النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قوله تعالى : إلا قيلا سلاما سلاما. سورة الواقعة. مشتركان فى إثبات خلاف ما تقدم، نقول المجاز فى الأسماء أولى من المجاز فى الحروف لأنها تقبل التغير فى الدلالة وتتغير فى الأحوال ، ولا كذلك الحروف لأن الحروف لا تصير مجازاً إلا بالاقتران باسم والإسم يصير مجازاً من غير الاقتران بحرف فإنك تقول رأيت أسدأ يرمى ويكون مجازاً ولا اقتران له بحرف ، وكذلك إذا قلت لرجل هذا أسد وتريد بأسد كامل الشجاعة، ولأن عرض المتكلم فى قوله مالى ذنب إلا أنى أحبك ، لا يحصل بما ذكرت من المجاز، ولأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة والبلاغة . ﴿ المسألة الخامسة﴾ فى قوله تعالى (قيلا) قولان (أحدهما) إنه مصدر كالقول فيكون قيلا مصدراً، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له فى باب فعل يفعل الاحرف (ثانيهما) إنه اسم والقول مصدر فهو كالسدل والستر بكسر السين اسم وبفتحها مصدر وهو الأظهر، وعلى هذا نقول الظاهر أنه اسم مأخوذ من فعل هو: قال وقيل، لما لم يذكر فاعله، وما قيل أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال، يكون معناه نهى عن المشاجرة، وحكاية أمور جرت بين أقرام لا فائدة فى ذكرها، وليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ ولا حكمة لقوله صلى الله عليه وسلم ((رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم )) وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، والقال اسم للقول مأخوذ من قيل لما لم يذكر فاعله، تقول قال فلان كذا، ثم قيل له كذا، فقال كذا، فيكون حاصل كلامه قيل وقال ، وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، والقال مأخوذ من قيل هو قال، ولقائل أن يقول هذا باطل لقوله تعالى ( وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) فإن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أی یعلم الله قیل محمد ( يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون)، كما قال نوح عليه السلام (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك)، وعلى هذا فقوله تعالى (فاصفح عنهم وقل سلام) إرشاد له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم نوح عنده ، وإذا كان القول مضافاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون القيل اسماً لقول لم يعلم قائله؟ فنقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما ) إن قولنا إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله فى الأصل لا ينافى جواز استعماله فى قول من علم بغير الموضوع ( وثانيهما) وهو الجواب الدقيق أن نقول الهاء فى (وقيله) ضمير كما فى ربه وكالضمير المجهول عند الكوفيين وهو ضمير الشأن، وعند البصريين قال ( فإنها لا تعمى الأبصار) والهاء غير عائد إلى مذكور، غير أن الكوفيين جعلوه لغير معلوم والبصريين جعلوه ضمير القصة، والظاهر فى هذه المسألة قول الكوفيين ، وعلى هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم الله تعالى قيل القائل منهم يارب إن هؤلاء، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول فى كل أحد إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا وأنهم عالمون، وأهل السماء علموا بأن عند الله علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول (يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) من غير تعيين قول لاشتراك الكل فيه، ويؤبد هذا أن الضمير لو كان عائداً إلى معلوم فإما أن يكون إلى مذكور قبله، ولا شىء في) الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١١ ١٦٢ قوله تعالى : إلا قيلا سلاما سلاما. سورة الواقعة. قبله يصح عود الضمير إليه ، وإما إلى معلوم غير مذكور وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن الخطاب بقوله (فاصفح) كان يقتضى أن يقول، وقيلك يارب لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المخاطب أولا بكلام الله، وقد قال قبله (ولئن سألنهم) وقال من قبل (قل إن كان للرحمن ولد فأما أول العابدين) وكان هو الخاطب أولا ، إذا تحقق هذا؟ نقول إذا تفكرت فى استعمال لفظ الفيل فى القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظاً مراعى، فقال مهنا ( إلا فيلا سلاماً سلاماً) لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائماً من الملائكة والناس كما قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام ) وقال تعالى ( سلام قولا من رب رحيم) حيث كان المسلم منفرداً، وهو الله كأنه قال: سلام قولا منا، وقال تعالى (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً) وقال (هى أشد وطئاً وأقوم قيلا) لأن الداعى معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلا .إن قوله قويم، ونهجه مستقيم، وقال تعالى ( وقيله يارب ) لأن كل أحد يقول: إنهم لا يؤمنون. أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفربانهم بإبرافهم وإصرارهم ، ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيا) والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله ، فقال (إلا قيلا) وهو سلام عليك، وأما قول من يعرف وهو الله فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وينهما نهاية الخلاف فقال ( سلام قولا) . ﴿ المسألة السادسة﴾ سلام، فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه صفة وصف الله تعالى بها قيلا كما يوصف الشىء بالمصدر حيث يقال: رجل عدل، وقوم صوم ، ومعناه إلا فيلا سالماً عن العيوب، (وثانيها) هو مصدر تقديره، إلا أن يقولواسلاما (وثالثها) هو بدل من قيلا، تقديره: إلا سلاماً. ﴿ المسألة السابعة﴾ تكرير السلام هل فيه فائدة؟ نقول فيه إشارة إلى تمام النعمة، وذلك لأن أثر السلام فى الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام، فكما أن أحد المتلاقيين فى الدنيا يقول الآخر: السلام عليك، فيقول الآخر: وعليك السلام، فكذلك فى الآخرة يقولون (سلاماً -. لا.أ) ثم أنه تعالى لما قال (سلام قولا من رب رحيم) لم يكن له رد لأن تسليم الله على عبده ، ؤمن له، أما الله تعالى فهو منزه عن أن ؤمنه أحد، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . المسألة الثامنة ) ما الفرق بين قوله تعالى ( سلاماً سلاماً) بنصبهما، وبين قوله تعالى، قالوا سلاماً قال سلام ؟ قلنا قد ذكرنا هناك أن قوله (سلام عليك ) أنم وأبلغ من قولهم سلاماً علىك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويحييهم بأحسن ماحيوا، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل فى تلك الصورة إذهم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيراً . المسألة التاسعة) إذا كان قول القائل (سلام عليك) أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة ١٦٣ قوله تعالى :واصحاب اليمين ما اصحاب اليمين. سورة الواقعة. فِى سِدْرٍ ◌َخْضُودٍ ﴾ وَطَلْج مَا أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ ٢٧ مَنْضُودٍ صارت بالنصب، ومن قرأ سلام ليس مثل الذى قرأ بالنصب، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى، أما اللفظ ولأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب، فالنصب بقوله (لا يسمعون فيها لغواً) وأما المعنى فلأذا بينا أن الاستثناء متصل، وقولهم ( سلام) أبعد من اللغو من قولهم (سلاماً) فقال ( إلا قيلا سلاماً) ليكون أقرب إلى اللغو من غيره، وإن كان فى نفسه بعيداً عنه . قوله تعالى: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، فى سدر مخضود، وطلح منضود﴾. لما بين حال السابقين شرع فى شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة ، وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ ما الفائدة فى ذكرهم بلفظ (أصحاب الميمنة) عند ذكر الأقسام، وبلفظ (أصحاب اليمين) عند ذكر الإنعام ؟ نقول الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم، أى الأرض التى فيها اليمين. وإما بمعنى موضع اليمن كالمنارة موضع النار، والمجمرة موضع الجمر ، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة فى أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض، ويتفرقون لقوله تعالى (يومئذ يتفرقون) وقال (يصدعون) فيتفرقون بالمكان فأشار فى الأول إليهم بلفظ يدل على المكان، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم لا يتشاركون فيه كالمكان، فقال (وأصحاب اليمين) وفيه وجوه (أحدها ) أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ( ثانيها ) أصحاب القوة ( ثالثها) أصحاب النور ، وقد تقدم بيانه . ﴿ المسألة الثانية﴾ ما الحكمة فى قوله تعالى ( فى سدر) وأية نعمة تكون فى كونهم فى سدر، والسدر من أشجار البوادى، لا بمر ولا بحلو ولا بطيب؟ نقول فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل والأواخر ، واقتصروا فى الجواب والتقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزاً محموداً، وهو صواب ولكنه غير فائق، والفائق الرائق الذى هو بتفسير كلام اللّه لائق، هو أن نقول: إنا قد بينا مراراً أن البليغ يذكر طرفى أمرين، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما ، كما يقال: فلان ملك الشرق والغرب، ويفهم منه أنه ملكمها وملك ما بينهما، وبقال فلان أرضى الصغير والكبير، ويفهم منه أنه أرضى كل أحد إلى غير ذلك، فتقول لا خفاء فى أن تزين المواضع التى يتفرج فيها بالأشجار، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال به، وقارة يقصد إلى ثمرها، وتارة يجمع بينهما، لكن الأشجار أوراقها على أقسام كثيرة ، ويجمعها نوعان: أوراق صغار، وأراق كبار، والسدر فى غاية الصغر، والطلح وهو شجر الموز فى غاية الكبر، فقوله تعالى ( فى سدر مخضود، وطلح منضود) إشارة إلى ما يكون ورقه ١٦٤ قوله تعالى : واصحاب اليمين. سورة الواقعة. فى غاية الصغر من الأشجار، وإلى ما يكون ورقه فى غاية الكبر منها، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى أوراقها، والورق أحد مقاصد الشجر. ونظيره فى الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه فى موضعه ، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى ثمارها، وكذلك قلنا فى النخيل والأعناب، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة ، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له . ﴿ المسألة الثالثة﴾ مامعنى المختفوض؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) مأخوذ الشوك، فإن شوك السدر يستقصف ورقها، ولولاه لكان منتزه العرب، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها فى بعض ( وثانيهما) مخضود أى متعطف إلى أسفل ، فان رؤوس أغصان الدر فى الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار، فإن رؤوسها تتدلى، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا ، فإن لها ثمراً كثيراً . المسألة الرابعة﴾ ما الطلح؟ نقول الظاهر أنه شجر الموز، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة، روى أن علياً عليه السلام سمع من يقرأ (وطلح منضود) فقال ماشأن الطلح؟ إنما هو وطلع ، واستدل بقوله تعالى (وطلع نضيد) فقالوا فى المصاحف كذلك، فقال لا تحيل المصاحف، فنقول هذا دليل معجزة القرآن، وغزارة علم على رضى الله عنه. أما المعجزة فلأن علياً كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه، وما كان قد اتفق حرفه مبادرة ذهنه إلى معنى ، ثم قال فى نفسه: إن هذا الكلام فى غاية الحسن ، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به ، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به ، فذكر النوعين، ثم إنه لما أطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح فى هذا الموضع أولى، وهو أفصح من الكلام الذى ظنه فى غاية الفصاحة فقال المصحف بين لى أنه خير ما كان فى ظى فالمصحف لا يحول . والذى يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى (وفاكهة كثيرة) تكرار أحرف من غير فائدة، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى ( وفاكهة ) وسنبينها إن شاء الله تعالى. ﴿ المسألة الخامسة﴾ ما المنضود؟ فنقول إما الورق وإما الثمر، والظاهر أن المراد الورق ، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقاً بعد ورق، وهو ینبت کشجر الحنطة ورقاً بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه، ويبقى بعضها دون بعض، كما فى القصب ، فوز الدنيا إذا ثبت كان بين القضب وبين بعضها فرجة ، وليس عليها ورق ، وموز الآخرة يكون ورقه متصلا بعضه ببعض فهو أكثر أوراقاً، وقيل المنضوه المثمر، فإن قيل إذا كان الطلح شجراً فهو لا يكون منضوداً. وإنما يكون له ثمر منضود ، فكيف وصف به الطلح ؟ نقول هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به، يقال: زيد حسن الوجه، وقد يترك الوجه ويقال زيد حسن والمراد ١٦٥ قوله تعالى : وظل ممدود. سورة الواقعة. وَظِلّ ◌َمْدُوِدٍ ﴿ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ لََّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (#) حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن يقال زيد مضروب الغلام، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ ، وأما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه . ثم قال تعالى ﴿وظل محدود﴾ وفيه وجوه (الأول) محدود زماناً، أى لا زوال له فهو دائم، كما قال تعالى (أكلها دائم وظلها) أى كذلك (الثانى) مدود مكاناً، أى يقع على شىء كبير ويستره من بقعة الجنة (الثالث) المراد ، دود أى منبسط، كما قال تعالى (والأرض مددناها) فإن قيل كيف يكون الوجه الثانى؟ نقول الظل قد يكون مرتفعاً، فإن الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها فى الجو فيترا كم الظل فيسود وجه الارض. وإذا كانت على أحد جانبيها قريبة من الأفق ينبسط على وجه الأرض فيضى. الجو ولا يسخر وجه الأرض، فيكون فى غاية الطيبة ، فقوله (وظل ممدود) أى عند قيامه عموداً على الأرض كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار بل ظل بخلقه الله تعالى. وقوله تعالى ﴿وماء مسكوب﴾ فيه أيضاً وجوه (الأول) مسكوب من فوق، وذلك لأن العرب أكثر ما يكون عندهم الآبار والبرك فلا سكب الماء عندهم بخلاف المواضع التى فيها العيون النابعة من الجبال الحاكمة على الأرض تسكب عليها (الثانى) جار فى غير أخدود، لأن الماء المسكوب يكون جارياً فى الهواء ولا نهر هناك، كذلك الماء فى الجنة (الثالث) كثير وذلك الماء عند العرب عزيز لا يسكب ، بل يحفظ ويشرب ، فإذا ذكروا النعم يعدون كثرة الماء ويعبرون عن كثرتها بإراقتها وسكبها ، والأول أصح . قوله تعالى: ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا منوعة﴾ لما ذكر الأشجار التى يطلب منها ورقها ذكر بعدها الأشجار التى يقصد ثمرها ، وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ ما الحكمة فى تقديم الأشجار المورقة على غير المورقة؟ نقول هى ظاهرة ، وهو أنه قدم الورق على الشجر على طريقة الارتقاء من نعمة إلى ذكر نعمة فوقها ، والفواكه أتم نعمة . المسألة الثانية) ما الحكمة فى ذكر الأشجار المورقة بأنفسها، وذكر أشجار الفواكه بثمارها؟ نقول هى أيضاً ظاهرة، فإن الأوراق حسنها عند كونها على الشجر، وأما الثمار فهى فى أنفسها مطلوبة سواء كانت عليها أو مقطوعة، ولهذا صارت الفواكه لها أسماء بها تعرف أشجارها، فيقال شجر التين وورقه . ١٦٦ قوله تعالى : وظل ممدود. سورة الواقعة. المسألة الثالثة﴾ ما الحكمة فى وصف الفاكهة بالكثرة، لا بالطيب والذة ؟ نقول قد بينا فى سورة الرحمن أن الفاكهة فاعلة كالراضية فى قوله ( فى عيشة راضية ) أى ذات فكهة ، وهى لا تكون بالطبيعة إلا بالطيب واللذة، وأما الكثرة ، فبينا أن الله تعالى حيث ذكر الفاكهة ذكر ما يدل على الكثرة ، لأنها ليست لدفع الحاجة حتى تكون بقدر الحاجة ، بل هى للنعم، فوصفها بالكثرة والتنوع . المسألة الرابعة﴾ ( لامقطوعة) أى ليست كفواكه الدنيا، فإنها تنقطع فى أكثر الأوقات والأزمان، وفى كثير من المواضع والأماكن (ولا منوعة) أى لاتمنع من الناس لطلب الأعراض والأثمان، والممنوع من الناس لطلب الأعراض والأثمان ظاهر فى الحس ، لأن الفاكهة فى الدنيا تمنع عن البعض فهى منوعة، وفى الآخرة ليست منوعة. وأما القطع فيقال فى الدنيا إنها انقطعت فهى منقطعة لا مقطوعة، فقوله تعالى (لا مقطوعة) فى غاية الحسن، لأن فيه إشارة إلى دليل عدم القطع، كما أن فى (لا منوعة) دليلا على عدم المنع، وبيانه هو أن الفاكهة فى الدنيا لا تمنع إلا لطلب العوض، وحاجة صاحبها إلى ثمنها لدفع حاجة به، وفى الآخرة مالكها الله تعالى ولا حاجة له، فلزم أن لا تمنع الفاكهة من أحد كالذى له فاكهة كثيرة، ولا يأكل ولا يبيع، ولا يحتاج إليها بوجه من الوجوه لاشك فى أن يفرقها ولا يمنعها من أحد. وأما الانقطاع فنقول الذى يقال فى الدنيا: الفاكهة انقطعت، ولا يقال عند وجودها: امتنعت ، بل يقال: منعت ، وذلك لأن الإنسان لا يتكلم إلا بما يفهمه الصغير والكبير، ولكن كل أحد إذا نظر إلى الفاكهة زمان وجودها يرى أحدا يحوزها ويحفظها ولا يراها بنفسها تمتنع فيقول أنها منوعة، وأما عند انقطاعها وفقدها لا يرى أحداً قطعها حساً وأعدمها. فيظنها منقطعة بنفسها لعدم إحساسه بالقاطع ووجود إحساسه بالمانع، فقال تعالى: لو نظرتم فى الدنيا حق النظار علمتم أن كل زمان" نظراً إلى كونه ليلا ونهاراً ممكن فيه الفاكهة فهى بنفسها لا تنقطع، وإنما لا توجد عنيد المحقق لقطع الله إياها وتخصيصها بزمان دون زمان، وعند غير المحقق لبرد الزمان وجره، وكونه محتاجاً إلى الظهور والنمو والزهر ولذلك تجرى العادة بأزمنة فهى يقطعها الزمان فى نظر غير المحقق فإذا كانت الجنة ظلها مدوداً لاشمس هناك ولا زمهرير استوت الأزمنة والله تعالى يقطعها فلا تكون مقطوعة بسبب حقيقى ولا ظاهر ، فالمقطوع يتفكر الإنسان فيه ويعلم أنه مقطوع لا أميقظعن من. غير قاطع ،وفى الجنة لا قاطع فلا تصير مقطوعة. المسألة الخامسة) قدم تقى كونها مقطوعة لمنا أن القطع الموجود والمع بعد الوجود الأنها توجد أولا ثم تمتع فإن لم تكن موجودة لا تكون منوعة محفوظة فقال لاتقطع فتوجه أبدا ثم إن ذلك الموجود لا يمنع من أحد وهو ظاهر غير أنا نحب أن لانترك شيئاً ما يخطر بالبال ويكون صحيحاً، ١٦٧ قوله تعالى : وفرش مرفوعة. سورة الواقعة. وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ (3﴾ إِنَّا أَنشَّأَنَهُنَّ إِنشَآءُ ٣٥ ٤:١٠٠٠ ◌َجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا ٣٨ لْأَصْحَبِ الْيَمِينِ عَرَبًا أتْرَابَا لَـ ثم قال تعالى ﴿وفرش مرفوعة) وقد ذكرنا معنى الفيشن ونذكر وجهاً آخر فيها إن شاء الله تعالى وأما المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه (أحدها) مرفوعة القدر يقال ثوب رفيع أى عزيز مرتفع القدر والثمن ويدل عليه قوله تعالى (على فرش طائها) (وثانيها) مرفوعة بعضها فوق بعض (ثالثها) مرفوعة فوق السرير . قوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاءاً، تجعلنا هن أبكاراً، عرباً أتراباً، لأصحاب اليمين﴾ وفى الإنشاء مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير فى (أنشأناهن) عائد إلى من؟ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) إلى حورعين وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن فى قصة أخرى ( ثانيها) أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى (هن لباس لكم)، ويقال للجارية صارت فراشاً .. وإذا صارت فراشاً رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم قصر فراشاً.، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهراً لأن وصفها بالمرفوعة يني. عن خلاف ذلك ( وثالثها) أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم فى الدنيا وفى مواضع من ذكر الآخرة، أن فى الفرش حظايا تقديره ، فى فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ماذكر فى قوله تعالى (قاصرات الطرف، ومقصررات) فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقى أصلا وإنما عرفهن بأو صافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن، وقوله تعالى (إنا أنشأناهن) يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذى هو الابتداء، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى احياء الأعادة، وقوله تعالى (أفكاراً) يدل على الثانى لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلهم من كونهن أبكاراً من غير حاجة إلى بيان ولما كان المراد إحياء بنات آدم قال (أبكاراً) أى تجعلهن أبكاراً وإن متن ثيمات، فإن قيل فما الفائدة على الوجه الأول؟ نقول الجواب من وجهين (الأول) أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كر أزواجهم بين الفائدة لأن البكر فى الدنيا لا تكون عا فة بلذة الزوج فلا ترضى بأن تزوج من رجل لاتعرفة وتختار التزويج بأقرانها ومعارفها لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء آدم وتكون الواحدة منهن بكراً لم تر زوجاً ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم منها سوء عشرة فقال (أبكاراً) فلا يوجد فيهن ما يوجد فى أبكار الدنيا (الثانى) المراد أبكاراً بكارة تخالف بكارة الدنيا ، فإن البكارة لا نعود إلا على بعد، وقوله تعالى (أتراباً) يحتمل وجوها (أحدها) مستويات فى السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر ولا كبر كلهن خلقن فى زمان ١٦٨ قوله تعالى : ثله من الاولين. سورة الواقعة. ٣٩ ثُلَّهُ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. ٠ ٤="- ". وَثَلَّةٌ مِّنَ اْلْأَخِرِينَ ٤٠ واحد، ولا يلحقهن عجز ولا زمانة ولا تغير لون ، وعلى هذا إن كن من ينات آدم فاللفظ فيهن حقيقة، وإن كن من غير هن فمعناه ما كبرن سمين به لأن كلا منهن تمس وقت مس الأخرى لكن نسى الأصل ، وجعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء، فأطلق على حور الجنة أتراباً (ثانيها) أتراباً متماثلات فى النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن فى زمان أو فى أزمنة. والظاهر أنه فى أزمنة لأن المؤمن إذا عمل عملا صالحاً خلق له منهن ماشاء الله (ثالثها) أتراباً لأصحاب اليمين، أى على سنهم، وفيه إشارة إلى الاتفاق، لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره. المسألة الثانية﴾ إن قيل ما الفائدة فى قوله (جعلناهن)؟ نقول فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام فى (لأصحاب اليمين ) فنقول إن كانت اللام متعلقة بأنراباً يكون معناه" (أنشأناهن) وهذا لا يجوز وإن كانت متعلقة بأنشأناهن يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين والإنشاء حال كونهن أبكاراً وأتراباً فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكاراً بالإنشاء لأن الفعل لا ؤز فى الحال تأثيراً واجباً فقول صرفه للانشاء لا يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب اليمين (جيلنا من أبكاراً) ليكون ترتيب المسبب على السبب قاقتضى ذلك كونهن أبكاراً، وأما إن كان الإنشاء أولا من غير مباشرة الأزواج ما كان يقتضى جعلهن أبكاراً فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضى. ثم قال تعالى ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) وقد ذكرنا مافيه لكن هنا (لطيفة) وهى أنه تعالى قال فى السابقين ( ثلة من الأولين) قبل ذكر السرد والفاكهة والحور وذكر فى أصحاب اليمين ( ثلة من الأولين) بعد ذكر هذه النعم، نقول السابقون لا يلتفتون إلى الحور العين والمأكول والمشروب ونعم الجنة تتشرف بهم ، وأصحاب اليمين يلتفتون إليها فقدم ذكرها عليهم ثم قال هذا لكم وأما السابقون فذكرهم أولا ثم ذكر مكانهم، فكأنه قال لأهل الجنة هؤلاء واردون عليكم. والذى يتمم هذه اللطيفة أنه تعالى لم يقدم ثلة السابقين إلا لكونهم مقربين حساً فقال: (المقربون فى جنات) ثم قال (ثلة) ثم ذكر النعم لكونها فوق الدنيا إلا المودة في القربى من الله فإنها فرق كل شىء، وإلى هذا أشار بقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) أى فى المؤمنين ووعد المرسلين بالزافى فى قوله ( وإن له عندنا لزلفى) وأما قوله (فى جنات النعيم) فقد ذكرنا أنه لتميز مقربى المؤمنين من مقربى الملائكة، فإنهم مقربون فى الجنة وهم مقربون فى أماكنهم. لقضاء الأشغال التى للناس وغيرهم بقدرة الله وقد بان من هذا أن المراد من أصحاب اليمين هم الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا وعفا الله عنهم !- بب أدنى حسنة لا الذين غلبت حسنانهم وكثرت. وسنذكر الدليل عليه فى قوله تعالى ( فسلام لك من أصحاب اليمين) . ١٦٩ قوله تعالى : واصحاب الشمال. سورة الواقعة. وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ (٤) فِى سَهُومٍ وَهٍِ ﴾ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومِ قوله تعالى: ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، فى سموم وحميم ، وظل من يحموم﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ ما الحكمة فى ذكر السموم والحميم وترك ذكر النار وأهوالها ؟ نقول فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى فقال «واؤهم الذى يجب عليهم سموم ، وماؤهم الذى يستغيثون به حميم ، مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء، وهما أى السموم والحميم من أضر الاشياء بخلاف الهواء والماء فى الدنيا فإنما من أنفع الأشياء فما ظنك بنارهم التى هى عندنا أيضاً أحرٍ، ولو قال: هم فى نار، كنا نظن أن نارهم كنارنا لأنا مارأينا شيئاً أحر من التى رأيناها، ولا أحر من السموم، ولا أبرد من الزلال ، فقال أبرد الأشياء لهم أحرها فكيف حالهم مع أحرها ، فإن قيل ما السموم؟ نقول المشهور هى ريح حارة تهب فتعرض أو تقتل غالباً، والأولى أن يقال هى هواء متفن، يتحرك من جانب إلى جانب فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة ويقتل الإنسان ، وأصله من السم كسم الحية والعقرب وغيرهما ، ويحتمل أن يكون هذا السم من السم ، وهو خرم الإبرة، كما قال تعالى (حتى يلج الجمل فى سم الخياط) لا نسم الأفعى بنفذ فى المسام فيفسدها، وقيل إن السموم مختصة بما يهب ليلا ، وعلى هذا فقوله ( سموم) إشارة الى ظلمة ماهم فيه غير أنه بعيد جداً ، لأن السموم قد ترى بالنهار بسبب كثافتها . المسألة الثانية﴾ الحميم هو الماء الحار وهو فعيل بمعنى فاعل من حم الماء بكسر الميم، أو بمعنى مفعول من حم الماء إذا سخته , وقد ذكرناه مراراً غير أن ههنا ( لطيفة لغوية) وهى أن فعولا لما تكرر منه الشىء والريح لما كانت كثيرة الهبوب تهب شيئاً بعد شىء خص السموم بالفعول، والماء الحار لما كان لايفهم منه الورود شيئاً بعد شىء لم يقل فيه حموم، فإن قيل ما اليحموم ؟ نقول فيه وجوه (أولها) أنه إسم من أسماء جهنم ( ثانيها) أنه الدخان (ثالثها) أنه الظلمة، وأصله من الحم وهو الفحم فكأنه لسواده فم فسموه باسم مشتق منه ، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه ، وربما تكون الزيادة فيه جاءت المعنيين: الزيادة فى سواده والزيادة فى حرارته، وفى الأمور الثلاثة إشارة إلى دونهم فى العذاب دائماً لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم الهواء الذى هو السموم، وإن استكنوا كما يفعله الذى يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان فى الكن يكونوا فى ظل من يحموم وإن أرادوا الردعن أنفسهم السموم بالاستكنان فى مكان من حميم فلا انفكاك لهم من عذاب الخيم ، ويحتمل أن يقال فيه ترتيب وهو أن السموم يضربه فيعطش وتلتهب نار السموم فى أحشائه فيشرب الماء ١٧٠ قوله تعالى : لا بارد ولا كريم. سورة الواقعة. لََّبَارٍدٍ وَلَ كَرِ ﴾ إِنْهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٢) وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنثِ الْعَظِيمِ ( ﴾ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا وَكَّا تُرَبً وَعِظَامًا أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ (8) فيقطع أمعاءه وبريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل ظن اليحموم، فإن قيل كيف وجه استعمال من فى قوله تعالى (من يحموم)؟ فنقول إن قلنا أنه اسم جهنم فهو لابتداء الغاية كما تقول جاءنى نسيم من الجنة، وإن قلنا إنه دخان فهو كما فى قولنا خانم من فضة، وإن قلنا إنه الظلمة فكذلك ، فإن قيل كيف يصح تفسيره بجهنم مع أنه اسم منصرف منكر فكيف وضع لمكان معرف، ولو كان اسماً لها ، قلنا استعماله بالألف واللام كالجحيم، أو كان غير منصرف كأسماء جهنم يكون مثله على ثلاثة مواضع كلها يحموم. ثم قال تعالى ﴿ لا بارد ولا كريم)﴾ قال الزمخشرى: كرم الظل نفعه الملهوف، ودفعه أذى الحز عنه ، ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقرب أن يقال فائدة الظل أمران: أحدهما دفع الحر ، والآخر كون الإنسان فيه مكرماً، وذلك لأن الإنسان فى البرد يقصد عين الشمس ليتدفأ بحرها إذا كان قليل الثياب ، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً فى مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه فى الظل ، أما الحر فظاهر، وأما البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفعه ، فيكون الظل فى الحر مطلوباً للبرد فيطلب كون بارداً، وفى البرد يطلب لكونه ذا كرامة لالبرد يكون فى الظل: فقال (لا بارد) يطلب ابرده، ولاذى كرامة قد أعد للجلوس فيه، وذلك لأن المواضع التى يقع عليها ظ كالمواضع التى تحت أشجار وأمام الجدار يتخذ منها مقاعد فتصير تلك المقاعد محفوظة عن الفاذورات، وباقى المواضع تصير مزابل، ثم إذا وقعت الشمس فى بعض الأوقات عليها تطلب لنظافتها، وكونها معدة للجلوس ، فتكون مطلوبة فى مثل هذا الوقت لأجل كرامتها لا لبردها، فقوله تعالى (لا بارد ولا كريم) يحتمل هذا، ويحتمل أن يقال : إن الظل يطلب لأمر يرجع إلى الحس، أو لأمر يرجع إلى العقل، فالذى يرجع إلى الحس هو برده، والذى يرجع إلى العقل أن يكون الرجوع إليه كرامة، وهذا لابرد له ولا كرامة فيه، وهذا هو الماديما نقله الواحدي عن الفراء أن العرب تتبع كل منفى بكريم إذا كان المنفى أكرم فيقال هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة، والتحقيق فيه ماذكرنا أن وصف الكمال، إما حسي، وإما الحس يشار إليه بلفظ جامع، لأن عقلي، والحسى يصرح بلفظه، وأما العقلى فلخفائه عن الكرامة، والكرامة عند العرب من أشهر أو صاف المدح ونفيها تفى وصف الكمال العقلى ، ) معناه لأمدح فيه أصلا لاحسا ولا عقلا. فَصير قوله تعالى (لأبارد ولا قوله تعالى: ﴿"إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، وكانوا يصرون على الحدث العظيم، وكانوا يقولون ١٧١ قوله تعالى : إنهم كانوا قبل ذلك. سورة الواقعة. أَوَ ءَابَآ ؤُنَا الْأَوَّلُونَ ٤٨ أثذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أننا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون﴾ وفى الآيات لطائف، نذكرها فى مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ما الحكمة فى بيان سبب كونهم فى العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين فى النعيم ، ولم يقل إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنينَ ؟ فنقول قد ذكرنا مراراً أن اله تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن الثواب فضل والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سبه أولم يذكر لا يتوهم فى المتفضل به نقص وظلم. وأما العدل فإن لم يعلم بسبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً فقال هم فيها بسبب ترفهم ، والذى يؤد هذه اللطيفة أن الله تعالى قال فى حق السابقين ( جزاء بما كانوا يعملون) ولم يقل فى حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم ، وسنبين ذلك فى قوله تعالى (فسلام لك) وإذا كان كذلك فالفضل فى حقهم متمحض فقال هذه النعم لكم، ولم يقل جزاء لأن قوله ( جزاء) فى مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سروراً بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء . ﴿ المسألة الثانية ﴾ جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفاً فإن فيهم من يكون فقيراً ؟ نقول قوله تعانى (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) ليس بذم، فإن المترف هو الذى جعل ذا ترف أى نعمة ، فظاهر ذلك لا يوجب ذماً، لكن ذلك يبين قبح ماذكر عنهم بعد، وهو قوله تعالى (وكانوا يصرون) لأن صدور الكفران من عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال : إنهم كانوا مترفين، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول النعم التى تقتضى شكر الله وعبادته فى كل أحد كثيرة فان الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتنوقف مصالحه عليه حاصل للكل، غاية ما فى الباب أن حال الناس فى الإتراف متقارب ، فيقال فى حق البعض بالنسبة إلى بعض إنه فى ضر، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حالة يجهدها مفتقرة إلى مسكن يأوى إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب، وغير هذا من الفضلات التى يحمل عليها شح النفس ، ثم إنأحداً . لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلا أو ممارة ، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه فى عمره لباس واحد ، كلما تمزق منه موضع يرفعه من أى شى. كان، بقى أمر المأكول والمشروب، فإذا نظر الناظر يحد كل أحد فى جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير أن طلب الغنى يورث الفقر. فيريد الإنسان بيتاً مزخرفاً ولباساً فاخراً وما كولا طيباً، وغير ذلك من أنواع الدواب" ١٧٢ قوله تعالى : إنهم كانوا قبل ذلك. سورة الواقعة. . والثياب، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق، وطلب الغنى يورث فقره، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول فى قوله تعالى (كانوا قبل ذلك مترفين) لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأبدى الباطشة، والأعين الباصرة، وان لهم الحقائق، علموا ( أنهم كانوا قبل ذلك مترفين) بالنسبة إلى تلك الحالة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ما الإصرار على الحنث العظيم؟ نقول الشرك، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وفيها لطيفة وهى أنه أشار فى الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى (إنهم كاوا قبل ذلك مترفين) من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة، والمترفون كانوا يقولون (أبشراً منا واحداً نقبعه) وقوله (يصرون على الحنث العظيم ) إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد، وقوله تعالى ( وكانوا يقولون أنذا متنا وكنا تراباً) إشارة إلى إنكار الحشر والنشر، وقوله تعالى (وكانوا يصرون على الحدث العظيم) فيه مبالغات من وجوه (أحدها) قوله تعالى (كانوا يصرون) وهوآ كد من قول القائل: إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع لفظى الماضى والمستقبل يدل على الاستمرار، لأن قولنا: فلان كان يحسن إلى الناس، يفيد كون ذلك عادة له ( ثانيها ) لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة المعصية والغلول، ولا يقال فى الخير أصر (ثالثها) الحنث فانه فوق الذنب فان الحنث لا يكاد فى اللغة يقع على الصغيرة والذنب يقع عليها، وأما الحث فى اليمين فاستعملوه لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح، فإن مصلحة العالم منوطة بالصدق وإلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد، ثم إن الكذب لما وجد فى كثير من الناس لأغراض فاسدة أرادوا توكيد الأمر بضم شىء إليه يدفع توهمه فضموا إليه الأيمان ولا شىء فوقها، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا والشرب، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوز الشرع الحنث ولم يجوزه فى الكبيرة كا الزنا والقتل لكثرة وقوع الأيمان وقلة وقوع القتل والذى يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ: بلغ الحنث، أى بلغ مبلغاً بحيث يركب الكبيرة وقبله ما كان ينفى عنه الصغيرة ، لأن الولى مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصلاة . المسألة الرابعة﴾ قوله تعالى (العظيم) هذا يفيد أن المراد الشرك، فان هذه الأمور لا تجتمع فى غيره . ﴿ المسألة الخامسة﴾ كيف اشتهر (متنا) بكسر الميم مع أن استعمال القرآن فى المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى وعيسى عليهما السلام ( ويوم أموت ) ولم يقرأ أمات على وزن أخاف ، وقال تعالى ( قل موترا) ولم يقل قل ماتوا، وقال تعالى (ولا تموتن) ولم يقل ولا تمانتوا كما قال ( ولا تخافوا) قلنا فيه وجهان (أحدهما) أن هذه الكلمة خالفت غيرها، فقيل فيها (أموت) والسماع مقدم على القياس ( والثانى ) مات يمات لغة فى مات بموت ، فاستعمل ما فيها الكسرلان ١٧٣ قوله تعالى : قل ان الأولين والآخرين. سورة الواقعة. ٥٠ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ الكسر فى الماضى يوجد أكثر الأمرين (أحدهما) كثرة يفعل على يفعل (وثانهما) كونه على فعل يفعل، مثل خاف يخاف، وفى مستقبلها الضم لأنه يوجد لسيين (أحدهما) كون الفعل على فعل يفعل ، مثل طال يطول، فان وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر، (وثانيهما) كونه على فعل يفعل ، تقول فعلت فى الماضى بالكسر وفى المستقبل بالضم . ﴿ المسألة السادسة﴾ كيف أتى باللام المؤكدة فى قوله (المبعوثون) مع أن المراد هو النفى وفى النفى ٧ يذكر فى خبر إن اللام يقال إن زيداً ليجى. وإن زيداً لا يجىء ، فلا تذكر اللام ، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) عند إرادة التصريح بالنفى يوجد التصريح بالنفى وصيغته ( ثانيهما ) أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ فى الاخبار ونحن نستكثر مبالغته وتأكيده . حكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنهم اشاروا فى الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولا (أتذا متنا) ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده ( وكناتراباً وعظاماً) أى فطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً والعظام، فاناً، ثم زادوا وقالوا مع هذا يقال لنا (إنكم لمبعوثون) بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه (أحدها) إستعمال كامة إن (ثانيها) إثبات اللام فى خبرها (ثالثها) ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن ، فقالوا لنا (إنكم لمبعوثون) ثم زادوا وقالوا ( أو آباؤنا الأولون) يعنى هذا أبعد فإنا إذا كنا تراباً بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث ؟ وقد بينا فى سورة والصافات هذاكله وقلنا إن قوله (أو آباؤنا الأولون) معناه: أو يقولوا آباؤنا الأولون، إشارة إلى أنهم فى الإشكال أعظم، ثم إن اللّه تعالى أجابهم ورد عليهم فى الجواب فى كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال: ﴿ قل إن الأولين والآخرين، المجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ فقوله قل إشارة إلى أن الأمر فى غاية الظهور، وذلك أن فى الرسالة أسراراً لا تقال إلا للأبرار، ومن جملنها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لا تكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علامانها أكثر مما بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه (أولها) قوله ( قل) يعنى أن هذا من جملة الأمور التى بلغت فى الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص ، فقال قل قولا عاماً وهكذا فى كل موضع، قال قل كان الأمر ظاهراً، قال الله تعالى (قل هو الله أحد) وقال (قل إنما أنا بشر مثلكم) وقال (قل الروح من أمر ربى) أى هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفى (ثانيها) قوله تعالى (إن الأولين والآخرين) بتقديم الأولين على الآخرين فى جواب قولهم ( أوآباؤنا الأولون) فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر، فقال (إن الأولين) الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم الله فى ١مر مقدم على الآخرين، يتبين منه إثبات ١٧٤ قوله تعالى : ثم إنكم ايها الضالون. سورة الواقعة. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِبُونُ ﴾ لَاكِلُونَ مِن تٍَ مِنْ زَقُومٍ ◌َالِعُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِ ﴿ فَشَرِبُونَ تُرِّبٌ ٥٣ الهِيم حال من أخر تموه مستبعدين ، إشارة إلى كون الأمر هيناً ( ثالثها) قوله تعالى ( لمجموعون) فإنهم أنكروا قوله (لمبعوثون) فقال هو واقع مع أمر زائد، وهو أنهم يحشرون ويجمعون فى عرصة الحساب ، وهذا فوق البعث ، فان من قى تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له قدرة على الحركة ، وكيف لو كان حياً محبوساً فى قبره مدة لتعذرت عليه الحركة ، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة ويجمعه بأغوى سير ، وقوله تعالى (المجموعون) فوق قول القائل مجموعون كما قلنا إن قول القائل: إنه يموت فى إفادة التوكيد دون قوله إنه ميت (رابعها) قوله تعالى ( إلى ميقات يوم معلوم) فإنه يدل على أن الله تعالى بجمعهم فى يوم واحد معلوم، واجتماع عدد من الأموات لا يعلم عددهم إلا الله تعالى فى وقت واحد أعجب من نفس البعث، وهذا كقوله تعالى فى سورة والصافات (فإنما هى زجرة واحدة) أى أنتم تستبعدون نفس البعث، والأعجب من هذا أنه يبعثهم بزجرة واحدة أى صيحه واحدة ( فإذا هم ينظرون) أى يبعثون مع زيادة أمر، وهو فتح أعينهم ونظرهم، بخلاف من نعس فانه إذا انتبه يبقى ساعة ثم ينظر فى الأشياء، فأمر الإحياء عند الله تعالى أهون من تنبيه نائم (خامسها) حرف (إلى) أدل على البعث من اللام، ولنذكر هذا فى جواب سؤال هو أن الله تعالى قال (بوم يجمعكم ليوم الجمع) وقال هنا (المجموعون. إلى ميقات يوم معلوم) ولم يقل لميقاتنا وقال ( ولما جاء موسى لميقاتنا) ؟ نقول لما كان ذكر الجمع جواباً للمفكرين المستبعدين ذكر كلمة ( إلى) الدالة على التحرك والانتقال لتكون أدل على فعل غير البعث ولا يجمع هناك قال ( يوم يجمعكم ليوم ) ولا يفهم النشور من نفس الحرف وإن كان يفهم من الكلام، ولهذا قال ههنا (المجموعون) بلفظ التأكيد، وقال هناك (بجمعكم) وقال ههنا ( إلى ميقات) وهو مصير الوقت إليه، وأما قوله تعالى (فلما جاء موسى لميقاتنا) فنقول. الموضع هناك لم يكن مطلوب موسى عليه السلام، وإنما كان مطلوبه الحضور ، لأن من وقت له وقت وعين له موضع كانت حركته فى الحقيقة لأمر بالتبع إلى أمر، وأما هناك فالأمر الأعظم الوقوف فى موضعه. لازمانه فقال بكلمة دلالتها على الموضع والمكان أظهر . قوله تعالى: ﴿ ثم إنكم أيها الضالون المكذبون، لا كلون من شجر من زقوم ، فمالتون منها البطون ، فشاربون عليه من الحميم ، فشاربون شرب الهيم﴾ فى تفسير الآيات مسائل: ١٧٥ قوله تعالى : ثم انكم أي الضالون . سورة الواقعة . المسألة الأولى ﴾ الخطاب مع من؟ نقول قال بعض المفسرين مع أهل مكة، والظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب وقد تقدم مثل هذا فى مواضع، وهو تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى قال لنبيه (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون) ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال ههنا (الضالون المكذبون) بتقديم الضال وقال فى آخر السورة (وأما إن كان من المكذبين الضالين) بتقديم المكذبين ، فهل بينهما فرق ؟ فلت نعم، وذلك أن المراد من الضالين ههنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم ، فضلوا فى سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلال عظيم ثم. كذبوا رسله وقالوا (أتذامتنا) فكذبوا بالحشر، فقال (أيها الضالون) الذين أشر كتم (المكذبون) الذين أنكرتم الحشر لأ كاون ما تكرهون، وأما هناك فقال لهم (أيها المكذبون) الذين كذتم بالحشر (الضالون ) فى طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم ، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللم أولا وكنتم ثانياً، والخطاب فى آخر السورة مع محمد صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: المقربون فى روح وريحان وجنة ونعيم ، وأصحاب، ليمين فى سلام ، وأما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيهم إشارة إلى كرامة محمد صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب فى عقابهم تكذيبهم والذى يدل على أن الكلام هناك مع محمد صلى الله عليه وسلم قوله ( فسلام لك من أصحاب اليمين ). ﴿ المسألة الثالثة﴾ ما الزقوم؟ نقول قد بيناه فى موضع آخر واخلف فيه أقوال الناس ومآل الأقوال إلى كون ذلك فى الطعم مراً وفى الس حاراً، وفى الرائحة منقاً، وفى المنظر أسود لا يكادآ كله يسيغه فيكره على ابتلاعه ، والتحقيق اللغوى فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه علی قبحه ، وذلك لأن زق لميجتمع إلا فى مهمل أو فى مكروه منه مزق، ومنه زمق شعره إذا نتفه، ومنه القزم الدناءة، وأقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل على المكروه فى أكثر الأمر، فالقاف مع الميم قمامة وقمهمة، وبالعكس مقامق ، الغليظ الصوت والقمقمة هو النور، وأما القاف مع الزاى فالزق رمى الطائر بذرقه، والزقزفة الخفة، وبالعكس القزذوب فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقبح، ثم قرن مالأكل فدل على أنه طعام ذو غضة ، وأما ما يقال بأن العرب تقول : زقمتى بمعنى أطعمتنى الزبد والعسل واللبن، فذلك المجانة كقولهم: أرشقنى بثوب حسن، وأرجمنیبكيس منذهب، وقوله (من شجر) لابتداء الغاية أى تناولكم منه، وقوله ( فالثون منها ) زيادة فى بيان العذاب أى لا يكت فى منكم بنفس كما الأكل يكتفى من يأكل الشىء لتحلة القسم , بل يلزمون بأن ملأوا منها البطون والهاء عائدة إلى الشجرة، والبطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع بالجمع أى يملأ كل واحد منكم بطه ١٧٦ قوله تعالى : هذا نزلهم يوم الدين. سورة الواقعة. أَقَرَيْتُمْ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدَّقُونَ هَذَا نُلهُمْ يَوْمَ آلدِينِ مَّ تُمْنُونَ ءَنُمْ تَمْلُقُونَهُ ◌ٍ أَمْ تَحْنُ أَنْتَلِقُونَ ١١٠٠٠٤ ١٠ ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم يملأ البطون، والبطون حينئذ تكون بطون الأمعاء، لتخيل وصف المعى فى باطن الإنسان له، كيأكل فى سبعة أمعاء، فيملأون بطون الأمعاء وغيرها. والأول أظهر، والثانى أدخل فى التعذيب والوعيد، قوله (فشاربون عليه) أى عقيب الأكل تجر مرارته وحرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك اماً كول وعلى ذلك الزقوم من الماء الحار ، وقد تقدم بيان الحميم ، وقوله ( فشاربون شرب الهيم) بيان أيضاً لزيادة العذاب أى لا يكون أمر كم أمر من شرب ماءاً حازاً منقناً فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم وهى الجمال التى أصابها العطش فتشرب ولا تروى، وهذا البيان فى الشرب لزيادة العذاب, وقوله (قالتون منها) فى الأكل، فإن قيل الأهيم إذا شرب الماء الكثير يضره ولكن فى الحال يلتذ به. فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار فى النار لذة؟ قلنا لا، وإنما ذلك لبيان زيادة العذاب ، ووجهه أن يقال: يلزمون بشرب الحيم ولا يكتفى منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربواكما يشرب الجملي الأهيم الذى به الهيام، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم فى جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لامن الحميم فيشردون منه شيئاً كثيراً بناء على وهم الرى ، والقول فى الهيم كالقول فى البيض، أصله هوم، وهذا من هام يهيم كأنه من العطش بهم ، والهيام ذلك الداء الذى يجعله كالهائم من العطش . ثم قال تعالى ﴿ هذا نزلهم يوم الدين) يعنى ليس هذا كل العذاب بل هذا أول مايلقونه وهو بعض منه وأقطع لأمعاتهم . ثم قال تعالى ﴿ نحن خلقناكم. فلولا تصدقون، أفر أيتم ماتمنون، أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ دليلا على كذبهم وصدق الرسل فى الحشر لأن قوله (. أنتم تخلقونه إلزام على الإقرار بأن الخالق فى الابتداء هو الله تعالى، ولما كان قادراً على الخلق أو لا كان قادراً على الخلق ثانياً، ولامجال للنظر فى ذاته وصفاته تعالى وتقدس، وإن لم يعترفوا به، بل يشكون ويقولون: الخلق الأول من منى بحسب الطبيعة، فنقول المنفى من الأمور الممكنة ولا وجود للممكن بذاته بل بالغسير على ما عرف ، فيكون المفى من القاد القاهر، وكذلك خلق الطبيعة وغيرها من الحادثات أيضاً، فقال لهم: هل تشكون فى أن الله خلفكم أولا أم لا ؟ فإن قالوا لا نشك فى أنه خالقاً ، فيقال فهل تصدقون أبضاً بخلفكم ثانياً؟ «إن من خلفكم أولا من لا شىء لا يعجز أن يخلفكم ثانياً من أجزاء هى عنده معلومة ، وإن كنتم تشكون وتقولون الخلق لا يكون إلا من منى وبعد الموت لا والده ولا منى، فيقال لهم: هذا المنى أنتم تخلفونه أم الله، فإن كنتم تعترفون بالله وبقدرته وإرادته وعمله، فذلك ١٧٧ قوله تعالى : نحن قدرنا بينكم الموت. سورة الواقعة. ◌َحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُرُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنَ بِمَسْبَوقِين لا ٠ عَلَّ أَن تُبَدّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُشِئَكُمْ يلزمكم القول بجواز الحشر وصحته، و(لولا) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث، والأصل فيه: لم لا ، فإذا قلت : لم لا أكلت ولم ما أكلت ، جاز الاستفهامان، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له، كما تقول: لم فعلت؟ موبخاً، يكون معناه فعلت أمراً لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرفى الاستفهام عن الحكم ، فقالوا : هلا فعلت ؟ كما يقولون فى موضع: لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده، أتفعل هذا وأنت عاقل ؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل: لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة ، ومعناه أن علنه غير معلومة وغير ظاهرة، فلا يجوز ظهور وجوده، وقوله: أفعلت ، سؤال عن حقيقته، ومعناه أنه فى جنسه غير ممكن، والسائل عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلوماً وسأل عن العلة كما يقول القائل زيد جاء فلم جاء، والسائل عن الوجود لم يسلمه، وقول القائل لم فعلت وأنت تعلم ما فيه دون قوله أفعلت وأنت تعلم مافيه، لأن فى الأول جعله كالمصيب فى فعله لعلة خفية تطلب منه، وفى الثانى جعله مخطئاً فى أول الأمر، وإذا علم ما بين لم فعلت، وأفعلت، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل، وأما (لولا) فتقول هى كلمة شرط فى الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفى النظر والتوانى، فيقول لولا تصدقون، بدل قوله لم لا ، وهلا ، لأنه أدل على نفى مادخلت عليه وهو عدم التصديق(وفيه لطيفة) وهى أن لولا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) فما وجه اختصاص المستقبل ههنا بالذكر وهلا قال : فلولا صدقتم ؟ نقول هذا كلام معهم فى الدنيا والاسلام فيها مقبول ويجب ماقبله فقال لم لا تصدقون فى ساعتكم، والدلائل واضحة مستمر والفائدة حاصلة ، فأما فى قوله (فلولا نفر) لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال لوسافرتم لحصل لكم الفائدة فى الحال وقد فات ذلك ، فإن كنتم لا تسافرون فى الحال تفوتكم الفائدة أيضاً فى الاستقبال ، ثم قال تعالى (أفرأيتم ما تمنون) من تقرير قوله تعالى ( نحن خلقنا كم) وذلك لأنه تعالى لما قال (نحن خلقناكم) قال الطبيعيون نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة وقبل كل واحد نطفةٍ واحد فقال تعالى رداً عليهم : هل رأيتم هذا المنى وأنه جسم ضعيف متشابه الصورة لابد له من مكون ، فأنتم خلقتم النطفة أم غير كم خلقها، ولا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعاً للتسلسل الباطل وإلى ربنا المنتهى ، ولا برتاب فيه أحد من أول ماخلق الله النطفة وصورها وأحياها ونورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد عمد قادر على الأشياء، فإنه يعيد كم كما أنشأكم فى الابتداء، والاستفهام يفيد زيادة تقرير وقد علمت ذلك مراراً. قوله تعالى: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ، على أن نبدل أمثالكم وننشتكم الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٢ ١٧٨ قوله تعالى : ولقد علمتم النشأة الاولى. سورة الواقعة. ، وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ. فِى مَا لَا تَعْلُمُونَ ٦٠ ٢ فيما لا تعدون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ فى الترتيب فيه وجهان (أحدهما) أنه تقرير لما سبق وهو كقوله تعالى (الذى خلق الموت والحياة) فقال ( نحن خلقناكم) ثم قال ( نحن قدرنا بينكم الموت) فمن قدر على الإحياء والإمانة وهما ضدان ثبت كونه مختاراً فيمكن الإحياء ثانيا منه بعد الإماتة بخلاف مالو كان الإحياء منه ولم يكن له قدرة على الإماتة فيظن به أنه موجب لا مختار ، والموجب لا يقدر على كل شىء مكن فقال: نحن خلقناكم وقدرنا الموت بينكم فانظروا فيه واعلميا أنا قادرون أن تنششكم ، (ثانيهما) أنه جواب عن قول مبطل يقول إن لم تكن الحياة والموت بأمور طبيعية فى الأجسام من حرارات ورطوبات إذا توفرت بقيت حية، وإذا نقصت وفنت ماتت لم يقع الموت وكيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئاً يتقن خلقه ويحسن صورته ثم يفسده ويعدمه ثم يعيده وينشئه ، فقال تعالى: نحن قدرنا الموت، ولا يرد قولكم لماذا أعدم ولماذا أنشأ، ولماذا هدم، لأن كمال القدرة يقتضى ذلك وإنما يقح من الصائغ والبانى صياغة شىء وبناؤه وكره وإنذ ؤه لأنه يحتاج إلى صرف زمان إليه وتحمل مشقة وما مثله إلا مث إنسان ينظر إلى شىء فيقطع نظره عنه طرفة عين، ثم يعاوده ولا يقال له لم قطعت النظر ولم نظرت إليه، (ولله المثل الأعلى) من هذا، لأن هنا لابد من حركة وزمان ولو توارد على الإنسان أمثاله لتعب لكن فى المرة الواحدة لا يثبت التعب والله تعالى منزه عن التعب ولا افتقار افعله إلى زمان ولا زمان لفعله ولا إلى حركة بجرم، وفيه وجه آخر ألطف منها ، وهي أن قوله تعالى (أفرأيتم ما تمنون) معناه أفرأيتم ذلك ميتاً لا حياة فيه وهو منى ، ولو تفكر تم فيه لعلمتم أنه كان قبل ذلك حياً متصلا بحى وكان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون فى كونه مبيناً كالجمادات، ثم إن الله تعالى يخلقة آدمياً ويجعله بشراً سوياً فالنطفة كانت قبل الانفصال حية، ثم صارت ميتة ثم أحياها الله تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولا ثم قدرنا بينكم الموت ثانياً ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستبعدوا ذلك كما فى النطف . المسألة الثانية ) ما الفرق بين هذا الموضع وبين أول سورة تبارك حيث قال هناك (خلق الموت والحياة) بتقديم ذكر الموت؟ نقول الكلام هنا على الترتيب الأصلى كما قال تعالى فى مواضع منها قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) ثم قال بعد ذلك (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) وأما فى سورة الملك فنذكر إن شاء الله تعالى فائدتها ومرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال خلق الموت فى النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت وهو دليل الحشر ، وقيل المراد من الموت هنا الموت الذى بعد الحياة، والمراد هناك الذى قبل الحياة . ١٧٩ قوله تعالى : ولقد علمتم النشأة الأولى . سورة الواقعة . المسألة الثالثة﴾ قال ههنا ( نحن قدرنا) وقال فى سورة الملك ( خلق الموت والحياة) فذكر الموت والحياة بلفظ الخلق، وههذا قال ( خلقناكم) وقال ( قدرنا بينكم الموت ) فنقول كان المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين ( طلعاً لا فى الناس على الخصوص، وهنا لما قال ( خلفنا كم) خصصهم بالذكر فصار كأنه قال: خلقنا حياتكم ، فلو قال: نحن قدرنا موتكم ، كان ينبغى أنه يوجد موتهم فى الحال ولم يكن كذلك، ولهذا قال (قدرنا بينكم) وأماهناك فالموت والحياة كانا مخلوقين فى محلين ولم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص . المسألة الرابعة ) هل فى قوله تعالى ( بينكم) بدلا عن غيره من الألفاظ فائدة ؟ نقول نعم فائد جليلة، وهى تبين بالنظر إلى الألفاظ التى تقوم مقامها فنقول: قدرنا لكم الموت، وقدرنا فيكم الموت ، فقوله قدرنا فيكم يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشىء فى الشىء يستدعى كونه ظرفاً له إما ظرف حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال البياض فى الجسم والكحل فى العين، فلو قال قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقا فينا وليس كذلك ، وإن قلنا قدرنا لكم الموت كان ذلك ينى. عن تأخره عن الناس فإن الفائل: إذا قال هذا معد لك كان معناه أنه اليوم لغيرك وغداً لك ، كما قال تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ﴿ المسألة الخامسة﴾ فوله ( وما نحن بمسبوقين) المشهور أن المراد منه: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم ، يقال فاته الشىء إذا غلبه ولم يقدر عليه ومثله سبقه . وعلى هذا نعید ماذكرناه من الترتيب ، ونقول: إذا كان قوله ( نحن قدرنا بينكم) لبيان أنه خلق الحياة وقدر الموت، وهما ضدان وخالق الضدين يكون قادراً مختاراً فقال (وما نحن بمسبوقين) عاجزين عن الشىء بخلاف الموجب الذى لا يمكنه من إيقاع كل واحد من الضدين فيسبقه ويفوته ، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن طبيعتها موجبة للتسخين، وأما إن قلنا بأنه ذكره رداً عليهم حيث قالوا لو لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية وانطفاء الحرارة الغريزية وكان بخلق حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبنى ويهدم ويوجد ويعدم فقال (وما نحن بمسبرقين) أى عاجزين بوجه من الوجوه التى يستبعدونها من البناء والصائغ فإنه يفتقر فى الإيجاد إلى زمان ومكان وتمكين من المفعول وإمكان ويلحقه تعب من تحريك وإسكان والله تعالى يخلق بكن فيكون، فهو فوق ماذكرنا من المثل من قطع النظر وإعادته فى أسرع حين حيث لا يصح من القائل أن يقول لم قطع النظر فى ذلك الزمان اللطيف الذى لا يدرك ولا يحس بل ربما يكون مدعى القدرة التامة على القىء فى الزمان اليسير بالحركة السريعة بأتى بشى. ثم يبطله ثم يأتى بمثله ثم بطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد، حيث يوهم أنه يفعل شيئاً ثم يبطله، ثم يأتى بمثله إراءة من نفسه القدرة، وعلى هذا فنقول قوله فى سورة تبارك ( خلق الموت والحياة ليبلوكم ) معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار، فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتمو. ١٨٠ قوله تعالى : ولقد علمتم النشأة الأولى . سورة الواقعة موجباً لما عملتم شيئاً على هذا التفسير المشهور، والظاهر أن المراد من قوله ( وما نحن بمسبوقين) حقيقته وهى أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين (أحدهما) أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شىء ( وثانيهما) فى خلق الناس وتقدير الموت فيهم ماسبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا ( وما نحن بمسبوقين) معناه ما سبقنا شىء فهو إشارة إلى أنكم من أى وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى اللّه وتقفون عنده ولا تجاوزونه، فإنكم إن كنتم تقولون قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتها. النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق ، وأنا ذلك فإنى لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيرى ، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام ، والعاقل الذى هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولا والذى دونه يعرف بعد ذلك برتبة، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب ، ويقول لا بد للكل من إله، وهو ليس بمسبوق فيما فعله، فمعناه أنه فعل ما فعل، ولم يكن لمفعوله مثال، وأما إن قلنا إنه ليس بمسبوق ، وأى حاجة فى إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى (وهو أهون عليه) ويؤيده قوله تعالى (على أن نبدل أمثالكم وننششكم فى ما لا تعلمون) فإن قيل هذا لا يصح، لأن مثل هذا ورد فى سؤال سائل، والمراد ما ذكر نا كأنه قال: وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين، أى لسنا بماجزين مغلوبين فهذا دليلنا، وذلك لأن قوله تعالى ( إنا لقادرون) أفاد فائدة انتفاء العجز عنه ، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى ( وما نحن بمسبوقين) فائدة ظاهرة ، ثم قال تعالى (على أن نبدل أمثالكم) فى الوجه المشهور، قوله تعالى (على أن نبدل) يتعلق بقوله ( وما نحن بمسبوقين ) أى على التبديل ، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل. والتحقيق فى هذا الوجه أن من سبقه الشىء كأنه غلبه فعجز عنه، وكلمة على فى هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شىء، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب ، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى ( نحن قدرنا) وتقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع الفسل من أول الأمر، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلا ، أى على هذا الوجه خرج، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر ، فإن قيل على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال فى تبديل أمثالكم، أى أشكالكم وأوصافكم، ويكون الأمثال جمع مثل، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم، ونجعلكم فى صورة قردة وخنازير، فيكون كقوله تعالى (ولو نشاء لمخناه على مكانتهم) وعلى ما قلت فى تفسير المسبوقين، وجعلت المتعلق لقوله (على أن نبدل أمثالكم) (هو قوله (نحن قدرنا) فيكون قوله (نبدل أمثالكم) معناه على أن نبدل أمثالهم. لا على عملهم، نقول هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل، وهو الظاهر كما فى قوله تعالى (ثم لا يكونوا أمثالكم) وقوله (وإذا شقنا بدلنا أمثالهم تبديلا) فإن قوله ( إذا ) دليل الوقوع، وتعير أوصافهم بالمسخ ليس أمراً يقع (والجواب) أن يقال الأمثال