النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ قوله تعالى . إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . سورة الذاريات . نَهُمْ كَانُوْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وقوله ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) إشار إلى ثمنها أى أخذوها وملكوها بالإحسان، كما ، تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى) بلام الملك وهى الجنة. ﴿ المسألة الثانية) آخذين حال وهو فى معنى قول القائل يأخذون فكيف قال ما آتاهم ولم يقل مايؤتيهم ليتفق اللفظان ، ويوافق المعنى لأن قوله (آتاهم) ينى عن الانقراض وقوله ( يؤتيهم ) تنبيه على الدوام وإبتاء اللّه فى الجنة كل يوم متجدد ولا نهاية له ، ولا سيما إذا فسرنا الأخذ بالقبول ، كيف يصح أن يقال فلان يقبل اليوم ما آتاه زيد أمس ؟ نقول أما على ماذكرنا من التفسير لايرد لأن معناه يتملكون ما أعطاهم ، وقد يوجد الإعطاء امس ويتملك اليوم، وأما على ماذكروه فنقول الله تعالى أعطى المؤمن الجنة وهو فى الدنيا غير أنه لم يكن جنى ثمارها فهو يدخلها على هيئة الآخذ وربما يأخذ خيراً بما آتاه ، ولا ينافى ذلك كونه داخلا على تلك الهيئة ، يقول القائل جئتك خائفاً فإذا أنا آمن وما ذكرتم إنما يلزم أن لو كان أخذهم مقتصراً على ما آتاهم من قبل ، وليس كذلك وإنما هم دخلوها على ذلك ولم يخطر ببالهم غيره فيؤتيهم الله ما لم يخطر ببالهم فيأخذون ما يؤتيهم الله وإن دخلوها ليأخذوا ما آتاهم، وقوله تعالى ( إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل) هو أخذهم ما آتاهم وقد ذكرناه فى سورة يس . ﴿ المسألة الثالثة) ذلك إشارة إلى ماذا ؟ نقول يحتمل وجهين (أحدهما) قبل دخولهم لأن قوله تعالى ( فى جنات ) فيه معنى الدخول يعنى قبل دخولهم الجنة أحسنوا ( ثانيهما) قبل إيتاء الله ما آتاهم الحسنى وهى الجنة فأخذوها، وفيه وجوه أخر، وهو أن ذلك إشارة إلى يوم الدين وقد تقدم (وأما اللطائف ) فقد سبق بعضها، ومنها أن قوله تعالى ( إن المتقين) لما كان إشارة إلى التقوى من الشرك كان كأنه قال الذين آمنوا لكن الإيمان مع العمل الصالح يفيد سعادتين ، ولذلك دلالة أتم من قول القائل أنهم أحسنوا (اللطيفة الثانية ) أما التقوى فلأنه لما قال لا إله فقد اتقى الشرك، وأما الإحسان فلأنه لما قال إلا الله فقد أتى بالإحسان، ولهذا قيل فى معنى كلمة التقوى إنها لا إله إلا الله وفى الإحسان قال تعالى (ومن أحسن قولا من دعا إلى الله) وقيل فى تفسير (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) إن الإحسان هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله وهما حينئذ لا يتفاصلان بل هما متلازمان . قوله تعالى : ﴿"كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ كالتفسير لكونهم محسنين، تقول حاتم كان سخياً كان يبذل موجوده ولا يترك مجهوده، وفيه مباحث: ﴿ الأول) قليلا منصوب على الظرف تقديره يهجعون قليلا، تقول قام بعض الليل فتنصب بعض على الظرف وخبر كان هو قوله يهجعون وما زائدة هذا هو المشهور وفيه وجه آخر وهو ٢٠٢ قوله تعالى : كانوا قليلاً من الليل . سورة الذاريات . أن يقال كانوا قليلا، معناه نفى النوم عنهم وهذا منقول عن الضحاك ومقاتل، وأنكر الزمخشرى كون مانافية، وقال لا يجوز أن تكون نافية لأن مابعد مالا يعمل فيما قبلها لا تقول زيداً ماضربت ويجوز أن يعمل ما بعد لم فيما تقول زيداً لم أضرب، وسبب ذلك هو أن الفعل المتعدى إنما يفعل فى النفى حملا له على الإثبات لأنك إذا قلت ضرب زيد عمراً ثبت تعلق فعله بعمرو فإذا قلت ماضربه لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه لكن المنفى محمول على الإثبات، فإذا ثبت هذا فالتفى بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فانه يعمل عمل الفعل ، لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضى لا يعمل، فلا تقول زيد ضارب عمراً أمس،. وتقول زيد ضارب عمراً غداً واليوم والآن، لأن الماضى لم يبق موجوداً ولا متوقع الوجود فلا يتعلق بالمفعول حقيقة لكن الفعل لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يعمل، إذا عرفت هذا فنقول ما ضرب للنفى فى الماضى فاجتمع فيه النفى والمضى فضعف، وأما لم أضرب وإن كان يقلب المستقبل إلى الماضى لكن الصيغة صيغة المستقبل فوجد فيه ما يوجد فى قول القائل زيد ضارب عمراً غداً فاعمل هذا بيان قوله غير أن القائل بذلك القول يقول قليلا ليس منصوباً بقوله (يهجعون) وإنما ذلك خبر كانوا أى كانوا قليلين، ثم قال (من الليل مايهجعون) أى ما يهجعون أصلا بل يحيون الليل جميعه ومن يكون لبيان الجنس لا للتبعيض، وهذا الوجه حينئذ فيه معنى قوله تعالى ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم) وذلك لأنا ذكرنا أن قوله ( إن المتقين) فيه معنى الذين آمنوا ، وقوله ( محسنين) فيه معنى الذين عملوا الصالحات، وقوله (كانوا قليلا) فيه معنى قوله تعالى (وقليل ماهم) . ﴿ البحث الثانى) على القول المشهور وهو أن ما زائدة يحتمل أن يكون قليلا صفة مصدر تقديره يهجعون مجوعاً قليلا. ﴿ البحث الثالث ) يمكن أن يقال قليلا منصوب على أنه خبر كان وما مصدر ية تقديره كان بجوعهم من الليل قليلا فیکون فاعل كانوا هو اهجوع، ويكون ذلك من باب بدل الاشتمال لأن مجموعهم متصل بهم فكانه قال كان مجموعهم قليلا كما يقال كان زيد خلقه حسناً، فلا يحتاج إلى القول بزيادة، واعلم أن التحاة لا يقولون فيه إنه بدل فيفرقون بين قول القائل زيد حسن وجهه أو الوجه وبين قوله زید و جهه حسن فیقولون فی الأول صفة وفی الثانی بدل ونحن حیث قلنا إنه من باب بدل الاشتمال أردنا به معنى لا اصطلاحاً، وإلا فقليلا عند التقديم ليس فى النحو مثله عند التأخير حتى قولك فلان قليل مجموعه ليس بيدل ، وفلان مجموعه قليل بدل ، وعلى هذا يمكن أن تكون ما موصولة معناه كان ما يهجعون فيه قليلا من الليل ، هذا ما يتعلق باللفظ ، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول تقديم قليلا فى الذ کر ليس لمجرد الجع حتی یقع يهجعون و یستغفرون فى أواخز الآيات ، بل فيه فائدتان (الأولى) هى أن الهجوع راحة لهم، وكان المقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر الله ٢٠٣ قوله تعالى : وبالأسحارهم يستغفرون. سورة الذاريات. ١٨ وَبِلْأَسْحَارِهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. تعانى فلو قال كانوا يهجعون كان المذكور أولا راحتهم ثم يصفه بالقلة. وربما يغفل الإنسان السامع عما بعد الكلام فيقول إحسانهم وكونهم محسنين بسبب أنهم يهجعون وإذا قدم قوله قليلا يكون السابق إلى الفهم قلة الهجوع، وهذه الفائدة من يراعيها يقول فلان قليل الهحرع ولا يقول مجموعه قليل ، لأن الغرض بيان قلة الهجوع لا بيان الهجوع بوصف القلة أو الكثرة ، فإن الهجوع لولم يكن لكان نفى الفلة أولى ولا كذلك قلة الهجوع لأنها لو لم تكن لكان بدلها الكثرة فى الظاهر . ( الفائدة الثانية ) فى قوله تعالى ( من الليل) وذلك لأن النوم القليل بالنهار قد يوجد من كل أحد، وأما الليل فهو زمان النوم لا يسهره فى الطاعة إلا متعبد مقبل ، فإن قيل الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهاراً لا يقال له الهجوع قلنا ذكر الأمر العام وإرادة التخصيص حسن فنقول : رأيت حيواناً ناطقاً فصيحاً، وذكر الخاص وإرادة العام لا يحسن إلا فى بعض المواضع فلا نقول رأيت فصيحاً ناطقاً حيواناً، إذا عرفت هذا فنقول فى قوله تعالى (كانوا قليلا من الليل) ذكر أمراً هو كالعام يحتمل أن يكون يعده: كانوا من الليل يسبحون ويستغفرون أو يسهرون أو غير ذلك ، فإذا قال يهجعون فكأنه خصص ذلك الأمر العام المحتمل له ولغيره فلا إشكال فيه . ثم قال تعالى ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون﴾ إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه ويستغفرون من التقصير وهذا سيرة الكريم يأتى بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير، والتيم يأتى بالقليل ويستكثره ويمن به . وفيه وجه آخر ألطف منه، وهو أنه تعالى لما بين أنهم يهجعون قليلا ، والهجوع مقتضى الطبع ، قال ( يستغفرون ) أى من ذلك القدر من النوم القليل، وفيه لطيفة أخرى تنبيها في جواب سؤالٍ ، وهو أنه تعالى مدجهم بقلة الهجوع، ولم يمدحهم بكثرة السهر ، وما قال: كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون، فما الحكمة فيه، مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع؟ نقول إشارة إلي إن نومهم عبادة، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم لاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار فى وجوه الأسعار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار. وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول) فى الباء فإنها استعملت للظرف ههنا، وهى ليست للظرف، نقول قال بعض النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضها مناب بعض، يقال فى الظرف خرجت لعشر بقين وبالليل وفى شهر رمضان ، فيستعمل اللام والباء وفى، وكذلك فى المكان، تقول: أقت بالمدينة كذا وفيها، ورأيته بلدة كذا وفيها، فإن قيل ما التحقيق فيه؟ نقول الحروف لها معانى مختلفة، كما أن الأسماء والأفعال كذلك، غير أن الحروف غير مستقلة بإفادة المعنى، والاسم والفعل ٢٠٤ قوله تعالى : وبالاسحارهم يستغفرون. سورة الذاريات. مستقلان، لكن بين بعض الحروف وبعضها تناف وتباعد، كما فى الأسماء والأفعال، فإن البيت والمسكن مختلفان متفاوتان ، وكذلك سكن ومكث، ولا كذلك كل اسمين يفرض أو كل فعلين يوجد، إذا عرفت هذا فنقول: بين الباء واللام وفى مشاركة ، أما الباء فإنها للالصاق، والمتمكن فى مكان ملتصق به متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان ، فإذا قال: سار بالنهار معناه ذهب ذهاباً متصلا بالنهار، وكذا قوله تعالى (وبالأسمار هم يستغفرون) أى استغفاراً متصلا بالأسمار مقترناً بها، لأن الكائن فيها مقترناً بها ، فإن قيل: فهل يكون بينهما فى المعنى تفاوت ؟ نقول نعم ، وذلك لأن من قال: قمت بالليل واستغفرت بالأسمار أخبر عن الأمرين ، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله قمت فى الليل، لأنه يستدعى احتواش الزمان بالفعل و کذلك قول القائل: أقت بلد كذا ، لا يفيد أنه كان محاطاً بالبلد ، وقوله أقمت فيها يدل على إحاطنها به، فإذن قول القائل: أقمت بالبلدة ودعوت بالأسحار ، أعم من قوله: قت فيه ، لأن القائم فيه قائم به ، والقائم به ليس قائماً فيه من كل بد، إذا علمت هذا فقوله تعالى (وبالأسعار ﴾. يستغفرون) إشارة إلى أنهم لا يخلون وقتاً عن العبادة ، فإنهم بالليل لا يهجعون، ومع أول جزء من السحر يستغفرون، فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه فى الأسحار لم يخلو الوقت للذنب ، فإن قيل: زدنا بياناً فإن من الأزمان أزماناً لا تجعل ظروفاً بالباء، فلا يقال خرجت بيوم الجمعة ، ويقال بنى، نقول : إن كل فعل جار فى زمان فهو متصل به، فالخروج يوم الجمعة متصل مقترن بذلك الزمان، ولم يستعمل خرجت بيوم الجمعة، نقول الفارق بينهما الإطلاق والتقييد، بدليل أنك إن قلت : خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة لم يحسن ، ولو قلت : خرجت بيوم سعد، وخرج هو بيوم نحس حسن ، فالنهار والليل لمنا لم يكن فيهما خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما، فإذا قيدتهما وخصصتهما زال ذلك الجواز ، ويوم الجمعة لما كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء، وحيث زال الخصوص بالتنكير، وقلت خرجت بيوم كذا عاد الجواز، والسر فيه أن مثل يوم الجمعة، وهذه السابعة، وتلك الليلة وجد فيها أمر غير الزمان وهو خصوصيات ، وخصوصية الشىء فى الحقيقة أمور كثيرة غير محصورة عند العاقل على وجه التفصيل لكنها محمصورة على الإجمال، مثاله إذا قلت هذا الرجل فالعام فيه هو الرجل، ثم إنك لو قلت الرجل الطويل، ما كان يصير مخصصاً، لكنه يقرب من الخصوص، ويخرج من القصار، فإن قلت العالم لم يصر مخصصاً لكنه يخرج عن الجهال ، فإذا قلت الزاهد فكذلك ، فاذا قلت ابن عمرو خرج عن أبناء زيد وبكر وخالد وغيرهم، فإذا قلت هذا يتناول تلك المخصصات التى بأجمعها لا تجتمع إلا فى ذلك، فإذن الزمان المتعين فيه أمور غير الزمان، والفعل حدث مقترن بزمان لا ناشىء عن الزمان، وأما فى فصحيح، لأن ما حصل فى العام فهو فى الخاص ، لأن العام أمر داخل فی الخاص ، وأما فی فیدخل فی الذی فیه الشىء، فصح أن يقال : فى يوم الجمعة ، وفى ٢٠٥ قوله تعالى : وفي أموالهم حق للسائل . سورة الذاريات . وَفِىَ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِلسَّآَيِلِ وَالْمَحْرُومِ هذه الساعة ، وأما بحث اللام فتؤخره إلى موضعه، وقد تقدم بعضه فى تفسير قوله تعالى (والشمس تجرى لمستقرلها) وقوله (هم) غير خال عن فائدة، قال الزمخشرى: فائدة انحصار المستغفرين، أى لكالهم فى الاستغفار، كأن غيرهم ليس بمستغفر، فهم المستغفرون لا غير ، يقال فلان هو العالم لكماله فى العلم كأنه تفرد به وهو جيد، ولكن فيه فائدة أخرى، وهى أن الله تعالى لما عطف (وبالأسحار هم يستغفرون) على قوله (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) فلولم يؤكد معنى الإثبات بكلمة (ثم) الصلح أن يكون معناه: وبالأسحار قليلا ما يستغفرون، تقول فلان قليلا ما يؤدى وإلى اثناس يحسن. قد يفهم أنه قليل الإيذاء قليل الإحسان ، فإذا قلت قليلا ما يؤذى وهو يحسن زال ذلك الفهم وظهر فيه معنى قوله: قليل الإيذاء كثير الإحسان، والاستغفار يحتمل وجوهاً (أحدها) طلب المغفرة بالذكر بقولهم (ربنا اغفر لنا)، ( الثانى) طلب المغفرة بالفعل، أى بالأسمار يأتون بفعل آخر طلباً للغفران، وهو الصلاة أو غيرها من العبادات (الثالث) وهو أغربها الاستغفار من باب استحصد الزرع إذا جاء أو ان حصاده، فكأنهم بالأسمار يستحقون المغفرة ويأتيهم أوان المغفرة، فإن قيل: فالله لم يؤخر مغفرتهم إلى السحر ؟ نقول وقت السحر تجتمع ملائكة الليل وانتهار، وهو الوقت المشهود، فيقول الله على،لأ منهم: إنى غفرت لعبدي، والأول أظهر ، والثانى عند المفسرين أشهر . قوله تعالى: ﴿وفى أموالهم حق السائل والمحروم﴾. وقد ذكرنا مراراً أن الله تعالى بعد ذكر تعظيم نفسه بذكر الشفقة على خلقه، ولا شك أن قيل الجوع المستغفر فى وجوهالأسحار وجد منه التعظيم العظيم، فأشار إلى الشفقة بقوله ( وفى أموالهم حق ) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ أضاف المال إليهم، وقال فى مواضع (أنفقوا ما رزقكم الله) وقال (وما رزقناهم بنفقون) نقول سبه أن فى تلك المواضع كان الذكر للحث، فذكر معه ما يدفع الحث ويرفع المانع، فقال هو رزق الله والله يرزقكم فلا تخافوا الفقر واعطوا، وأما ههنا فمدح على ما فعلوه فلم يكن إلى الحرص حاجة . ﴿ المسألة الثانية﴾ المشهور فى الحق أنه هو القدر الذى علم شرعا وهو الزكاة وحينئذ لا يبقى هذا صفة:دح، لأن كون المسلم فى ماله حق وهو الزكاة ليس صفة مدح لأن كل مسلم كذلك ، بل الكافر إذا قلنا إنه مخاطب بفروع الإسلام فى ماله حق معلوم غير أنه إذا أسلم سقط عنه وإن مات عوقب على تركه، وإن أدى من غير الإسلام لا يقع الموقع، فكيف يفهم كونه مدحاً ؟ نقول الجواب عنه من وجوه: (أحدها) أنا نفسبر السائل بمن يطلب شرعاً، والمحروم الذى لا مكنة له ٢٠٦ قوله تعالى : وفي أموالهم حق للسائل . سورة الذاريات . من الطلب ومنعه الشارع من المطالبة ، ثم إن المنع قد يكون لكون الطالب غير مستحق ، وقد يكون لكون المطلوب منه لم يبق عليه حق فلا يطالب فقال تعالى فى ماله حق للطالب وهو الزكاة ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها فإن ذلك المبالك لا يطالب بها ويحرم الطالب منه طلباً على سبيل الجزية والزكاة ، بل يسألؤالا اختيارياً فيكون حينئذ كأنه قال فى ماله زكاة وصدقة والصدقة فى المال لا تكون إلا بفرضه هو ذلك وتقديره وإفرازه للفقراء والمساكين ، الجواب الثانى هو أن قوله (وفى أموالهم حق للسائل) أى مالهم ظرف لحقوقهم فان كلمة فى للظرفية لكن الظرف لا يطلب إلا للمظروف فكانه تعالى قال هم لا يطلبون المال ولا يجمعونه إلا ويجعلونه ظرفاً للحق، ولا شك أن المطلوب من الظرف هو المظروف والظرف مالهم تجعل مالهم ظرفاً للحقوق ولا يكون فوق هذا مدح فإن قيل فلوقيل مالهم للسائل هل كان أبلغ؟ قلنا لا وذلك لأن من يكون له أربعون ديناراً فتصدق بها لا تكون صدقته دائمة لكن إذا اجتهد واتجر وعاش سنين وأدى الزكاة والصدقة یکون مقدار المؤدی أ کثر وهذا کما فی الصلاة والصوم لو أضعف واحد نفسه بهما حتى عجز عنهما لا يكون مثل من اقتصد فيهما، وإليه الإشارة بقوله مه لته ((إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)) وفى السائل والمحروم وجوه: (أحدها ) أن السائل هو الناطق وهو الآدمى والمحروم كل ذى روح غيره من الحيوانات المحرومة قال النبى معَ اهيم (النكل كبد حرى أجر)) (وثانيها) وهو الأظهر والأشهر، أن السائل هو الذى يسأل، والمحروم المتعفف الذى يحسبه بعض الناس غنياً فلا يعطيه شيئاً (والأول) كقوله تعالى (كلوا وارعوا أنعامكم) (والثانى) كقوله ( وأطعموا القانع والمعتر) فالقانع كالمحروم فإن قيل على الوجه الأول الغرتيب فى غاية الحسن ، فإن دفع حاجة الناطق مقدم على دفع حاجة البهائم ، فما وجه الترتيب فى الوجه الثانى؟ نقول فيه وجهان: (أحدهما) أن السائل اندفاع حاجته قبل اندفاع حاجة المحروم فى الوجود لأنه يعرف حاله بمقاله ويطلب لقلة ماله فيقدم بدفع حاجته، والمحروم غير معلوم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاطلاع عليه، فكان الذكر على الترتيب الواقع ( وثانيهما) هو أن ذلك إشارة إلى كثرة العطاء فيقول يعطى السائل فإذا لم يجدهم يسأل هو عن المحتاجين فيكون سائلا ومسؤولا (الثالث) هو أن المحاسن اللفظية غير مهجوره فى الكلام الحكى ، فإن قول القائل إن رجوعهم إلينا وعلينا حسابهم ليس كقوله تعالى ( إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم) والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو المعنى، وكما أن الإنسان الذى نور روحه بالمعرفة ينبغى أن ينور جسمه الظاهر بالنظافة ، كذلك الكلام ورب كلمة حكمية لا تؤثر فى النفوس لركاكه لفظها، إذا عرفت هذا فقوله ( وبالأسحار هم يستغفرون وفى أموالهم حق للسائل والمحروم ) أحسن من حيث اللفظ من قولنا وبالأسحار هم يستغفرون ،وفى أموالهم حق للمحروم والسائل، فإن قيل قدم السائل على المحروم ههنا لما ذكرت من الوجوه، ولم قدم المحروم على السائل فى قوله (القانع والمعتر ) لأن (القانع) ٢٠٧ قوله تعالى : وفي الأرض ايات للموقنين . سورة الذاريات . ٢٠ وَفِى الْأَرْضِ ءَايَتْ لِلْمُوقِنِينَ هو الذى لا يسأل (والمعتر) السائل؟ نقول قد قيل إن (القانع) هو (السائل) (والمعتر ) الذى لا يسأل، فلا فرق بين الموضعين، وقيل بأن (القانع والمعتر) كلاهما لا يسأل لكن ( القانع) لا يتعرض ولا يخرج من بيته ( والمعتر) يتعرض للأخذ بالسلام والتردد ولا يسأل، وقيل بأن ( القانع) لا يسأل (والمعتر) يسأل، فعلى هذا فلحم البدنة يفرق من غير مطالبة ساع أو مستحق مطالبة جزية ، والزكاة لها طالب وسائل هو الساعى والإمام، فقوله (للسائل) إشارة إلى الزكاة وقوله ( والمحروم) أى الممنوع إشارة إلى الصدقة المتطوع بها واحداهما قبل الأخرى بخلاف إعطاء اللحم . قوله تعالى: ﴿وفى الأرض آيات للموقنين﴾ وهو يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون متعلقاً بقوله ( إنما توعدون الصادق، وإن الدين لواقع، وفى الأرض آيات للموقنين) تدلهم على أن الحشر كائن كما قال تعالى (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) إلى أن قال (إن الذى أحياها لمحبى الموتى) (وثانيهما) أن يكون متعلقاً بأفعال المتقين، فإنهم خافوا الله فعظموه فأظهروا الشفقة على عباده، وكان لهم آيات فى الأرض، وفى أنفسهم على إصابتهم الحق فى ذلك، فإن من يكون له فى الأرض الآيات العجيبة يكون له القدرة التامة فيخشى ويتقى، ومن له فى أنفس الناس حكم بالغة ونعم سابغة يستحق أن يعبد ويترك الهجوع لعبادته ، وإذا قابل العبد العبادة بالنعمة يجدها دون حد الشكر فيستغفر على التقصير، وإذا علم أن الزرق من السماء لا يبخل بماله ، فالآيات الثلاثة المتأخرة فيها تقرير ما تقدم ، وعلى هذا فقوله تعالى (فورب السماء والأرض) يكون عود الكلام بعد اعتراض الكلام الأول أقوى وأظهر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ كيف خصص الموقنين بكون الآيات لهم مع أن الآيات حاصلة للكل قال تعالى ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها)؟ نقول قد ذكرنا أن اليمين آخر ما يأتى به المبرهن وذلك لأنه أولا يأتى بالبرهان، فإن صدق فذلك وإن لم يصدق لابد له من أن ينسبه الخصم إلى إصرار على الباطل لأنه إذا لم يقدر على قدح فيه ولم يصدقة يعترف له بقوة الجدل وينسبه إلى المكابرة فيتعين طريقه فى اليمين ، فإذا آيات الأرض لم تقدهم لأن اليمين بقوله (والذاريات ذرواً) دلت على سبق إقامة البينات وذكر الآيات ولم يفد فقال فيها (وفى الأرض آيات للموقنين) وإن لم يحصل للمصر المعاند منها فائدة، وأما فى سورة يس وغيرها من المواضع التى جعل فيها آيات الأرض للعامة لم يحصل فيها اليمين وذكر الآيات قبله لجاز أن يقال إن الأرض آيات لمن ينظر فيها (الجواب الثانى) وهو الأصح أن هنا الآيات بالفعل والاعتبار للمؤمنين أى حصل ذلك لحم وحيث قال لكل معناه إن فيها آيات لهم إن نظروا وتأملوا . ٢٠٨ قوله تعالى : وفي أنفسكم أفلا تبصرون . سورة الذاريات . ٢٢ وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (﴾ وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَثْلَ مَا أَنَّكُرْ تَطِقُونَ. ٢٣ المسألة الثانية﴾ ههنا قال (وفى الأرض آيات) وقال هناك (وآية لهم الأرض) نقول لما جعل الآية (الموقنين) ذكر بلفظ الجمع لأن الموقن لا يغفل عن اللّه تعالى فى حال ويرى فى كل شىء آيات دالة ، وأما الغافل فلا يتنبه إلا بأمور كثيرة فيكون الكل له كالآ ية الواحدة. قوله تعالى: ﴿وفى أنفسكم أفلا تبصرون) إشارة إلى دليل الأنفس، وهو كقوله تعالى ( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم) وإنما اختار من دلائل الآفاق مافى الأرض لظهورها لمن على ظهورها فإن فى أطرافها وأ كنافها مالا يمكن عد أصنافها فدليل الأنفس فى قوله ( وفى أنفسكم) عام ويحتمل أن يكون مع المؤمنين، وإنما أتى بصيغة الخطاب لأنها أظهر ليكون علم الإنسان بما فى نفسه أنم وقوله تعالى (وفى أنفسكم) يحتمل أن يكون المراد وفيكم ، يقال الحجارة فى نفسها صلبة ولا يراد بها النفس التى هى منبع الحياة والحس والحركات ، ويحتمل أن يكون المراد وفى نفوسكم التى بها حياتكم آيات وقوله (أفلا تبصرون) بالاستفهام إشارة إلى ظهورها. قوله تعالى: ﴿وفى السماء رزقكم﴾ فيه وجوه: (أحدها) فى السحاب المطر (ثانيها) (فى السماء رزقكم) مكتوب ( ثالثها) تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل فى الأرض حبة قوت ، وفى الآيات الثلاث ترتيب حسن وذلك لأن الإنسان له أمور يحتاج إليها لابد من سبقها حتى يوجد هو فى نفسه وأمور تقارنه فى الوجود وأمور تلحقه وتوجد بعده ليبقى بها، فالأرض هى المكان وإليه يحتاج الإنسان ولا بد من سبقها فقال (وفى الأرض آيات ) ثم فى نفس الإنسان أمور من الأجسام والأعراض فقال (وفى أنفسكم) ثم بقاؤه بالرزق فقال ( وفى السماء رزقكم) ولولا السماء لما كان للناس البقاء. قوله تعالى: ﴿وما توعدون﴾ فيه وجوه: (أحدها) الجنة الموعود بها لأنها فى السماء ( ثانيها) هو من الإيعاد لأن البناء للمفعول من أوعد يوعد أى (وما توعدون) إما من الجنة والنار فى قوله تعالى ( يوم هم على النار) وقوله ( إن المتقين فى جنات) فيكون إيعاداً عاماً، وأما من العذاب وحينئذ يكون الخطاب مع الكفار فيكون كأنه تعالى قال (وفى الأرض آيات للموقنين) كافية ، وأما أنتم أيها الكافرون ففى أنفسكم آيات هى أظهر الآيات وتكفرون بها لحطام الدنيا وحب الرياسة ، وفى السماء الأرزاق، فلو نظرتم وتأملتم حق التأمل، لما تركتم الحق لأجل الرزق ، فإنه واصل بكل طريق ولاجتذبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل . قوله تعالى: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ وفى المقسم عليه وجوه ٢٠٩ قوله تعالى : فورب السماء والأرض . سورة الداريات . (أحدما) (ما توعدون) أى ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى (إنما توعدون الصادق) وعلى هذا يعود كل ماقلناه فى وجوه (ما توعدون) إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هى (ثانيها) الضمير راجع إلى القرآن أى أن القرآن حق وفيما ذكرناه فى قوله تعالى ( يؤفك عنه ) دليل هذه وعلى هذا فقوله ( مثل ما أنكم تنطقون ) معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره ( ثالثها ) أنه راجع إلى الدين كما فى قوله تعالى ( وإن الدين لواقع) (رابعها) أنه راجع إلى اليوم المذكور فى قوله ( أيان يوم الدين) يدل عليه وصف الله اليوم بالحق فى قوله تعالى (ذلك اليوم الحق) (خامسها) أنه راجع إلى القول الذى يقال (هذا الذى كنتم به تستعجلون) وفى التفسير مباحث : ﴿ الأول) الفاء تستدعى تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول (إن ما توعدون) لحق بالبرهان المبين، ثم بالقسم واليمين (ثانيهما) القسم المتقدم كأنه تعالى يقول ( والذاريات) ثم (ورب السماء والأرض) وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله (والذريات ذرواً، فالحاملات وقرأ) عطف من غير إعادة حرف القسم، وقوله (فورب السماء) مع إعادة حرفه، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب فى قوله ( يوم ثم على النار يفتنون) وقوله ( إن المتقين فى جنات) وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيها على أن لاحاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكانه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعد ما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله بالیین ، ويشير إلى ثېو ته من غير يمين . ﴿ البحث الثانى) أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهى الرياح وبالسماء فى قوله (والسماء ذات الحبك) ولم يقسم بربها، وههنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولا بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقى إلى الأعلى، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك، والله لا يكفروإذا قال: والله وحياتك لاشك يكفر وهذا استشهاد، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب، أو باللفظ الظاهر فى أمر القلب، أو بالفعل الظاهر، وماذكره ليس بظاهر فى تعظيم جانب غير اللّه، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير فى الذكر مفيداً للترتيب فى الوضوء وغيره . ﴿ البحث الثالث) قرى. مثل بالرفع وحيئذ يكون وصفاً لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جوازوصف المنكربه، تقول رأيت رجلا مثل عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفاً لأنه فى غاية الإبهام وقرى. (مثل) بالنصب، ويحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى ماهو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه ( ثانيهما) أن يكون الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٤ ٢١٠ قوله تعالى : هل أتاك حديث ضيف ابراهيم . سورة الذاريات . هَلْ أَثَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكَمِينَ (٣٨) منصوباً على البيان تقديره لحق حقاً مثل ، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة مصدر معلوم غير مذكور، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير فى قوله (إنه) هو القرآن فكانه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقاً ( مثل ما أنكم تنطقون ) وما مجرور لاشك فيه .. قوله تعالى: ﴿ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ إشارة إلى تسلية قلب التى رائع ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله، واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين كون النبي عليه الصلاة والسلام على سنته فى بعض الأشياء، وإنذار لقومه بما جرى من الضيف ، ومن إنزال الحجارة على المذنبين المصلين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ إذا كان المراد ماذكرت من التسلية والإنذار فأى فائدة فى حكاية الضيافة؟ نقول ليكون ذلك إشارة إلى الفرج فى حق الأنبياء، والبلاء على الجهلة والأغبياء ، إذا جاءهم من حيث لا يحتسب. قال الله تعالى (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع مكانته . المسألة الثانية﴾ كيف سماهم ضيفاً ولم يكونوا؟ نقول لما حسبهم إبراهيم عليه السلام ضيفاً لم يكذبه اللّه تعالى فى حسابه إكراماً له ، يقال فى كلمات المحققين الصادق يكون ما يقول ، والصديق يقول ما يكون . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ضيف لفظ واحد والمكرمين جمع، فكيف وصف الواحد بالجمع؟ نقول الضيف يقع على القوم ، يقال قوم ضيف ولأنه مصدر فيكون كلفظ الرزق مصدراً، وإنما وصفهم بالمكرمين إما لكونهم عباداً مكرمين كما قال تعالى (بل عباد مكرمون) وإما لإكرام إبراهيم عليه السلام إياهم، فإن قيل: بماذا أكرمهم؟ قلنا ببشاشة الوجه أولا، وبالإجلاس فى أحسن المواضع وألطفها ثانياً، وتعجيل القرى ثالثاً، وبعد التكليف للضيف بالأكل والجلوس وکانوا عدة من الملائکا فی قول ثلاثة چېریل ومیکائیل و ثالث ، وفى قول عشرة ، وفى آخر اثنا عشرة . ﴿ المسألة الرابعة) ثم أرسلوا للعذاب بدليل قولهم (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) وهم لم يكونوا من قوم إبراهيم عليه السلام، وإنما كانوا من قوم لوط فما الحكمة فى مجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام؟ نقول فيه حكمة بالغة ، وبيانها من وجهين (أحدهما) أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين وکان لوط من قومه ومن إ کرام الملك للذى فى عهدته وتحت طاعته إذا كان يرسل رسول إلى غيره يقول له اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه ( وثانيهما) هو أن ٢١١ قوله تعالى : إذ دخلوا عليه فقالوا . سورة الذاريات . إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَّمًّا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ ٢٥ الله تعالى لمنا قدرأن يهلك قوماً كثيراً وجماً غفيراً، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة سنه على عباده قال لهم بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف ما يهلك ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء عليهم السلام . قوله تعالى : ﴿إِذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ ما العامل فى إذ؟ فيه وجوه (أحدها) ما فى المكرمين من الإشارة إلى الفعل إن قلنا وصفهم بكونهم مكرمين بناء على أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم فيكون كانه تعالى يقول: أكرموا إِذ دخلوا، وهذا من شأن الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول (ثانيها) مافى الضيف من الدلالة على الفعل ، لأنا قلنا إن الضيف مصدر فيكون كأنه يقول : أضافهم إذ دخلوا (وثالثها) يحتمل أن يكون العامل فيه أتاك تقديره ما أتاك حديثهم وقت دخولهم ، فاسمع الآن ذلك، لأن هل ليس للاستفهام فى هذا الموضع حقيقة بل للاعلام، وهذا أولى لأنه فعل مصرح به، ويحتمل أن يقال اذكر إذ دخلوا . ﴿ المسألة الثانية﴾ لماذا اختلف إعراب السلامين فى القراءة المشهورة؟ نقول: نبيئ أولا وجوه النصب والرفع، ثم نبين وجوه الاختلاف فى الإعراب ، أما النصب فيحتمل وجوها: (أحدها ) أن يكون المراد من السلام هو التحية وهو المشهور، ونصبه حينئذ على المصدر تقديره نسلم سلاماً ( ثانيها) هو أن يكون السلام نوعاً من أنواع الكلام وهو كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو بأثم فكأنهم لما دخلوا عليه فقالوا حسناً سلبوا من الإثم، وحينئذ يكون مفعولاً للقول لأن مفعول القول هو الكلام ، يقال قال فلان كلاماً ، ولا يكون هذا من باب ضربه سوطاً لأن المضروب هناك ليس هو السوط ، وههنا القول هو الكلام فسره قوله تعالى ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) وقوله تعالى ( قيلا سلاماً سلاماً). ( ثالثها) أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاماً، لا يقال على هذا إن المراد لو کان ذلك لعلم کونهم رسل الله عند السلام فما کان یقول ( قوم منکرون) ولا کان یقرب إلیهم الطعام، ولما قال نكرهم وأوجس لأنا نقول جاز أن يقال أنهم قالوا: نبلغك سلاماً ولم يقولوامن اللّه تعالى إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام من تبلغون لى السلام، وذلك لأن الحكيم لا يأتى بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة ، فلو ضموا إليه الأمر العظيم الذى هو السلام من الله تعالى لا نزعج إبراهيم عليه السلام، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإ كرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب، وأما الرفع فتقول يحتمل أن المراد منه السلام الذى هو التحية وهو المشهور أيضاً، وحينئذ يكون مبتدأ :٢١٢ قوله تعالى : إذ دخلوا عليه فقالوا . سورة الذاريات . خبره محذوف تقديره سلام عليكم، وكون المبتدأ نكرة يحتمل فى قول القائل سلام عليكم وويل له، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره قال جوابه سلام، ويحتمل أن يكون المراد قولا يسلم به أو يفى. عن السلامة فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمریی سلام بمعنی مسالمة لا تعاق بینی و یتكم لأنى لا أعرفكم، أو يكون المبتدأ قولكم، وتقديره قولكم سلام ينى. عن السلامة وأنتم قوم مشكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل على، وهذا ما يحتمل أن يقال فى النصب والرفع، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن السلام فى الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث المعنى . ( أما من حيث اللفظ) فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو نكرة، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوباً على تقدير أسلم سلاماً وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام، ولا يكون لعليك حظ من المعنى غير ذلك البيان. فيكون فالخارج عن الكلام، والكلام التام أسهم سلاماً، كما أنك تقول ضربت زيداً على السطح يكون على السطح خارجاً عن الفعل والفاعل والمفعول لبيان مجرد الظرفية ، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية كثير الوقوع، قالوا نعدل عن الجمله الفعلية إلى الإسمية ونجعل لعليك حظاً فى الكلام، فنقول سلام عليك ، فتصير عليك لفائدة لا بد منها، وهى الخبرية ، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع مأخوذ منه، والأصل مقدم على المأخوذ منه، فقال (قالوا سلاماً قال سلام) قدم الأصل على المتفرع منه. (وأما من حيث المعنى) فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم بالأحسن ، فأتى بالجملة الإسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار ، فإن قولنا جلس زيد لاينىء عنه لأن الفعل لابد فيه من الإنباء عن التجدد والحدوث. ولهذا لو قلت: اللّه موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينى عن التجدد، ولو قال قائل: وجد الله الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما قالوا: سلاماً قال: سلام عليكم مستمر دائم، وأما على قولنا المراد القول ذو السلامة فظاهر الفرق ، فإنهم قالوا قولا ذا سلام، وقال لهم إبراهيم عليه السلام (سلام) أى قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس الأمر على، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليما، فيقول فيه جمع بين أمرين: تعظيم جانب اللّه، ورعاية قلب عباد الله، فإنه لو قال: سلام عليكم وهو لم يعلم كونهم من عباد الله الصالحين كان يجوز أن يكونوا على غير ذلك، فيكون الرسول قد أمنهم، فان السلام أمان وأمان الرسول أمان المرسل فيكون فاعلا للأمر من غير إذن الله نيابة عن اللّه فقاله أنتم سلمتم على وأنا متوقف أمرى متاركة لا تعلق بيننا إلى أن يتبين الحال ويدل على هذا هو أن الله تعالى قال (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) وقال فى مثل هذا المعنى النبى صلى الله عليه وسلم (فاصفح منهم وقل سلام) ولم يقل قل سلاماً، وذلك لأن الأخيار المذكورين فى القرآن لي ٢١٣ قوله تعالى : فراغ إلى أهله فجاء . سورة الذاريات . فَقَرَبَهُ ◌ٍ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٢٦ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، ◌َآءَ بِعِجَلٍ سَمِينٍ د سلموا على الجاهلين لا يكون ذلك سبباً لحرمة التعرض إليهم، وأما النبى صلى الله عليه وسلم لو سلم عليهم لصار ذلك سبباً لحرمة التعرض إليهم ، فقال: قل سلام أى أمرى معكم متاركة تركناه إلى أن يأتى أمر الله بأمر، وأما على قولنا بمعنى نبلغ سلاماً فنقول هم لما قالوا نبلغك سلاماً ولم يعلم إبراهيم عليه السلام أنه من قال سلام أى إن كان من الله فإن هذا منه قد ازداد به شرفى وإلا فقد بلغنى منه سلام وبه شرفى ولا أتشرف بسلام غيره، وهذا ما يمكن أن يقال فيه. والله أعلم بمراده والأول والثانى عليهما الاعتماد فإنهما أقرى وقد قيل بهما . المسألة الثالثة﴾ قال فى سورة هود ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرم ) فدل على أن إنكارهم كان حاصلا بعد تقريبه العجل منهم وقال ههنا (قال سلام قوم منكرون). قوله تعالى: ﴿ فراغ إلى أهله نجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون) بناء التعقيب فدل على أن تقريب الطعام منهم بعد حصول الإنكار لهم ، فما الوجه فيه ؟ نقول جازأن يحصل أولا عنده منهم نكر ثم زاد عند إمساكهم ، والذى يدل على هذا هو أنهم كانوا على شكل وهيئة غير ما يكون عليه الناس وكانوا فى أنفسهم عند كل أحد منكرين، واشترك إبراهيم عليه السلام وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتكم بل قال (أنتم منكرون) فى أنفسكم عند كل أحد منا، ثم إن إبراهيم عليه السلام تفرد بمشاهدة أمر منهم هو الإمساك فنكرثم فوق ما كان منهم بالنسبة إلى الكل لكن الحالة فى سورة هود محكية على وجه أبسط مما ذكره ههنا ، فإن ههنا لم يبين المبشر به ، وهناك ذكر باسمه وهو إسحاق، ولم يقل ههنا إن القوم قوم من وهناك قال قوم لوط ، وفى الجملة من يتأمل السورتين يعلم أن الحكاية محكية هناك على وجه الإضافة أبسط ، فذكر فيها النكتة الزائدة، ولم يذكر ههنا ولنعد إلى بيان ما أتى به من آداب الإضافة وما أتوا به من آداب الضيافة ، فالإكرام أو لا من جاءه ضيف قبل أن يجتمع به ويسلم أحدهما على الآخر أنواع من الإكرام وهى اللقاء الحسن والخروج إليه والتهيؤ له ثم السلام من الضيف على الوجه الحسن الذى دل عليه النصب فى قوله ( سلاماً) إما لكونه مؤكداً بالمصدر أو لكونه مبلغاً من هو أعظم منه، ثم الرد الحسن الذى دل عليه الرفع والإمسلاك عن الكلام لا يكون فيه وفاء إن إبراهيم عليه السلام لم يقل سلام عليكم بل قال أمرى مسالمة أو قولكم سلام وسلامكم منكر فإن ذلك وإن كان مخلا بالإكرام، لكن الغدر ليس من شيم الكرام ومودة أعداء الله لا تليق بالأنبياء عليهم السلام ثم تعجيل القرى الذى دل عليه قوله تعالى ( فمالبث أن جاء) وقوله ههنا (فراغ) فإن الروغان يدل على السرعة والروغ الذى بمعنى النظر الخفى أو الرواح المخفى أيضاً كذلك، ثم الإخفاء فإن المضيف إذا أحضر شيئاً ينبغى أن يخفيه عن الضيف كى لا يمنعه من الإحضار بنفسه حيث راغ هو ولم يقل هاتوا، وغيبة المضيف لحظة ٢١٤ قوله تعالى : فأوجس منهم خيفة . سورة الذاريات . الجزء فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَثِّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيٍ (٨) فَأَعْبَلَتِ أمْرَأُ فِصَرَّةٍ فَصَََّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُزُ عَقِيمُ (ټ من الضيف مستحسن ليستريح ويأتى بدفع ما يحتاج إليه ويمنعه الحياء منه ثم اختيار الأجود بقوله (سمين) ثم تقديم الطعام إليهم لا نقلهم إلى الطعام بقوله (فقربه إليهم) لأن من قدم الطعام إلى قوم يكون كل واحد مستقراً فى مقره لا يختلف عليه المكان فإن نقلهم إلى مكان الطعام ربما يحصل هناك اختلاف جلوس فيقرب الأدنى ويضيق على الأعلى ثم العرض لا الأمر حيث قال (ألا تأكلون) ولم يقل كارا ثم كون المضيف مسروراً بأكلهم غير مسرور بتركهم الطعام كما يوجد فى بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعاماً كثيراً ويكون نظره ونظر أهل بيته فى الطعام متى يمسك الضيف يده عنه يدل عليه . قوله تعالى: ﴿ فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ﴾ ثم أدب الضيف أنه. إذا أكل حفظ حق المؤاكلة ، يدل عليه أنه خافهم حيث لم يأكلوا ، ثم وجوب إظهار العذر عند الإمساك يدل عليه قوله (لا تخف) ثم تحين العبارة فى العذر وذلك لأن من يكون محتمياً وأحضر لديه الطعام فهناك أمران (أحدهما) أن الطعام لا يصلح له لكونه مضراً به (الثانى) كونه ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام فينبغى أن لا يقول الضيف هذا طعام غليظ لا يصلح لى بل الحسن أن يأتى بالعبارة الأخرى ويقول : لى مانع من أكل الطعام وفى بيتى لا آ كل أيضاً شيئاً ، يدل عليه قوله (وبشروه بغلام) حيث فهموه أنهم ليسوا من يأكلون ولم يقولوا لا يصلح لنا الطعام والشراب، ثم أدب آخر فى البشارة أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة فإنه يورث مرضاً يدل عليه أنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم عليه السلام ثم قالوا نبشرك ثم ذكروا أشرف النوعين وهو الدكرولم يقتنعوا به حتى وصفوه بأحسن الأوصاف فإن الإبن يكون دون البنت إذا كانت البنت كاملة الخلقة حسنة الخلق والإبن بالضد، ثم إنهم تركوا سائر الأوصاف من الحسن والجمال والقوة والسلامة واختاروا العلم إشارة إلى أن العلم رأس الأوصاف ورئيس النعوت، وقد ذكرنا فائدة تقديم البشارة على الإخبار عن إهلاكهم قوم لوط، ليعلم أن الله تعالى يهلكهم إلى خلف، ويأتى يبدلهم خيراً منهم .. قوله تعالى: ﴿فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت مجوز عقيم﴾. أى أقبلت على أهلها، وذلك لأنها كانت فى خدمتهم ، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت وأعرضت، عنهم، فذكر الله تعالى ذلك بلغط الإقبال على الأهل، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة ، وقوله تعالى ( فى صرة) أى صيحة ، كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئاً من أحوالهن يصحن صيحة معتادة ثمن عند الاستحياء أو التعجب، ويحتمل أن يقال تلك الصيحة ٢١٥ قوله تعالى : قالوا كذلك قال ربك . سورة الذاريات . البَارِعُ وَالْعِشْرُونِ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( كانت بقرلها ياويلنا ، تدل عليه الآية التى فى سورة هود، وصك الوجه أيضاً من عادتهن ، واستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما (أحدهما) كبر السن (والثانى) العقم، لأنها كانت لا تلد فى صغر سنها، وعنفوان شبابها، ثم عجزت وأيست فاستبعدت ، فكانها قالت ياليتكم دعوتم دعاء قريباً من الإجابة ، ظناً منها أن ذلك منهم ، كما يصدر من الضيف على سبيل الأخبار من الأدعية كقول الداعى: الله يعطيك مالا ويرزقك ولداً، فقالوا هذا منا ليس بدعاء، وإنما ذلك قول الله تعالى ﴿ قالوا كذلك قال ربك) ثم دفعوا استبعادها بقولهم ( إنه هو الحكيم العليم). وقد ذكرنا تفسيرهما مراراً، فإن قيل لم قال ههنا (الحكيم العليم) وقال فى هود (حميد مجيد) نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم ( أتعجبين من أمر الله) ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله، وذكروهم بنعمته بقولهم (حميد) فإن الحميد هو الذى يتحقق منه الأفعال الحسنة، وقولهم ( مجيد) إشارة إلى أن الفائق العالى الهمة لايحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه، وههنا لما لم يقولوا (أتعجبين) إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه، وفيه لطيفة وهى أن هذا الترتيب مراعى فى السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول، وكذلك الحكيم هو الذى فعله، كما ينبغى لعلمه قاصداً لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقاً للمقصود اتفاقاً ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لايقال له حكيم، وأما إذا فعل فعلا قاصداً لقتلها بحيث يسلم عن نهشها، يقال له حكيم فيه، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجد.، وإن لم يفعل فعلا وهو قاصد لعلمه، وإن لم يفعل على وفق القاصد . قوله تعالى : ﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون﴾ وفيه مسائل : . ﴿ المسألة الأولى﴾ لما علم حالهم بدليل قوله (منكزون) لم لم يقنع بما بشروه لجواز أن يكون نزولهم للبشارة لا غير ؟ نقول إبراهيم عليه السلام أتى بما هو من آداب المضيف حيث يقول لضيفه إذا استعجل فى الخروج ما هذه العجلة ، وما شغلك الذى يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك ، ولا يسكت عند خروجهم مخافة أن يكون سكوته يوم استثقالهم ، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذى لا يسر عن الصديق الصدوق ، لاسيما وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم فى إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم، وجبر قلبه بتقديم البشارة بخير البدل ، وهو أبو الأنبياء إسحق عليه السلام على الصحيح ، فإن قيل فما الذى اقتضى ذكره بالفاء ، ولو كان كما ذكرتم لقال ما هذا ٢١٦ قوله تعالى: قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين سورة الذاريات !!!* ٣٢ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوٍْ مُجْرِمِينَ الاستعجال، وما خطبكم المعجل لكم؟ نقول لوكان أوجس منهم خيفة وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً، فلما آنسوه قال ماخطبكم، أى بعد هذا الأنس العظيم ، ما هذا الإيحاش الألم . ﴿ المسألة الثانية) هل فى الخطب فائدة لا توجد فى غيره من الألفاظ؟ نقول نعم، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التى يقرب منها الشغل والأمر والفعل وأمثالها ، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر، وأما الخطب فهو الأمر العظيم، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضى، فقال (ما خطبكم) أى لعظمتكم لا نرسلون إلا فى عظيم، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم الخطير . وأمركم العظيم للزم التطويل ، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز . المسألة الثالثة﴾ من أين عرف كونهم مرسلين، فنقول (قالوا) له بدليل قوله تعالى (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) وإنما لم يذكر ههنا لما بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة فى سورة هود، أو نقول لما قالوا لامرأته ( كذلك قال ربك) على كونهم منزلين من عند الله حيث كانوا يحملون قول الله تعالى، يدل على هذا أن قولهم ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) كان جواب سؤاله منهم .... المسألة الرابعة ﴾ هذه الحكاية بعينها هى المحكية فى هود، وهناك قالوا (إنا أرسلنا) بعد ما زال عنه الروع وبشروه، وهنا قالوا (إنا أرسلنا) بعد ما سألهم عن الخطب ، وأيضاً قالوا هناك ( إنا أرسلنا إلى قوله لوط) وقالوا ههنا (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) والحكاية من قولهم، فإن لم يقولوا ذلك ورد السؤال أيضاً، فنقول إذا قال قائل حا كياً عن زيد: قال زيد عمرو خرج، ثم يقول مرة أخرى: قال زيد إن بكراً خرج، فإما أن يكون صدر من زيد قولان، وإما أن لا یکون حا کیاً ماقاله زید، والجواب عن (الأول) هو أنه لما خاف جاز أنهم ماقالوا له (لاتخف إنا أسلنا إلى قوم لوط) فلما قال لهم ماذا تفعلون بهم، كان لهم أن يقولوا ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط) لنهلكهم، كما يقول القائل: خرجت من البيت، فيقال لماذا خرجت؟ فيقول خرجت لأنجر، لكن ههنا فائدة معنوية، وهى أنهم إنما قالوا فى جواب (ما خطبكم) نهالتكهم؟ بأمر الله، التسلم برابتهم عن إيلام البرى.، وإهمال الردى. فأعادوالفظ الإرسال، وأما عن (الثانى) نقول الحكاية قد تكون حكاية اللفظ، كما تقول: قال زيد بعهرو صروت، فيحكى لفظه المحكى، وقد يكون حكاية لكلامه بمعناه تقول: زيد قال عمرو خرج ، ولك أن تبدل مرة أخرى فى غير تلك الحكاية بلفظة أخرى، فتقول لما قال زيد بكر خرج، قلت كيت وكيت ، كذلك مهنا القرآن لفظ معجز موما صدر ممن تقدم نبينا عليه السلام سواء كان منهم، وسواء كان منزلا عليهم الميمكن لفظه معجزاً، فيلزم أن لا تكون هذه الحكايات بتلك الألفاظ، فكانهم قالو له (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) وقالوا ٢١٧ قوله تعالى : لنرسل عليهم حجارة من طين . سورة الذاريات . لِنْسِلَ عَلَيْهِمْ حَارَةٌ مِن طِينٍ ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط) وله أن يقول، إنا أرسلنا إلى قوم من آمن بك ، لأنه لا يحكى لفظهم حتى يكون ذلك واحداً ، بل يحكى كلامهم بمعناه وله عبارات كثيرة، ألا ترى أنه تعالى لما حكى لفظهم فى السلام على أحد الوجوه فى التفسير ، قال فى الموضعين : سلاماً وسلام ثم بين ما لأجله أرسلوا بقوله ﴿ لغرسل عليهم حجارة من طين ) وقد فسرنا ذلك فى العنكبوت ، وقلنا إن ذلك دليل على وجوب الرمى بالحجارة على اللائط وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ أى حاجة إلى قوم من الملائكة، وواحد منهم كان يقلب المدائن بريشة من جناحه ؟ نقول الملك القادر قد يأمر الحقير بإهلاك الرجل الخطير ، ويأمر الرجل الخطير بخدمة الشخص الحقير، إظهاراً لنفاذ أمره، حيث أهلك الخلق الكثير بالقمل والجراد والبعوض بل بالريح التى بها الحياة ، كان أظهر فى القدرة وحيث أمر آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم كان أظهر فى نفاذ الأمر وفيه فائدة أخرى ، وهى أن من يكون تحت طاعة ملك عظيم ، ويظهر له عدو ويستعين بالملك فيعينه بأكابر عسكره ، يكون ذلك تعظيما منه له وكلما كان العدو أكثر والمدد أو فر كان التعظيم أتم ، لكن الله تعالى أعان لوطا بعشرة ونبينا عليه السلام بخمسة آلاف ، وبین العددین من التفاوت مالا يخنی وقد ذکرنا نبذاً منه فى تفسير قوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء ) . المسألة الثانية﴾ ما الفائدة فى تأكيد الحجارة بكونها (من طين)؟ نقول لأن بعض الناس يسمى البرد حجارة فقوله ( من طين ) يدفع ذلك التوم ، واعلم أن بعض من يدعى النظر يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التى يتخذها الرماة ، قالوا وسبب ذلك هو أن الإعصار يصعد الغبار من الفلوات العظيمة التى لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ، ويتفق وصول ذلك إلى هواء ندى ، فيصير طيناً رطبا، والرطب إذا نزل وتفرق استدار ، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كرات مدورات كالآلى. الكبار ، ثم فى النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التى فى الجو، جعلته حجارة كالآجر المطبوخ ، فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه ، وقد ينزل كثيراً فى المواضع التى لا عمارة بها فلا يرى ولا يدرى به، ولهذا قال ( من طين) لأن مالا يكون (من طين) كالحجر الذى فى الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر وهذا تعسف، ومن يكون كامل العقل يسند الفكر إلى ما قاله ذلك القائل ، فيقول ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع بحادث آخر يلزم القسلسل ولابد من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث ، فذلك المحدث لابد وأن يكون فاعلا مختاراً، والمختار له أن يفعل ماذكر وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار ، لكن العقل لاطريق له إلى الجزم ٢١٨ قوله تعالى : مسومة عند ربك للمسرفين . سورة الذاريات . مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (﴾ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه يجب أخذه بالنقل، والنص ورد به فأخذنا به ولا نعلم الكيفية وإنما المعلوم أن الحجارة التى من طين نزولها من السماء أغرب وأعجب من غيرها ، لأنها فى العادة لابد لها من مكث فى النار . قوله تعالى: ﴿ مسومة عند ربك للمسرفين﴾ فيه وجوه: (أحدها) مكتوب على كل واحد اسم واحد يقتل به ( ثانيها) أنها خلقت باسمهم ولتعذيبهم بخلاف سائر الاحجار فإنها مخلوقة للانتفاع فى الأبنية وغيرها (ثالثها) مرسلة للمجرمين لأن الإرسال يقال فى السوائم يقال أرسلها لترعنى فيجوز أن يقول سومها بمعنى أرسلها وبهذا يفسر قوله تعالى (والخيل المسومة) إشارة إلى الاستغناء عنها وأنها ليست الركوب ليكون أدل على الغنى، كما قال ( والقناطير المقنطرة) وقوله تعالى ( المسرفين ) إشارة إلى خلاف ما يقول الطبيعيون إن الحجارة إذا أصابت واحداً من الناس فذلك نوع من الاتفاق فإنها تنزل بطبعها بتفق مختص لهما فتصيبه فقوله (مسومة) أى فى أول ما خلق وأرسل إذا علم هذا فإنما كان ذلك على قصد إهلاك المسرفين ، فإن قيل إذا كانت الحجارة مسومة للمسرفين فكيف قالوا (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم ) مع أن المسرف غير المجرم فى اللغة؟ نقول المجرم هو الآتى بالذنب العظيم لأن الجرم فيه دلالة على العظم ومنه جرم الشىء لعظمة مقداره، والمسرف هو الآتى بالكبيرة ، ومن أسرف ولو فى الصغائر يصير مجرماً لأن الصغير إلى الصغير إذا انضم صار كبيراً، ومن أجرم فقد أسرف لأنه أتى بالكبيرة ولو دفعة واحدة فالوصفان اجتمعا فيهم. لكن فيه لطيفة معنوية، وهى أن الله تعالى سومها للمسرف المصر الذى لا يترك الجرم والعلم بالأمور المستقبلة عند الله تعالى، يعلم أنهم مسرفون فأمر الملائكة بارسالها عليهم، وأما الملائكة فعلمهم تعلق بالحاضر وهم كانوا مجرمون فقالوا (إنا أرسلنا إلى قوم) فعلهم (مجرمين) لنرسل عليهم حجارة خلقت لمن لا يؤمن ويصر ويسرف ولزم من هذا علينا بأنهم لو عاشوا منثين تمادوا فى الإجرام، فان قيل اللام لتعريف الجنس أو التعريف العهد؟ نقول لتعريف العهد أى مسومة لهؤال المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة ، فان قيل ما إسرافهم؟ نقول مادل عليه قوله تعالى (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) أى لم يبلغ مبلغكم أحد .... قوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ فيه فائدتان: ﴿ أحداهما) بيان القدرة والاختيار فان من يقول بالاتفاق يقول يصيب البر والفاجر فلا ميراقه المجرم عن الحسن دل على الاختيار. قوله تعالى: فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين . سورة الذاريات , ٢١٩ فَا وَجَدْنَافِهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ () وَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿ثانيها) بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسىء فإن القرية مادام فيها المؤمن لم تهلك، والضمير عائد إلى القرية معلومة وإن لم تكن مذكورة. قوله تعالى: ﴿فما وجدنا فيها غيربيت من المسلمين﴾ فيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين ، بخلاف مالو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ، وقيل فى مثاله إن العالم كبدن ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والكفار والفساق كالسموم الواردة عليه الضارة ، ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه المضار ملك وإن خلا عن المضار وفيه المنافع طاب عيشة ونما ، وإن وجد فيه كلاهما فالحكم للغالب. فكذلك البلاد والعباد والدلالة على أن المسلم بمعنى المؤمن ظاهرة، والحق أن المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه ، فإذا سمى المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما ، فكأنه تعالى قال أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين ويلزم من هذا أن لإ يكون هناك غيرهم من المؤمنين ، وهذا كما لو قال قائل لغيره: من فى البيت من الناس؟ فيقول له ما فى البيت من الحیوانات أحد غیر زید، فيكون مخبراً له بخلو البیت عن كل إنسان غير زيد. قوله تعالى : ﴿وتركنا فيها آية الذين يخافون العذاب الأليم﴾. وفى الآية خلاف ، قيل هو ما. أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ، وقيل حجارة مرمية فى ديارهم وهى بين الشام والحجاز ، وقوله (الذين يخافون العذاب الأليم ) أى المنتفع بها هو الخائف، كما قال تعالى ( لقوم يعقلون) فى سورة العنكبوت، وبينهما فى اللفظ فرق قال ههنا (آية) وقال هناك (آية بينة) وقال هناك (لقوم يعقلون) وقال ههنا (الذين يخافون) فهل فى المعنى فرق؟ نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى ( آية بينة) حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض، فكانه تعالى قال: من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك قال ( لقوم يعقلون ) فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم، وههنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) وقال هناك (إنا منجوك وأهلك) من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم . ٢٢٠ قوله تعالى : وفي موس ان ارسلناه . سورة الذاريات . وَفِى مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بُآْطٍَمُبِيٍ ) فَتَوَلَ بُكْنِهِ، وَقَالَ ٣٨١ سَِحُ أَوْ مَجْنُونٌ قوله تعالى: ﴿وفى موسى إذ أو سلناه إلى فرعون بسلطان مبين قوله (وفى موسى) يحتمل أن يكون معطوفاً على معلوم، ويحتمل أن يكون معطوناً على مذكور ، أما الأول ففيه وجوه (الأول) أن يكون المراد ذلك فى إبراهيم وفى موسى، لأن من ذکر إبراهيم يعلم ذلك (الثانى) لقومك فى لوط وقومه عبرة، وفى موسى وفرعون (الثالث ) أن يكون هناك معنى قوله تعالى : تفكروا فى إبراهيم ولوطوقومهما، وفى موسى وفرعون، والكل قريب بعضه من بعض، وأما الثانى ففيه أيضاً وجوه (أحدها) أنه عظف على قوله (وفي الأرض آيات للموقنين)، (وفى موسى) وهو بعيد لبعده فى الذكر، ولعدم المناسبة بينهما (ثانيها) أنه عطف على قوله ( وتركنا فيها آية الذين يخافون)، (وفى موسى) أى وجعلنا فى موسى على طريقة قولهم: علفتها تبناً وماء بارداً ، وتقلدت سيفاً وربحاً، وهو أقرب، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير فى قوله تعالى ( وتركنا فيها ) عائد إلى القرية ( ثالثها ) أن نقول فيها راجع إلى الحكاية ، فيكون التقدير: وتركنا فى حكايتهم آية أو فى قصتهم ، فيكون : وفى قصة موسى آية، وهو قريب من الاحتمال الأول، وهو العطف على المعلوم (رابعها) أن يكون عطفاً على هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ، وتقديره (وفى موسى) حديث إذ أرسلناه، وهو مناسب إذ جمع الله كثيراً من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام، كما قال تعالى (أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى) وقال تعالى (صحف إبراهيم وموسى) والسلطان القوة بالحجة والبرهان ، والمبين الفارق، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التى حاج بها فرعون، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سعر الساحر وأمر المرسلين .. قوله تعالى ﴿ فتولى بركنه) فيه وجوه (الأول) الباء للمصاحبة، والر كن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول: أعرض مع قومه ، يقال نزل فلان بعسكره على كذا ، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى (فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى) قال (أدبر) وهو بمعنى تولى وقوله ( خشر فنادى) فى معنى قوله تعالى (بركنه)، الثانى (فتولى) أى اتخذ ولياً، والباء للتعدية حينئذ يعنى تقوى بهنده (والثالث) تولى أمر موسى بقوته، كأنه قال : أقتل موسى لئلا يبدل دينكم، ولا يظهر فى الأرض الفساد ، فتولى أمره بنفسه، وحينئذ يكون المفعول غير مذ كور ، ور کنه هو نفسه التقوية، ويحتمل أن يكون المراد من ركنه هامان، فإنه كان وزيره، وعلى هذا الوجه الثانى أظهر. ﴿ وقال ساحر أو مجنون ) أى هذا ساحر أو مجنون، وقوله (ساحر) أى يأتى الجن بسحر.