النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ قوله تعالى : أم خلقوا السموات والأرض . سورة الطور . ج أَمْ خَلَقُواْ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (﴾ أَمْ عِندَهُمْ نَآَيْنُ رَبِّكَ أَمّ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٣٨ الخباز على الخياطة والخياط على البناء وكل واحد يشغله شأن عن شأن. قوله تعالى: ﴿أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون﴾ وفيه وجوه (أحدها)مااختاره الزمخشرى وهو أنهم لا يوقنون بأنهم خلقوا وهو حينئذ فى معنى قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) أى هم معترفون بأنه خلق الله وليس خاق أنفسهم (وثانيها) المراد بل لا يوقنون بأن الله واحد وتقديره ليس الأمر كذلك أى ما خلقوا وإنما لا يوقنون بو حدة الله ( وثالثها) لا يوقنون أصلا من غیر ذکر مفعول یقال فلان ليس بمؤمن وفلان ليس بكافر لبيان مذهبه وإن لم ينو مفعولا ، و کذلك قول القائل فلان ؤذى ويؤدى لبيان مافيه لا مع القصد إلى ذكر مفعول ، وحينئذ يكون تقديره أنهم ما خلقوا السموات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل ، بل لا يوقنون أصلا وإن جٹهم بكل آية ، يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب من كوم) وهذه الآية إشارة إلى دليل الآفاق، وقوله من قبل (أم خلقوا ) دليل الأنفس. قوله تعالى: ﴿أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون﴾ وفيه وجوه (أحدها ) المراد من الخزائن خرائن الرحمة ( ثانيها) خزائن الغيب (ثالثها) أنه إشارة إلى الأسرار الإلهية المخفية عن الأعيان (رابعها) خزائن المخلوقات التى لم يرها الإنسان ولم يسمع بها، وهذه الوجوه الأول والثانى منقول، والثالث والرابع مستنبط، وقوله تعالى (أم هم المسيطرون) تتمة للرد عليهم، وذلك لأنه لما قال (أم عندهم خزائن ربك) أشارة إلى أنهم ليسوا بخزنة [ رحمة ] اللّه فيعلموا خزئن الله، وليس بمجرد انتفاء كونهم خزنة ينتفى العلم لجواز أن يكون مشرفاً على الخزانة، فإن العلم بالخزائن عند الخازن والكاتب فى الخزانة ، فقال لستم بخزنة ولا بكتبة الخزانة المسلطين عليها ، ولا يبعد تفسير المسيطرين بكتبة الخزانة ، لأن التركيب يدل على السطر وهو يستعمل فى الكتاب ، وقيل المسيطر المسلط وقرى. بالصاد ، وكذلك فى كثير من السينات التى مع الطاء ، كما فى قوله تعالى ( بمسيطر ) و [قد قرى.] مضيطر. قوله تعالى: ﴿أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين﴾ وهو أيضاً تتميم الدليل ، فإن من لا يكون خازناً ولا كاتباً قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب ، ٢٦٢ قوله تعالى : أم له النبات ولكم البنون . سورة الطور . أَمْ لَهُ الْبَنَتُ وَلَكُرُ الْبَنُونَ فقال أنتم لستم بخزنة ولا كتبة ولا اجتمعتم بهم، لأنهم ملائكة ولا صعودلكم إليهم، وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ المقصود نفى الصعود، ولا يلزم من تفى السلم لهم تفى الصعود، فما الجواب عنه؟ نقول النفى أبلغ من نفى الصعود، وهو نفى الاستماع وآخر الآية شامل للكل، قال تعالى: ( فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) . ﴿ المسألة الثانية﴾ السلم لا يستمع فيه، وإنما يستمع عليه. فما الجواب؟ نقول من وجهين: (أحدهما) ما ذكره الزمخشرى أن المراد (يستمعون) صاعدين فيه ( وثانيهما) ماذكره الواحدى أن فى بمعنى على، كما فى قوله تعالى (ولأصلبنكم فى جذوع الخل ) أى جذوع النخل ، وكلاهما ٠ ضعيف لما فيه من الإضمار والتغيير ﴿ المسألة الثالثة﴾ لم ترك ذكر مفعول ( يستمعون) وماذا هر؟ نقول فيه وجوه (أحدها) المستمع هو الوحى، أى هل لهم سلم يستمعون فيه الوحى ( ثانيها) يستمعون ما يقولون من أنه شاعر، وأن لله شريكا، وأن الحشر لا يكون ( ثالثها) ترك المفعول رأساً، كأنه يقول: هل لحم قوة الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول ، وكلامه ليس بمرسل. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال (فليأت مستمعهم). ولم يقل فليأتوا، كما قال تعالى (فليأتوا بحديث مثله) نقول طلب منهم ما يكون أهون على تقدير صدقهم ، ليكون اجتماعهم عليه أدل على بطلان قولهم، فقال هناك ( فليأتوا) أى اجتمعوا عليه وتعاونوا، وأقوا بمثله، فإن ذلك عند الاجتماع أهون، وأما الارتقاء فى السلم بالاجتماع [فإنه ] متعذر. لأنه لا بر تقى إلا واحد بعد واحد، ولا محصل فى الدرجة العليا إلا واحد. فقال ( فليأت) ذلك الواحد الذى كان أشد رقياً بما سمعه. ﴿ المسألة الخامسة) قوله (بسلطان مبين) ما المرار به؟ نقول هو إشارة إلى لطيفة، وهى أنه لو طلب منهم ما سمعوه، وقيل لهم (فليأت مستمعهم) بما سمع لكان لواحد أن يقول: أنا سمعت كذا وكذا فيفترى كذباً، فقال لا . بل الواجب أن يأتى بدليل يدل عليه. قوله تعالى: ﴿ أم له البنات ولكم البنون﴾ إشارة إلى نفى الشرك، وفساد ما يقولون بطريق آخر، وهو أن المتصرف إنما يحتاج إلى الشريك لمجزه، والله قادر فلا شريك له ، فإنهم قالوا: نحن لا تجعل هذه الأصنام وغيرها شركاء، وإنما نعظمها لأنها بنات اللّه، فقال تعالى: كيف تجعلون لله البنات، وخلق البنات والبنين إنما كان لجواز الفناء على الشخص، ولولا التوالد لا نقطع النسل وارتفع الأصل ، من غير أن يقوم مقامه الفصل ، فقدر الله التوالد ، ولهذا لا يكون فى الجنة ولادة، لأن الدار دار البقاء، لا موت فيها للآباء، حتى تقام العمارة بحدوث الأبناء. إذا ثبت هذا فالولد إنما يكون فى صورة إمكان فناء الأب ، ولهذا قال تعالى فى أوائل سورة آل عمران ٢٦٣ قوله تعالى : أم تسألهم أجراً . سورة الطور . ٤٤٤٠١١/٠٠ - دور ١٠٠٠ ٤٠ أَمّ تَسْكَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّنِ مَّغْرَرٍ مُثْقَلُونَ ٠ ( الحى القيوم) أى حى لايموت فيحتاج إلى ولد يرثه، وهو قيوم لا يتغير ولا يضعف، فيفتقر إلى ولد ليقوم مقامه، لأنه ورد فى نصارى نجران. ثم إن اللّه تعالى بين هذا بأبلغ الوجوه، وقال إنهم يجعلون له بنات ، ويجعلون لأنفسهم بنين، مع أن جعل البنات لهم أولى، وذلك لأن كثير البنات تعين على كثرة الأولاد ، لأن الإناث الكثيرة يمكن منهن الولادة بأولاد كثيرة من واحد. وأما الذكور الكثيرة لا يمكن منهم إحبال أنثى واحدة بأولاد، ألا ترى أن الغنم لا يذبح منها الإناث إلا نادراً، وذلك لما ثبت أن إبقاء النوع بالأنثى أنفع نظراً إلى التكثير، فقال تعالى: أنا القيوم الذى لافنالى، ولا حاجة لى فى بقاء النوع فى حدوث الشخص، وأنتم معرضون للموت العاجل، وبفاء العالم بالإناث أكثر، وتتبرمون منهن والله تعالى مستغن عن ذلك وتجعلون له البنات ، وعلى هذا فما تقدم كان إشارة إلى نفى الشريك نظراً إلى أنه لابتداء لله ، وهذا إشارة إلى نفى الشريك نظراً إلى أنه لا فناء له ، فإن قيل كيف وقع لهم نسبة البنات إلى الله تعالى مع أن هذا أمر فى غاية القبح لا يخفى على عاقل، والقوم كان لهم العقول التى هى مناظ التكليف ، وذلك القدر كاف فى العلم بفساد هذا القول ؟ نقول ذلك القول دعاهم إليه اتباع العقل ، وعدم اعتبار النقل ، ومذهبهم فى ذلك مذهب الفلاسفة حيث يقولون يجب اتباع العقل الصريح ، ويقولون النقل بمعزل لا يقبع إلا إذا وافق العقل، وإذا وافق فلا اعتبار للنقل ، لأن العقل هناك كاف، ثم قالوا الوالد يسمى والداً، لأنه سبب وجود الولد ، ولهذا يقال : إذا ظهر شى. من شىء هذا تولد من ذلك، فيقولون الخى تتولد من عفونة الخلط ، فقالوا الله تعالى سبب وجود الملائكة سبباً واجباً لا اختيار له فسموه بالوالد، ولم يلتفتوا إلى وجوب تغزيه الله فى تسميته بذلك عن القسمية بما يوهم النقص ، ووجوب الاقتصار فى أسمائه على الأسماء الحسنى التى ورد بها الشرع اعدم اعتبارهم النقل، فقالوا يجوز إطلاق الأسماء المجازية والحقيقية على الله تعالى وصفاته، قسموه عاشقاً ومعشوفاً، وسموه أباً ووالداً، ولم يسموه ابناً ولا مولوداً باتفاقهم، وذلك ضلالة. قوله تعالى : ﴿ٍ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون وجه التعلق هو أن المشركين لما اطرحوا الشرع واقبعوا ماظنوه عقلا ، وسموا الموجود بعد العدم مولوداً ومتولداً، والموجد والداً لزمهم الكفّر بسببه والإشراك، فقال لهم ما الذى يحملكم على أطراح الشرع، وترك اتباع الرسول رائع ؟ هل ذلك لطلبه منكم شيئاً فماكان يسعهم أن يقولوا أمم، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا لا، فنقول لهم: كيف اتبعتم قول الفلس فى الذى يسوغ لكم الزور وما يوجب الاستخفاف بجانب الله تعالى لفظاً إن لم يكن معنى كما تقولون، ولا تتبعون الذى يأمر كم بالعدل فى المعنى والإحسان فى اللفظ، ويقول لكم اتبعوا المعنى الحق الواضح واستعملوا اللفظ ٢٦٤ قوله تعالى : أم تسألهم أجراً . سورة الطور . الحسن المؤدب؟ وهذا فى غاية الحسن من التفسير ففيه مسائل :. المسألة الأولى﴾ ما الفائدة فى سؤال النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال أم تسألهم ولم يقل أم يسألون أجراً كما قال تعالى (أم يقولون) وقال تعالى (أم يريدون كيداً) إلى غير ذلك؟ نقول فيه فائدتان : ﴿إحداهما) تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم لما امتنعوا من الاستماع واستنكفوا من الاتباع صعب على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال له ربه أنت أتيتٍ بما عليك فلا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا فأنت غير ملوم، وإنما كنت تلام لو كنت طلبت منهم أجراً فهل طلبت ذلك فأثقلهم ؟ لافلا حرج عليك إذاً . ﴿ ثانيهما) أنه لوقال أم يسألون لزم نفي أجر مطلقاً وليس كذلك، وذلك لأنهم كانوا يشركون ويطالبون بالأجر من رؤسائهم، وأما النبى صلى الله عليه وسلم فقال له أنت لا تسألهم أجراً فهم لا يتبعونك وغيرك يسألهم وهم يسألون ويقبعون السائلين وهذا غاية الضلال. : المسألة الثانية﴾ إن قال قائل ألزمت أن تبين أن أم لا تقع إلا متوسطة حقيقة أو تقديراً فكيف ذلك ههنا؟ نقول كأنه تعالى يقول أنهديهم لوجه الله أم تسألهم أجراً، وترك الأول لعدم وقوع الإنكار عليه كما قلنا فى قوله ( أم له البنات) إن المقدار هو واحد أم له البنات، وترك ذكر الأول لعدم وقوع الإنكار عليه من الله تعالى وكونهم قائلين بأنه لا يريد وجه الله تعالى، وإنما یرید الرئاسة والأجر فى الدنيا . المسألة الثالثة ﴾ هل فى خصوص قوله تعالى أجراً فائدة لا توجد فى غيره أو قال أم تسألهم شيئاً أو مالا أو غير ذلك؟ نقول نعم ، وقد تقدم القول منى أن كل لفظ فى القرآن فيه فائدة وإن كنا لا نعلمها ، والذى يظهر ههنا أن ذلك إشارة إلى أن ما يأتى به النبى صلى الله عليه وسلم فيه مصلحتهم وذلك لأن الأجر لا يطلب إلا عند فعل شيء يفيد المطلوب منه الأجر فقال: أنت أنيتهم بما لو طلبت عليه أجراً وعلموا كمال ما فى دعوتك من المنفعة لهم وبهم، لأنوك بجميع أموالهم ولقدوك بأنفسهم، ومع هذا لا تطلب منهم أجراً، ولو قال شيئاً أو مالا لما حصلت هذه الفائدة والله أعلم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ هذا يدل على أنه لم يطلب منهم أجراً ما، وقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرأ إلا المودة في القربى) يدل على أنه طلب أجراً ما فكيف الجمع بينهما؟ تقول لا تفرقة بينهما بل الكل حق وكلاهما ككلام واحد، وبيانه هو أن المراد من قوله (إلا المودة في القربى) هو أنى لا أسألكم عليه أجراً يعود إلى الدنيا، وإنما أجرى المحبة فى الزانى إلى الله تعالى، وأن عباد الله الكاملين أقرب إلى الله تعالى من عباده الناقصين، وعباد الله الذين كلمهم الله وكلموه وأرسلهم لتكميل عباده فكلوا أقرب إلى الله من الذين [ لم يكلمهم و] لم يرسلهم الله ولم يكملوا وعلى هذا فهو فى معنى قوله (إن أجرى إلا على الله) وإليه أنتمى وقوله ريّ ((فإن أباهى بكم الأمم يوم القيامة)) وقوله (فهم ٢٦٥ قوله تعالى : أم عندهم الغيب فهم يكتبون . سورة الطور . أُمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( من مغرم مثقلون) وبين ماذكرنا أن قوله (أم تسألهم أجرأً) المراد أجر الدنيا وقوله ( قل لا أسألكم عليه أجراً) المراد العموم ثم استثنى، ولا حاجة إلى ما قاله الواحدى إن ذلك منقطع معناه لكن المودة في القربى ، وقد ذكر ناه هناك فليطلب منه . المسألة الخامسة ) قوله تعالى ( فهم من مغرم مثقلون) إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ماطلب منهم شيئاً ولو طالبهم بأجر ما كان لهم أن يتركوا اتباعه بأدفى شىء ، اللهم إلا إن أثقلهم التكليف ويأخذ كل ما لهم ويمنعهم التخليف فيثقلهم الدين بعد مالا يبقى لهم العين . قوله تعالى: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ وهو على الترتيب الذى ذكر ناه كأنه تعالى قال لهم: بم اطر حتم الشرع ومحاسنه، وقلتم ما قلتم بناء على اتباعكم الأوهام الفاسدة التى تسمونها المعقولات، والنبى ويتم لا يطلب منكم أجراً وأنتم لا تعلمون فلا عذر لكم لأن العذرإما فى الغرامة وإذا فى عدم الحاجة إلى ماجاء به ولا غرامة عليكم فيه ولا غنى لكم عنه وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ كيف التقدير؟ فلنا لاحاجة إلى التقدير بل هو استفهام متوسط على ماذكرنا كأنه قال أنهديهم لوجه الله تعالى أم تسألهم أجراً فيمتنعون أم لا حاجة لهم إلى ما تقول لكزنهم عندهم الغيب فلا يتبعون . ﴿ المسألة الثانية﴾ الألف واللام فى الغيب لتعريف ماذا، الجنس أو لعهد؟ نقول الظاهرأن المراد نوع الغيب كما يقول القائل اشترى اللحم يريد بيان الحقيقة لأكل لحم ولا لجأً معيناً، والمراد فى قوله تعالى (عالم الغيب والشهادة ) الجنس واستغرافة لكل غيب . ﴿ المسألة الثالثة﴾ على هذا كيف يصح عندهم الغيب وما عند الشخص لا يكون غيباً ؟ نقول (هناء حضر عندهم ماغاب عن غيرهم، وقيل هذا متعلق بقوله (نتربص به ريب المنون) أى أعندكم الغيب تعلمون أنه يموت قبلكم وهو ضعيف، لبعد ذلك ذكر، أو لأن قوله تعالى (قل تربصوا) متصل به وذلك يمنع اتصال هذا بذلك. ﴿ المسألة الرابعة﴾ ما الفائدة فى قوله (فهم يكتبون)؟ نقول وضوح الأمر، وإشارة إلى أن ماعند النبى وَّ من علم الغيب علم بالوحى أموراً وأسراراً وأحكاماً وأخباراً كثيرة كلها هو جازم بها وليس كما يقول المتفرس، الأمر كذا وكذ، فإن قيل اكتب به خطك أنه يكون يمتنع ويقول أنا لا أدعى فيه الجزم والقطع ولكن أذكره كذا وكذا على سبيل الظن والاستنباط وإن كان قاطعاً يقول اكتبوا هذا عنى، وأثبتوا فى الدواوين أن فى اليوم الفلانى بقع كذا وكذا فقوله (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) يعنى هل صاروا فى درجة محمد بن اته حتى استغنوا عنه ٢٦٦ قوله تعالى : أم يريدون كيداً . سورة الطور . أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ ٤٢ وأعرضوا، ونقل عن ابن قتيبة أن المراد من الكتابة الحكم معناه يحكمون وتمسك بقوله توزيع «اقض بيتنابكتاب الله)) أى حكم الله وليس المراد ذلك، بل هو من باب الإضمار معناه بما فى كتاب الله تعالى يقال فلان يقضى بمذهب الشافعى أى بما فيه ، ويقول الرسول الذى معه كتاب الملك للرعية اعملوا بكتاب الملك . قوله تعالى : ﴿أم يريدون کیداً فالذين كفروا م المكيدون﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ ما وجه التعلق والمناسبة بين الكلامين ؟ قلنا يبين ذلك ببيان المراد من قوله ( أم يريدون كيداً ) فبعض المفسرين قال أم يريدون أن يكيدوك فهم المكيدون ، أى لا يقدرون على المكيد فإن الله يصونك بعينه وينصرك بصونه، وعلى هذا إذا قلنا بقول من يقول (أم عندهم الغيب) متصل بقوله تعالى (تتربص به ريب المنون) فيه ترتيب فى غاية الحسن وهو أنهم لما قالوا ( تتربص به ريب المنون) قيل لهم أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أم تريدون كيداً فتقولون نقتله فيموت قبلنا فإن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون ، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه فأنتم غالطون فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم، وأما على ما قلنا أن المراد منه أنه مربع لا يسألكم على الهداية مالا وأنتم لا تعلمون ماجاء به لولا هدايته لكونه من الغيوب، فنقول فيه وجوه (الأول) أن المراد من قوله تعالى (أم يريدون كيداً) أى من الشيطان وإزاغته فيحصل مرادهم كأنه تعالى قال أنت لا تسألهم أجراً وهم يعلمون الغيب فهم تحتاجون إليك وأعرضوا فقد اختاروا كيد الشيطان ورضوا إزاغته، والإرادة بمعنى الاختيار والمحبة، كما قال تعالى ( ومن كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه) وكما قال ( أتفكا آلهة دون الله تريدون) وأظهر من ذلك قوله تعالى (إنى أريد أن تبوه بانمى وإنمك) (الوجه الثانى) أن يقال أن المراد وأنه أعلم أم یریدون كيداً لله فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدون ، وترتيب الكلام هو أنهم لما لم يبق حجة فى الإعراض فهم يريدون نزول العذاب بهم والله أرسل إليهم رسولا لا يسألهم أجراً ويهديهم إلى مالا علم لهم ولا كتاب عندهم وهم يعرضون، فهم يريدون إذاً أن يهاك.م ويكيدهم، لأن الاستدراج كيدو الإملاء لازدياد الأمم، كذلك لا يقال هو فاسدلان الكيدوالإساءة لا يطاق على فعل اللّه تعالى إلا بطريق المقابلة، وكذلك المكر فلا يقاله أساء الله إلى الكفار ولا اعندی الله إلا إذاذ کر أولا فیهم شىء من ذلك، ثم قال بعد ذلك بسببه لفظاً فى حق الله تعالی کافی قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) وقال (ومكروا ومكر الله) وقال (يكيدون كيداً واكيد كيداً) لأنا نقول الكيد ما يسوء من نزل به وإن حسن من وجد منه، ألاترى أن إبراهيم عليه السلام قال (لأ كيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) من غير منالة. ٢٦٧ قوله تعالى : أم لهم إله غير الله . سورة الطور . أَمْ لَهُمْ إِلَّهَ غَيْرُ الِّ سُبْحَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (8) وَ إِن يَوْ كِسْفًا مِنَ السَّمَآءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرْ كُومٌ المسألة الثانية) ما الفائدة فى قوله تعالى (فالذين كفروا هم المكيدون)؟ وما الفرق بين معنى هذا الكلام ومعنى قول القائل : أم يريدون كيداً فهم المكيدون ؟ نقول الفائدة كون الكافر مكيداً فى مقابلة كفره لا فى مقابلة إرادته الكيد ولو قال: أم يريدون كيداً فهم المكدون، كان يفهم منه أنهم إن لم يريدوه لا يكونوا مكيدين ، وهذا يؤيد ما ذكر ناه أن المراد من الكيد كيد الشيطان أو كيد اللّه، بمعنى عذابه إياهم لأن قوله ( فالذين كفروا هم المكيدون) عام فى كل كافر كاده الشيطان ويكيده الله أى يعذبه، وصار المعنى على ماذكرناه أنتهديهم لوجه الله أم تسألهم أجراً فتشقلهم فيمتنعون عن الاتباع، أم عندهم الغيب فلا يحتاجون إليك فيعرضون عنك، أم ليس شىء من هذين الأمرين الأخيرين فيريدون العذاب ، والعذاب غير مدفوع عنهم بوجه من الوجوه لكفرهم فالذين كفروا معذبون . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ ما الفائدة فى تنكير الكيد حيث لم يقل أم يريدون كيدك أو الكيد أو غير ذلك ليزول الإبهام؟ نقول فيه فائدة، وهى الإشارة إلى وقوع العذاب من حيث لا يشعرون فكأنه قال يأتيهم بغتة ولا يكون لهم به علم أو يكون إيراداً لعظمته كما ذكرنا مراراً. قوله تعالى: ﴿ أم لهم إله غير اللّه سبحان الله عما يشركون﴾ أعاد التوحيد وهو يفيد فائدة قوله تعالى ( أم له البنات ولكم البنون) وفى سبحان الله بحث شريف: وهو أهل اللغة قالوا: سبحان اسم علم للتسبيح، وقد ذكرنا ذلك فى تفسير قوله تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) وأكثرنا من الفوائد ، فإن قيل يجوز أن نقول سبحان الله اسم مصدر، ونقول سبحان معلى وزن فعلان فنذكر سبجان فى غير مواضع الإيقاع لله كما يقال فى التسبيح ، نقول ذلك مثل قول القائل من حرف جار وفى كلمة ظرف حيث يخبر عنه مع أن الحرف لا يخبر عنه فيجاب بأن من وفى حينئذ جعلا كالإسم ولم يتركا على أصلهما المستعمل فى مثل قولك أخذت من زيد والدرهم فى الكيس، فكذلك سبحان فيما ذكر من المواضع لم يترك على مواضع استعماله فإنه حينئذ لم يترك علماً كما يقال زيد على وزن فعل بخلاف التسبيح فيما ذكرنا. ﴿ المسألة الرابعة﴾ ما فى قوله تعالى (عما يشر كون يحتمل وجهين (أحدهما) أن تكون مصدرية معناه سبحانه عن إشراكهم (ثانيهما) خبرية معناه عن الذين يشركون ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون البنات لله فقال سبحان الله على البنات والبنين، ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة لأنهم كانوا يقولون هو مثل ما يعبدونه فقال سبحان الله عن مثل ما يعبدونه. قوله تعالى: ﴿وإن يرو كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب من كوم﴾. : ٢٦٨ قوله تعالى : وإن يروا كسفاً من السماء سورة الطور . وجه الترتيب فيه هو أنه تعالى لما بين فساد أقوالهم وسقوطها عن درجة الاعتبار أشار إلى أنه لم يبق لهم شىء من وجه الاعتذار، فان الآيات ظهرت والحجج تميزت ولم يؤمنوا، وبعد ذلك (يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سواب) أى ينكرون الآية لكن الآية إذا أظهرت فى أظهر الأشياء كانت أظهر ، وبیانه هو أن من يأتى جسم من الأجسام من بيته وادعى فيه أنه فعل به كذا فربما يخطر بيال السامع أنه فى بيته ولما يبدعه، فإذا قال الناس ماتوا جسما تريدون حتى أجغل لكم منه كذا يزول ذلك الوهم، لكن أظهر الأشياء عند الإنسان الأرض التى هى مهده وفرشه، والسماء التى هى سقفه وعرشه ، وكانت العرب على مذهب الفلاسفة فى أصل المذهب، ولا يلتفت إلى قول الفلسفى نحن ننزه غاية التنزيه حتى لا نجوز رؤيته واقصافه بوصف زائد على ذاته لينكون واحداً فى الحقيقة، فكيف يكون مذهبنا مذهب من يشرك بالله صنها منحوتاً؟ نقول أنتم لما نسبتم الحوادث إلى الكواكب وشرعتم فى دعوة الكواكب أخذ الجهال عنكم ذلك واتخذوه مذهباً وإذا ثبت أن العرب فى الجاهلية كانت فى الأصل على مذهب الفلاسفة وهم يقولون بالطبائع فيقولون الأرض طبعها التكوين والسماء طبعها يمنع الانفصال والانفكاك ، فقال الله تعالى رداً عليهم فى مواضع ( إن نشأ تخف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء) إبطالا للطبائع وإيثاراً للاختيار فى الوقائع، فقال ههنا إن أتينا بشىء غريب فى غاية الشرابة فى أظهر الأشياء وهو السماء التى يرونها أبداً ويعلمون أن أحد لا يصل إليها ليعمل بالأدوية وغيرها ما يجب سقوطها لأنكروا ذلك، فكيف فيما دون ذلك من الأمور ، والذى يؤيد ماذكرناه وأنهم كانوا على مذهب الفلاسفة فى أمر السماء أنهم قالوا (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) أى ذلك فى زعمك ممكن، فأما عندنا فلا، والكسفة القطعة يقال كسفة من ثوب أى قطعة ، وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول) استعمل فى السماء لفظة الكسف، واللغويون ذكروا استعمالها فى الثوب لأن الله تعالى شبه السماء بالثوب المنشور، ولهذا ذكره فيما مضى فقال ( والسموات مطويات) وقال تعالى ( يوم نطوى السماء) . ﴿ البحث الثانى ) استعمل الكسف فى السماء والخسف فى الأرض فقال تعالى (تخسف بهم الأرض) وهو يدل على قول من قال يقال فى القمر خسوف وفى الشمس كسوف ووجهه أن أن يخرج الخاء دون مخرج الكاف ومخرج الكاف فوقه متصل به فاستعمل وصف الأسفل للأسفل والأعلا للأعلى ، فقالوا فى الشمس والسماء الكسوف والكسف، وفى القمر والأرض الخسوف والخنف، وهذا من قبيل قولهم فى المسائح والمايمح إن ما نقطه فوق لمن فوق البئر وما نقطه من أسفل عند من يجوز نقطه من أسفل لمن تحت فى أسفل البئر . ﴿ البحث الثالث) قال فى السحاب ونجعله كسفاً مع أنه تحت القمر، وقال فى القمر (وخسف القمز) وذلك لأن القمر عند الخسوف له نظير فوقه وهو الشمس عند الكسوف والسحاب ٢٦٩ قوله تعا . فذرهم حتى يلاقوا يومهم . سورة الطور . ٤٥ فَذَرْهُمْ خَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِىِفِيهِ يُصْعَقُونَ اعتبر فيه نسبته إلى أهل الأرض حيث ينظرون إليه، فلم يقل فى القمر خسف بالنسبة إلى السحاب وإنما قيل ذلك بالنسبة إلى الشمس وفى السحاب قيل بالنسبة إلى الأرض . ﴿ المسألة الثانية﴾ ساقطا يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون مفعولا ثانياً يقال رأيت زيداً عالما (وثانيهما) أن يكون حالا كما يقال ضربته قائما، والثانى أولا لأن الرؤية عند التعدى إلى مفعولين فى أكثر الأمر تكون بمعنى العلم، تقول أرى هذا المذهب صحيحاً وهذا الوجه ظاهراً وعند التعدی إلى واحد تکون بمعنی رأی العین فی الأ کثر تقول رأیت زیداً . وقال تعالى (4) رأوا بأسنا)، وقال (فإما ترين من البشر أحداً) والمراد فى الآية رؤية العين. ﴿ المسألة الثالثة﴾ فى قوله (ساقطا) فائدة لا تحصل فى غير السقوط، وذلك لأن عندهم لا يجوز الانفصال على السموات ولا يمكن نزولها وهبوطها ، فقال ساقطاً ليكون مخالفاً لما يعتقدونه من وجهين (أحدهما ) الانفصال ( والآخر ) السقوط ولو قال وإن يروا كسفاً منفصلا أو معلقاً لما حصلت هذه الفائدة . المسألة الرابعة﴾ فى قوله (يقولوا) فائدة أخرى ، وذلك لأنه يفيد بيان العناد الذى هو مقصود سرد الآية، وذلك لأنهم فى ذلك الوقت يستخرجون وجوهاً حتى لا يلزمهم التسليم فيقولون سحاب قولا من غير عقيدة، وعلى هذا يحتمل أن يقال (وإن يروا) المراد العلم ليكون أدخل فى العناد، أى إذا علموا وتيقنوا أن السماء ساقطة غيروا وعاندوا، وقالوا هذا سحاب مركوم . المسألة الخامسة) قوله تعالى ( يقولوا بواب من كوم) إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يقولوا لم يقع شىء على الأرض يرجعون إلى التأويل والتخييل وقوله (مر كوم) أى مركب بعضه على بعض كأنهم يدفعون عن أنفسهم مايورد عليهم بأن السحاب كالهواء لا يمنع نفوذ الجسم فيه، وهذا أقوى مانع فيقولون إنه ركام فصار صلباً قوياً. ﴿ المسألة السادسة﴾ فى إسقاط كلمة الإشارة حيث لم يقل: يقولوا هذا، إشارة إلى وضوح الأمروظهور العناد فلا يستحسنون أن يأتوا بما لا يبقى معه مرا. فيقولون (سياب مركوم) مع حذف المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقول عند تكذيب الخلق إياهم ، قلنا (سحاب من كوم) شبهه ومثله ، وأن يتمشى الأمر مع عوامهم استمروا، وهذا مجال من يخاف من كلام ولا يعلم أنه يقبل منه أو لا يقبل ، فيجعله ذاوجهين، فإن رأى النكر على أحدهما فسره بالآخروإن رأى القبول خرج بمراده. قوله تعالى : ﴿ نذرم حتی یلاقوا یومهم الذی فیه یصعقون ﴾ أى إذا تبين أنهم لا يرجعون فدعهم حتى يلاقوا وفيه مسائل : ٢٧٠ قوله تعالى : فذرهم حتى يلاقوا يومهم . سورة الطور . المسألة الأولى﴾ (فذرهم) أمر وكان يجب أن يقال لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم جواز دعائهم إلى الإسلام وليس كذلك، والجواب عنه من وجوه (أحدما) أن هذه الآيات مثل قوله تعالى (فأعرض، وتول عنهم) إلى غير ذلك كلها منسوخة بآية القتال وهو ضعيف، (ثانيها) ليس المراد الأمر وإنما المراد التهديد كما يقول سيد العبد الجانى لمن ينصحه دعه فانه سينال وبال جنايته (ثالثها) أن المراد من يعاند وهو غير معين والنبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو الخلق على سبيل العموم ويجوز أن يكون المراد بالخطاب من لم يظهر عناده لا من ظهر عناده فلم يقل الله فى حقه ( فذرهم ) ويدل على هذا أنه تعالى قال من قبل (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون) وقال ههنا (فذرهم) فمن يذكرهم هم المشفقون الذين قالوا (إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين) ومن يذرهم الذين قالوا ( شاعر نتربص به ريب المنون ) إلى غير ذلك. المسألة الثانية﴾ حتى للغاية فيكون كأنه تعالى قال: ذرهم إلى ذلك اليوم ولا تكلمهم ثم ذلك اليوم تجدد الكلام وتقول ألم أقل لكم إن الساعة آتية وإن الحساب يقوم والعذاب يدوم فلا تكلمهم إلى ذلك اليوم ثم كلمهم لتعلمهم (ثانيها) أن المراد من حتى الغاية التى يستعمل فيها اللام كما يقول القائل لا تطعمه حتى يموت أى ليموت ، لأن اللام التى للغرض عندها ينتهى الفعل الذى للغرض فيوجد فيها معنى الغاية ومعنى التعليل ويجوز استعمال الكلمتين فيها ولعل المراد من قوله تعالى (واعبد ربك حتی یأتیک الیقین) هذا أی إلی أن یاتك الیقین ، فان قيل فمن لا یذره أيضاً يلاقى ذلك اليوم، نقول المراد من قوله (يصعقون) يهلكون فالمذكر المشفق لا يهلك ويكون مستثنى منهم كما قال تعالى (فصعق من فى السموات ومن الأرض إلا من شاء الله) وقد ذكرنا هناك أن من اعترف بالحق وعلم أن يوم الحساب كائن فإذا وقعت الصيحة يكون كمن يعلم أن الرعد يرعد ويستعد لسماعه، ومن لا يعلم يكون كالغافل ، فإذا وقعت الصيحة ارتجف الغافل ولمير تجف العالم، وحينئذ يكون التوعد بملاقاة يومهم لأن كل أحد يلاقى يومه وإنما يكون بملاقاة يومهم الذى فيه يصعقون، أى اليوم الموصوف بهذه الصفة، وهذا كما قال تعالى (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم) فإن المنفى ليس النبذ بالعراء لأنه تحقق بدليل قوله تعالى ( فنبذناه بالعراء وهو مقيم) وإنما المنفى النبذ الذى يكون معه مذموماً وهذا لم يوجد. ﴿ المسألة الثالثة) حتى ينصب ما بعدها من الفعل المستقبل تارة ويرفع أخرى والفاصل بينهما أن الفعل إذا كان مستقبلا منتظراً لايقع فى الحال بنصب تقول تعلمت الفقه حتى ترتفع درجی فإنك تنتظره وإن کان حالا یرفع تقول أكرر حتى تسقط فوق ثم أنام ، والسبب فيه هو أن حتى المستقبل للغاية ولام التعليل للغرض والغرض غاية الفعل، تقول لم تبنى الدار يقول للسكنى أنصار قوله حتى ترفع كقوله لأرفع وفيهما إضمار أن ، فان قيل ماقات شيئاً وما ذكرت السبب فى النصب عند إرادة الاستقبال والرفع عند إرادة الحال ، نقول الفعل المستقبل إذا كان منتظراً وكان ٢٧١ قوله تعالى يوم لا يغني عنهم كيدهم . سورة الطور . يَوْمَ لَا يُغْنِىِ عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئً وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ ( قصب العين ومنصوباً لدى الذهن يرقبه يفعل بلفظه ما كان فى معناه، ولهذا قالوا فى الإضافة أن المضاف لماجر أمراً إلى أمر فى المعنى جزء فى اللفظ ، والذى يؤيد ما ذكرنا أن الفعل إنما ينصب بأن وإن وكى وإذن ، وخلوص الفعل للاستقبال فى هذه المواضع لازم والحرف الذى يجعل الفعل للحال يمنع النصب حيث لا يجوز أن تقول إن فلاناً ليضرب فان قيل: السين وسوف مع أنهما يخلصان الفعل للاستقبال لا ينصبان ويمنعان النصب بالناصب كما فى قوله تعالى (علم أن سيكون منكم مرضى):فول: سوف والسين ليسا بمعنى غير اختصاص الفعل بالاستقبال وأن ولن بمعنى لا يصح إلا فى الاستقبال فلم يثبت بالسين إلا الاستقبال ولم يثبت به معنى فى الاستقبال والمنتظر هو ما فى الاستقبال لانفس الاستقبال ، مثاله إذا قلت أعبد الله كى يغفر لى أو ليغفرلى أثبتت كى غرضاً وهو المغفرة، وهى فى المستقبل من الزمان، وإذا قلت: أستغفرك ربى أثبقت السين استقبال المغفرة ، وفرق بين ما يكون المقصود من الكلام بيان الاستقبال ، لكن الاستقبال لا يوجد إلا فى معنى فأتى بالمعنى ليبين به الاستقبال وبين ما يكون المقصود منه معنى فى المستقبل فتذكر الاستقبال لتبين محل مقصودك . قوله تعالى : ﴿ بوم لا یغنى عنهم كيدهم شبئاً ولاهم ينصرون لماقال (بلاقرا يومهم) وكل بر وفاجر يلاقى يومه أعاد صفة يومهم وذكر ما يتميز به يومهم عن يوم المؤمنين فقال (يوم لا يغنى) وهو يخالف يوم المؤمنين فانه تعالى قال فيه (يوم ينفع الصادقين) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ فی یوملا یغنی و جهان (الأول) بدل عن قوله(یومهم) (ثانيهما) ظرف يلاقوا أی یلاقویومهم يوم، فإن قيل هذا يلزم منه أن يكون اليوم فى يوم فيكون اليوم ظرف اليوم نقول هوعلى حد قول من يقول يأتى يوم قتل فلان يوم تبين جرائمه ولا مانع منه، وقد ذكرنا بحث الزمان وجواز كونه ظرفاً فى قوله تعالى ( يومئذ) وجواز إضافة اليوم إلى الزمان مع أنه زمان. المسألة الثانية﴾ قال تعالى ( يوم لا يغنى عنهم كيدهم) ولم يقل يوم لا يغنيهم- كيدهم مع أن الإغناء يتعدى بنفسه لفائدة جليلة وهى أن قول القائل أغنانى كذا يفهم منه أنه نفعنى ، وقوله أغنى عنى يفهم منه أنه دفع عنى الضرر وذلك لأن قوله أغنانى معناه فى الحقيقة أفادنى غير مستفيد وقوله: أغنى عنى ، أى لم يحوجنى إلى الحضور فأغنى غيرى عن حضوري يقول من يطلب لأمر: خذوا عتى ولدى ، فإنه يغنى عنى أى يغنيكم عنى فيدفع عنى أيضاً مشقة الحضور فقوله (لا يغنى عنهم) أى لا يدفع عنهم الضرر، ولا شك أن قوله لا يدفع عنهم ضرراً أبلغ من قوله لا ينفعهم نفعاً وإنما فى اؤمن لو قال يوم يغنى عنهم صدقهم لما فهم منه نفعهم فقال ( يوم ينفع) كأنه قال يوم يغنيهم ٢٧٢ قوله تعالى : يوم لا يغني عنهم كيدهم . سورة الطور . صدقهم ، فكأنه استعمل فى المؤمن يغنيهم وفى الكافر لا يغنى عنهم وهو مما لا يطلع عليه إلا من يكون عنده من علم البيان طرف ويتفكر بقريحة وقادة آيات الله ووفقه الله. ﴿ المسألة الثالثة﴾. الأصل تقديم الفاعل على المفعول والأصل تقديم المضمر على المظهر، أمافى الأول فلأن الفاعل متصل بالفعل ولهذا قالوا فعلت فأسكنوا اللام لئلا يلزم أربع متحركات فى كلمة واحدة وقالوا ضربك ولم يسكنوا لأن الكاف ضمير المفعول وهو متفصل، وأما تقديم المضمر فلأنه يكون أشد اختصاراً ، فإنك إذا قلت ضربنى زيد يكون أقرب إلى الاختصار من قولك ضرب زيد إياى فإن لم يكن هناك اختصار كقولك مربى زيد ومربى فالأولى تقديم الفاعل ، وههنا لو قال يوم لا يغنيهم كيدهم كان الأحسن تقديم المفعول ، فاذا قال يوم لا يغنى عنهم صار كا قلنا فى مر زيد بى فلم لم يقدم الفاعل ، نقول فيه فائدة مستفادة من علم البيان، وهو أن تقديم الأمم أولى فلو قال يوم لا يغنى كيدهم كان السامع لهذا الكلام ربما يقول لا يغنى كيدهم غيرهم فيرجو الخير فى حقهم وإذا سمع لا يغنى عنهم انقطع رجاؤه وانتظر الأمر الذى ليس بمعن . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قد ذكرنا أن معنى الكيد هو فعل يسوء من نزل به وإن حسن ممن صدر منه، فما الفائدة فى تخصيص العمل الذى يسوء بالذكرولم يقل يوم لا يغنى عنهم أفعالهم على الإطلاق؟ نقول هو قياس بالطريق الأولى لأنهم كانوا يأتون بفعل الغبى رئ والمؤمنين وكاوا يعتقدون أنه أحسن أعمالهم فقال ما أغنى أحسن أعمالهم الذى كانوا يعتقدون فيه ليقطع رجاءهم عمادونه، وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال من قبل (أم يريدون كيداً) وقد قلنا إن أكثر المفسرين على أن المراد به تدبيرهم فى قتل النبى ◌َرائع قال (هم المنكيدون) أى لا ينفعهم كيدهم فى الدنيا فماذا يفعلون يوم لا ينفعهم ذلك الكيد بل يضرهم وقوله (ولاهم ينصرون) فيه وجوه (أحدها ) أنه متمم بيان وجهه هو أن الداعى أولا يرتب أموراً لدفع المكروه بحيث لا يحتاج إلى الانتصار بالغير والمة ثم إذا لم ينفعه ذلك ينتصر بالأغيار ؛ فقال لا ينفعهم أفعال أنفسهم ولا ينصرهم عند اليأس وحصول اليأس عن إقبالهم ( ثانيها) أن المراد منه ما هو المراد من قوله تعالى (لا تغن عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون)، فقوله ( يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئاً) أى عبادتهم الأصنام، وقولهم ( هؤلا. شفعاؤنا) وقولهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا) وقوله (ولا هم ينصرون)، أى لا نصير لهمكما لا شفيع، ودفع العذاب، إما بشفاعة شفيع أو بنصر ناصر (ثاثها) أن نقول الإضافة فى كيدهم إضافة المصدر إلى المفعول، لا إضافته إلى الفاعل ، فكأنه قال لا يغنى عنهم كيد الشيطان إياهم، وبيانه هو أنك تقول أعجبنى ضرب زيداً عمراً، وأعجبنى ضرب عمرو، فإذا اقتصرت على المصدر والمضاف إليه لا يعلم إلا بالقرينة والنية، فإذا سمعت قول القائل، أيمبنى ضريب زيد يحتمل أن يكون زيد ضارباً ويحتمل أن يكون مضروباً فإذا سمعت قول القائل، أعجبنى قطع اللص على سرقته دلت القرينة على أنه مضاف إلى المفعول، فإن قيل هذا فاسد من حيث إنه إيضاح واضح. ٢٧٣ قوله تعالى : وإن للذين ظلموا عذاباً . سورة الطور . وَإِنَّ لَلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لأن كيد المكيد لا ينفع قطعا، ولا يخفى على أحد، فلا يحتاج إلى بيان، لكن كيد الكائد يظن أنه ينفع فقال تعالى: ذلك لا ينفع ، نقول كيد الشيطان إياهم على عبادة الأصنام وهم كانوا يظنون أنها تنفع، وأما كيدهم النبى ريت كانوا يعلمون أنه لا ينفع فى الآخرة وإنما طلبوا أن ينفعهم فى الدنيا لافى الآخرة فالإشكال ينقلب على صاحب الوجه الأول ولا إشكال على الوجهين جميعاً إذا تفكرت فيما قلناه. قوله تعالى: ﴿وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ فى اتصال الكلام وجهان (أحدهما) متصل بقوله تعالى (فذرهم) وذلك لأنه يدل على عدم جواز القتال، وقد قيل إنه نازل قبل شرع القتال ، وحيفيد كأنه قال فذرهم ولا تذرهم مطلقاً من غير قتال ، بل لهم قبل يوم القيامة عذاب يوم بدر حيث تؤمر بقتالهم ، فيكون بياناً وعداً ينسخ فذرهم بالعذاب يوم بدر ( ثانيهما) هو متصل بقوله تعالى ( لا يغنى) وذلك لأنه لما بين أن كيدهم لا يغنى عنهم قال ولا يقتصر على عدم الإغناء بل لهم مع أن كيدهم لا يغنى ويل آخر وهو العذاب المعد لهم، ولو قال لا يغنى عنهم كيدهم كان يوهم أنه لا ينفع ولكن لا يضر ولما قال مع ذلك ( وإن الذين ظلوا عذاباً ) زال ذلك، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ الذين ظلموا هم أهل مكة إن قلنا العذاب هو عذاب يوم بدر، وإن قلنا العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام فى كل ظالم . المسألة الثانية﴾ ما المراد من الظلم ههنا؟ نقول فيه وجوه (الأول) هو كيدهم نبيهم، و (الثانى) عبادتهم الأوثان، و (الثالث) كفرهم وهذا مناسب للوجه الثانى. المسألة الثالثة) دون ذلك، على قول أكثر المفسرين معناه قبل ويؤيده قوله تعالى (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) ويحتمل وجهين آخرين (أحدهما) دون ذلك ، أى أقل من ذلك فى الدوام والشدة يقال الضرب دون القتل فى الإيلام ، ولا شك أن عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة على هذا المعنى ، وعلى هذا ففيه فائدة التنبيه على عذاب الآخرة العظيم وذلك لأنه إذا قال عذاباً دون ذلك أى قنلا وعذاباً فى القبر فيتفكر المتفكر ويقول مايكون القتل دونه لا يكون إلا عظيما، فإن قيل فهذا المعنى لا يمكن أن يقال فى قوله تعالى ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) قلنا نسلم ذلك ولكن لامانع من أن يكون المرادمهنا هذا الثانى على طريقة قول القائل : تحت لجاجك مفاسد ودون غرضك متاعب، وبیانه هو أنهم لما عبدوا غير اللّه ظلموا أنفسهم حيث وضعوها فى غير موضعها الذى خلقت له فقيل لهم إن لكم دون ذلك الظلم عذاباً . ﴿ المسألة الرابعة﴾ ذلك إشارة إلى ماذا ؟ نقول الظاهر إنه إشارة إلى اليوم وفيه وجهان الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٨ ٢٧٤ قوله تعالى : واصبر لحكم ربك . سورة الطور . وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ سِيْنَ تَقُومُ ٤٨ آخران (أحدهما) فى قوله يصعقون، وقوله ( يغنى عنهم) إشارة إلى عذاب واقع فقوله ذلك إشارة إلیه، ويمكن أن يقال قد تقدم قوله ( إن عذاب ربك لواقع) وقوله دون ذلك ، أى دون ذلك العذاب ( ثانيهما) دون ذلك ، أى كيدهم فذلك إشارة إلى الكيد وقد بينا وجهه فى المثال الذى مثلنا وهو قول القائل: تحت لجاجك حرمانك، والله علم. المسألة الخامسة:﴾ (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ذكرنافيه وجوهاً (أحدها) أنه جرى على عادة العرب حيث تعبر عن الكل بالأكثر كما قال تعالى (أكثرهم بهثم مؤمنون) ثم إن اته تعالى تكلم على تلك العادة ليعلم أن اللّه استحسنها من المتكلم" حيث يكون ذلك بعيداً عن الخلف (ثانيها) منهم من آمن فلم يكن من لا يعلم ( ثالثها) هم فى أكثر الأحوال لم يعلموا وفى بعض الأحوال علموا وأهله أنهم علموا خال الكشف وإن لم ينفعهم. المسألة السادسة) مفعول لا يعلمون جاز أن يكون هو ما تقدم من الأمر: وهو أن لحم عذاباً دون ذلك، وجاز أن لا يكون له مفعول أصلا، فيكون المراد أكثرهم غالون جاهلون. قوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم﴾ وقد ذكرناه فى تفسير قوله تعالى (فاصبر على مايقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس) ونشير إلى بعضه ههذا فإن طول العهد ينسى، فنقول لما قال تعالى (فذرهم) كان فيه الإشارة إلى أنه لميبق فى نصحهم نفع ولا سيما وقد تقدم قوله تعالى (وإن يروا كسفاً من السماء) وكان ذلك فما يحمل النبى صلى الله عليه وسلم على الدعاء كما قال نوح عليه السلام (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وكما دعا يونس عليه السلام فقال تعالى ( واصبر) وبدل اللعن بالتسبيح (وسبح بحمد ربك ) بدل قولك اللهم أهلكهم ألا ترى إلى قوله تعالى (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) وقوله تعالى (بإنك بأعيننا) فيه وجوه (الأول) أنه تعالى لما بين أنهم يكيدونه كان ذلك ما يقتضى فى العرف المبادرة إلى إهلاكهم لئلا يتم كيدهم فقال: اصبر ولا تخف، فإنك محفوظ بأعيننا (ثانيها) أنه تعالى قال فاصبر ولا تدع عليهم فإنك بمرآى منازاك وهذه الحالة تقتضى أن تكون على أفضل ما يكون من الأحوال لكن كونك مسبحاً لنا أفضل من كونك داعياً على عباد خلقناهم، فاختر الأفضل فإنك بمرآى منا (ثالثها) أن من يشكو حاله عند غيره يكون فيه إنباء عن عدم علم المشكو إليه بحال الشاكى فقال تعالى (اصبر) ولا تشك حالك فانك بأعيننا نراك فلا فائدة فى شكواك، وفيه مسائل مختصة بهذا الموضع لاتوجد فى قوله ( فاصبر على مايقولون) . المسألة الأولى﴾ اللام فى قوله (واصبر لحكم) تحتمل وجوها: (الأول) هى بمعنى إلى أى اصبر إلى أن يحكم الله (الثانى) الصبر فيه معنى الثبات، فكأنه يقول فائبت لحكم ربك يقال ٢٧٥ قوله تعالى : ومن الليل فسبحه . سورة الطور . وَمِنَ أَلَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَ النُّجُومِ ﴾ ثبت فلان لحمل قرنه ( الثالث) هى اللام التى تستعمل بمعنى السبب يقال لم خرجت فيقال لحكم فلان على بالخروج فقال (واصبر) واجعل سبب الصبر امتثال الأمر حيث قال واصبر لهذا الحكم عليك لا لشىء آخر . المسألة الثانية﴾ قال ههنا (بأعيننا) وقال فى مواضع آخر (ولتصنع على عينى) نقول لماوحد الضمير هناك وهو ياء المتكلم وحده وحد العين ولما ذكر مهنا ضمير الجمع فى قوله ( بأعيننا) وهو النون حمع العين ، وقال ( بأعيننا) هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فلأن الحفظ هنا أتم لأن الصبر مطية الرحمة بالنبى يؤرق حيث اجتمع له الناس وجمعوا له مكايد وتشاوروا فى أمره، وكذلك أمره بالفلك وأمره بالاتخاذ عند عدم الماء وحفظه من الغرق مع كون كل البقاع مغمورة تحت الماء تحتاج إلى حفظ عظيم فى نظر الخلق فقال بأعيننا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ماوجه تعلق الباء ههنا قلنا قد ظهر من جميع الوجوه ، أما إن قلنا بأنه للحفظ فتقديره محفوظ بأعيننا، وإن قلنا للعلم فمعناه بمرأى منا أى بمكان نراك وتقديره فإنك بأعيننا مربى وحينئذ هو كقول القائل رأيته بعينى كما يقال كتب بالقلم الآلة وإن كان رؤية الله ليست بآلة، فإن قيل فما الفرق فى الموضعين حيث قال فى طه (على عينى) وقال «هنا (بأعيننا) وما الفرق بين على وبين الباء نقول معنى على هناك هو أنه يرى على مايرضاه الله تعالى، كما يقول أفعله على عينى أى على رضاى تقديره على وجه يدخل فى عينى وألتفت إليه فإن من يفعل شيئاً لغيره ولا يرتضيه لا ينظر فيه ولا یقلب عينه إليه والبا. فى قوله (وسبح بحمد ربك) قد ذكر ناهاوقوله (حين تقوم) فيهوجوه (الأول) تقوم من موضعك والمراد قبل القيام حين ما تعزم على القيام وحين مجىء القيام ، وقد ورد فى الخبر أن من قال «سبحان الله)) من قبل أن يقوم من مجلسه يكتب ذلك كفارة لما يكون قد صدر منه من اللفظ واللغوا فى ذلك المجلس ( الثانى ) حين تقوم من النوم ، وقد ورد أيضاً فيه خبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ((يسبح بعد الانتباه)) (الثالث) حين تقوم إلى الصلاة وقد ورد فى الخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول فى افتاح الصلاة ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)) (الرابع) حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا قمت منتصباً لجاهدة قومك ومعاداتهم والدعاء عليهم (فسبح بحمد ربك) وبدل قيامك للمعاداة وانتصابك للانتقام بقيامك لذكر الله وتسبيحه (الخامس) حين تقوم أى بالنهار، فإن الليل محل السكون والنهار محل الإبتغاء وهو بالقيام أولى ، ويكون كقوله (ومن الليل فسبحه ) إشارة إلى مابقى من الزمان وكذلك (إدبار النجوم) وهو أول الصبح . قوله تعالى : ﴿ ومن اللیل فسبحه وإدبار النجوم ٢٧٦ قوله تعالى : ومن الليل فسبحه . سورة الطور . و قد تقدم تفسیره وهو كقوله تعالى ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) وقد ذكرنا فائدة الاختصاص بهذه الأوقات ومعناه، ونختم هذه السورة بفائدة وهی أنه تعالى قال ههنا (وإدبار النجوم) وقال فى قّ (وإدبار السجود) ، ويحتمل أن يقال المعنى واحد والمراد من السجود جمع ساجد وللنجوم مجود قال تعالى ( والنجم والشجر يجدان) وقيل المراد من النجم نجوم السماء وقيل النجم مالا ساق له من النبات قال الله تعالى ( ولله يسجد من فى السموات و من فى الأرض) أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم فى اللغة أى إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله، وقد ورد فى الحديث (( من قال عقيب الصلاة سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات كتب له ألف حسنة)) فيكون المعنى فى الموضعين واحد لأن السجود من الوظائف والمشهور والظاهر أن المراد من (إدبار النجوم) وقت الصبح حيث يدبر النجم ويخفى ويذهب ضياؤه بضوء الشمس ، وحينئذ تبين ما ذكرنا من الوجه الخامس فى قوله حين تقوم أن المراد منه النهار لأنه محل القيام (ومن الليل) القدر الذى يكون الإنسان فى يقظان فيه (وإدبار النجوم) وقت الصبح فلا يخرج عن التسبيح إلا وقت النوم، وهذا آخر تفسير هذه السورة والله أعلم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ٢٧٧ سورة النجم (٥٣) سُورَة النِّبْ مرضكِيَة وَآيَاتِهِائِلْنَانِ وَسِتْنَ بِسْـ وَالَّجْمِ إِذَا هَوَى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والنجم إذا هوى﴾ وقبل الشروع فى التفسير نقدم مسائل ثم نتفرغ للتفسير وإن لم تكن منه: ﴿الأولى) أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلأن ختم والطور بالنجم، وافتتاح هذه بالنجم مع واو القسم، وأما المعنى فنقول: اللّه تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) بين له أنه جزأه فى أجزاء مكايدة النبى صلى الله عليه وسلم، بالنجم وبعده فقال ( ما ضل صاحبكم وما غوى) . المسألة الثانية﴾ السورة التى تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأسماء دون الحروف وهى الصافات والذاريات ، والطور، وهذه السورة بعدها بالأولى فيها القسم لإثبات الوحدانية كما قال تعالى (إن إلهكم لواحد) وفى الثانية لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى (إنما توعدون اصادق وإن الدين لواقع) وفى الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى ( إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع) وفى هذه السورة النبوة التى يؤيتم لتكمل الأصول الثلاثة: الوحدانية، والحشر، والنبوة. ﴿ المسألة الثالثة﴾ لم يقسم الله على الوحدانية ولا على النبوة كثيراً، أما على الوحدانية فلأنه أقسم بأمر واحد فى سورة الصافات، وأما على النبوة فلأمه أقسم بأمر واحد فى هذه السورة وبأمرين فى سورة الضحى وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فإن قوله تعالى ( والليل إذا يغشى) وقوله تعالى ( والشمس وضحاها ) وقوله تعالى ( والسماء ذات البروج) إلى غير ذلك ، كلها فيها الحشر أو ما يتعلق به ، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل : تدل على أنه واحد وفى كل شىء له آية ودلائل النبوة أيضاً كثيرة وهى المعجزات المشهورة والمتواترة ، وأما الحشر فإمكانه يثبت بالعقل، وأما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع فأكثر القسم ليقطع به المكلف ويعتقده اعتقاداً جازماً ، وأما التفسير ففيه مسائل : ﴿الأولى) الواو القسم بالنجم أو برب النجم ففيه خلاف قدمناه، والأظهر أنه قسم بالنجم ٢٧٨ قوله تعالى : والنجم إذا هوى : سورة النجم . يقال ليس للقسم فى الأصل حرف أصلا لكن الباء والواو استعملنا فيه لمعنى عارضٍ، وذلك لأن الياء فى أصل القسم هى الباء التى للالصاق والاستعانة فكما يقول القائل: استعنت بالله، يقول: أقسمت بالله، وكما يقول: أقوم بعون الله على العدو، يقول: أقسم بحق اللّه. فالبا. فيهما بمعنى كما تقول : كتب بالقلم ، فالباء فى الحقيقة ليست للقسم غير أن القسم كثر فى الكلام فاستغنى عن ذكره وغيره لم يكثر فلم يستغن عنه، فإذا قال القائل : بحق زيد فهم منه القسم لأن المراد لو كان هو مثل قوله: ادخل زيد، أو اذهب بحق زيد، أولم يقسم بحق زيد لذكر كما ذكر فى هذه الأشياء لعدم الاستغناء فلما لم يذكر شىء علم أن الحذف للشهرة والاستغناء، وذلك ليس فى غير القسم فعلم أن المحذوف فعل القسم ، فكأنه قال: أقسم بحق زيد ، فالبا فى الأصل ليس للقسم لكن لما عرض ما ذكرنا من الكثرة والاشتهار قيل الباء للقسم، ثم إن المتكلم نظر فيه فقال هذا لا يخلو عن التباس فإنى إذا قلت بالله توقف السامع فإن سمع بعده فعلا غير القسم كقوله: بالله استعنت وبالله قدرت وبالله ميشت وأخذتٍ، لا يحمله على القسم، وإن لم يسمع حمله على القسم إن لم يتوم وجود فعل ما ذكرته ولم يسمعه، أما إن توهم أنى ذكرت مع قولى بالله شيئاً آخر وما سمعه هو أيضاً يتوقف فيه ففى الفهم توقف، فإذا أراد المتكلم الحكيم إذهاب ذلك مع الاختصار وترك ما استغنى عنه، وهو فعل القسم أبدل الياء بالتاء، وقال: تاله ، فتكلم بها فى كلمة اللّه لاشتهار كلمة الله والأمن من .. الإلتباس فإن التاء فى أوائل الكلمات قد تكون أصلية، وقد تكون للخطاب والتأنيث، ( فلو أقسم بحرف التاء یمن إسمه داعی أو راء أو مادی أو عادى يقول تداعى أو تراعى أو تهادى أو تعادى فيلتبس ، وكذلك فيمن اسمه رومان أو توران إذا قلت: ترومان أو تتوران على أنك تقسم بالتاء تلتبس بتاء الخطاب والتأنيث فى الاستقبال، فأبدلوها واواً لا يقال عليه إشكالان (الأول) مع الواو لم يؤمن الالتباس ، نقول ولى فتلتبس الواو الأصلية بالتى القسم لأنا نقول ذلك لم يلزم فيما ذهبنا إليه ، وإنما كان ذلك فى الواو حيث يدل وينىء عن العطف وإن لم يستعمل الواو للقسم، كيف وذلك فى الياء التى هى كالأصل متحقق تقول برام فى جمع برمة ، وبهام فى جمع بهمة ، وبغال للبسية الباء الأصلية التى فى البغال والبرام بالباء التى تلصقها بقولك مال ورأى فتقول بماله، وأما التاء لمنا استغملت للفسم لزم من ذلك الاستعمالى الالتباس حيث لم يكن من قبل حرفاً من الأدوات كالباء والواو ( الإشكال الثانى) لم تركت ما لا التباس فيه كقولك: تالرحيم وتالعظيم ؟ نقول : لما كانت كلمة الله تعالى فى غاية الشهرة والظهور استعملت التاء فيها على خلاف الأصل، بمعنى لم بهر أن يقاس عليها إلا ما يكون فى شهرتها، وأما غيرها فربما يخفى عند البعض، فإن من يسمع الرحيم وسمع فى الندرة تر بمعنى قطع ربما يقول تر حيم فعل وفاعل أوفعل ومفعول وإن كان ذلك فى غاية البعد لكن الاستواء فى الشهرة فى المنقول منه والمنقول إليه لازم، ولا مشهور مثل كلمة الله، على أنا نقول لم قلت إن عند الأمن لا تستعمل ألا ترى أنه نقل عن العرب برب الكمية ٢٧٩ قوله تعالى : والنجم إذا هوى . سورة النجم . والذى يؤيد ماذكرنا أنت تقول أقسم بالله ولا تقول أقسم بالله لأن التاء فيه مخافة الالتباس عند حذف الفعل من القسم وعند الإتيان به لم يخف ذلك فلم يجز . ﴿ المسألة الثانية﴾ اللام فى قوله تعالى (والنجم ) لتعريف العهد فى قول ولتعريف الجنس فى قول، والأول قول من قال (والنجم) المراد منه الثريا ، قال قائلهم: إن بدا النجم عشياً ابتغى الراعى كسياً والثانى فيه وجوه (أحدها) النجم هو نجم السماء التى هى ثابتة فيها للاهتداء وقيل لا بل النجم المنقضة فيها التى هى رجوم للشياطين ( ثانيها) نجوم الأرض وهى من النبات مالا ساق له ( ثالثها) نجوم القرآن ولنذكر مناسبة كل وجه ونبين فيه المختار منها ، أما على قولنا المراد الثريا فهو أظهر النجوم عند الرائى لأن له علامة لا يلتبس بغيره فى السماء ويظهر لكل أحد والنى مَطلائع تميز عن الكل بآيات بينات فأقسم به ، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبكر حان إدراك الثمار ، وإذا ظهرت بالعشاء أو اخر الخريف تقل الأمراض والنبى صلى الله عليه وسلم لما ظهر قل الشك والأمراض القلبية وأدركت الثمار الحكمية والحلية، وعلى قولنا المراد هى النجوم التى فى السماء للاهتداء نقول النجوم بها الاهتداء فى البرارى فأقسم الله بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة، وعلى قولنا المراد الرجوم من النجوم، فالنجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض، وعلى قولنا المراد القرآن فهو استدل بمعجزة النبى صلى الله عليه وسلم على صدقه وبراءته فهو كقوله تعالى (يس، والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) ما ضللت ولا غريت ، وعلى قولنا النجم هو النبات ، فنقول النبات به ثبات القوى الجسمانية وصلاحها والقوة العقلية أولى بالإصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل ، ومن هذا يظهر أن المختار هو النجوم التى هى فى السماء لأنها أظهر عند السامع وقوله (إذا هوى) أدل عليه ، ثم بعد ذلك القرآن أيضاً فيه ظهور ثم الثريا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ القول فى (والنجم) كالقول فى ( والطور) حيث لم يقل والنجوم ولا الأطوار، وقال ( والذاريات، والمرسلات) وقد تقدم ذكره . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ ما الفائدة فى تقييد القسم به بوقت هو به ؟ نقول النجم إذا كان فى وسط السماء يكون بعيداً عن الأرض لا يهتدى به السارى لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال ، فإذا زال تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال كذلك النبى صلى الله عليه وسلم خفض جناحه للمؤمنين وكان على خلق عظيم كما قال تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم) وكما قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فإن قيل الاهتداء بالنجم إذا كان على أفق المشرق كالاهتداء به إذا كان على أفق المغرب فلم يبق ما ذكرت جواباً عن السؤال ، نقول الاهتداء بالنجم وهو مائل إلى المغرب أكثر لأنه يهدى فى :٢٨٠ قوله تعالى : ما ضل صاحبكم وما غوى . سورة النجم . مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٣) وَمَا يَنِطِقُ عَنِ الْحَوَىّ الطريقين الدنيوى والدينى ، أما الدنيوى فلما ذكرنا ، وأما الدينى فكما قال الخليل (لا أحب الآفلين) وفيه لطيفة، وهى أن الله لما أقسم بالنجم شرفه وعظمه، وكان من المشركين من يعبده فقرن بتعظيمه وصفاً يدل على أنه لم يبلغ درجة العبادة، فإنه هاو آفل . قوله تعالى: ﴿ماضل صاحبكم وما غوى﴾ أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغى ، والذى قاله بعضهم عند محاولة الفرق: أن الضلال فى مقابلة الهدى، والغى فى مقابلة الرشد، قال تعالى (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا) وقال تعالى (قد تبين الرشد من الغى) وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا فى الوضع، تقول ضل بعيرى ورحلى ، ولا تقول غوى ، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلا ، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذى ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد ، ولا تقول إنه ضال ، والضال كالكافر ، والغاوى كالفاسق ، فكأنه تعالى قال (ما ضل) أى ما كفر، ولا أقل من ذلك فما فسق، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى (فإن آ نستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) أو نقول الضلال كالعدم، والغواية كالوجود الفاسد فى الدرجة والمرتبة، وقوله (صاحبكم) فيه وجهان (الأول) سيدكم (والآخر) مصاحبكم، يقال صاحب البيت ورب البيت ، ويحتمل أن يكون المراد من قوله ( ما صل ) أى ما جن ، فإن المجنون ضال، وعلى هذا فهو كقوله تعالى (ن، والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرأ غير منون) فيكون إشارة إلى أنه ماغوى ، بل هو رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر، كما قال تعالى ( قل ما أسألكم عليه من أجر) وقال (إن أجرى إلا على الله) وقوله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم) إشارة إلى قوله ههنا ﴿ وما ينطق عن الهوى) فإن هذا خلق عظيم، ولنبين الترتيب فنقول: قال أولا (ماضل) أى هو على الطريق (وما غوى) أى طريقه الذى هو عليه مستقيم (وما ينطق عن الهوى) أى هو راكب مننه آخذ سمت المقصود، وذلك لأن من يسلك طريقاً ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق، وربما يجد إليه طريقاً بعيداً فيه متاعب ومهالك، وربما يجد طريقاً واسعاً آمناً، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولا، ويمكن أن يقال ( وما ينطق عن الهوى) دليل على أنه ماضل وما غوى، تقديره: كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما يضل من يتبع الهوى ، ويدل عليه قوله تعالى ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضى فى قوله ( ما ضل) وصيغة المستقبل فى قوله (وما ينطق) فى غاية الحسن ، أى ماضل حين اعتزلكم وما تعبدون فى صغره ( وما غوى) حين -