النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
قوله تعالى : إن هو إلا وحي يوحى . سورة النجم .
٠٬٠٠٠
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (3)
اختلى بنفسه ورأى منامه (ما رأى) ( وما ينطق عن الهوى) الآن حيث أرسل إليكم وجعل
رسولا شاهداً عليكم ، فلم يكن أولا ضالا ولا غاوياً، وصار الآن منقذاً من الضلالة ومرشداً
وهادياً. وأما على ماذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه
الصيغة؟ نقول بلى، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله فى صغره عن الكفر، والمعايب
القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى (ماضل) فى صغره ، لأنه لا ينطق عن
الهوى، وأحسن ما يقال فى تفسير (الهوى) أنها المحبة، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته
لكن الحروف التى فى هوى تدل على الدنى والنزول والسقوط ومنه الهاوية ، فالنفس إذا كانت
دنيئة، وتركت المعالى وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء، ولو
قلت أهواه بقلبى لزال مافيه من السفالة، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم
ي-تعمل الهوى إلا فى المواضع الذى يخالف المحبة، فإنها مستعملة فى موضع المدح، والذى يدل
على ما ذكرنا قوله تعالى ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ) إلى قوله ( ونهى النفس عن الهوى)
إشارة إلى علو مرتبة النفس .
قوله تعالى: ﴿ إن هو إلا وحي يوحى﴾ بكلمة البيان، وذلك لأنه تعالى لما قال ( وما ينطق
عن الهوى) كأن قائلا قال: فيماذا ينطق أعن الدليل أو الاجتهاد ؟ قال لا، وإنما ينطق عن الله
بالوحى ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (إن) استعملت مكان ما للنفى، كما استعملت ما للشرط مكان إن، قال
تعالى ( مانفسخ من آية أو نفسها نأت بخير منها) والمشابهة بينهما من حيث اللفظ والمعنى ، أما
اللفظ فلأن إن من الهمزة والنون، وما من الميم والألف ، والألف كالهمزة والنون كالميم ، أما
الأول فبدليل جواز القلب ، وأما الثانى فيدليل جواز الادغام ووجوبه، وأما المعنى فلأن إن تدل
على النفى من وجه، وعلى الإثبات من وجه، ولكن دلالتها على النفى أقوى وأبلغ، لأن الشرط
والجزاء فى صورة استعمال لفظة إن يجب أن يكون فى الحالة معدوماً إذا كان المقصود الحث أو
المنع، تقول إن تحسن فلك الثواب، وإن تسىء ذلك العذاب، وإن كان المراد بيان حال القسمين
المشكوك فيهما كقولك : إن كان هذا الفص زجاجاً فقيمته نصف، وإن كان جوهراً فقيمته
ألف، فههذا وجود شىء منهما غير معلوم وعدم العلم حاصل، وعدم العلم ههنا كعدم الحصول فى
الحث والمنع، فلا بد فى صور استعمال إن عدم، إما فى الأمر، وإما فى العلم، وإما الوجود فذلك
عند وجود الشرط فى بيان الحال، ولهذا قال النحاة: لا يحبن أن يقال إن أحمر البسر آتيك، لان
ذلك أمر سيوجد لا محالة، وجوزوا استعمال إن فيما لا يوجد أصلا، يقال فى قطع الرجاء

٢٨٢
قوله تعالى : إن هو إلا وحي يوحى . سورة النجم .
إن ابيض القار تغلبنى، قال الله تعالى (فإن استقر مكانه فسوف ترانى) ولم يوجد الاستقرار ولا
الرؤية ، فعلم أن دلاله على النفي أتم ، فإن مدلوله إلى مدلول ما أقرب فاستعمل أحدهما مكان
الآخر هذا هو الظاهر، وما يقال إن وما، حرفان نافيان فى الأصل ، فلا حاجة إلى الترادف .
﴿ المسألة الثانية﴾ هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور، نقول فيه وجهان (أشهرهما) أنه ضمير
معلوم وهو القرآن، كأنه يقول: ما القرآن إلا وحى، وهذا على قول من قال النجم ليس المراد
منه القرآن، وأما على قول من يقول هو القرآن فهو عائد إلى مذكور ( والوجه الثانى) أنه عائد
إلى مذكور ضمناً وهو قول النبى مريم وكلامه وذلك لأن قوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى) فى
ضمنه النطق وهو كلام وقول فكأنه تعالى يقول وما كلامه وهو نطقه إلا وحى وفيه وجه آخر أبعد
وأدق، وهو أن يقال قوله تعالى ( ماضل صاحبكم) قد ذکر أن المراد منه فى وجه أنه ما جن.
وما مسه الجن فليس بكاهن، وقوله (وما غوى) أى ليس بينه وبين الغواية تعلق، فليس. بشاعر ،
(فإن الشعراء يتبعهم الغاوون)، وحينئذ يكون قوله. (وما ينطق عن الهوى) ردا عليهم حيث قالوا
قوله ( قوله كاهن) وقالوا قوله (قول شاعر ) فقال ما قوله (إلا وحى) وليس بقول (كاهن)
ولا (شاعر) كما قال تعالى (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاماتذكرون).
المسألة الثالثة ﴾ الوحى اسم أو مصدر، نقول يحتمل الوجهين ، فإن الوحى اسم معناه
الكتاب ومصدر وله معان منها الإرسال والإلهام ، والكتابة والكلام والاشارة والإفهام
فإن قلنا هو ضمير القرآن، فالوحى اسم معناه الكتاب كأنه يقول ، ما القرآن إلا كتاب ويوحى
بمعنى يرسل، ويحتمل على هذا أيضاً أن يقال هو مصدر، أى ما القرآن إلا إرسال وإلهام، بمعنى
المفعول أى مرسل، وإن قلنا المراد من قوله (إن هو) قوله وكلامه فالوحى حينئذ هو الإلهام ملهم
من الله، أو مرسل و فيه مباحث :
﴿البحث الأول) الظاهر خلاف ما هو المشهور عند بعض المفسرين وهو أن النبى مما؟
ما كان ينطق إلا عن وحى، ولا حجة لمن توهم هذا فى الآية ، لأن قوله تعالى (إن هو إلا وحى
يوحى) إن كان ضمير القرآن فظاهر وإن كان ضميراً عائداً إلى قوله فالمراد من قوله هو القول
الذى كانوا يقولون فيه إنه قول شاعر، ورد اللّه عليهم فقال ( ولا بقول شاعر) وذلك القول هو
القرآن، وإن قلنا بما قالوا به فينبغى أن يفسر الوحى بالإلهام .
﴿البحث الثانى) هذا يدل على أنه مع اليه لم يجتهد وهو خلاف الظاهر، فإنه فى الحروب
اجتهد وحرم ما قال اللّه لم يحرم وأذن لمن قال تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، نقول على
ما ثبت لاتدل الآية عليه .
(البحث الثالث) يدجر حت ل أن يكون منمح يرس ويختما، أن يكون من أوحى
یرجی ، تقول عدم بعدم ، وأعدم یعدم و کذلك علم یعلم وأعلم يعلم فنقول یوحی من أو جى لا من
وحى، وإن كان وحى وأوحى كلاهما جاء بمعنى ولكن الله فى القرآن عند ذكر المصدر لم يذكر

٢٨٣
٠
قوله تعالى : إن هو إلا وحي يوحى سورة النجم
الإيحاء الذى هو مصدر أوحى، وعند ذكر الفعل لم يذكر وحى، الذى مصدره وحى ، بل قال
عند ذكر المصدر الوحی ، وقال عند ذکر الفعل (أو حی) و کذلك القول فی أحب وحب فإن
حب وأحب بمعنى واحد، والله تعالى عند ذكر المصدر لم يذكر فى القرآن الإحباب ، وذكر
الحي الى (أو أشد حباً) وعند الفعل لم يقل حبه الله بل قال ( يحبهم ويحبونه)، وقال (أيحب
أحدكم) وقال ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) إلى غير ذلك وفيه شبر من علم الصرف وهو
أن المصدر والفعل الماضى الثلاثى فيهما خلاف قال بعض علماء الصرف المصدر مشتق من الفعل
الماضى، والماضى هو الأصل، والدليل عليه وجهان، لفظى ومعنوى :
أما اللفظى فإنهم يقولون مصدر فعل يفعل إذا كان متعدياً فعلا بسكون العين، وإذا كان لازماً
فعول فى الأكثر، ولا يقولون الفعل الماضى من فعول فعلى، وهذا دليل ما ذكرنا.
وأما المعنوى فلأن مايوجد من الأمور لا يوجد إلا وهو خاص وفى ضمنه العام مثاله الإنسان
الذی یوجد و یتحقق یکون زیداً أن عمراً أو غيرهما ، ویکون فی ضمنه أنه هندی أوترکی وفى ضمن
ذلك أنه حيوان وناماق ، ولا يوجد أولا إنسان ثم يصير تركياً ثم يصير زيداً أو عراً .
إذا علمت هذا فالفعل الذى يتحقق لا ينفك من أن يكون ماضياً أو مستقبلا وفى ضمنه أنه فعل
مع قطع النظر عن مضنيه واستقباله مثاله الضرب إذا وجد فأما أن يكون قد مضى أو بعد لم يمض ،
والأول ماض والثانى حاضر أو مستقبل، ولا يوجد الضرب من حيث أنه ضرب عالياً عن المضى
والحضور والاستقبال، غير أن العاقل يدرك من فعل وهو يفعل الآن وسيفعل غداً أمراً مشتركا
فيسميه فعلا ، كذلك يدرك فى ضرب وهو يضرب الآن وسيضرب غداً أمراً مشتركافيسميه ضرباً
فضرب يوجد أولا ويستخرج منه الضرب، والألفاظ وضعت لأمور تتحقق فيها فيعبر بها عنها
والأمور المشترکه لا تتحقق إلا فی ضمن أشیاء أخر، فالوضع أولا لما يوجد منه لا يدرك منه قبل
الضرب، وهذا ما يمكن أن يقال لمن يقول الماضى أصل والمصدر مأخوذ منه. وأما الذى يقول
المصدر أصل والماضى مأخوذ منه فله دلائل منها أن الاسم أصل ، والفعل متفرع، والمصد اسم ،
ولأن المصدر معرب والمناضى مبنى، والإعراب قبل البناء ولأن قال وقال ، وراع وراع، إذا
أردنا الفرق بينهما نرد أبنيتهما إلى المصدر فنقول قال الألف منقلبة من وأو بدليل القول ، وقال
ألفه منقلبة من ياء بدليل القبل وكذلك الروح والريع. وأما المعقول فلأن الألفاظ وضعت للأمور
التى فى الأذهان ، والعام قبل الخاص فى الذهن ، فان الموجود إذا أدرك يقول المدرك هذا الموجود
جوهر أو عرض فاذا أدرك أنه جوهر يقول إنه جسم أو غير جسم عند من يجعل الجسم جوهراً
وهو الأصح الأظهر، ثم إذا أدرك كونه جسما يقول هوتام وكذلك الأمر إلى أن ينتهى إلى أخص
الأشياء إن أمكن الانتهاء إليه بالتقسيم، فالوضع الأول الفعل وهو المصدر من غير زيادة، ثم إذا
انضم إليه زمان تقول: ضرب أو سيضرب فالمصدر قبل الماضى، وهذا هو الأصح، إذا علمت
هذا فنقول على مذهب من يقول المصدر فى الثلاثى من الماضى فالحب وأحب كلاهما فى درجة

٢٨٤
قوله تعالى : علمه شديد القوى . سورة النجم .
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى
٥
واحدة لأن كليهما من حب يحب والمصدر من الثلاثى قبل مصدر المنشعبة بمرتية، وعلى عدد من
يقول الماضى فى الثلاثى مأخوذ من المصدر فالمصدر الثلاثى قبل المصدر فى المنشعبة بمر تبتين فاستعمل
•صدر الثلاثى لأنه قبل مصدر المنشعبة ، وأما الفعل فى أحب وأوحى فلآن الألف فيهما تفيد فائدة
لا يفيدها الثلاثى المجرد لأن أحب أدخل فى التعدية وأبعد عن توهم اللزوم فاستعمله.
المسألة الرابعة﴾ ( إن هو إلا وحى) أبلغ من قول القائل هووجى، وفيه فائدة غير المبالغة
وهى أنهم كانوا يقولون هو قول كاهن، هو قول شاعر فأراد نفى قولهم . وذلك يحصل بصيغة النفى
فقال ما هو كما يقولون وزاد فقال: بل هو وحى ، وفيه زيادة فائدة أخرى وهو قوله (يوحى)
ذلك كقوله تعالى (ولا طائر يطير بجناحيه) وفيه تحقيق الحقيقة فان الفرس الشديد العدو ربما يقال
هو طائر فاذا قال يطير بجناحيه يزيل جواز المجاز ، كذلك يقول بعض من لا يحترز فى الكلام
ويبالغ فى المبالغة كلام فلان وحى، كما يقول شعره سحر ، وكما يقول قوله معجزة ، فإذا قال يوحى
یزول ذلك الجاز أو يبعد.
ثم قال تعالى ﴿ عليه شديد القوى﴾ وفيه وجهان أشهرهما عند المفسرين أن الضمير فى علمه
عائداً إلى الوحى أى الوحى علمه شديد القوى والوحى إن كان هو الكتاب فظاهر و إن كان الإلهام
فهو كقوله تعالى ( نزل به الروح الأمين) والأولى أن يقال الضمير عائد إلى محمد صلى الله عليه
وسلم تقديره على محمد شديد القوى جبريل وحينئذ يكون عائداً إلى صاحبكم، تقديره على صاحبكم
وشديد القوى هو جبريل، أى قواه العلمية والعملية كلها شديدة فيعلم ويعمل، وقوله (شديد
القوى) فيه فوائد (الأولى) أن مدح المعلم مدح المتعلم فلو قال علمه جبريل ولم يصفه ما كان
يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة (الثانية) هى أن فيه رداً عليهم حيث قالوا أساطير
الأولين سمعها وقت سفره إلى الشام ، فقال لم يعلمه أحد من الناس بل معلمه شديد القوى ،
والإنسان خلق ضعيفاً وما أوتى من العلم إلا قليلا (الثالثة) فيه وثوق بقول جبريل عليه السلام
فقوله تعالى ( علمه شديد القوى) جمع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول
القائل لأنا إن ظننا بواحد فساد ذهن ثم نقل إلينا عن بعض الأكابر مسألة مشكلة لا نثق بقوله
ونقول هومافهم ماقال ، وكذلك قوة الحفظ حتى لانقول أدركها لكن نسيها وكذلك قوة الأمانة
حتى لا نقول حرفها وغيرها فقال (شديد القوى) ليجمع هذه الشرائط فيصير كقوله تعالى
(ذى قوة عند ذى العرش مكين) إلى أن قال (أمين)، (الرابعة) فى تسلية النبى معَ له وهى من
حيث إن الله تعالى لم يكن مختصاً بمكان فنسبته إلى جبريل كنسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم
فاذا علم بواسطته يكون نقصاً عن درجته فقال ليس كذلك لأنه شديد القوى يثبت لمكالمتنا وأنت

٢٨٥
قوله تعالى : ذو مرة فاستوى . سورة النجم .
ذُومَِّةٍ فَاسْتَوى
٧
وَهُوَ بِآلْأَفُقِ الْأَعْلَ
٦
بعد ما المستويت فتكون كمريبى حيث خر فكانه تعالى قد عليه بواسطة ثم علمه من غير واسطة كما
قال تعالى ( وعدك مالم تكن تعلم) وقال صلى الله عليه وسلم ((أدنى. ربى فأحسن تأديبى)).
ثم قال تعالى ﴿ذو مرة فاستوى) وفى قوله تعالى (ذو مرة) وجره: (أحدها) ذو قوة
( ثانيها) ذو كمال فى العقل والدين جميعاً ( ثالثها) ذو منظر وهيبة عظيمة ( رابعها) ذو خلق حسن
فإن قيل على قولنا المراد ذو قرة قد تقدم بیان كونه ذا قوى فى قوله (شديد القوى) فكيف نقول
قواه شديدة وله قوة؟ نقول ذلك لا يحسن إن جاء وصفاً بعد وصف ، وأما إن جاء بدلا لا يجوز
كأنه قال: علمه ذو قوة وترك شديد القوى فليس وصفاً له. وتقديره: ذو قوة عظيمة أو كاملة وهو
حينئذ كقوله تعالى ( إنه لقول رسول كريم، ذى قوة عند ذى العرش مكين) فكانه قال : علمه
ذو قوة فاستوى ، والوجه الآخر فى الجواب هو أن إفراد قوة بالذكر ربما يكون لبيان أن قواه
المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله بها، يقال: فلان كثير المال، وله مال لا يعرفه أحد
أى أمواله الظاهرة كثيرة وله مال باطن ، على أنا نقول المراد ذو شدة وتقديره : عليه من أوأه
شديدة وفى ذاته أيضاً شدة ، فإن الإنسان ربما تكون قواه شديدة وفى جسمه صغر وحقارة
ورخاوة، وفيه لطيفة وهى أنه تعالى أراد بقوله ( شديد القرى) قوته فى العلم .
ثم قال تعالى (ذومرة) أى شدة فى جسمه فقدم العلمية على الجسمية كما قال تعالى (وزاده
بسطة فى العلم والجسم) وفى قوله (فاستوي) وجهان المشهور أن المراد جبريل أى فاستوى جبريل
فى خلقه .
ثم قال تعالى ﴿ وهو بالأفق الأعلى ﴾ والمشهور أن هو ضمیر جبريل و تقديره استوى كما خلقه
اللّه تعالى بالأفق الشرقى، فسد المشرق لعظمته، والظاهر أن المراد محمد صلى الله عليه وسلم معناه
استوى بمكان وهو بالمكان العالى رتبة ومنزلة فى رفعة القدر لا حقيقة فى الحصول فى المكان ،
فإن قیل کیف بحوزهذا والله تعالى يقول (واقدرآه بالأفق المبين) إشارة إلى أنه رأى جبريل بالأفق
المبين؟ نقول وفى ذلك الموضع أيضاً نقول كما فلنا ههنا إنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وهو
بالأفق المبين يقول القائل رأيت الهلال فيقال له أين رأيته فيقول فوق السطح أى أن الرائى فوق
السطح لا المرئى و (المين) هو الفارق من أبان أى فرق، أى هو بالأفق الفارق بين درجة الإنسان
ومنزلة الملك فإنه صلى الله عليه وسلم انتهى وبلغ الغاية وصار نياً كما صار بعض الأنبياء نياً يأتيه
الوحى فى نومه وعلى هيئته وهو واصل إلى الأفق الا على والانق الفارق بين المنزلنین ، فإن قيل
ما بعده يدل على خلاف ما تذهب إليه، فإن قوله (ثم دنا فتدلى) إلى غير ذلك، وقوله تعالى (ولقد
رآه نزلة أخری عند سدرة المنتهى ) كل ذلك يدل على خلاف ما ذكر ته؟ نقول سنبین موافقتهلما

٢٨٦
قوله تعالى : ثم دنَا متدلى . سورة النجم .
٠٤ ٢٠٤
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَى اللّ
ذكرنا إن شاء الله فى مواضعه عند ذكر تفسيره ، فإن قيل الأحاديث تدل على خلاف ما ذكرته
حيث ورد فى الأخبار أن جبريل صلى الله عليه وسلم أرى التى زائم نفسه على صورته فسد المشرق
فتقول نحن ما قلنا إنه لم يكن وليس فى الحديث أن الله تعالى أراد بهذه الآية تلك الحكاية حتى يلزم
مخالفة الحديث، وإنما نقول أن جبريل أرى النبى مؤتم نفسه مرتين وبسط جناحيه وقد مقر الجانب
الشرقی وسده ، لكن الآية لم ترد لبيان ذلك .
ثم قال تعالى ﴿ ثم دناء فتدلى) وفيه وجوه مشهورة (أحدها) أن جبريل دنا من النبى صلى
الله عليه وسلم أى بعد ما مد حناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التى كان يعتاد النزول عليها وقرب
من النبى صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ففى (تدلى) ثلاثة وجوه (أحدها) فيه تقديم وتأخير تقديره
ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبى مريم (الثانى) الدنو والتدلى بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب
(الثالث) دنا أى قصد القرب من محمد وثم وتحرك عن المكان الذى كان فيه فتدلى فنزل إلى التى
وزيع (الثانى) على ما ذكرنا من الوجه الأخير فى قوله (وهو بالأفق الأعلى) أن محمداً في الم دنا
من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم (فتدل) أى فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيقى
فقال ( أنا بشر مثلكم يوحى إلى) وعلى هذا فنى الكلام کالان كا نه تعالى قال إلا وحى يوحى جبريل
على محمد، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة (الثالث) وهو
ضعيف فيف، وهو أن المراد منه هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان، اللهم إلا
أن يريد القرب بالمنزلة ، وعلى هذا يكون فيه ما فى قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه تعالى
((من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن مشى إلى
أتيته هرولة)) إشارة إلى المعنى المجازى ، وههنا لما بين أن النبى صلى الله عليه وسلم استوى وعلا
فى المنزلة العقلية لا فى المكان الحسى. قال وقرب الله منه تحقيقاً لما فى قوله ((من تقرب إلى ذراعا
تقربت إليه باعا)) .
ثم قال تعالى ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾ أى بين جبرائيل ومحمد عليهما السلام مقدار
قوسين أو أقل ، ورد هذا على استعمال العرب وعادتهم ، فان الأميرين منهم أو الكبيرين إذا
اصطلحا و تعاهداً خرجا بقوسیهما ووتر كل واحد منهما طرف قوسه بطرف قوس صاحبه ومن
دونهما من الرعية يكون كفه بكفه فينهيان باعيهما، ولذلك تسمى مسايعة ، وعلى هذا ففيه لطبقة
وهى أن قوله ( قاب قوسين ) على جعل كونهما كبيرين، وقوله (أو أدنى) لفضل أحدهما على
الآخر ، فإن الأمير إذا بايعه الرعية لا يكون مع المبايع قوس فيصالحه الأمير فكأنه تعالى أخبر
أنهما كأميرين كبيرين فكان بينهما مقدار قوسين أو كان جبرائيل عليه السلام سفيراً بين الله تعالى

٢٨٧
قوله تعالى : فكان قاب قوسين . سورة النجم .
ومحمد صلى الله عليه وسلم فكان كالتبع بمحمد صلى الله عليه وسلم فصار كالمبايع الذى يمد الباع
لا القوس ، هذا على قول من يفضل النبى صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام وهو مذهب
أهل السنة إلا قليلا منهم إذكان جبرائيل رسولا من الله واجب التعظيم والاتباع فصار النبي صلى
الله عليه وسلم عنده كالتبع له على قول من يفضل جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم، وفيه وجه
آخر على ما ذكرنا، وهو أن يكون القوس عبارة عن بعد من قاس يقوس ، وعلى هذا فنقول ذلك
البعد هو البعد النوعى الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه على كل حال كان بشراً، وجبريل
على كل حال كان ملكا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وإن زال عن الصفات التى تخالف صفات
الملك من الشهوة والغضب والجهل والهوى لكن بشريته كانت باقية ، وكذلك جبريل وإن
ترك الكمال واللطف الذى يمنع الرؤية والاحتجاب ، لكن لم يخرج عن كونه ملكا فلم يبق بينهما
إلا اختلاف حقيقتهما، وأما سائر الصفات الممكنة الزوال فزالت عنهما فارتفع النبى صلى الله عليه
وسلم حتى بلغ الأفق الأعلى من البشرية وتدلى جبريل عليه السلام حتى بلغ الأفق الأدنى من
الملكية فتقاربا ولم يبق بينهما إلا حقيقتهما، وعلى هذا ففى فاعل أوحى الأول وجهان (أحدهما)
أن الله تعالى أوحى، وعلى هذا ففى عبده وجهان (أحدهما) أنه جبريل عليه السلام ومعناه
أوحى الله إلى جبريل، وعلى هذا ففى فاعل أوحى الأخير وجهان (أحدهما) اللّه تعالى أيضاً،
والمعنى حينئذ أوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام الذى أوحاه إليه تفخيما وتعظيما للموحى
( ثانيهما) فاعل أوحى ثانياً جبريل ، والمعنى أوحى الله إلى جبريل ما أوحى جبريل إلى كل
رسول ، وفيه بيان أن جبرائيل أمین لم يخن فى شىء ما أوحى إليه ، وهذا كقوله تعالى ( نزل به
الروح الأمين ) وقوله (مطاع ثم أمين) (الوجه الثانى) فى عبده على قولنا الموحى هو الله أنه محمد
صلى الله عليه وسلم معناه أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه التفخيم والتعظيم، وهذا على ماذكرنا من
التفسير ورد على ترتيب فى غاية الحسن ، وذلك لأن محمداً صلى الله عليه وسلم فى الأول حصل فى
الأفق الأعلى من مراتب الإنسان وهو النبوة ثم دنا من جبريل وهو فى مرتبة النبوة فصار رسولا
فاستوى وتكامل ودنا من الأمة باللطف وتدلى إليهم بالقول الرفيق وجعل يتردد مراراً بين
أمته وربه، فأوحى الله إليه من غير واسطة جبريل ما أوحى (والوجه الثانى) فى فاعل أوحى أولا
هو أنه جيريل أوحى أى عبده إلى عبد الله والله معلوم وإن لم يكن مذكوراً وفى قوله تعالى (ويوم
تحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أمؤلا. إيا كم كانوا يعبدون ، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم
بل كانوا يعبدون الجن ) ما يوجب القطع بعدم جواز إطلاق هذا اللفظ على النبى صلى الله عليه
وسلم، وعلى هذا ففاعل أوحى ثانياً يحتمل وجهين (أحدهما) أنه جبريل أى أوحى جبريل إلى
عبد الله ما أوجاه جبريل للتفخيم ( وثانيهما) أن يكون هو الله تعالى أى أوحى جبريل إلى محمد
صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه وفى الذى وجوه. (أولها) الذى أوحى الصلاة.

٢٨٨
قوله تعالى: فأوحى إلى عبده . سورة النجم.
٠٠٤٠/١
: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَىّ
١٠
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْده، مَا أُوْحَى
.. بـ
﴿ثانيها) أن أحداً من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأمة من الأمم لا تدخل الجنة قبل أمتك.
﴿ثالثها) أن ما للعموم والمراد كل ماجاء به جبريل، وهذا على قولنا بأن المراد جبريل مجيح،
والوجهان المتقدمان على قولنا المراد محمد عليه الصلاة والسلام أظهر، وفيه وجه غريب من حيث
العربية مشهور معناه عند الأصوليين، ولنبين ذلك فى معرض الجواب عن سؤال، وهو أن يقال
بم عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله وليس أحداً من الجن، والذى
يقال أن خديجة كشفت رأسها امتحانً فى غاية الضعف إن أدعى ذلك القائل أن المعرفة حصلت
بأمثال ذلك، وهذا إن أراد القصة والحكاية، وإن خديجة فعلت هذا لأن فعل خديجة غير منكر
وإنما المنكر دعوى حصول المعرفة بفعلها وأمثالها، وذلك لأن الشيطان وبما تستر عند كشف
رأسها أصلا فكان يشتبه بالملائكة فيحصل اللبس والإبهام؟ والجواب الصحيح من وجهين
(أحدهما) أن الله أظهر على يد جبريل معجزة عرفه النبى صلى الله عليه وسلم بها كما أظهر على يد
محمد معجزات عرفناه بها (وثانيهما) أن الله تعالى خلق فى محمد صلى الله عليه وسلم علماً ضرورياً
بأن جبربل من عند الله .لك لا جنى ولا شيطان كما أن الله تعالى خلق فى جبريل علماً ضرورياً
أن المتكلم معه هو اللّه تعالى وأن المرسل له ربه لا غيره. إذا علم الجوابان فنقول :
قوله تعالى ﴿فأوحی إلی عبده ما أوحى﴾ فيه وجهان (أحدهما) أوحى إلى محمد ټرائع ما أوعاه
إلی جبريل أی کلمه الله أنه وحی أو خاق فیه علاً ضرورياً ( ثانیہما)أو حی إلی جبريل ما أوحى
إلى محمد دليله الذى به يعرف أنه وحى ، فعلى هذا يمكن أن يقال مامصدرية تقديره فأوحى إلى محمد
صلى الله عليه وسلم الإيحاء أى العلم بالإيحاء، ليفرق بين الملك والجن.
قوله تعالى: ﴿ ما كذب الفؤاد ما رآى) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الفؤاد فؤاد من؟ نقول المشهور أنه فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم (معناه أنه
ما كذب فؤاده واللام لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد عليه الصلاة والسلام فى قوله (إلى
عبده) وفى قوله (وهو بالأفق الأعلى) وقوله تعالى (ماضل صاحبكم) ويحتمل أن يقال (ما كذب
الفؤاد) أى جنس الفؤاد لأن المکذب هو الوم والخیال یقول کیف یری اه أو کیف یری
جبريل مع أنه ألطف من الهوى والهواء لا يرى ، و كذلك بقول الوم والخیال إن رآی ربه رآی
فى جهة ومكان وعلى هيئة والكل ينافى كون المرئى إلهاً ، ولو رأى جبر بل عليه السلام مع أنه صار.
على صورة دحية أو غيره فقد انقلبت حقيقته ولو جاز ذلك لارتفع الأمان عن المرئيات، فنقول:
رؤية الله تعالى ورؤية جبريل عليه السلام على مارآه محمد عليه الصلاة والسلام جائزة عند من له.
قلب فالفؤاد لا ينكر ذلك، وإن كانت النفس المتوهمة والمتخيلة تنكره.

٢٨٩
قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى . سورة النجم .
المسألة الثانية﴾ ما معنى (ما كذب)؟ نقول فيه وجوه: (الوجه الأول) ماقاله الزمخشرى
وهو أن قلبه لم يكذب وما قال إن مارآه بصرك ليس بصحيح ، ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباً.
فيما قاله وهو قريب مما قاله المبرد حيث قال: معناه صدق الفؤاد، فيما رأى، [رأى] شيئاً فصدق
فيه (الثانى) قرى. (ما كذب الفؤاد) بالتشديد ومعناه ما قال إن المرئى خيال لا حقيقة له (الثالث) هو
أن هذا مقرر لما ذكرنا من أن محمداً صلى الله عليه وسلم، لما رأى جبريل عليه السلام خلق الله
له علماً ضرورياً علم أنه ليس بخيال وليس هو على ماذكرنا قصد الحق، وتقديره ماجوز أن يكون
كاذباً وفى الوقوع وإرادة نفى الجراز كثير قال الله تعالى (لا يخفى على اله منهم شىء) وقال (لا تدركه
الأبصار) وقال (وما ربك بغافل) والكل لنفى الجواز بخلاف قوله تعالى (لا نضيع أجر المحسنين)
( ولا نضيع أجر من أحسن عملا). ( ولا يغفر أن يشرك به ) فإنه لن فى الوقوع .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الرائى فى قوله (ما رأى) هو الفؤاد أو البصر أو غيرهما ؟ نقول فيه وجوه
(الأول) الفؤاد كأنه تعالى قال ( ماكذب الفؤاد) مارآه الفؤاد أى لم يقل إنه جنى أو شيطان
بل تيقن أن مارآه بفؤاده صدق صحيح (الثاني) البصر أى ( ما كذب الفؤاد) ما رآه البصر، ولم
يقل إن ما رآه البصر خيال (الثالث) ما كذب الفؤاد ما رأى محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا
على قولنا الفؤاد للجنس ظاهر أى القلوب تشهد بصحة ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم [من الرؤبا]
وإن كانت ، الأوهام لا تعترف بها .
المسألة الرابعة﴾ ما المرئى فى قوله ( مارآى)؟ نقول على الاختلاف السابق والذى يحتمل
الكلام وجوه ثلاثة: (الأول ) الرب تعالى ( والثانى ) جبريل عليه السلام (والثالث) الآيات
العجيبة الإلهية ، فإن قیل کیف تمکن رؤیه الله تعالى بحيث لا يقدح فيه ولا يلزم منه كونه جسمافى
جهة؟ نقول، اعلم أن العاقل إذا تأمل وتفكر فى رجل موجود فى مكان، وقال هذا مرئى اللّه تعالى
يراه الله، و[إذا] تفكر فى أمر لا يوجد أصلا وقال هذا مرئى اللّه تعالى براه الله تعالى. يحد بينهما فرقاً
وعقله يصحح الكلام الأول ويكذب الكلام الثانى ، فذلك ليس بمعنى كونه معلوماً لأنه لو قال الموجود
معلوم الله والمعدوم معلوم الله لما وجد فى كلامه خللا واستبعاداً فالله راء بمعنى كونه عالماً، ثم
إن الله يكون رائياً ولا يصير مقابلا المرئى، ولا يحصل فى جهة ولا يكون مقابلا له ، وإنما يصعب
على الوهم ذلك من حيث إنه لم ير شيئاً إلا فى جهة فيقول إن ذلك واجب، وما يصحح هذا أنك
ترى فى الماء قرأ وفى الحقيقة ما رأيت القمر حالة نظرك إلى الماء إلا فى مكانه فوق السماء فرأيت
القمر فى الماء ، لأن الشعاع الخارج من البصر اتصل به فرد الماء ذلك الشعاع إلى السماء ، لكن
وهمك لما رأى أكثر مارآه فى المقابلة لم يعهد رؤبة شىء يكون خلفه إلا بالتوجه إليه، قال إنى
أرى القمر، ولا رؤية إلا إذكان المرئى فى مقابلة الحدقة ولا مقابل للحدقة إلا الماء، تحكم إذن بناء
على هذا أنه يرى القمر فى الماء، فالوهم يغلب العقل فى العالم لكون الأمور العاجلة أكثرها وهمية
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٩

٢٩٠
قوله تعالى : افتمارونه على ما يرى . سورة النجم .
أَفَتُمَرُ ونَهُ عَ مَايَرَى (٨٢) وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٢) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى
حسية، وفى الآخرة تزول الأوهام وتنجلى الأفهام فترى الأشياء لوجودها لا لتحيزها، واعلم
أن من ينكر جواز رؤية الله تعالى، يلزمه أن ينكر جواز رؤية جبريل عليه السلام، وفيه إنكار
الرسالة وهو كفر، وفيه ما يكاد أن يكون كفراً، وذلك لأن من شك فى رؤية الله تعالى يقول
لو كان الله تعالی جائز الرؤية لكان واجب الرؤية لأن حواسنا سلیمة ، والله تعالی لیس من وراء
حجاب ولا هو فى غاية البعد عنا لعدم كونه فى جهة ولا مكان فلو جاز أن يرى ولا نزاه، للزم
القدح فى المحسوسات المشاهدات، إذ يجوز حينئذ أن يكون عندنا جبل ولا نراه، فيقال لذلك القائل
قد صح أن جبريل عليه السلام كان ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعنده غيره وهو يراه ولو
وجب ما يجوزلرآه كل أحد ، فان قيل إن هناك حجاباً نقول وجب أنيرى هناك حجاباً فإن الحجاب
لا يحجب إذا كان مرئياً على مذهبهم، ثم إن النصوص وردت أن محمد أصلى الله عليه وسلم رأىربه بفؤاده
تجعل بصره فى فؤاده أو رآه ببصره نجعل فؤاده فى بصره ، وكيف لا ، وعلى مذهب أهل السنة
الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد، فإذا حصل الله تعالى العلم بالشىء من طريق البصر كان رؤبة، وإن
حصله من طريق القلب كان معرفة. والله قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للمعلوم فى البصر كما
تدر على أن يحصله بخلق مدرك فى القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة فى الوقوع واختلاف
الوقوع بما يفيء عن الاتفاق على الجواز والمسألة مذكورة فى الأصول فلا نطولها.
قوله تعالى: ﴿ أقمارونه على مایری ﴾ أى كيف تجادلونه وتوردون شكوككم عليه مع أنه
رأى مارأى عين اليقين؟ ولا شك بعد الرؤية فهو جازم متيقن وأنتم تقولون أصابه الجن ويمكن
أن يقال هو مؤكد المعنى الذى تقدم، وذلك لأن من تيقن شيئاً قد يكون بحيث لا يزول عن
نفسه تشكيك .
وأكده بقوله تعالى ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم
لما رآه وهو على بسيط الأرض كان يحتمل أن يقال أنه من الجن احتمالا فى غاية البعد، لما بينا أنه
وزيع حصل له العلم الضرورى بأنه ملك مرسل واحتمال البعيد لا يقدح فى الجزم واليقين ، ألا
ترى أنا إذا نمنا بالليل وانتبهنا بالنهار نجزم بأن البحار وقت نومنا ما نشفت ولا غارت ، والجبال
ما عدمت ولا سارت، مع احتمال ذلك فإن الله قادر على ذلك وقت نومنا، ويعيدها إلى ما كانت
عليه فى يومنا ، فلما رآه عند سدرة المنتهى وهو فوق السماء السادسة لم يحتمل أن يكون هناك جن
ولا إنس، فتن ذلك الاحتمال أيضاً فقال تعالى ( أفتارو نه علی مایری ) رأی العین ، و کیف وهو

٢٩١
فوله تعالى : عند سدرة المنتهى . سورة النجم .
قد رآه فى السماء فماذا تقدون فيه وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الواو يحتمل أن تكون عاطفة، ويحتمل أن تكون الحال على ما بيناه،
أى كيف تجادلونه فيما رآه، على وجه لا يشك فيه؟ ومع ذلك لا يحتمل إيراد الشكوك عليه ، فان
كثيراً ما يشك المعتقد لشىء فيه. ولكن تردد عليه الشكوك ولا يمكنه الجواب عنها ، ولا تثريب
مع ذلك فى أن الأمركما ذكرنا من المثال، لأنا لانشك فى أن البحار ماصارت ذهباً والجمال ماصارت
عهناً ، وإذا أورد علينا مورد شكا، وقال وقت نومك يحتمل أن اللّه تعالى قلبها ثم أعادها لا يمكننا
الجواب عنه مع أنا لا نشك فى استمرارها على ماهى عليه ، لا يقال اللام تنافى كون الواو للحال،
فإن المستعمل يقال أفتمادونه، وقد رأى من غير لام، لأنا نقول الوار التى للحال تدخل على جملة
والجملة تتركب من مبتدأ وخبر ، أو هن فعل وفاعل ، وكلاهما يجوز فيه اللام .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( نزلة) فعلة من النزول فهى بكلسة من الجلوس ، فلا بد من نزول،
فذلك النزول لمن كان؟ نقول فيه وجوه، وهى مرتبة على أن الضمير فى رآه عائد إلى من وقيه قولان
(الأول) عائد إلى الله تعالى أى رأى الله نزلة أخرى، وهذا على قول من قال (ما رأى) فى قوله
( ما كذب الفؤاد ما رأى) هو الله تعالى. وقد قيل بأن النبى صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه
مرتين، وعلى هذا فالنزلة تحتمل وجهين (أحدهما ) أنها لله، وعلى هذا فوجهان (أحدهما) قول
من يجوز على الله تعالى الحركة والانتقال وهو باطل ( وثانيهما) النزول بالقرب المعنوى لا الحسى
فإن الله تعالى قد يقرب بالرحمة والفضل من عبده ولا يراه العبد، ولهذا قال موسى عليه السلام
(رب أرفى) أى أزل بعض حجب العظمة والجلال، وادن من العبد بالرحمة والإفضال لأراك.
( الوجه الثانى) أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى الله نزلة أخرى ، وحينئذ يحتمل ذلك وجهين
(أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على متن الهوى ومركب النفس. ولهذا يقال لمن ركب
متن هواه إنه علا فى الأرض واستكبر، قال تعالى (علا فى الأرض) (ثانيهما) أن المراد من الغزلة
ضدها. وهى العرجة كأنه قال رآه عرجة أخرى، وإنما اختار النزلة ، لأن العرجة التى فى الآخرة
لا نزلة لها فقال نزلة ليعلم أنها من الذى كان فى الدنيا (والقول الثانى) أنه عائد إلى جبريل عليه
السلام أى رأى جبريل نزلة أخرى، والنزلة حينئذ يحتمل أن تكون محمد صلى الله عليه وسلم كما
ذكرناه، لأن النبى صلى الله عليه وسلم على ما ورد فى بعض أخبار ليلة المعراج ، جاوز جبريل
عليه السلام ، وقال له جبريل عليه السلام لو دنوت أتملة لاحترقت ، ثم عاد إليه فذلك نزلة . فان
قيل فكيف قال (أخرى)؟ نقول لأن النبي صلى الله عليه وسلم فى أمر الصلاة تردد مراراً فربما
كان يجاوز كل مرة، وينزل إلى جبريل، ويحتمل أن تكون لجبريل عليه السلام وكلاهما منقول
وعلى هذا الوجه فنزلة أخرى ظاهر ، لأن جبريل كان له نزلات وكان له نزلتان عليه وهو على
صورته ، وقوله تعالى ( عند سدرة المنتهى ) المشهور أن السدرة شجرة فى السماء السابعة وعليها

٢٩٢
قوله تعالى : عندها جنة المأوى . سورة النجم .
عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىّ.
مثل النبق وقیل فى السماء السادسة، وورد فى اخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال « نیقھا کقلال څ.
وورتها كآذان الفيلة)) وقيل سدرة المنتهى هى الحيرة القصوى من السدرة ، والسدرة كالركبة من
الراكب عند ما يحار العقل حيرة لا حيرة فوقها، ما حار النبى صلى الله عليه وسلم وما غاب
ورأى ما رأى ، وقوله ( عند) ظرف مكان ، أو ظرف زمان فى هذا الموضع ؟ نقول المشهور أنه
ظرف مكان تقدیره رأی جبريل أو غیرہ بقرب (سدرة المنتهى) وقیل ظرف زمان ، كما قال
صليت عند طلوع الفجر، وتقديره رآه عند الحيرة القصوى، أى فى الزمان الذى تحار فيه عقول
العقلاء، والرؤية من أتم العلوم وذلك الوقت من أشد أوقات الجهل والحيرة، فهو عليه الصلاة
والسلام ماحار وقناً من شأنه أن يحار العاقل فيه ، والله أعلم .
المسألة الثالثة) إن قلنا معناه رأى الله كيف يفهم (عند سدرة المنتهى) ؟ قلنا فيه أقوال :
(الأول) قول من يجعل الله فى مكان وهو باطل، وقد بالغنا فى بيان بطلانه فى سورة السجدة
(الثانى) رآه محمد صلى الله عليه وسلم وهو (عند سدرة المنتهى) لأن الظرف قد يكون ظرفاً
الرائى كما ذكرنا من المثال يقالى رأيت الهلال ، فيقاله لقائلة أين رأيته ؟ فيقول على السطح وربما
يقول عند الشجرة الفلانية، وأما إن فلنا أن المراد جبريل عليه السلام فالوجهان ظاهران وكون
النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل (عند سدرة المنتهى) أظهر.
﴿ المسألة الرابعة﴾ إضافة السدرة إلى المنتهى من أى [أنواع] الإضافة؟ تقول يحتمل وجوهاً
(أحدما) إضافة الشی. إلی مکانه یقال أشجار بلدة کذا لا تطول من البرد ويقال أشجار الجنة لا تیبس
ولا تخلوا من الثمار، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك، وقيل لا يتعداه روح من الأرواح
(وثانيها ) إضافة المحل إلى الحال فيه، يقال: كتاب الفقه، ومحل السواد، وعلى هذا فالمنتهى عند
(السدرة) تقدیرہ سدرة عند منتہی العلوم ( ثالثها ) إضافة الملك إلى مالكه یقال دار زيد وأشجار
زيد وحينئذ فالمنتهى إليه محذوف تقديره (سدرة المنتهى) إليه، قال الله تعالى (إلى ربك المنتهى)
فالمنتهى إليه هو الله وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه التشريف والتعظيم، ويقال فى
التسبيح : با غاية مناه، ويامنتهى أملاه.
ثم قال تعالى ﴿ عندما جنة المأوى ﴾ وفى الجنة خلاف قال بعضهم جنة المأوى هى الجنة التى
وعد بها المتقون، وحينئذ الإضافة كما فى قوله تعالى ( دار المقامة) وقيل هى جنة أخرى عندها
یکون أرواح الشهداء و قیل می جنة للملائکه وقری. ( جنه) بالهاء من جن بمعنی أُ جن یقال جن
الليل وأجن، وعلى هذه القراءة يحتمل أن يكون الضمير فى قوله (عندما) عائداً إلى النزلة، أى
عند النزلة جن محمداً المأوى، والظاهر أنه عائد إلى السدرة وهى الأصح، وقيل إن عائشة أنكرت

٢٩٣
قوله تعالى : إذ يغشى السدرة ما يغشى . سورة النجم .
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَايَغْشَى
هذه القراءة ، وقيل أنها أجازتها .
قوله تعالى: ﴿إذا يغشى السدرة ما يغشى) فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ العامل فى (إذ) ما قبلها أو ما بعدها فيه وجهان ، فإن قلنا ما قبلها ففيه
احتمالان: أظهر هما ( رآه) أى رآه وقت مايغشى السدرة الذى يغشى، والاحتمال الآخر العامل
فيه الفعل الذى فى النزلة ، تقديره (رآه نزلة أخرى) تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى،
أى نزوله لم يكن إلا بعد ماظهرت العجائب عند السدرة (وغشيها ما غشى) حينئذ نزل محمد نزلة
إشارة إلى أنه لم يرجع من غير فائدة ، وإن قلنا ما بعده، فالعامل فيه ( ما زاغ البصر) أى ما زاغ
بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها ، وسنذكره عند تفسير الآية .
المسألة الثانية) قد ذكرت أن فى بعض الوجوه ( سدرة المنتهى) هى الحيرة القصوى،
وقوله ( يغشى السدرة) على ذلك الوجه ينادى بالبطلان، فهل يمكن تصحيحه ؟ نقول يمكن أن
يقال المراد من الغشيان غشيان حالة على حالة ، أى ورد على حالة الحيرة حالة الرؤية واليقين ،
ورأى محمد ◌ِّ الِ عند ما حار العقل ما رآه وقت ما طرأ على تلك الحالة ما طرأ من فضل الله تعالى
ورحمته، والأول هو الصحيح ، فإن النقل الذى ذكرنا من أن السدرة نبقها كقلال مجر يدل على
أنها شجرة .
﴿ المسألة الثالثة ) ما الذى غشى السدرة ؟ نقول فيه وجوه (الأول) فراش أو جراد من
ذهب وهو ضعيف ، لأن ذلك لا يثبت إلا بدلیل سمعی ، فإن صح فيه خبر فلا یبعد من جواز
التأويل، وإن لم يصح فلا وجه له ( الثانى ) الذى يغشى السدرة ملائکة يغشونها كانهم طيور ،
وهو قريب، لأن المكان مكان لا يتعداه الملك، فهم يرتقون إليه مقشرفين به متبر كين زائرين ،
كما يزور الناس الكعبة فيجتمعون عليها (الثالث) أنوار اللّه تعالى، وهو ظاهر، لأن التى حَ}
لما وصل إليها تجلى ربه لها، كما تجلى للجبل، وظهرت الأنوار، لكن السدرة كانت أقوى من
الجبل وأثبت ، فجعل الجبل دكاً ، ولم تتحرك الشجرة، وخرموسى صعقاً، ولم يتزلزل محمد (الرابع)
هو مبهم للتعظيم ، يقول القائل: رأيت ما رأيت عند الملك، يشير إلى الإظهار من وجه، وإلى
الإخفاء من وجه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ (يغشى) يستر، ومنه الغواشى أو من معنى الإتيان، يقال فلا يغشانى
كل وقت، أى يأتينى، والوجهان محتملان ، وعلى قول من يقول : اللّه يأتى ويذهب ، فالإتيان
أقرب.

٢٩٤
قوله تعالى : ما زاغ البصر وما طغى . سورة النجم .
٠٠٠٠
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لـ
قوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طفى﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اللام فى (البصر) يحتمل وجهين (أحدهما) المعروف وهو بصر محمد صلى.
الله عليه وسلم، أى ما زاغ بصر محمد، وعلى هذا فعدم الزيغ على وجوه، إن قلنا الغاشى السدرة
هو الجراد والفراش، فمعناه لم يتفلت إليه ولم يشتغل به، ولم يقطع نظره عن المقصود، وعلى هذا
فغشيان الجراد والفراش يكون ابتلاء، وامتجاناً محمد صلى الله عليه وسلم. وإن قلنا أنوار الله،
ففيه وجهان (أحدهما) لم يلتفت يمنة ويسرة، واشتغل بمطالعتها ( وثانيهما) مازاغ البصر بصعقة
بخلاف موسى عليه السلام، فإنه قطع النظر وغشى عليه، وفى الأول بيان أدب محمد صلى الله عليه
وسلم، وفى الثانى بيان قوته (الوجه الثانى) فى اللام أنه لتعريف الجس ، أى ما زاغ بصر أصلا
فى ذلك الموضع لعظمة الهيبة ، فإن قيل لو كان كذلك لقال ما زاغ بصر، لأنه أدل على العموم،
لأن النكرة فى معرض النفى تعم، نقول هو كقوله ( لا تدركه الأبصار) ولم يقل لا يدركه بصر.
المسألة الثانية﴾ إن كان المراد محمداً ، فلو قال ما زاغ قلبه كان يحصل به فائدة قولة ( ما زاخ
البصر)؟ نقول لا، وذلك لأن من يحضر عند ملك عظيم يرى من نفسه أنه يهابه وير تجف إظهاراً
لعظمته مع أن قلبه قوى، فإذا قال ( ما زاغ البصر) يحصل منه فائدة أن الأمر كان عظيما، ولم
يزغ بصره من غير اختيار من صاحب البصر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ (وما طفى) عطف جملة مستقلة على جملة أخرى، أو عطف جملة مقدرة
على جملة ، مثال المستقلة: خرج زيد ودخل عمرو، ومثال مقدرة: خرج زيد ودخل ، فنقول
الوجهان جائزان ( أما الأول) فكانه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه
وسلم، وما طفى محمد بسبب الالتفات، ولو التفت لكان طاغياً (وأما الثانى) فظاهر على الأوجه،
أما على قولنا: غشى السندرة جراد فلم يلتفت إليه (وما طفى) أى ما التفت إلى غير الله، فلم يلتفت
إلى الجراد، ولا إلى غير الجراد سوى الله. وأما على قولنا غشيها نور، فقوله (ما زالغ) أى ما مال
عن الأنوار ( وما طفى) أى ما طلب شيئاً وراءها (وفيه لطيفة) وهى أن اللّه تعالى قال: ما زاخ
وما طفى، ولم يقل: ما مال وما جاوز، لأن الميل فى ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان، فاستعمل
الزيغ والطغيان فيه، وفيه وجه آخر. وهو أن يكون ذلك بياناً لوصول محمد صلى الله عليه وسلم
إلى سدرة اليقين الذى لا يقين فوقه، ووجه ذلك أن بصر محمد صلى الله عليه وسلم ( مازاغ ) أى
ما مال عن الطريق ، فلم ير الشىء على خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا،
ثم ينظر إلى شىء أبيض، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار (وما طفى)
ما تخيل المعدوم موجوداً فرأى المعدوم مجاوزاً الحد.

٢٩٥
قوله تعالى : لقد رأى من آيات ربه . سورة النجم .
لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُبْرَّ (٨) أَفَرَةَ يُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
وَمَنَوَ النَِّثَةَ الْأُخْرَىَّ.
قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فيه دليل على أن النبى صلى الله عليه وسلم، رأى ليلة المعراج آيات الله،
ولم ير اللّه، وفيه خلاف ووجهه: هو أن الله تعالى ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات ، وقال
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) إلى أن قال ( لغريه من آياتنا) ولو كان رأى ربه لكان ذلك
أعظم ما يمكن ، فكانت الآية الرؤية ، وكان أكبر شىء هو الرؤية ، ألا ترى أن من له مال يقال
له : سافر لترج، ولا يقال: سافر لتتفرج، لما أن الربح أعظم من التفرج .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال بعض المفسرين (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) وهى أنه رأى
جبريل عليه السلام فى صورته، فهل هو على ما قاله؟ نقول الظاهر أن هذه الآيات غير تلك ،
وذلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما ، لكن ورد فى الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه ،
والكبرى تأنيث الأكبر، فكانه تعالى يقول: رأى من آيات ربه آيات من أكبر الآيات ، فإن
قيل قال الله تعالى (إنها لإحدى الكبر) مع أن أكبر من سقر عجائب الله، فكذلك الآيات الكبرى
الكون جبريل وما فيه ، وإن كان لله آيات أكبر منه نقول سقر إحدى الكبر أى إحدى الدواهى
الكبر ، ولا شك أن فى الدواهى سقر عظيمة كبيرة ، وأما آيات الله فليس جبريل أكبرما ولأن
سقر فى نفسها أعظم وأعجب من جبريل عليه السلام فلا يلزم من صفتها بالكبر صفتها بالكبرى .
المسألة الثالثة ﴾ الكبرى صفة ماذا ؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) صفة محذوف تقديره:
لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى، (ثانيهما) صفة آيات ربه وعلى هذا يكون مفعول رأى
محذوفاً تقديره رأى من الآيات الكبرى آية أو شيئاً.
ثم قال تعالى ﴿ أفريتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغى
أن يبتدى. به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله تعالى (أفرأيتم) إشارة إلى
إبطال قولهم بنفس القول كما أن ضعيفاً إذا ادعى الملك ثم رآه العقلاء فى غاية البعد عما يدعيه
يقولون انظروا إلى هذا الذى يدعى الملك ، منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره ، فلذلك
قال (أفرأيتم اللات والعزى) أی کما هما فکیف تشر كونهما بالله ، والتاء فی اللات تاء تأنيث كما فى
المناة لكنها تكتب مطولة لئلا يوقف عليها فتصير ها. فيشتبه باسم الله تعالى، فإن الماء فى الله
أصلية ليست تاء تأنيث وقف عليها فانقلبت هاء ، وهى صنم كانت لثقيف بالطائف ، قال الزمخشرى
هى فعله من لوى يلوى ، وذلك لأنهم كانوا يلوون عليها ، وعلى ما قال فأصله لوية أسكنت الیاه

٢٩٦
قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى . سورة النجم .
وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوه قلبت الواو ألفاً لفتح ما قبلها فصارت لات، وقرى. اللات
بالتشديد من لت، قيل إنه مأخوذ من رجل كان يلت بالسمن الطعام ويطعم الناس فعبد واتخذ على
صورته وثن وسموه باللات ، وعلى هذا فاللات ذكر ، وأما العزى فتأثيث الأعز وهى شجرة
كانت تعبد، فبعث النبى صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضى الله عنه فقطعها وخرجت منها
شيطانة مكشوفة الرأس منشورة الشعر تضرب رأسها وتدعوا بالويل والثبور فقتلها خالد
وهو يقول :
إنى رأيت الله قد أهانك
یاعز کفرانك لا سبحانك
ورجع إلى النبى وائم وأخبره بما رأى وفعل فقال تلك العزى ولن تعبد أبداً، وأما مناة فهى
فعلة صنم الصفا، وهى صخرة كانت لهذيل وخزاعة ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الآخر لا يصح أن يقال إلا إذا كان الأول مشاركا للثانى فلا يقال رأيت
امرأة ورجلا آخر، ويقال رأيت رجلا ورجلا آخر لاشتراك الأول والثانى فى كونهما من
الرجال وههنا قوله ( الثالثة الأخرى) يقتضى على ماذكرنا أن تكون العزى ثالثة أولى ومناة ثالثة
أخرى وليس كذلك ، والجواب عنه من وجوه (الأول) الأخرى كما هى تستعمل الذم ، قال
الله تعالى (قالت أولاهم لأخرام) أى لمنأخرتهم وهم الأتباع ويقال لهم الأذناب لتأخرهم فى
المراتب فهى صفة ذم كأنه تعالى يقول ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة ، ونقول على هذا الأصنام
الثلاثة ترتيب ، وذلك لأن الأول كان وثناً على صورة آدمى والعزى صورتها صورة نبات ومناة
صورتها صورة صخرة هى جماد، فالآدمى أشرف من النبات، والنبات أشرف من الجماد، فالجماد
متأخر والمناة جماد فهى فى الأخريات من المراتب (الجواب الثانى) فيه محذوف تقديره (أفرأيتم
اللات والعزى) المعبودين بالباطل (ومناة الثالثة) المعبودة الأخرى (والجواب الثالث) هو أن
الأصنام كان فيها كثرة واللات والعزى إذا أخذتا متقدمتين فكل صنعة توجد فهى ثالثة ، فهناك
ثوالك فكأنه يقول لهما ثوالك كثيرة وهذه ثالثة أخرى ، وهذا كقول القائل يوماً ،يوماً
(والجوب الرابع) فيه تقديم وتأخير تقديره ومناة الأخرى الثالثة، ويحتمل أن يقال الأخرى
تستعمل لموهوم أو مفهوم وإن لم يكن مشهوراً ولا مذكوراً يقول من يكثر تأذبه من الناس إذا
آذاه إنسان الآخر جاء يؤذينا، وربما يسكت على قوله أنت الآخر فيفهم غرضه كذلك مهنا.
المسألة الثانية) وهى فى الترتيب أولى ما فائدة الفاء فى قوله (أفرأيتم اللات والعزى) وقد
استعمل فى مواضع بغير الفاء؟ قال تعالى ( أريتم ماتدعون من دون الله أريتم شركاء كم)، تقول
لما قدم من عظمة آيات الله فى ملكوته أن رسول اللّه إلى الرسل) الذى يسد الآفاق ببعض أجنحته
ويهلك المدائن بشدته وقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة فى مقام جلال الله وعزته، قال أفريتم هذه
الأصنام مع زلتها وحقارتها شركاء اللّه مع ما تقدم ، فقال بالفاء أى عقيب ما سمعتم من عظمة آيات

٢٩٧
قوله تعالى : ألكم الذكر وله الانثى . سورة النجم .
٢٢
تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى
أَلَكُرُ الذَّكُ وَلَهُ الْأُنثَى
اللّه تعالى الكبرى ونفاذ أمره فى الملأ الأعلى وما تحت الثرى، فانظروا إلى اللات والعزى تعلموا
فساد ماذهبتم إليه وعواتم عليه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أين تتمة الكلام الذى يفيد فائدة ما؟ نقول قد تقدم بيانه وهو أنه يقول
هل رأيتم هذه حق الرؤية، فإن رأيتموها علمتم أنها لا تصلح شركاء ، نظيره ما ذكرنا فيمن
ينكر كون ضعيف يدعى ملكا، يقول لصاحبه أما تعرف فلاناً مقتصراً عليه مشيراً إلى بطلان
ما يذهب إليه .
قوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ وقد ذكرنا ما يحب ذكره فى سورة والطور فى
قوله ( أم له البنات ولكم البنون ) ونعيد ههنا بعض ذلك أو ما يقرب منه ، فنقول لما ذكر اللات
والعزى ومناة ولم يذكر شيئاً آخر قال إن هذه الأشياء التى رأيتموها وعرفتموها تجعلونها شركاء
الله وقد سمعتم جلال الله وعظمته وإن الملائكة مع رفعتهم وعلوهم يفتهون إلى السدرة ويقفون
هناك لا يبقى شك فى كونهم بعيدين عن طريقة المعقول أكثر مما بعدوا عن طريقة المنقول ،
فكأنهم قالوا نحن لانشك أن شيئاً منها ليس مثلالله تعالى ولا قريباً من أن يماثله، وإنما
صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء، وقالوا إنهم يرتقون
ويقفون عند سدرة المنتهى ويرد عليهم الأمر والنهى وينهون إلى اللّه ما يصدر من عباده فى أرضه
وهم بنات اللّه، فاتخذنا صوراً على صور الإناث وسميناها أسماء الإناث ، فاللات تأنيث اللوة وكان
أصله أن يقال اللاهة لكن فى التأنيث يوقف عليها فتصير اللاهة فأسقط إحدى الهاءين وبقيت
الكلمة على حرفين أصليين وتاء التأنيث جعلناها كالأصلية كما فعلنا بذات مال وذا مال والعزى
تأنيث الأعز ، فقال لهم كيف جعلتم لله بنات وقد اعترفتم فى أنفسكم أن البنات ناقصات والبنين
كاملون، واللّه كامل العظمة فالمنسوب إليه كيف جعلتموه ناقصاً وأنتم فى غاية الحضارة والذلة
حيث جعلتم أنفسكم أذل من خمار وعبد ثم صخرة وشجرة ثم نسبتم إلى أنفسكم الكامل ، فهذه
القسمة جائزة على طريقكم أيضاً حيث أذللم أنفسكم ونسبتم إليها الأعظم من الثقلين وأبغضتم البنات
ونسبتموهن إلى الأعظم وهو الله تعالى وكان على عادتكم أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص
للحقير ، فإذن أنتم خالفتم الفكر والعقل والعادة التى لكم .
قوله تعالى: ﴿ تلك إذاً قسمة ضيزى﴾ فيه مسائل.
المسألة الأولى ﴾ تلك إشارة إلى ماذا؟ نقول إلى محذوف تقديره تلك القسمة قسمة ضيزى
أى غير عادلة، ويحتمل أن يقال معناه تلك النسبة قسمة وذلك لأنهم ماقسموا وما قالوا لنا البنون
وله البنات، وإنما نسبوا إلى اللّه البنات وكانوا يكرهونهن كما قال تعالى (ويجعلون لله ما يكرهون)

٢٩٨
قوله تعالى : إن هي إلا أسماء سميتموها . سورة النجم .
ج
إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُ كُم مَّا أَنْزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ
فلما نسبوا إلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائزة وهذا الخلاف لا يرهق.
المسألة الثانية﴾ إذاً جواب ماذا؟ نقول يحتمل وجوهاً (الأول) نبتكم البنات إلى الله
تعالى إذا كان لكم البنون قسمة ضيزى (الثانى) نسبتكم البنات إلى الله تعالى مع اعتقادكم أنهن
ناقصات واختيار كم البنين مع اعتقادكم أسهم كاملون إذا كنتم فى غاية الحقارة والله تعالى فى نهاية
العظمة قسمة ضيزى، فإن قيل ماأصل إذاً ؟ قلنا هو إذا التى للظرف قطعت الإضافة عنها حصل فيها
تنوين وبيانه هو أنك تقول آنيك إذا طلعت الشمس فكأنك أضفت إذاً لطلوع الشمس وفلت
آتيك وقت طلوع الشمس، فإذا قال قائل آتيك فتقول له إذن أكرمك أى إذا أتيتنى أکر.ك فلما
حذفت الإتيان لسبق ذكره فى قول القائل أتيت بدله بتنوين وقلت إذن كما تقول: وكلا آتيناه.
المسألة الثالثة﴾ (ضيزى) قرى. بالهمزة وبغير همزة وعلى الأولى هى فعلى بكسر الفاء كذكرى
على أنه مصدر وصف به كرجل عدل أى قسمة ضائزة وعلى القراءة الثانية هى فعلی وكان أصلها.
ضوزى لكن عين الكلمة كانت يائية فكسرت الفاء لقـلم العين عن القلب كذلك فعل بيض. فإن".
جمع أفعل فعل تقول أسود وسود وأحمر وحمر وتقول أبيض ويض وكان الوزن بيض وكان يلزم
فته قلب العين فكسرت الباء وتركت الباء على حالها، وعلى هذا ضيزى للمبالغة من ضائزة، تقول
فاضل وأفضل وفاضلة وفضلی و کبیر وأ کېرو کبیری و کبری کذلك ضائزو ضوز وضائزة وضوزى
وعلى هذا نقول أضوز من ضائز وضيرى من ضائرة، فإن قيل قد قلصمن قبل إن قوله (أم )
ـة
البنات ولكم البنون) ليس بمعنى إنكار الأمرين بل بمعنى إنكار الأول وإظهار الشكر بالأمن
الثانى، كما تقول انتجعلون لله أنداداً وتعدون أنه خلق كل ماسواه فإنه لا ينكر الثانى، وهنا قوله
(تلك إناً قسمة ضيزى) دل على أنه أنكر الأمرين جميعاً نقول قد ذكرنا هناك أن الأمرين
محتملان: أما إنكار الأمرين فظاهر فى المشهور، أما إنكار الأول ثابت بوجره، وأما الثانى
فلما ذكرنا أنه تعالى قال كيف تجعلون لله البنات وقد صار لكم البنون بقدرته كما قال تعالى (يجب
لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) خالق البنين لكم لا يكون له بنات، وأما قوله (تلك إدا
قسمة ضيزى) فنقول تد يناأن تلك عائدة إلى النسبة أى نسبتكم البنات إلى الله تعالى مع أن لكم
البنين قسمة ضائزة فالمنكر تلك النسبة وإن كان المفكر القسمة نقول يجوز أن يكون تقديره أيجوز
جعل البنات لله تعالى كما أن واحداً إذا كان بينه وبين شربكه شى. مشترك على السوية فيأخذ
نصفه لنفسه ويعطى من النصف الباقى نصفه لظالمه ونصفه لصاحبه فقال هذه قسمة طائرة لالكونة
أخذ النصف فذلك حقه بل لكونة لم يوصل إليه النصف الباقى .
قوله تعالى: ﴿ إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ وفيه

٢٩٩
قوله تعالى : إن هى إلا أسماء سميتموها . سورة النجم
مباحث تدق غن إدراك اللغوى إن يكن عنده من العلوم حظ عظيم ، ولنذكر ما قيل فيه أولا
فنقول قيل معناه: إن هى إلا أسماء، أى كونها إناتا وكونها معبودات أسماء لامسمى لها فانها ليست
يإناث حقيقة ولا معبودات ، وقيل أسماء أى قلتم بعضها عزى ولا عزة لها، وقيل قلتم إنها آلهة
وليست بآلهة ، والذى نقوله هو أن هذا جواب عن كلامهم ، وذلك على ما بينا أنهم قالوا نحن
لا نشك فى أن الله تعالى لم يلد كما تلد النساء ولم يولد كا تولد الرجال بالمجامعة والإحبال، غير أنا
رأينا لفظ الولد مستعملا عند العرب فى المسبب تقول : بنت الجبل وبنت الشفة لما يظهر منهما
ويوجد، لكن الملائكة أولاد الله بمعنى أنهم وجدوا بسيه من غير واسطة فقلنا إنهم أولاده ،
ثم إن الملائكة فيها تاء التأنيث فقلنا هم أولاد مؤنثة، والولد المؤنث بنت، فقلنا لهم بنات اللّه . أى
لا واسطة بينهم وبين الله تعالى فى الإيجاد كما تقول الفلاسفة، فقال تعالى هذه الأسماء استنبطتموها
أنتم بهوى أنفسكم وأطلقتم على الله ما يوهم النقص وذلك غير جائز، وقوله تعالى ( يا حسرتا على
ما فرطت فى جنب الله) وقوله ( بيده الخير) أسماء موهمة غير أنه تعالى أنزلها ، وله أن يسمى
نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسمى بما يوم النقص من غير ورود الشرع به ، ولنبين التفسير
فى مسائل :
المسألة الأولى﴾ (هى) ضمير عائد إلى ماذا؟ نقول الظاهر أنها عائدة إلى أمر معلوم وهو الأسماء
كأنه قال ماهذه الأسماء التى وضعتموها أنتم وهو المشهور، ويحتمل أن يقال هى عائدة إلى الأصنام
بأنفسها أى ما هذه الأصنام إلا أسماء ، وعلى هذا فهو على سبيل المبالغة والتجوز ، يقال لتحقير
إنسان ما زيد إلا اسم وما الملك إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة تعتبر فى الكلام بين الناس ،
ويؤيد هذا القول قوله تعالى ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء) أى ماهذه الأصنام إلا أسماء.
المسألة الثانية﴾ ما الفائدة فى قوله ( سميتموها) مع أن جميع الأسماء وضعوها أو بعضها
هم وضعوها ولم ينكر عليهم؟ نقول المسألة مختلف فيها ولا يتم الذم إلا بقوله تعالى ( ما أنزل الله
بها من سلطان) وبيانه هو أن الأسماء أن أنزلها الله تعالى فلا كلام فيها، وأن وضعها للتفاهم فينبغى
أن لا يكون فى ضمن تلك الفائدة مفسدة أعظم منها لكن إيهام النقص فى صفات الله تعالى أعظم
منها ، فالله تعالى ما جوز وضع الأسماء للحقائق إلا حيث تسلم عن المحرم، فلم يوجد فى هذه
الأسماء دليل نقلى ولا وجه عقلى، لأن ارتكاب المفسدة العظيمة لأجل المنفعة القليلة لا يجوزه
العاقل، فإذا ( ما أنزل الله بها من سلطان). ووضع الإسم لا يكون إلا بدليل نقلى أو عقلى، وهو
أنه يقع عالياً عن وجوه المضار الراجحة .
﴿المسألة الثالثة) كيف قال (سميتموها أنتم) مع أن هذه الأسامى لأ صنامهم كانت قبلهم؟
نقول فيه لطيفة وهى أنهم لو قالوا ما سميناها، وإنما هى موضوعة قبلنا، قيل لهم كل من يطلق هذه
الألفاظ فهو كالمبتدى. الواضع، وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعاً بدليل

٣٠٠
قوله تعالى : إن يتبعون إلا الظن . سورة النجم .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّن رَّبِهِمُ الْهُدَىّ
عقلى لم يجب اتباعه فمن يطلق اللفظ لأن فلاناً أطلقه لا يصح منه كما لا يصح أن يقول أضلى الأعمى
ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به.
﴿ المسألة الرابعة﴾ الأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها فكيف قال (سميتموها)؟ نقول عنه
جوابان (أحدهما) لغوى وهو أن القسمية وضع الإسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل
سميتموها استعمال وضعتموها ، ويقال سميته زيدا وسميته يزيد فسميتموها بمعنى سميتم بها (وثانيهما)
معنوى وهو أنه لو قال أسماء سميتم بها لكان هناك غير الإسم شىء يتعلق به الباء فى قوله (بها) لأن
قول القائل سميت به يستدعى مفعولا آخر تقول سميت بزيد إبنى أو عبدى أو غير ذلك فيكون
قد جعل للأصنام اعتباراً وراء أسمائها، وإذا قال ( إن هى إلا أسماء سميتموها) أى وضعتموها
فى أنفسها لا مسميات لها لم يكن ذلك فإن قيل هذا باطل بقوله تعالى (وإنى سميتها مريم) حيث لم
يقل وإنى سميتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصوداً وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت فى
الأصنام؟ نقول بينهما بون عظيم وذلك لأن هناك قال ( سميتها مريم) فذكر المفعولين فاعتبر
حقيقة مريم بقوله ( سميتها) واسمها بقوله (مريم) وأما ههنا فقال (إن هى إلا أسماء سميتموها)
أفى ماهناك إلا أسماء موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرت فى مريم.
﴿ المسألة الخامسة ﴾ (ما أنزل الله بها من سلطان) على أی و جه استعملت الباء فى قوله ( بها
من سلطان )؟ نقول كما يستعمل القائل ارتحل فلان بأهله ومتاعه، أى ارتحل ومعه الأهل والمتاع
كذا ههنا.
قوله تعالى : ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾
وفيه مسائل :
﴿الأولى) قرى. (إن تتبعون) بالتاء على الخطاب، وهو ظاهر مناسب لقوله تعالى (أنتم
وآباؤكم) على المغايبة وفيه وسجهان: (أحدهما) أن يكون الخطاب منهم لكنه يكون التفائاً كأنه
قطع الكلام معهم، وقال لنبيه: إنهم لا يتبعون إلا الظن، فلا تلتفت إلى قولهم ( ثانيهما) أن يكون
المراد غيرهم وفيه احتمالان (أحدهما) أن يكون المراد آباءهم وتقديره هو أنه لما قال ( سميتموها
أنتم) كأنهم قالوا هذه ليست أسماء وضعناها نحن، وإنما هى كسائر الأسماء تلقيناها ممن قبلنا من
آبائنا فقال وسماها آباؤكم وما يتبعون إلا الظن، فإن قيل كان ينبغى أن يكون بصيغة الماضى،
نقول وبصيغة المستقبل أيضاً كانه يفرض الزمان بعد زمان الكلام كما فى قوله تعالى (وكابهم باسط
ذراعيه). (ثانيهما) أن يكون المراد عامة الكفار كأنه قال: إن يتبع الكافرون إلا الظن.
﴿ المسألة الثانية﴾ ما معنى (الظن) وكيف ذمهم به وقد وجب علينا اتباعه فى الفقه وقال