النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
قوله تعالى : كل كذب الرسل فحق وعيد . سورة ق .
كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ◌َّ وَعِيدٍ (١) أَفَعَِيِنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسِ مِنْ
خلقٍ جَدِید
مكذبيهم ونصرهم (وأصحاب الرس) فيهم وجوه من المفسرين من قال هم قوم شعيب ومنهم من قال
هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم قوم عيسى عليه السلام، ومنهم من قال هم أصحاب
الأخدود، والرس موضع نسبوا إليه أو فعل وهو حفر البئر يقال رس إذا حفر بئراً. وقد تقدم
فى سورة الفرقان ذلك، وقال ههنا (إخوان لوط) وقال (قوم نوح) لأن لوطاً كان مرسلا إلى
طائفة من قوم إبراهيم عليه السلام معارف لوط، ونوح كان مرسلا إلى خلق عظيم، وقال (فرعون)
ولم يقل قوم فرعون، وقال (وقوم تبع) لأن فرعون كان هو المغتر المستخف بقومه المستبدبأمره،
وتبع كان معتمداً بقومه فجعل الاعتبار لفرعون ، ولم يقل إلى قوم فرعون .
قوله تعالى : ﴿ کل کذب الرسل لحق وعيد﴾ .
يحتفل وجهين (أحدهما) أن كل واحد كذب رسوله فهم كذبوا الرسل واللام حينئذ
لتعريف العهد (وثانيهما) وهو الأصح هو أن كل واحد كذب جميع الرسل واللام حينئذ لتعريف
الجنس وهو على وجهين (أحدهما) أن المكذب للرسول مكذب لكل رسول ( وثانيهما) وهو
الأصح أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية، وقوله (لحق وعيد) أى ماوعد الله
من نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم .
ثم قال تعالى ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد).
وفيه وجهان (أحدهما) أنه استدلال بدلائل الأنفس، لأنا ذكرنا مراراً أن الدلائل آفاقية
ونفسية كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم) ولما قرن اللّه تعالى دلائل الآفاق
عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال ( والأرض مددناها ) وفى غير ذلك ذكر الدليل
النفسى ، وعلى هذا فيه لطائف لفظيه ومعنوية .
أما (اللفظية) فهى أنه تعالى فى الدلائل الآفافية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال
( والأرض مددناها) وقال ( وأنزلنا من السماء ماء مباركا) ثم فى الدليل النفسى ذكر حرف
الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا
تبعاً لذلك، ومثل هذا مراعى فى أواخر يس ، حيث قال تعالى (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه) ثم لم
يعطف الدليل الآفاقى ههنا؟ نقول والله أعلم ههنا وجد منهم الاستبعاد بقول (ذلك رجع بعيد)
فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات ، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل فى أنفسهم
دليل جواز ذلك، وفى سورة يس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى.
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١١
١٦٢
قوله تعالى ولقد خلقنا الانسان . سورة ق .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
١٦
اُلْوَرِيدِ (
(والوجه الثانى) يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السموات، لأنه هو الخلق
الأول وكأنه تعالى قال (أفلم ينظروا إلى السماء) ثم قال (أفعيينا) بهذا الخلق ويدل على هذا قوله
تعالى (أولم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن) ويؤيد هذا الوجه هو أن
الله تعالى قال بعد هذه الآ ية ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) فهو كالاستدلال
بخلق الإنسان وهو معطوف بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض
وتنزيل الماء وإنبات الجنات، وفى تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان (أحدهما)
ما عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه ، والخلق الجديد لم يعلم لنفسه ولم يعرفه
كل أحد ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد ( والوجه الثانى) أن ذلك لبيان
إنكارهم للخلق الثانى من كل وجه ، كانهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية ؟
و قوله تعالى ( بل هم فى لبس ) تقديره ماعيينا بل هم فى شك من خلق جديد ، يعنى لامانع من جهة
الفاعل ، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد، لأنهم كانوا يقولون ذلك محال وامتناع
وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزاً فيه، ويقال للشكوك فيه ملتبس كما يقال لليقين إنه ظاهر
وواضح، ثم إن اللبس يسند إلى الأمر كما قلنا: إنه يقال إن هذا أمر ظاهر، وهذا أمرملتبس وههنا
أسند الأمر إليهم حيث قال (هم فى لبس) وذلك لأن الشىء يكون وراء حجاب والناظر إليه بصير
فيختفى الأمر من جانب الرائى فقال ههنا (بل هم فى لبس) ومن فى قوله ( من خلق جديد ) يفيد
فائدة وهى ابتداء الغاية كان اللبس كان حاصلا لهم من ذلك.
قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ فيه وجهان :
(أحدهما) أن يكون ابتداء استدلال بخلق الإنسان، وهذا على قولنا (أفعيينا بالخلق الأول)
معناه خلق السموات ( وثانيهما) أن يكون تتميم بيان خلق الإنسان، وعلى هذا قولنا ( الخلق
الأول) هو خلق الإنسان أول مرة، ويحتمل أن يقال هو تنبيه على أمر يوجب عودهم عن مقالهم،
وبيانه أنه تعالى لما قال ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتوسوس به نفسه) كان ذلك إشارة إلى
أنه لا يخفى عليه خافية ويعلم ذوات صدورهم .
وقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾.
بیان لکمال علمه ، والوريد العرق الذى هو مجرى الدم یجری فیه و یصل إلى كل جزء من أجزاء
البدن والله أقرب من ذلك بعلمه، لان العرق تحجبه أجزاء اللحم ويخفى عنه، وعلم الله تعالى
١٦٣
قوله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان . سورة قّ .
إِذْ يَتَّ الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ (٥) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾
١٨
لا يحجب عنه شىء، ويحتمل أن يقال و(نحن أقرب إليه من حبل الوريد) بتفرد قدرتنا فيه يجرى
فيه أمرنا کما يجرى الدم فى عروقه .
قوله تعالى : ﴿ إذ يتاقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه
رقيب عتید
.
(إذ) ظرف والعامل فيه مافى قوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وفيه إشارة إلى
أن المكلف غير متروك سدى، وذلك لأن الملك إذا أقام كتاباً على أمر اتكل عليهم ، فإن كان له
غفلة عنه فيكون فى ذلك الوقت يتكل عليهم ، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك
الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالا عليه، فنقول: الله فى وقت أخذ
الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له ، فعند ما يخفى عليهما شىء يكون حفظنا
بحاله أكمل وأنم ، ويحتمل أن يقال التلقى من الاستقبال يقال فلان يتاقى الركب وعلى هذا الوجه
فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا
الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى
السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم
الحشر من القبور، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أى القبيلين يكون عند الرجل قعيدعن
اليمين وقعيد عن الشمال ، يعنى الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من
أى القيلين كان، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور ويرجع إلى الملك الآخر مسروراً
حيث لم يكن مسروراً ممن يأخذها هو، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى
الآخر محزوناً حيث لم يكن من يأخذها هو ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى (سائق وشهيد ) فالشهيد
هو القعيد والسائق هو المتلقى يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة .
وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تفح
ما عنه احتراماً له واجتناباً منه ، وفيه لطيفة وهى أن الله تعالى قال: (ونحن أقرب إليه من حبل
الوريد) المخالط لأجزائه المداخل فى أعضائه والملك منح عنه فيكون علناً به أكمل من علم الكاتب
لكن من أجلس عنده أحدا ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناءضاً خبيراً والملك الذى
أجلس الرقيب يكون جباراً عظيما فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير ، والقعيد هو الجليس كما
أن قعد بمعنى جلس .
١٦٤
قوله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق . سورة ق .
وَجَاءَتْ سَكَّةُ أَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَمِدُ
وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَجَاءَتْ كُلّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآَبِقٌ وَمِيدٌ (ّ﴾
قوله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحید
أى شدته التى تذهب العقول وتذهل الفطن، وقوله ( بالحق) يحتمل وجوهاً (أحدها) أن
يكون المراد منه الموت فإنه حق ، كأن شدة الموت تحضر الموت والباء حينئذ للتعدية ، يقال جاء
فلان بكذا أى أحضره، (وثانيها) أن يكون المراد من الحق ما أتى به من الدين لأنه حق وهو يظهر
عند شدة الموت وما من أحد إلا وهو فى تلك الحالة يظهر الإيمان لكنه لا يقبل إلا ممن سبق منه
ذلك وآمن بالغيب ، ومعنى المجىء به هو أنه يظهره، كما يقال الدين الذى جاء به النبي صلى الله عليه
وسلم أى أظهره، ولما كانت شدة الموت مظهرة له قيل فيه جاء به، والباء حينئذ يحتمل أن يكون
المراد منها ملبسة يقال جثتك بأمل فسيح وقلب خاشع، وقوله (ذلك) يحتمل أن يكون إشارة إلى
الموت ويحتمل أن يكون إشارة إلى الحق، وحاد عن الطريق أى مال عنه، والخطاب قيل مع النبى
صلى الله عليه وسلم وهو منكر، وقيل مع الكافرين وهو أقرب. والأقوى أن يقال هو خطاب
عام مع السامع كأنه يقول ( ذلك ما كنت منه تحيد) أيها السامع .
قوله تعالى: ﴿ ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد﴾.
عطف على قوله ( وجاءت سكرة الموت) والمراد منه إما النفخة الأولى فيكون بياناً لما يكون
عند مجىء سكرة الموت أو النفخة الثانية وهو أظهر لأن قوله تعالى (ذلك يوم الوعيد) بالنفخة
الثانية أليق ويكون قوله (وجاءت سكرة الموت) إشارة إلى الإماتة، وقوله ( ونفخ فى الصور)
إشارة إلى الإعادة والإحياء، وقوله تعالى ( ذلك) ذكر الزمخشرى أنه إشارة إلى المصدر الذى من
قوله (ونفخ) أى وقت ذلك النفخ يوم الوعيد وهو ضعيف لأن يوم لو كان منصوباً لكان
ما ذكرنا ظاهراً وأما رفع يوم فيفيد أن ذلك نفس اليوم ، والمصدر لا يكون نفس الزمان وإنما
يكون فى الزمان فالأولى أن يقال ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله {( ونفخ) لأن الفعل كما
يدل على المصدريدل على الزمان فكانه تعالى قال ذلك الزمان يوم الوعيد، والوعيد هو الذى أوعد
به من الحشر والإبتاء والمجازاة.
قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ قد بينا من قبل أن السائق هو الذى
يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده والشهيد هو الكاتب، والسائق لازم البر والفاجر أما البرفيساق
١٦٥
قوله تعالى : لقد كنت في غفلة من هذا . سورة ق .
لَّقَدْ كُنْتَ فِ غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (ـ
وَقَالَ قَرِنُهُ, هَذَا مَالَدَىَّ عَتِدٌ (﴾ أَلْقِيَا فِى جَهَتْمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيٍ
٢٤
إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار ، وقال تعالى ( وسيق الذين كفروا، وسيق الذين اتقوا ربهم).
قوله تعالى: ﴿ لقد كنت فى غفلة من هذا﴾ إما على تقدير يقال له أو قيل له ( لقد كنت)
كما قال تعالى (وقال لهم خزنتها) وقال تعالى ( قيل ادخلوا أبوب جهنم) والخطاب عام أما الكافر
فعلوم الدخول فى هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علماً ويظهر له ما كان مخفياً عنه ويرى علمه
يقيناً رأى المعتبر يقيناً فيكون بالنسبة إلى تلك الأحوال وشدة الأهوال كالغافل وفيه الوجهان
اللذان ذكر ناهما فى قوله تعالى (ما كنت منه تحيد) والغفلة شىء من الغطاء كاللبس وأكثر منه
لأن الشاك يلتبس الأمر عليه والغافل يكون الأمر بالكلية محجوباً قلبه عنه وهو الغلف .
قوله تعالى: ﴿فكشفنا عنك غطاءك﴾ أى أزلنا عنك غفلتك ﴿ فبصترك اليوم حديد)
وكان من قبل كليلا ، وقرينك حديداً ، وكان فى الدنيا خليلا ، وإليه الإشارة .
قوله تعالى: ﴿وقال قرينه هذا مالدى عتيد ) وفى القرين وجهان أحدهما الشيطان الذى زين
الكفر له والعصيان وهو الذى قال تعالى فيه ( وقيضنا لهم قرناء) وقال تعالى ( نقيض له شيطاناً
فهو له قرين) وقال تعالى (فبئس القرين) فالإشارة بهذا المسوق إلى المرتكب الفجور والفسوق،
والعتيد معناه المعد النار و جملة الآية معناها أن الشيطان يقول هذا العاصى شىء هو عندى معد لجهنم
أعددته بالإغواء والإضلال ، والوجه الثانى (قال قرينة ) أى القعيد الشهيد الذى سبق ذكره وهو
الملك وهذا إشارة إلى كتاب أعماله ، وذلك لأن الشيطان فى ذلك الوقت لا يكون له من
المكانة أن يقول ذلك القول، ولا ن قوله ( هذا مالدى عتيد) فيكون عتيد صفته ، وثانيهما أن
تكون موصولة ، فيكون عتيد محتملا الثلاثة أوجه(١) (أحدها) أن يكون خبراً بعد خبر
والخبر الأول (مالدى) معناه هذا الذى هو لدى وهو عتيد ( وثانيها) أن يكون عتيد هو الخبر
لاغير، وما لدى يقع كالوصف المميز للعتيد عن غيره كما تقول هذا الذى عند زيد وهذا الذى
يحيى عمرو فيكون الذى عندى والذى يجيثنى لتمييز المشار إليه عن غيره ثم يخبر عنه بما بعده
ثم يقال للسائق أو الشهيد ﴿ ألقيا فى جهنم﴾ فيكون هو أمراً لواحد، وفيه وجهان أحدهما أنه
ثنى تكرار الأمر كما ألق ألق، وثانيهما عادة العرب ذلك .
وقوله ﴿كل كفار عنيد﴾ الكفار يحتمل أن يكون من الكفران فيكون بمعنى كثير
(١) ولعلى الوجه الثالث: أن يكون بدلا من اسم الاشارة وما لدي هو الخبر.
١٦٦
قوله تعالى : مناع للخير معتد مريب . سورة ق .
٤٠٠٠
مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ عُرِيبٍ (٥
الكفران ، ويحتمل أن يكون من الكفر، فيكون بمعنى شديد الكفر، والتشديد فى لفظة فعال
يدل على شدة فى المعنى ، والعنيد فعيل بمعنى فاعل من عند عنوداً ومنه العناد ، فإن كان الكفار من
الکفران ، فهو أنکر نعم الله مع کثرتها .
قوله تعالى : ﴿ مناع للخير ﴾.
فيه وجهان (أحدهما) كثير المنع المالى الواجب ، وإن كان من الكفر، فهو أنكر دلائل
وحدانية الله مع قوتها وظهورها، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الأمر اللائح والحق
الواضح، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة (عنيد) ينكرها مع كثرتها عن
المستحق الطالب، والخير هو المال ، فيكون كقوله تعالى (وويل للمشر كين الذين لا يؤتون
الزكاة ) حيث بدأ بيان الشرك، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا
جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول: كفر أنعم الله تعالى، ولم يؤد منها شيئاً لشكر أنعمه
(ثانيهما) شديد المنع من الإيمان فهو ( مناع للخير ) وهو الإيمان الذي هوخير محض من أن يدخل
فى قلوب العباد ، وعلى هذا فقيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر
بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير.
قوله تعالى : ﴿ معتد ﴾
فيه وجهان (أحدهما) أن يكون قوله (معتد) مرتباً على ( مناع) بمعنى مناع الزكاة، فيكون
معناه لم يؤد الواجب، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالربا والسرقه ، كما كان عادة المشركين
(وثانيهما) أن يكون قوله (معتد) مرتباً على (مناع) بمعنى منع الإيمان، كأنه يقول: منع الإيمان ولم
يقنع به حتى تعداه ، وأمان من آمن وآذاه، وأعان من كفر وآواه .
قوله تعالى: ﴿مریب﴾.
فيه وجهان (أحدهما) ذو ريب، وهذا على قولنا: الكفار كثير الكفران، والمناع مانع
الزكاة ، كأنه يقول: لا يعطى الزكاة لأنه فى ريب من الآخرة، والثواب فيقول: لا أقرب مالا
من غير عوض (وثانيهما) ( مربب ) يوقع الغير فى الريب بإلقاء الشبهة، والإرابة جاءت بالمعنيين
جميعاً، وفى الآية ترتيب آخر غير ماذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة
إلى الله، وإلى رسول الله، وإلى اليوم الآخر، فقوله (كفار عنيد) إشارة إلى حاله مع الله يكفر
به ويعاند آياته، وقوله (مناع للخير معتد) إشارة إلى حاله مع رسول الله، فيمنع الناس من اتباعه،
ومن الإنفاق على من عنده، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء، وقوله ( مريب) إشارة إلى جاله
بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه وير قاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى (ألقبا
١٦٧
قوله تعالى : الذي جعل مع الله إلهاً آخر . سورة قّ .
الَّذِىِ جَعَلَ مَعَ اللّهِ إلَهَاءَ فَأَلْقِيَاهُ فِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ قَالَ قَرِينُهُ,
رَبَّنَاَمَا أَطْغَيْتُهُ,
فى جهنم كل كفار عنيد مناع للخير ) إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصاً بمن اجتمع فيه
هذه الصفات بأسرها ، والكفر كاف فى إيراث الإلقاء فى جهنم والأمر به، فنقول قوله تعالى
(كل كفار عنيد) ليس المراد منه الوصف المميز، كما يقال: أعط العالم الزاهد، بل المراد الوصف
المبين بكون الموصوف موصوفاً به إما على سبيل المدح، أو على سبيل الذم، كما يقال: هذا حانم
السخى، فقوله (كل كفارعنيد) يفيد أن الكفار عنيد ومناع، فالكفار كافر، لأن آيات الوحدانية
ظاهرة ، ونعم اللّه تعالى على عبده وافرة، وعنيد ومناع للخير، لأنه يمدح دينه. ويذم دين الحق فهو
يمنع، وهربب لأنه شاك فى الحشر، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات.
قوله تعالى: ﴿الذى جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه فى العذاب الشديد
فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه بدل من قوله (كل كفار عنيد) (ثانيها) أنه عطف على (كل
كفار عنيد) (ثالثها) أن يكون عطفاً على قوله (ألقيا فى جهنم) كأنه قال (ألقيا فى جهنم كل
كفار عنيد) أى والذى جعل مع اللّه إلهاً آخر فألقياه بعد ما ألقيتموه فى جهنم فى عذاب شديد من
عذاب جهنم .
قوله تعالى: ﴿قال قرينه ربنا ما أطفيته ﴾ .
وهو جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حينما يلقى فى النار يقول: ربنا أطفانى شيطانى،
فيقول الشيطان : ربنا ما أطغيته ، يدله عليه قوله تعالى بعد هذا ( قال لا تختصموا لدى) لأن
الاختصامیستدعى كلاماً من الجانبین و حينئذ هذا ،كما قال الله تعالى فى هذه السورة وفی ص( قالوا
بل أنتم لا مرحباً بكم) وقوله تعالى (قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده) إلى أن قال (إن ذلك لحق
تخاصم أهل النار ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزمخشرى: المراد بالقرين فى الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك
الذى هو شهيد وقعيد، واستدل عليه بهذا. وقال غيره، المراد الملك لا الشيطان، وهذا يصلح
دليلا لمن قال ذلك ، وبيانه هو أنه فى الأول لو كان المراد الشيطان ، فيكون قوله ( هذا ما لدى
عتيد ) معناه هذا الشخص عندى عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائى، فإن الزمخشرى صرح فى تفسير
تلك بهذه، وعلى هذا فيكون قوله ( ربنا ما أطغيته) مناقضاً لقوله (اعتدته) وللزمخشرى أن يقول
(الجواب) عنه من وجهين (أحدهما) أن يقول إن الشيطان يقول (اعتدته) بمعنى زينت له الأمر
وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان ( وثانيهما) أن تكون الإشارة إلى حالين: ففى الحالة
١٦٨
قوله تعالى : ولكن كان في ضلال . سورة ق .
وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ
الأولى إنما فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام من بنى آدم ، وتصحيحاً لما قال (فبعزتك لأغوينهم
أجمعين) ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغراء عذاب ، كما قال تعالى (فالحق والحق
أقول لأملأن جهنم منك ومن تبعك) فيقول (ربنا ما أطفيته) فيرجع عن مقالته عند ظهور
العذاب .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال ههنا (قال قرينه) من غير واو، وقال فى الآية الأولى (وقال قرينه)
بالواو العاطفة ، وذلك لأن فى الأول الإشارة وقعت إلی معنیین مجتمعین ، وأن کل نفس فى ذلك
الوقت تجىء ومعها سائق، ويقول الشهيد ذلك القول، وفى الثانى لم يوجد هناك معنيان مجتمعان
حتى يذكر بالواو ، والفاء فى قوله ( فألقياه فى العذاب ) لا يناسب قوله تعالى ( قال قرينه ربنا
ما أطغيته ) مناسبة مقتضية للعطف بالواو .
﴿ المسألة الثالثة﴾ القائل ههنا واحد، وقال ( ربنا) ولم يقل رب، وفى كثير من المواضع
معے کون القائل واحداً ، قال رب ، کما فى قوله ( قال رب أرنى أنظر إليك) وقرل نوح( رب
اغفرلى) وقوله تعالى (قال رب السجن أحب إلى) وقوله (قالت رب ابن لى عندك بيتاً فى
الجنة) إلى غير ذلك , وقوله تعالى (قال رب أنظرفى إلى يوم يبعثون) نقول فى جميع تلك المواضع
القائل طالب، ولا يحسن أن يقول الطالب: يارب عمرفى واخصصنى وأعطنى كذا، وإنما يقول:
أعطنا لأن كونه رباً لايناسب تخصيص الطالب، وأما هذا الموضع فوضع الهيبة والعظمة وعرض
الحال دون الطلب فقال ( ربنا ما أطغيته).
قوله تعالى : ﴿ ولکن کان فى ضلال بعید ﴾ .
يعنى أن ذلك لم يكن باطفائه، وإنما كان ضالا متغلفلا فى الضلال فطغى، وفيه مسائل :
ما الوجه فى انصاف الضلال بالبعيد ؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالا
المسألة الأولى ﴾
عن الطريق ، فإذا تمادى فى الضلال وبقى فيه مدة يبعد عن المقصد كثيراً، وإذا على الضلال
قصر فى الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً، فقوله (ضلال بعيد) وصف المصدر بما
يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أى ضلال ذو بعد، والضلال إذا بعد
مداه وأمتد الضال فيه يصير بينا ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه
السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق، وربما يقع فى أودية
ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين
فى كثير من المواضع فقال تارة فى ضلال مبين وأخرى قال ( فى ضلال بعيد).
﴿المسألة الثانية) قوله تعالى (ولكن كان فى ضلال بعيد) إشارة إلى قوله (إلا عبادك منهم
١٦٩
قوله تعالى : قال لا تختصموا لدي . سورة ق .
قَالَ لَا تَخْتَصِمُوْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴾ مَا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ
لَدَیَّ
المخلصين ) وقوله تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) أى لم يكونوا من العباد، فجعلهم أهل
العناد ، ولو كان لهم فى سبيلك قدم صدق لما كان لى عليهم من يد، والله أعلم .
المسألة الثالثة) كيف قال ما أطفيته مع أنه قال (لأغوينهم أجمعين)؟ قلنا الجواب عنه من
ثلاثة أوجه (وجهان) قد تقدماً فى الاعتذار عما قائه الزمخشرى (والثالث) هو أن يكون المراد من
قوله (لأغوينهم) أى لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة، ((لا
تتركها، يقال أنه يضله كذلك ههنا، وقوله ( ما أطفيته ) أى ما كان ابتداء الإطفاء منى .
قوله تعالى : ﴿قال لا تختصموا لدى﴾ .
قد ذكرنا أن هذا دليل على أن هناك كلاماً قبل قوله (قال قربنه ربنا ما أطفيته) وهو قول
الملقى فى النار ربنا أطغانى وقوله ( لا تختصموا لدى) يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغى أن
یکون قبل الحضور والوقوف بین یدی .
قوله تعالى: ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾
تقرير المنع من الاختصام وبيان لعدم فائدته ، كأنه يقول قد قلت إنكم إذا اتبعتم الشيطان
تدخلون النار وقد اتبعتموه، فإن قيل ما حكم الباء فى قوله تعالى ( بالوعيد ) ؟ قلنا فيها وجوه
(أجدها ) أنها مزيدة كما فى قوله تعالى تنبت بالدهن ، على قول من قال إنها هناك زائدة، وقوله
( وكفى بالله) (وثانيها) معدية فقدمت بمعنى تقدمت كما فى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا
تقدموا بين يدى الله) (ثالثها) فى الكلام إضمار تقديره ، وقد قدمت إليكم مقترناً بالوعيد ( ما يبدل
الفول لدى ) فيكون المقدم هو قوله، ما يبدل القول لدى، (رابعها) هى المصاحبة يقول القائل :
اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أى معه فيكون كأنه تعالى قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد
على تركه بالإنذار .
قوله تعالى : ﴿ ما يبدل القول لدى﴾ يحتمل وجهين:
(أحدهما ) أن يكون قوله (لدى) متعلقاً بالقول أى ( ما يبدل القول لدى) (وثانيهما) أن
يكون ذلك متعلقاً بقوله ( ما يبدل) أى لا يقع التبديل عندى ، وعلى الوجه الأول فى القول
الذى لديه وجوه (أحدها) هو أنهم لما قالوا حتى يبدل ما قيل فى حقهم (ألقيا) بقول الله بعد
اعتذارهم لانلقياه فقال تعالى : ما يبدل هذ القول لدى ، وكذلك قوله (وقيل ادخلو أبواب
:
١٧٠
قوله تعالى : قال لا تختصموا لدي ، سورة ق .
جهنم) لا تبديل له ( ثانيها) هو قوله ( ولكن حق القول من لاملأن جهنم ) أى لا تبديل لهذا
القول (ثالثها ) لا خلف فى إبعاد اللّه تعالى كما لا إخلاف فى ميعاد الله، وهذا يرد على المرجئة
حيث قالوا ماورد فى القرآن من الوعيد ، فهو تخريف لا يحقق الله شيئاً منه ، وقالوا الكريم
إذا وعد أنجز ووفى ، وإذا أوعد أخلف وعفا (رابعها) لا يبدل القول السابق أن هذا شق، وهذا
سعيد، حين خلقت العباد، قلت هذا شقى ويعمل عمل الأشقياء، وهذا تقى ويعمل عمل الأتقياء،
وذلك القول عندى لا تبديل له بسعى ساع ولا سعادة إلا بتوفيق الله تعالى، وأما على الوجه
الثانى ففى (مايبدل) وجوه أيضاً (أحدها) لا يكذب لدى ولا يفترى بين يدى ، فانى عالم علمت
من طفى ومن أطفى، ومن كان طاغياً ومن كان أطفى ، فلا يفيدكم قولكم أطغانى شيطانى ، ولا
قول الشيطان (ربنا ما أطفيته) (ثانيها) إشارة إلى معنى قوله تعالى (فارجعوا وراء كم فالتمسوا
نوراً ) كأنه تعالى قال لو أردتم أن لا أقول فألقياء فى العذاب الشديد كنتم بدلتم هذا من قبل بتبديل
الكفر بالإيمان قبل أن تقفوا بين يدى، وأما الآن فما يبدل القول لدى كما قلنا فى قوله تعالى (قال
لاتختصمرا لدى) المراد أن اختصامكم كان يجب أن يكون قبل هذا حيث قلت (إن الشيطان لكم
عدو فاتخذوه عدوا) (ثالثها) معناه لا يبدل الكفر بالإيمان لدى ، فإن الإيمان عند اليأس
غير مقبول فقولكم ربنا وإلهنا لا يفيدكم فمن تكلم بكلمة الكفر لا يفيده قولة (ربنا ما أشركنا)
وقوله (ربنا آمنا) وقوله تعالى ( ما يبدل القول) إشارة إلى نفى الحال كأنه تعالى بقول ما يبدل
اليوم لدى القول ، لأن ما ينفى بها الحال إذا دخلت على الفعل المضارع ، يقول القائل ماذا تفعل
غداً؟ يقال ما أفعل شيئاً أى فى الحال، وإذا قال القائل" ماذا يفعل غداً، يقال لا يفعل شيئاً أو
لن يفعل شيئاً إذا أريد زيادة بيان النفي، فإن قيل هل فيه بيان معنوى ميد افتراق ما ولا فى
المعنى. نقول: نعم، وذلك لآن كلمة لا أدل على النفى لكونها موضوعة للنفى وما فى معناه كالنهى
خاصة لا يفيد الإثبات إلا بطرق الحذف أو الإضمار وبالجملة فيطريق المجاز كما فى قوله (لا أقسم)
وأما ما فغير متمحضة للنفى لأنها واردة لغيره من المعانى حيث تكون اسماً والنفى فى الحال لا يفيد
الذفى المطاق لجواز أن يكون مع النفى فى الحال الإثبات فى الاستقبال ، كما يقال ما يفعل الآن شيئاً
وسيفعل إن شاء الله، فاختص بما لم يتمحض نفياً حيث لم تكن متمحضة للنفى لايقال إن لا
للنفى فى الاستقبال والإثبات فى الحال فاكتفى فى استقبال بما لم يتمحض نفياً لأنا نقول ليس
كذلك إذ لا يجوز أن يقال لا يفعل زيد ويفعل الآن نعم يجوز أن يقال لا يفعل غداً ويفعل
الآن لكون قولك غداً يجعل الزمان ميزاً فلم يكن قولك لا يفعل النفى فى الاستقبال بل كان
للنفى فى بعض أزمنة الاستقبال ، وفى مثالنا قلنا ما يفعل وسيفعل وما قلنا سيفعل غداً وبعد
غد، بل ههنا نفينا فى الحال وأثبتنا فى الاستقبال من غير تمييز زمان من أزمنة الاستقبال عن زمان،
ومثاله فى العكس أن يقال لا يفعل زيد وهو يفعل من غير تعيين وتمييز ومعلوم أن ذلك غير جائز.
١٧١
قوله تعالى : وما أنا بظلام للعبيد . سورة ق" .
وَمَا أَنَاْ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ
قوله تعالى: ﴿ وما أنا بظلام للعبيد﴾ مناسب لما تقدم على الوجهين جميعاً، أما إذا قلنا
بأن المراد من قوله (لدى ) أن قوله (فألقياه) وقول القائل فى قوله (قيل ادخلوا أبواب جهنم)
لا تبديل له فظاهر، لأن الله تعالى بين أن قوله ( ألقيا فى جهنم) لا يكون إلا للكافر العنيد فلا
يكون هو ظلاماً للعبيد. وأما إذا قلنا بأن المراد لا ( يبدل القول لدى) بل كان الواجب التبديل
قبل الوقوف بين يدى فكذلك لأنه أنذر من قبل ، وما عذب إلا بعد أن أرسل الرسل وبين
السبل ، وفيه مباحث لفظية ومعنوية .
أما اللفظية فهى فى الباء من قوله ( ليس بظلام) وفى اللام من قوله (للعبيد) أما الباء فنقول
البلاء تدخل فى المفعول به حيث لا يكون تعلق الفعل به ظاهراً ولا يجوز إدخالها فيه حيث يكون
فى غاية الظهور ، ويجوز الإدخال والنرك حيث لا يكون فى غاية الظهور ولا فى غاية الخفاء، فلا
يقال ضربت بزيد لظهور تعلق الفعل بزيد ، ولا يقال خرجت وذهبت زيداً بدل قولنا خرجت
وذهبت بزيد لخفاه تعلق الفعل بزيد فيهما ، ويقال شكرته وشكرت له للتوسط فكذلك خبرما لما
كان مشبهاً بالمفعول، وليس فى كونه فعلا غير ظاهر غاية الظهور، لأن إلحاق الضمائر التى تلحق
بالأفعال الماضية كالتاء والنون فى قولك لست ولستم ولستن واسنا يصحح کونها فعلا كما فى قرلك
کنت و کنا، لکن فی الاستقبال یبین الفرق حیث نقول یکون و تگون و کن ، ولا نقول ذلك فى
ليس وما يشبه بها فصارتا كالفعل الذى لا يظهر تعلقه بالمفعول غاية الظهور ، جاز أن يقال ليس
زيد جاهلا وليس زيد جاهل ، كما يقال مسحته ومسحت به وغير ذلك مما يعدى بنفسه وبالباء، ولم
يجز أن يقال كان زيد بخارج وصار عمرو بدارج لأن صار وكان فعل ظاهر غاية الظهور بخلاف
ليس وما النافية ، وهذا يؤيد قول من قال ( ما هذا بشر) وهذا ظاهر.
﴿البحث الثانی﴾ لو قال قائل کان ینبغی أن لا يجوز إخلاء خبر ما عن الباء، كما لا يجوز إدخال
الباء فى خبر كان وخبرليس بجوز فيه الأمران وتقرير هذا السؤال هو أن كان لما كان فعلا ظاهراً
جعلناه بمنزلة ضرب حيث منعنا دخول الماء فى خبره كما منعناه فى مفعوله ، وليس لما كان فعلا
من وجه نظراً إلى قولنا لست ولسنا واستم، ولم يكن فعلا ظاهراً نظراً إلى صيغ الاستقبال والأمر
جعلناه متوسطاً وجوزنا إدخال الباء فى خبره وتركه ، كما قلنا فى مفعول شكر ته وشكرت له ، وما !ا
لم يكن فعلا بوجه كان ينبغى أن يكون بمنزلة الفعل الذى لا يتعدى إلى المفعول إلا بالحرف وكان
ينبغى أن لا يجىء خبره إلا مع الباء كما لا يجىء مفعول ذهب إلا مع الباء، ويؤيد هذا أنا فرقنا بين
ما وليس وكان ، وجعلنا لكل واحدة مرتبة ليست للأخرى بجوزنا تأخير كان فى اللفظ حيث
جوزنا أن يقول القائل زيد خارجاً كان وما جوزنا: زيد خارجاً ليس، لأن كان فعل ظاهر وليس
١٧٢
قوله تعالى : وما أنا بظلام للعبيد . سورة ق .
دونه فى الظهور، وما جوزنا تأخير ماعن أحد شطرى لكلام أيضاً بخلاف ليس، حيث لا يجوز
أن يقول القائل: زيد ما بظلام ، إلا أن يعيد ما يرجع إليه فيقول زيد ما هو بظلام فصار بينهما
ترتيب مايوجه، وليس يؤخر عن أحد الشطرين ولا يؤخر فى الكلام بالكلية ، وكان يؤخر بالكلية
لما ذكرنا من الظهور والخفاء، فكذلك القول فى إلحاق الباء كان ينبغى أن لا يصح إخلاء خبر ما
عن الباء، وفى ليس يجيز الأمران، وفى كان لا يجوز الإدخال، وهذا هو المعتمد عليه فى لغة
بنى تميم حيث قالوا إن ما بعد ما إذا جعل خبراً يجب إدخال الباء عليه فان لم تدخل عليه يكون ذلك
معرباً على الابتداء أو على وجه آخر ولا يكون خبراً، والجواب عن السؤال هو أن نقول الأكثر
إدخال الباء فى خبر ما ولا سيما فى القرآن قال الله تعال ( وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم ،
وما أنت بمسمع، وماهم بخارجين، وما أنا بظلام) وأما الوجوب فلا لأن ما أشبه ليس فى المعنى
فى الحقيقة وخالفها فى العوارض وهو لحوق التاء والنون، وأما فى المعنى فهما لنفى الحال فالشبه
مقتض لجواز الإخلاء والمخالفة مقتضية لوجوب الإدخال ، لكن ذلك المقتضى أقوى لأنه راجع
إلى الأمر الحقيقى، وهذا راجع إلى الأمر الغارضى وما بالنفس أقوى مما بالعارض، وأما التقديم
والتأخير فلا يلزم منه وجوب إدخال الباء، وأما الكلام فى اللام فنقول اللام لتحقيق معنى الإضافة
يقال غلام زيد وغلام لزيد، وهذا فى الإضافات الحقيقية بإثبات التنوين فيه، وأما فى الإضافات
اللفظية كقولنا ضارب زيد وقاتل عمرو، فإن الإضافة فيه غير معنوية فإذا خرج الضارب عن كونه
مضافاً بإثبات التنوين فقد كان يجب أن يعاد الأصل وينصب ما كان مضافاً إليه الفاعل بالمفعول به
ولايؤتى باللام لأنه حينئذ لم تبق الإضافة فى اللفظ، ولم تكن الإضافة فى المعنى، غير أن اسم الفاعل
منحط الدرجة عن الفعل فصار تعلقه بالمفعول أضعف من تعاق الفعل بالمفعول ، وصار من باب
الأفعال الضعيفة التعلق حيث بينا جواز تعديتها إلى المفعول بحرف وغير حرف، فلذلك جاز أن
یقال ضارب زید أو ضارب لزید ، كما جاز: مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، وذلك إذا
تقدم المفعول كما فى قوله تعالى (إن كنتم الرؤيا تعبرون) للضعف، وأفا المعنوية فباحث:
(الأول) الظلام مبالغة فى الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم إذا قال القائل هو كذاب
يلزم أن يكون كاذباً كثر كذبه، ولا يلزم من نفيه نفى أصل الكذب لجواز أن يقال فلان ليس
بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحياناً ففى قوله تعالى ( وما أنا بظلام ) لايفهم منه نفى أصل
الظلم والله ليس بظالم فما الوجه فيه؟ نقول الجواب عنه من ثلاثة أوجه (أحدها) أن الظلام بمعنى
الظالم كالتمار بمعنى التامر وحينئذ يكون اللام فى قوله (للعبيد) لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ
بمعنى ذى ظلم، وهذا وجه جيد مستفاد من الإمام زين الدين أدام الله فوائده ( والثانى) ما ذكره
الزمخشرى وهو أن ذلك أمر تقديرى كأنه تعالى يقول لوظلمت عبدى الضعيف الذى هو محل الرحمة
لكان ذلك غاية الظلم ، وما أنا بذلك فيلزم من نفى كونه ظلاماً نفى كونه ظالماً، ويحقق هذا الوجه
١٧٣
قوله تعار : يوم نقول لجهنم هل امتلأت . سورة ق .
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّ هَلِ أَمْثَلَأَّتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِدٍ
٣٠
إظهار لفظ العبيد حيث يقول (ما أنا بظلام للعبيد) أى فى ذلك اليوم الذى امتلأت جهنم مع سعتها
حتى تصبح وتقول لم يبق لى طقة بهم، ولم يق فى موضع لهم فهل من مزيد استفهام استكثار، فذلك
اليوم مع أنى ألقى فيها عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم وهذا مناسب،
وذلك لأنه تعالى خصص النفى بالزمان حيث قال: ما أنا بظلام، يوم نقول: أى وما أنا بظلام فى
جميع الأزمان أيضاً، وخصص بالعبيد حيث قال (وما أنا بظلام للعبيد) ولم يطلق ، فكذلك خصص
النفى بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ، فلم يلزم منه أن يكون ظالماً فى غير ذلك الوقت ، وفى حق غير
العبيدوإن خصص والفائدة فى التخصيص أنه أقرب إلى التصديق من التعميم (والثالث) هذا يدل على
أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفى ماعداه، لأنه نفى كونه ظلاماً ولم يلزم منه نفى كونه ظالماً، ونفى
كونه ظلاماً للعبيد، ولم يلزم منه نفى كونه ظلاماً لغيرهم ، كما قال فى حق الآدمى (ومنهم ظالم لنفسه).
﴿ البحث الثانى) قال ههنا ( وما أنا بظلام للعبيد) من غير إضافة، وقال ( ما أنت بهادى
العمى، وما أنت بمسمع من فى القبور) على وجه الإضافة ، فما الفرق بينهما ؟ نقول الكلام قد
يخرج أولا مخرج العموم ، ثم يخصص لأمر ما لا لغرض التخصيص ، يقول القائل : فلان يعطى
ويمنع ويكون غرضه التعميم، فإن سأل سائل: يعطى من، ويمنع من ؟ يقول زيداً وعمراً، ويأتى
بالمخصص لالغرض التخصيص ، وقد يخرج أولا مخرج الخصوص ، فيقول فلان يعطى زيداً ماله
إذا علمت هذا فقوله (وما أنا بظلام) كلام لو اقتصر عليه لكان للعموم ، فأتى بلفظ العبيد لالكون
عدم الظلم مختصاً بهم ، بل لكونهم أقرب إلى كونهم محل الظلم من نفسه تعالى، وأما النبى صلى الله
عليه وسلم فكان فى نفسه مادياً ، وإنما أراد نفى ذلك الخاص فقال (وما أنت بهادى العمى) وما
قال: ما أنت بهاد، وكذلك قوله تعالى ( أليس الله بكاف عبده).
﴿ البحث الثالث﴾ العبيد يحتمل أن يكون المراد منه الكفار، كما فى قوله تعالى ( يا حسرة
على العباد ما يأتيهم من رسول ) يعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد منه
المؤمنين ووجهه هو أن اللّه تعالى يقول: لو أبدلت القول ورحمت الكافر، لكنت فى تكليف
العباد ظالماً لعبادى المؤمنين ، لأنى منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم ، فإن كان، ينال من لم يأت
ب-ا أتى المؤمن مايناله المؤمن، لكان إتيانه بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد فائدة ، وهذا
معنى قوله تعالى ( لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) ومعنى قوله
تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقوله تعالى (لا يستوى القاعدون من
المؤمنين غير أولى الضرر) ويحتمل أن يكون المراد التعميم .
قوله تعالى: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾.
١٧٤
قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين . سورة ق .
وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
العامل فى (بوم) ماذا؟ فيه وجوه (الأول) ما أنا بظلام مطلقاً (والثانى) الوقت ، حيث قال
ما أنا يوم كذا ، ولم يقل: ما أنا بظلام فى سائر الأزمان ، وقد تقدم بيانه، فإن قيل فما فائدة
التخصيص؟ نقول النفى الخاص أقرب إلى التصديق من النفى العام لأن المتوهم ذلك، فإن قاصر
النظر يقول: يوم يدخل اللّه عبده الضعيف جهنم يكون ظالماً له ، ولا يقول: بأنه يوم خلقه برزقه
ويربيه يكون ظالماً ، ويتوهم أنه يظلم عبده إدخاله النار، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده
المذکورین، ویتوهم أنه من يدخل خلفاً کثیراً لا يحوزه حد ، ولا يدركه عد النار ، و یتر کهم فيها
زماناً لانهاية له كثير الظلم، فنفى ما يتوهم دون مالا يتوهم، وقوله (هل امتلأت) بيان لتصديق
قوله تعالى (لأملأن جهنم) وقوله (هل من مزيد) فيه وجهان (أحدهما) أنه ليسان استكثارها
الداخلين، كما أن من بضرب غيره ضرباً مبرحاً، أو يشتمه شتما قبيحاً فاحشاً، ويقول المضروب:
هل بقى شىء آخر !، ويدل عليه قوله تعالى (لأملأن) لأن الامتلاء لابد من أن يحصل، فلا يقى
فى جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد (والثانى) هو أنها تطلب الزيادة، وحينئذ لو قال قائل
فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى (لأملأن)؟ نقول (الجواب) عنه من وجوه (أحدها ) أن
هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل ، وفيه لطيفة ، وهى أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم ،
ثم يقى فيها موضع لعصاة المؤمنين، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجاً،
فيدخل العاصى من المؤمنين ، فيبرد إيمانه حرارتها، ويسكن إبقائه غيظها فتسكن، وعلى هذا يحمل.
ماورد فى بعض الأخبار ، أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه ، والمؤمن جبار متكبر
على ماسوى الله تعالى ذليل متواضع لله ( الثانى) أن تكون جهنم تطلب أولا سعة فى نفسها ، ثم
مزيداً فى الداخلين لظها بقاء أحد من الكفار (الثالث) أن المل. له درجات، فإن الكيل إذا ملى.
ن غير كبس صح أن يقال : ملى. وامتلأ، فإذا كبس يسع غيره ولا ينافى كونه ملأن أو لا،
فكذلك فى جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة تضيقاً للمكان عليهم وزيادة فى التعذيب ، والمزيد جاز
أن یکون بمعنى المفعول ، أی هل قی أحد تزید به .
قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾. بمعنى قريباً، أو بمعنى قريب، والأول
أظهر وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ما وجه التقريب، مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهى لا تقرب؟
نقول (الجواب) عنه من وجوه (الأول) أن الجنة لا تزال ولا تنقل، ولا المؤمن يؤمر فى ذلك
اليوم بالانتقال إليها مع بعدها ، لكن الله تعالى يطوى المسافة التى بين المؤمن والجنة فهو التقريب.
فإن قيل فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة، فما الفائدة فى
١٧٥
قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين . سورة ق .
قوله : أزلفت الجنة ؟ نقول إكراماً للمؤمن ، كأنه تعالى أراد بيان شرف المؤمن المتقى أنه ممن
يمشى إليه وبدنى منه ( الثانى) قربت من الحصول فى الدخول ، لا بمعنى القرب المكانى ، يقال يطلب
من الملك أمراً خطيراً، والملك بعيد عن ذلك، ثم إذا رأى منه مخايل إنجاز حاجته ، يقال قرب
الملك وما زلت أنهى إليه حالك حتى قربته، فَدَدلك الجنة كانت بعيدة الحصول ، لأنها بما فيها
لا قيمة لها، ولا قدرة للمكلف على تحصيلها لولا فضل الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم ((مامن
أحد يدخل الجنة إلا بفضل الله تعالى، فقيل ولا أست يارسول الله، فقال ولا أنا)) وعلى هذا فقوله
غير نصب على الحال ، تقديره قربت من الحصول ، ولم تكن بعيدة فى المسافة حتى يقال كيف قربت
(الثالث) هو أن اللّه تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن. وأما إن قلنا
أنها قربت ، فمعناه جمعت محاسنها، كما قال تعالى ( فيها ما تشتهى الأنفس).
﴿ المسألة الثانية﴾ على هذا الوجه وعلى قولنا قربت تقريب حصول ودخول ، فهو يحتمل
وجهين (أحدهما) أن يكون قوله تعالى (وأزلفت) أى فى ذلك اليوم ولم يكن قبل ذلك، وأما فى
جمع المحاسن فربما يزيد الله فيها زينة وقت الدخول، وأما فى الحصول فلأن الدخول قبل ذلك
كان مستبعداً إذلم يقدر الله دخول المؤمنين الجنة فى الدنيا ووعد به فى الآخرة فقربت فى ذلك
اليوم (وثانيهما) أن يكون معنى قوله تعالى ( وأزلفت الجنة) أى أزلفت فى الدنيا، إما بمعنى جمع
المحاسن فلأيها مخلوقة وخلق فيها كل شىء ، وإما بمعنى تقريب الحصول (لأنها تحصل بكلمة حسنة
وأما على تفسير الإزلاف بالتقريب المكانى فلا يكون ذلك محمولا إلا على ذلك الوقت أى أزلفت
فى ذلك اليوم للمتقين .
المسألة الثالثة) إن حمل على القرب المكانى ، فما الفائدة فى الاختصاص بالمتقين مع أن
المؤمن والكافر فى عرصة واحدة؟ فنقول قد يكون شخصان فى مكان واحد وهناك مكان آخر
هو إلى أحدهما فى غاية القرب، وعن الآخر فى غاية البعد ، مثاله مقطوع الرجلين والسليم الشديد
العدو إذا اجتمعا فى موضع وبحضرتما شى. لا تصل إليه اليد بالمد فذلك بعيد عن المقطوع وهو
فى غاية القرب من العادى ، أو نقول إذا اجتمع شخصان فى مكان وأحدهما أحيط به سد من.
حديد ووضع بقربه شىء لا تناله يده بالمد والآخر لم يحط به ذلك السد يصح أن يقال هو بعيد عن
المسدود وقريب من المحظوظ والمجدود، وقوله تعالى (غير بعيد ) يحتمل أن يكون نصباً على
الظرف يقال اجلس غير بعيد منى أى مكاناً غير بعيد، وعلى هذا فقوله غير بعيد يفيد التأكيد
وذلك لأن القريب قد يكون بعيداً بالنسبة إلى شىء، فلن المكان الذى هو على مسيرة يوم قريب
بالنسبة إلى البلاد النائية وبعيد بالنسبة إلى متنزهات المدينة ، فإذا قال قائل أيما أقرب المسجد
الأقصى أو البلد الذى هو بأقصى المغرب أو المشرق؟ يقال له المسجد الأقصى قريب، وإن قال
أيهما أقرب هو أو البلد؟ يقال له هو بعيد. فقوله تعالى (وأزلفت الجنة ... غير بعيد) أى قربت قرباً
حقيقاً لا نسناً حيث لا يقال فيها إنها عدة عنه مقايسة أو مناسبة، ويحتمل أن يكون نصباً على
-
١٧٦
قوله تعالى : هذا ما توعدون لكل أواب . سورة قَ .
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلٍ أَوَّابٍ حَفِيٍ
مَّنْ خَشِىَ الَّهَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ(
الحال تقديره: قربت حال كون ذلك غاية التقريب أو نقول على هذا الوجه يكون معنى أزلفت
قربت وهى غير بعيد، فيحصل المعنيان جميعاًالإقراب والاقتراب أو يكون المراد القرب والحصول
لا للمكان فيحصل معنيان القرب المكانى بقوله غير بعيد والحصول بقوله (أزلفت) وقوله، (غير
بعيد) مع قوله (أزلفت) على التأنيث يحتمل وجوهاً (الأول) إذا قلنا إن غير نصب على المصدر
تقديره مكاناً غير (الثانى) التذكير فيه كما فى قوله تعالى (إن رحمة الله قريب) إجراء لفعيل بمعنى
فاعل مجرى فعيل بمعنى مفعول الثالث أن يقاله غير منصوب نصباً على المصدر على أنه صفة مصدر
محذوف تقديره: أزلفت الجنة إزلافاً غير بعيد، أى عن قدرتنا فانا قد ذكرنا أن الجنة مكان ،
والمكان لا يقرب وإنما يقرب منه، فقال الإزلاف غير بعيد عن قدرتنا فإنا نطوى المسافة بينهما.
ثم قال تعالى ﴿هذا ما توعدون﴾ قال الزمخشرى هى جملة معترضة بين كلامين وذلك لأن
قوله تعالى ( لكل أواب) بدل عن المتقين كأنه تعالى قال (أزلفت الجنة المتقين ، لكل أواب)
کما فى قوله تعالى ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ) غير أن ذلك بدل الاشتمال وهذا بدل الكل
وقال ( هذا ) إشارة إلى الثواب أى هذا الثواب ما توعدون أو إلى الإزا ف المدلول عليه بقوله:
(أزافت) أى هذا الإزلاق ما وعدتم به، ويحتمل أن يقال هو كلام مستقل ووجهه أن ذلك
محمول على المعنى لا مايوعد به يقال للموعود هذا لك وكأنه تعالى قال هذا ما قلت إنه لمكم.
ثم قال تعالى ﴿لكل أواب حفيظ﴾ بدلا عن الضمير فى توعدون، وكذلك إن قرى.
بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير، والأواب الرجاع، قيل هو الذى يرجع
من الذنوب ويستغفر، والحفيظ الحافظ الذى يحفظ توبته من النقض. ويحتمل أن يقال الأواب
هو الرجماع إلى الله بفكره، والحفيظ الذى يحفظ الله فى ذكره أى رجع إليه بالفكر فيرى كل
شىء واقعاً به وموجداً منه ثم إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء، والأواب
والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أى يكون كثير الأوب شديد الحفظ، وفيه وجوه أخر أدق ،
وهو أن الأواب هو الذى رجع عن متابعة هواء فى الإقبال على ماسواه، والحفيظ هو الذى إذا
أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه وبكون هذا تفسيراً المتقى، لأن المنقى هو الذى
اتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم يعترف بغيره، والأواب هو الذى لا يعترف بغيره ويرجع
عن كل شىء غير الله تعالى، والحفيظ هو الذى لم يرجع عنه إلى شىء ما عداه.
قوله تعالى: ﴿من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب﴾ وفيه من وجوه (أحدها)
١٧٧
قوله تعالى : هذا ما توعدون لكل أواب . سورة ق .
وهو أغربها أنه منادى كأنه تعالى قال: يا من خشى الرحمن ادخلوها بسلام وحذف حرف النداء
شائع (وثانيها) من بدل عن كل فى قوله تعالى ( لكل أواب ؛من غير إعادة حرف الجر تقديره
أزلفت الجنة لمن خشى الرحمن بالغيب، ( ثالثها) فى قوله تعالى ( أواب حفيظ ) موصوف معلوم
غير مذكور كأنه يقول لكل شخص أواب أو عبد أو غير ذلك ، فقوله تعالى ( من خشى الرحمن
بالغيب ) بدل عن ذلك الموصوف هذه وجوه ثلاثة ذكرها الزمخشرى ، وقال لا يجوز أن يكون
بدلا عن أواب أو حفيظ لأن أواب وحفيظ قدموصف به موصوف معلوم غير مذكور كما بيناه
والبدل فى حكم المبدل منه، فتكون من موصوفاً بها ومن لا يوصف بها لا يقال: الرجل من جاءنى
جالسنى، كما يقال الرجل الذى جاءنى جالسنى، هذا تمام كلام الزمخشرى ، فإن قال قائل إذا كان
من والذى يشتركان فى كونهما من الموصولات فلماذا لا يشتركان فى جواز الوصف بهما ؟ نقول
الأمر معقول نبينه فى ما، ومنه يتبين الأمر فيه فنقول : ما اسم مبهم يقع على كل شىء ففهومه هو
شىء لكن الشىء هو أعم الأشياء فإن الجوهر شىء والعرض شىء والواجب شىء والممكن شىء والأعم
قبل الأخص فى الفهم لأنك إذا رأيت من البعد شبحاًتقول أولا إنه شىء ثم إذا ظهر لك منه ما يختص
بالناس تقول إنسان فإذا بان ذلك أنه ذكر قلت هو رجل فإذا وجدته ذاقوة تقول شجاع إلى
غير ذلك، فالأعم أعرف وهو قبل الأخص فى الفهم فيمفهوم ماقبل كل شىء فلا يجوز أن يكون صفة
لأن الصفة بعد الموصوف هذا من حيث المعقول، وأما من حيث النحو فلأن الحقائق لا يوصف
بها، فلا يقال جسم رجل جاءنى كما يقال جسم ناطق جاءنى لأن الوصف يقوم بالموصوف
والحقيقة تقوم بنفسها لا بغيرها وكل مايقع وصفاً للغير يكون معناه شىء له كذا ، فقولنا عالم معناه
شىء له علم أو عالمية فيدخل فى مفهوم الوصف شىء مع أمر آخر وهو له كذا لكن ما لمجرد شى.
فلا يوجد فيه مايتم به الوصف وهو الأمر الآخر الذى معناه ذو كذا فلم يجز أن يكون صفة وإذا
بان القول فمن فى العقلاء كما فى غيرهم وفيهم فمن معناه إنسان أو ملك أو غيرهما من الحقائق العاقلة ،
والحقائق لا تقع صفات ، وأما الذى يقع على الحقائق والأوصاف ويدخل فى مقهومه تعريف
أكثر ما يدخل فى مجاز الوصف بما دون من.
وفى الآية لطائف معنوية (الأول) الخشية والخوف معناهما واحد عند أهل اللغة، لكن
بينهما فرق وهو أن الخشية من عظمة المخشى ، وذلك لأن تر کیب حروف خ ش ى فى تقاليبها
يلزمه معنى الهيبة يقال شيخ للسيد والرجل الكبير السن وهما جميعاً مهيبان، والخوف خشية من
ضعف الخاشى وذلك لأن تركيب خوف فى تقاليبها يدل على الضعف تدل عليه الخيفة والخفية
ولولاقرب معناهمالما ورد فى القرآن (تضرعاً وخفية) و(تضرعاً وخيفة) والمخفى فيه ضعف كالخائف
إذا علمت هذا تبين لك اللطيفة وهى أن الله تعالى فى كثير من المواضع ذكر لفظ الخشية حيث
كان الخوف من عظمة المخشى قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال (لو أنزلنا هذا
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٢
١٧٨
قوله تعالى : هذا ما توعدون لكل أواب . سورة ق .
القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) فإن الجبل ليس فيه ضعف يكون الخوف
من صعفه وإنما اللّه عظيم يخشاه كل قوى (وثم من خشية ربهم مشفقون) مع أن الملائكة أقوياء
وقال تعالى ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) أى تخافهم إعظاماً لهم إذ لا ضعف فيك بالنسبة
إليهم وقال تعالى ( لاتخف ولا تحزن) أى لا تخف ضعفاً فإنهم لاعظمة لهم وقال (يخافون يوماً)
حيث كان عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله ضعيفة وقال ( لاتخافوا ولا تحزنوا) أى بسبب
مكروه يلحقكم من الآخرة فإن المكروهات كلها مدفوعة عنكم، وقال تعالى ( خائفاً يترقب )
وقال (إنى أخاف أن يقتلون) لوحدته وضعفه وقال هرون (إنى خشيت) لعظمة موسى فى عين
هرون لالضعف فيه وقال (يخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) حيث لم يكن لضعف فيه، وحاصل
الكلام أنك إذا تأملت استعمال الخشية وجدتها مستعملة لخوف بسبب عظمة المخشى، وإذا نظرت
إلى استعمال الخوف وجدته مستعملا لخشية من ضعف الخائف، وهذا فى الاكثر وربما يتخلف
المدعى عنه لكن الكثرة كافية ( الثانية ) قال الله تعالى ههنا (خشى الرحمن) مع أن وصف الرحمة
غالباً يقابل الخشية إشارة إلى مدح المتقى حيث لم تمنعه الرحمة من الخوف بسبب العظمة، وقال
تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) إشارة إلى ذم
الكافر حيث لم تحمله الألوهية التى تنبىء عنها لفظة الله وفيها العظمة على خوفه وقال (إنما يخشى
الله من عباده العلماء) لأن إنما للحصر فكان فيه إشارة إلى أن الجاهل لايخشاه فذكر الله ليبين
أن عدم خشيته مع قيام المقتضى وعدم المانع وهو الرحمة ، وقد ذكرنا ذلك فى سورة يس ونزيد
ههنا شيئاً آخر، وهو أن نقول لفظة الرحمن إشارة إلى مقتضى الخشية لا إلى المانع ، وذلك لأن
الرحمن معناه واهب الوجود بالخلق ، والرحيم واهب البقاء بالرزق وهو فى الدنيا رحمان حيث
أوجدنا بالرحمة، ورحيم حيث أبقى بالرزق ، ولا يقال لغيره رحيم لأن البقاء بالرزق قد يظن أن
مثل ذلك يأتى ممن يطعم المضطر، فيقال فلان هو الذى أبق فلاناً، وهو فى الآخرة أيضاً رحمان
حيث يوجدنا، ورحيم حيث يرزقناً، وذكرنا ذلك فى تفسير الفاتحة حيث فلنا قال ( بسم الله
الرحمن الرحيم) إشارة إلى كونه رحماناً فى الدنيا حيث خلقنا، رحيما فى الدنيا حيث رزقنا رحمة
ثم قال مرة أخرى بعد قوله (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) أى هو رحمن مرة أخرى فى
الآخرة بخلقنا ثانياً ، واستدللنا عليه بقوله بعد ذلك ( مالك يوم الدين) أى يخلقنا ثانياً ، ورحيم
يرزقنا ويكون هو المالك فى ذلك اليوم، إذا علمت هذا فمن يكون منه وجود الإنسان لا يكون
خوفه خشية من غيره، فإن القائل يقول لغيره أخاف منك أن تقطع رزقى أو تبدل حياتى، فإذا
كان اللّه تعالى رحماناً منه الوجود ينبغى أن يخشىٍ، فإن من بيده الوجود بيده العدم، وقال ◌َ له
((خشية الله رأس كل حكمة)) وذلك لأن الحكيم إذا تفكر فى غير الله وجده محل التغير يجوز
عليه العدم فى كل طرفة عين، وربما يقدر الله عدمه قبل أن تمكن من الإضرار، لأن غير الله إن
١٧٩
قوله تعالى : ادخلوها بسلام . سورة قَ .
أَدْخُلُوهَا بِسَلَاءِ
لم يقدر الله أن يضر لا يقدر على الضرر وإن قدر عليه بتقدير الله فسيزول الضرر بموت المعذب
أو المعذب، وأما اللّه تعالى فلا راد لما أراد ولا آخر لعذابه، وقال تعالى (بالغيب ) أى كانت
خشيتهم قبل ظهور الأمور حيث ترى رأى العين ، وقوله تعالى ( وجاء بقلب منيب ) إشارة إلى
صفة مدح أخرى، وذلك لأن الخاشى قد يهرب ويترك القرب من المخشى ولا ينتفع ، وإذا علم
المخشى أنه تحت حكمه تعالى علم أنه لا ينفعه الهرب، فيأتى المخشى وهو [غير] خاش فقال (وجاء) ولم
يذهب كما يذهب الآبق، وقوله تعالى (بقلب منيب) الباء فية يحتمل وجوهاً ذكرناها فى قوله تعالى
(وجاءت سكرة الموت بالحق) (أحدها) التعدية أى أحضر قلباً سليما، كما يقال ذهب به إذا أذهبه
( ثانيها ) المصاحبة يقال اشترى فلان الفرس بسرجُه أى مع سرجه، وجاء فلان بأهله أى مع أهله
(ثالثها) وهو أعرفها الباء للسجب يقال ما أخذ فلان إلا بقول فلان وجاء بالرجاء له فكأنه تعال قال
جاء وما جاء إلا بسبب إنابة فى قلبه علم أنه لا مرجع إلا إلى اللّه بنجاء بسبب قلبه المنيب، والقلب
المنيب كالقلب السليم فى قوله تعالى (إذ جاء ربه بقلب سليم) أى سليم من الشرك ، ومن
سلم من الشرك يترك غير الله ويرجع إلى اللّه فكان منيباً، ومن أناب إلى الله برى. من الشرك
فكان سليما .
قوله تعالى : ﴿ادخلوها بسلام ﴾
فالضمير عائد إلى الجنة التى فى (وأزلفت الجنة) أى لما تكامل حسنها وقربها وقيل لهم إنها منزلكم
بقوله ( هذا ما توعدون ) أذن لهم فى دخولها وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الخطاب مع من؟ نقول إن قرى (ماتوعدون) بالتاء فهو ظاهر إذ لا يخفى
أن الخطاب مع الموعودين، وإن قرى. بالياء فالخطاب مع المتقين أى يقال للمتقين ادخلوها.
المسألة الثانية﴾ هذا يدل على أن ذلك يتوقف على الإذن، وفيه من الانتظار ما لا يليق
بالإ كرام، نقول ليس كذلك ، فإن من دعا مكرماً إلى بستانه يفتح له الباب ويجلس فى موضعه ،
ولا يقف على الباب من يرحبه ، ويقول إذا بلغت بستانى فادخله ، وإن لم يكن هناك أحد يكون
قد أخل با كرامه بخلاف من يقف على بابه قوم يقولون: أدخل باسم الله، يدل على الإكرام
قوله تعالى ( بسلام) كما يقول المضيف: ادخل مصاحباً بالسلامة والسعادة والكرامة، والباء
للمصاحبة فى معنى الحال، أى سالمين مقرونين بالسلامة ، أو معناه ادخلوها مسلماً عليكم، ويسلم الله
وملائكته عليكم، ويحتمل عندى وجهاً آخر، وهو أن يكون ذلك إرشاداً للمؤمنين إلى مكارم
الأخلاق فى ذلك اليوم كما أرشدوا إليها فى الدنيا ، حيث قال تعالى ( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم
حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) فكأنه تعالى قال: هذه داركم ومنزلكم، ولكن لا تتركوا حسن
١٨٠
قوله تعالى : لهم ما يشاءون فيها . سورة ق .
٣٥
﴿ لَهُمْ مَّ يَشَّآءُ ونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا حَزِيدٌ(
ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ.
عادتكم، ولا تخلوا بمكارم أخلاقكم، فادخلوها بسلام، ويصيحون سلاماً على من فيها ، ويسلم
من فيها عليهم ، ويقولون السلام عليكم، ويدل عليه قوله تعالى (إلا فيلا سلاماً سلاماً) أى يسلمون
على من فيها ، ويسلم من فيها عليهم ، وهذ الوجه إن كان منقولا فنعم ، وإن لم يكن منقولا فهو
مناسب معقول أيده دليل منقول .
قوله تعالى : ﴿ ذلك يوم الخلود﴾.
حتى لا يدخل فى قلبهم أن ذلك ربما ينقطع عنهم فتبقى فى قلبهم حسرته ، فإن قيل المؤمن قد
علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها ، فما الفائدة فى التذكير؟ (والجواب) عنه من وجهين (أحدهما) أن
قوله (ذلك يوم الخلود) قول قاله الله فى الدنيا إعلاماً وإخباراً، وليس ذلك قولا يقوله عند قوله
(ادخلوها) فكانه تعالى أخبرنا فى يومنا أن ذلك اليوم (يوم الخلود). ( ثانيهما) اطمئنان القلب
بالقول أكثر، قال الزمخشرى فى قوله ( يوم الخلود) إضمار تقديره: ذلك يوم تقدير الخلود ،
ويحتمل أن يقال اليوم يذكر ، ويراد الزمان المطلق سواء كان يوماً أو ليلا، نقول: يوم يولد
لفلان ابن يكون السرور العظيم، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلا، فتريد به الزمان ، فكانه
تعالى قال : ذلك زمان الإقامة الدائمة .
قوله تعالى : ﴿ لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد
وفى الآية ترتيب فى غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم حيث قال (وأزلفت
الجنة للمتقين ) ولم يقل : قرب المتقون من الجنة بياناً للاكرام حيث جعلهم من تنقل إليهم الجنان
بما فيها من الحسان، ثم قال لهم هذا لكم، يقوله (هذا ماتوعدون) ثم بين أنه أجر أعمالهم الصالحة
بقوله (لكل أواب حفيظ) وقوله ( من خشى الرحمن) فإن تصرف المالك الذى ملك شيئاً بعوض
أتم فيه من تصرف من ملك بغير عوض، لإمكان الرجوع فى التمليك بغير عوض ، ثم زاد فى
الإكرام بقوله (ادخلوها) كما بينا أن ذلك إكرام ، لأن من فتح بابه للناس ، ولم يقف بيابه من
يرحب الداخلين ، لا يكون قد أتى بالإ كرام التام ، ثم قال ( ذلك يوم الخلود) أى لا تخافوا
ما لحفكم من قبل حيث أخرج أبو يكم منها ، فهذا دخول لاخروج بعده منها .
ثم لما بين أنهم ( فيها خالدون) قال لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم فى حاجة، كما كنتم
فى الدنيا من كان يعمر يتكس ويحتاج، بل لكم الخلود، ولا ينفد ماتمتعون به فلكم ماتشاءون
فى أى وقت تشاءون، وإلى الله المنتهى، وعند الوصول إليه، والمثول بین یدیه ، فلا يوصف
مالديه ، ولا يطلع أحد عليه، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ماعنده، هذا هو الترتيب، وأما
التفسير ، ففيه مسألتان .