المفسرين ، لكن الثانى مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى وهو عبارة
عن قولهم ( أثنا لمبعوثون) والمدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا مدهنين بالقرآن ، وقول
الزجاج: مكذبون جاء بعده صريحاً. وأما قوله ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) ففيه
وجوه (الأول) تجعلون شكر النعم أنكم تقولون مطرنا بنوء كذا، وهذا عليه أكثر المفسرين،
(الثانى) تجعلون معاشكم وكسبكم تكذيب محمد، يقال فلان قطع الطريق معاشه، والرزق فى الأصل
مصدر سمى به ما يرزق، يقال للمأكول رزق ، كما يقال للمقدور قدرة ، والمخلوق خلق ، وعلى هذا
١٩٩
قوله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم . سورة الواقعة.
فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْخُلْقُومَ ◌َه وَأَنْتُمْ حِيَبِذٍ تَنظُرُونَ (8) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُ
وَلَكِن لَّا نُبْصِرُونَ
٨٥
فالتكذيب مصدر قصد به ماكاوا يحصلون به مقاصدهم، وأما قوله (تكذبون) فعلى الأول المراد
تكذيهم بما قال الله تعالى ( وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها) وغير ذلك، وعلى الثانى
المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب ، وهو أقرب إلى اللفظ.
قوله تعالى: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن
لا تبصرون ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ المراد من كلمة (لولا) معنى هلا من كلمات التحضيض وهى أربع كلمات:
لولا، ولو ما ، وهلا، وألا. ويمكن أن يقال أصل الكلمات لم لا، على السؤال كما يقول القائل: إن
كنت صادقاً فلم لا يظهر صدقك، ثم إنما قلنا الأصل لم لا لكونه استفهاماً أشبه قولنا هلا، ثم أن
الاستفهام تارة يكون عن وجود شىء وأخرى عن سبب وجوده ، فيقال هل جاء زيد ولم جاء ،
والاستفهام بهن قبل الاستفهام بلم، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للانكار وهو كثير ، ومنه قوله
تعالى ههنا ( أفبهذا الحديث أنتم مدعنون) وقوله (أندعون بعلا وتذرون) وقوله تعالى (أ إفكا
آلهة دون الله تريدون) ونظائرها كثيرة. وقد ذكرنا لك الحكمة فيه، وهى أن النافى والناهى لا يأمر
أن يكذب المخاطب فعرض بالنفى لئلا يحتاج ألى بيان النفى، إذا ثبت هذا فالاستفهام ((بهل)) لإنكار
الفعل، والاستفهام ((بلم)) لإنكار سبه، وبيان ذلك أن من قال لم فعت كذا، يشير إلى أنه لاسبب
للفعل ، ويقول كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع، وهو غير جائز، وإذا قال هل فعلت. ينكر
نفس الفعل لا الفعل من غير سبب ، وكأنه فى الأول يقول: لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق ،
وفى الثانى يقول الفعل غير لائق ولو وجه له سبب.
المسألة الثانية﴾ إن كل واحد منهما يقع فى صدر الكلام، ويستدعى كلاماً مركباً من كلامين
فى الأصل، أما فى ((هل)) فلأن أصاها أنك تستعملها فى جملتين. فتقول: هل جاء زيد أو ما جاء،
لكنك ربما تحذف أحديهما، وأما فى (لو) فإنك تقول: لوكان كذا لكان كذا، وربما تحذف الجزاء
كما ذكرنا فى قوله تعالى (لو تعلمون) لأنه يشير بلو إلى أن المنفى له دليل. فإذا قال القائل لو كنتم
تعلمون، وقيل له لم لا يعلمون، قال إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا، فدليله مستحضر إن طولب به بينه
وإذا ثبت أن النفى بلو ، والنفى بهل، أبلغ من النفى بلا، والنفى بقوله لم ، وإن كان بينهما اشتراك معنى
ولفظاًوحكماء صارت كلمات التحضيض وهى: لو ما، ولولا، وهلا، وألا كما تقول لم لا بإذن قول القائل: هل
تفعل وأنت عنه مستغن، كقوله لم تفعل وهو قبيح، وقوله: وهلا تفعل وأنت إليه محتاج، وألا تفعل
٢٠٠
قوله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم . سورة الواقعة.
وأنت إليه محتاج، وقوله: لولا، ولوما، كقوله: لم لا تفعل، ولم لافعلت، فقد وجد فى ألازيادة أص،
لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما، على ما فى الأصل كما ببناء، رقوله
تعالى ( فلولا إذا بلغت الحلقوم) أى لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ظهور الأمور وزمان
اتفاق الكلمات ، ولو كان ما يقولونه حقاً ظاهراً كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع،
وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم ؤمن قبله ، فإن قيل
ماسمع مهم الإعتراف وقت النزع بل يقولون نحن نكذب الرسل أيضاً وقت بلوغ النفس إلى
الحلقوم ونموت عليه؟ فتقول هذه الآية بعينها إشارة وبشارة، أما الإشارة إلى الكفار، وأما
البشارة فلرسل ، أما الإشارة وهى أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكار ها وهى حالة الموت
فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت، وهو أظهر من كل ماهو
من مثله فلا يشكون فى حالة النزع، ولا يشكون فى أن فى ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق ، ولا
إنكار بعمل فتقوتهم قرة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثاً لهم على
تجديد النظر فى طلب الحق قبل تلك الحالة ، وأما البشارة ولأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم
صعب عليهم ، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول
وإلا فعند الموت وهو غير نافع، والضمير فى ( بلغت) للفس أو الحياة أو الروح، وقوله ( وأنتم حينئذ
تنظرون ) تأكيد لبيان الحق أى فى ذلك الوقت قصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من
بلغ إلى تلك الحالة ، فإن كان ماذكرتم حقاً كان ينبغى أن يكون فى ذلك الوقت ، وقد ذكرنا
التحقيق فى ( حينئذ) فى قوله ( يومئذ) فى سورة والطور واللفظ والمعنى متطابقان على ماذكر نالأنهم
كانوا يكذبون بالرسل والحشر، وصرح به الله فى هذه السورة عنهم حيث قال (أنهم كانوا يصرون
على الحنث العظيم، وكانوا يقولون أنذا متنا) وهذا كالتصريح بالتكذيب لأنهم ما كانوا ينكرون أن
اللّه تعالى منزل لكنهم كانوا يج لون أيضاً الكواكب من المنزاين، وأما المضمر فذكره الله تعالى
عند قوله ( أفر أيتم الماء الذى تشربون) ثم قال (ألقتم أز لتموه من المزن أم نحن المنزلون) بالواسطة
وبالتفويض على ماهو مذهب المشركين أو مذهب الفلاسفة. وأيضاً التفسير المشهور محتاج إلى إضمار
تقديره أتجعلون شكر رزقكم، وأما جعل الرزق بمعنى المعاش وأقرب ، يقال فلان رزقه فى لسانه ،
ورزق فلان فى رجله ويده ، وأيضاً فقوله تعالى (فلولا إذا بلغت الحلقوم) متصل بما قبله لما بينا أن
المراد أنكم تكذبون الرسل فلم لا تكذهونهم وقت النزع لقوله تعالى (ولئن -ألتهم من نزل من السماء
ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله) فعلم أنهم كذبوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((كذب
المنجمون ورب الكعبة)) ولم يكذبوا وهذا على قراءة من يقرأ تكذبون بالتخفيف، وأما المدهن
فعلى ماذكرنا يبقى على الأصل ويوافقه (ودوا لو تدهن فيدهنون ) فإن المراد هناك ليس تكذب
فيكذبون، لأنهم أرادوا النفاق لا التكذيب الظاهر .