النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
قوله تعالى : يعرف المجرمون بسيماهم. سورة الرحمن.
وجهان (أحدهما ) أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى (بالنواصى ) كما يقول القائل . ذهب بزيد
(وثانيهما) أن يتعلق بما يدل عليه يؤخذ، فكأنه تعالى قال ، فيؤخوذون بالنواصى ، فإن
قيل كيف عدى الأخذ بالباء وهو يتعدى بنفسه قال تعالى (لا يؤخذ منكم فدية) وقال (خذها ولا
تخف) نقول الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت، وبالبا أيضاً كقوله تعالى (لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى)
لكن فى الاستعمال تدقيق ، وهو أن المأخوذ إن كان مقصوداً بالأخذ توجه الفعل نحوه فيتعدى
إليه من غير حرف، وإن كان المقصود بالأخذ غير الشىء المأخوذ خساً تعدى إليه بحرف ، لأنهما
لم يكن مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، وكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فذكر الحرف، ويدل
على ماذكرنا استعمال القرآن، فإن الله تعالى قال (خذها ولا تخف) فى العصا وقال تعالى (وليأخذوا
أسلحتهم) (وأخذ الألواح ) إلى غير ذلك، فلما كان ماذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه
من غير حرف، وقال تعالى ( لا تأخذ بلحيتى ولابرأسى ) وقال تعالى ( فيؤخذ بالنواصى والأقدام)
ويقال خذ بيدى وأخذ الله بيدك إلى غير ذلك مما يكون المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا ، فإن قيل
ما الفائدة فى توجيه الفعل إلى غير مانوجه إليه الفعل الأول ، ولم قال (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ
بالنواصى)؟ نقول فيه بيان نكالهم وسوء حالهم ونبين هذا بتقديم مثال وهو أن القائل إذا قال ضرب
زيد فقتل عمرو فإن المفعول فى باب مالم يسم فاعله قائم مقام الفاعل ومشبه به ولهذا أعرب إعرابه المولم
يوجه يؤخذ إلى غير ماوجه إليه يعرف لكان الأخذفعل من عرف فيكون كمانه قال يعرف المجرمين عارف
فيأخذهم ذلك العارف، لكن المجرم يعرفه بسبماه كل أحد، ولا يأخذه كل من عرفه بسيماه، بل يمكن أن
يقال قوله ( يعرف المجرمون بسيماهم) المراد يعرفهم الناس والملائكة الذين يحتاجون فى معرفتهم
إلى علامة، أما كتبة الأعمال والملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير
احتياج إلى علامة ، وبالجملة فقوله يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد فلو قال يؤخذون
يكون كأنه قال فيكونون مأخوذين لكل أحد ، كذلك إذا تأملت فى قول القائل شغلت فضرب .
زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين دليل تغاير الشاغل والضارب لأنه يفهم منه أنى شغلنى
شاغل فضرب زيداً ضارب ، فالضارب غير ذلك الشاغل ، وإذا قلت شغل زيد فضرب لا يدل
على ذلك حيث توجه إلى مفعول واحد ، وإن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى
مفعولين ، أما بيان الفكال فلأنه لما قال (فيؤخذ بالنواصى ) بين كيفية الأخذ وجعلها مقصود
الكلام ، ولو قال: فيؤخذون . لكان الكلام يتم عنده ويكون قوله ( بالنواصى ) فائدة جاءت بعد
تمام الكلام فلا يكون هو المقصود، وأما إذا قال : قيؤخذ، فلابدله من أمر يتعلق به فينتظر
السامع وجود ذلك، فإذا قال بالنواصى يكون هذا هو المقصود ، وفى كيفية الأخذ ظهور نكالهم
لأن فى نفس الأخذ بالناصيه إذلالا وإهانة ، وكذلك الأخذ بالقدم ، لا يقال قد ذكرت أن التعدية
بالباء إنما تكون حيث لا يكون المأخوذ مقصوداً والآن ذكرت أن الأخذ بالنواصى هو المقصود
لأنا نقول لا تنافى بينهما فإن الأخذ بالنواصى مقصود الكلام والناصية ما أخذت لنفس كونها

١٢٢
- قوله تعالى: يطوفون بينها وبين حميم. سورة الرحمن.
هَذِهِ، جَهَُّ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (چ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمِ ءَانٍ
٤٥
فَأَِّءَالَآءِ رَبِّكَا تُكَذِبَانِ
ناصية وإنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذاً، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ ، وقوله تعالى
( فيؤخذ بالنواصى والأقدام ) فيه وجهان ( أحدهما ) يجمع بين ناحيتهم وقدمهم ، وعلى هذا
ففيه قولان (أحدهما ) أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب
الظهر فتخرج صدورهم ننأ ( والثانى) أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم
ونواصيهم فى أصابع أرجلهم مربوطة ( الوجه الثانى) أنهم يسحبون محباً فبعضهم يؤحذ بناصيته
وبعضهم يجر برجله، والأول أصح وأوضح .
ثم قال تعالى ﴿ هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون﴾ والمشهور أن ههنا إضماراً تقديره بقال
لهم هذه جهنم ، وقد تقدم مثله فى مواضع. ويحتمل أن يقال معناه هذه صفة جهم وأقيم المضاف
إليه مقام المضاف. ويكون ما تقدم هو المشار إليه، والأقوى أن يقال الكلام عند النهاصى
والأقدام قد تم، وقوله (هذه جهنم) لقربها كما يقال هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال
جهنم التى يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويلائمه قوله (يكذب) لأن الكلام
لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: هذه جهنم التى كذب بها المجرمون. لأن فى هذا الوقت لا بقى
مكذب ، وعلى هذا التقدير يضمر فيه : كان يكذب .
وقوله تعالى ﴿ يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ هو كقوله تعالى ( وإن يستغيثوا يغاثوا ماء
كالمهل) وكقوله تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر
لهم من. بعد شىء مائع هو صديدهم المغلى فيظنونه ماء ، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون
ويشربون منه شرب الهيم، فيجدونه أشد حراً فيقطع أمعاءهم، كما أن العطشان إذا صل إلى ماء مالح
لا يبحث عنه ولا يذوقه، وإنما يشربه عباً فيحرق فؤاده ولا يسكن عطشه. وقوله (حميم ) إشارة
إلى ما فعل فيه من الإغلاء، وقوله تعالى (آن ) إشارة إلى ما قبله، وهو كما يقال قطعته فانقطع
فكأنه حمته النار فصار فى غاية السخونة وآن الماء إذا انتهى فى الحر نهاية .
ثم قال تعالى ﴿فبأیآلاء ربكما تكذبان ﴾ وفيه بحث وهو أن هذه الأمور ليست من
الآلاء فكيف قال ( فبأى آلاء)؟ نقول الجواب من وجهين (أحدهما) ما ذكرناه (وثانيهما) أن
المراد (فبأي آلاء ربكما) مما أشرنا إليه فى أول السورة ( تكذبان) فتستحقان هذه الأشياء
المذكورة من العذاب، وكذلك نقول فى قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان ) هى الجنان . ثم إن
تلك الآلاء لاترى، وهذا ظاهر لأن الجنان غير مرئية، وإنما حصل الإيمان بها بالغيب ، فلا

١٢٣
قوله تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان. سورة الرحمن.
٤٦
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَنْتَانِ
فَأَيّ ءَالَاءِ رَبِّكَا تُكَذِّبَانِ
مبـ
٤٧
يحسن الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء والأرض والنجم والشجر
والشمس والقمر وغيرها مما يدرك ويشاهد ، لكن النار والجنة ذكرتا للترهيب والترغيب كما بينا
أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب وتحرمان الثواب .
ثم قال تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان) وفيه لطائف:
(الأولى) التعريف فى عذاب جهنم قال (هذه جهنم) والتفكير فى الثواب بالجنة إشارة إلى أن
كثرة المراتب التى لا تحد ونعمه التى لا تعد، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول، مراتب الثواب
الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات (الثانية) قد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى ( فذكر بالقرآن من
يخاف وعيد) أن الخوف خشية سببها ذل الخاشى، والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) لأنهم عرفوا عظمة الله تفافوه لا لذل منهم، بل لعظمة جانب
الله، وكذلك قوله ( من خشية ربهم مشفقون) وقال تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته
خاشعاً متصدعاً من خشية الله) أى لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم فى القوة والارتفاع
لتصدع من خشية الله لعظمته، وكذلك قوله تعالى ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وإنما
قلنا إن الخشية تدل على ما ذكرنا. لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة
فى خ ش ی، وقال تعالى فى الخرف ( ولا تخف سنعيدها) لما كان الخوف يضعف فى موسى،
وقال ( لا تحف ولا تحزن) وقال (أخاف أن يقتلون) وقال إنى (خفت الموالى من ورائى)
ويدل عليه تقاليب خ وف فإن قولك خفى قريب منه، والخافى فيه ضعف والأخيف يدل عليه
أيضاً، وإذا علم هذا فالله تعالى مخرف ومخشى، والعبد من اللّه خائف وخاش، لأنه إذا نظر إلى
نفسه رآما فى غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها فى غاية العظمة فهو خاش،
لكن درجة الخاشى فوق درجة الخائف، فلهذا قال (إنما يخشى الله من عباده العلماء) جعله منحصراً
فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ماهم عليه، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من
الحوائج لا يتركون خشيته ، بل تزداد خشيتهم ، وأما الذى يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب
جاهه، فربما يقل خوفه إذا أدى ذلك ، فلذلك قال تعالى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان) وإذا كان
هذا للخائف فما ظنك بالخاشى؟ ( الثالثة) لما ذكر الخوف ذكر المقام، وعند الخشية ذكر اسمه
الكريم فقال (إنما يخشى الله) وقال (لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) وقال عليه السلام ((خشية
الله رأس كل حكمة)) لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه. وفى مقام ربه قولان (أحدهما) مقام ربه أى
:
المقام الذى يقوم هو فيه بين يدى ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال هذا معبد الله وهذا معبد البارى
أى المقام الذى يعبد الله العبد فيه (والثانى) مقام ربه الموضع الذى فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى
1

١٢٤
قوله تعالى : ولمن خاف مقام ربه. سورة الرحمن.
( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) أى حافظ ومطلع أخذاً من القائم على الشىء حقيقة الحافظ
له فلا يغيب عنه ، وقيل مقام مقحم يقال فلان يخاف جانب فلان أى يخاف فلاناً وعلى هذا الوجه
يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخشى، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدى الله فالخاشى
لو قيل له أفعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتى بغير التعظيم
والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكف لا ، ويقال خاصة اللّه من خشية
الله فى شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدى الله سابحون فى مطالعة جماله غائصون فى
بحار جلاله، وعلى الوجه الثانى قرب الخائف من الخاشى وبينهما فرق ( الرابعة ) فى قوله ( جنتان)
وهذه اللطيفة نبيتها بعد ما يذكر ما قيل فى التثنية ، قال بعضهم المراد جنة واحدة كما قيل فى قوله.
(ألقيا فى جهنم) وتمسك بقول القائل :
ومهمهين سرت مرتين قطعته بالسهم لا السهمين
فقال أراد مهمهاً واحداً بدليل توحيد الضمير فى قطعته وهو باطل، لأن قوله بالسهم يدل على
أن المراد مهمهان ، وذلك لأنه لو كان مهمهاً واحداً لما كانوافى قطعته يقصدون جدلا ، بل يقصدون
التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوى، وأما الضمير
فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد، يقال كلاهما
معلوم ومجهول، قال تعالى (كلنا الجنتين آتت أكلها) فوحد اللفظ ولا حاجةههنا إلى التعسف ، ولا
مانع من أن يعطى الله جنتين وجناناً عديدة، وكيف وقد قال بعد ( ذواتا أفنان) وقال فيهما .
والثانى وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه (أحدها) أنها جنة للجن وجنة الانس لأن المراد
هذان النوعان ( وثانيها) جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصى لأن التكليف بهذين النوعين
( وثالثها) جنة هى جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء ، ويحتمل أن يقال جنتان جنة جسمية
والأخرى روحية فالجسمية فى نعيم والروحية فى روح فكان كما قال تعالى (فروح وريحان وجدة
نعيم ) وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب فى روح وريحان وجنة نعيم ( وأما اللطيفة) فتقول
لما قال تعالى فى حق المجرم إنه يطرف بين نار وبين حميم آن، وهما نوعان ذكر لغيره وهو
الخائف جنتين فى مقابلة ماذكر فى حق المجرم ، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذاباً
ويقعون فى الآخر ، ولم يقل ههنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم الله تعالى ملوكا وهم فيها يطاق
عليهم ولا يطاف بهم احتراما لهم وإكراماً فى حقهم ، وقد ذكرنا فى قوله تعالى (مثل الجنة التى
وعد المتقون) وقوله ( إن المتقين فى جنات). أنه تعالى ذكر الجنة والجنات، فهى لاتصال
أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينها كمهامه وقفار صارت كنة واحدة ، ولسعتها وتنوع
أشجارها وكثرة مسا كنها كأنها جنات، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان ،
فالكل عائد إلى صفة مدح .

١٢٥
قوله تعالى : ذواتا أفنان. سورة الرحمن.
ذَوَاتًا أَقْنَانِ (٣٨) فَبِأَيِّءَ الَآءِرَبِّكَا تُكَذِّبَانِ (٤٦) فِيِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَادٍ () فَأَىّ
ءَالَاءِ رَبِّكَا تُكَذِّبَانِ (٨٦ فِيِمَا مِنْ كُلِّ فَلَكِهَةٍ زَوْجَانِ (َ﴾ فَبِأَيِّءَالَءِ رَبِّكُمَ
٠٥٣
تُكَذِّبَانِ
ثم قال تعالى ﴿ذواتا أفنان، فبأى آلا. ربكما تكذبان) هى جمع فتن أى ذواتا أغصان أو جمع
فى أى فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار. فإن قيل أى الوجهين أقوى؟ نقول الأول
لوجهين (أحدهما) أن الأفنان فى جمع فتن هو المشهور والفنون فى جمع الفن كذلك ، ولا يظن
أن الأفنان والفنون جمع فن. بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال فى فعل
کثیر والفعول فی فعل أ کثر ( ثانيهما) قوله تعالى ( فيهما من كل فاكهة زوجان) مستقل بما ذكر
من الفائدة ، ولأن ذلك فیما یکون ثابتاً لا تفاوت فيه ذهناً ووجوداً أ کثر، فإن قيل كيف تمدح
بالأفنان والجنات فى الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) أن الجنات فى
الأصل ذوات أشجار، والأشجار ذوات أغصان، والأغصان ذوات أزهار وأثمار ، وهى
لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه
اللذة وأما الحاجة فلا، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها ماذمة للانسان عن التردد فى
البسيان كيفما شاء، فالجنةفيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، ويدل عليه
أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله (ذوانا أفنان) أى الجنة هى ذات فين غير كان على
أصل وعرق بل هى واقفة فى الجو وأهلها من تحتها ( والثانى) من الوجهين هو أن التفكير للأفنان
للتكثير أو التعجب .
قوله تعالى : ﴿ فیہما عينان تجریان ، فبأی آلاء ربكما تكذبان ، فيهما من كل فاكهة زوجان ،
فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ أى فى كل واحدة منهما عين جارية، كما قال تعالى (فيها عين جارية)
وفى كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى (فيه)
عينان فضاختان، فيهما فاكهة ونخل ورمان ) وبعضها يذكر ههنا .
المسألة الأولى﴾ هى أن قوله (ذواتا أفنان) و(فيهما عينان تجريان) و( فيهما من كل فاكهة
زوجان ) كلها أو صاف الجنتين المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره: جنتان ذواتا أفنان ،
ثابت فيهما عينان ، كائن فيهما من كل فاكهه زوجان ، فإن قيل ما الفائدة فى فصل بعضها عن بعض
بقوله تعالى (فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ثلاث مرات مع أنه فى ذكر العذاب ما فصل بين كلامين
بها حيث قال ( برسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تقتصران) مع أن إرسال نحاس غير

١٢٦
قوله تعالى : متکثین علی فرش. سورة الرحمن.
مُتَّكِعِينَ عَى فُرُشِ بَطَاِنْهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَى الْجَنََّيْنِ دَانِ (﴿ فَإِّءَالَآءِ
رَبِّكَا تُكَذِّبَانِ
إرسال شواظ ، وقال ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) مع أن الحميم غير الجحيم ، وكذا قال تعالى
(هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون) وهو كلام تام، وقوله تعالى (يطوفون بينها وبين حميم آن)
كلام آخر ولم يفصل بينهما بالآية المذكورة؟ نقول فيه تغليب جانب الرحمة ، فإن آيات العذاب
سردها سرداً وذكرها جملة ليقصر ذكرها، والثواب ذكره شيئاً فشيئاً، لأن ذكره يطيب للسامع
فقال بالفصل وتكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله ( فيهما عينان)، ( فيهما من كل فاكهة) لأن
إعادة ذكر المحبوب محبوب، والتطويل بذكر اللذات مستحسن .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى ( فيهما عينان تجريان) أى فى كل واحدة عين واحدة كما فى ،
وقوله ( فيهما من كل فاكهة زوجان) معناه كل واحدة منهما زوج ، أو معناه فى كل واحدة منهما
, من الفواكه زوجان ، ويحتمل أن يكون المراد مثل ذلك أى فى كل واحدة من الجنتين زوج من
كل فاكهة ففيهما جميعاً زوجان من كل فاكهة ، وهذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين ، أو نقول
من كل فاكهة لبيان حال الزوجين ، ومثاله إذا دخلت من على مالا يمكن أن يكون كائناً فى شى.
كقولك فى الدار من الشرق رجل ، أى فيها رجل من الشرق ، ويحتمل أن يكون المراد فى كل
واحدة منها زوجان ، وعلى هذا يكون كالصفة بما يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال ؛ فيهما من كل
فاكهة، أى كائن فيهما شىء من كل فاكهة ، وذلك الكائن زوجان ، وهذا بين فيما تكون من داخله
على مالا يمكن أن يكون هناك كائن فى الشىء غيره، كقولك فى الدار من كل ساكن، فإذا قلنا فيهما
من كل فاكهة زوجان ( الثالث) عند ذكر الأفنان لو قال فيها من كل فاكهة زوجان كان متناسباً
لأن الأغضان عليها الفواكه ، فما الفائدة فى ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر؟
نقول جرى ذكر الجنة على عادة المتنعمين ، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار
بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإنسان فى بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهى شهوة
مؤلمة. فكيف فى الجنة فذكر ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار، وجرياق الأنهار، ثم ذكر
ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتى بالآى بأحسن المعانى فى أبین المبانى ..
قوله تعالى: ﴿متكئين على فرش بطائنها من استبرق، وجنى الجنتين دان، فبأي آلاء ربكا
تكذبان ﴾ وفيه مسائل نحوية ولغوية ومعنوية .
﴿ المسألة الأولى من النحوية ﴾ هو أن المشهور أن متكئين حال وذو الحال من فى قوله
(ولمن خاف مقام ربه) والعامل ما يدل عليه اللام الجارة تقديره. لهم فى حال الاتكاء جنتان.

١٢٧
قوله تعالى : متکثین علی فرش بطائنها سورة الرحمن.
وقال صاحب الكشاف يحتمل أن يكون نصباً على المدح، وإنمنا حمله على هذا إشكال فى قول من
قال إنه حال وذلك لأن الجنة ليست لهم حال الاتكاء بل هى لهم فى كل حال فهى قبل الدخول لهم،
ويحتمل أن يقال هو حال وذو الحال ماتدل عليه الفاكهة . لأن قوله تعالى ( فيهما من كل فاكهة
زوجان) يدل على متفكهين بها كأنه قال يتفكه المتفكهون بها، متكئين ، وهذا فيه معنى لطيف،
وذلك لأن الأكل إن كان ذليلا كالخول والخدم والعبيد والغلمان، فإنه يأكل قائماً ، وإن كان
عزيزاً فإن كان يأكل لدفع الجوع يأكل قاعداً ولا يأكل متكئاً إلا عزيز متفسكه ليس عنده جوع
يقعده للأكل ، ولا هنالك من يحسمه ، فالتفكه مناسب للاتكا ..
المسألة الثانية من المسائل النحوية ﴾ على فرش متعلق بأى فعل هو ؟ إن كان متعلقاً بما فى
متكئين، حتى يكون كأنه بقول، يتكون على فرش كما كان يقال ، فلان اتكأ على عصاه أو على
لحذيه فهو بعيد لأن الفراش لا يتكا عليه ، وإن كان متعلقاً بغيره فماذا هو ؟ نقول متعلق بغيره
تقديره يتفكه الكائنون على فرش متكئين من غير بيان ما يتكئون عليه، ويحتمل أن يكون اتكاؤم
على الفرش غير أن الأظهر ما ذكرنا ليكون ذلك بياناً لما تحتهم وهم بجميع بدنهم عليه وهو أنعم
وأكرم لهم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الظاهر أن لكل واحد فرشاً كثيرة لا أن لكل واحد فراشاً فلكلهم فرش
عليها كائنون .
﴿ المسألة الرابعة لغوية ﴾ الاستبرق هو الديباج الثخين. وكما أن الديباج معرب بسبب أن
العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من المجم ، استعمل الاسم المعجم فيه غير أنهم تصرفوافيه تصرفاً وهو
أن اسمه بالفار سية ستبرك بمعنى ثخين تصغير ((ستبر)) فزادوا فيه همزة متقدمة عليه، وبدلوا الكاو
بالقاف، أما الهمزة، ولأن حركات أوائل الكلمة فى لسان العجم غير مبينة فى كثير من المواضع
فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما أثبتوا همزة الوصل عند مكون أول الكلمة، ثم إن
البعض جعلوها همزة وصل وقالوا (من استبرق ) والأكثرون جعلوها همزة قطع لأن أول الكلمة
فى الأصل متحرك لكن بحركة فاسدة فأتوا بههزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة وتمكنهم من تسكين
الأول وعند تساوى الحركة ، فالعود إلى السكون أقرب، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن
ولا تبدل حركة بحركة ، وأما القاف فلأنهم لو تركوا الكاف لاشتبه ستبرك بمسجدك ودارك ،
فأسقطوا منه الكاف التى هى على لسان العرب فى آخر الكلم للخطاب وأبد لوها قافاً ثم عليه سؤال
مشهور ، وهو أن القرآن أنزل بلسان عربى مبين، وهذا ليس بعربى، والجواب الحق أن اللفظة فى
أصلها لم تكن بين العرب بلغة , وليس المراد أنه أنزل بلغة هى فى أصل وضعها على لسان العرب،
بل المراد أنه منزل بلسان لا يخفى معناه على أحد من العرب ولم يستعمل فيه لغة لم تتكلم العرب بها،
فيصعب عليهم مثله لعدم مطاوعة لسانهم التكلم بها فعجزهم عن مثله ليس إلا لمعجز .

١٢٨
قوله تعالى : فيهن قاصرات الطرف. سورة الرحمن.
فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَجَنٌّ (﴾ فَإِّءَالَآءِ رَبِّكَ
◌ُگذّبَانِ
٥٧
المسألة الخامسة﴾ معنوية الاتكاء من الهيئات الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب ، فالمتكى.
تكون أمور جسمه على ما ينبغى وأحوال قلبه على ما ينبغى ، لأن العليل يضطجع ولا يستلقى أو
يستند إلى شىء على حسب ما يقدر عليه للاستراحة، وأما الاتكاء بحيث يضع كفه تحت رأسه
ومرفقه على الأرض ويجافى جنبيه عن الأرض فذاك أمر لا يقدر عليه، وأما مشغول القلب فى
طلب شىء فتحركه تحرك مستوفز .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال أهل التفسير قوله ( بطاقها من استبرق) يدل على نهاية شرفها فإن
ما تكون بطائها من الاستبرق تكون ظهائرها خير أمنها ، وكأنه شىء لا يدركه البصر من سندس
وهو الديباج الرقيق الناعم ، وفيه وجه آخر معنوى وهو أن أهل الدنيا يظهرون الزينة ولا يتمكنون
من أن يجعلوا البطائن كالظهائر، لأن غرضهم إظهار الزينة والبطائن لا تظه، وإذا انتفى السبب
انتفى المسبب، فلما لم يحصل فى جعل البطائن من الديباج مقصوده وهو الإظهار تركوه، وفى الآخرة
الأمر مبنى على الإكرام والتنعيم فتكون البطائن كالظهائر فذكر البطائن.
المسألة السابعة ) قوله تعالى (وجنى الجنتين دان) فيه إشارة إلى مخالفتها لجنة دار الدنيا
من ثلاثة أوجه (أحدها ) أن الثمرة فى الدنيا على رءوس الشجرة والإنسان عند الاتكاء يبعد عن
رمومها وفى الآخرة هو متكى. والثمرة تنزل إليه (ثانيها) فى الدنيا من قرب من ثمرة شجرة بعد
عن الأخرى وفى الآخرة كلها دان فى وقت واحد ومكان واحد ، وفى الآخرة المستقر في جنة
عنده جنة أخرى ( ثاثها ) أن العجائب كلها من خواص الجنة فكان أشجارها دائرة عليهم ساترة
إليهم وهم ساكنون على خلاف ما كان فى الدنيا وجناتها وفى الدنيا الإنسان متحرك ومطلوبه
ساكن، وفيه الحقيقة وهى أن من لم يكسل ولم يتقاعد عن عبادة الله تعالى، وسعى فى الدنيا فى
الخيرات انتهى أمره إلى سكون لا يحوجه تى. إلى حركة. فأهل الجنة إن تحركوا تحركوا لالحاجة
وطلب، وإن سكنوا سكنوا لا لاستراحة بعد التعب، ثم إن الولى قد تصير له الدنيا أنموذجاً من
الجنة ، فإنه يكون ساكناً فى بيته ويأتيه الرزق متحركاإليه دائراً حواليه، يدلك عليه قوله تعالى
(كاما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا).
﴿ المسألة الثامنة﴾ الجنان إن كانتا جسميتين فهو أبداً يكون بينهما وهما عن يمينه وشماله سو
يتناول ثمارهما وإن كانت إحداهما روحية والأخرى جسمية فلكل واحدمنهما فوا کهوفرش تليقبها.
ثم قال تعالى ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾

١٢٩
قوله تعالى : فيهن قاصرات الطرف. سورة الرحمن.
و فيه مباحث :
﴿ الأول) فى الترتيب وإنه فى غاية الحسن لأنه فى أول الأمر بين المسكن وهو الجنة، ثم بين
ما يتنزه به فإن من يدخل بستاناً يتفرج أولا فقال ( ذوانا أفنان ، فيهما عينان ) ثم ذكر ما يتناول
من المأكول فقال ( فيهما من كل فاكهة ) ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول وهو الفراش، ثم ذكر
ما يكون فى الفراش معه .
﴿ الثانى﴾ فيهن الضمير عائد إلى مادا؟ نقول فيه ثلاثة أوجه (أحدها) إلى الآلاء والنعم أى
قاصرات الطرف ( ثانيها ) إلى الفراش أى فى الفرش قاصرات وهما ضعيفان، أما الأول فلان
اختصاص القاصرات بكونهن فى الآلاء مع أن الجنتين فى الآلاء والعينين فيهما والفواكه كذلك
لا يبقى له فائدة، وأما الثانى فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال (متكئين على فرش) وأعاد الضمير
إليها بقوله ( بطائها) ولم يقل بطائهن، فقوله فيهن يكون تفسيراً للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه
أمثالى قال بعد هذا مرة أخرى ( فيهن خيرات ) ولم يكن هناك ذكر الفرش فالأصح إذن هو (الوجه
الثالث) وهو أن الضمير عائد إلى الجنتين، وجمع الضميرههناوثى فى قوله (فيهما عينان) و (فيه) من
كل فاكهة) وذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ثلاثة (أحدها) اتصال أشجارها وعدم وقوع الفيافى
والمهامة فيها والأراضى الغامرة، ومن هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل (وثانيها) اشتمالها
على النوعين الحاصرين للخيرات ، فإن فيها مافى الدنيا ، وما ليس فى الدنياوفيها ما يعرف ، وما لا يعرف،
وفيها ما يقدر على وصفه، وفيها مالا بقدر، وفيها لذات جسمانية ولذات غير جسمانية فلاشتمالها على
النوعين كأنها جنتان ( وثالثها) لسعتها وكثرة أشجارها وأما كنها وأنهارها ومسا كنها كأنها جنات،
فهى من وجه جنة واحدة ومن وجه جنتان ومن وجه جنات. إذا ثبت هذا فنقول اجتماع النسوان
للمعاشرة مع الأزواج والمباشرة فى الفراش فى موضع واحد فى الدنيا لا يمكن ، وذلك لضيق المكان،
أو عدم الإمكان أو دليل ذلة النسوان ، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء فى بيت إلا إذا كن
جوارى غير ملتفت إليهن، فاما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال فلا يجمع بينهن، واعلم
أن الشهوة فى الدنيا كما تزداد بالحسن الذى فى الأزواج تزداد بسبب العظمة وأحوال الناس فى أكثر
الأمر تدل عليه, إذا ثبت هذا فنقول الحظايا فى الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة والجمال والعز
والشرف والكمال ، فتكون الواحدة لها كذا وكذا من الجوارى والغلمان فتزداد اللذة بسبب كمالها ،
فإذن ينبغى أن يكون لكل واحدة ما يليق بها من المكان الواسع فتصير الجنة التى هى واحدة من حيث
الاتصال كثيرة من حيث تفرق المساكن فيها فقال ( فيهن) وأما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن
دليلا العظمة واللذة فقال فيهما وهذا من اللطائف (الثالث) قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف ،
وأقيمت الصفة مكانه، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف (وفيه
لطيفة ) فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوضافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن، فقال تارة ( حور عين)
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : فيهن قاصرات الطرف. سورة الرحمن.
وتارة ( عرباً أترابا) وتارة (قاصرات الطرف) ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين (أحدهما )
الإشارة إلى تحذرهن وتسترهن ، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة
ما لا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بيئته بالأوصاف
الكثيرة أكثر مما بينته بقولك حيوان وإنسان (وثانيهما) إعظاماً لهن ليزداد حسنهن فى أعين
الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف.
المسألة الرابعة﴾ (قاصرات الطرف) من القصر وهو المنع أى المانعات أعينهن من النظر
إلى الغير، أو من القصور، وهو كون أعينهن قاصرة لا طاح فيها للغير، أوول والظاهر أنه من
القصر إذ القصر مدح والقصور ليس كذلك، ويحتمل أن يقال هو من القصر بمعنى أنهن قصرن
أبصارهن، فأبصارهن مقصورة وهن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول والدليل عليه
هو أن القصر مدح والقصور ليس كذلك ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهى أنه تعالى قال من بعد
هذه ( حور مقصورات) فهن مقصورات وهن قاصرات ، وفيه وجهان (أحدهما) أن يقال هن
قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف، وهن قاصرات أنفسهن فى الخيام كما هو عادة المخدرات
لأنفسهن فى الخيام ولأبصارهن عن الطاح (وثانيهما) أن يكون ذلك بياناً لعظمتهن وعفافون
وذلك لأن المرأة التى لا يكون لها رادع من نفسها ولا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان، وإذا
كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج والبروز، وذلك يدل على عظمتهن، وإذا كن فى أنفسهن
عند الخروج لا ينظرن يمنة ويسرة فهن فى أنفسهن عفائف، جمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله
تعالى (مقصورات) منعهن أولياؤهن وههنا وليهن الله تعالى، وبين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى
(قاصرات الطرف ) ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على العظمة
وذكر فى أعلى الجنتين قاصرات وفى أدناهما مقصورات ، والذى يدل على أن المقصورات يدل
على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات ، إشارة إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيره
کالذى يضرب الخيام وبدلى الستر ، بخلاف من تتخذه لنفسها وتغلق بابها بيدها، وسندكر بيانه فى
تفسير الآية بعد .
﴿ المسألة الخامسة﴾ (قاصرات الطرف) فيها دلالة عفتهن، وعلى حسن المؤمنين فى أعينهن،
فيحبين أزواجهن حباً يشغلهن عن النظر إلى غيرهم ، ويدل أيضاً على الحياء لأن الطرف حرة
الجفن ، والحورية لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها .
﴿ المسألة السادسة﴾ (لم يطمثهن) فيه وجوه (أحدها) لم يفرعهن (ثانيها) لم يجامعهن
(ثالثها) لم يمسسهن، وهو أقرب إلى حالهن وأليق بوصف كمالهن، لكن لفظ الطمث غير ظاهر فيه
ولو كان المراد منه المس لذكر اللفظ الذى يستحسن، وكيف وقد قال تعالى (وإن طلقتموهن من
قبل أن تمسوهن) وقال (فاعتزلوا) ولم يصرح بلفظ موضوع الوطء، فإن قيل فما ذكر تم من

١٣١
قوله تعالى : كأنهن الياقوت والمرجان. سورة الرحمن
٥٩
فَبِأَّ ءَالَآءِ رَبِّكَا تُكَذِّبَانِ
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ
الإشكال باق وهو أنه تعالى كنى عن الوطء فى الدنيا باللمس كما فى قوله تعالى (أو لامستم النساء)
على الصحيح فى تفسير الآية وسنذكره ، وإن كان على خلاف قول إمامنا الشافعى رضى الله عنه
وبالمس فى قوله ( من قبل أن تمسوهن) ولم يذكر المس فى الآخرة بطريق الكناية ، نقول إنما
ذكر الجماع فى الدنيا بالكناية لما أنه فى الدنيا قضاء للشهرة وأنه يضعف البدن ويمنع من العبادة،
وهو فى بعض الا وقات قبحه کقبح شرب الخمر ، وفى بعض الا وقات هو كالأكل الكثير . وفى
الآخرة مجرد عن وجوه القبح، وكيف لا والخمر فى الجنة معدودة من اللذات وأكلها وشربها دائم
إلى غير ذلك ، فالله تعالى ذكره فى الدنيا بلفظ مجازى مستور فى غاية الخفاء بالكناية إشارة
إلى قبحه وفى الآخرة ذكره بأقرب الألفاظ إلى التصريح أو بلفظ صريح ، لأن الطمث أدل من
الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح .
المسألة السابعة﴾ ما الفائدة فى كلمة قبلهم ؟ قلنا لو قال : لم يطمثهن إنس ولا جان . يكون
نفياً لطمث المؤمن إياهن وليس كذلك .
( المسألة الثامنة) ما الفائدة فى ذكر الجان مع أن الجان لايجامع؟ نقول ليس كذلك بل
الجن لهم أولاد وذريات وإنما الخلاف فى أنهم هل يواقعون الإنس أم لا؟ والمشهور أنهم
بواقعون وإلا لما كان فى الجنة أحساب ولا أنساب ، فكأن مواقعة الإنس إياهن كموافعة الجن.
من حيث الإشارة إلى نفبها .
ثم قال تعالى ﴿كأنهن الياقوت والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وهذا التشبيه فيه
وجهان (أحدهما) تشبيه بصفاتهما ( وثانيهما) بحسن بياض اللؤلؤ وحمرة الياقوت ، والمرجان
صغار اللؤلؤ وهى أشد بياضاً وضياء من الكبار بكثير ، وإن قلنا إن التشبيه لبيان صفائهن،
فنقول فيه لطيفة هى أن قوله تعالى (قاصرات الطرف) إشارة إلى خلوصهن عن القبائح، وقوله
(كأنهن الياقوت والمرجان) إشارة إلى صفات هن فى الجنة، فأول مابدأ بالعقليات وختم بالحسبات،
كما قلنا إن التشبيه لبيان مشابهة جسمهن بالياقوات والمرجان فى الحمرة والبياض، فكذلك القول
فيه حيث قدم بيان العفة على بيان الحمر ولا يبعد أن يقال هو مؤكد لما مضى لأنهن لما كن
قاصرات الطرف بمنفعات عن الاجتماع بالإنس والجن لم يطمئن فهن كالياقوت الذى يكون فى معدنه
والمرجان المصون فى صدفه لا يكون قد مه يد لامس، وقد بينا مرة أخرى فى قوله تعالى (كائهن
بيض مكنون ) أن كأن الداخلة على المشبه به لا تفيد من التأكيد ما تفيده الداخلة على المشبه ، فإذا
قلت زيد كالا سد، كان معناه زيد يشبه الأسد، وإذا قلت كأن زيداً الأسد فعناه يشبه أن زيد أهو
الأسد حقيقة ، لكن قولنا زيد يشبه الأسد ليس فيه مبالغة عظيمة، فإنه يشبهه فى أهما حيوانان

١٣٢
قوله تعالى : هل جزاء الإحسان. سورة الرحمن.
فَبِأَيّ ءَالَآءِرَبِّكَا تُكَذِبَانِ
هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
وجسمان وغير ذلك، وقولنا زيد يشبه لا يمكن حمله على الحقيقة، أما من حيث اللفظ فنقول إذا
دخلت الكاف على المشبه به، وقيل إن زيداً كالأسد عملت الكاف فى الأسد عملا لفظياً والعمل
اللفظى مع العمل المعنوى ، فكأن الأسد عمل به عمل حتى صار زيداً، وإذا قلت كأن زيداً الأسد
تركت الأسد على إعرابه فإذن هو متروك على حاله وحقيقته وزيد يشبه به فى تلك الحال. ولا شك
فى أن زيدأ إذا شبه بأسد هو على حاله باق يكون أقوى مما إذا شبه بأسد لم يبق على حاله ، وكأن
من قال زید کالأسد نزل الأسد عن درجته فساواه زید ، ومنقال کان زيداً الأسد رفع زیداً عن
درجته حتى ساوى الأسد, وهذا تدقيق لطيف .
ثم قال تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وفيه وجوه
كثيرة حتى قيل إن فى القرآن ثلاث آيات فى كل آية منها مائة قول (الأولى) قوله تعالى (فاذكرونى
أذكركم). (الثانية) قوله تعالى (إن عدتم عدنا)، (الثالثة) قوله تعالى (هل جزاء الإحسان إلا
الإحسان) ولنذكر الأشهر منها والأقرب. أما الأشهر فوجوه (أحدها) هل جزاء التوحيد غير
الجنة، أى جزاء من قال لا إله إلا الله إدخال الجنة (ثانيها) هل جزاء الإحسان فى الدنيا إلا
الإحسان فى الآخرة ( ثالثها) هل جزاء من أحسن إليكم فى الدنيا بالنعم وفى العقى بالنعيم إلا أن
تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى، وأما الأقرب فإنه عام بجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو
إليه أيضاً، ولنذكر تحقيق القول فيه وترجع الوجوه كلها إلى ذلك، فنقول الإحسان يستعمل
فى ثلاث معان (أحدها) إثبات الحسن وإيجاده قال تعال (فأحسن صوركم) وقال تعالى (الذى
أحسن كل شىء خلقه) (ثانيها) الإتيان بالحسن كالإظراف والإغراب للاتيان بالظريف والغريب
قال تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (ثالثها) يقال فلان لا يحسن الكتابة ولا يحسن الفاتحة
أى لا يعلمهما، والظاهر أن الأصل فى الإحسان الوجهان الأولان والثالث مأخرذ منهما، وهذا
لا يفهم إلا بقرينة الاستعمال ما يغلب على الظن إرادة العلم، إذا علمت هذا فنقول يمكن حمل
الإحسان فى الموضعين على معنى متحدمن المعنيين ويمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين (أما الأول)
فتقول (هل جزاء الإحسان) أى هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يؤتى فى مقابلته بفعل حسن،
لكن الفعل الحسن من العبد ليس كل ما يستحسنة هو، بل الحسن هو !استحسنه الله منه، فإن الفاسق
ربما يكون الفسق فى نظره حسناً وليس بحسن بل الحسن ما طلبه الله منه، كذلك الحسن من الله
هو كل ما يأتى به مما يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه الله تعالى منه، وإليه الإشارة بقوله تعالى
(فيها ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين) وقوله تعالى ( وثم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) وقال
تعالى (الذين أحسنوا الحسنى) اى ما هو حسن عندهم (وأما الثانى) فنقول هل جزاء من أثبت
:

١٣٣
قوله تعالى : هل جزاء الإحسان. سورة الرحمن.
الحسن فى عمله فى الدنيا إلا أن يثبت الله الحسن فيه وفى أحواله فى الدارين وبالعكس هل جزاء
من أثبت الحسن فينا وفى صورنا وأحوالنا إلا أن نثبت الحسن فيه أيضاً، لكن إثبات الحسن فى
الله تعالى محال، فإثبات الحسن أيضاً فى أنفسنا وأفعالنا فنحن أنفسنا بعبادة حضرة الله تع الى،
وأفعالنا بالتوجه إليه وأحوال باطنا بمعرفته تعالى، وإلى هذا رجعت الإشارة، وورد فى الأخبار
من حسن وجوه المؤمنين وقبح وجوه الكافرين (وأما الوجه الثالث ) وهو الحمل على المعنيين
فهو أن تقول على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يثبت الله فيه الحسن ، وفى جميع أحواله
فيجعل وجهه حسناً وحاله حسناً ، ثم فيه لطائف :
﴿ اللطيفة الأولى) هذه إشارة إلى رفع التكاليف عن العوام فى الآخرة، وتوجيه التكليف
على الخواص فيها ( أما الأول ) فلأنه تعالى لما قال (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) والمؤمن
لا شك فى أنه يثاب بالجنة فيكون له من اللّه الإحسان جزاء له ومن جازى عبداً على عمله لا يأمره
بشكره، ولأن التكليف لو بقى فى الآخرة فلو ترك العبد القيام بالتكليف لاستحق العقاب ،
والعقاب ترك الإحسان لأن العبد لما عبد الله فى الدنيا مادام وبقي يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه
فى الآخرة مادام وبقي، فلا عقاب على تركه بلا تكليف (وأما الثانى) فنقول خاصة اللّه تغالى عبدنا
الله تعالى فى الدنيا لنعم قد سبقت له علينا، فهذا الذى أعطانا الله تعالى ابتداء نعمة وإحسان جديد
فله علينا شكره، فيقولون الحمد لله، ويذكرون الله ويثنون عليه فيكون نفس الإحسان من الله تعالى
فى حقهم سبباً لقيامهم بشكره، فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى فيكون لهم بأدنى عبادة شغل
شاغل عن الحور والقصور والأكل والشرب. فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنابذون ولا يلعبون
فيكون حالهم كمال الملائكة فى يومنا هذا لا يتناكمون ولا يلعبون، فلا يكون ذلك تكليفاً مثل
هذه التكاليف الشاقة ، وإنما يكون ذلك لذة زائدة على كل لذة فى غيرها .
﴿اللطيفة الثانية) هذه الآية تدل على أن العبد محكم فى الآخرة كما قال تعالى (لهم فيها فاكهة ولهم
ما يدعون) وذلك لأنا بيناأن الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان، لكن
الله لما طلب منا العبادة طلب كما أراد، فأتى به المؤمن كما طلب منه، فصار محسناً فهذا يقتضى
أن يحسن الله إلى عبده ويأتى بما هو حسن عنده، وهو ما يطلبه كما يريد فكأنه قال ( هل جزاء
الإحسان) أى هل جزاء من أتى بما طلبته منه على حسب إرادتى إلا أن يؤتى بما طلبه منى على
حسب إرادته، لكن الإرادة متعلقة بالرؤية، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالة على
الرؤية البلكفية .
{ الطيفة الثالثة) هذه الآية تدل على أن كل ما يفرضه الإنسان من أنواع الإحسان من الله
تعالى فهو دون الإحسان الذى وعد الله تعالى به لأن الكريم إذا قال للفقير أفعل كذا ولك كذا
ديناراً، وقال لغيره أفعل كذا على أن أحسن إليك يكون رجاء من لم يعين له أجراً أكثر من

١٣٤
قوله تعالى : ومن دونهما جنتان. سورة الرحمن.
٠٤٠
٠٠١-٠٤
وَمِنْ دُوِمَا جَتَّتَانٍ () فَإِّءَ الَآءِ رَبِّكُ تُكَذِّبَانِ (
مُدْهَآمَتَان
فَبَأَىّ
٦٤
ءَالَآءِرَبِّكَا تُكَذِّبَانِ ﴿﴾ فِيِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَنَاذِ (٨٦) فَبِأَّ ءَ الَآءِ رَبِّكَا تُكَّذِّبَانِ
رجاء من عين له ، هذا إذا كان الكريم فى غاية الكرم ونهاية الغنى، إذا ثبت هذا فالله تعالى قال
جزاء من أحسن إلى أن أحسن إليه بما يغبط به، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه فالذى يعطى اللّه فوق
ما يرجوه وذلك على وفق كرمه وإفضاله .
ثم قال تعالى ﴿ ومن دونهما جنتان، فبأى آلا. ربكما تكذبان، مدهامتان، فبأي آلاء ربكما
تكذبان ، فيهما عينان فضاختان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان) لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله
وهو جنتان أخريان، وهذا كقوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وفى قوله تعالى (دونهما)
وجهان (أحدهما ) دونهما فى الشرف، وهو ما اختاره صاحب الكشاف وقال قوله (مدهامتان)
مع قوله فى الأوليين (ذواتا أفنان ) وقوله فى هذه ( عينان نضاختان) مع قوله فى الأوليين
( عينان تجريان) لأن النضخ دون الجرى، وقوله فى الأولين (من كل فاكهة زوجان) مع قوله
فى هاتين ( فاكهة ونخل ورمان) وقوله فى الأوليين (فرش بطائنها من استبرق) حيث ترك ذكر
الظهائر لعلوها ورفعتها وعدم إدراك العقول إياها مع قوله فى هاتين ( رفرف خضر) دليل عليه ،
ولقائل أن يقول هذا ضعيف لأن عطايا الله فى الآخرة متتابعة لا يعطى شيئاً بعد شىء إلا ويظن
الظان أنه ذلك أو خير منه. ويمكن أن يجاب عنه تقريراً لما اختاره الرمخشرى أن الجنتين اللتين
دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم الله بهم ولا تباعهم، ولكنه إنما جعلهما لهم إنعاماً عليهم،
أى هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون (الثانى) أن المراد دونهما فى المكان كانهم فى
چنتین ويطلعوا من فوق على جنتین أخریین دونهما ، ويدل عليه قوله تعالى لهم ( غرف من فوقها
غرف) الآية. والغرف العالية عندها أفنان، والغرف التى دونها أرضها مخضرة ، وعلى هذا ففى
الآيات لطائف :
(الأولى) قال فى الأوليين (ذواتا أفنان) وقال فى هاتين (مدهامتان) أى مخضر تان فى
غاية الخضرة، وإدهام الشىء أى أسواد لكن لا يستعمل فى بعض الأشياء والأرض إذا أخضرت
غاية الخضرة تضرب إلى اسود، ويحتمل أن يقال الأرض الخالية عن الزرع يقال لها بياض أرض
وإذا كانت معمورة يقال لها سواد أرض كما يقال سواء البلد، وقال النبى صلى الله عليه وسلم ((عليكم
بالسواد الأعظم ومن كثر سواد قوم فهو منهم)، والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض

١٣٥
قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان. سورة الرحمن.
فِيِمَا فَكِهَةٌ وَخْلُ وَرُمَّانٌ (﴾ فَإِيِّءَ الَآءِ رَبِّكَ تُكَذِبَادِ (﴾ فِنَّ
خَيْرَتُّ حِسَانٌ (﴾ فَإِّءَ الَآءِ رَبِّكَا تُكَذِبَانِ ﴾ حُورٌ مَّقْصُورَتٌ فِى أَنِيَامِ
فَبِأَيِّءَ الَآءِرَبِّكَا تُكَذِبَادِ ﴿ لَمْ يَطْمِتْهُنَّ إِنسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَاتٌ (
وانتها.ها هو السواد، فان الأبيض يقبل كل لون والأسود لا يقبل شيئاً من الألوان، ولهذا يطلق
الكافر على الاسود . ولا يطلق على لون آخر ، ولما كانت الخالية عن الزرع متصفة بالبياض
واللاغالية بالسواد فهذا يدل على أنهما تحت الأوليين مكاناً، فهم إذا نظروا إلى ما فوقهم، يرون
الأفنان تظلهم ، وإذا نظروا إلى ما تحتهم يرون الأرض مخضرة، وقوله تعالى (فيهما عينان نضاختان)
أى فارتان ماؤهما متحرك إلى جهة فوق، وأما العينان المتقدمتان فتج يان إلى صوب المؤمنين
فكلاهما حر كتهما إلى جهة مكان أهل الإيمان ، وأما قول صاحب الكشاف النضخ دون الجرى
فغير لازم لجواز أن يكون الجرى يسيراً والنضخ قوياً كثيراً، بل المراد أن النضخ فيه الحركة إلى
جهة العلو ، والعينان فى مكان المؤمنين ، فحركة الماء تكون إلى جهتهم ، فالعينان الأوليان فى مكانهم
فتكون حركة مائهما إلى صوب المؤمنین حریاً .
وأما قوله تعالى ﴿ فيهما فاكمة ونخل ورمان، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ فهو كقوله تعالى
( فيهما من كل فاكهة زوجان ) وذلك لأن الفاكهة أرضية نحوه البطيخ وغيره من الأرضيات
المزروعات وشجرية نحو النخل وغيره من الشجريات فقال (مدهاستان) بأنواع الخضر التى منها
الفواكه الأرضية وفيهما أيضاً الفواكه الشجرية وذكر منها نوعين وهما الرمان والرطب لأنهما
متقابلان فأحدهما حلو والآخر غير حلو. وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة
وغذاء، والآخر فاكهة ، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد البارة ،
وأحدهما أشجاره فى غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز وما لا يؤكل
كامن، والآخر بالعكس فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى مابينهما ، كما قال
( رب المشرقين ورب المغربين ) وقدمنا ذلك.
ثم قال تعالى :﴿ فيهن خيرات حسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان) أى فى باطنهن الخير وفى
ظاهرهرن الحسن والخيرات جمع خيرة. وقد بينا أن فى قوله تعالى ( قاصرات الطرف) إلى
أن قال (كأنهن) إشارة إلى كونهن حساناً .
قوله تعالى : ﴿ حور مقصورات فی الخیام ، فبأی آلا. ربكما تكذبان، لم يطمثهن إنس قبلهم

١٣٦
قوله تعالى : متکیئن علی رفرف خضر. سورة الرحمن.
فَإِّءَالَآءَرَبِّكُ تُكَذِّبَانِ (٥َ مُتْكِينَ عَ رَفْرَفِ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ () فَأِيّ
ءَالَآءِ رَبْكُاَ تُكَذِّبَانِ
ولا بان ، فبأی آلا. ربكما تكذبان
إشارة إلى عظمتهن فإنهن ما قصرن حجراً عليهن ، وإنما ذلك إشارة إلى ضرب الخيام لهن
وإدلاء ألستر عليهن، والخيمة مبات الرجل كالبيت من الخشب، حتى أن العرب تسمى البيت من
الشعر خيمة لأنه معد للاقامة، إذا ثبت هذا فنقول: قوله (مقصورات فى الخيام) إشارة إلى
معنى فى غاية اللطف ، وهو أن المؤمن فى الجنة لا يحتاج إلى التحرك اشىء وإنما الأشياء تتحرك
إليه فالمأكول والمشروب يصل إليه من غير حركة منه، ويطاف عليهم بما يشتهونه فالحور يكن
فى بيوت ، وعند الانتقال إلى المؤمنين فى وقت إرادتهم تسير بهن للارتحال إلى المؤمنين خيام
وللمؤمنين قصور تنزل الحور من الخيام إلى القصور، وقوله تعالى ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا
جان ) قد سبق تفسيره .
قوله تعالى: ﴿ إمتکتین علی رفرف خضر وعبقرى حسان ، فبأى آلا. ربكما تكذبان
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ما الحكمة فى تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم فى هذا الموضع مع
أنه تعالى قدم ذكر أنكائهم على ذكر نسائهم فى الجنتين المتقدمتين حيث قال (متكئين على فرش)
ثم قال (قاصرات الطرف) وقال ههنا ( فيهن خيرات حسان) ثم قال (متكئين) ؟ والجواب
عنه من وجهين (أحدهما) أن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم منعمون دائماً لكن الناس
فى الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستفيض وعند قضاء وطره يستعمل الاغتسال
والانتشار فى الأرض للكسب، ومنهم من يكون متردداً فى طلب الكسب وعند تحصيله يرجع
إلى أهله ويريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازماً قبل قضاء الوطر أو بعده
فالله تعالى قال فى بيان أهل الجنة متكئين قبل الاجتماع بأملهم وبعد الاجتماع كذلك، ليعلم أنهم
دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع ولا بعد الاجتماع (وثانيهما) هو أنا بينا فى
الوجهين المتقدمين أن الجنتين المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا والمتأخرين لذرياتهم الذين
ألحقوا بهم ؛ فهم فيها وأهلهم فى الخيام منتظرات قدوم أزواجهن، فإذا دخل المؤمن جنته التى
هى سكناه يتكى. على الفرش وتنتقل إليه أزواجه الحسان ، فكونهن فى الجنتين المتقدمتين بعد
اتكائهم على الفرس ، وأما كونهم فى الجنتين المتأخرتين فذلك حاصل فى يومنا، وانكاء المؤمن
غير حاصل فى يومنا، فقدم ذكر كونهن فيهن هنا وأخره هناك. ومتكئين حال والعامل فيه

١٣٧
قوله تعالى : متكيئن على رفرف خضر. سورة الرحمن.
مادل عليه قوله ( لم يطمثهن إنس قبلهم) وذلك فى قوة الاستثناء كأنه قال لم يطمثهن إلا المؤمنون
فإنهم يطمثوهن متكتين وما ذكرنا من قبل فى قوله تعالى (متكئين على فرش ) يقال هنا.
﴿ المسألة الثانية﴾ الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من نضارته فيكون
مناسباً لقوله تعالى (مدهامتان) ويكون التقدير أنهم متكنون على الرياض والثياب العبقرية، وإما
أن يكون من رفرفة الطائر ، وهى حومة فى الهواء حول مايريد النزول عليه فيكون المعنى أنهم على
بسط مرفوعة كما قال تعالى ( وفرش مرفوعة) وهذا يدل على أن قوله تعالى (ومن دونهما جنتان)
أنهما دونهما فى المكان حيث رفعت فرشهم، وقوله تعالى (خضر) صيغة جمع فالرفرف يكون جمعاً
لكونه اسم جنس ويكون واحده رفرفة كنظلة وحنظل والجمع فى متكئين يدل عليه فانه لما قال
(متكئين) دل على أنهم على رفارف .
﴿ المسألة الثالثة) ما الفرق بين الفرش والرفرف حيث لم يقل رفارف اكتفاء بما يدل عليه
قوله ( متكئين) وقال (فرش) ولم يكتف بما يدل عليه ذلك ؟ نقول جمع الرباعى أثقل من جمع
الثلاثى، ولهذا لم يجىء للجمع فى الرباعى إلا مثال واحد وأمثلة الجمع فى الثلاثى كثيرة وقد قرى .:
على رفارف خضر ، ورفارف خضار وعباقر .
﴿ المسألة الرابعة﴾ إذا قلنا إن الرفرف هى البسط فما الفائدة فى الخضر حيث وصف تعالى
ثياب الجنة بكونها خضراً قال تعالى ( ثياب سندس خضر)؟ نقول ميل الناس إلى اللون الأخضر
فى الدنيا أكثر، وسبب الميل إليه هو أن الألوان التى يظن أنها أصول الألوان سبعة وهى الشفاف
وهو الذى لا يمنع نفوذ البصر فيه ولا يحجب ما وراءه كالزجاج والماء الصافى وغيرهما ثم
الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم الأسودوالأظهر أن الألوان الأصلية
ثلاثه الأبيض والأسود وبينهما غاية الخلاف والأحمر متوسط بين الأبيض والأسود فان الدم خلق
على اللون المتوسط، فإن لم تكن الصحة على ما ينبغى فإن كان لفر ط البرودة فيه كان أبيض وإن كان لفرط
الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الآخر فالأبيض إدا امتزج بالأحمر حصل
الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم وغيره من الأشياء الخمر وإذا امتزج الأبيض بالأسود
حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط الجص المدقوق بالفحم وإذا امتزح الأحمر بالأسود حصل الأزرق
أيضاً لكنه إلى السواد أميل، وإذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفروالأزرق
وقد علم أن الأصفر من الأبيض والأحمر والأزرق من الأبيض والأسود والأحمر والأسود
فالا خضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه لكونه مشتملا على الألوان
الأصلية وهذا بعيد جداً والأقرب أن الأبيض يفرق البصر ولهذالا يقدر الإنسان على إدامة النظر
فى الارض عند كونها مستورة بالثلج وإنه يورث الجهر والنظر إلى الأشياء السود يجمع البصر
ولهذا كره الإنسان النظر إليه وإلى الأشياء الخمر كالدم والاخضر لما اجتمع فيه الأمور الثلاثة
دفع بعضها أذى بعض وحصل اللون الممتزج من الأشياء التى فى بدن الإنسان وهى الأحمر

-
١٣٨
قوله تعالى : تبارك اسم ربك. سورة الرحمن.
VA
تَبَارَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلَالِ وَالْإِعْرَامِ
والأبيض والأصفر والأسود ولما كان ميل النفس فى الدنيا إلى الأخضر ذكر الله تعالى فى الآخرة
ماهر على مقتضى طبعه فى الدنيا .
﴿ المسألة الخامسة﴾ العبقرى منسوب إلى عبقر وهو عند العرب موضع من مواضع الجن
فالثياب المعمولة عملا جيداً يسمونها عبقريات مبالغة فى حسنها كأنها ليست من عمل الإنس ،
ويستعمل فى غير الثياب أيضاً حتى يقال للرجل الذى يعمل عملا عجيباً هو عبقرى أي من ذلك
البلد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام الذى رآه ((فلم أرعبقرباً من الناس يفری فریه)) واكتفى
بذكر اسم الجنس عن الجمع ووصفه بما توصف به الجموع فقال حسان وذلك لما بينا أن جميع الرباعى
يستثقل بعض الاستثقال، وأما من قرأ (عباقرى) فقد جعل اسم ذلك الموضع عباقر فإن زعم
أنه جمعه فقد وهم ، وإن جمع العبقرى ثم نسب فقد التزم تكلفاً خلاف ما كلى الأدباء التزامه فإنهم
فى الجمع إذا نسبوا ردود إلى الواحد وهذا القارى. تكلف فى الواحد ورده إلى الجمع ثم نسبه لآن
عند العرب ليس فى الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع ويقال عباقر، فهذا تكلف الجمع فيما لا جمع
له ثم نسب إلى ذلك الجمع والأدباء تكره الجمع فيما ينسب لئلا يجمعوا بين الجمع والنسبة.
قوله تعالى : ﴿ تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى الترتيب وفيه وجوه (أحدها) أنه تعالى لما ختم نعم الدنيا بقوله تعالى
(ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ختم نعم الآخرة بقوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال
والإكرام ) إشارة إلى أن الباقى والدائم لذاته هو الله تعالى لاغير والدنيا فانية، والآخرة وإن
كانت باقية لكن بقاؤها بابقاء اللّه تعالى ( ثانيها) هو أنه تعالى فى أواخر هذه السور كلها ذكر اسم
اللّه فقال فى السورة التى قبل هذه (عند مليك مقتدر) وكون العبد عند الله من أتم النعم كذلك ههنا
بعد ذكر الجنات وما فيها من النعم قال (تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام) إشارة إلى أن
أتم النعم عند الله تعالى، وأكمل اللذات ذكر الله تعالى، وقال فى السورة التى بعد هذه (فروح
وريحان وجنة نعيم ) ثم قال تعالى فى آخر السورة ( فسبح باسم ربك العظيم) ( ثالثها) أنه تعالى
ذكر جميع اللذات فى الجنات، ولم يذكر لذة السماع وهى من أتم أنواعها، فقال (متكئين على
رفرف خضر) يسمعون ذكر الله تعالى.
﴿ المسألة الثانية﴾ أصل التبارك من البركة. وهى الدوام والثبات، ومنها بروك البعير وبركة الماء،
فإن الماء يكون فيها دائماً وفيه وجوه (أحدها) دام اسمه وثبت (وثانيها) دام الخير عنده لأن البركة
وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل فى الخير ( وثالثها) تبارك بمعنى علا وارتفع شأناً لا مكاناً.

١٣٩
قوله تعالى : تبارك اسم ربك. سورة الرحمن.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعد ذكر نعم الدنيا ( ويبقى وجه ربك) وقال بعد ذكر نعم الآخرة
(تبارك اسم ربك) لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شىء من الممكنات وفنائها
فى ذواتها ، واسم اللّه تعالى ينفع الذاكرين ولا ذاكر هناك يوحد الله غاية التوحيد فقال ويبقى
وجه الله تعالى والإشارة هنا، وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء اللّه ذاكرين إسم الله متلذذين به
فقال ( تبارك اسم ربك ) أى فى ذلك اليوم لا يبقى إسم أحد إلا اسم الله تعالى به تدور الألن
ولا يكون لأحد عند أحد حاجة بذكره ولا من أحد خوف، فإن تذاكروا تذا کروا باسم الله.
﴿ المسألة الرابعة﴾ الاسم مقحم أو هو أصل مذكورله التبارك، نقول فيه وجهان (أحدهما)
وهو المشهور أنه مقحم كالوجه فى قوله تعالى (ويبقى وجه ربك) يدل عليه قوله (فتبارك الله أحسن
الخالقين) و (تبارك الذى بيده الملك ) وغيره من صور استعمال لفظ تبارك (وثانيها) هو أن الاسم
تبارك، وفيه إشارة إلى معنى بليغ ، أما إذا قلنا تبارك بمعنى علا فمن علا اسمه كيف يكون مسماه
وذلك لأن الملك إذا عظم شأنه لا يذكر اسمه إلا بنوع تعظيم ثم إذا انتهى الذاكرإليه يكون تعظيمه
له أكثر، فان غاية التعظيم للاسم أن السامع إذا سمعه قام كما جرت عادة الملوك أنهم إذا سمعوا فى
الرسائل اسم سلطان عظيم يقومون عند سماع اسمه، ثم إن أقام السلطان بنفسه بدلا عن كتابه الذى
فيه اسمه يستقبلونه ويضعون الجباه على الأرض بين يديه، وهذا من الدلائل الظاهرة على أن علو
الاسم يدل على علو زائد فى المسمى ، أما إن قلنا بمعنى دام الخير عنده فهو إشارة إلى أن ذكر اسم
الله تعالى يزيل الشر ويهرب الشيطان ويزيد الخير ويقرب السعادات، وأما إن قلنا بمعنى دام اسم
الله ، فهو إشارة إلى دوام الذا كرين فى الجنة على ما قلنا من قبل .
المسألة الخامسة ﴾ القراءة المشهورة ههنا ( ذی الجلال) وفى قوله تعالى ( و بیقی وجه ربك
ذو الجلال ) لأن الجلال للرب، والاسم غير المسمى، وأما وجه الرب فهو الرب فوصف هناك
الوجه ووصف ههنا الرب دون الاسم ولو قال ويقى الرب لتوهم أن الرب إذا بقي رباً فله فى ذلك
الزمان مربوب، فإذا قال وجه أنسى المزبوب حصل القطع بالبقاء للحق فوصف الوجه يفيد هذه
الفائدة، والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه.

١٤٠
سورة الواقعة
(٥٦) سورة الواقِعَةْ مَكِيَّة
وَآيَاتِهَاسِتْ وَتَّسْ مُجُونَ
:
بشـ
إِلّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقَعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٣) خَافِضَةٌ رَاضِيَةُ (#)
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى : ﴿ إذا وقعت الواقعة ليس لو قعتها كاذبة خافضة رافعة
أما تعلق هذه السورة بما فيلها ، فذلك من وجوه (أحدها) أن تلك السورة مشتملة على تجديد
النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه عن التكذيب كمامر، وهذه السورة مشتملة على ذكر
الجزاء بالخير لمن شكر وبالشر لمن كذب وكفر (ثانيها) أن تلك السورة متضمنة التنبيهات بذكر
الآلاء فى حق العباد، وهذه السورة كذلك لذكر الجزاء فى حقهم يوم التناد (ثالثها) أن تلك السورة
سورة إظهار الرحمة وهذه السورة سورة إظهار الهيبة على عكس تلك السورة مع ما قبلها، وأما
تعلق الأول بالآخر ففى آخر تلك السورة إشارة إلى الصفات من باب النفي والإثبات، وفى أول
هذه السورة إلى القيامة وإلى ما فيها من المثوبات والعقوبات ، وكل واحد منهما يدل على على اسمه
وعظمة شأنه، وكمال قدرته وعز سلطانه. ثم فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ ففى تفسيرها جملة وجوه (أحدها) المراد إذا وقعت القيامة الواقعة أو
الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكن أحد من إنكارها ، ويبطل عناد المعاندين فتخفض
الكافرين فى دركات النار، وترفع المؤمنين فى درجات الجنة ، هؤلاء فى الجحيم وهؤلاء فى النعيم
(الثانى) (إذا وقعت الواقعة) تزلزل الناس، فتخفض المرتفع، وترفع المنخفض، وعلى هذا فهى
كقوله تعالى ( نجعلنا عاليها سافلها) فى الإشارة إلى شدة الواقعة، لأن العذاب الذى جعل العالى
سافلا بالهدم ، والسافل عالياً حتى صارت الأرض المنخفضة كالجبال الراسية ، والجبال الراسية
كالأرض المنخفضة أشد وأبلغ، فصارت البروج العالية مع الأرض متساوية ، والواقعة التى تقع
ترفع المنخفضة فتجعل من الأرض أجزاء عالية . ومن السماء أجزاء سافلة ، ويدل عليه قوله تعالى
( إذا رجت الأرض رجاً)، (وبست الجبال بساً) فإنه إشارة إلى أن الأرض تتحرك بحركة
مزعجة، والجبال تتفتت ، فتصير الأرض المنخفضة كالجبال الراسية ، والجبال الشامخة كالأرض
السافلة، كما يفعل هبوب الريح فى الأرض المرملة (الثالث) (إذا وقعت الواقعة ) يظهر وقوعها