النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
قوله تعالى : وكم أهلكنا قبلهم من قرن . سورة ق .
وَكَرْ أَهْلَكَ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّمِنْهُمْ بَطَنًا فَنَقْبُوْ فِى أَلْبَِدِ
المسألة الأولى﴾ قال تعالى (ادخلوها بسلام) على سبيل المخاطبة، ثم قال (لهم) ولم يقل لكم
ما الحكمة فيه؟ (الجواب) عنه من وجوه (الأول) هو أن قوله تعالى (ادخلوها) مقدر فيه يقال لهم،
أى يقال لهم (ادخلوها) فلا يكون على هذا التفاتاً (الثانى) هو أنه من باب الالتفات والحكمة الجمع
بين الطرفين ، كأنه تعالى يقول: أكرمهم به فى حضورهم ، ففى حضورهم الحبور ، وفى غيبتهم الحور
والقصور (والثالث) هو أن يقال قوله تعالى (لهم) جاز أن يكون كلاماً مع الملائكة، يقول
للملائكة: توكاوا بخدمتهم ، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها، فأحضروا بين أيديهم ما يشاءون،
وأما أنا فعندى مالا يخطر ببالهم ، ولا تقدرون أنتم عليه .
﴿ المسألة الثانية﴾ قد ذكرنا أن لفظ (مزيد) يحتمل أن يكون معناه الزيادة، فيكون كما فى
قوله تعالى (الذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، أى عندنا ما نزيده
على مايرجون وما يكون مما يشتهون .
قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً﴾.
لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب
المهلك والإهلاك المدرك، وبين لهم حال من تقدمهم ، وقد تقدم تفسيره فى مواضع ، والذى
يختص بهذا الموضع أمور (أحدها) إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب
الآجل ، فلم توسطهما قوله تعالى (وأزلفت الجنة للمتقين) إلى قوله (ولدينا مزيد) نقول ليكون
ذلك دعاء بالخوف والطمع، فذكر حال الكفور المعاند، وحال الشكور العابد فى الآخرة ترميياً
وترغيباً، ثم قال تعالى: إن كنتم فى شك من العذاب الأبدى الدائم ، فما أنتم فى ريب من العذاب
العاجل المهلك الذى أهلك أمثالكم، فإن قيل: فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب فى العاجلة ، كما
جمع بينهما فى الآجلة، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه، كما ذكر حال من أشرك به
فأهلكه (( نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا متقلبين فى النعم، فلم يذكرهم به، وإنما
كانوا غافلين عن الهلاك وأنذرهم به، وأما فى الآخرة، فكانوا غافلين عن الأمرين جمعياً ، فأخبرهم
بهما .
(الثانى): قوله تعالى ﴿ فنقبوا فى البلاد ﴾.
فى معناه وجوه (أحدها) هو ماقاله تعالى فى حق نمود ( الذين جابوا الصخر بالواد ) من
قوتهم خرقوا الطرق ونقبوها، وقطعوا الصخور وثقبوها (ثانيها) نقبوا، أى ساروا فى الأسفار
ولم يجدوا ملجأ ومهرباً، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة ، أى هم ساروا فى الأسفار ،
ورأوا مافيها من الآثار ( ثالثها) (فنقبوا فى البلاد) أى صاروا نقباء فى الأرض أراد ما أفادهم
١٨٢
قوله تعالى : هل من محيص . سورة ق .
٠٠٠٠٠٠٠٠٤١٠/١٠
هَلْ مِنْ غَِّصٍ (﴾ إِنَّ فِ ذَالِكَ لَذِ كْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَ السَّمْعَ وَهُوَ
V
شَهِيدٌ
وو
بطشهم وقوتهم ، ويدل على هذا الفاء، لأنها قصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه ، تقول
کان زید أقوی من عمرو فغلبه، وکان عمرو مریضاً فغلبه زید ، کذلك ھهنا قال تعالی( م أُشد منهم
بطشاً) فصاروا نقباء فى الأرض، وقرى. (فنقبوا) بالتشديد، وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا فى
الوجه الثالث ، لأن التنقيب البحث، وهو من نقب بمعنى صار نقيباً .
(الثالث): قوله تعالى ﴿ هل من محيص﴾.
يحتمل وجوهاً ثلاثة (الأول) على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو مفعول ،
أى بحثوا عن المحيص (هل من محيص) (الثانى) على القرءآت جميعاً استفهام بمعنى الإنكار أى لم
يكن لهم محميص (الثالث) هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد عت المهم أهلكوا مع
قوة بطشهم (فهل من محيض) لكم تعتمدون عليه (والمحيص) كالمجيد غير أن ( المحيص) معدل
ومهرب عن الشدة ، يدلك عليه قولهم وقعوا فى حيص بيص أى فى شدة وضيق ، والمحيد معدل
وإن كان لهم بالإختيار يقال حاد عن الطريق نظراً، ولا يقال حاص عن الأمر نظراً.
قوله تعالى : ﴿ إن فى ذلك لذ کری لمن كان له قلب ﴾ .
الإشارة إلى الإهلاك ويحتمل أن يقال هو إشارة إلى ما قاله من إزلاف الجنة وملء جهنم
وغيرهما ، والذكرى اسم مصدر هو التذكر والتذكرة وهى فى نفسها مصدر ذكره يذكره ذكراً
وذکری و قوله (لمن كان له قلب) قيل المراد قلب موصوف بالوعى ، أى ( لمن كان له قلب ) واع
يقال لفلان مال أى كثير فالتفكير يدل على معنى فى الكمال، والأولى أن يقال هو لبيان وضوح
الأمر بعد الذكر وأن لاخفاء فيه لمن كان له قلب ما ولو كان غير كامل ، كما يقال أعطه شيئاً ولو كان
درهما، ونقول الجنة لمن عمل خيراً ولو حسنة ، فكأنه تعالى قال: إن فى ذلك لذكرى لمن يصح
أن يقال ( له قلب) وحينئذ فمن لا یتذ کر لاقلب له أصلا. كما فى قوله تعالى (صم بكم عمى) حيث
لم تكن آذانهم وألسنتهم وأعينهم مفيدة لما يطلب منها كذلك من لا يتذكر كأنه لا قلب له، ومنه
قوله تعالى (كالأنعام بل هم أضل ) أى هم كالجماد وقوله تعالى (كأنهم خشب مسندة) أى لهم صور
وليس لهم قلب للذكر ولا لسان الشكر .
قوله تعالى: ﴿ أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ أى استمع وإلقاء السمع كناية فى الاستماع، لأن
من لا يسمع فكأنه حفظ سمعه وأمسكه فإذا أرسله حصل الاستماع ، فإن قيل على قول من قال
التفكير فى القلب للتكثير يظهر حسن ترتيب فى قوله (أو ألقى السمع) وذلك لأنه يصير كأنه
١٨٣
قوله تعالى : ولقد خلقنا السموات والآخر . سورة ق .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌ٌلَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِنَّةِ أَيَّامِ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
٣٨
تعالى يقول إن فى ذلك لذكرى لمن كان ذا قلب واع ذكى يستخرج الأمور بذكائه أو ألقى السمع
ويستمع من المنذر فيتذكر، وأما على قولك المراد من صح أن يقال ( له قلب ) ولو كان غير واع
لا يظهر هذا الحسن، نقول على ماذكرناربما يكون الترتيب أحسن وذلك لأن التقدير يصير كأنه
تعالى قال: فيه ذكرى لكل من كان له قلب ذكى بستمع ويتعلم. ونحن نقول الترتيب من الأدنى إلى
الأعلی کانه يقول: فیه ذکری لكل واحد كيف كان له قلب لظهور الأمر، فإن كان لايحصل لكل
أحد فلمن يستمع حاصل ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: ( أو ألقى السمع) حيث لم يقل أو استمع لأن
الاستماع ينى عن طلب زائد، وأما إلقاء السمع فمعناه أن الذكرى حاصلة لمن لا يمسك سمعه بل
يرسله إرسالا، وإن لم يقصد السماع كالسامع فى الصوت الهائل. فإنه يحصل عند مجرد فتح الأذن
وإن لم يقصد السماع والصوت الخفى لا يسمع إلا باستماع وتطلب، فنقول الذكرى حاصلة من كان
له قلب كيف كان قلبه لظهورها فإن لم تحصل فلمن له أذن غير مسدودة كيف كان حاله سواء استمع
باجتهاد أو لم يجتهد فى سماعه، فان قيل فقوله تعالى (وهو شهيد) للحال وهو يدل على أن إلقاء السمع
بمجرده غير كاف ، نقول هذا يصحح ماذكرناه لأنا قلنا بأن الذكرى حاصلة لمن له قلب ما، فإن لم
تحصل له فتحصل له إذا ألقى السمع وهو حاضر بياله من القلب ، وأما على الأول فمعناه من ليس
له قلب واع يحصل له الذكر إذا ألقى السمع وهو حاضر بقلبه فيكون عند الحضور بقلبه يكون
له قلب واع، وقد فرض عدمه هذا إذا قلا بأن قوله (وهو شهيد) بمعنى الحال ، وإذا لم نقل به
فلا يرد ما ذكر وهو يحتمل غير ذلك بيانه هو أن يقال ذلك إشارة إلى القرآن وتقريره هو أن
اللّه تعالى لما قال فى أول السورة (ق والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) وذكر ما يدفع
تعجبهم وبين كونه منذراً صادقاً وكون الحشر أمراً واقعاً ورغب وأرهب بالثواب والعذاب
آجلا وعاجلا وأتم الكلام قال (إن فى ذلك) أى القرآن الذى سبق ذكره (لذكرى لمن كان له قلب)
أو لمن يستمع، ثم قال (وهو شهيد) أى المنذر الذى تعجبتم منه شهيد كما قال تعالى (إنا أرسلناك
شاهداً ) وقال تعالى ( ليكون الرسول عليكم شهيداً) .
قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب}
أعاد الدليل مرة أخرى، وقد ذكرنا تفسير ذلك فى (الم) السجدة وقلنا إن الأجسام ثلاثة أجناس
(أحدها) السموات ، ثم حركها وخصصها بأمور ومواضع وكذلك الأرض خلقها ، ثم دحاها
وكذلك ما بينهما خلق أعيانها وأصنافها ( فى ستة أيام) إشارة إلى ستة أطوار ، والذى يدل عليه
١٨٤
قوله تعالى : فاصبر على ما يقولون . سورة ق .
فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
٣٩
وبقرره هو أن المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم فى وضع اللغة، لأن اليوم عبارة فى
اللغة عن زمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب، وقبل خلق السموات لم يكن
شمس ولاقمر لكن اليوم يطلق ويراد به الوقت يقال يوم يولد للملك ابن يكون سرور عظيم ويوم
يموت فلان يكون حزن شديد، وإن اتفقت الولادة أو الموت ليلا ولا يتعين ذلك ويدخل فى مراد
العاقل لأنه أراد باليوم مجردالحين والوقت، إذا علمت الحال من إضافة اليوم إلى الأفعال فافهم ماعند
إطلاق اليوم فى قوله (ستة أيام) وقال بعض المفسرين المراد من الآية الرد على اليهود ، حيث قالوا
بدأ الله تعالى خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه فى ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت
واستلقى على عرشه فقال تعالى (وما مسنا من لغوب) رداً عليهم، والظاهر أن المراد الردعلى المشرك
والاستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما وقوله تعالى ( وما مسنا من لغوب) أى ما تعبنا
بالخلق الأول حتى لانقدر على الإعادة (ثانيا) والخلق الجديد كما قال تعالى (أفعيينا بالخلق الأول)
وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله ، وذلك لأن الأحد
والإثنين أزمنة متميز بعضها عن بعض ، فلو كان خلق السموات ابتدى. يوم الأحد لكان الزمان
متحققاً قبل الأجسام والزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام أجسام أخر فيلزم
القول بقدم العالم وهو مذهب الفلاسفة ، ومن العجيب أن بين الفلاسفة والمشبهة غاية الخلاف ، فان
الفلسفى لا يثبت لله تعالى صفة أصلا ويقول بأن الله تعالى لا يقبل صفة بل هو واحد من جميع
الوجوه، فعلمه وقدرته وحياته هو حقيقته وعينه وذاته، والمشبهى يثبت الله صفة الأجسام من
الحركة والسكون والاستواء والجلوس والصعود والنزول فبينهما منافاة ، ثم إن اليهود فى هذا
الكلام جمعوا بين المسألتين فأخذوا بمذهب الفلاسفة فى المسألة التى هى أخص المسائل بهم وهى القدم
حيث أثبتوا قبل خلق الأجسام أياماً معدودة وأزمنة محدودة ، وأخذوا بمذهب المشبهة فى المسألة
التى هى أخص المسائل بهم وهى الاستواء على العرش فأخطأ وال[وضلووا] وأضلوا فى الزمان والمكان جميعاً.
قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون ﴾ قال من تقدم ذكرهم من المفسرين إن معناه أصبر على
ما يقولون من حديث التعب بالاستلقاء، وعلى ماقلنا معناه (اصبر على مايقولون) إن هذا لشىء عجيب،
(وسبح بحمد ربك) وما ذكرناه أقرب لأنه مذكور، وذكر اليهود وكلامهم لم يجر.
وقوله ﴿وسبح بحمد ربك﴾ يحتمل وجوها (أحدها) أن يكون الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالصلاة، فيكون كقوله تعالى ( وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفاً من الليل) .
قوله تعالى: ﴿ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ إشارة إلى طرفى النهار.
١٨٥
قوله تعالى : ومن الليل فسبحه . سورة ق .
وَمِنَ الَّيْلِ فَسَيِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ
وقوله ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ إشارة إلى زلفاً من الليل، ووجه هذا هو أن النبى صلى الله
عليه وسلم له شغلان أحدهما عبادة الله، وثانيهما هداية الخلق فإذا هداهم ولم يهتدوا، قيل له أقبل
على شغلك الآخر وهو عبادة الحق ( ثانيها) سبح بحمد ريك ، أى نزهه عما يقولون ولا تسأم
من امتناعهم بل ذكرهم بعظمة الله تعالى ونزهه عن الشرك والعجز عن الممكن الذى هو الحشر
قبل الطلوع وقبل الغروب ، فانهما وقت اجتماعهم ( ومن الليل فسبحه ) أى أوائل الليل ، فانه
أيضاً وقت اجتماع العرب، ووجه هذا أنه لا ينبغى أن تسأم من تكذيبهم فان الرسل من قبلك
أوذوا وكذبوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وعلى هذا .
فلقوله تعالى ﴿ وأدبار السجود﴾ فائدة جليلة وهى الإشارة إلى ما ذكرنا أن شغل الرسول
أمران العبادة والهداية فقوله ( وأدبار السجود) أى عقب ما نجدت وعبدت نزه ربك بالبرهان
عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة بالسجود والهداية أدبار السجود ( ثالثها) أن يكون المراد
قل سبحان الله، وذلك لأن ألفاظاً معدودة جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم ، فقولنا كبر يطلق ويراد
به قول القائل الله أكبر، وسلم يراد به قوله السلام عليكم، وحمدل يقال لمن قال الحمدلله، ويقال هلل
لمن قال لا إله إلا الله، وسبح لمن قال سبحان الله، ووجه هذا أن هذه أمور تتكرر من الإنسان
فى الكلام والحاجة تدعو إلى الإخبار عنها، فلو قال القائل قلان قال لا إله إلا اللّه أو قال الله أكبر
طول الكلام ، فمست الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة لذلك لعدم تكرر ما فى الأول ، وأما
مناسبة هذا الوجه الكلام الذى هو فيه، فهى أن تكذيبهم الرسول وتعجبهم من قوله أو استهزاءهم
كان يوجب فى العادة أن يشتغل النبى صلى الله عليه وسلم بلعنهم وسبهم والدعاء عليهم فقال (فاصبر
على ما يقولون) واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له (ولا تكن كصاحب الحوت)
أو كنوح عليه السلام حيث قال (رب لاتذر على الأرض من الكافرين دياراً) بل ادع إلى ربك
فاذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم فاشتغل بذكر ربك فى نفسك ، وفيه مباحث :
﴿البحث الأول) استعمل الله التسبيح تارة مع اللام فى قوله تعالى (يسبح لله، ويسبحون له)
وأخرى مع الباء فى قوله تعالى (فسبح باسم ربك العظيم ، وسبح بحمد ربك) وثالثة من غير حرف
فى قوله (وسبحه) وقوله ( وسبحوه بكرة) وقوله ( سبح اسم ربك الأعلى) فما الفرق بينها ؟
نقول أما الباء فهى الأهم وبالتقديم أولى فى هذا الموضع كقوله تعالى (وسبح بحمد ربك) فنقول
أما على قولنا المراد من سبح قل سبحان الله، فالباء للمصاحبة أى مقترناً بحمد الله، فيكون كأنه
تعالى قال قل سبحان الله والحمد لله ، وعلى قولنا المراد التنزيه لذلك أی نزهه واقرنه بحمده أى
سبحه واشكره حيث وفقك الله لتسبيحه فإن السعادة الأبدية لمن سبحه، وعلى هذا فيكون المفعول
١٨٦
قوله تعالى : ومن الليل فسبحه . سورة ق .
غير مذكور لحصول العلم به من غير ذكر تقديره : سبح الله بحمد ربك ، أى ملتبساً ومقترناً بحمد
ربك ، وعلى قولنا صل، نقول يحتمل أن يكون ذلك أمراً بقراءة الفاتحة فى الصلاة يقال: صلى
فلان بسورة كذا أو صلى بقل هو الله أحد، فكأنه يقول صل بحمد الله أى مقروءاً فيها: الحمد لله
رب العالمين ، وهو أبعد الوجوه، وأما التعدية من غير حرف فنقول هو الأصل لأن التسبيح يتعدى
بنفسه لأن معناه تبعید من السوء، وأما اللام فیحتمل وجھین (أحدهما ) أن یکون کا فی قول
القائل نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له ( وثانيهما) أن يكون لبيان الأظهرأى يسبحون
الله وقلوبهم لوجه الله خالصة.
( البحث الثانى) قال ههنا (سبح بحمد ربك) ثم قال تعالى ( ومن الليل فسبحه) من غير
با. فما الفرق بين الموضعين ؟ نقول الأمر فى الموضعين واحد على قولنا التقدير سبح الله مقترناً
بحمد ربك ، وذلك لأن سبح اللّه كقول القائل فسبحه غير أن المفعول لم يذكر أولا لدلالة قوله
بحمد ربك عليه (وثانياً) لدلالة ما سبق عليه لم يذكر بحمد ربك ، الجواب الثانى على قولنا:
سبح بمعنى صل يكون الأول أمراً بالصلاة ، والثانى أمراً بالتنزيه، أى وصل بحمد ربك فى
الوقت وبالليل نزهه عما لا يليق ، وحينئذ يكون هذا إشارة إلى العمل والذكر والفكر. فقوله
(سبح) إشارة إلى خير الأعمال وهو الصلاة، وقوله (بحمد ربك) إشارة إلى الذكر ، وقوله
(ومن الليل فسبحه) إشارة إلى الفكر حين هدو الأصوات ، وصفاء الباطن أى نزهه عن كل سوء
بفكرك، وأعلم أنه لا يتصف إلا بصفات الكمال ونعوت الجلال ، وقوله تعالى (وأدبار السجود)
قد تقدم بعض مايقال فى تفسيره، ووجه آخر هو أنه إشارة إلى الأمر بإدامة التسبيح، فقوله
( بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فسبحه) إشارة إلى أوقات الصلاة،
وقوله ( وأدبار السجود) يعنى بعد ما فرغت من السجود وهو الصلاة فلا تترك تسبيح الله وتنزيهه
بل داوم أدبار السجود لیکون جميع أوقاتك فى القسبیح فیفید فائدة قوله تعالى (واذكر ربك إذا
نسيت) وقوله (فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب ) وقرىء (وأدبار السجود).
﴿ البحث الثالث) الفاء فى قوله تعالى (فسبحه) ما وجهها؟ نقول هى تفيد تأكيد الأمر
بالتسبيح من الليل ، وذلك لأنه يتضمن الشرط كأنه يقول: وأما من الليل فسبجه، وذلك لأن
الشرظ يفيد أن عند وجوده يجب وجود الجزاء، وكأنه تعالى يقول النهار محل الاشتغال وكثرة
الشواغل، فأما الليل فمحل السكون والانقطاع فهو وقت التسبيح، أو نقول بالعكس الليل محل
النوم والثبات والغفلة، فقال أما الليل فلا تجعله للغفلة بل اذكر فيه ربك ونزهه .
﴿ البحث الرابع ﴾ (من) فى قوله ومن الليل يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون لابتداء الغاية
أى من أول الليل فسبحه، وعلى هذا فلم يذكر له غاية لاختلاف ذلك بغلبة النوم وعدمها ، يقال
أنا من الليل أنتظرك (ثانيهما) أن يكون للتبعيض أى اصرف من الليل طرفاً إلى التسبيح يقال: من
مالك منع ومن الليل انقبه ، أى بعضه .
١٨٧
قوله تعال : واستمع يوم يناد المناد . سورة ق .
وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَّكَانٍ قَرِیپٍ
﴿ البحث الخامس) قوله ( وأدبار السجود) عطف على ماذا ؟ نقول يحتمل أن يكون عطفاً
على ما قبل الغروب كأنه تعالى قال (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ... وأدبار
السجرد) وذكر بينهما قوله (ومن الليل فسبحه) وعلى هذا ففيه ما ذكرنا من الفائدة وهى الأمر
بالمداومة ، كأنه قال : سبح قبل طلوع الشمس ، وإذا جاء وقت الفراغ من السجود قبل الطلوع فسبح
وسبح قبل الغروب ، وبعد الفراغ من السجود قبل الغروب سبحه فيكون ذلك إشارة إلى صرف
الليل إلى التسبيح، ويحتمل أن يكون عظفاً على (ومن الليل فسبحه) وعلى هذا يكون عطفاً على الجار
والمجرور جميعاً، تقديره وبعض الليل (فسبحه وأدبار السجود).
قوله تعالى : ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾.
هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح ، يعنى اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادى كقوله تعالى ( واعبد
ربك حتى يأتيك اليقين ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ما الذى يستمعه؟ قلنا يحتمل وجوها ثلاثة (أحدها) أن يترك مفعوله
رأساً ويكون المقصود كن مستمعاً ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين ، يقال هو رجل سميع
مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس ، وفلان يعطى ويمنع ( ثانيها) استمع لما يوحى
إليك ( ثالثها ) استمع نداء المنادى .
المسألة الثانية﴾ (يوم يناد المنادى) منصوب بأى فعل؟ نقول هومبنى على المسألة الأولى، إن
قلنا استمع لا مفعول له فعامله مايدل عليه قوله تعالى ( يوم الخروج) تقديره: يخرجون يوم ينادى
المنادى ، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره (واستمع) لما يوحى (يوم ينادى) ويحتمل ماذكرنا
وجهاً آخر، وهو ما يوحى أى ما يوحى (يوم ينادى المنادى) اسمعه ، فان قيل استمع عطف على
فاسبر وسبح وهو فى الدنيا، والاستماع يكون فى الدنيا، وما يوحى (يوم ينادى المنادى) لا يستمع
فى الدنيا ، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أى صل فى الدنيا وأدخل الجنه
فى العقبى ، فكذلك ههنا، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى إنتظر فيحتمل الجمع فى الدنيا ، وإن
قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادى: ياعظام انتشرى، والسؤال الذى ذكره علم الجواب منه ،
وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله تعالى قال (ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
الأرض إلا من شاء اللّه) قلنا: إن من شاء اللّه هم الذين علموا وقوع الصيحة، واستيقظوا لها فلم
ترجمهم كمن يرى برقاً أومض، وعلم أن عقيبه يكون رعد قوى فينظره ويستمع له، وآخر غافل
فإذا رعد بقوة ربما يغشى على الغافل ولا يتأثر منه المستمع، فقال (استمع) ذلك كى لا تكون
من يصعق فى ذلك اليوم .
١٨٨
قوله تعالى : يوم يسمعون الصيحة بالحق . سورة ق .
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْحُرُوجِ
المسألة الثالثة ) ما الذى ينادى المنادى؟ فيه وجوه محتملة منقولة معقولة وحصرها بأن
نقول المنادى إما أن يكون هو الله تعالى أو الملائكة أو غيرهما وهم المكلفون من الإنس والجن
فى الظاهر ، وغيرهم لا ينادى ، فإن قلنا هو تعالى فيه وجوه (أحدها) ينادى (احشروا الذين ظلوا
وأزواجهم)، ( ثانيها) ينادى (ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد) مع قوله (ادخلوها بسلام) ومثله
قوله تعالى (خذوه فغلوه) يدل على هذا قوله تعالى (يوم يناد المنادى من مكان قريب) وقال (وأخذوا
من مكان قريب )، ( ثالثها) غيرهما لقوله تعالى ( يناديهم أين شركائى) وغير ذلك ، وأما على قولنا
المنادى غير الله ففيه وجوه أبضاً (أحدها) قول إسرافيل: أيتها العظام البالية اجتمعوا للوصل
واستمعوا للفصل ( ثانيها ) النداء مع النفس يقال النفس (ارجعى إلى ربك) لتدخلى مكانك من
الجنة أو النار ( ثالثها) ينادى مناد هؤلاء الجنة وهؤلاء للنار، كما قال تعالى (فريق فى الجنة وفريق
فى السعير) وعلى قولنا المنادى هو المكلف فیحتمل أن يقال هو ما بین الله تعالى فى قوله (ونادوا
يا مالك) أو غير ذلك إلا أن الظاهر أن المراد أحد الوجهين الأولين، لأن قوله المنادى للتعريف
وكون الملك فى ذلك اليوم منادياً معروف عرف حاله وإن لم يجر ذكره ، فيقال قال حجم وإن لم
يكن قد سبق ذكره، وأما أن الله تعالى مناد فقد سبق فى هذه السورة فى قوله (ألقيا) وهذا ندا. ،
وقوله ( يوم نقول لجهنم ) وهو نداء، وأما المكلف ليس كذلك، وقوله تعالى (من مكان قريب)
إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد بل يستوى فى استماعه كل أحد وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادى
على الله تعالى إذ ليس المراد من المكان القريب نفس المكان بل ظهور النداء وهو من الله تعالى
أقرب، وهذا كما قال فى هذه السورة ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وليس ذلك بالمكان ،
قوله تعالى: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ﴾ هذا تحقيق مابينا من الفائدة
فى قوله واستمع أى لا تكن من الغافلين حتى لا تصعق يوم الصيحة ، وبيانه هو أنه قال استمع
أى كن قبل أن تستمع مستيقظاً لوقوعه، فإن السمع لا بد منه أنت وهم فيه سواء فهم يسمعون
لكن من غير استماع فيصعقون وأنت تسمع بعد الاستماع فلا يؤثر فيك إلا ما لا بد منه (ويوم)
يحتمل وجوهاً (أحدها ) بما قاله الزمخشرى أنه بدل من يوم فى قوله (واستمع يوم بناد المنادى)
والعامل فيهما الفعل الذى يدل عليه قوله تعالى ( ذلك يوم الخروج) أى يخرجون يوم يسمعون
(ثانيها) أن يوم يسمعون العامل فيه ما فى قوله ( ذلك، يوم ينادى المنادى ) العامل فيه ما ذكرنا
(ثالثها ) أن يقال استمع عامل فى يوم ينادى كما ذكرنا وينادى عامل فى يسمعون ، وذلك لأن يوم
ينادى وإن لم يجز أن يكون منصوباً بالمضاف إليه وهو ينادى لكن غيره يجوز أن يكون منصوباً
به، يقال: اذكر حال زيد ومذلته يوم ضربه عمرو، ويوم كان عمرو والياً ، إذا كان القائل يريد
١٨٩
قوله تعالى : إنا نحن نحي ونميت . سورة ق .
إِنَّا نَحْنُ نُحِيٍ، وَثُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (
بيان مذلة زيد عند ما صار زيد يكرم بسبب من الأسباب، فلا يكون يوم كان عمرو والياً منصوباً
بقوله اذكر لأن غرض القائل التذكير بحال زيد ومذلته وذلك يوم الضرب ، لكن يوم كان عمرو
منصوب بقوله ضربه عمرو يوم كان والياء فكذلك ههنا قال (استمع يوم ينادى المنادى ) لئلا
تكون من يفزع ويصعق ، ثم بين هذا النداء بقوله ( ينادى المنادى ) يوم يسمعون، أى لا يكون
نداء خفياً بحيث لا يسمعه بعض الناس بل يكون نداؤه بحيث تكون نسبته إلى من فى أقصى المغرب
كنسبته إلى من فى المشرق ، وكلكم تسمعون ، ولا شك أن مثل هذا الصوت يحب أن يكون
الإنسان متهيئاً لاستماعه، وذلك يشغل النفس بعبادة الله تعالى وذكره والتفكر فيه فظهر فائدة
جليلة من قوله ( فاصبر، وسيح، واستمع يوم يناد المنادى، ويوم يسمعون) واللام فى الصيحة
للتعريف، وقد عرف حالها وذكرها الله مراراً كما فى قوله تعالى (إن كان إلا صيحة واحدة) وقوله
(فانما هى زجرة واحدة) وقوله ( نفخة واحدة) وقوله ( بالحق ) جاز أن يكون متعلقاً بالصيحة
أى الصيحة بالحق يسمعونها ، وعلى هذا ففيه وجوه :
(الأول) الحق الحشر أى الصيحة بالحشر وهو حق يسمعونها يقال صاح زيد بياقوم اجتمعوا
على حد استعمال تكلم بهذا الكلام وتقديره حينئذ يسمعون الصيحة بياعظام اجتمعى وهو المراد
بالحق (الثانى) الصيحة بالحق أى باليقين والحق هو اليقين ، يقال صاح فلان بيقين لا بظن وتخمين
أى وجد منه الصياح يقيناً لا كالصدى وغيره وهو يجرى مجرى الصفة للصيحة، يقال استمع سماعا
بطلب، وصاح صيحة بقوة أى قوية فكانه قال الصيحة المحققة (الثالث ) أن يكون معناه الصيحة
المقترنة بالحق وهو الوجود، يقال كن فيتحقق ويكون، ويقال اذهب بالسلامة وارجع بالسعادة أى
مقروناً ومصحوباً ، فإن قيل زد بياناً فإن الباء فى الحقيقة للإلصاق فكيف يفهم معنى الإلصاق فى هذه
المواضع؟ نقول التعدية قد تتحقق بالباء يقال ذهب بزيد على معنى ألصق الذهاب بزيد فوجد قائماً
به فصار مفعولا ، فعلى قولنا المراد يسمعون صيحةً من صاح بياعظام اجتمعى هو تعدية المصدر
بالباء يقال أعجبنى ذهاب زيد بعمرو ، وكذلك قوله (الصيحة بالحق ) أى ارفع الصوت على الحق
وهو الحشر ، وله موعد نبينه فى موضع آخر إن شاء الله تعالى (الوجه الثانى) أن يكون الحق متعلقاً
بقوله ( يسمعون) أى يسمعون الصيحة بالحق وفيه وجهان (الأول) هو قول القائل سمعته
بيقين (الثانى) الباء فى يسمعون بالحق قسم أى يسمعون الصيحة بالله الحق وهو ضعيف وقوله تعالى
(ذلك يوم الخروج) فيه وجهان: (أحدهما ) ذلك إشارة إلى يوم أى ذلك اليوم يوم الخروج
( ثانيهما ) ذلك إشارة إلى نداء المنادى .
قوله تعالى: ﴿ إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير
١٩٠
قوله تعالى : يوم تشقق الأرض عنهم : سورة ق .
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَ ذَلِكَ حَشْرٌ عَيْنَا يَسِيرُ (َّ ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِمَا
يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَّيْهِم بِبَّارٍ فَذَكِّرْ بِآلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِدِ.
٤٥)
قد ذكرنا فى سورة يس ما يتعلق بقوله ( إنا نحن)، وأما قوله ( نحيي ونميت) فالمراد من
الإحياء الإحياء أولا (ونميت) إشارة إلى الموتة الأولى وقوله (وإلينا) بيان للحشر فقدم (إنا
نحن) لتعريف عظمته يقول القائل أنا أنا أى مشهور و(نحى ونميت) أمور مؤكدة معنى العظمة
( وإلينا المصير ) بيان المقصود .
قوله تعالى: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا﴾ العامل فيه هو مافى قوله (يوم الخروج)
من الفعل أى يخرجون ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) وقوله (سراعا) حال للخارجين لأن
قوله تعالى (عنهم) يفيد كونهم مفعولين بالتشقق فكان التشقق عند الخروج من القبر كما يقال
كشف عنه فهو مكشوف عنه فيصير سراعاً هيئة المفعول كأنه قال مسرعين والسراع جمع سريع
كالكرام جمع كريم.
قوله ﴿ذلك حشر﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى التشقق عنهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى
الإخراج المدلول عليه بقوله سراعا، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير، لأن الحشر
علم مما تقدم من الألفاظ .
قوله تعالى: ﴿علينا يسير﴾ بتقديم الظرف يدل على الاختصاص، أى هو علينا هين لا على
غيرنا وهو إعادة جواب قولهم ( ذلك رجع بعيد) والحشر الجمع ويوم القيامة جمع الأجزء بعضها
إلى بعض وجمع الأرواح مع الأشباح أى يجمع بين كل روح وجسدها وجمع الأمم المتفرقة والرمم
المتمزقة والكل واحد فى الجمع .
قوله تعالى : ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾
فيه وجوه: (أحدها) تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتحريض لهم على ما أمر به
النبى صلى الله عليه وسلم من الصبر والتسبيح، أى اشتغل بما قلناه ولا يشغلك الشكوى إلينا فإنا
نعلم أقوالهم ونرى أعمالهم، وعلى هذا فقوله ( وما أنت عليهم بجبار) مناسب له أى لا تقل بأنى
أرسلت إليهم لأهديهم، فكيف أشتغل بما يشغلنى عن الهداية وهو الصلاة والتسبيح، فإنك ما بعثت
مسلطاً على دواعيهم وقدرهم، وإنما أمرت بالتبليغ، وقد بلغت فاصبر وسبح وانتظر اليوم الذى
يفصل فيه بينكم (ثانيها) هى كلمة تهديد وتخويف لأن قوله (وإلينا المصير) ظاهر فى التهديد بالعلم
بعملكم لأن من يعلم أن مرجعه إلى الملك ولكنه يعتقد أن الملك لا يعلم ما يفعله لا يمتنع من
القبائح، أما إذا علم أنه يعلمه وعنده غيبه وإليه عوده يمتنع. فقال تعالى (وإلينا المصير) و(نحن أعلم)
١٩١
قوله تعالى : نحن أعلم بما يقولون . سورة ق .
وهو ظاهر فى التهديد، وهذا حينئذ كقوله تعالى ( ثم إلينا مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون، إنه
عليم بذات الصدور) ( ثالثها ) تقرير الحشر وذلك لأنه لما بين أن الحشر عليه يسير لكمال قدرته
و نفوذ إرادته ولکن تمام ذلك بالعلم الشامل حتییمیز بین جزء بدنین جزء بدن زید و جزء بدنعمرو
فقال ( ذلك حشر علينا يسير ) لكمال قدرتنا ، ولا يخفى علينا الأجزاء لمكان علمنا، وعلى هذا فقوله
(نحن أعلم بما يقولون) معناه نحن نعلم عين ما يقولون فى قولهم (أنذا مثنا وكنا زاباً، أنذا ضللنا
فى الأرض ) فيقول نحن نعلم الأجزاء التى يقولون فيها إنها ضالة وخفية ولا يكون المراد نحن نعلم
وقولهم فى الأول جاز أن تكون ما مصدرية فيكون المراد من قوله (ما يقولون) أى قولهم ،
وفى الوجه الآخر تكون خبرية ، وعلى هذا الدليل فلا يصح قوله (نحن أعلم ) إذ لا عالم بتلك
الأجزاء سواه حتى يقول ( نحن أعلم) نقول قد علم الجواب عنه مراراً من وجوه:
(أحدها) أن أفعل لا يقتضى الاشتراك فى أصل الفعل كما فى قوله تعالى (والله أحق أن تخشاه)
وفى قوله تعالى: ( أحسن ندياً). وفى قوله ( وهو أهون عليه) .
(ثانيها) معناه نحن أعلم بما يقولون من كل عالم بما يعلمه، والأول أصح وأظهر وأوضح وأشهر
وقوله ( وما أنت عليهم بجبار) فيه وجوه: (أحدها) أنه للتسلية أيضاً، وذلك لأنه لما من عليه
بالإقبال على الشغل الأخروى وهو العبادة أخبر بأنه لم يصرف عن الشغل الآخر وهو البعث ،
كما أن الملك إذا أمر بعض عبيده بشغلين فظهر عجزه فى أحدهما يقول له أقبل على الشغل الآخر منهما
ونحن نبعث من يقدر على الذى عجزت عنه منهما، فقال (إصبر. وسبح. وما أنت .. بجيار) أى
فما كان امتناعهم بسبب تجبر منك أو تكبر فاشمازوا من سوء خلقك ، بل كنت بهم دموفاً وعليهم
عطرفاً وبالغت وبلغت وامتنعوا. فأقبل على الصبر والتسبيح غيرمصروف عن الشغل الأول بسبب
جبروتك، وهذا فى معنى قوله تعالى ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون) إلى أن قال ( وإنك لعلى خلق
عظيم)، (ثانيها) هو بيان أن النبى مَ ليٍ أتى بما عليه من الهداية، وذلك لأنه أرسله منذراً وهادياً
لا ملجئاً ومجبراً، وهذا كما فى قوله تعالى ( وما أرسلناك عليهم حفيظً) أى تحفظهم من الكفر
والنار وقوله ( وما أنت عليهم) فى معنى قول القائل: اليوم فلان علينا، فى جواب من يقول: من
عليكم اليوم؟ أى من الوالى عليكم ( ثالثها) هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد ، وذلك لأن
النبي صَ الي لما أنذر وأعذر وأظهر ولم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب، فقال: نحن أعلم
بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابى إن لم يؤمنوا من بقى منهم من تعلم أنه يؤمن ثم
تسلط، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول آية القتال، وعلى هذا فقوله ( فذكر
بالقرآن من يخاف وعيد) أى من بقى منهم ممن يخاف یوم الوعيد، وفيه وجوه أخر (أحدما ) أنا
بينا فى أحد الوجوه أن قوله تعالى (فاصبر على ما يقولون وسبح) معناه أقبل على العبادة ، ثم قال
ولا تترك الهداية بالكلية بل (وذكر) المؤمنين (فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وأعرض عن الجاهلين)
١٩٢
قوله تعالى : من يخاف وعيد . سورة ق .
وقوله ( بالقرآن) فيه وجوه (الأول) فذكر بما فى القرآن واتل عليهم القرآن . يحصل لهم بسبب
ما فيه المنفعة (الثانى) (فذكر بالقرآن) أى بين به أنك رسول لكونه معجزاً، وإذا ثبت كونك
رسولا لزمهم قبول قولك فى جميع ما تقول به (الثالث ) المراد فذكر بمقتضى ما فى القرآن من
الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير، وحينئذ يكون ذكر القرآن لانتفاع النبى صلى الله عليه وسلم به
أى اجعل القرآن إمامك، وذكرهم بما أخبرت فيه بأن تذكرهم ، وعلى الأول معناه اقل عليهم
القرآن ليتذكروا بسبه، وقوله تعالى (من يخاف وعيد) من جملة ما يبين كون الخشية دالة على عظمة
الخشى أكثر مما يدل عليه الخوف، حيث قال (يخاف) عند ما جعل الخوف عذابه ووعيده،
وقال (اخشونى) عند ما جعل المخرف نفسه العظيم، وفى هذه الآية إشارة إلى الأصول الثلاثة،
وقوله (وذكر) إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير منزل عليه القرآن حيث قال (بالقرآن)
وقوله (وعيد) إشارة إلى اليوم الآخر وضمير المتكلم فى قوله (وعيد) يدل على الوحدانية ، فإنه
لو قال من يخاف وعيد اللّه كان يذهب وهم اللّه إلى كل صوب فلذا قال (وعيد) والمشكلم أعرف
المعارف وأبعد عن الإشراك به وقبول الاشتراك فيه ، وقد بينا فى أول السورة أن أول السورة
وآخرها متقاربان فى المعنى حيث قال فى الأول (ق والقرآن المجيد) وقال فى آخرها (فذكر
بالقرآن ).
وهذا آخر تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين، وصلانه على خاتم النبيين وسيد المرسلين
محمد النی وآله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين.
١٩٣
سورة الذاريات .
(٥١) سُورة الذارياتمكَيَّة
وَإِنَاتِهَا سَتْوَنَ
بِسْـ
◌ِّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
وَالَّرِيَتِ ذَرْوًا (ي فَالْخَمِلَتِ وِقْرَارِيٌ فَرِ بَنِ يُسْرًا يَه فَالْمُقَسِّمَتِ
أَمْرَاة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ والذاريات ذرواً، فالحاملات وقرأً، فالجاريات يسراً، فالمقسمات أمراً﴾.
أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، وذلك لأنه تعالى لما بين الحشر بهلائله وقال (ذلك
حشر علينا يسير) وقال (وما أنت عليهم بجبار) أى تجبرهم وتلجتهم إلى الإيمان إشارة إلى
إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم إيق إلا الين فقال (والذاريات
ذروا ... إنما توعدون الصادق) وأول هذه السورة وآخرها مقاسبان حيث قال فى أولها ( !!
توعدون الصادق ) وقال فى آخرها (فويل الذين كفروا من يومسم الذى يوعدون) وفى تفسير
الآيات مسائل :
المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا الحكمة رضى فى القسم من السائل الشريفة والمطالب المظيمة
فى سورة والصافات، ونعيدها ههنا وفيها وجوه (الأول) أن الكفار كانوا فى بعض الأوقات،
يعترفون بكون النبي ويتم غالباً فى إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف فى نفسه
بفساد ما يقوله ، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال، كما أن بعض الناس إذا أنام عليه الخصم
الدليل ولم يبق له حجة ، يقول إنه غلبنى لعلمه بطريق الجدل ومجرى عن ذلك، وهو فى نفسه ولم
أن الحق بيدى فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير الدين، فيقول وانه أن الأمر كما أقول، ولا
أجاذلك بالباطل، وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل الآخر
يقول الخصم فيه مثل ماقال فى الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو
التمسك بالأيمان وترك إقامة البرهان (الثانى) هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة
وتعتقد أنها تدع الديار بلافع، ثم إن التى يؤلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك
إلا رفعة وثباتاً، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذباً وإلا فأصابه شؤم الإيمان ولناله
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٣
١٩٤
قوله تعالى : والذاريات ذرواً . سورة الذاريات .
المكروه فى بعض الأزمان (الثالث) وهو أن الأيمان التى حلف اللّه تعالى بها كلها دلائل
أخرجها فى صورة الأيمان مثاله قول القائل لمنعمه: وحق نعمك الكثيرة إنى لا أزال أشكرك
فيذكر النعم وهى سبب مفيد لدوام الشكر ويسلك مسلك القسم، كذلك هذه الأشياء كلها دليل
على قدرة الله تعالى على الإعادة، فإن قيل فلم أخرجها مخرج الإيمان؟ نقول لأن المتكلم إذا شرع
فى أول كلامه بحلف بعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغى إليه أكثر من أن يصغى
إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف وأدرج الدليل فى صورة اليمين حتى أقبل القوم
على سماعه لخرج لهم البرهان المبين ، والتبيان المتين فى صورة اليمين ، وقد استوفينا الكلام فى
سورة والصافات .
المسألة الثانية﴾ فى جميع السور التى أقسم الله فى ابتدائها بغير الحروف كان القسم لإثبات
أحد الأصول الثلاثة وهى: الوحدانية والرسالة والحشر، وهى التى يتم بها الإيمان، ثم إنه تعالى
لم يقسم لإثبات الوجدانية إلا فى سورة واحدة من تلك السور وهى ( والصافات ) حيث قال فيها
(إن إالحكم لواحد) وذلك لأنهم وإذ كانوا يقولون (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) على سبيل الإنكار ،
وكانوا يبالغون فى الشرك، لكنهم فى تضاعيف أقوالهم، وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون
بالتوحيد، وكانوا يقولون (إنما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زافى) وقال تعالى (ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولن الله) فلم يبالغوا فى الحقيقة فى إنكار المطلوب الأول ، فاكتفى
بالبرهان، ولم يكثر من الأيمان ، وفى سورتين منها أقسم لإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ،
وكونه رسولا فى إحداهما بأمر واحد، وهو قوله تعالى (والنجم إذا هوى ماضل صاحبكم)
وفى الثانية بأمرين وهو قوله تعالى (والضحى والليل إذا مجى، ما ودعك ربك وما قلى) وذلك
لأن القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن، كما فى قوله تعالى (يس"، والقرآن الحكيم،
إنك لمن المرسلين) وقد ذكرنا الحكم فيه أن معجرات النبى صلى الله عليه وسلم القرآن، فأقسم
به ليكون فى القسم الإشارة واقعة إلى البرهان ، وفى باقى السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء
وما يتعلق به لكون إنكارهم فى ذلك جارجاً عن الحد ، وعدم استيفاء ذلك فى صورة القسم
بالحروف .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أقسم الله تعالى بمجموع السلامة المؤنثة فى شور خمس، ولم يقسم بمجموع
السلامة المذكرة فى سورة أصلا ، فلم يقل: والصالحين من عبادى ، ولا المقربين إلى غير ذلك ،
مع أن المذكر أشرف، وذلك لأن جموع السلامة بالواو والنون فى الأمر الغالب لمن يعقل ،
وقد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا فى صورة ظهور الأمر فيه ، وحصول
الاعتراف منهم به، ولا الرسالة لحصول ذلك فى صور القسم بالحروف والقرآن .
بقى أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح ، وعذاب
٠
١٩٥
قوله تعالى: والذاريات ذرواً . سورة الذاريات .
الصالح . ففائدة ذلك راجع إلى من يعقل ، فكان الأمر يقتضى أن يكون القسم بغيرهم، والله أعلم.
﴿ المسألة الرابعة) فى السورة التى أقسم لإثبات الوحدانية، أقسم فى أول الأمر بالساكنات
حيث قال ( والصافات) وفى السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات ، فقال (والذاريات) وقال
(والمرسلات) وقال (والنازعات) ويؤيده قوله تعالى (والسابحات ... فالسابقات) وقال (والعاديات)
وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق ، وذلك بالحركة أليق ، أو أن نقول فى جميع السور الأربع
أقسم بالرياح على مابين وهى التى تجمع وتفرق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح
الذارية والمرسلة ، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التى يختارها بمشيئته تعالى.
﴿ المسألة الخامسة) فى الذاريات أقوال (الأول) هى الرياح تذرو التراب وغيره، كما قال
تعالى (تذروه الرياح) (الثانى) هى الكواكب من ذرا يذروا إذا أسرع (الثالث) هى الملائكة
(الرابع) رب الذاريات، والأول أصح .
المسألة السادسة ﴾ الأمور الأربعة جاز أن تكون أموراً متباينة، وجاز أن تكون أمراً
له أربع اعتبارات (والأول) هى ماروى عن على عليه السلام، أن الذاريات هى الرياح
والحاملات هى السحاب، والجاريات هى السفن، والمقسمات هى الملائكة الذين يقسمون الأزراق ،
(والثانى) وهو الأقراب أن هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات هى الرياح التى تنشىء السحاب
أولا، والحاملات هى الرياح التى تحمل السحب التى هى بخار المياه التى إذا سمحت جرت السيول
العظيمة ، وهى أوقار أثقل من جبال ، والجاريات هى الرياح التى تجرى بالسحب بعد حملها ،
والمقسمات هى الرياح التى تفرق الأمطار على الأقطار ، ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة
مذكورة فى مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة ، وذلك لأن الأجزاء التى تفرقت بعضها فى تخوم
الأرضين ، وبعضها فى قعور البحور ، وبعضها فى جو الهواء، وهى الأجزاء اللطيفة البخارية التى
تنفصل عن الأبدان ، فقوله تعالى (والذاريات) يعنى الجامع الذاريات من الأرض، على أن
الذارية هى التى تذرو التراب عن وجه الأرض، وقوله تعالى (فالحاملات وقراً) هى التى تجمع
الأجزاء من الجو وتحمله حملا ، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملا ، بل تنقله من موضع، وترميه
فى موضع بخلاف السحاب ، فإنه يحمله وينقله فى الجو حملا لا يقع منه شىء، وقوله ( فالجاريات
يسرأ ) إشارة إلى الجامع من الماء، فإن من يجرى السفن الثقيلة من تيار البحار إلى السواحل يقدر
على نقل الأجزاء من البحر إلى البر ، فإذا تبين أن الجمع من الأرض ، وجو الهواء ووسط البحار
مكن ، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن الروح من أمر الله، كما قال تعالى ( ويسألونك عن
الروح قل الروح من أمر ربى) فقال (فالمقسمات أمراً) الملائكة التى تنفخ الروح فى الجسد بأمر
اللّه، وإنما ذكرهم بالمقسمات، لأن الإنسان فى الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفاً بيناً ، فإن
لكل أحد رأساً ورجالا، والناس متقاربة فى الأعداد والأقدار ، لكن التفاوت الكثير فى
١٩٦
قوله تعالى : إن ما توعدون لصادق . سورة الذاريات .
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
النفوس ، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف ، وتلك القسمة المتفاوتة تتقسم بمقسم مختار
ومأمور مختار فقال ( فالمقسمات أمراً).
٠٠٠٠
﴿ المسألة السابعة﴾ ما هذه المنصوبات من حيث النحو؟ فنقول أما (ذرواً) فلا شك فى كونه
منصوباً على أنه مصدر، وأما (وقرأ) فهو مفعول به، كما يقال: حمل فلان عدلا ثقيلا، ويحتمل أن
يكون اسما أقيم مقام المصدر ، كما يقال : ضربه سوطاً يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو . وأما
(يسراً) فهو أيضاً منصوب على أنه صفة مصدر، تقديره جرياً ذا يسر، وأما (المقسمات أمراً) فهو
إما مفعول به، كما يقال: فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على صورة المصدر ، كما يقال :
قتلته صبراً، أى مصبوراً، كذلك مهنا (المقسمات أمراً) أى مأمورة، فإن قيل: إن كان (وقرأ)
مفعوله به فلم لم يجمع ، وما قيل : والحاملات أوقاراً ؟ نقول لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة
الرياح ، وهى تتوارد على وقر واحد ، فإن ريحاً تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب، قتهب
أخرى وتسوقها ، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح ، وكذلك القول فى
المقسمات أمراً، إذا قلنا هو مفعول به، لأن جماعة يكونون مأمورين تنقسم أمراً واحداً ، أو
نقول هو فى تقدير التكرير كأنه قال: فالحاملات وقراً وقرأً، والمقسمات أمراً أمراً.
﴿ المسألة الثامنة﴾ ما فائدة الفاء ؟ نقول إن قلنا إنها صفات الرياح قلبيان ترتيب الأمور فى
الوجود، فإن الذاريات تنشىء السحاب فتقسم الأمطار على الأقطار، وإن قلنا إنها أمور أربعة
فالفاء للترتيب فى القسم لا الترتيب فى المقسم به، كأنه يقول: أقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحب
الحاملات ثم بالسفن الجاريات ثم بالملائكة المقسمات، وقوله (فالحاملات) وقوله (فالجاريات)
إشارة إلى بيان ما فى الرياح من الفوائد، أما فى البر فإنشاء السحب، وأما فى البحر فإجراء السفن، ثم
المقسمات إشارة إلى ما يترتب على حمل السحب وجرى السفن من الأرزاق، والأرباح التى تكون
بقمةالله تعالی فتحری سفن بعض الناس كما يشتهى ولا ترجح وبعضهم ترح وهو غافل عنه، كما قال
تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم) .
ثم قال تعالى ﴿ إن ما توعدون الصادق﴾ (ما) يحتمل أن يكون مصدرية معناه الإيعاد صادق
وإن تكون موصولة أى الذى توعدون صادق، والصادق معناه ذو صدق كعيشة راضية
ووصف المصدر بما يوصف به الفاعل بالمصدر فيه إفادة مبالغة، فكما أن من قال فلان لطف محض
وحلم يجب أن يكون قد بالغ كذلك من قال كلام صادق وبرهان قاهر للخصم أو غير ذلك يكون
قد بالغ، والوجه فيه هو أنه إذا قال هو لطف بدل قوله لطيف فكأنه قال اللطيف عى. له لطف
ففي اللطيف لطف وشىء آخر ، فأراد أن يبين كثرة اللطف بجمله كله لطفاً، وفى الثانى لما كان
١٩٧
قوله تعالى : وإن الدين لواقع . سورة الذاريات .
وَ إِنَّ الَّذِينَ لَوَقِعٌ ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ هِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
الصدق يقوم بالمتكلم بسبب كلامه، فكأنه قال هذا الكلام لا يخرج إلى شىء آخر حتى يصح إطلاق.
الصادق عليه ، بل هو كاف فى إطلاق الصادق لكونه سبباً قوياً وقوله تعالى (توعدون) يحتمل
أن يكون من وعد، ويحتمل أن يكون من أوعد، والثانى هو الحق لأن اليمين مع المنكربو عيدلا بوعد،
- وقوله تعالى ﴿وإن الدين لواقع ﴾ أى الجزاء كان، وعلى هذا فالإبعاد بالحشر فى الموعد هو
الحساب والجزاء هو العقاب، فكأنه تعالى بين بقوله (إن ما توعدون الصادق، وإن الدين لواقع)
أن الحساب يستوفى والعقاب يوفى.
ثم قال ﴿ والسماء ذات الحك) و فى تفسيره مباحث:
﴿ الأول) (والسماء ذات الحبك) قبل الطرائق، وعل هذا فيحتمل أن يكون المرادطرائق
الكواكب وعمراتها كما يقال فى المجابك، ويحتمل أن يكون المراد ما فى المياه من الأشكال بينهم
النجوم، فان فى سمت كوا كبها طريق التنين والعقرب والنسر الذى يقول به أصحاب الصور ومنطقة
الجوزاء وغير ذلك كالطرائق، وعلى هذا فالمراد به السماء المزينة بزينة الكوا كب، ومثله قوله تعال.
(والسماء ذات البروج) وقيل حبكها صفاقها يقال فى الثوب الصفيق حن الحك وعلى هذافي.
كقوله تعالى ( والسماء ذات الرجع) لشدتها وقوتها هذا ما قيل فيه .
﴿ البحث الثانى) فى المقسم عليه وهو قوله تعالى (إنكمافى قول مختلف) وفى تفسيره
أقوال مختلفة كلها محكمة (الأول) إنكم لغى قول مختلف، فى حق محمد صلى الله عليه وسلم، تارة تقولون:
إنه أمين وأخرى إنه كاذب، وتارة تسبونه إلى الجنون، وتارة تقولون إنه كاهن وشاعر وساحر،
وهذا ختمل لكنه ضعيف إذ لا حاجة إلى الپین علی هذا ، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار
حتی یؤ کد ییمین (الثاني) (إنكم لافی قول مختلف) أی غیر ثابتین علی أمر ومن لا ثبت على قول
لا يكون متبقنا فى اعتقاده فيكون كأنه قال تعالى، والسماء إنكم غير جازمين فى اعتقادكم وإنما
تظهرون الجزم لشدة عنادكم وعلى هذا القول فيه فائدة وهى أنهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم
إنك تعلم أنك غير صادق فى قولك، وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل قال ( والذاريات ذرواً}
أى إنك صادق ولست معائداً، ثم قال تعالى: بل أنتم والله جازمون بأنى صادق فعكس الأمر
عليهم ( الثالث) إنكم لفى قول مختلف، أى متناقض، أما فى الحشر فلأنكم تقولون لا حشر ولا
حياة بعد الموت ثم تقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة ، فإذا كان لا حياة بعد الموت ولا شعور
لليت: فماذا يصيب أباكم إذا خالفتموهم؟ وإنما يصح هذا من يقولون بأن بعد الموت عذاباً فلو
١٩٨
قوله تعالى : يؤمك عنه من أفك . سورة الذاريات .
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (يَ قُتِلَ اْفَرَّصُونَ (*) الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةٍ سَاهُونَ
يَسْعَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
COF
علمنا شيئاً يكرهه الميت يبدى فلا معنى لقولكم إنا لا ننسب آباءنا بعد موتهم إلى الضلال، وكيف
وأنتم تربطون الركائب على قبور الأكابر، وأما فى التوحيد فتقولون خالق السموات والأرض هو
اللّه تعالى لا غيره ثم تقولون هو إله الآلهة وترجعون إلى الشرك، وأما فى قول النبى صلى الله عليه
وسلم فتقولون إنه مجنون ثم تقولون له إنك تغلبنا بقوة جدلك، والمجنون كيف يقدر على الكلام
المنتظم المعجز، إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة .
ثم قال تعالى ﴿ يؤفك عنه من أفك ) وفيه وجوه (أحدها) أنه مدح للمؤمنين ، أى يؤفك
عن القول المختلف ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوى ( وثانيها ) أنه
ذم معناه يؤفك عن الرسول (ثالثها) يؤفك عن القول بالحشر (رابعها) يؤفك عن القرآن، وقرى.
يؤفن عنه من أفن ، أى يحرم ، وقرى. يؤفك عنه من أمك ، أى كذب .
ثم قال تعال ﴿ قتل الخراصون) وهذا يدل على أن المراد من قوله (انى قول مختلف)
أنهم غير ثابتين على أمر وغير جازمين بل هم يظنون ويخرصون، ومعناه لعن الخراصون دعاء
عليهم بمكروه.
ثم وصفهم فقال ﴿الذين هم فى غمرة ساهون) وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية:
﴿ أما اللفظية) فقوله ( ساهون) يحتمل أن يكون خبراً بعد خبر، والمبتدأ هو قوله (م)
وتقديره هم كائنون فى غمرة ساهون ، كما يقال زيد جاهل جائز لا على قصد وصف الجاهل بالجائز،
بل الإخبار بالوصفين عن زيد، ويحتمل أن يكون (ساهون) خبراً و (فى غمرة) ظرف له ، كما يقال
زيد فى بيته قاعد يكون الخبر هو القاعد لا غير وفى بيته لبيان ظرف القعود كذلك ( فى غمرة)
لبيان ظرف السهو الذى يصحح وصف المعرفة بالجملة، ولولاها لما جاز وصف المعرفة بالجملة .
﴿ وأما المعنوية) فهى أن وصف الخراص بالسهو والانهماك فى الباطل ، يحقق ذلك كون
الخراص صفة ذم، وذلك لأن مالا سبيل إليه إلا الظن إذا خرص الخارص وأطلق عليه الخراص
لا يكون ذلك مفيد نقص ، ما يقال فى خراص الفواكه والعساكر وغير ذلك ، وأما الخرص فى
محل المعرفة واليقين فهو ذم فقال ( قتل الخراصون ، الذين همر) جاهلون ساهون لا الذين تعين
طريقهم فى التخمين والحزر وقوله تعالى ( ساهون) بعد قوله ( فى غمرة) يفيد أنهم وقعوا فى جهل
وباطل ونسوا أنفسهم فيه فلم يرجعوا عنه .
ثم قال تعالى ﴿ يسألون أيان يوم الدين) فإن قيل الزمان يجعل ظرف الأفعال ولا يمكن
١٩٩
قوله تعالى : يوم هم على النار يفتنون . سورة الذاريات .
◌َ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُنْتُ
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
٥/٠
بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ
أن يكون الزمان ظرفاً لظرف آخر ، وههنا جعل أيان ظرف اليوم فقال (أيان يوم الدين) ويقال
متى يقدم زيد ، فيقال يوم الجمعة ولا يقال متى يوم الجمعة ، فالجواب التقدير متى يكون يوم الجمعة
وأيان يكون يوم الدين ، وأيان من المركبات ركب من أى التى يقع بها الاستفهام وآن التى هى
الزمان أو من أى وأوان فكأنه قال أى أوان فلما ركب بنى وهذا منهم جواب لقوله ( وإن الدين
لواقع) فكانهم قالوا أيان يقع استهزا وترك المسئول فى قوله ( يسئلون) حيث لم يقل يتألون من،
يدل على أن غرضهم ايس الجواب وإنما يسألون استهزاء.
وقوله تعالى ﴿ يوم هم على النار يفتنون) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون جوابا عن
قولهم ( أيان) يقع وحينئذ كما أنهم لم يسألوا -ؤال مستفهم طالب لحصول العلم كذلك لم يحبهم
جواب مجيب معلم مبين حيث قال ( يوم هم على النار يفتنون) وجهلهم بالثانى أقوى من جهلهم
بالأول، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى، فإذا قال قائل متى يقدم زيد فلو قال المجيب يوم
يقدم رفيقه ولا يعلم يوم قدوم الرفيق، لا يصح هذا الجراب إلا إذا كان الكلام فى صورة
جواب ؛ ولا يكون جواباً كما أن القائل إذا قال كم تعد عداتى وتخلفها إلى متى هذا الإخلاف
فيغضب ويقول إلى أشأم يوم عليك ، الكلامان فى صورة سؤال وجواب ولا الأول يريد به
السؤال ، ولا الثانى يريد به الجواب، فكذلك ههنا قال (يوم هم على النار يفتنون) مقابلة استهزائهم
بالإيعاد لا على وجه الإتيان بالبيان ( والثانى ) أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه.
فى قوله تعالى { ذوقوا فتنتكم ) فإن قيل هذا يفضى إلى الإضمار ، نقول الإضمار لابد منه
لأن قوله ( ذوقوا فتفتكم) غير متصل بما قبله إلا بإضمار، يقال ويفتنون قيل معناه يحرقون،
والأولى أن يقال معناه يعرضون على النار عرض المجرب الذهب على النّار كلمة على تناسب ذلك ،
ولو كان المراد يحرقون لكان بالنار أو فى النار أليق لأن الفتنة هى التجربة، وأما ما يقال من اختبره
ومن أنه تجربة الحجارة فعنى بذلك المعنى مصدر الفتن، وههنا قال (ذوقوا فتنتكم) والفتنة الامتحان ،
فإن قيل فإذا جعلت (يوم هم على النار يفتنون ) مقولالهم (ذوقوا فتنتكم) .
فما قوله ( هذا الذى كنتم به تستعجلون)؟ قلنا يحتمل أن يكون المراد كنتم تستعجلون
بصريح القول كما فى قوله تعالى حكاية عنهم (ربنا مجل لنا قطنا) وقوله (فأتنا بما تعدناً) إلى غير
ذلك بدله عليه ههنا قوله تعالى (يسألونك أيان يوم الدين) فإنه نوع استعجال، ويحتمل أن يكون
المراد الاستعجال بالفعل وهو الإصرار على العناد وإظهار الفساد فإنه يعجل العقوبة.
٢٠٠
قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون . سورة الذاريات .
٥٤٤٠٠٠٠
ءَأُخِذِينَ مَآ ءَاتَّهَمْ ربهم
١٥
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِی جنات وعيونٍ
٤
روز
قوله تعالى: ﴿إن المتقين فى جنات وعيون﴾ بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال الحق
المتقى ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا أن المتقى له مقامات أدناها أن يتقى الشرك، وأعلاها أن يتقى
ماسوى الله، وأدنى درجات المتقى الجنة، فما من مكلف اجتذب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق
نعيمها.
﴿ المسألة الثانية﴾ الجنة تارة وحدها كما قال تعالى (مثل الجنة التى وعد المتقون) وأخرى
جمعها كما فى هذا المقام قال ( إن المتقين فى جنات) وتارة ثناها فقال تعالى ( ولمن خاف مقام ربه
جنان) ف الحكمة فيه؟ نقول أما الجنة عند التوحيد فلأنها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار
كنة واحدة، وأما حكمة الجمع فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات
لا يحصرها عدد، وأما التثنية فنذكرها فى سورة الرحمن غير أنا نقول ههنا الله تعالى عند الوعد
ومعد الجنة، وكذلك عند الشراء حيث قال (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن
لهم الجنة) وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة فى الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد
يجنات، ثم كان يقول إنه فى جنة لأنه دون الموعود (الثالثة) قوله تعالى (وعيون) يقتضى أن
يكون المتقى فيها ولا لذة فى كون الإنسان فى ماء أوغير ذلك من المائمات، نقول معناه فى خلال
العيون، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله تعالى (في جنات) ليس معناه إلا بين جنات وفى خلاها
لأن الجنة هى الأشجار، وإنما يكون بينها كذلك القول فى العيون والتنكير ، مع أنها معرفة للتعظيم
يقال فلان رجل أى عظيم فى الرجولية .
قوله تعالى: ﴿آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ فيه مسائل ولطائف، أما المسنائل:
﴿ فالأولى ) منها مامعنى آخذين؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً
ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء مالا نهاية له ( ثانيها) آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى
(ويأخذ الصدقات) أى يقبلها، وهذا ذكره الزمخشرى (وفيه وجه ثالث) وهو أن قوله (فى
جنات) يدل على السكنى فحسب وقوله (آخذين) يدل على التملك ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة
كذا إذا دخلها متملكا لها، وكذلك يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليل أى تملكه ،
وإن لم يكن هناك قبض حساً ولا قبول برضاً ، وحينئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول
مستعير أو ضعف يسترد منه ذلك، بل هو ملكه الذى اشتراه بماله ونفسه من الله تعالى وقولة
(آتاهم) يكون لبيان أن أخذهم ذلك لم يكن عنوة وفتوحا، وإنما كان بإعطاء الله تعالى ،وعلى هذا
الوجه ما راجعة إلى الجنات والعيون .
٢٠٠٩٫٦٢٤