النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى : اذا وقعت الواقعة. سورة الواقعة.
لكل أحد، وكيفية وقوعها، فلا يوجد لها كاذبة ولا متأول يظهر فقوله (خافضة رافعة) معطوف
على كاذبة نسقاً، فيكون كما يقول القائل: ليس لى فى الأمر شك ولا خطأ، أى لا قدرة لأحد على
دفع المنخفض ولا خفض المرتفع .
المسألة الثانية﴾ (إذا وقعت الواقعة) يحتمل أن تكون الواقعة صفة لمحذوف وهى القيامة
أو الزلزلة على ما بينا، ويحتمل أن يكون المحذوف شيئاً غير معين، وتكون تاء التأنيث مشيرة
إلى شدة الأمر الواقع وهرله، كما يقال كانت الكائنة والمراد كان الأمر كائناً ما كان، وقولنا الأمر
كائن لا يفيد إلا حدوث أمر ولو كان يسيراً بالنسبة إلى قوله كانت الكائنة، إذ فى الكائنة وصف
زائد على نفس كونه شيئاً، ولنبين هذا بيان كون الهاء للمبالغة فى قولهم : فلان راوية ونسابة ،
وهو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة فى كونه راوياً كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر ويقولون
فلان راو جيد أو حسن أو فاضل، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيارة فائدة، فقالوا نأتى
بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا ظالمة بدل قول القائل: ظالم أنثى ، ولهذا
لزمهم بيان الأنثى عند مالا يمكن بيانها بالهاء فى قولهم شاة أنثى وكالكتابة فى الجمع حيث قلنا قالوا
بدلا عن قول القائل: قال وقال وقال، وقالا بدلا عن قوله قال وقال فكذلك فى المبالغة أرادوا
أن يأتوا بحرف يغنى عن كلمة والحرف الدال على الزيادة ينبغى أن يكون فى الآخر ، لأن الزيادة
بعد أصل الشىء، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث والتوحيد فى اللفظ المفردلا فى الجمع للمبالغة
إذا ثبت هذا فنقول فى كانت الكائنة ووقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظاً، أما معنى فلأنهم
قصدوا بقولهم كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون ، وأما لفظاً فلأن الهاء لو كانت
للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث فى الفعل، بل كان ينبغى أن يقولوا كان الكائنة ووقع الواقعة ،
ولا يمكن ذلك لأنا نقول المراد به المبالغة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ العامل فى إذا ماذا؟ نقول فيه ثلاثة أوجه (أحدها ) فعل متقدم يجعل إداً
مفعولاً به لا ظرفاً وهو اذكر ، كأنه قال اذكر القيامة ( ثانيها ) العامل فيها ليس لي قعتها كاذبة كما
تقول يوم الجمعة ليس لى شغل ( ثالثها ) يخفض قوم ويرفع قوم ، وقد دل عليه خافضة رافعة ،
وقيل العامل فيها قوله ( وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) أى فى يوم وقوع الواقعة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ليس لوقعتها إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة فالوقعة للمرة الواحدة،
وقوله (كاذبة) يحتمل وجوهاً (أحدها ) كاذبة صفة لمحذوف أقيمت مقامه تقديره ليس لها نفس
تكذب ( ثانيها ) الهاء للمبالغة كما تقول فى الواقعة وقد تقدم بيانه ( ثالثها ) هى مصدر كالعاقبة
فإن قلنا بالوجه الأول فاللام تحتمل وجهين (أحدهما) أن تكون التعليل أى لا تكذب نفس .
فى ذلك اليوم لشدة وقعتها كما يقال لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفياً عاماً بمعنى
أن كل أحد يصدقه فيما يقول وقال وقبله نفوس كواذب فى أمور كثيرة ولا كاذب فيقول :

١٤٢
قوله تعالى : إذا رجت الارض رجا. سورة الواقعة.
٢
إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّا ﴾ وَبُّسَّتِ الْجِبَالُ بَسُّاجْ فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًا
لا قيامة لشدة وقعتها وظهور الأمر وكما يقال لا يحتمل الأمر الإنكار لظهوره لكل أحد فيكون
نفياً خاصاً بمعنى لا يكذب أحد فيقول لاقيامة وقبله نفوس قائلةٍ به كاذبة فيه (ثانيهما) أن
تكون للتعدية وذلك كما يقال ليس لزيد ضارب ، وحينئذ تقديره إذا وقعت الواقعة ليس
لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب إن أخبر عنها فهى خافضة رافعة تخفض قوماً وترفع قوماً وعلى هذا
لا تكون عاملا فى إذا وهو بمعنى ليس لها كاذب يقول هى أمر سهل يطاق يقال لمن يقدم على
أمر عظيم ظاناً أنه يطيقه سل نفسك أى سهلت الأمر عليك وليس بسهل، وإن قلنا بالوجه الثانى
وهو المبالغة ففيه وجهان ( أحدهما ) ليس لها كاذب عظيم بمعنى أن من يكذب ويقدم على الكذب
العظيم لا يمكنه أن يكذب هول ذلك اليوم ( وثانيهما) أن أحداً لو كذب وقال فى ذلك اليوم.
لاقيامة ولا وافعة لكان كاذباً عظيما ولا كاذب لهذه العظمة فى ذلك اليوم والأول أدل على هول
اليوم ، وعلى الوجه الثالث يعود ما ذكرنا إلى أنه لا كاذب فى ذلك اليوم بل كل أحد يصدقه .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ خافضة رافعة تقديره هى خافضة رافعة وقد سبق ذكره فى التفسير الجملى
وفيه وجوه أخرى (أحدها) خافضة رافعة صفتان للنفس الكاذبة أى ليس لو قعتها من يكذب ولا
من يغير الكلام فتخفض أمراً وترفع آخر فهى خافضة أو يكون هو زيادة لبيان صدق الخلق
فى ذلك اليوم وعدم إمكان كذبهم والكاذب يغير الكلام ، ثم إذا أراد ن فى الكذب عن نفسه
يقول ماعرفت مما كان كلمة واحدة وربما يقول ماعرفت حرفاً واحداً، وهذا لأن الكاذب
قد يكذب فى حقيقة الأمر وربما يكذب فى صفة من صفاته والصفة قد يكون ملتفتاً إليها وقد
لا يكون ملتفتاً إليها التفاقاً معتبراً وقد لا يكون ملتفتاً إليها أصلا (مثال الأول) قول القائل ماجاء زيد
ويكون قد جاء ( ومثال الثانى) ماجاء يوم الجمعة (ومثال الثالث) ماجاء بكرة يوم الجمعة ويكون قد
جاء بكرة يوم الجمعة وماجاء أول بكرة يوم الجمعة والثانى دون الأول والرابع دون الكل ، فإذا قال
القائل ما أعرف كلمة كاذبة نفى عنه الكذب فى الإخبار وفى صفته والذى يقول ما عرفت خرفاً
واحد نفى أمرأوراءه، والذى يقول ما عرفت أعرافة واحدة يكون فوق ذلك فقوله (ليس لوقعتها
كاذبة حمافضة رافعة) أى من يغير تغييراً ولو كان يسيراً.
ثم قال تعالى ﴿ إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال باً، فكانت هباء منبثاً ﴾ أى كانت
الأرض كئيباً مرتفعاً والجبال مهيلا منبسطاً، وقوله تعالى ( فكانت هباء منبئاً) كقوله تعالى
فى وصف الجبال (كالحهن المنفوش) وقد تقدم بيان فائدة ذكر المصدر وهى أنه يفيد أن الفعل
كان قولا معتبراً ولم يكن شيئاً لا يلتفت إليه، ويقال فيه إنه ليس بشىء فإذا قال القائل ضربته ضرباً
معتبراً لا يقول القائل فيه ليس بضرب محتقراً له كما يقال هذا ليس بشىء، والعامل فى (إذارجت)

١٤٣
قوله تعالى : وكنتم ازواجاً ثلاثة. سورة الواقعة.
وَكُنْتُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةُ () فَأَعْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ اَلْمَيْمَّنَةِ (٨) وَأَصْحَبُ
اُلْمَشْعَمَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ.
يحتمل وجوها (أحدها) أن يكون إذا رجت بدلا عن إذا وقعت فيكون العامل فيها ما ذكرنا من
قبل ( ثانيها ) أن يكون العامل فى (إذا وقعت ) هو قوله ( ليس لوقعتها) والعامل فى (إذا رجت)
هو قوله ( خافضة رافعة ) تقديره تخفض الواقعة وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال والفاء
للترتيب الزمانى لأن الأرض مالم تتحرك والجبال مالم تنبس لا تكون هباء منبثاً، والبس التقليب،
والهباء هو الهواء المختلط بأجزاء أرضية تظهر فى خيال الشمس إذا وقع شعاعها فى كوة، وقال
الذين يقولون إن بين الحروف والمعانى مناسبة إن الهواء إذا خالطه أجزاء ثقيلة أرضية ثقل
من لفظه حرف فأبدلت الواو الخفيفة بالباء التى لا ينطق بها إلا بإطباق الشفتين بقوة ما أو فى
الباء ثقل ما .
قوله تعالى: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما
أصحاب المشأمة﴾ أى فى ذلك اليوم أنتم أزواج ثلاثة أصناف وقسر ها بعدها بقوله (فأصحاب الميمنة
ما أصحاب الميمنة ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الفاء تدل على التفسير، وبيان ماورد على التقسيم كأنه قال (أزواجاً ثلاثة
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة الخ، ثم بين حال كل قوم ، فقال ( ما أصحاب الميمنة) فترك التقسيم
أولا واكتفى بما يدل عليه. فإنه ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها، وسبق قوله تعالى (وكنتم
أزواجاً ثلاثة) يغنى عن تعديد الأقسام، ثم أعاد كل واحدة لبيان حالها .
المسألة الثانية﴾ (أصحاب الميمنة) هم أصحاب الجنة، وتسميتهم بأصحاب الميمنة إما لكونهم من
جملة من كتبهم بأيمانهم، وإما لكون أيمانهم تستنير بنور من الله تعالى، كما قال تعالى (يسعى
نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) وإما لكون اليمين يراد به الدليل على الخير، والعرب تتفاءل بالسامح،
و[هو] الذى يقصد جانب اليمين من الطيور والوحوش عند الزجر والأصل فيه أمر حكمى، وهو
أنه تعالى لما خلق الخلق كان له فى كل شىء دليل على قدرته واختياره، حتى أن فى نفس الإنسان له
دلائل لا تعد ولا تحصى، ودلائل الاختيار إثبات مختلفين فى محلين متشابهين، أو إثبات متشابهين
فى محلين مختلفين، إذ حال الإنسان من أشد الأشياء مشابهة فانه مخلوق من متشابه، ثم إنه تعالى أودع
فى الجانب الأيمن من الإنسان قوة ليست فى الجانب الأيسر لو اجتمع أهل العلم على أن يذكروا له
من جحاً غير قدرة الله وإرادته لا يقدرون عليه ، فإن كان بعضهم يدعى كياسة وذكاء يقول إن
الكبد فى الجانب الأيمن , وبها قوة التغذية، والطحال فى الجانب الأيسر، وليس فيه قوة ظاهرة

١٤٤
.قوله تعالى : وكنتم ازواجاً ثلاثة. سورة الواقعة.
النفع فصار الجانب الأيمن قوياً لمكان الكبد على اليمين؟ فنقول هذا دليل الاختيار لأن اليمين
كالشمال، وتخصيص اللّه اليمين يحمله مكان الكبد دليل الاختيار إذا ثبت أن الإنسان يمينه أقوى
من شم اله، فضلوا اليمين على الشمال، وجعلوا الجانب الأيمن الأكابر، وقيل لمن له مكانة هو من
أصحاب اليمين ، ووضعوا له لفظاً على وزن العزيز، فيفيغى أن يكون الأمر على ذلك الوجه كالسميع
والبصير ، وما لا يتغير كالطويل والقصير، وقيل له اليمين، وهو يدل على القوة، ووضعوا مقابلته
اليسار على الوزن الذى اختص به الإسم المذموم عند النداء بذلك الوزن . وهو الفعال، فإن عند
الشتم والنداء بالإسم المذموم يؤتى بهذا الوزن مع البناء على الكسر، فيقال يا تجار يا فساق ياخبات،
وقيل اليمين اليسار ، ثم بعد ذلك استعمل فى اليمين، وأما الميمنة فهى مفعلة كانه الموضع الذى فيه
اليمين وكل ما وقع بيمين الإنسان فى جانب من المكان ، فذلك موضع اليمين فهو ميمنة كقولنا ملعبة.
المسألة الثالثة ﴾ جعل الله تعالى الخلق على ثلاثة أقسام دليل غلبة الرحمة، وذلك لأن جوانب
الإنسان أربعة، يمينه وشم له، وخلفه وقدامه، واليمين فى مقابلة الشمال والخلف فى مقابلة القدام ثم
إنه تعالى أشار بأصحاب اليمين إلى الناجين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم من أصحاب الجانب
الأشرف المكرمون، وبأصحاب الشمال إلى الذين حالهم على خلاف أصحاب اليمين وهم الذين يعطون
كتبهم بشمائلهم مهانون وذكر السابقين الذين لا حساب عليهم ويسبقون الخلق من غير حساب
بيمين أو شمال، أن الذين يكونون فى المنزلة العليا من الجانب الأيمن، وهم المقربون بين يدى الله
يتكلمون فى حق الغير ويشفعون للغير ويقضون أشغال الناس وهؤلاء أعلىمنزلة من أصحاب اليمين،
ثم إنه تعالى لم يقل فى مقابلتهم قوماً يكونون متخلفين مؤخرين عن أصحاب الشمال لا يلتفت إليهم
لشدة الغضب عليهم وكانت القسمة فى العادة رباعية فصارت بسبب الفضل ثلاثية وهو كقوله تعالى
(فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) ولم يقل منهم متخلف عن الكل.
المسألة الرابعة) ما الحكمة فى الابتداء بأصحاب اليمين والانتقال إلى أصحاب الشمال ثم إلى
السابقين مع أنه فى البيان بين حال السابقين ثم أصحاب الشمال على الترتيب (والجواب) أن نقول :
ذكر الواقعة وما يكون عند وقوعها من الأمور الهائلة إنما يكون لمن لا يكون عنده من محبة الله
تعالى ما يكفه مانعاً عن المعصية، وأما الذين سرهم مشغول بربهم فلا يحزنون بالعذاب، فلما ذكر
. تعالى (إذا وقعت الواقعة) وكان فيه من التخويف ما لا يخفى وكان التخويف بالذين يرغبون
ويرهبون بالثواب والعقاب أولى ذكر ما ذكره لقطع العذر لا نفع الخبر، وأما السابقون فهم غير
محتاجين إلى ترغيب أو ترهيب فقدم سبحانه أصحاب اليمين الذين يسمعون ويرغبون ثم ذكر
السابقين ليجتهد أصحاب اليمين ويقربوا من درجتهم وإن كان لا ينالها أحد إلا بجذب من اقه
فإن السابق يناله ما يناله بجذب ، وإليه الإشارة بقوله: جذبة من جذبات الرحمن خسير من عبادة
سبعين سنة .

:
١٤٥
قوله تعالى : وكنتم أزواجاً ثلاثة. سورة الواقعة.
المسألة الخامسة) ما معنى قوله (ما أصحاب الميمنة)؟ نقول هو ضرب من البلاغة وتقريره
هو أن يشرع المتكلم فى بيان أمر ثم يسكت عن الكلام ويشير إلى أن السامع لا يقدر على سماعه
كما يقول القائل لغيره أخبرك بما جرى على ثم يقول هناك هو مجيباً لنفسه لا أخاف أن يحزنك وكما
يقول القائل من يعرف فلاناً فيكون أبلغ من أن يصفه، لأن السامع إذا سمع وصفه يقول هذا
نهاية ماهو عليه، فإذا قال من يعرف فلاناً بفرض السامع من نفسه شيئاً، ثم يقول فلان عند هذا
المخبر أعظم ما فرضته وأنبه ما علمت منه .
المسألة السادسة﴾ ما إعرابه ومنه يعرف معناه؟ نقول فأصحاب الميمنة مبتدأ أراد المتكلم
أن يذكر خبره فرجع عن ذكره وتركه وقوله (ما أصحاب الميمنة) جملة استفهامية على معنى التعجب
كما تقول لمدعى العلم ما معنى كذا مستفهماً متحناً زاعماً أنه لا يعرف الجواب حتى إنك تحب
وتشتهى ألا يجيب عن سؤالك ولو أجاب لكرهته لأن كلامك مفهوم كأنك تقول إنك لا تعرف
الجواب ، إذا عرفت هذا فكان المتكلم فى أول الأمر مخبراً ثم لم يخبر بشىء لأن فى الأخبار تطويلا
ثم لم يسكت وقال ذلك ممتحناً زاعماً أنك لا تعرف كنه، وذلك لأن من يشرع فى كلام ويذكر
المبتدأ ثم يسكت عن الخبر قد يكون ذلك السكوت لحصول علمه بأن المخاطب قد علم الخبر من
غير ذكر الخبر، كما أن قائلا إذا أراد أن يخبر غيره بأن زبدأ وصل ، وقال إن زيداً ثم قبل قوله
جاء وقع بصره على زيد وراً، جالساً عنده يسكت ولا يقول جاء لخروج الكلام عن الفائدة وقد
يسكت عن ذكر الخبر من أول الأمر لعله بأن المبتدأ وحده يكفى لمن قال من جاء فإنه إن قال زيد
يكون جواباً وكثيراً ما نقول زيد ولا نقول جاء، وقد يكون السكوت عن الخبر إشارة إلى طول
القصة كقول القائل: الغضبان من زيد ويسكت ثم يقول: ماذا أقول عنه. إذا علم هذا فنقول
لما قال (وأصحاب الميمنة) كان كأنه يريد أن يأتى بالخبر فسكت عنه ثم قال فى نفسه إن السكوت
قد يوهم أنه لظهور حال الخبر كما يسكت على زيد فى جواب من جاء فقال (ما أصحاب الميمنة)
متحناً زاعماً أنه لا يفهم ليكون ذلك دليلا على أن سكوته على المبتدأ لم يكنن لظهور الأمر بل
لخفائه وغرابته، وهذا وجه بليغ، وفيه وجه ظاهر وهو أن يقال معناه أنه جملة واحدة استفهامية
كأنه قال: وأصحاب الميمنة ماهم على سبيل الاستقام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر وقال (أصحاب
الميمنة ما أصحاب الميمنة) والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهراً مرتين
وكذلك القول فى قوله تعالى (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) وكذلك فى قوله (الحاقة ما الحافة)
وفى قوله ( القارعة ما القارعة ) .
﴿ المسألة السابعة﴾ ما الحكمة فى اختيار لفظ المشأمة فى مقابلة الميمنة، مع أنه قال فى بيان
أحوالهم ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال)؟ نقول اليمين وضع للجانب المعروف أولا ثم تفاءلوا
به واستعملوا منه ألفاظاً فى مواضع وقالوا. هذا ميمون وقالوا أيمن به ووضعوا للجانب المقابل
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ١٠

١٤٦
قوله تعالى : والسابقون السابقون. سورة الواقعة
وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ
أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
١٠
له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، فصار فى مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال فى مقابلة اليمنى
اليسرى، وفى مقابلة الأيمن الأيسر، وفى مقابلة الميمنة الميرة، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل
اليمين، فلا يقال الأشمل ولا المشملة، وتستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة، فلا يقال فى مقابلة اليمين
لفظ من باب الشؤم ، وأما الشام فليس فى مقابلة اليمين بل فى مقابلة يمان ، إذا علم هذا فنقول بعد
ما قالوا باليمين لم يتركوه ، واقتصروا على استعمال لفظ اليمين فى الجانب المعروف من الآدمى ،
ولفظ الشمال فى مقابلته وحدث لهم لفظان آخـ ان فيه (أحدهما) الشمال وذلك لأنهم نظروا إلى
الكواكب من السماء وجعلوا مرها وجه الإنسان وجعلوا السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما
رأوا فى الإنسان ، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال غضوب وروف ، ثم رأوا فى
مقابلة الجنوب جانباً آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فموه شمالا (واللفظ الآخر) المشأمة والأشأم
فى مقابلة الميمنة والأيمن ، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم
فى مقابلته لا فى أعضائهم وجوانبهم تكرهً لجعل جانب من جوانب نفسه شؤماً، ولما وضعوا ذلك
واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره، فالله تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال
(أصحاب المشامة - وأصحاب الشمال) وترك لفظ الميسرة واليسار الدال على هون الأمر، فقال ههنا
(أصحاب المشأمة) بأفظع الاسمين، ولهذا قالوا فى العساكر الميمنة والميسرة اجتناباً من لفظ الشؤم ..
قوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون، أولئك المقربون) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى إعرابه ثلاثة أوجه ( أحدها ) والسابقون عطف على أصحاب الميمنة
وعنده تم الكلام ، وقوله و( السابقون أولئك المقربون) جملة واحدة (والثانى ) أن قوله
(والسابقون السابقون ) جملة واحدة (كما يقول القائل: أنت أنت. وكما قال الشاعر:
أنا أبو النجم وشعرى شعرى
وفيه وجهان (أحدهما ) أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا حاجة إلى الخبر عنه
وهو مراد الشاعر وهو المشهور عند النحاة (والثانى) للإشارة إلى أن فى المبتدأ مالا يحيط العلم
به ولا يخبر عنه ولا يعرف منه إلا نفس المبتدأ، وهو كما يقول الفائل لغيره أخبر نى عن حال الملك
فيقول لا أعرف من الملك إلا أنه ملك فقوله ( السابقون الساتمون) أى لا يمكن الإخبار عنهم
إلا بنفسهم فإن حالهم وما هم عليه فوق أن يحيط به علم البشر ( وههنا لطيفة) وهى أنه فى
أصحاب الميمنة قال ( ما أصاب الميمنة ) بالاستفهام وإن كان الاعجاز لكن جعلهم مورد الاستفهام
وههنا لم يقل والسابقون ما السابقون، لأن الاستفهام الذى للاجماز يورد على مدعى العلم فيقال

١٤٧
قوله تعالى : في جنات النعيم .. سورة الواقعة.
فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ
له إن كنت تعلم فبين الكلام وأما إذا كان يعترف بالجهل فلا يقال له كذبت ولا يقال كيف
كذا، وما الجواب عن ذلك، فكذلك فى (والسابقون) ما جعلهم بحيث يدعون ، فيورد عليهم
الاستفهام فيبين عجزهم بل بنى الأمر على أنهم معترفون فى الابتداء بالعجز، وعلى هذا فقوله تعالى
(والسابقون السابقون) كقول العالم لمن سأل عن مسألة معضلة وهو يعلم أنه لا يفهمها وإن كان
أبانها غاية الإبانة أن الأمر فيها على ما هو عليه ولا يشتغل بالبيان (وثالثها) هو أن السابقون
ثانياً تأكيد لقوله ( والسابقون) والوجه الأوسط هو الأعدل الأصح، وعلى الوجه الأسط
قول آخر وهو أن المراد منه أن السابقين إلى الخيرات فى الدنيا هم السابقون إلى الجنة فى العقبى .
المسألة الثانية ﴾ (أولئك المقربون) يقتضى الحصر فينبغى أن لا يكون غيرهم مقرباً،
وقد قال فى حق الملائكة إنهم مقربون، نقول (أولئك المقربون) من الأزواج الثلاثة ، فإن
قيل ( فأصحاب الميمنة ) ليسوا من المقربين، نقول للتقريب درجات والسابقون فى غاية القرب،
ولا حد هناك، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يقال المراد السابقون مقربون من الجنات حال
كون أصحاب اليمين متوجهين إلى طريق الجنة لأنه بمقدار ما يحاسب المؤمن حساباً يسيراً وؤفى
كتابه بيمينه مكون السابقون قد قربوا من المنزل أو قربهم إلى الله فى الجنة وأصحاب اليمين بعد
متوجهون إلى ما وصل إليه المقربون ، ثم إن السير والارتفاع لا ينقطع فان السير فى الله لا أنقطاع
له ، والارتفاع لا نهاية له، فكلما تقرب أصحاب اليمين من درجة السابق، يكون قد انتقل هو إلى
موضع أعلى منه ، فأولئك هم المقربون فى جنات النعيم ، فى أعلى عليين حال وصول أصحاب اليمين
إلى الحور العين .
﴿ المسألة الثالثة) بعد بيان أقسام الأزواج لم يعد إلى بيان حالهم على ترتيب ذكرهم ، بل
بين حال السابقين مع أنه أخرهم، وأخر ذكر أصحاب الشمال مع أنه قدمهم أولا فى الذكر على
السابقين ، نقول قد بينا أن عند ذكر الواقعة قدم من ينفعه ذكر الأهوال، وأخر من لا يختلف
حاء بالخونفى والرجاء ، وأما عند البيان فذكر السابق لفضيلته وفضيلة حاله .
قوله تعالى: ﴿ فى جنات النعيم) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ عرف النعيم باللام ههنا وقال فى آخر السورة (فروح وريحان وجنة نعيم)
بدون اللام، والمذكور فى آخر السورة هو واحد من السابقين فله جنة من هذه الجنات وهذه
معرفة بالإضافة إلى المعرفة ، وتلك غير معرفة فما الفرق بينهما ؟ فنقول الفرق لفظى ومعنوى
فاللفظى هو أن السابقين معرفون باللام المستغرق، لجنسهم، فجعل موضع المعرفين معرفاً، وأماهناك
فهو غير معرف، لأن قوله إن كان من المقربين أى إن كان فرداً منهم جمل موضعه غير معرف

١٤٨
قوله تعالى : ثلة من الأولين وقليل. سورة الواقعة.
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ () وَقَلِلٌ مِّنَ اْأَخِينَ @)
مع جواز أن يكون الشخص معرفاً وموضعه غير معرف، كما قال تعالى (إن المتقين فى جنات وعيون)
( وإن المتقين فى جنات ونهر) وبالعكس أيضاً، وأما المعنوى: فنقول عند ذكر الجمع جمع الجنات
فى سائر المواضع. فقال تعالى ( إن المتقين فى جنات) وقال تعالى (أولئك المقربون فى جنات)
لكن السابقون نوع من المتقين، وفى المتقين غير السابقين أيضاً، ثم إن السابقين لهم منازل ليس
فوقها منازل، فهى صارت معروفة لكونها فى غاية العلو أو لأنها لا أحد فوقها، وأما باقى المتقين
فلكل واحد مرتبة وفوقها مرتبة فهم فى جنات متناسبة فى المنزلة لا يجمعها صقع واحد لاختلاف
منازلهم، وجنات السابقين على حد واحد فى على عليين يعرفها كل أحد ، وأما الواحد منهم فإن
منزلته بين المنازل، ولا يعرف كل أحد أنه لفلان السابق فلم يعرفها ، وأمامنازلهم فيعرفها كل أحد،
ويعلم أنها للسابقين، ولم يعرف الذى المتقين على وجه كهذا .
المسألة الثانية﴾ إضافة الجنة إلى النعيم من أى الأنواع؟ نقول إضافة المكان إلى ما يقع
فى المكان يقال دار الضيافة ، ودار الدعوة، ودار العدل، فكذلك جنة النعيم، وفائدتها أن الجنة
فى الدنيا قد تكون النعيم ، وقد تكون للاشتغال والتعيش بأثمان ثمارها، بخلاف الجنة فى الآخرة
فإنها النعيم لا غير.
المسألة الثالثة﴾ فى جنات النعيم، يحتمل أن يكون خبراً بعد خير، ويحتمل أن يكون خبراً
واحداً، أما الأول فتقديره ( أولئك المقربون ) كائنون فى جنات ، كقوله ( ذو العرش المجيد،
فعال لما يريد) ، وأما الثانى فتقديرهم المقربون فى الجنات من الله كما يقال هو المختار عند الملك فى
هذه البلدة ، وعلى الوجه الأول فائدته بيان تنعيم جسمهم ،وكرامة نفسهم فهم مقربون عند الله فهم
فى غاية اللذة وفى جنات ، جسمهم فى غاية النعيم ، بخلاف المقربين عندالملوك، فإنهم يلتذون بالقرب
لكن لا يكون لجسمهم راحة ، بل يكونون فى تعب من الوقوف وقضاء الأشغال ، ولهذا قال ( فى
جنات النعيم) ولم يقتصر على جنات، وعلى الوجه الثانى فائدته التمييز عن الملائكة ، فإن المقربين فى
يومنا هذا فى السموات هم الملائكة . والسابقون المقربون فى الجنة فيكون المقربون فى غيرها هم
الملائكة ( وفيه لطيفة) وهى أن قرب الملائكة قرب الخواص عند الملك الذين هم الأشغال ، فهم
ليسوا فى نعيم، وإن كانوا فى لذة عظيمة ولا يزالون مشفقين قائمين بباب اللّه يرد عليهم الأمر ولا
يرتفع عنهم التكليف، والسابقون لهم قرب عند الله، كما يكون لجلساء الملوك، فهم لا يكون بيدهم
شغل ولا يرد عليهم أمر، فيتلذون بالقرب، ويتنعمون بالراحة .
قوله تعالى : ﴿ ثلة من الأولین، وقليل من الآخرين ﴾ وهذا خبر بعد خبر ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قد ذكرت أن قوله (والسابقون السابقون) جملة، وإنما كان الخبر عين المبتدأ

١٤٩
قوله تعالى : ثلة من الأولين وقليل. سورة الواقعة.
لظهور حالهم أو الخفاء أمرهم على غيرهم، فكيف جاء خبر بمده؟ نقول ذلك المقصود قد أفاد ذكر
خبر آخر لمقصود آخر ، كما أن واحداً يقول زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من المشهورين
ثم يشرع فى حال يخفى على السامع مع أنه قال لا يخفى، لأن ذلك كان لبيان كونه ليس من الغرباء
كذلك ههنا قال ( السابقون السابقون) لبيان عظمتهم ثم ذكر حال عددهم.
المسألة الثانية ﴾ الأولين من هم؟ نقول المشهور أنهم من كان قبل نبينا صلى الله عليه وسلم
وإنما قال ( ثلة) والثلة الجماعة العظيمة، لأن من قبل نبينا من الرسل والأنبياء من كان من كبار
أصحابهم إذا جمعوا يكونون أكثر بكثير من السابقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا
قيل إن الصحابة لما نزلت هذه الآية صعب عليهم فلتهم، فنزل بعده ( ثلة من الأولين ، وثلة من
الآخرين) وهذا فى غاية الضعف من وجوه (أحدها) أن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان
فى ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان، بالنسبة إلى من مضى فى غاية القلة فماذا كان عليهم من إنعام الله
على خلق كثير من الأولين . وما هذا إلا خلف غير جائز (وثانيها) أن هذا كالنسخ فى الأخبار
وأنه فى غاية البعد ( ثالثها) ما ورد بعدها لا يرفع هذا لأن انثلة من الأولين هنا فى السابقين من
الأولين وهذا ظاهر لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثروا ورحمهم الله تعالى فعفا عنهم أموراً لم
تعف عن غيرهم، وجعل للنبى صلى الله عليه وسلم الشفاعة فكثر عدد الناجين وهم أصحاب اليمين،
وأما من لم يأثم ولم يرتكب الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم فى غاية القلة وهم السابقون
(ورابعها) هذا توهم وكان ينبغى أن يفرحوا بهذه الآية لأنه تعالى لما قال (ثلة من الأولين)
دخل فيهم الأول من الرسل والأنبياء ، ولا نى بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا جعل قليلا من
أمته مع الرسل والأنبياء والأولياء الذين كاو فى درجة واحدة، يكون ذلك إنعاماً فى حقهم ولعله
إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام ((علماء استى كانبياء بنى إسرائيل)) (الوجه الثانى) المراد منه
(السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا، لقوله تعالى
(لا يستوى منكم من أنفق) الآية (وقليل من الآخرين) الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وعلى هذا
فقوله ( وكنتم أزواجاً ثلاثة) يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل ، ولا يكون فيه بيان
الآلين الذين كانوا قبل نبينا عليه السلام، وهذا ظاهر فإن الخطاب لا يتعلق إلا بالموجودين من
حيث اللفظ، ويدخل فيه غيرهم بالدليل (الوجه الثالث ) ( ثلة من الأولين) الذين آمنوا وعملوا
الصالحات بأنفسهم (وقليل من الآخرين) الذين قال الله تعالى فيهم (وأتبعناهم ذرياتهم) فالمؤمنون
وذرياتهم إن كانوا من أصحاب اليمن فهم فى الكثرة سواء، لأن كل صبى مات وأحد أبويه . ؤمن
فهو من أصحاب اليمين، وأما إن كانوا من المؤمنين السابقين، فقلما يدرك وندهم درجة السابقين
وكثيراً ما يكون ولد المؤمن أحسن حالا من الأب لتقصير فى أبيه ومعصية لم توجد فى الإبن
الصغير وعلى هذا فقوله (الآخرين) المراد منه الآخرون التابعون من الصغار .

١٥٠
قوله تعالى : على سرر موضونه. سورة الواقعة.
عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (٢) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ (٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ
◌ُغَلَّدُونَ (
لا
ثم قال تعالى ﴿على سرر موضونة، متكئين عليها متقابلين﴾ والموضونة هى المنسوجة القوية
اللحمة والسذى ، ومنه يقال للدرع المنسوجة موضونة والوضين هو الحبل العريض الذى يكون
منه الحزم لقوة سداه ولحمته ، والسرر التى تكون للملوك يكون لهاقوائم من شىء صلب ويكون مجلسهم
عليها معمولا بحرير وغير ذلك لأنه أنعم من الخشب وما يشبهه فى الصلابة وهذه السرر قوائمهامن
الجواهر النفيسة، وأرضها من الذهب الممدود، وقوله تعالى (متكئين عليها) للتاكيد، والمعنى
أنهم كائنو على سرر متكتين عليها متقابلين ، ففائدة التأكيد هو أن لا يظن أنهم كائنون على سرر
متكئين على غيرها كما يكون حال من يكون على كرسى صغير لا يسعه للاتكل فيوضع تحته شىء
آخر للآتكاء عليه ، فلما قال على سرر متكئين عليها دل هذا على أن استقرارهم واتكاءهم جميعاً على
سرر، وقوله تعالى (متقابلين) فيه وجهان (أحدهما) أن أحداً لا يستدير أحداً (وثانيهما) أن
أحداً من السابقين لايرى غيره فوقه، وهذا أقرب لأن قوله (متقابلين) على الوجه الأول يحتاج
إلى أن يقال متقابلين معناه أن كل أحد يقابل أحداً فى زمان واحد، ولا يفهم هذا إلا فيما لا يكون
فيه اختلاف جهات ، وعلى هذا فيكون معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار وظهور ، فيكون
المراد من السابقين هم الذين أجسامهم أرواح نورانية جميع جهاتهم وجه كالنور الذى يقابل كل شىء
ولا يستدبر أحداً ، والوجه الأول أقرب إلى أو صاف المكانيات .
ثم قال تعالى ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ والولدان جمع الوليد، وهو فى الأصل فعيل
بمعنى مفعول وهو المولود لكن غلب على الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين، والدليل
أنهم قالوا للجارية الصغيرة وليدة ، ولو نظروا إلى الأصل لجردوها عن الهاء كالقتيل ، إذا ثبت
هذا فتقول فى الولدات وجهان (أحدهما) أنه على الأصل وهم صغار المؤمنين وهو ضعيف، لأن
صغار المؤمنين أخبر الله تعالى عنهم أنه يلحقهم بآباتهم ، ومن الناس المؤمنين الصالحين من لا ولد
له فلا يجوز أن يخدم ولد المؤمن مؤمناً غيره، فيلزم إما أن يكون لهم اختصاص ببعض الصالحين
وأن لا يكون لمن لا يكون له ولد من يطوف عليه من الولدان، وإما أن يكون ولد الآخر بخدم
غير أبيه وفيه منقصة بالأب، وعلى هذا الوجه قيل هم صغار الكفار وهو أقرب من الأولّ إذ
. ليس فيه ما ذكرنا من المفسدة (والثانى) أنه على الاستعمال الذى لم يلحظ فيه الأصل وهو إرادة
الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين وهو حينئذ كقوله تعالى ( ويطوف عليهم غلمان لهم)
وفى قوله تعالى (مخلدون) وجهان ( أحدهما ) أنه من الخلود والدوام، وعلى هذا الوجه يظهر

١٥١
قوله تعالى : بأكواب واباريق. سورة الواقعة.
بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّنْ مَّعِيٍ
وجهان آخران (أحدهما ) أنهم مخلدون ولا موت لهم ولا فناء (وثانيهما) لا يتغيرون عن حالهم
ويبقون صغاراً دائما لا يكبرون ولا يلتحون (والوجه الثلج) أنه من الخلدة وهو القرط بمعنى
فى آذانهم حلق، والأول أظهر وأليق .
قوله تعالى: ﴿ بأكواب وأباريق وكأس من معين﴾ أوانى الخمر تكون فى المجالس، وفى
الكوب وجهان ( أحدهما) أنه من جنس الأقداح وهو قدح كبير (وثانيهما ) من جفس الكيزان
ولا عروة له ولا خرطوم والإبريق له عروة وخر طوم، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ ما الفرق بين الأكواب والأباريق والكأس حيث ذكر الأكواب
والأباريق بلفظ الجميع والكأس بلفظ الواحد ولم يقل وكئوس؟ نقول هو على عادة العرب فى
الشرب يكون عندهم أوان كثيرة فيها الخمر معدة موضوعة عندهم. وأما الكاس فهو القدح الذى
يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر ولا يشرب واحد فى زمان واحد إلا من كأس واحد، وأما أوانى
الخمر المملوءة منها فى زمان واحد فتوجد كثيراً، فإن قيل الطواف بالكأس على عادة أهل الدنيا
وأما الطواف بالأ كواب والأباريق فغير معتاد فما الفائدة فيه ؟ نقول عدم الطواف بها فى الدنيا
لدفع المشقة عن الطائف لثقلها وإلا فهى محتاج إليها بدليل أنه عند الفراغ يرجع إلى الموضع الذى
هى فيه، وأما فى الآخرة فالآنية تدور بنفسها والوليد معها إكراماً لا للحمل، وفيه وجه آخر من
حيث اللغة وهو أن الكأس إناء فيه شراب فيدخل فى مفهومه المشروب، والإبربق آنية لا يشترط
فى إطلاق اسم الإبريق عليها أن يكون فيها شراب، وإذا ثبت هذا فنقول الإناء المملوء الاعتبار
لما فيه لا للأناء ، وإذا كان كذلك فاعتبار الكاس بما فيه لكن فيه مشروب من جنس واحد
وهو المعتبر، والجنس لا يجمع إلا عند تنوعه فلا يقال الأرغفة من جنس واحد أخباز، وإنما
يقال أخباز عند ما يكون بعضها أسود وبعضها أبيض وكذلك اللحوم يقال عند تنوع الحيوانات
التى منها اللحوم ولا يقال للقطعتين من اللحم لخمان، وأما الأشياء المصنفة فتجمع، فالأقداح وإن
كانت كبيرة لكنها لما ملئت حمراً من جنس واحد لم يجز أن يقال لها خمور فلم يقل كؤوس وإلا
لكان ذلك تر جيحاً للظروف، لأن الكأس من حيث إنها شراب من جنس واحد لا بجمع واحد
فيترك الجمع ترجيحاً لجانب المظروف بخلاف الإبربق فان المعتبر فيه الإناء حسب ، وعلى هذا
يتبين بلاغة القرآن حيث لم يرد فيه لفظ الكثرس إذ كان ما فيها نوع واحد من الخمر ، وهذا بحث
عزيز فى اللغة .
﴿ المسألة الثانية) فى تأخير الكاس ترتيب حسن، فكذلك فى تقديم الأكواب إذا كان
الكوب منه يصب الشراب فى الإبريق ومن الإبريق الكأس .

١٥٢
قوله تعالى : لا يصدعون عنها. سوره الواقعة .
لَُّيُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (
1
المسألةُ الثالثة ) من معين بيان ما فى الكأس أو بيان ما فى الأكواب والأباريق، نقول .
يحتمل أن يكون الكل من معين والأول أظهر بالوضع، والثانى ليس كذلك، فلما قال (وكأس)
فكأنه قال ومشروب. وكأن السامع محتاجاً إلى معرفة المشروب، وأما الإبريق فدلالته على
المشروب ليس بالوضع، وأما المعنى فلأن كون الكل ملآناً هو الحق، ولأن الطواف بالفارغ
لا يليق فكان الظاهر بيان ما فى الكل ، ومما يؤبد الأول هو أنه تعالى عند ذكر الأوانى ذكر جنسها
لا نوع ما فيها فقال تعالى (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب) الآية، وعند ذكر الكأس
بين ما فيها فقال ( بكأس من معين) فيحتمل أن الطواف بالاً باريق، وإن كانت فارغة للزينة
والتجمل وفى الآخرة تكون الاكرام والتنعم لا غير.
﴿ المسألة الرابعة﴾ ما معنى المعين؟ قلنا ذكرنا فى سورة الصافات أنه فعيل أو مفعول ومضى
فيه خلاف، فإن قلنا فعيل فهو من معن الماء إذا جرى. وإن قلنا مفعول فهو من عانه إذا شخصه
بعينه وميزه ، والأول أصح وأظهر لأن المعيون يوهم بأنه معيوب لأن قول القائل عانى فلان
معناه ضرنى إذا أصابتى عينه، ولأن الوصف بالمفعول لا فائدة فيه، وأما الجريان فى المشروب فهو
إن كان فى الماء فهو صفة مدح وإن كان فى غيره فهو أمر عجيب لا يوجد فى الدنيا، فيكون كقوله
تعالى ( وأنهار من خمر) .
قوله تعالى: ﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) وفيه مسائل:
{ المسألة الأولى﴾ (لا يصدعون) فيه وجهان ( أحدهما) لا يصيبهم منها صداع يقال:
صدعنى فلان أى أورثنى الصداع ( والثانى) لا ينزفون عنها ولا ينفدونها من الصدع، والظاهر أن
أصل الصداع منه، وذلك لأن الألم الذى فى الرأس يكون فى أكثر الأمر بخلط وريح فى أغشية
الدماغ فيؤلمه فيسكون الذى به صداع كأنه يتطرق فى غشاء دماغه.
﴿ المسألة الثانية﴾ إن كان المراد نفى الصداع فكيف يحسن عنها مع أن المستعمل فى السبب
كلمة من، فيقال مرض من كذا وفى المفارقة يقال عن، فيقال برى. عن المرض ؟ نقول الجواب
هو أن السبب الذى يثبت أمراً فى شىء كأنه ينفصل عنه شىء ويثبت فى مكانه فعله ، فهناك أمران
ونظران إذا نظرت إلى المحل ورأيت فيه شيئاً تقول هذا من ماذا، أى ابتداء وجوده من أى شىء
فيتمع نظرك على السبب فتقول هذا من هذا أى ابتداء وجوده منه، وإذا نظرت إلى جانب
السبب ترى الأمر الذى صدر عنه كأنه فارقه والتصق بالمحل، ولهذا لا يمكن أن يوجد ذلك
مرة أخرى، والسبب كأنه كان فيه وانتقل عنه فى أكثر الأمر فههنا يكون الأمران من
الأجسام والأمور التى لها قرب وبعد، إذا علم هذا فنقول: المراد ههنا بيان خمر الآخرة فى

٠:٠
١٥٣
قوله تعالى : وفاكهة مما يتخيرون. سورة الواقعة.
وَفَكِهَةٍ مَِّّا يَتَخَّرُونَ (٨﴾ وَحْمِ طَيْرٍ فَِّا يَسْتَهُوَ ◌َ
نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين . ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها
لوصف منهم لما كان مدحاً لها ، وأما إذا قال هى لا تصدع لأمر فيها يكون مدحالها فلما وقع النظر
عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلا بكثرة الشرب وقوته عليه، فإنك تقول فى حقه هو
لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله تعالى ( ولا ينزفون) تقدم تغيره فى الصافات والذى يحسن ذكره
هنا أن نقول إن كان معنى ( لا ينزفون) لا يسكرون، فنقول إما أن نقول معنى ( لا يصدعون)
أنهم لا يصيبهم الصداع، وإما أنهم لا يفقدون، إن قلنا بالقول الأول فالترتيب فى غاية الحسن
لأنه على طريقة الارتقاء، فإن قوله تعالى (لا يصدعون) معناه لا يصيهم الصداع لكن هذا لا ينفى
السكر فقال بعده ولا يورث السكر، كقول القائل ليس فيه مفسدة كثيرة، ثم يقول ولا قليلة ،
تتميما للبيان، ولو عكست الترتيب لا يكون حسناً، وإن قلا (لا ينزقون) لا يفقدون فالترتيب
أيضاً کذلك لآن قولنا (لا يصدعون) أى لا يفقدونه ومع کثرله ودوام شره لا یسکرون بان
عدم السكر لنفاد الشراب ليس بمجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب مجيب
وإن قلنا ( لا ينزفون) بمعنى لا ينفد شرابهم كما ينا هناك. فنقول أيضاً إن كان لا يصدعون بمعنى
لا يصيبهم صداع فالترتيب فى غاية الحسن ، وذلك لأن قوله ( لا يصدعون) لا يكون بيان أمر
مجيب إن كان شرابهم قليلا فقال ( لا يصدعون عنها ) مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ينزفون
الشراب، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون
عماهم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب، ثم إذا أفوها بالشراب يعطون .
قوله تعالى: ﴿وفاكهة بما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون ﴾ وفيه مسائل:
{ المسألة الأولى﴾ ما وجه الجر ، والفاكهة لا يطوف بهنا الولدان والعطف يقتضى ذلك؟
نقول: الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن الفاكهة واللحم فى الدنيا يطلبان فى حالتين (أحدهما)
حالة الشرب والأخرى حال عدمه، فالفاكهة من رءوس الأشجار تؤخذ، كما قال تعالى (قطوفها.
دانية) وقال (وجنى الجنتين دان ) إلى غير ذلك ، وأما حالة الشراب بجاز أن يطوف بها الولدان،
فيناولوهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل الاكرام، كما يضع المكرم للضيف
أنواع الفواكه بيده عنده وإن كان كل واحد منهما مشاركا للآخر فى القرب منها ( والوجه الثانى )
أن يكون عطفاً فى المعنى على جنات النعيم ، أى هم المقربون فى جنات وفا كهة ، و لحم وحور ، أى
فى هذه النعم يتقلبون ، والمشهور أنه عطف فى اللفظ للمجاورة لا فى المعنى، وكيف لا يجوز هذا،
وقد جاز تقلد سيفاً ورمحاً .

١٥٤
قوله تعالى : وفاكهة مما يتخيرون. سورة الواقعة.
﴿ المسألة الثانية﴾ هل فى تخصيص التخيير بالفاكهة والاشتهاء باللحم بلاغة؟ «لت وكيف لاوفى
وفى كل حرف من حروف القرآن بلاغة وفصاحة ، وإن كان لا يحيط بها ذهنى الكليل، ولا يصل إليها
على القليل ، والذى يظهرلى فيه أن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه الى اللحم، وإذا
حضرا عند الشبعان تميل إلى الفاكهة، والجائع مشته والشبعان غير مشته، وإنما هو مختار إن أرادأكل،
وإن لم يرد لا يأكل، ولا يقال فى الجائع إن أراد أكل لأن أن لا تدخل إلا على المشكوك، إذا علم
هذا ثبت أن فى الدنيا اللحم عند المشتهى مختار والفاكهة عند غير المشتهى مختارة وحكاية الجنة على
ما يفهم فى الدنيا بحص اللحم بالاشتهاء والفاكهة بالاختيار، والتحقيق فيه من حيث اللفظ أن الاختيار
هو أخذ الخير من أمرين. والأمران اللذان يقع فيها الاختيار فى الظاهر لا يكون للمختار أولا ميل
إلى أحدهما، ثم يتفكر ويتروى، ويأخذ ما يغلبه نظره على الآخر فالتفكه هو ما يكون عند عدم
الحاجة، وأما إن اشتهى واحدفا كمة بعينها فاستحضرها وأكلها فهو ليس متفكه وإنما هو دافع حاجة،
وأما فواكه الجنة تكون أولا عند أصحاب الجنة من غير سبق ميل منهم إليها ثم يتفكرون بها على حسب
اختيارهم ، وأما اللحم فتميل أنفسهم إليه أدنى ميل فيحضر عندهم، وميل النفس إلى المأكول شهوة،
وبدل على هذا قوله تعالى (قطوفهادانية) وقوله ( وجى الجنتين دان) وقوله تعالى (وفاكهة كثيرة،
لا مقطوعة ولا منوعة) فهو دليل على أنها دائمة الحضور، وأما اللحم فالمروى أن الطائر بطير فتميل
نفس المؤمن إلى لحمه فينزل مشوياً ومقلباً على حسب ما يشتهيه، فالحاصل أن الفاكهة تحضر عندهم
فيتخير المؤمن بعد الحضور واللحم يطلبه المؤمن وتميل نفسه إليه أدنى ميل، وذلك لأن الفاكهة: لذ
الآعين بحضورها، واللحم لا تلذ الأعين بحضوره، ثم إن فى اللفظ لطيفة، وهى أنه تعالى قال (ما
يتخيرون) ولم يقل ما يختارون، مع قرب أحدهما إلى الآخر فى المعنى، وهو أن التخير من باب التكاف
فكأنهم بأخذون ما يكون فى نهاية الكمال، وهذا لا يوجد إلا من لا يكون له حاجة ولا اضطرار.
﴿ المسألة الثالثة:﴾ ما الحكمة فى تقديم الفاكهة على اللحم ؟ نقول الجواب عنه من وجوه
(أحدها) العادة فى الدنيا التقديم للفواكه فى الأكل والجنة وضعت بما علم فى الدنيا من الأوصائى
وعلى ما علم فيها، ولا سيما عادة أهل الشرب وكأن المقصود بيان حال شرب أهل الجنة (وثانيها)
الحكمة فى الدنيا تقتضى أكل الفاكهة أولا لأنها ألطف وأسرع انحداراً وأفل حاجة إلى المكث
الطويل فى المعدة للهضم، ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم بدفعها ( وثالثها) يخرج ما
ذكرنا جواباً خلا عن لفظ التخيير والاشتهاء هو أنه تعالى لما بين أن الفاكهة دائمة الحضارو
والوجود، واللحم يشتهى ويحضر عند الاشتهاء دل هذا على عدم الجوع لأن الجائع ساعته إلى
اللحم أكثر من اختياره اللحم فقال (وفاكهة) لان الحال فى الجنة يشة حال الشبعان فى الدنيا. فيميل
إلى الفاكهة أكثر فقدمها، وهذا الوجه أصح لان من الفواكه مالا يؤكل إلا بعد الطعام ، فلا
يصح الأول جواباً فى الكل .

١٥٥
قوله تعالى : وحور عین کأمثال اللؤلؤ . سورة الواقعة.
كَأَمْثَلِ الْلُّؤْلُمِ الْمَكْنُونِ
وَحُورٌ عِينُ
٢٢
ثم قال تعالى ﴿وحورعين، كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ وفي اقراءات (الأولى) الرفع وهو المشهور،
ويكون عطفاً على ولدان ، فإن قيل قال قبله ( حور مقصورات فى الخيام ) إشارة إلى كونها مخدرة
ومستورة ، فكيف يصح قولك إنه عطف على ولدان؟ نقول الجراب عنه من وجهين (أحدهما)
وهو المشهور أن نقول هو عطف عليهم فى اللفظ لا فى المعنى، أو فى المعنى على التقدير والمفهوم لأن
قوله تعالى ( يطوف عليهم ولدان) معناه لهم ولدان كما قال تعالى (ويطوف عليهم غلمان لهم)
فيكون (حور عين ) بمعنى ولهم حور عين ( وثانيهما) وهو أن يقال ليست الحور منحصرات فى
جنس، بل لأهل الجنة ( حور مقصورات) فى حظائر معظمات ولهن جوارى وخوادم، وحور
تطرف مع الولدان السقاة فيكون كأنه قال يطوف عليهم ولدان ونساء ( الثانية) الجر عطفاً على
أكواب وأباريق، فإن قيل كيف يطاف بهن عليهم؟ نقول الجواب سبق عند قوله (ولحم طير) أو
عطفاً على (جنات) أى زأولئك المقربون فى جنات النعيم) وحور وقرى. حوراً عيناً بالنصب، ولعل
الحاصل على هذه القراءة على غير العطف بمعنى العطف لكن هذا القارى. لابد له من تقدير ناصب
فيقول يؤتون حوراً فيقال قد رافعاً فقال ولهم حور عين فلا يلزم الخروج عن موافقة العاطف
وقوله تعالى (كامثال اللؤلؤ المكنون) فيه مباحث .
﴿الأول ) الكاف للتشبيه، والمثل حقيقة فيه ، فلو قال أمثال اللؤلؤ المكنون لم يكن إلى
الكاف حاجة ، فما وجه الجمع بين كلمتى النشيه ؟ نقول الجواب المشهور أن كلمتى التشبيه يفيدان
التأكيد والزيادة فى التشبيه، فإن قيل ليس كذلك بل لا يفيدان ما يفيد أحدهما لأنك إن قلت
مثلا هو كاللؤلؤة للمشبه، دون المشبه به فى الأمر الذى لأجله التشبيه ؟ نقول التحقيق فيه، هو أن
الشىء إذا كان له مثل فهو مثله، فإذا قلت هو مثل القمر لا يكون فى المبالغة مثل قولك هو قر
وكذلك قولنا هو كالأسد، وهو أسد، فإذا قلت كمثل اللؤلؤ كا بك قلت مثل اللؤلؤ وقولك هو
اللؤلؤ أبلغ من قولك هو كاللؤلؤ، وهذا البحث يفيدنا حهنا ، ولا يفيدنا فى قوله تعالى ( ليس
كمثله شىء) لان النفى فى مقابلة الإثبات، ولا يفهم معنى النفى من الكلام ما لم يفهم معنى الإثبات
الذى يقابله ، فنقول قوله ( ليس كمثله شىء ) فى مقابلة قول من يقول كمثله شىء ، فنفى ما أثبته
لكن معنى قوله (كمثله شىء) إذا لم نقل بزيادة الكاف هو أن مثل مثله شىء، وهذا كلام يدل على
أن له مثلا ، ثم إن لمثله مثلا، فإذا قلنا ليس كذلك كان رداً عليه، والرد عليه صحيح بقى أن يقال
إن الراد على من يثبت أموراً لا يكون نافياً لكل ما أثبته، فإذا قال قائل زيد عالم جيد ، ثم قيل رداً
عليه ليس زيد عالماً جيداً لا يلزم من هذا أن يكون نافياً لكونه عالماً، فمن يقول ليس كمثله شىء بمعنى
ليس مثل مثله شىء لا يلزم أن يكون نافياً لمثله، بل يحتمل أن يكون نافياً لمثل المثل، فلا يكون
:

١٥٦
قوله تعالى : جزاءا بما داموا يعملون. سورة الواقعة.
٢٤
◌َآءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الراد أيضاً موحداً فيخرج الكلام عن إفادة التوحيد، فنقول: يكون مفيداً للتوحيد لأنا إذا قلنا
ليس مثل مثله شىء لزم أن لا يكون له مثل لأنه لو كان له مثل لكان هو مثل مثله، وهو شىء
بدليل قوله تعالى (قل أى شىء أكبر شهادة قال الله) فإن حقيقة الشىء هو الموجود فيكون مثل مثله
شىء وهو منفى بقولنا ليس مثل مثله شىء، فعلم أن الكلام لا يخرج عن إفادة التوحيد، فعلم أن الحمل
على الحقيقة يفيد فى الكلام مبالغة فى قوله تعالى (كأمثال) وأما عدم الحمل عليها فى قوله (ليس كمثله شىء)
فى أوجز فتجعل الكاف زائدة لئلا لزم التعطيل، وهو نفى الإله، نقول فيه فائدة، وهو أن يكون
ذلك نفياً مع الإشارة إلى وجه الدليل على النفي، وذلك لأنه تعالى واجب الوجود، وقدوافقنا من
قال بالشريك، ولا يخالفنا إلا المعطل، وذلك إثباته ظاهراً، وإذا كان هو واجب الوجود فلوكان
له مثل لخرج عن كونه واجب الوجود، لأنه مع مثله تعادلا فى الحقيقة، وإلا لما كان ذلك مثله وقد
تعدد فلا بد من أنضمام ميز إليه به يتميز عن مثله ، فلو كان مركباً فلا يكون واجباً لأن كل مركب
مكن ، فلو كان له مثل لما كان هو هو فيلزم من إثبات المثزله نفيه، فقوله (ليس كمثله شىء) إذا حملناه
أنه ليس مثل مثله شىء، ويكون فى مقابلته قول الكافر مثل مثله شىء فيكون مثبتاً لكونه مثل مثله
ويكون مثله يخرج عن حقيقة نفسه ومنه لا يبقى واجب الوجود فذكر المثلين لفظاً يفيد التوحيد مع
الإشارة إلى وجه الدليل على بطلان قول المشرك ولو قلنا ليس مثله شى. يكون نفياً من غير إشارة
إلى دليل ، والتحقيق فيه أنا نقول فى نفى المثل رداً على المشرك لا مثل له، ثم نستدل عليه ونقول
لو كان له مثل لكان هو مثلا لذلك المثل فيكون ممكناً محتاجاً فلا يكون إلهاً ولو كان له مثل لما كان
الله إلهاً واجب الوجود ، لا ن عند فرض مثل له يشاركه بشىء و ینافیه بشىء، فيلزم ترکا فلو كان.
له مثل لخرج عن حقيقة كونه إلهاً فإثبات الشريك يفضى إلى نفى الإله فقوله (ليس كمثه شىء)
توحيد بالدليل وليس مثله شىء توحيد من غير دليل وشىء من هذا رأيته فى كلام الإمام بحرالدين
الرازى رحمه الله (١) بعد ما فرغت من كتابة هذا مما وافق خاطرى خاطزه على أنى معترف بأنى ..
أصبت منه فوائد لا أحصيها، وأما قوله تعالى (اللؤلؤ المكنون) إشارة إلى غاية صفاتهن أى اللؤلؤ
الذى لم يغير لونه الشمس والهواء .
١
1
ثم قال تعالى ﴿ جزاءاً بما كانوا يعملون﴾
وفى نصبه وجهان (أحدهما ) أنه مفعول له وهو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ليقع جزاء
وليجزون بأعمالهم، وعلى هذا فيه (لطيفة) وهى أن نقول المعنى أن هذا كله جزاء عملكم وأما الزيادة
(١) هذه العبارة تشعر أن أهذا الشرح لمؤلف آخر غير فخر الدين الرازي وإنما هذا لأحد تلاميذه أكملها بعد وفاته أو نقص
بالأصل وكملة أحد العلماء المتأخرين والله أعلم.

١٥٧
قوله تعالى : جزاءا بما كانوا يعملون. سورة الواقعة.
فلا يدركها أحد منكم ( وثانيهما) أنه مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله اللّه فهو جزاء فكأنه
قال تجزون جزاء، وقوله ( بما كانوا ) قد ذكرنا فائدته فى سورة الطور وهى أنه تعالى قال فى حق
المؤمنين ( جزاءً بما كانوا يعملون) وفى حق الكافرين (إنما تجزون ما كنتم تعملون) إشارة
إلى أن العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم ، والثواب ( جزاء بما كانوا يعملون) فلا
يعطيهم الله عين عملهم ، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم، والكافر يعطيه عين ما فعل ، فيكون
فيه معنى قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه الله فى مواضع كثيرة، ونحن نذكر
بعضها (فالأولى) قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال الثواب على الله واجب، لأن الجزاء
لا يجوز المطالبة به، وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه الله بأجوبة كثيرة، وأظن به أنه لم
يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه. ولو صح لما كان فى الوعد بهذه الأشياء فائدة، وذلك لأن
العقل إذا حكم بان ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح من الله لا يوجد علم أن الله يعطى
هذه الأشياء لأنها أجزية، وإيصال الجزاء واجب، وأما إذا قلنا بمذهبنا تكون الآيات مفيدة
مبشرة ، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم، لا يقال الجزاء كان واجباً على الله
وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشراً، لأنا نقول إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا الله
تعالى من النعم فى الدنيا جزاء، فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلا منه، غاية ما فى الباب أنه تعالى
كمل النعمة بقوله هذا جزاؤكم، أى جعلته لكم جزاء، ولم يكن متعيناً ولا واجباً، كما أن الكريم
إذا أعطى من جاء بشىء يسير شيئاً كثيراً ، فيظن أنه يودعه إبداعاً أو يأمره بحمله إلى موضع،
فيقول له هذا لك فيفرح، ثم إنه يقول هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة ، فيقول له هذا
جزاء ما أتيت به، ولا أطلب منك على هذا خدمة، وإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد، فيكون
هذا غاية الفضل ، وعند هذا نقول هذا كله إذا كان الاتى غير العبد، وأما إذا فعل العبد ما أوجب
عليه سيده لا يستحق عليه أجراً، ولا سيما إذا أت بما أمر به على نوع اختلال ، فماظك بحالنا مع
الله عز وجل ، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية، والله تعالى يملك منا أنفسنا وأجسامنا، ثم
إنك إذا تفكرت فى مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق، واعترفوا
أنهم عبيد لا يملكون شيئاً ولا يجب للعبد على السيد دين، والمعتزلة لم يحققوا العبودية، وجعلوا
بينهم وبين اللّه معاملة توجب مطالبة، ونرجوا أن يحققق اللّه تعالى معنا المالكية غاية التحقيق،
ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر أعمالنا ، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته، ويطهر
صومه بزكاة فطره، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه، بل يختار فداءه ويخلص رقبته من
الجناية ، كذلك يدفع الله حاجاتنا فى الآخرة ، وأهم الحاجات أن يرحمنا ويعفو عنا ، ويتغمدنا

١٥٨
قوله تعالى : جزاءا بما كانوا يعملون. سورة الواقعة.
بالمغفرة والرضوان ، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا ، وأرجو أن لا يفعل مع
إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان فى المحاسبة بالنقير والقطمير ، والمطالبة بما يفضل لأحدهما من
القليل والكثير .
﴿ المسألة الثانية) قالوا لو كان فى الآخرة رؤية لكانت جزاء، وقد حصر اللّه الجزاء فيما
ذكر ( والجواب عنه) أن نقول: لم قلتم إنها لو كانت تكون جزاء ، بل تكون فضلا منه فوق
الجزاء ، وهب أنها تكون جزاء، ولكن لم قلتم إن ذكر الجزاء حصر وإنه ليس كذلك، لأن
من قال لغيره أعطيتك كذا جزاء على عمل لا ينافى قوله: وأعطيتك شيئا آخر فوقه أيضاً جزاء
عليه، وهب أنه حصر، لكن لم قلتم إن القربة لاتدل على الرؤية، فإن قيل قال فى حق الملائكة:
ولا الملائكة المقربون ، ولم يلزم من قربهم الرؤبة ، نقول أجبنا أن قربهم مثل قرب من يكون
عند الملك لقضاء الأشغال، فيكون عليه التكليف والوقوف بين يديه بالباب تخرج أو امره عليه،
كما قال تعالى (ويفعلون ما يؤمرون) وقرب المؤمن قرب المنعم من الملك ، وهو الذى لا يكون
إلا للمكالمة والمجالسة فى الدنيا، لكن المقرب المكلف ليس كلما يروح إلى باب الملك يدخل عليه
وأما المنعم لا يذهب إليه إلا ويدخل عليه فظهر الفرق .
والذى يدل على أن قوله ( أولئك المقربون) فيه إشارة إلى الرؤية هو أن الله تعالى فى
سورة المطففين ذكر الأبرار والفجار ، ثم إنه تعالى قال فى حق الفجار (إنهم عن ربهم يومئذ
المحجوبون) وقال فى الأسرار ( يشرب بها المقربون) ولم يذكر فى مقابلة المحجوبون ما يدل على
مخالفة حال الأبرار حال الفجار فى الحجاب والقرب، لا نقوله (فى عليين) وإن كان دليلا على القرب
وعلو المنزلة لكنه فى مقابلة قوله ( فى سيين) فقوله تعالى فى حقهم ( يشرب بها المقربون ) مع قوله
تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) يدل على أن المراد منه القرب الذى يكون جلساء الملك عند
الملك ، وقوله فى حق الملائكة فى تلك السورة (يشهده المقربون) يدل على أن المرادمنه القرب الذى
يكون للكتاب والحساب عند الملك لما أنه فى الدنيا يحسد أحدهما الآخر ، فإن الكاتب إن كان
قرابه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب والحساب، بل قرب النديم ، ثم إنه بين ذلك
النوع من القرب وبين القرب الذى بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره ، وفى سورة
المطففين قوله ( محجوبون ) يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى الله تعالى، وينبغى أنلا
ينظر إلى الله قولنا جلساء الملك فى ظاهر النظر الذى يقتضى فى نظر القوم الجهة وإلى القرب الذى
يفهم العامى منه المكان إلا بنظر العلماء الأخبار الحكماء الأخيار .
المسألة الثالثة﴾ قالوا قوله تعالى (بما كانوا يعملون) يدل على أن العمل عملهم وحاصل
بفعلهم , نقول لا نزاع فى أن العمل فى الحقيقة اللغوية وضع للفعل والمجنون الذى لا عقل له
والعاقل الذى بلغ الكمال فيه، وذلك ليس إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس ، وكل أحد يرى

١٥٩
قوله تعالى : لا يسمعون فيها لغواً. سورة الواقعة.
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْتِيمًا (ئيٍ إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَهًا
الحركة من الجسمين فيقول تحرك وسكن على سبيل الحقيقة، كما يقول تدور الرحا ويصعد الحجر،
وإنما الكلام فى القدرة التى بها الفعل فى المحل المرئى، وذلك خارج عن وضع اللغة.
قوله تعالى: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا تأتيما، إلا قيلا سلاماً سلاماً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ما الحكمة فى تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم العظيمة؟ نقول
فيه الطائف ( الأولى) أن هذا من أتم النعم، جلها من باب الزيادة التى منها الرؤية عند البعض
ولا مقابل لها من الأعمال، وإنما قلنا إنها من أتم النعم، لأنها نعمة سماع كلام الله تعالى على
ما سنبين أن المراد من قوله (سلاماً) هو ما قال فى سورة يس (سلام قولا من رب رحيم) فلم
يذكرها فيما جهله جزاء، وهذا على قولنا ( أولئك المقربين) ليس فيه دلالة على الرؤية (الثانية)
أنه تعالى بدأ بأنم النعم . وهى نعمة الرؤيا، وهى الرؤية بالنظر كما مر وختم بمثلها، وهى نعمة
المخاطبة (الثالثة) هى أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية وقابلها بأعمالهم حيث قال (جزاء بما كانوا
يعملون ) ذكر النعم القولية فى مقابلة أذكارهم الحسنة ولم يذكروا اللذات المقلية التى فى مقابلة
أعمال قلوبهم من اخلاصهم واعتقادهم، لأن العمل القلى لم ير ولم يسمع، فما يعطهم الله تعالى
من النعمة تكون نعمة لم ترها عين ولا سمعتها أذن، وإليه الإشارة بقوله { يتم فيها ((ما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وقوله عليه السلام ((ولا خطر)) إشارة إلى
الزيادة ، والذى يدل على النعمة القولية فى مقابلة فولهم الطيب قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا
الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا) إلى قوله ( نزلا من
غفور رحيم )
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (لا يسمعون فيها لغراً ولا تأتيما) نفى المكروه لما أن اللغو كلام
غير معتبر، لأنه عند المعتبرين من الرجال مكروه، ونفى المكروه لا يعد من النعم العظيمة التى مر
ذكرها، كيف وقد ذكرت أن تأخير هذه النعمة لكونها أنم ، ولو قال إن فلاناً فى بلدة كذا
محرم مكرم لا يضرب ولا يشتم فهو غير مكرم وهو مذموم والواغل مذموم وهو الذى يدخل
على قوم يشربون ويأكارن فيا كل ويشرب معهم من غير دعاء ولا إذن فكأنه بالنسبة إليهم فى
عدم الاعتبار كلام غير معتبر وهو اللغو ، وكذلك ما يتصرف منه مثل الولوغ لا يقال إلا إذا
كان الوالغ كلباً أو مايشبهه من السباع، وأما التأثيم فهو النسبة إلى الإثم ومعناه لا يذكر إلا باطلا
ولا ينسبه أحد إلا إلى الباطل، وأما التقديم فلأن اللغوأعم من التأثير أى يجعله آثماً كما تقول
إنه فاسق أو سارق ونحو ذلك وبالجملة فالمتكلم ينقسم إلى أن يلغو وإلى أن لا يلغوا والذى لا يلغو
يقصد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فيأخذ الناس بأقوالهم وهو لا يؤخذ عليه شىء ، فقال

١٦٠
قوله تعالى : إلا قيلا سلاماً سلاما. سورة الواقعة.
تعالى لا يلغو أحد ولا يصدر منه لغو ولا ما يشبه اللغو فيقول له الصادق لا يلغو ولا يأثم ولا
شك فى أن الباطل أفيخ ما يشبهه فقال لا يأثم أحد.
﴿المسألة الثالثة﴾ قال تعالى فى سورة النبأ (لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً) فهل بتهما فرق؟
قلنا نعم الكذاب كثير التكذيب ومعناه هناك أنهم لا يسمعون كذباً ولا أحداً يقول لآخر
كذبت وفائدته أنهم لا يعرفون كذباً من معين من الناس ولا من واحد منهم غير معين التفاوت
حالهم وحال الدنيا فإنا ذ. لم أن بعض الناس بأعيانهم كذابون فإن لم نعرف ذلك نقطع بأن فى الناس
كذاباً لأن أحدهم يقول لصاحبه كذبت بإن صدق فصاحبه كذاب، وإن لم يصدق فهو كاذب فيعلم
أن فى الدنيا كذاباً بعينه أو بغيرعينه ولا كذلك فى الآخرة فلا كذب فيها، وقال ههنا (ولا تأئي))
وهو أبلغ من التكذيب فإن من يقول فى حق من لا يعرفه إنه زان أو شارب الخمر مثلا فإنه يأثم
وقد يكون صادقاً ، فالذى ليس عن علم اثم فلا يقول أحد لأحد. قلت ما لا علم لك به . فالكلام
ههذا أبلغ لأنه قصر السورة على بيان أحوال الأقسام لأن المذكورين هنا هم السابقون وفى سورة
النيأهم المتقون ، وقد بينا أن السابق فوق المتقى.
المسألة الرابعة﴾ ( إلا فيلا) استثناء متصل منقطع، فنقول فيه وجهان (أحدهما) وهو
الاظهر أنه منقطع لأن السلام ليس من جنس اللغو تقديره لكن يسمعون (قيلا سلاماً سلاماً)
(ثانيهما ) أنه متصل ووجهه أن نقول المجاز قد يكون فى المعنى، ومن جملته أنك تقول مالى
ذنب إلا أحبك ، فلهذا تؤذينى فتستثى محبته من الذنب ولا تريد المنقطع لأنك لا تريد بهذا القول
بيان أنك تحبه إنما تريد فى تبرئتك عن الذنوب ووجهه هو أن بينهما غاية الخلاف وبينهما أمور
متوسطة، مثاله: الحار والبارد وبينهما الغاز الذى هو أقرب إلى الحار من البارد وأقرب إلى البارد
من الحار ، والمتوسط يطلق عليه اسم البارد عند النسبة إلى الحار فيقال هذا بارد، ويخبر عنه
بالنسبة إلى البارد فيقال إنه حار ، إذا ثبت هذا فنقول قول القائل: مالى ذنب إلا أني أحبك، معناه
لا تجد ما يقرب من الذنب إلا المحبة بإن عندى أموراً فوقها إذا نسبتها إلى الذنب تجد بينها غاية
الخلاف فيكون ذلك كقوله درجات الحب عندى طاعتك وفوقها إن أفضل جانب أفل أمر من
أمورك على جانب الحفظ لروحى، إشارة إلى المبالغة كما يقول القائل: ليس هذا بشىء مستحقراً
بالنسبة إلى مافوقه فقوله (لا يسمعون فيها لغواً) أى يسمعون فيها كلاماً فائضاً عظيم الفائدة كامل اللذة
أدناها وأفربها إلى اللغوقول بعضهم لبعض سلام عليك فلا يسمعون ما يقرب من اللغو إلا سلاماً،
فماظنك بالذى يبعد منه كما يبعد الماء البارد الصادق والماء الذى كسرت الشمس برودته وطلب منه
ما. حار ليس عندى ماء حار إلا هذا أى ليس عندى ما يبعد من البارد الصادق البرودة ويقرب من
الحار إلا هذا وفيه المبالغة الفائقة والبلاغة الرائقة. وحينئذ يكون اللغو مجازاً، والاستثناء متصلا
فإن قيل إذا لم يكن بد من مجاز وحمل اللغو على ما يقرب منه بالنسبة إليه فليحمل إلا على لكن لأنهما