النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
قوله تعالى : إن عذاب ربك لواقع . سورة الطور .
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ
مَالَهَ، من دَافِعٍ
وصف كان إلى المعرفة أقرب شبهاً .
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى بعض السور أقسم بجموع كما فى قوله تعالى (والذاريات) وقوله
(والمرسلات) وقوله ( والنازعات ) وفى بعضها بأفراد كما فى هذه السورة حيث قال (والطور) ولم
يقل والأطوار والبحار ، ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود، كما في قوله تعالى
(ورفعنا فوقهم الطور) أى الجبل فما الحكمة فيه؟ نقول فى الجموع فى أكثرها أقسم بالمتحركات
والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها ، بل هى متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها
والمقصود منها لا يحصل إلا بالنبدل والتغير فقال (والذاريات) إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد
المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت قليل النغير والواحد من الجبال دائم زماناً ودهراً، فأقسم
فى ذلك بالواحد وكذلك قوله (والنجم) والريح ما علم القسم به وفى الطور علم .
ثم قال تعالى ﴿ إن عذاب ربك لواقع، ماله من دافع) إشارة إلى المقسم عليه وفيه مباحث
(الأول) فى حرف إن وفيه مقامات (الأول) هى تنصب الاسم وترفع الخبر والسبب فيه هو أنها
شبهت بالفعل من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلكون الفتح لازما فيها واختصاصها بالدخول
على الأسماء والمنصوب منها على وزن إن أنينا، وأما المعنى، فنقول اعلم أن الجملة الإثباتية قبل الجملة
الانتفائية، ولهذا استغنوا عن حرف يدل على الإثبات ، فادا قالوا زيد منطلق فهم منه إرادة إثبات
الانطلاق لزيد، والانتفائيه لما كانت بعد المثبتة زيد فيها حرف يغير ها عن الأصل وهو الإثبات فقيل
ليس زيد منطلقاً ، فصار ليس زيد منطلقا بعد قول القائل زيد منطلق، ثم إن قول القائل إن زيداً
منطلق مستنبط من قوله ليس زيد منطلقا ، كأن الواضع لما وضع أولا زيد منطلق للاثبات وعند
النفى يحتاج إلى ما يغيره أتى بلفظ مغير وهو فعل من وجه لأنك قد تبقى مكانه ما النافية ولهذا قيل
لست وليسوا، فألحق به ضمير الفاعل، ولولا أنه فعل لما جاز ذلك، ثم أراد أن يضع فى مقابلة ليس
زيد منطلقاً جملة إثباتية فيها لفظ الإثبات، كما أن فى النافية لفظ النفى فقال إن ولم يقصد أن إن فعل
لأن ليس يشبه بالفعل لما فيه من معنى الفعل وهو التغيير ، فانها غيرت الجملة من أصلها الذى هو
الإثبات وأما إن فلم تغيره فالجملة على ما كانت عليه إثباتية فصارت مشبهة بالمشبهة بالفعل وهى ليس،
وهذا مايقوله النحويون فى إن وأن وكأن وليت ولعل إنها حروف مشبهة بالأفعال إذا علمت
هذا، فنقول كما إن ليس لها اسم كالفاعل وخبر كالمفعول، تقول ليس زيد لتيما بالرفع والنصب كما
تقول بات زيدكريما، فكذلك إن لها اسم وخبر، لكن اسمها يخالف اسم ليس وخبرها خبرها فان
اسم إن منصوب وخبرها مرفوع، لأن إن لما كانت زيادة على خلاف الأصل لأنها لا تفيد إلا
الإثبات الذى كان مستفاداً من غير حرف، وليس لما كانت زيادة على الأصل لأنها تغير الأصل
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٦

:: ٢٤٢
قوله تعالى : يوم تمور السماء موراً . سورة الطور .
١٠
يَوْمَ تُمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا يَ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًاً
ولولاها لما حصل المقصود جعل المرفوع والمنصوب فى ليس على الأصل ، لأن الأصل تقديم
الفاعل، وفى إن جعل ذلك على خلاف الأصل وقدم المشبه بالمفعول على المشبه بالفاعل تقديماً لازماً
فلا يجوز أن يقال إن منطلق زيداً وهو فى ليس منطلقاً زيد جائزكما فى الفعل لأنها فعل.
﴿ المقام الثانى) هى لم تكسر تارة وتفتح أخرى؟ نقول الأصل فيها الكسرة والعارض
وإن كان هذا فى الظاهر يخالف قول النحاة لكن فى الحقيقة هى كذلك .
﴿ المقام الثالث) لم تدخل اللام على خبر إن المكسورة دون المفتوحة؟ قلنا قد خرج ما سبق
أن قول القائل زيد منطلق أصل، لأن المثبتات هى المحتاجة إلى الإخبار عنها فإن التغير فى ذلك ، وأما
العدميات فعلى أصولها مستمرة، ولهذا يقال الأصل فى الأشياء البقاء ثم إن السامع له قد يحتاج إلى
الرد عليه فيقول ليس زبد منطلقاً فيقول هو إن زيداً منطلق فيقول هو رداً عليه ليس زيد بمنطلق
فيقول رداً عليه إن زبدأ لمتطلق وأن ليست فى مقابلة ليس وإنما هى متفرعة عن المكسورة .
(المبحث الثانى) قوله تعالى (عذابربك) فيه لطيفة عزيزة وهى أنه تعالى لوقال إن عذاب
الله لواقع، والله اسم منى. عن العظمة والهيبه كان يخاف المؤمن بل النبى صلى الله عليه وسلم من
أن يلحقه ذلك لكونه تعالى متغنياً عن العالم بأسره، فضلا عن واحد فيه قآمنه بقوله (ربك) فانه
حين يسمع لفظ الرب يأمن .
( المبحث الثالث) قوله (لواقع) فيه إشارة إلى الشدة، فإن الواقع والوقوع من باب واحد
فالواقع أدل على الشدة من السكان. ثم قال تعالى (ماله من دافع) والبحث فيه قد تقدم فى قوله
تعالى (وما ربك بظلام للعبيد) وقد ذكرنا أن قوله (والطور .. والبيت المعمور .. والبحر المسجور)
فيه دلالة على عدم الدافع فان من يدفع عن نفسه عذاباً قد يدفع بالتحصن بقلل الجبال ولجج البخار
ولا ينفع ذلك بل الوصول إلى السقف المرفوع ودخول البيت المعمور لا يدفع .
قوله تعالى: ﴿ يوم تمور السماء موراً، وتسير الجبال سيراً﴾ وفيه مسائل؛
:
المسألة الأولى﴾ ما الناصب ليوم؟ نقول المشهور أن ذلك هو الفعل الذى يدل عليه واقع
أى يقع العذاب ( يوم تمور السماء موراً) والذى أظنه أنه هو الفعل المدلول عليه بقوله ( ماله من
دافع ) وإنما قلت ذلك لأن العذاب الواقع على هذا ينبغى أن يقع فى ذلك اليوم، لكن العذاب.
الذى به التخريف هو الذى بعد الحشر، ومورالسماء قبل الحشر، وأما إذا قلنا معناه (ليس له دافع)
يوم تمور فيكون فى معنى قوله (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) كانه تعالى يقول: ماله من دافع
فى ذلك اليوم وهو ما إذا صارت السماء تمور فى أعينكم والجبال تسير، وتتحققون أن الأمر
لا ينفع شياً ولا يدفع.

٢٤٣
قوله تعالى : يوم تمور السماء موراً . سورة الطور .
﴿ المسألة الثانية﴾ ما مور السماء؟ نقول خروجها عن مكانها تتردد ونموج، والذى تقوله
الفلاسفة قد علمت ضعفه مراراً وقوله تعالى (وتسير الجبال سيراً) يدل على خلاف قرلهم ، وذلك
لأنهم وافقوا على أن خروج الجبل العظيم منمكانه جائز وكيف لا وهم يقولون بأن زلزلزلة الأرض
مع ما فيها من الجبال بيخار يجتمع تحت الأرض فيحركها، وإذا كان كذلك فنقول السماء قابلة
للحركة بإخراجها خارجة عن السمتيات والجبل ساكن يقتضى طبعه السكون ، وإذا قبل جسم
الحركة مع أنها عل خلاف طبعه، ولأن يقبلها جرم آخر مع أنها على موافقته أولى ، وقولهم القابل
للحركة المستديرة لا يقبل الحركة المستقيمة فى غاية الضعف، وقوله (موراً) يفيد فائدة جليلة وهى
أن قوله تعالى ( وتسير الجبال ) يحتمل أن يكون بياناً لكيفية مور السماء، وذلك لأن الجبال إذا
سارت وسيرت معها سكانها يظهر أن السماء كالسيارة إلى خلاف تلك الجهة كما يشاهده راكب
السفينة فإنه يرى الجبل الساكن متحركا ، فكان لقائل أن يقول السماء تمور فى رأى العين بسبب
سير الجبال كما يرى القمر سائراً راكب السفينة، والسماء إذا مارت كذلك فلا يبقى مهرب ولا
مفزع لا فى السماء ولا فى الأرض .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما السبب فى مورها وسيرها؟ قلنا قدرة الله تعالى، وأما الحكمة فالإيذان
والإعلام بأن لا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا
والانتفاع لبنى آدم بها، فإن لم يتفق لهم عود لم يق فيها نفع فأعدمها اللّه تعالى.
﴿ المسألة الرابعة﴾ لو قال قائل كنت وعدت ببحث فى الزمان يستفيد العاقل منه فوائد فى
اللفظ والمعنى وهذا موضعه ، فإن الفعل لا يضاف إليه شىء غير الزمان فيقال يوم يخرج فلان
وحين يدخل فلان ، وقال الله تعالى ( يوم ينفع الصادقين ) وقال ( ويوم تمور السماء) وقال (يوم
خلق السموات والأرض ) وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب فى ذلك ؟
فتقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان ، وكما أن جوهرآمن الجواهر لا يوجد
إلا فى مكان ، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا فى زمان ، وفيهما تحير خلق عظيم ،
فقالوا إن كان المكان جوهراً فله مكان آخر وية. مسل الأمر، وإن كان عرضاً فالعرض لابد له من
جوهر، والجوهر لا بد له من مكان فيدور الأمر أو يقسلسل، وإن لم يكن جوهراً ولا عرضاً،
فالجوهر يكون حاصلا فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه، وليس كذلك، وقالوا فى الزمان إن
كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضى والاستقبال، وإن كان متجدداً
وكل متجدد فهو فى زمان، فللزمان زمان آخر فيتسلسل الأمر، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل
فى الأزمنة ، ووقعوا بسبب هذا فى القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل فى الأمكنة وفرقوا بينهما
من غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعاً، وقالوا بالقدم وأزمان لا نهاية لها وبالامتداد
وأبعاد لا نهاية لها، وهم وإن خالفونا فى المسألتين جميعاً والفلاسفة وافقونا فى إحداهما دون

٢٤٤
قوله تعالى : وتسير الجبال سيراً . سورة الطور .
الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ولم يتركوا على أنفسهم سيل الإلتزام فى الأزمان. وإن قيل
فالمتجدد الأول قبله ماذا ؟ نقول ليس قبله شىء، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه؟ نقول قولنا
ليس قبله شىء أعم من قولك قبله عدمه ، لأنا إذا فلنا ليس قبل آدم حيوان بألف رأس ، صدقنا
ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس أو حيوان بألف رأس بعد آدم، لانتفاء
ذلك الحيوان أولا وآخراً وعدم دخوله فى الوجود أزلا وأبداً، فكذلك ما قلنا، فإن قيل هذا
لا يصح ، لأن الله تعالى شىء موجود وهو قبل العالم، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شىء
معناه ليس قبله شى بالزمان، وأما اللّه تعالى فليس قبله بالزمان إذكان الله ولا زمان، والزمان
وجد مع المتجدد الأول، فان قيل فما معنى وجود الله قبل كل شيء غيره ؟ نقول معناه كان الله ولم
يكن شىء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات شىء بشىء ولا يثبت ذلك الشىء إلا بما ترومون إثباته،
فإن بداية الزمان غرضكم وهو مبنى على المتجدد الأول والنزاع فى المتجدد، فإن عند الخصم ليس
فى الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلا، وإنما ذكرناه
بياناً لعدم الإلزام، وأنه لا يرد علينا شىء إذا قلنا بالحدوث ونهاية الأبعاد واللزم والإلزام، فيسلم.
الكلام الأول ، ثم يلزم ويقول: ألست تقول إن لنا متجدداً أولا فكذلك قل له عدم، فنقول
لا بل ليس قبله أمر بالزمان، فيكون ذلك نفياً عاماً، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان ، كما ذكرنا
فى المثال ، إذا علمت هذا فصار الزمان تارة موجوداً مع عرض وأخرى موجوداً بعد عرض،
لأن يومنا هذا وغيره من الأيام كلها صارت متميزة بالمتجدد الأول ، والمتجدد الأول له زمان
هو معه، إذا عرفت أن الزمان والمكان أمرهما مشكل بالنسبة إلى بعض الأفهام والأمر الخفى
يعرف بالوصف والإضافة، فإنك إذا قلت غلام لم يعرف، فإذا رصفته أو أضفته وقلت غلام
صغیر أو کبیر، وأبيض أو أسود قرب من الفهم، وكذلك إذا قلت غلام زید قرب ، ولم یکن
بد من معرفة الزمان، ولا يعرف الشىء إلا بما يختص به ، فإنك إذا قلت فى الإنسان حيوان موجود
بعدته عن الفهم ، وإذا قلت حيوان طويل القامة فربته منه ، ففى الزمان كان يجب أن يعرف بما
يختص به لأن الفعل الماضى والمستقبل والحال يختص بأزمنة، والمصدر له زمان مطلق، فلو قلت
زمان الخروج تميز عن زمان الدخول وغيره، فإذا قلت يوم خرج أفاد ما أفاد قولك يوم الخروج
مع زيادة هو أنه تميز عن يوم يخرج والإضافة إلى ماهو أشد تمييزاً أولى، كما أنك إذا قلت غلام
رجل ميزته عن غلام امرأة ، وإذا قلت غلام زيد زدت عليه فى الإفادة وكان أحسن، كذلك
قولنا يوم خزج لتعريف ذلك اليوم خير من قولك يوم الخروج، فظهر من هذا البحث أن الزمان
يضاف إلى الفعل وغيره لا يضاف لاختصاص الفعل بالزمان دون غيره إلا المكان فى قوله
اجلس حيث يجلس ، فإن حيث يضاف إلى الجمل لمشابهة ظرف المكان لظرف الزمان، وأما الجمل
فهى إنما يصح بواسطة تضمنها الفعل ، فلا يقال يوم زبد أخوك، ويقال يوم زيد فيه خارج.

٢٤٥
قوله تعالى : فويل يومئذ للمكذبين . سورة الطور .
رورُ
الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضِ يَلْعَبُونَ
فَوَيْلٌ يَوْمَيِذِ للْمُكَذِّبِينَ
ومن جملة الفوائد اللفظية أن لات يختص استعمالها بالزمان قال الله تعالى (ولات حين مناص) ولا
يقال لات الرجل سو.، وذلك لأن الزمان تجدد بعد تجدد ولا يبقى بعد الفناء. حياة أخرى وبعد كل
حركة حركة أخرى وبعد كل زمان زمان وإليه الإشارة بقوله تعالى (كل يوم هو فى شأن) أى قبل
الخلق لم يخلق شيئاً، لكنه يعد ما خلق فهو أبداً دائما يخلق شيئاً بعد شىء فبعد حياتنا موت وبعد موتنا
حياة وبعد حياتنا حساب وبعد الحساب ثواب دائم أو عقاب لازم ولا يترك اللّه الفعل فلا بعد الزمان
عن النفى زيد فى الحروف النافية زيادة، فان قيل فالله تعالى أبعد عن الانتفاء فكان ينبغى أن لا تقرب
التأ بكلمة لاهناك ، نقول (لات حين مناص) تأويل وعليه لايرد ماذكرتم وهو أن لاهى المشبهة
بليس تقديره ليس الحين حين مناص، وهو المشهور ، ولذلك اختص بالحين دون اليوم والليل
لأن الحين أدوم من الليل والنهار فالليل والنهار قد لا يكون والحين يكون.
قوله تعالى: ﴿فويل يومئذ للمكذبين، الذين هم فى خوض يلعبون﴾ أى إذا علم أن عذاب
الله واقع وأنه ليس له دافع فويل إذاً للمكذبين ، فالفاء لاتصال المعنى، وهو الإيذان بأمان أهل
الإيمان ، وذلك لأنه لما قال (إن عذاب ربك لواقع) لم يبين بأن موقعه بمن ، فلما قال (فويل يومئذ
للمكذبين) على الخصوص به وهو المكذب، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ إذا قلت بأن قوله ( ويل يومئذ المكذبين ) بيان لمن يقع به العذاب
وينزل عليه فمن لا يكذاب لا يعذب، فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يكذبون ، نقول ذلك العذاب
لا يقع على أهل الكبائر وهذا كما فى قوله تعالى (كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير،
قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا) فنقول المؤمن لا يلقى فيها إلقاء بهوان ، وإنما يدخل فيها
ليظهر إدخال مع نوع إكرام ، فتكذلك الويل للمكذبين، والويل ينى عن الشدة وتركيب
حروف الواو والیاء واللام لا يفك عن نوع شدة ، منه لوی إذا دفع ولوی یلوى إذا كان قوياً
والولى فيه القوة على المولى عليه، ويدل عليه قوله تعالى ( يدعون) فأن المكذب يدع والمصدق
لا يدع ، وقد ذكرنا جواز التفكير فى قوله ( ويل ) مع كونه مبتدأ لأنه فى تقدير المنصوب
لأنه دعاء ومضى، وجهه فى قوله تعالى (قال سلام) والخوض نفسه خص فى استعمال القرآن
بالاندفاع فى الأباطيل ، ولهذا قال تعالى (وخضتم كالذى خاضوا) وقال تعالى (وكنا نخوض
مع الخائضين ) وتنكير الخوض يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون التكثير أى فى خوض
كامل عظيم ( ثانيهما) أن يكون التنوين تعويضاً عن المضاف إليه ، كما فى قوله تعالى (إلا ) وقوله
( وإن كلا) و ( بعضهم ببعض) والأصل فى خوضهم المعروف منهم وقوله ( الذين م
فى خوض ) ليس وصفاً للمكذبين بما يميزهم ، وإنما هو الذم كما أنك تقول الشيطان الرجيم

٢٤٦
قوله تعالى : يوم يدعون الى نار جهنم . سورة الطور .
يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنََّ دَّا (﴿ هَئِذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُ بِهَا تُكَذِبُونَ.
ولا تريد فصله عن الشيطان الذى ليس برجيم بخلاف قولك أكرم الرجل العالم، فالوصف بالرجيم
للذم به لا للتعريف وتقول فى المدح: الله الذى خلق، والله العظيم للمدح لا للتمييز ولا للتعريف
عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم، فإن الله واحد لا غير.
ثم قال تعالى ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً﴾ وفيه مباحث لفظية ومعنوية. أما اللفظية
ففيها مسائل :
المسألة الأولى ﴾ يوم منصوب بماذا ؟ نقول الظاهر أنه منصوب بما بعده وهو ما يدل عليه
قوله تعالى (هذه النار ) تقديره يوم يدعون يقال لهم هذه النار التى كنتم بها تكذبون، ويحتمل
غير هذا وهو أن يكون يوم بدلا عن يوم فى يومئذ تقريره فويل يومئذ للمكذبين ويوم بدعون
أى المكذبون وذلك أن قوله ( يومئذ) معناه يوم يقع العذاب وذلك اليوم هو ( يوم يدعون)
فيه إلى النار .
المسألة الثانية) قوله (يدعون إلى النار) يدل على هول نار جهنم، الآن خزتها لا يقربون
منها وإنما يدفعون أهلها إليها من بعيد ولمقونهم فيها وهم لا يقربونها.
﴿ المسألة الثالثة﴾ (دعاً) مصدر, وقد ذكرت فائدة ذكر المصادر وهى الإيذان بأن الدع دع
معتبر يقال له دع ولا يقال فيه ليس بدع، كما يقول القائل فى الضرب الخفيف مستحقراً له: هذا
ليس بضرب والعدو المهين: هذا ليس بعدو فى غير المصادر، والرجل الحقير ليس برجل إلا على
قراءة من قرأ ( يدعون إلى نار جهنم دعاء) فإن دعاء حينئذ يكون منصوباً على الحال تقديره بقال
لهم حذرا إلى النار مدعوين إليها .
أما المعنوية فنقول قوله تعالى ( یوم بدعون إلى نار جهنم ) يدل على أن خزنتها يقذفونهم فيها
وهم بعداءعنها، وقال تعالى ( يوم يسحبون فى النار) نقول الجواب عنه من وجوه (أحدها) أن
الملائكة يسحبونهم فى النار ثم إذا قربوا من نار مخصوصة هى نار جهنم يقذفرنهم فيها من بعيد
فيكون السحب فى النار والدفع فى نار أشد وأقوى ، ويدل عليه قوله تعالى ( يسحبون فى الحميم ثم
النار يسجرون) أى بكون لهم محب فى حموة النار. ثم بعد ذلك يكون لهم إدخالى (الثانى) جازان
يكون فى كل زمان يتولى أمرهم ملائكة، فإلى النار يدفعهم ملك وفى النار يسحبهم آخر.
( الثالث) جاز أن يكون السحب بسلاسل يسحبون فى النار والساحب خارج النار .
(الرابع) يحتمل أن يكون الملائكة يدفعون أهل النار إلى النار إهانة واستخفافاً بهم، ثم يدخلون
معهم النار ويسحبونهم فيها .
قوله تعالى: ﴿ هذه النار التى كنتم بها تكذبون ﴾ على تقدير يقال.

٢٤٧
قوله تعالى : أفسحر هذا . سورة الطور .
أَفَسِحُ هَذَآ أَمْ أَنُمْ لَاتُبْصِرُونَ (٤) أَصْلَّوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُ واْسَوَاءٌ عَلَيْكُرْ
ـِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَعٍِ (19)
قوله تعالى: ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا نبصرون﴾ تحقيقاً للأمر، وذلك لأن من يرى شيئاً ولا
يكون الأمر على مايراه، فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين إما لأمر عائد إلى المرئى وأما الأمر
عائد إلى الرأى فقوله ( أفسحر هذا ) أى هل فى المرئى شك أم هل فى بصركم خلل ؟ استفهام
إنكار ، أى لا واحد منهما ثابت، فالذى ترونه حق وقد كنتم تقولون إنه ليس بحق ، وإنما قال
( أفسحر ) وذلك أنهم كانوا ينسبون المرئيات إلى السحر فكانوا يقولون بأن انشقاق القمر
وأمثاله سحر وفى ذلك اليوم لما تعلق بهم مع البصر الألم المدرك بحس اللمس وبلغ الإيلام الغاية
لم يمكنهم أن يقولوا هذا سحر ، وإلا لما صح منهم طلب الخلاص من النار .
قوله تعالى: ﴿اصلوها فاصبروا أولا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون
أى إذا لم يمكنكم إنكارها وتحقق أنه ليس بحر ولا خلل فى أبصاركم فاصلوها. وقوله تعالى
(فاصبروا أو لا تصبروا) فيه فائدنان (إحداهما) بيان عدم الخلاص وانتفاء المناص فإن من لا يصبر
يدفع الشىء عن نفسه إما بأن يدفع المعذب فيمنعه وإما بأن يغضبه فيقتله ويريجه ولا شىء من ذلك
يفيد فى عذاب الآخرة فان من لايغلب المعذب فيدفعه ولا يتلخص بالإعدام فإنه لا يقضى عليه
فيموت ، فإذن الصبر كعدمه، لأن من يصبر يدوم فيه، ومن لا يصبر يدوم فيه (الثانية) بيان ما يتفاوت
به عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا، فإن المعذب فى الدنيا إن صبر ربما انتفع بالصبر إما بالجزاء فى
الآخرة، وإما بالحمد فى الدنيا، فيقال له ما أشجعه وما أقوى قلبه، وإن جزع يذم، فيقال يجزع
كالصبيان والفسوان، وأما فى الآخرة لا مدح ولا أواب على الصبر، وقوله تعالى (سواء عليكم)
(سواء) خبر ، ومبتدأه مدلول عليه بقوله (فاصبروا أولا تصبروا) كأنه يقول: الصبر وعدمه
سواء، فإن قيل يلزم الزيادة فى التعذيب ، ويلزم التعذيب على المنوى الذى لم يفعله ، نقول فيه
لطيفة ، وهى أن المؤمن بإيمانه استفاد أن الخير الذى ينويه يثاب عليه، والشر الذى ينويه ولا
يحققه لا يعاقب عليه، والكافر بكفره صار على الضد، فالخير الذى ينويه ولا يعمله لا يثاب عليه،
والشر الذى يقصده ولا يقع منه يعاقب عليه ولا ظلم، فإن الله تعالى أخبره به، وهو اختار ذلك
ودخل فيه باختياره ، كأن الله تعالى قال: فإن من كفر ومات كافراً أعذبه أبداً فاحذروا ، ومن
آمن أثيبه دائماً ، فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعد ماسمع ذلك ، فإذا عاقبه المعاقب دائماً تحقيقاً
لما أوعده به لا يكون ظالماً.
قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات ونعيم﴾ على ماهو عادة القرآن من بيان حال المؤمن.

٢٤٨
قوله تعالى : فاكهين بما آتاهم ربهم . سورة الطور .
٠٠١٤/٠١٠٠٠٠١١٠٠١٠
فَاكِهِينَ بِمَآءَ اتَنْهُمْ رَبهم وَوَقَلهم ربهم عَذَابَ الْجَحِيمِ.
كُواْ وَأَشْرَبُواْ
١٨
هَنِيَّ بِمَا كُنُمْتَعْمَلُونَ (8) مُنَّكِينَ عَلَى سُرٍ مَّصْفُوقَةٍ وَزَوَّجْنَهُم ◌ُورٍ عِ ﴾
بعد بيان حال الكافر ، وذكر الثواب عقيب ذكر العقاب ليتم أمر الفرهيب والترغيب ، وقد
ذكرنا تفسير (المتقين) فى مواضع، والجنة وإن كانت موضع السرور، لکن الناطور قد يكون
فى البستان الذى هو غاية الطيبة وهو غير متنعم، فقوله (ونعيم) يفيد أنهم فيها يتنعمون. كما يكون
المتفرج لاكما يكون الناطور .
وقوله ﴿فاكهين ﴾ يزيد فى ذلك لأن المتنعم قد يكون آثار التنعم على ظاهره وقلبه مشغول،
فلما قال (فاكهين) يدل على غاية الطيبة، وقوله (بما آتاهم ربهم) يفيد زيادة فى ذلك، لأن الفكه
قد يكون خسيس النفس فيسره أدنى شىء، ويفرح بأقل سبب ، فقال (فا كهين) لالدنو حممهم
بل لعلو نعمهم حیث هى من عند ربهم .
قوله تعالى: ﴿ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون المراد أنهم
(فاكهون) بأمرين أحدهما بما آتاهم، والثانى بأنه وقام (وثانيهما) أن يكون ذلك جملة أخرى
منسوقة على الجملة الأولى، كأنه بين أنه أدخلهم جنات ونعيما ( ووقاهم عذاب الجحيم).
قوله تعالى: ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون، متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم
بحور عين) وفيه بيان أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المسكن وهو الجنات ثم الأكل
والشرب، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب ، وذكر فى
كل واحد منها ما يدل على كماله قوله ( جنات) إشارة إلى المسكن والمسكن للجسم ضرورى وهو
المكان ، فقال (فاكهين) لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور وبين سبب الفكاهة وعلى المرتبة
يكون ماآتاهم الله، وقد ذكرنا هذا، وأما فى الأكل والشرب والأذن المطلق فترك ذكر
المأكول والمشروب لتنوعهما و کثرتهما ، وقوله تعالى (هنيئاً) إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها
من المفاسد فى الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام ، ومنها أنه يخاف النفاد
فلا يسخر بالأكل والكل منتف فى الجنة فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل
عنه ، ولا إثم ولا تعب فى تحصيله ، فإن الإنسان فى الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من نهيئة
المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة أو مافيه من قضاء الحاجة واستقذار مافيه ، فلا
يتهنا. وكل ذلك فى الجنة منتف. وقوله تعالى (بما كنتم تعملون) إشارة إلى أنه تعالى يقول

٢٤٩
قوله تعالى : متكئين على سرر مصفوفة . سورة الطور .
أى مع أنى ربكم وخالقكم وأدخلتكم بفضلى الجنة، وإنما منتى عليكم فى الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم
للأعمال الصالحة كما قال تعالى (بل اللّه يمن عليكم أن هدا كم للايمان). وأما اليوم فلا من عليكم
لأن هذ إنجاز الوعد فإن قيل قال فى حق الكفار (إنما تجزون ما كنتم تعملون) وقال فى حق
المؤمنين ( بما كنتم تعملون) فهل بينهما فرق ؟ قلت بينهما بون عظيم من وجوه (الأول ) كلمة
إنما للحصر أى لا تجزون إلا ذلك، ولم يذكر هذا فى حق المؤمن فإنه يجزبه أضعاف ماعمل ويزيده
من فضله، وحينئذ إن كان يمن الله على عبده فيمن بذلك لا بالأكل والشرب ( الثانى) قال
هنا (بما كنتم) وقال هناك ( ما كنتم) أى تجزون عين أعمالكم إشارة إلى المبالغة فى المائلة كما تقول
هذا عين ماعملت وقد تقدم بيان هذا وقال فى حق المؤمن (بما كنتم ) كان ذلك أمر ثابت مستمر
بعملكم هذا (الثالث) ذكر الجزاء هناك وقال ههنا (بما كنتم تعملون) لأن الجزاءينى. عن الانقطاع
فإن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسزمنه شيئاً آخر. فان قيل فالله تعالى قال فى مواضع
(جزاء بما كنتم تعملون) فى الثواب، نقول فى تلك المواضع لمالم يخاطب المجزى لم يقل تجزى
وإنما أتى بما يفيد العالم بالدوام وعدم الانقطاع. وأما فى السرد فذكر أموراً أيضاً (أحدها )
الاتكاء فإنه هيئة تختص بالمنعم ، والفارغ الذى لا كلمة عليه ولا تكلف لديه فان من يكون
عنده من يتكلف له يجلس له ولا يتكى. عنده ، ومن يكون فى مهم لا يتفرغ للاتكاء فالهيئة دليل
خير. ثم الجمع يحتمل أمرين (أحدهما) أن يكون لكل واحد سرروهو الظاهر لأن قوله (مصفوفة)
يدل على أنها لواحد لأن سرر الكل لا تكون فى موضع واحد مصطفة ولفظ السرير فيه
حروف السرور بخلاف التخت وغيره ، وقوله ( مصفوفة) دليل على أنه لمجرد العظم فانها
لو كانت متفرقة لقيل فى كل موضع واحد ليتكى. عليه صاحبه إذا حضر فى هذا الموضع، وقوله
تعالى (وزوجناهم) إشارة إلى النعمة الرابعة وفيها أيضاً ما يدل على كمال الحال من وجوه
(أحدها) أنه تعالى هو المزوج وهو يتولى الطرفين يزوج عباده بأمانه ومن يكون كذلك لا يفعل
إلا مافيه راحة العباد والإماء ( ثانيها) قال (وزوجناهم بدور) ولم يقل وزوجناهم حوراً مع أن
لفظة التزویج یتعدی فعله إلى مفعولین بغیر حرف یقال زوجتكها قال تعالى ( فلما قضی زید منها
وطراً زوجناكها) وذلك إشارة إلى أن المنفعة فى التزويج لهم وإنما زوجوا للنتهم بالحور لا
للذة الحور بهم وذلك لأن المفعول بغير حرف يعلق الفعل به كذلك التزويج تعلق بهم ثم بالحور ،
لأن ذلك بمعنى جعلنا ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور ( ثالثها ) عدم الاقتصار على الزوجات
بل وصفهن بالحسن واختار الأحسن من الأحسن ، فإن أحسن مافى صورة الآدمى وجهه وأحسن.
ما فى الوجه العين، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج فى الأعضاء ووفرة المادة فى الأرواح،
أما حسن المزاج فعلامته الحور ، وأما وفرة الروح فان سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة
إليها، فإن قيل قوله (زوجنام) ذكره بفعل ماض و (متكتين) حال ولم يسبق ذكر فعل ماض

٢٥٠
قوله تعالى : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم . سورة الطور .
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَُّهُمْ بِإِيَمَنٍ أَلْحَفْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
يعطف عليه ذلك وعطف الماضى على الماضى والمستقبل على المستقبل أحسن ، نقول الجواب من
وجوه اثنان لفظیان ومعنوی (أحدها) أن ذلك حسن فی کثیر من المواضع ، تقول جاء زيد
ويجىء عمروا وخرج زيد ( ثانيها) أن قوله تعالى (إن المتقين فى جنات ونعيم) تقديره أدخلناهم
فى جنات ، وذلك لأن الكلام على تقدير أن فى اليوم الذى يدع الكافر فى النار فى ذلك الوقت
يكون المؤمن قد أدخل مكانه، فكانه تعالى يقول فى (يوم يدعون إلى نارجهنم) إن المتقين كائنون
فى جنات (والثالث) المعنوى وهو أنه تعالى ذكر مجزاة الحكم، فهو فى هذا اليوم زوج عباده حوراً
عيناً، وهن منتظرات الزفاف يوم الآزقة.
ثم قال تعالى { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم (١) بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) وفيه لطائف
(الأولى) أن شفقة الأبوة كماهى فى الدنيا متوفرة كذلك فى الآخرة، ولهذا طيب الله تعالى قلوب
عباده بأنه لا يولطهم بأولادهم بل يجمع بينهم، فإن قيل قد ذكرت فى تفسير بعض الآيات أن الله
تعالى يسلى الآباء عن الأبنا وبالعكس، ولا يتذكر الأب الذى هو من أهل الجنة الابن الذى هو
من أهل النار، نقول الولد الصغير وجد فى والده الأبوة الحسنة ولم يوجد لها معارض ولهذا ألحق
الله الولد بالوالد فى الإسلام فى دار الدنيا عند الصغر وإذا كبر استقل، فإن كفر ينسب إلى غير
أبيه، وذلك لأن الإسلام للمسلمين كالأب ولهذا قال تعالى (إنما المؤمنوة أخرة) جمع أخ بمعنى
أخوة الولادة والإخوان جمعه بمعنى أخوة الصداقة والمحبة فإذن الكفر من حيث الحس والعرف
أب، فإن خالف دينه دين أبيه صار له من حيث الشرع أب آخر، وفيه إرشاد الآباء إلى أن لا يشغلهم
شىء عن الشفقة على الولد فيكون من القبيح الفاحش أن يشتغل الإنسان بالتفرج فى البستان مع
الأحبة الإخوان وعن تحصيل قوت الولدان ، وكيف لا يشتغل أهل الجنة بما فى الجنة من الحور
العين عن أولادهم حتى ذكروم فأراح الله قلوبهم بقوله (ألحقنا بهم ذرياتهم) وإذا كان كذلك
٠١
فاظك بالفاسق الذى يبذر ماله فى الحرام ويترك أولاده يتكففون وجوه اللتام والكرام ، نعوذ
بالله منه وهذا يدل على أن من يورث أولاده مالا حلالا يكتب له به صدقة ، ولهذا لم يجوز للمريض.
التصرف فى أكثر من الثلث .
﴿ اللطيفة الثانية) قوله تعالى ( واتبعتهم ذريتهم (١)) فهذا ينبغى أن يكون دليلا على أنا فى
الآخرة نلحق بهم لأن فى دار الدنيا مراعاة الأسباب أكثر. ولهذا لم يجر الله عادته على أن يقدم بين
يدى الإنسان طعاماً من السماء، فما يقسب له بالزراعة والطحن والعجن لا يأكلبه، وفى الآخرة
(١) فى الطبعة الأميرية (وأتبعناهم ذرياتهم) فى الموضعين وهى قراءة وعليها جري المفسر فى تفسيره، وهى لا تفيد إيمان
الذرية بخلاف قراءة حفص واتبعتهم ذريتهم فهى تفيد إيمان النوية، مع أن الذرية تابعة لأصلها لسقوط التكليف، بل إن أولاد غير
المؤمنين هم على فطرة الايمان بدليل الحديث ((كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو بمجسانه،.

٢٥١
قوله تعالى : وما ألتناهم من عملهم من شيء . سورة الطور .
وَمَآ أَتْنَهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءُ
يؤتيه ذلك من غير سعى جزاء له على ماسعى له من قبل فينبغى أن يجعل ذلك دليلا ظاهراً على أن
الله تعالى يلحق به ولده وإن لم يعمل عملا صالحاً كما أتبعه، وإن لم يشهد ولم يعتقد شيئاً.
﴿ اللطيفة الثالثة) فى قوله تعالى (إيمان ) فان اللّه تعالى أتبع الولد الوالدين فى الإيمان ولم
يتبعه أباه فى الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار حكم بإسلام أولاده ، ومن ارتد من المسلمين
والعياذ بالله لا يحكم بكفر ولده.
﴿ اللطيفة الرابعة) قال فى الدنيا (أتبعناهم) وقال فى الآخرة (ألحقنا بهم) وذلك لأن فى
الدنيا لايدرك الصغير التبع مساوات المتبوع، وإنما يكون هو تبعاً والأب أصلا لفضل الساعى على
غير الساعى ، وأما فى الآخرة فإذا ألحق الله بفضله ولده به جعل له من الدرجة مثل ما لأبيه .
(اللطيفة الخامسة) فى قوله تعالى ( وما ألتنام) تطييب لقلبهم وإزالةوهم المتوهم أن ثواب عمل الأب
يوزع على الوالد والولد بل للوالد أجر عمله بفضل السعى ولأولاده مثل ذلك فضلا من الله ورحمة .
{ اللطيفة السادسة) فى قوله تعالى ﴿من عملهم) ولم يقل من أجرهم، وذلك لأن قوله تعالى
( وما ألتناهم من عملهم) دليل على بقاء عملهم كما كان والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه
الإشارة إلى بقاء العمل الذى له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه، ولوقال: ما ألتناهم من
أجرهم ، لكان ذلك حاصلا بأدنى شىء لأن كل ما يعطى اللّه عبده على عمله فهو أجر كامل ولأنه لو
قال تعالى ما ألتناهم من أجرهم، كان مع ذلك يحتمل أن يقال إن الله تعالى تفضل عليه بالأجر الكامل
على العمل الناقص ، وأعطاه الأجر الجزيل ، مع أن عمله كان له ولولده جميعاً، وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (والذين آمنوا) عطف على ماذا ؟ نقول على قوله (إن المتقين)
﴿ المسألة الثانية) إذا كان كذلك فلم أعاد لفظ ( الذين آمنوا) وكان المقصود يحصل بقوله
تعالى (وألحقنا بهم ذرياتهم) بعد قوله (وزوجناهم) وكان يصير التقدير وزوجناهم وألحقنابهم؟
نقول فيه فائدة وهو أن المنقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم (الذين آمنوا وعملواالصالحات)
وقال ههنا ( الذين آمنوا) أى بوجود الإيمان يصير ولده من أهل الجنة، ثم إن ارتكب الأب
كبيرة أو صغيرة على صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد وربما يدخل الجنة الإبن قبل الأب، وفيه
لطيفة معنوية ، وهو أنه ورد فى الاخبار أن الولد الصغير يشفع لأ بيه وذلك اشارة إلى الجزاء.
﴿ المسألة الثالثة﴾ هل يجوز غير ذلك؟ نقول نعم يجوزأن يكون قوله تعالى (والذين آمنوا)
عطفاً على (بحور عين) تقديره: زوجناهم بحور عين ، أى قرناهم بهن، وبالذين آمنوا، إشارة إلى
قوله تعالى (إخواناً على سرر متقابلين) أى جمعنا شملهم بالأزواج والإخوان والأولاد بقوله
تعالى (وأتبعناهم) وهذا الوجه ذكره الزمخشرى والأول أحسن وأصح، فإن قيل كيف يصح على

٢٥٢
قوله تعالى : كل امرىء بما كسب رهني . سورة الطور .
كُلُّ أَمْرٍِ بِمَا كَبَ رَهِينٌ (٨)
هذا الوجه الإخبار بلفظ الماضى مع أنه سبحانه وتعالى بعد ماقرن بينهم؟ قلنا صح فى وزوجناهم
على ما ذكر الله تعالى من تزويجهن منا من يوم خلقهن وإن تأخر زمان الاقتران.
المسألة الرابعة ) قرى. ( ذرياتهم ) فى الموضعين بالجمع وذريتهم فيهما بالفرد، وقرى. فى
الأول (ذرياتهم ) وفى الثانية: (ذريتهم) فهل الثالث وجه؟ نقول نعم معنوى لالفظى وذلك لأن
المؤمن تتبعه ذریاته فى الإيمان ، وإن لم توجد على معنى أنه لو وجد له ألف ولد لكانوا أتباعه فى
الإيمان حكما، وأما الإلحاق فلا يكون حكما إنما هو حقيقة وذلك فى الموجود فالتابع أكثر من
الملحوق جمع فى الأول وأفرد الثانى .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما الفائدة فى تنكير الإيمان فى قوله (وأتبعناهم ذرياتهم(١) إيمان)؟ نقول
هو إما التخصيص أو التنكير كأنه يقول: أتبعناهم ذرياتهم بإيمان مخلص كامل أو يقول أتبعناهم
بایمان ما أی شیء منه فإن الإیمان کاملا لا يوجد فی الولد بدلیل ان من له ولد صغیر حکم یایمانه فاذا
بلغ وصرح بالكفر وأنكر التبعية قيل بأنه لا يكون مرتداً وتبين بقول فإنه لم يتبع وقيل بأنه يكون
مرتداً لأنه كفر بعد ما حكم بإيمانه كالمسلم الأصلى فإذن بهذا الخلاف تبين أن إيمانه يقوى وهذان
الوجهان ذكرهما الزمخشرى، ويحتمل أن يكون المراد غير هذا وهو أن يكون التنوين للعوض عن
المضاف إلیه كما فى قوله تعالى ( بعضهم ببعض) وقوله تعالى (وكلا وعد الله الحسنى) وبيانه هو أن
التقدير أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أى بسبب إيمانهم لأن الاتباع ليس بإيمان كيف كان ومن كان ،
وإنما هو إيمان الآباء لكن الإضافة تنبىء عن تقييد وعدم كون الإيمان إيماناً على الإطلاق ، فإن
قول القائل ماء الشجر وماء الرمان يصح وإطلاق اسم الماء من غير إضافة لا يصح فقوله (إيمان)
يوهم أنه إيمان مضاف إليهم ، كما قال تعالى (فلم يك ينفعم إيمانهم لما رأو بأسنا) حيث أثبت
الإيمان المضاف ولم يكن إيماناً، فقطع الإضافة مع إرادتها ليعلم أنه إيمان صحيح وعوض التنوين
ليعلم أنه لا يوجب الأمان فى الدنيا إلا إيمان الآباء وهذا وجه حسن .
قوله تعالى: ﴿كل امرى بما كسب رهين﴾ قال الواحدي: هذا عود إلى ذكر أهل النار
فإنهم مرتهنون فى النار ، وأما المؤمن فلا يكون مرتهنا قال تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة إلا
أصحاب اليمين) وهو قول مجاهد وقال الزمخشرى (كل امرى. بما كسب رهين) عام فى كل أحد
مرهون عند الله بالكسب فإن كسب خيراً فك رقبته وإلا أربق بالرهن والذى يظهر منه أنه عام
فى حق كل أحد، وفى الآية وجه آخروهو أن يكون الزمين فعيلا بمعنى الفاعل، فيكون المعنى وأنه
أعلم كل امرىء بما كسب راهن أى دائم ، إن أحسن ففى الجنة مؤبداً، وإن أساء ففى النار مخلداً،
(١) كذلك رسمت فى الطبعة الأميرية وهو مخالف الرسم وهو كما سبق بيان فى صفحة (٢٥٠)

٢٥٣
قوله تعالى : وأمددناهم بفاكهة ولحم . سورة الطور .
وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَلْكِهَةٍ وَحٍْ غَّا يَشْتَهُونَ (﴿ يَتَنَزَعُونَ فِيَهَا كَأْسًا لَّا لَغْفِهَا
وَلَا تَأْثِيمُ ®
وقد ذكرنا أن فى الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العرض لا يبقى إلا فى جوهر ولا يوجد
إلا فيه، وفى الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقى أعمالهم لكونها عند الله تعالى من
الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقى يبقى مع عامله .
قوله تعالى: ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم ما يشتهون﴾ أى زدناهم مأكولا ومشروباً، إما
المأكول فالفاكهة واللحم، وأما المشروب فالكأس الذى يتنازعون فيها، وفى تفسيرها لطائف:
﴿اللطيفة الأولى) لما قال (ألحقنا بهم ذرياتهم) بين الزيادة ليكون ذلك جارياً على عادة
الملوك فى الدنيا إذا زادوا فى حق عبد من عبيدهم يزيدون فى أقدار أخبازهم وأقطاعهم ، واختار
من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتعمين ، وجمع أوصافاً حسنة فى
قوله بما يشتهون ، لأنه لو ذكر نوعا فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس فقال كل
أحد يعطى ما يشتهى ، فان قيل الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم ، نقول ليس كذلك ، بل الاشتهاء به
اللذة والله تعالى لا يتركه فى الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة والإنسان
فى الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتها. صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول
أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف فى الآخرة .
﴿اللطيفة الثانية) لما قال ( وما ألتنام) ونفى النقصان يصدق بحصول المساوى ، فقال ليس
عدم النقصان بالاقتصار على المساوى، بطريق آخر وهو الزبادة والإمداد ، فإن قيل أكثر الله
من ذكر الأكل والشرب، وبعض العارفين يقولون لخاصة اللّه باللّه شغل شلغل عن الأكل
والشرب وكل ماسوى الله، نقول هذا على العمل، ولهذا قال تعالى (جزاء بما كانوا يعملون) وقال
(بما كنتم تعملو) وأما على العلم بذلك فذلك، ولهذا قال ( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام
قولا من رب رحيم) أى للنفوس ما تنفكه به ، والأرواح ما تتمناه من القربة والزانى.
قوله تعالى: ﴿يتنازعون فيها كأساً﴾ فيكون ذلك على عادة الملوك إذا جلسوا فى مجالسهم للشرب يدخل
عليهم بفواكه ولحوم وهم على الشرب، وقوله تعالى (يتنازعون) أى يتعاطون ويحتمل أن يقال التنازع
التجاذب وحينئذیکون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لاتجاذبمنازعة ، وفیهنوع لذة وهو بیان ماهو علیهحال
الشراب فى الدنيا فإنهم بتفاخرون بكثرة الشرب ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، ولهذا إذا شرب أحدهم يرى
الآخر واجباً أن يشرب مثل ماشربه حريفه ولا يرى واجباً أن يأكل مثل ما أكل نديمه وجليه .
قوله تعالى: ﴿لا لغو فيها ولا تأثير﴾ وسواء قلنا (فيها) عائدة إلى الجنة أو إلى الكاس فذكرهما

٢٥٤
قوله تعالى : ويطوف عليهم غلمان . سورة الطور .
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤْ مَّكُنُونٌ (*) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضِ يَسَآءَلُونَ (﴾ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىَ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (8) ◌َنَّ اللهُ عَلَيْنَا
وَوَقَنَا عَذَابَ الَّمُوِ ﴿ إِنَّاكُ مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنّهُ هُوَ الْبَرَّالَّحِيمُ
٢٨
لجريان ذكر الشراب وحكايته على ما فى الدنيا ، فقال تعالى ليس فى الشرب فى الآخرة كل ما فيه
فى الدنيا من اللغو بسبب زوال العقل ومن التأثير الذى بسبب نهوض الشهوة والغضب عند وفور
العقل والفهم ، وفيهوجه ثالث ، وهو أن يقال لا يعتربه كما يعترى الشارب بالشرب فى الدنيا فلا يؤثم
أى لا ينسب إلى إثم، وفيه وجه رابع، وهو أن يكون المراد من التأثير السكر، وحينئذ يكون فيه
ترتيب حسن وذلك لأن من الناس من يسكر ويكون رزين العقل عديم اعتياد العربدة فيسكن وينام
ولا يؤذى ولا يتأذى ولا يهذى ولا يسمع إلى من هذى ، ومنهم من يعربد فقال (لا لغو فيها).
قوله تعالى: ﴿ويطوف عليهم غذان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون﴾ أى بالكؤوس وقال تعالى
( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين) وقوله: (لحم) أمى ملكهم
إعلاماً لهم بقدرتهم على التصرف فيهم بالأمر والنهى والاستخدام وهذا هو المشهور ويحتمل وجهاً
آخروهو أنه تعالى لما بين امتياز خمر الآخرة عن خر الدنيا بين امتياز غلمان الآخرة عن غلمان الدنيا ،
فإن الغلمان فى الدنيا إذا طافوا على السادة الملوك يطوفون عليهم لحظ أنفسهم إما لتوقع النفع أو
لتوفر الصفح، وأما فى الآخرة فطوفهم عليهم متمخض لهم ولنفعهم ولا حاجة لهم إليهم والغلام
الذى هذا شأنه له مربة على غيره وربما يبلغ درجة الأولاد . وقوله تعالى(کا نهم لزائر) أنى فى
الصفاء، و(مكنون) ليفيد زيادة فى صفاء ألوانهم أو لبيان أنهم كالمخدرات لابروز لهم ولا خروج
من عندهم فهم فى أكنافهم .
قوله تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين، فمن الله
علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم يعلمون
ما جرى عليهم فى الدنيا ويذكرونه ، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم فى الدنيا، فتزداد
لذة المؤمن من حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى النمعة ، ويزداد الكافر
ألماً حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم ، ثم يتذكرون ما كانوا

٢٥٥
قوله تعالى : فذكر فما أنت بنعمت ربك . سورة الطور .
فَذَكِ لَآَ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَ مَجْنُونٍ (٦﴾ أَمْ يَقُولُونَ شَاعٌِ
تَتَرَبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ (﴾ قُلْ تَرَبِّصُواْ فَإِى مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَّيِّصِينَ (٦َ
عليه فى الدنيا من الخشية والخوف ، فيقولون (إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين) وهو أنهم يكون
تساؤلهم عن سبب ماوصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله (فمن الله علينا ووقانا عذاب
السموم) وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان
ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأم .
قوله تعالى: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر تتربص به
ريب المنون ، قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين﴾ وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بين أن
فى الوجود قوماً يخافون الله ويشفقون فى أهليهم، والنبى روائي ،أمور بتذكير من يخاف الله تعالى
بقوله (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ففق من يذكره فوجب التذكير، وأما الرسول عليه السلام
فليس له إلا الإتيان بما أمر به ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الفاء فى قوله ( فذكر) قد علم تعلقه بما قبله لحن ذكره بالفاء.
المسألة الثانية ) معنى الفاء فى قوله (فما أنت) أيضاً قد علم أى أنك لست بكاهن فلا تتغير
ولا تتبع أهواءهم، فإن ذلك سيرة المزور (فذكر) فإنك لست بمزور، وذلك سبب التذكير .
المسألة الثالثة ﴾ ماوجه تعلق قوله (نتربص به ریب المنون)بقوله(شاعر)؟ نقول فيه وجهان
(الأول) أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء وتنقي ألسنتهم ، فإن الشعر كان عندهم يحفظ
ويدون ، وقالوا لانعارضه فى الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما سبيلنا الصبر وتربص
موته ( الثانى) أنه من له كان يقول إن الحق دين الله، وإن الشرع الذى أتيت به يبقى أبد الدهر
وكتابى يتلى إلى قيام الساعة ، فقالوا ليس كذلك إنما هو شاعر، والذى يذكره فى حق آلهتنا شعر
ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهلاك فنتربص به ذلك .
﴿المسألة الرابعة﴾ مامعنى ريب المنون ؟ نقول قيل هو اسم للموت فعول من المن وهو
القطع والموت قطوع، ولهذا سمى بمنون ، وقيل المنون الدهر وريبه حوادثه، وعلى هذا قولهم
(نتربص ) يحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما
تضعف ذهنه وتورث وهنه فيقبين لكل فساد أمره وكساد شعره .
المسألة الخامسة﴾ كيف قال (تربصوا) بغلظ الأمر وأمر النبي مر ئى يوجب المأمور [به] أو
يفيد جوازه ، وتربصهم ذلك كان حراماً ؟ نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا
ذلك فانا تتربص الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ماشئت غانى لست عنك

٢٥٩
قوله تعالى : أم تأمرهم أحلامهم .. سورة الطور .
٠١٤٠٠٤ ٠ ٠
أَمْ تَأَمُهُمْ أَحْلَمُهُمِنْذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (
بغافل وهو أمر لتهوين الأمر على النفس ، كما يقول القائل لمن يهدده برجل ويقول أشكرك إلى زيد
فیقولاشکنی أی لا يهمنى ذلكوفيه زيادة فائدة ، وذلكلأنهلو قال لا تشكنی لكان ذلك دليل الخوف
وينافيه معناه، فأتى بجواب تام من حيث اللفظ والمعنى، فإن قيل لو كان كذلك لقال تربصوا أو
لا تربصوا كما قال (اصبروا أولا تصبروا) نقول ليس كذلك لأنه إذا قال القائل فيما ذكرناه من
المثال اشكنى أو لا تشكنى يكون ذلك مفيداً عدم خوفه منه، فإذا قال اشكمنى يكون أدل على عدم
الخوف ، فكأنه يقول أنا فارغ عنه ، وإنما أنت تتوهم أنه يفيد فافعل حتى يبطل اعتقادك.
المسألة السادسة ﴾ فى قوله تعالى ( فانى معكم من المتربصين) وهو يحتمل وجوهاً (أحدها)
إنى معكم من المتربصين أتربص هلاككم وقد أهلكوا يوم بدر وفى غيره من الأيام هذا ما عليه
الأكترون والذى نقوله فى هذا المقام هو أن الكلام يحتمل وجوهاً وبيانها هو أن قوله تعالى
( نتربص به ريب المنون ) إن كان المراد من المنون الموت فقوله (إنى معكم من المتربصين) معناه
إنى أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسى ولا لأحد ، لعدم على بما قدمت يداه وإنما أنا نذير وأنا
أقول ما قال ربى (أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) فتربصوا موتى وأنا متربصة ولا يسركم
ذلك لعدم حصول ما تتوقعون بعدى، ويحتمل أن يكون كما قيل تربصوا موتى فإنى متربص
موتكم بالعذاب، وإن قلنا المراد من ريب المنون صروف الدهر فمعناه إنكار كون صروف الدهر
مؤثرة فکا نه يقول أنا من المتربصين حتى أبصر ماذا یأتی به دهر كم الذى تجملونه مهلكا وماذا
يصيبنى منه، وعلى التقديرين فنقول النبى مر ئى يتربص ما يتربصون.، غير أن فى الأول تربصه مع
اعتقاد الوقوع، وفى الثانى تربصه مع اعتقاد عدم التأثير، على طريقة من يقول أنا أيضاً أنتظر
ما ينتظره حتى أرى ماذا يكون منكراً عليه وقوع ما يتوقع وقوعه، وإنما هذا لأن ترك المفعول
فى قوله ( إنى معكم من المتربصين) لكونه مذكوراً زهر ريب المنون أولى من تركه وإرادة غير
المذكور وهو العذاب (الثانى) أتربص صروف الدهر ليظهر عدم تأثيرها فهو لم يتربص بهم
شيئاً على الوجهين ، وعلى هذا الوجه يتربص بقاءه بعدهم وارتفاع كلمته فلم يتربص بهم شيئاً على
الوجوه التى اخترناها فقال ( إنى معكم من المتربصين).
قوله تعالى : ﴿ أم تأمرثم أحلامهم بهذا أم ثم قوم طاغون﴾ وأم هذه أيضاً على ما ذكرنا
متصلة تقديرها أنزل عليهم ذكر؟ أم تأمرهم أحلامهم بهذا ؟ وذلك لأن الأشياء إما أن تثبت بسمع
وإما أن تثبت بعقل فقال هل ورد أمر سمعى؟ أم عقولهم تأمرثم ما كانوا يقولون؟ أم هم قوم
طاغون يغترون، ويقولون ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلا؟ والطغيان مجاوزة الحد فى
العصيان وكذلك كل شىء ظاهره مكروه، قال اللّه تعالى (إنا لمبا طنفى الماء) وفيه مسائل:

٢٥٧
قوله تعالى : أم يقولون تقوله . سورة الطور .
ج
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (٢) فَلْبَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوْ صَدِقِينَ(
المسألة الأولى﴾ إذا كان المراد ماذكرت فلم أسقط ما يصدر به ؟ تقول لأن كون ما يقولون
به مسنداً إلى نقل معلوم عدمه لا ينفى، وأما كونه معقولا فهم كانوا يدعون أنه معقول، وأما كونهم
طغين فهو حق، خص الله تعالى بالذكر ما قالوا به وقال الله به، فهم قالوا نحن نتبع العقل، والله
تعالى قال هم طافون فذكر الأمرين اللذين وقع فيهما الخلاف .
المسألة الثانية) قوله ( تأمرهم أحلامهم) إشارة إلى أن كل مالا يكون على وفق العقل ،
لا ينبغى أن يقال، وإنما ينبغى أن يقال ما يجب قوله عقلا ، فهل صار [ كل] واجب عقلا مأموراً به.
المسألة الثالثة﴾ ما الأحلام ؟ نقول جمع حلم وهو العقل وهما من باب واحد من حيث
المعنى، لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من مكانه، والحلم من الحلم وهو
أيضاً سبب وقار المرء وثباته، وكذلك يقال للعقول النهى من النهى وهو المنع، وفيه معنى لطيف
وهو أن الحلم فى أصل اللغه هو مايراه النأثم فينزل ويلزمه الغسل، وهو سبب البلوغ وعنده يصير
الإنسان مكلفاً، وكأن الله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة كمل العقل
فأشار إلى العقل بالإشارة إلى مايقارنه وهو الحلم، ليعلم أنه نذير كمال العقل، لا العقل الذى به يحترز
الإنسان تخطىء الشرك ودخول النار، وعلى هذا ففيه تأكيد لما ذكرنا أن الإنسان لا ينبغى أن
يقول كل معقول، بل لا يقول إلا ما يأمر به العقل الرزين الذى يصحح التكليف.
المسألة الرابعة ﴾ هذا إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجوه (الأول) أن يكون هذا إشارة
مبهمة ، أى بهذا الذى يظهر منهم قولا وفعلا حيث يعبدون الأصنام والأوثان ويقولون الهذيان
من الكلام (الثانى) هذا إشارة إلى قولهم هو كاهن هو شاعر هو مجنون (الثالث) هذا إشارة إلى
التربص فانهم لما قالوا تتربص قال الله تعالى أعقولهمتأمرهم بتربص هلاكهم فإن أحداً لم يتوقع
هلاك نبيه إلا وهلك .
﴿ المسألة الخامسة﴾ هل يصح أن تكون أم فى هذا الموضع بمعنى بل؟ نقول نعم، تقديره
يقولون: إنه شاعر قولا بل يعتقدونه عقلا ويدخل فى عقولهم ذلك ، أى ليس ذلك قولا منهم من
غير عقل بل يعتقدون كونه كاهناً ومجنوناً ، ويدل عليه قراءة من قرأ بل هم قوم طاغون ، لكن بل
ههنا واضح وفى قوله بل تأمرهم أحلامهم خقى .
ثم قال تعالى ﴿أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون) وهو متصل بقوله تعالى أم يقولون
شاعر تتربص به, وتقديره على ماذكرنا أتقولون كامن، أم تقولون شاعر، أم تقوله.
ثم قال لبطلان جميع الأقسام ( فليأتو بحديث مثله إن كانوا صادقين) أى إن كان هو شاعراً
ففيكم الشعراء البلغاء والكهنة الأذكياء ومن يرتجل الخطب والقصائر ويقص القصص ولا يختلف
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٧
١

٢٥٨
قوله تعالى : فليأتوا بحديث مثله . سورة الطور .
الناقص والزائد فليأتوا بمثل ماأتي به، والتقول يراد به الكذب. وفيه إشارة إلى معنى لطيف
وهو أن التفعل للتكلف وإراءة الشىء وهو ليس على مايرى يقال تمرض فلان أى لم يكون مريضاً
وأرى من نفسه المرض وحينئذ كأنهم كانوا يقولون كذب وليس بقول إنما هو تقول صورة
القول وليس فى الحقيقة به ليعلم أن المكذب هو الصادق ، وقوله تعالى ( بل لا يؤمنون ) بيان هذا
أنهم كانوا فى زمان نزول الوحى وحصول المعجزة كانوا يشاهدونها وكان ذلك يقتضى أن يشهدوا
له عند غيرهم ويكونوا كالنجوم للمؤمنين كما كانت الصحابة رضى الله عنهم وهم لم يكونوا كذلك بل
أقل من ذلك لم يكونوا أيضاً وهو أن يكونوا من آحاد المؤمنين الذين لميشهدوا تلك الأمور ولم
يظهر الأمر عندهم ذلك الظهور .
قوله تعالى: ﴿ فلياتوا﴾ الفاء للتعقيب أى إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى
به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث :
(الأول) قال بعض العلماء (فليأتوا) أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعى أمراً أو فعلا ويكون
غرضه إظهار عجزه، والظاهر أن الأمر ههنا مقى على حقيقته لأنه لم يقل: ائتوا مطلقاً بل إنما
قال : ائتوا إن كنتم صادقين، وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يحب الإتيان به وأمر
التعجيز فى كلام الله تعالىقوله تعالى ( إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فيهت
الذی کفر) وليس هذا بحثاً یورث خللا فى كلامهم.
﴿ الثانى) قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثاً فيكون محدثاً، نقول الحديث
اسم . شترك، يقال للمحدث والقديم، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم بمعنى متقادم العهد
لا بمعنى سلب الأولية وذلك لانزاع فيه .
﴿ الثالث﴾ النحاة يقولون الصفة تقبع الموصوف فى التعريف والتفكير ، لكن الموصوف
حديث وهو متكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف، فكيف هذا ؟ نقول
مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما والسبب أن غير أو مثلا وأمثالهما فى غاية
التنكير ، فإنك إذا قلت ما رأيت شيئاً مثل زبد يتناول كل شىء فإن كل شىء مثل زيدفى كونه
شيئاً، فالجماد مثله فى الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله فى النشر. والنماء والذبول والفناء،
والحيوان مثله فى الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف، وإما غير فهو عند الإضافة ينكرو عند
قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد صارفى غاية الإبهام فإنه يقنال أموراً لاحصر لها ،
وأما إذا قطعته عن الإضافة ربما تقول الغير والمغابرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير
كأسماء الأجناس، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معيناً.
( الرابع) إن كانوا صادقين، أى فى قولهم (تقوله) وقد ذكرنا أن ذلك راجع إلى ما سبق
أن أ+ كامن وأنه مجنون، وأنه شاعر، وأنهم تقول: ولو كانوا صادقين فى شىء من ذلك لهان عليهم
الإتيان بمثل القرآن ، ولما امتنع كذبوا فى الكل .

٢٥٩
قوله تعالى : أم خلقوا من غير شيء . سورة الطور .
٣٥
أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ
﴿ البحث الخامس) قد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه ، فإن الخلق عجزوا عن الإتيان
بمثل ما يقرب منه عند التحدى. فإما أن يكون كونه معجزاً لفصاحته وهو مذهب أكثرأهل السنة
وإما أن يكون معجزاً لصرف الله عقول العقلاء عن الإتيان بمثله، وعقله ألسنتهم عن النطق بما
يقرب منه ، ومنع القادر من الإتيان بالمقدور كإتيان الواحد بفعل لا يقدر عليه غيره فإن من قال
لغيره أنا أحرك هذا الجبل يستبعد منه، وكذا إذا قال إنى أفعل فعلا لا يقدر الخلق [معه] على حمل
تفاحة من موضعها يستبعد منه على أن كل واحد فعل معجز إذا اتصل بالدعوى.، وهذا مذهب
بعض المتكلمين ولا فساد فيه وعلى أن يفال هو معجز بهما جميعاً .
قوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ﴾ ومن هنا لا خلاف أن أم ليست
بمعنى بل ، لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما يقع فى صدر الكلام من الاستفهام، إما بالهمزة
فكأنه يقول أخلقوا من غير شىء أو هل، ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذى
يقع فى أثناء الكلام وتقديره أما خلقوا ، أم خلقوا من غير شىء، أم هم الخالقون؟ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول لما كذبوا النبى صلى الله عليه وسلم
ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر وبرأه الله من ذلك، ذكر الدليل على صدقه إبطالا لتكذيبهم
وبدأ بأنفسهم ، كأنه يقول كيف يكذبونه وفى أنفسهم دليل صدقه لأن قوله فى ثلاثة أشياء فى
التوحيد والحشر والرسالة ففى أنفسهم ما يعلم به صدقه ، وبيانه هو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد
لما بينا أن فى كل شىء له آية ، تدل على أنه واحد، وقد بينا وجهه مراراً فلا نعيده .
وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثانى وإمكانه، ويدل على ما ذكرنا أن
اللّه تعالى ختم الاستفهامات بقوله ( أم لهم إله غير اللّه سبحان الله عما يشركون) .
المسألة الثانية﴾ إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم حذف قوله أما خلقوا ؟ نقول: لظهور
انتفاء ذلك ظهوراً لا يبقى معه للخلاف وجه ، فإن قيل فلم لم يصدر بقوله أما خلقوا ويقول أم
خلقوا من غيرشىء؟ نقول ليعلم أن قبل هذا أمراً منفياً ظاهراً، وهذا المذكور قريب منه فى ظهور
البطلان فإن قيل قوله ( أم خلقوا من غير شىء ) أيضاً ظاهر البطلان، لأنهم علموا أنهم مخلوقون
من تراب وماء ونطفة ، نقول الأول أظهر فى البطلان لأن كونهم غير مخلوقين أمر يكون مدعيه
منكراً للضرورة فمنكره منكر لأمر ضرورى .
المسألة الثالثة﴾ ما المراد من قوله تعالى (من غير شىء)؟ نقول فيه وجوه المنقول منها أنهم

٢٦٠
قوله تعالى : أم خلقوا من غير شيء . سورة الطور ..
خلقوا من غير خالق وقيل إنهم خلقوا لا لشى. عبثاً، وقيل إنهم خلقوا من غير أب وأم، ويحتمل
أن يقال أم خلقوا من غير شىء، أى ألم يخلقوا من تراب أو من ماء، ودليله قوله تعالى (ألم نخلقكم
من ماء مهين) ويحتمل أن يقال الاستفهام الثانى ليس بمعنى النفى بل هو بمعنى الإثبات قال الله تعالى
(.أتم تخلقونه أم نحن الخالقون، . أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، أنتم أنشأ ثم مشجرتها أم نحن المنششون)
كل ذلك فى الأول منفى وفى الثانى مثبت كذلك ههنا قال الله تعالى ( أم خلقوا من غير شىء) أى
الصادق هو هذا الثانى حيفتذ، وهذا كما فى قوله تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم یکن
شيئاً مذكوراً) فإن قيل كيف يكون ذلك الإثبات والآدمى حاق من تراب؟ نقول والتراب خلق
من غير شىء ، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه وأسندت النظر إلى ابتداء أمره وجدته خلق من غير
شىء، أو نقول المراد أم خلقوا من غير شىء مذكور أو معتبر وهو المباء المهين.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ ما الوجه فى ذكر الأمور الثلاثة التى فى الآية؟ نقول هى أمور مرتبة كل
واحد منها يمنع القول بالوحدانية والحشر فاستفهم بها، وقال أما خلقوا أصلا، ولذلك ينكرون
القول بالتوحيد لانتفاء الإيجاد وهو الخلق، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول أم خلقوا من
غير شىء، أى أم يقولون بأنهم خلفوا لا لشىء فلا إعادة، كما قال (أحسبتم أنما خلقناكم عبئاً).
وعلى قولنا إن المراد خلقوا لا من تراب ولا من ماء فله وجه ظاهر ، وهو أن الخلق إذا لم يكن
من شىء بل يكون إبداعياً يخفى كونه مخلوقاً على بعض الأغبياء ، ولهذا قال بعضهم السماء رفع
اتفاقاً ووجد من غير معالق وأما الإنسان الذى يكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحماً وعظماً
لا یتمکن أحد من إنكاره بعد مشاهدة تغیر أحواله فقال تعالى (أُم خلقوا) بحیث یخفی علیهم وجه
خلقهم بأن خلقوا ابتداء من غير سبق حالة عليهم يكونون فيها تراباً ولا ماء ولا نطفة ليس كذلك
بل هم كانوا شيئاً من تلك الأشياء خلقوا منه خلقاً ، فما خلقوا من غير شىء حتى ينكروا الوحدانية
وهذا قال تعالى ( يخلفكم فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ) وهذا أ کثر الله من قوله ( خلقنا
الإنسان من نطفة) وقوله (ألم نخلقكم من ماء مهين) يتناول الأمرين المذكورين فى هذا الموضع
لأن قوله (ألم نخلقكم من ماء) يحتمل أن يكون نفى انمجموع بنفى الخلق فيكون كأنه قال: أخلقتم
لا من ماء، وعلى قول من قال المراد منه أم خلقوا من غير شىء ، أى من غير عالق فقيه ترتيب
حسن أيضاً وذلك لأن نفى الصانع، إما أن يكون بنفى كون العالم مخلوقاً فلا يكون مكناً ، وإما
أن يكون ممكناً لكن الممكن لا يكون مجتاجا فيقع الممكن من غير مؤثر وكلاهما محال. وأما قوله
تعالى (أم هم الخالقون) فمعناه أم الخالقون للخلق فيعجز الخالق بكثرة العمل، فإن دأب الإنسان
أنه يعيا بالخلق، فما قولهم أما خلقوا فلا يثبت لهم إله البتة ، أم خلقوا وخفى عليهم وجه الخلق أم
جعلوا الخالق مثلهم فنسبوا إليه العجز، ومثله قوله تعالى (أفعيينا بالخلق الأول ) هذا بالنسبة إلى
الحشر وأما بالنسبة إلى التوحيد فهو رد عليهم حيث قالوا الأمور مختلفة واختلاف الآثار يدل على
اختلاف المؤثرات وقالوا ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً) فقال تعالى (أم هم الخالقون) حيث لا يقدر