النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى : ولكن قولوا أسلمنا . سورة الحجرات .
المسألة الأولى ﴾ قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً) وقال ههنا
( قل لم تؤمنوا ) مع أنهم ألقوا إليهم السلام ، نقول إشارة إلى أن عمل القلب غير معلوم
واجتناب الظن واجب ، وإنما يحكم بالظاهر فلا يقال لمن يفعل فعلا هو مرائى، ولا لمن أسلم
هو منافق، ولكن الله خبير بما فى الصدور، إذا قال فلان ليس ؟ ؤمن حصل الجزم ، وقوله تعالى
(قل لم تؤمنوا) فهو الذى جوز لنا ذلك القول، وكان معجزة للنبى يَ يتم حيث أطلعه الله على
الغيب وضمير قلوبهم ، فقال لنا : أنتم لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً لعدم علمكم
بما فى قلبه
المسألة الثانية﴾ لم ولما حرفا نفى، وما وإن ولا كذلك من حروف النفى، ولم ولما يجزمان
وغيرهما من حروف النفى لا يجزم ، فما الفرق بينهما ؟ نقول لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به
غيرهما ، فإنهما يغيران معناه من الاستقبال إلى المضى » تقول لم يؤمن أمس وآمن اليوم ، ولا
تقول لا يؤمن أمس ، فلما فعلا بالفعل مالم يفعل به غيرهما جزم بهما ، فإن قيل مع هذا لم جزم
بهما غاية مافى الباب أن الفرق حصل ، ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما ؟ نقول لأن
الجزم والقطع يحصل فى الأفعال الماضية ، فإن من قال قام حصل القطع بقيامه، ولا يجوز أن يكون
ما قام والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة غير متوقعة ، ولا يحصل القطع والجزم
فيه ، فإذا كان لم ولما يقلبان اللفظ من الاستقبال إلى المضى كانا يفيدان الجزم والقطع فى المعنى
تجعل لهما تناسباً بالمعنى وهو الجزم لفظاً، وعلى هذا نقول السبب فى الجزم ما ذكرنا ، وهذا فى
الأمر يجزم كأنه جزم على المأمور أنه يفعله ولا يتركه ، فأى فائدة فى أن اللفظ يجزم مع أن الفعل
فيه لابد من وقوعه وأن فى الشرط تغير ، وذلك لأن إن تغير معنى الفعل من المضى إلى الاستقبال
أن لم تغيره من الاستقبال إلى المضى، تقول: إن جثقى حثتك، وإن أكرمتنى أكرمتك، فلما كان
إن مثل لم فى كونه حرفاً ، وفى لزوم الدخول على الأفعال وتغييره معنى الفعل صار جازماً لشبه
لفظى، أما الجزاء تجزم لما ذكرنا من المعنى ، فإن الجزاء يجزم بوقوعه عندوجود الشرط، فالجزم
إذاً إما لمعنى أو لشبه لفظى، كما أن الجزاء كذلك فى الإضافة وفى الجر بحرف.
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (ولكن قولوا) يقتضى قولا سابقاً مخالفاً لما بعده، كقولنا
(لا تقدموا آمنا ولكن قولوا أسلمنا) وفى ترك التصريح به إرشاد وتأديب كانه تعالى لم يجز النهى
عن قولهم (آمنا) فلم يقل لا نقولوا آمنا وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال (لم تؤمنوا) فإن
كنتم تقولون شيئاً فقولوا أمراً عاماً، لا يلزم منه كذبكم وهو كقولهم (أسلمنا) فإن الإسلام بمعنى
الانقياد حصل .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة، فكيف يفهم ذلك مع هذا؟ نقول
بين العام والخاص فرق ، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب وقد يحصل باللسان ، والإسلام أعم

١٤٢
قوله تعالى : وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم . سورة الحجرات .
لكن العام فى صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون أمراً آخر غيره، مثاله الحيوان أعم من
الإنسان لكن الحيوان فى صورة الإنسان ليس أمراً ينفك عن الإنسان ولا يجوز أن يكون
ذلك الحيوان حيواناً ولا يكون إنساناً، فالعام والخاص مختلفان فى العموم متحدان فى الوجود ،
فكذلك المؤمن والمسلم ، وسنبين ذلك فى تفسير قوله تعالى ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ،
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) إن شاء الله تعالى.
﴿ المسألة الخامسة) قوله تعالى (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) هل فيه معنى قوله تعالى
(قل لم تؤمنوا)؟ نقول نعم وبيانه من وجوه (الأول) هو أنهم لما قالوا آمنا وقيل لهم (لم تؤمنوا
ولكن قولوا أسلمنا) قالوا إذا أسلمنا فقد آمنا ، قيل لا فإن الإيمان من عمل القلب لاغير
والإسلام قد يكون عمل اللسان ، وإذا كان ذلك عمل القلب ولم يدخل فى قلوبكم الإيمان لم تؤمنوا
( الثانى) لما قالوا آمنا وقيل لهم لم تؤمنوا قالوا جدلا قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا
فقال ( ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم) لأن لما يفعل يقال فى مقابلة قد فعل ، ويحتمل أن يقال بأن
الآية فيها إشارة إلى حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم بعدضعيفاً قال لهم (لم تؤمنوا) لأن
الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل فى قلوبكم وسيدخل بإطلاعكم على محاسن الإسلام (وإن
قطيعوا الله ورسوله) يكمل لكم الأجر، والذى يدل على هذا هو أن لما فيها معنى التوقع والانتظار،
والإيمان إما أن يكون بفعل المؤمن واكتسابه ونظره فى الدلائل ، وإما أن يكون إلهاما يقع
فى قلب المؤمن فقوله (قل لم تؤمنوا) أى ما فعلتم ذلك ، وقوله تعالى ( ولما يدخل الإيمان فى
قلوبكم) أى ولا دخل الإيمان فى قلبكم إلهاماً من غير فعلكم فلا إيمان لبكم حينئذ. ثم إنه تعالى
عند فعلهم قال (لم تؤمنوا) بحرف ليس فيه معنى الانتظار لقصور نظرهم وفتور فكرهم، وعند فعل
الإيمان قال لما يدخل بحرف فيه معنى التوقع لظهور قوة الإيمان ، كأنه يكاد يغشى القلوب بأسرها.
قوله تعالى: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم﴾ أى لا ينقصكم والمراد أنكم إذا أتيتم
بما يليق بضعفكم من الحسنة فهو يؤتيكم ما يليق به من الجزاء، وهذا لأن من حمل إلى ملك
فاكهة طيبة يكون ثمنها فى السوق درهما، وأعطاه الملك درهما أو ديناراً ينسب الملك إلى قلة العطاء
بل البخل ، فليس معناه أنه يعطى مثل ذلك من غير نقص، بل المعنى يعطى ماتتوقعون بأعمالكم من
غير نقص . وفيه تحريض على الإيمان الصادق ، لأن من أتى بفعل من غير صدق نية يضيع عمله
ولا يعطى عليه أجرأ فقال ( وإن تطيعوا) وتصدقوا لا ينقص عليكم، فلا تضيعوا أعمالكم
بعدم الاخلاص ، وفيه أيضاً تسلية لقلوب من تأخر إيمانه ، كأنه يقوله غيرى سبقنى وآمن حين
کان النی وحيداً وآواه حین كان ضعيفاً ، ونحن آمناعند ماعجز ناعن مقاومته وغلبنا بقوته، فلا يكون
لإيماننا وقع ولا لنا عليه أجر، فقال تعالى إن أجر كم لا ينقص وما تتوقعون تعطون ، غاية مافى
الباب أن التقدم يزيد فى أجورهم، وماذا عليكم إذا أرضاكم الله أن يعطى غير كم من خزائن رحمته

قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله . سورة الحجرات . ١٤٣
إِنَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ ◌َ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَّهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيِ آلِهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّبِقُونَ (2) قُلْ أَتُعَلِمُونَ الَهَ بِدِينِكُمْ
وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَنَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَالَهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( يَحْنُّونَ
◌َلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَّ إِسْلَمَكٌ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ
هَدَنْكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣)
رحمة واسعة ، وما حالكم فى ذلك إلا حال ملك أعطى واحداً شيئاً وقال لغيره ماذا تتمنى؟ فتمنى
عليه بلدة واسعة وأموالا فأعطاه ووفاء ، ثم زاد ذلك الأول أشياء أخرى من خزائنه فإن تأذى
من ذلك يكون بخلا وحسداً ، وذلك فى الآخرة لا يكون ، وفى الدنيا هو من صفة الأرازل ،
وقوله تعالى (إن الله غفور رحيم) أى يغفر لكم ما قد سلف ويرحمكم بما أتيتم به.
قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
فى سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ .
إرشاداً للأعراب الذين قالوا آمنا إلى حقيقة الإيمان فقال إن كنتم تريدون الإيمان فالمؤمنون
من آمن بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، يعنى أيقنوا بأن الإيمان إيقان، وثم للنراخى فى الحكاية ، كأنه
يقول آمنوا، ثم أقول شيئاً آخر لم يرتابوا، ويحتمل أن يقال هو التراخى فى الفعل تقديره آمنوا
بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فيما قال النبى صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر، وقوله تعالى (وجاهدوا
بأموالهم وأنفسهم ) يحقق ذلك، أى أيقنوا أن بعد هذه الدار داراً بجاهدوا طالبين العقبى، وقوله
(أولئك هم الصادقون) فى إيمانهم، لا الأعراب الذين قالوا قولا ولم يخلصوا عملا .
قوله تعالى : ﴿ قل أتعلمون الله بدینکم والله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض والله بکل
شىء عليم ﴾ .
فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء، وفيه إشارة إلى أن الدين ينبغى أن يكون له وأنتم أظهر تموه لنا
لا لله، فلا يقبل منكم ذلك .
قوله تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قلٍ لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هدا كم
للايمان إن كنتم صادقين﴾.
يقرر ذلك ويبين أن إسلامهم لم يكن لله، وفيه لطائف (الا ولى) فى قوله تعالى (يمنون عليك)

١٤٤
قوله تعالى . إن الله يعلم غيب السموات والأرض . سورة الحجرات .
إِنَّ الَّه يَعْلَمُ غَيْبَ اَلَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (
زيادة بيان القبيح فعلهم وذلك لأن الإيمان له شرفان (أحدهما) بالنسبة إلى الله تعالى وهو تنزيه
الله عن الشرك وتوحيده فى العظمة و(ثانيهما) بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه النفس عن الجهل
ويزينها بالحق والصدق ، فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب اللّه ولا يطلبون شرف أنفسهم بل منوا
ولو علموا أن فيه شرفهم لما منوا به يل شكروا .
﴿ اللطيفة الثانية) قال (قل لا تمنوا على إسلامكم) أى الذى عندكم إسلام، ولهذا قال تعالى
(ولكن قولوا أسلمنا) ولم يقل: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم لئلا يكون تصديقاً لهم فى الإسلام أيضاً
كما لم يصدقوا فى الإيمان ، فإن قيل لم لم يجز أن يصدقوا فى إسلامهم، والإسلام هو الانقياد، وقد
وجد منهم قولا وفعلا وإن لم يو جد اعتقاداً وعلماً وذلك القدر كاف فى صدقهم؟ نقول التكذيب
يقع على وجهين (أحدهما) أن لا يوجد نفس الخبر عنه ( وثانيهما) أن لا يوجد كما أخبر فى نفسه
فقد يقول ما جئتنا بل جاءت بك الحاجة ، فالله تعالى كذبهم فى قولهم آمنا على الوجه الأول، أى
ما آمنتم أصلا ولم يصدقوا فى الإسلام على الوجه الثانى فانهم انقادوا للحاجة وأخذ الصدقة .
﴿اللطيفة الثالثة) قال (بل الله يمن عليكم) يعنى لا منة لكم ومع ذلك لا تسلمون رأساً برأس
بحيث لا يكون لكم علينا ولا لنا عليكم منة ، بل المنة عليكم ، وقوله تعالى (بل الله يمن عليكم) حسن
أدب حيث لم يقل لا تمنوا على بل لى المئة عليكم حيث بينت لكم الطريق المستقيم، ثم فى مقابلة هذا
الأدب قال الله تعالى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم).
﴿ اللطيفة الرابعة) لم يقل يمن عليكم أن أسلمتم بل قال (أن هداكم للايمان ) لأن إسلامهم
كان ضلالا حيث كان نفاقاً فما من به عليهم، فإن قيل كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه
بين أنهم لم يؤمنوا ؟ نقول الجواب عنه من ثلاثة أوجه (أحدها) أنه تعالى لم يقل: بل اللّه يمن
عليكم أن رزقكم الإيمان ، بل قال (أن هدا كم للإيمان) وإرسال الرسل بالآيات البينات هداية
( ثانيها) هو أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا، فكانه قال أنتم قلتم آمنا، فذلك نعمة فى حقكم حيث
تخلصتم من النار، فقال هداكم فى زعمكم (ثالثها) وهو الأصح، هو أن الله تعالى بين بعد ذلك
شرطاً فقال ( إن كنتم صادقين ).
قوله تعالى: ﴿ إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون﴾.
إشارة إلى أنه لا يخفى عليه أسراركم، وأعمال قلوبكم الخفية، وقال ( يصير بما تعملون) يبصر
أعمال جوارحكم الظاهرة ، وآخر السورة مع النشامه بما قبله فيه تقرير ما فى أول السبورة ، وهو
قوله تعالى ( لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله) فإنه لا يخفى عليه سر، فلا تتركوا خوفه
فى السرولا يخفى عليه علن فلا تأمنوه فى العلانية، والحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

١٤٥
سورة ق
(٥٠) سُورَة قّ مَكِّيَّة
وَآيَاتِهَا ◌ِسُ، وَأزبِعُونَ
٦
بشـ
قَّ وَالْقُرْءَان الْمَجِيدِ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَ والقرآن المجيد) وقبل التفسير نقول ما يتعلق بالسورة وهى أمور:
( الأول ) أن هذه السورة تقرأ فى صلاة العيد، لقوله تعالى فيها ( ذلك يوم الخروج)
وقوله تعالى ( كذلك الخروج) وقوله تعالى (ذلك حشر علينا يسير) فإن العيد يوم الزينة، فينبغى أن
لا ينسى الإنسان خروجه إلى عرصات الحساب ، ولا يكون فى ذلك اليوم فرحاً غوراً، ولا
يرتكب فقاً ولا تغيراً، ولما أمر النبى مؤتم بالتذكير بقوله فى آخر السورة (فذكر بالقرآن من
يخاف وعيد) ذكرهم بما يناسب حالهم فى يومهم بقوله (ق والقرآن).
﴿ الثانى) هذه السورة، وسورة (ص) تشتركان فى افتتاح أولهما بالحرف المعجم والقسم
بالقرآن وقوله ( بل) والتعجب ، ويشتركان فى شىء آخر، وهو أن أول السورتين وآخرهما
متناسبان، وذلك لأن فى (ص) قال فى أولها ( والقرآن ذى الذكر) وقال فى آخرما (إن هو إلا
ذكر للعالمين ) وفى (ق) قال فى أولها (والقرآن المجيد) وقال فى آخرها (فذكر بالقرآن من
يخاف وعيد) فافتتح بما اختتم به .
﴿ والثالث) وهو أن فى تلك السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد،
بقوله تعالى ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً) وقوله تعالى (أن امشوا واصبروا على آلهتكم) وفى هذه
السورة إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر، بقوله تعالى (أنذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد)
ولما كان انتناح السورة فى(ص) فی تقریر المبدأ. قال فى آخرها (إذ قال ربك للملائكة إنى
خالق بشراً من طين) وختمه بحكاية بده [خلق] آدم، لأنه دليل الوحدانية. ولما كان افتتاح هذه
لبيان الحشر ، قال فى آخرها (يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير) وأما التفسير،
ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قيل (ق) اسم جبل محيط بالعالم، وقيل معناه حكمة، هى قولنا: قضى
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٠

١٤٦
قوله تعالى : ق والقرآن المجيد . سورة ق.
الأمر. وفى ص: صدق الله، وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن، ليبقى السامع
مقبلا على استماع مايرد عليه ، فلا يفوته شىء من الكلام الرائق ، والمعنى الفائق .
وذكرنا أيضاً أن العبادة منها قلبية، ومنها لسانية، ومنها خارجية ظاهرة ، ووجد فى الجارحية
ما عقل معناه، ووجد منها ما لم يعقل معناه، كأعمال الحج من الرمى والسعى وغيرهما ، ووجد فى
القلبية ماعقل بدليل، كعلم التوحيد، وإمكان الحشر، وصفات الله تعالى، وصدق الرسل،
ووجد فيها ما يبعدها عن كونها معقولة المعنى أمور لا يمكن التصديق، والجزم بما لولا السمع
كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر، والميزان الذى يوزن به الأعمال ،
فكذلك كان ينبغى أن تكون الأذكار التى هى العبادة اللسانية منها ما يعقل معناه بجميع القرآن إلا
قليلا منه ، ومنها مالا يعقل ولا يفهم حرف النهجى لكون التلفظ به محض الانقياد الأمر، لا لما
يكون فى الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض، كقولنا (ربنا اغفرلنا وارحمنا) بل يكون
النطق به تعيداً محضاً؛ ويؤيد هذا وجه آخر، وهو أن هذه الحروف مقسم بها ، وذلك لأن الله
تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفاً لها، فإذا أقسم بالحروف التى هى أصل الكلام الشريف
الذى هو دليل المعرفة، وآلة التعريف كان أولى، وإذا عرفت هذا فنقول على هذا فيه مباحث :
﴿ الأول) القسم من الله وقع بأمر واحد، كما فى قوله تعالى (والعصر) وقوله تعالى (والنجم)
وبحرف واحد، كما فى قوله تعالى (ص ون) ووقع بأمرين، كما فى قوله تعالى (والضحى والليل
إذا مجى) وفى قوله تعالى (والسماء والطارق) وبحرفين، كما فى قوله تعالى (طه وطس ويس وحم)
وبثلاثة أمور؛ كما فى قوله تعالى (والصافات فالزاجرت فالتاليات) وبثلاثة أحرف، كما فى (الم)
وفى (طسم والر) وبأربعة أمور، كمافى (والذاريات) وفى (والسماء ذات البروج) وفى (والتين)
وبأربعة أحرف، كما فى (المض والمر) وبخمسة أمور، كما فى ( والطور) وفى (والمرسلات) وفى
(والنازعات) وفى (والفجر) وبخمسة أحرف، كما فى ( كهبعض وحمعسق) ولم يقسم بأكثر من
خمسة أشياء إلا فى سورة واحدة وهى (والشمس وضحاها) ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول،
لأنه يجمع كلمة الاستثقال، ولما استئقل حين ركب لمعنى، كان استثقالها حين ركب من غير إحاطة
العلم بالمعنى أو لا لمعنى كان أشد .
﴿ البحث الثانى) عند القسم بالأشياء المعهودة، ذكر حرف القسم وهى الواو ، فقال :
(والطور والنجم والشمس) وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم، فلم يقل و (ق وحم)
لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسما به ، فلم يورده فى موضع كونه آلة القسم
تسوية بين الحروف .
﴿ البحث الثالث﴾ أقسم اللّه بالأشياء: كالتين والطور، ولم يقسم بأصولها، وهى الجواهر

١٤٧
قوله تعالى : ق والقرآن المجيد . سورة ق .
الفردة والماء والتراب. وأقسم بالحروف من غير تركيب ، لأن الأشياء عنده يركبها على أحسن
حالها، وأما الحروف إن ركبت بمعنى، يقع الحلف بمعناه لا باللفظ، كقولنا (والسماء والأرض)
وإن ركبت لا بمعنى، كان المفرد أشرف، فأقسم بمفردات الحروف.
﴿البحث الرابع ) أقسم بالحروف فى أول ثمانية وعشرين سورة ، وبالأشياء التى عددها عدد
الحروف، وهى غير ( والشمس) فى أربع عشرة سورة، لأن القسم بالأمور غير الحروف وقع
فى أوائل السور وفى أثنائها، كقوله تعالى (كلا والقمر، والليل إذا أدبر) وقوله تعالى (والليل وما
وسق) وقوله ( والليل إذا عسعس) والقسم بالحروف لم يوجد ولم يحسن إلا فى أوائل السور ،
لأن ذكر مالا يفهم معناه فى أثناء الكلام المنظوم المفهوم يخل بالفهم ، ولما كان القسم بالأشياء
له موضعان والقسم بالحروف له موضع واحد جعل القسم بالأشياء فى أوائل السور على نصف
القسم بالحروف فى أوائلها .
﴿ البحث الخامس) القسم بالحروف وقع فى النصفين جميعاً بل فى كل سبع وبالأشياء
المعدودة لم يوجد إلا فى النصف الأخير بل لم يوجد إلا فى السبع الأخير غير والصافات ، وذلك
لأنا بينا أن القسم بالحروف لم ينفك عن ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل بعده إلا نادراً فقال
تعالى (يسَ والقرآن الحكيم، حم تنزيل الكتاب، المّ ذلك الكتاب) ولما كان جميع القرآن
معجزة مؤداة بالحروف وجد ذلك عاماً فى جميع المواضع ولا كذلك القسم بالأشياء المعدودة ،
وقد ذكرنا شيئاً من ذلك فى سورة العنكبوت ، ولنذكر ما يختص بقاف قيل إنه اسم جبل محيط
بالأرض عليه أطراف السماء وهو ضعيف لوجوه: (أحدها) أن القراءة الكثيرة الوقف ، ولو
كان اسم جبل لما جاز الوقف فى الإدراج، لأن من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به (وثانيها)
أنه لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كما فى قوله تعالى (والطور) وذلك لأن حرف القسم يحذف
حيث يكون المقسم به مستحقاً لأن يقسم به، كقولنا اللهلا فعلن كذا، واستحقاق لهذا غنى عن الدلالة
عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال زيد لاً فعلن ( ثالثها) هو أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع
الألف والفاءكما يكتب (عين جارية) ويكتب (أليس الله بكاف عبده) وفى جميع المصاحف
يكتب حرف (ق)، (رابعها) هو أن الظاهر أن الأمر فيه کالأمر فی (صّ، ن، حم) وهی
حروف لإ كلمات وكذلك فى (ق) فإن قيل هو منقول عن ابن عباس ، نقول المنقول عنه أن
قاف اسم جبل ، وأما أن المراد فى هذا الموضع به ذلك فلا ، وقيل إن معناه قضى الأمر، وفى (ص)
صدق الله، وقيل هو اسم الفاعل من قفا يقفور (ص) من صاد من المصاداة، وهى المعارضة ،
معناه هذا قاف جميع الأشياء بالكشف، ومعناه حينئذ هو قوله تعالى ( ولا رطب ولا يابس إلا
فى كتاب مبين) إذا قلنا إن الكتاب هناك القرآن. هذا ماقيل فى (ق) وأما القراءة فيه فكثيرة
وحصرها ان معناها ، فنقول إن قلنا هى مبنية على ما بينا فقها الوقف إذ لا عامل فيها فيشبه

١٤٨
قوله تعالى : ق والقرآن المجيد . سورة ق .
بناء الأصوات ويجوز الكسر حذراً من التقاء الساكنين، ويجوز الفتح اختياراً للأخف، فإن قيل
كيف جاز اختيار الفتح ههنا ، ولم يجز عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر
أول أخرى كما فى قوله تعالى (لم يكن الذين كفروا) (ولا تطرد الذين)؟ نقول لأن هناك إنما وجب
التحريك وعين الكسر فى الفعل لشبهة تحرك الإعراب، لأن الفعل محل يرد عليه الرفع والنصب
ولا يوجد فيه الجر فاختيرت الكسرة التى لا يخفى على أحدأنها ليست بجر ، لأن الفعل لا يجوز
فيه الجر ولو فتح لاشتبه بالنصب، وأما فى أواخر الأسماء فلا اشتباه، لأن الأسماء محل ترد عليه
الحركات الثلاث فلم يكن يمكن الاحتراز فاختاروا الأخف ، وأما إن قلنا إنها حرف مقسم به
لحقها الجر ويجوز النصب بجعله مفعولا باقسم على وجه الاتصال، وتقدير الباء كأن لم يوجد، وإن
قلنا هى اسم السورة، فإن قلنا مقسم بها مع ذلك في نها الفتح لأنها لا تتصرف حينئذ ففتح فى موضع
الجركما تقول وإبراهيم وأحمد فى القسم بهما، وإن قلنا إنه ليس مقسما بها وقلنا اسم السورة، لحقها
الرفع إن جعلناها خبراً تقديره: هذه ق، وإن قلنا هو من قفا يقفو فقه التنوين كقولناهذا داع وراع،
وإن قلنا اسم جبل فالجروالتنوين وإن كان قسما ، ولنعد إلى التفسير فنقول الوصف قد يكون للتمييز
وهوالأكثر كقولنا الكلام القديم ليتميزعن الحادث والرجل الكريم يمتاز عن اللثيم، وقد يكون
لمجرد المدح كقولنا الله الكريم إذ ليس فى الوجود إله آخر حتى نميزه عنه بالكريم، وفى هذا الموضع
يحتمل الوجهين، والظاهر أنه لمجرد المدح، وأما التمييز فبأن تجعل القرآن اسما المقروء، ويدل عليه
قوله تعالى (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال) والمجيد العظيم، وقيل المجيد هو كثير الكرم وعلى الوجهين
القرآن مجيد، أما على قولنا (المجيد) هو العظيم، (لأن القرآن عظيم الفائدة، ولأنه ذكر الله العظيم،
وذكر العظيم عظيم ، ولأنه لم يقدر عليه أحد من الخاق، وهوآية العظمة يقال ملك عظيم إذا لم يكن
يغلب ويدل عليه قوله تعالى (ولقد آتبناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم) أى الذى لا يقدر
على مثله أحد ليكون معجزة دالة على نبوتك وقوله تعالى. (بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ)
أى محفوظ من أن يطلع عليه أحد إلا باطلاعه تعالى فلا يبدل ولا يغير و (لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه) فهو غير مقدور عليه فهو عظيم، وأما على قولنا (المجيد) هو كثير الكرم
فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوده وجده ، وإنه مغن كل من لاذ به، وإغناء المحتاج غاية الكرم
ويدل عليه هو أن المجيد مقرون بالحميد فى قوانا إنك حميد مجيد، فالحميد هو المشكور والشكر على
الإنعام والمنعم كريم فالمجيد هو الكريم البالغ فى الكرم، وفيه مباحث :
(الأول) القرآن مقسم به فالمقسم عليه ماذا؟ نقول فيه وجوه وضبطها بأن نقول ، ذلك إما
أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مقالية، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة ،
فإن قلنا بأنه مفهوم من قرينة مقالية متقدمة فلا متقدم هناك لفظاً إلا (ق) فيكون التقدير؛ هذا
(ق والقرآن المجيد) أو (ق) أنزلها الله تعالى ( والقرآن) كما يقول هذا حاتم والله أى هو المشهور

١٤٩
قوله تعالى : بل عجبو أن جاءهم منذر . سورة ق .
٤,٠٠٤٠٠١٠
بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءَهُ مُنْذِرٌ
بالسخاء ويقول الهلال رأيته والله، وإن قلنا بأنه مفهوم من قرينة مقالية متأخرة، فنقول ذلك
أمران: (أحدهما) المنذر و (الثانى) الرجع، فيكون التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو:
والقرآن المجيد إن الرجع لكان، لأن الأمرين ورد القسم عليهما ظاهراً، أما (الأول) فيدل عليه
قوله تعالى ( يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين) إلى أن قال ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤم).
وأما (الثانى) فدل عليه قوله تعالى (والطور وكتاب مسطور) إلى أن قال (إن عذاب ربك لواقع)
وهذا الوجه يظهر عليه غاية الظهور على قول من قال (ق) اسم جبل فإن القسم يكون بالجيل
والقرآن، وهناك القسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن، فإن قيل أى الوجهين
منهما أظهر عندك؟ قلت (الأول) لأن المنذر أقرب من الرجع، ولأن الحروف رأيناها مع القرآن
والمقسم كونه مرسلا ومنذراً، وما رأينا الحروف ذكرت ويعدها الحشر، واعتبر ذلك فى سورمنها
قوله تعالى (الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أم يقولون انتراه بل هو الحق من
ربك لتنذر ) ولأن القرآن معجزة دالة على كون محمد رسول اللّه، فالقسم به عليه يكون إشارة إلى
الدليل على طريقة القسم ، وليس هو بنفسه دليلا على الحشر ، بل فيه امارات مفيدة للجزم بالحشر
بعد معرفة صدق الرسول، وأما إن قلنا هو مفهوم بقرينه حالية، فهو كون حمد مصر المع على الحق
ولكلامه صفة الصدق، فان الكفار كانوا ينكرون ذلك والمختار ما ذكر ناه (الثانى) (بل حجبوا)
يقتضى أن يكون هناك أمر مضرب عنه فما ذلك؟ نقول قال الواحدى ووافقه الزمخشرى إنه تقدر
قوله ما الأمركما يقولون ونزيده وضوحاً، فنقول على ما اخترناه: فإن التقدير والله أعلم (ق والقرآن
والقرآن المجيد ) إنك لتنذر ، فكانه قال بعده وإنهم شكوا فيه فأضرب عنه.
وقال ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر﴾ .
يعنى لم يقتنعوا بالشك فى صدق الأمر وطرحه بالترك وبعد الإمكان ، بل جزموا بخلافهحتى
جعلوا ذلك من الأمور العجيبة ، فان قيل فما الحكمة فى هذا الاختصار العظيم فى موضع واحد
حذف المقسم عليه والمضرب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر
إلا بالتوفيق العزيز؟ فنقول إنما حذف المقسم عليه لأن الترك فى بعض المواضع يفهم منه ظهور
لا يفهم من الذكر ، وذلك لأن من ذكر الملك العظيم فى مجلس وأثنى عليه يكون قد عظمه ،
فإذا قال له غيره هو لا يذكر فى هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالا على عظمته فوق
ما يستفيد صاحبه بذكره فالله تعالى يقول لبيان رسالتك أظهر من أن يذكر ، وأما حذف
المضرب عنه، فلأن المضرب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمر آخر إنما يحسن إذا كان بين
المذكورين تفاوت ما، ، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال

١٥٠
قوله تعالى : فقال الكافرون هذا شيء عجيب . سورة ق .
مِنْهُمْ فَقَالَ أَلْكِِّرُونَ هَذَا شَىْءٍ عِبُ
٢
الوزير يعظم فلاناً بل الملك يعظمه، ولا يحسن أن يقال البواب يعظم فلاناً يل الملك يعظمه لكون
البون بينهما بعيداً، إذ الإضراب للتدرج، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه صريحاً وأتى بحرف
الإضراب استفيد منه أمران (أحدهما) أنه يشير إلى أمر آخر قبله ( وثانيهما) أنه يجعل الثانى
تفاوتاً عظيما مثل ما يكون ومما لا يذكر ، وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البرهان بعيد. لكن
القطع بخلافه فى غاية ما يكون من البعد .
﴿ المبحث الثالث) أن مع الفعل يكون بمثابة ذكر المصدر، تقول أمرت بأن أقوم وأمرت
بالقيام، وتقول ما كان جوابه إلا أن قال وما كان جوابه إلاقوله كذا وكذا، وإذا كان كذلك فلم
ينزل عن الإتيان بالمصدر حيث جازأن يقال أمرت أن أقوم من غبر حرف الإلصاق ، ولا يجوز
أن يقال أمرت القيام بل لابد من الباء، ولذلك قالوا أى عجبوا من مجيئه، نقول (أن جاءهم) وإن كان
فى المعنى قائماً مقام المصدر لكنه فى الصورة فعل وحرف، وحروف التعدية كلها حروف جارة
والجار لا يدخل على الفعل ، فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقل من أن يجوز عدم الدخول ، لجاز
أن يقال (عجبوا أن جاءهم ) ولا يجوز مجبوا مجيتهم لعدم المانع من إدخال الحروف عليه.
قوله تعالى: ﴿منهم ) يصلح أن يكون مذكوراً كالمقرر لتعجبهم، ويصلح أن يكون مذكوراً
لإبطال تعجبهم، أما التقرير فلأنهم كانوا يقولون ( إبشراً منا واحداً نتبعه، وقالوا ما أنتم إلا بشر
مثلنا) إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصكم بهذه المنزلة الرفيعة مع اشترا كنا فى الحقيقة واللوازم
وأما الإبطال فلأنه إذا كان واحداًمنهم ويرى بين أظهرهم، وظهر عليه ما عجز عنه كلهم، ومن بعدهم
كان يجب عليهم أن يقولوا هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جفسنا، فهو من عند الله بجلاف
ما لو جاءهم واحد من خلاف جنسهم وأتى بما يعجزون عنه ، فإنهم كانوا يقولون نحن لا نقدرلأن
١-كل نوع خاصية ، فإن خاصية النعامة بلع النار ، والطيور الطير فى الهواء، وابن آدم لا يقدر عليه
فإن قيل الإبطال جائز لأن قولهم كان باطلا، ولكن تقرير الباطل كيف يجرز، نقول المبين لبطلان
الكلام يجب أن يورده على أبلغ ما يمكن ويذكر فيه كل ما يتوهم أنه دليل عليه ثم يبطله، فلذلك
قال مجتم بسبب أنه منكم، وهو فى الحقيقة سبب لهذا التعجب، فإن قيل التى مَّ التي كان بشيراً ونذيراً
والله تعالى فى جميع المواضع قدم كونه بشيراً على كونه نذيراً، فلم لم يذكر: عجبوا أن جاءهم بشير منهم؟
تقول هو لما لم يتعين للبشارة موضعاً كان فى حقهم منذراً لا غير .
قوله تعالى : ﴿ فقال الكافرون هذا شى. مجيب﴾ .
قال الزمخشرى هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذى أشار إليه بقوله (أنذا متنا
وكنا تراباً ، ذلك رجع بعيد) فعجبوا من كونه منذراً من وقوع الحشر، ويدل عليه النظر فى أول

١٥١
قوله تعالى : أئذا متنا وكنا تراباً . سورة ق .
أَِذَا مِثْنَا وَكَّ ◌ُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
سورة ص حيث قال فيه ( وعجبوا أن جاءهم منذر) وقال ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا الشىء
حجاب) ذكر تعجبهم من أمرين والظاهر أن قولهم (هذا شىء عجيب) إشارة إلى مجىء المنذر لا إلى
الحشر ويدل عليه وجوه ( الأول ) هو أن هناك ذكر (إن هذا لشيء عجاب ) بعد الاستفهام
الإنكارى فقال (أجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشيء عجاب) وقال ههنا (هذا شىء عجيب )
ولم يكن ما يقع الإشارة إليه إلا مجى. المنذر .
ثم قالوا ( أتذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد) (الثانى) ههنا وجد بعد الاستيعاد بالاستفهام
أمر ؤدى معنى التعجب وهو قولهم (ذلك رجع بعيد) فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلوكان التعجب
أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار ، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من جعل قولك (هذا شىء عجيب)
عائداً إلى مجىء المنذر، فإن تعجبهم منه علم من قوله (عجبوا أن جاءهم) فقوله ( هذا شىء عجيب)
يكون تكراراً، نقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير، وذلك لأنه لما قال ( بل عجبوا) بصيغة
الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان ما لا يكون عجيباً كما قال تعالى ( أتعجبين من أمر الله) ويقال
فى العرف لا وجه لتعجبك ما ليس بعجب فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لفعلكم ومجبكم فقالوا
(هذا شىء عجيب) فكيف لانعجب منه، ويدل عليه أنه تعالى قال ههنا (فقال الكافرون) بحرف
الفاء، وقال فى ص (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) لأن قولهم ( ساحر كذاب ) كان تعنتاً
غير مرتب على ماتقدم ، و(هذا شىء عجيب) أمرمرتب على ما تقدم أى عجبوا وأنكروا عليه ذلك،
فقالوا ( هذا شىء مجيب) فكيف لانعجب منه، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( ذلك رجع بعيد)
بلفظ الإشارة إلى البعد، وقوله هذا إشارة إلى الحاضر القريب، فينبغى أن يكون المشار إليه بذلك
غير المشار إليه بهذا، وذلك لا يصح إلا على قولنا .
قوله تعالى : ﴿ أثذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد ﴾ .
فإنهم لما أظهروا العجب من رسالته أظهروا استبعاد كلامه، وهذا كماقال تعالى عنهم (قالوا
ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم)، (وقالوا ماهذ إلا إنك مفترى) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (أتذا متنا وكنا تراباً) إنكار منهم بقول أو بمفهوم دل عليه قوله
تعالى (جاءهم منذر) لأن الإنذار لما لم يكن إلا بالعذاب المقيم والعقاب الأليم، كان فيه الإشارة
للحشر ، فقالوا ( أئذا متنا وكنا تراباً).
﴿ المسألة الثانية) ذلك إشارة إلى ماقاله وهو الإنذار، وقوله (هذا شىء يجيب) إشارة إلى المجى.
على ما فلنا، فلما اختلفت الصفتان نقول المجىء والجائى كل واحد حاضر. وأما الإنذار وإن كان
حاضراً لكن لكون المنذر به لما كان غير حاضر قالوا فيه ذلك ، والرجع مصدر رجع يرجع إذا

١٥٢
قوله تعالى : قد علمنا ما تنقص . سورة ق .
قَدْ عَلِمْنَا مَاتَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَاْ كِتَبُّ حَفِظٌ ﴿ بَلْ كَذَّبُواْبِالْحَقِّ
كان متعدياً، والرجوع مصدره إذا كان لازماً، وكذلك الرجعى مصدر عند لزومه، والرجع
أيضاً يصح مصدراً للازم، فيحتمل أن يكون المراد بقوله ( ذلك رجع بعيد) أى رجوع بعيد،
ويحتمل أن يكون المراد الرجع المتعدى ، ويدل على الأول قوله تعالى (أن إلى ربك الرجعى)
وعلى الثانى قوله تعالى (أننا لمردودون) أى مرجعون فإنه من الرجع المتعدى، فإن غانا هو من
المتعدى ، فقد أنكروا كونه مقدوراً فى نفسه .
قوله تعالى : ﴿ قد علمنا ماتنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ﴾
إشارة إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه، وذلك لأن الله تعالى بجميع أجزاء كل
واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على الجمع والتأليف، فليس الرجوع
منه ببعد ، وهذا كقوله تعالى ( وهو الخلاق العليم) حيث جعل العلم مدخلا فى الإعادة، وقوله
(قد علاماتنقص الأرض) يعنى لا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشقنها فى تخوم الأرضين، وهذا
جواب لما كانوا يقولون ( أنذا ضللا فى الأرض) يعنى أن ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم
أجزاءهم يعلم أعمالهم من ظلهم، وتعديهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون، ويحتمل أن يقال
معنى قوله تعالى (وعندنا كتاب حفيظ) هو أنه عالم بتفاصيل الأشياء، وذلك لأن العلم إجمالى
وتفصيلى، فالإجمالى كما يكون عند الإنسان الذى يحفظ كتاباً ويفهمه، ويعلم أنه إذا مثل عن أية
مسألة تكون فى الكتاب يحضر عنده الجواب، ولكن ذلك لا يكون نصب عينيه حرفاً بحرف،
ولا يخطر بباله فى حالة باباً باباً، أو فصلا فصلا، ولكن عند العرض على الذهن لا يحتاج إلى
تجديد فكر وتحديد نظر، والتفصيلى مثل الذى يعبر عن الأشياء، والكتاب الذى كتب فيه
تلك المسائل ، وهذا لا يوجد عند الإنسان إلا فى مسألة ومسألتين. أما بالنسبة إلى كتاب فلا
يقال (وعندنا كتاب حفيظ) يعنى العلم عندى كما يكون فى الكتاب أعلم جزءاً جزءاً وشيئاً شيئاً،
والحفيظ يحتمل أن يكون بمعنى المحفوظ ، أى محفوظ من التغيير والتبديل ، ويحتمل أن يكون
بمعنى الحافظ ، أى حافظ أجزاءهم وأعمالهم بحيث لا ينسى شيئاً منها، والثانى هو الأصح لوجهين
(أحدهما) أن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد فى القرآن، قال تعالى (وما أنت عليهم بخفيظ) وقال
تعالى (والله حفيظ عليم) ولأن الكتاب على ما ذكرنا للتمثيل فهو يحفظ الأشياء، وهو مستغن
عن أن يحفظ ..
قوله تعالى : ﴿ بل كذبوا بالحق
رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه، نقول فيه وجهان (أحدهما) تقديره لم يكذب المنذر،
بل كذبواهم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم (قالوا هذا شىء مجيب) كان فى معنى قولهم:

١٥٣
قوله تعالى : بل كذبوا بالحق . سورة ق .
إن المنذر كاذب ، فقال تعالى: لم يكذب المنذر، بل هم كذبوا، فإن قيل: ما الحق ؟ نقول يحتمل
وجوهاً (الأول) البرهان القائم على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (الثانى) الفرقان المنزل
وهو قريب من الأول، لأنه برهان (الثالث ) النبوة الثابتة بالمعجزة القاهرة فإنها حق (الرابع)
الحشر الذى لا بد من وقوعه فهو حق ، فإن قيل بين لنا معنى الباء فى قوله تعالى ( بالحق ) وأية
حاجة إليها ، يعنى أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هى للتعدية إلى مفعول ثان أو هى زائدة ، كما فى
قوله تعالى (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون) ؟ نقول فيه بحث وتحقيق، وهى فى هذا الموضع
لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة قارة توجد
فى القائل ، وأخرى فىالقول، تقول: كذمنیفلان و كنتصادقاً، وتقول: کذب فلان قول فلان ،
ويقال كذبه ، أى جعله كاذباً ، وتقول: قلت لفلان زید یجی. غداً، فتأخرعمداً حتى كذبنى و كذب
قولى، والتكذيب فى القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى ( كذبت ثمود المرسلين) وقال
تعالى (كذبت نمود بالنذر) وفى اقول كذلك غير أن الاستعمال فى القائل بدون الباء أكثر، قال
تعالى (فكذبوه) وقال ( وإن يكذبوك فقد كذبوك رسل من قبلك) إلى غير ذلك، وفى القول
الاستعمال بالياء أكثر، قال الله تعالى (فكذبوا بآياتناكلها) وقال (بل كذبوا بالحق) وقال تعالى
( وكذب بالصدق إذ جاءه ) والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر، لأنه هو الذى
يصدر من الفاعل، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب، غير أن له محلا يقع فيه فيسمى
مضروباً، ثم إذا كان ظاهراً لكونه محلا للفعل يستغنى بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف،
يقال ضربت عمراً، وشربت خمراً، للعلم بأن الضرب لابد له من محل يقوم به ، والشرب لا يستغنى
عن مشروب يتحقق فيه، وإذا قلت مررت يحتاج إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره
فى نفسه، لأن من قال: مر السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به، ثم إن الفعل قد
يكون فى الظهور دون الضرب والشرب ، وفى الخفاء دون المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون
الحرف لظهوره الذى فوق ظهور المرور، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا
لا يجوز أن تقول: ضربت بعمرو، إلا إذا جعلته آلة الضرب. أما إذا ضربته بسوط أو غيره ،
فلا يجوز فيه زيادة الباء، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك، وتقول مسحته ومسحت به .
وشكرته وشكرت له، لأن المسح إمرار اليد بالشىء فصار كالمرور، والشكر فعل جميل غير أنه
يقع بمحسن ، فالأصل فى الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعاً بغيره كالبيع بخلاف الضرب ،
فإنه امساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل فى مفهوم الضرب أولا ، والمشكور
داخل فى مفهوم الشكر ثانياً، إذا عرفت هذا فالتكذيب فى القائل ظاهر لأنه هو الذى يصدق
أو يكذب ، وفى القول غير ظاهر فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية ،

١٥٤
قوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء . سورة قّ .
لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىَ أَمْرٍ فَِّيجِ ◌ّ أَفَلَمْ يَنْظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ ◌ّيْفٌ
بَيْنَهَا وَزَيْتَّتِهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوچٍ.
وقوله ﴿لما جاءهم ﴾ فى الجائى وجهان: (أحدهما) أنه هو المكذب تقديره: كذبوا بالحق
لما جاءهم الحق، أى لم يؤخروه إلى الفكر والتدبر ( ثانيهما) الجائى ههنا هو الجائى فى قوله تعالى
( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) تقديره: كذبوا بالحق لما جاءهم المنذر، والأول لا يصح على
قولنا الحق وهو الرجع، لأنهم لا يكذبون به وقت المجىء بل يقولون (هذا ماوعد الرحمن).
وقوله ﴿فهم فى أمر مريح﴾ أى مختلف مختلط قال الزجاج وغيره: لأنهم تارة يقولون ساجر
وأخرى شاعر، وطوراً يفسبونه إلى الكهانة، وأخرى إلى الجنون، والأصح أن يقال: هذا بيان
الاختلاف المذكور فى الآيات، وذلك لأن قوله تعالى (بل عجبوا) يدل على أمر سابق أضرب
عنه، وتر ذكرنا أنه الشك وتقديره: والقرآن المجيد، إنك لمنذر، وإنهم شكوا فيك، بل عجبوا،
بل كذبوا. وهذه مراتب ثلاث (الأولى) الشك وفوقها التعجب ، لأن الشاك يكون الأمران
عنده سبين ، والمتعجب يترجح عنده اعتقاد عدم وقوع العجيب لكنه لا يقطع به والمكذب الذى
يجزم بخلاف ذلك ، فكانهم كانوا شاكين وصاروا ظانين وصاروا جازمين فقال (فهم فى أمر
مريج) ويدل عليه الفاء فى قوله (فهم) لأنه حينئذ يصير كونهم ( فى أمر مريح) مرتباً على ما تقدم
وفيما ذكروه لا يكون مرتباً. فإن قيل: المريح، المختلط، وهذه أمور مرتبة متميزة على مقتضى
العقل ، لأن الشاك ينتهى إلى درجة الظن، والظان ينتهى إلى درجة القطع، وعند القطع لا يبقى
الظن، وعند الظن ثلا يبقى الشك، وأما ماذكروه فقيه يحصل الاختلاط لأنهم لم يكن لهم فى ذلك
ترتيب، بل تارة كانوا يقولون كاهن وأخرى مجنون ، ثم كانوا يعودون إلى نسبته إلى الكهانة بعد
نسبته إلى الجنون وكذا إلى الشعر بعد السحر وإلى السحر بعد الشعر فهذا هو المريج. نقول كان
الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بين
أظهرهم، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرة على يديه ولسانه ، فلما غيروا
الترتيب حصل عليه المرج ووقع الديك مع المرج، وأما ما ذكروه فاللائق به تفسير قول تعالى
(إنسكم افي قول مختلف) لأن ما كان يصدر منهم فى حقه كان قولا مختلفاً، وأما الشك والظن
والجزم فأمور مختلفة، وفيه لطيفة وهى أن إطلاق لفظ المريج على ظنهم وقطعهم يفى، عن عدم
كون ذلك الجزم صحيحاً لأن الجزم الصحيح لا يتغير، وكان ذلك منهم واجب التغير فكان أمرم
مضطرباً ، بخلاف المؤمن الموفق فإنه لا يقع فى اعتقاده تردد ولا يوجد معتقده تعدد.
قوله تعالى: ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج﴾.

١٥٥
قوله تعالى : كيف بنيناها وزيناها . سورة ق .
إشارة إلى الدليل الذى يدفع قولهم ( ذلك رجع بعيد) وهذا كما فى قوله تعالى ( أوليس الذى
خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) وقوله تعالى (لخلق السموات والأرض أكبر
من خلق الناس) وقوله تعالى (أولم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعنى بخلقهن بقادر
على أن يحی الموتى بلى) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه، وتارة تدخل عليه
وبعدها واو ، فهل بين الحالتين فرق ؟ نقول فرق أدق مما على الفرق ، وهو أن يقول القائل : أزيد فى
الدار بعد. وقد طلعت الشمس ؟ يذكره للإنكار ، فإذا قال: أو زيداً فى الدار بعد، وقد طلعت
الشمس؟ يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، كأنه يقول بعد ماسمع
ممن صدر عن زيد هو فى الدار ، أغفل وهو فى الدار بعد، لأن الواو تنى. عن ضيف أمر مغاير لما
بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومى. بالواو إليه زيادة فى الإنكار ، فإن قيل قال فى موضع
(أو لم ينظروا) وقال ههنا (أفلم ينظروا) بالفاء فما الفرق؟ نقول ههنا سبق منهم إنكار الرجع فقال
بحرف التعقيب بمخالفه ، فإن قيل ففى يس سبق ذلك بقوله قال (من يحيي العظام ) نقول هناك
الاستدلال بالسموات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر ، وهو قوله تعالى
(قل يحييها الذى أنشأها أول مرة) ثم ذكر الدليل الآخر، وههنا الدليل كان عقيب الإنكار
فذكر بالفاء، وأما قوله ههنا بلفط النظر، وفى الاحقاف بلفظ الرؤية ، ففيه لطيفة وهى أنهم ههنا
لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم ( ذلك رجع بعيد) استبعد استبعادهم، وقال (أفلم ينظروا إلى
السماء) لأن النظر دون الرؤية فكان النظر كان فى حصول العلم بنإكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية
ليقع الاستبعاد فى مقابلة الاستعباد ، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية
التى هى أثم من النظر، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله (إلى السماء) ولم يقل فى السماء لأن النظر
فى الشىء ينى. عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشىء يفيء عنه، لأن إلى للغاية فينتهى النظر عنده
فى الدخول فى معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغى أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله
تعالى (فوقهم) تأكيد آخرأى وهو ظاهر فوق رءوسهم غير غائب عنهم، وقوله تعالى (كيف بذيناها
وزيناها ومالها من فروج) إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهى للرجع، أما وجه الدلالة
فإن الإنسان له أساس هى العظام التى هى كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع
من أساس البدن ، وزينة السماء أكمل مززينة الإنسان بلحم وشحم. وأما الأولوية فإن السماء مالها
من فروج فتأليفها أشد، وللانسان فروج ومسام، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق
والتأليف الأضعف كالنسج الا سخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون
الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من اللّه تعالى؟ قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل
الخرق، وكذلك قالوا فى قوله ( هل ترى من فطور) وقوله ( سبعاً شداداً) وتعسفوا فيه لأن

١٥٦
قوله تعالى : والأرض مددناها . سورة ق .
وَآلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْعِ بَيچ
٧
تَبْصِرَةُ وَذِ كَ لِكُلِ عَبْدِمُنِبٍ
٨
قوله تعالى ( مالها من فروج) صريح فى عدم ذلك، والإخبار عن عدم الشىء لا يكون إخباراً عن
عدم إمكانه فإن من قال: ما لفلان قال؟ لا يدل على نفى إمكانه ، ثم إنه تعالى بين خلاف قولهم
بقوله ( وإذا السماء فرجت ) وقال (إذا السماء أنفطرت) وقال (فهى يومئذ واهية) فى مقابلة قوله
(سيعاً شداداً) وقال (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) إلى غير ذلك والكل فى الرد
عليهم صريح وما ذكروه فى الدلالة ليس بظاهر ، بل وليس له دلالة خفية أيضاً ، وأما دليلهم
المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول.
قوله تعالى: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج
إشارة إلى دليل آخر ووجه دلالة الأرض هو أنهم قالوا: الإنسان إذا مات وفارقته القوة
الغاذية والنامية لا تعود إليه تلك القوة، فنقول الأرض أشد جموداً وأكثر خموداً والله تعالى
يثبت فيها أنواع النبات وينموا ويزيد، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر فى الأرض ثلاثة
أمور كما ذكر فى السماء ثلاثة أمور فى الأرض المد وإلقاء الرواسى والإنبات فيها ، وفى السماء
البناء والتزبين وسد الفروج، وكل واحد فى مقابلة واحد فالمدفى مقابلة البناء، لأن المدوضع والبناء
رفع، والرواسى فى الأرض ثابتة والكواكب فى السماء مركوزة مزينة لها والإنبات فى الأرض
شقها كما قال تعالى (أنا صيبنا الماء صباً، ثم شققنا الأرض شقاً) وهو على خلاف سد الفروج
وإعدامها، وإذا علمت هذاففى الإنسان أشياء موضوعة وأشياءمر فوعة وأشياء ثابتة كالأنف والأ ذن
وأشياء متحركة كالمقلة واللسان، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس والأغشية المنسوجة نسباً
ضعيفاً كالصفاق، وأشياء لها فروج وشقوق كالمناخر والصماخ والفم وغيرها، فالقادر على الأضداد
فى هذا المهاد ، فى السبع الشداد ، غير عاجز عن خلق نظيرها فى هذه الأجساد. [و] تفسير الرواسى
قد ذكرناه فى سورة لقمان ، والبهيج الحسن .
قوله تعالى : ﴿ تبصرة وذکری لکل عبد منيب
يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى الأمرين المذكورين وهما السماء والأرض، على أن
خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ، ويدل عليه أن السماء زيفتها مستمرة غير مستجددة فى
كل عام فهى كالشىء المرئى على مرور الزمان، وأما الأرض فهى كل سنة تأخذ زخرفها فذكر السماء
تبصرة والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً فى كل واحد من
الأمرين، فالسماء تبصرة والأرض كذلك ، والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آبات

١٥٧
قوله تعالى : ونزلنا من السماء ماء مباركاً . سورة ق .
وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ مُّبَرَكًا فَأَنْبَقْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ الْخَصِيدِ ي وَالنَّخْلَ
بَاسِقَتِ لَّمَا طَلْعٌ نَّضِيِدٌ ﴾ رِزْقًّا لِلْعِبَادِ
مستمرة منصوبة فى مقابلة البصار وآيات متجددة مذكرة عند التناسى ، وقوله ( لكل عبد منيب )
أى راجع إلى التفكر والتذكر والنظر فى الدلائل.
قوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات﴾.
إشارة إلى دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض، فيكون الاستدلال بالسماء والأرض
وما بينهما، وذلك إنزال [الماء من] السماء من فوق، وإخراج النبات من تحت وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا الاستدلال قد تقدم بقوله تعالى (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج)
فما الفائدة فى إعادته بقوله (فأنبتنا به جنات وحب الحصيد)؟ نقول قوله (فأنبتنا) استدلال بنفس
النبات أى الأشجار تنمو وتزيد ، فكذلك بدن الإنسان بعد الموت ينمو ويزيد بأن يرجع الله
تعالى إليه قوة النشوء والنماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء (وحب الحصيد) فيه حذف
تقديره وحب الزرع الحصيد وهو المحصود أى أنشأنا جنات يقطف ثمارها وأصولها باقية وزرعا
يحصد كل سنة ويزرع فى كل عام أو عامين ، ويحتمل أن يقال التقدير وننبت الحب الحصيد
والأول هو المختار، وقوله تعالى (والنخل باسقات ) إشارة إلى المختلط من جنسين، لأن الجنات
تقطف ثمارها وتثمر من غير زراعة فى كل سنة ، لكن النخل يؤبر ولولا التأبير لم يثمر ، فهو
جنس مختلط من الزرع والشجر ، فكأنه تعالى خلق ما يقطف كل سنة ويزرع وخلق مالا يزرع
كل سنة ويقطف مع بقاء أصلها وخلق المركب من جنسين فى الأثمار، لأن بعض الثمار فاكهة
ولا قوت فيه، وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت، والباسقات الطوال من النخيل .
وقوله تعالى ( باسقات ) يؤكد كمال القدرة والاختيار، وذلك من حيث إن الزرع إن قيل فيه
إنه يمكن أن يقطف منه ثمرته لضعفه وضعف حجمه، فكذلك يحتاج إلى إعادته كل سنة والجنات
لكبرها وقوتها تبقى وتثمر سنة بعد سنة ، فيقال أليس النخل الباسقات أكثر، وأقوى من
الكرم الضعيف، والنخل محتاجة كل سنة إلى عمل عامل والكرم غير محتاج، فالله تعالى هو الذى
قدر ذلك لذلك لا الكبر والصغر والطول والقصر.
قوله تعالى : ﴿ لها طلع نضيد ﴾ أى منضود بعضها فوق بعض فى أكمامهاكما فى سنبله الزرع وهو
عجيب، فان الأشجار الطوال أثمارها بارزها متميز بعضها من بعض لكل واحد منها أصل يخرج منه
كالجوز واللوز وغيرهما والطلع كالسنبلة الواحدة يكون على أصل واحد :
قوله تعالى: ﴿رزقا للعباد) وفيه وجهان أحدهما نصب على المصدر لأن الإنبات رزق

١٥٨
قوله تعالى : وأحيينا به بلدة ميتاً . سورة ق .
/٥/٠٤
وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا
فكأنه تعالى قال: أنبتناها إنباتا للعباد، والثانى نصب على كونه مفعولا له كأنه قال : أنبتناها الرزق
العباد ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال فى خلق السماء والأرض (تبصرة وذكرى) وفى الثمار قال ( رزقاً)
والثمار أيضاً فيها تبصرة، وفى السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة، فما الحكمة فى
فى اختيار الأمرين؟ نقول فيه وجوه (أحدها) أن نقول الاستدلال وقع لوجود أمرين أحدهما
الإعادة والثانى البقاء بعد الإعادة فان النبى صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده
الثواب الدائم والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فأما الأول فالله القادر على خلق السموات
والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما الثانى فلأن البقاء فى الدنيا بالرزق والقادر على
إخراج الأرزاق من النجم والشجر ، قادر على أن يرزق العبد فى الجنة ويبقى، فكان الأول تبصرة
وتذكرة بالخلق، والثانى تذكرة بالبقاء بالرزق، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله (تبصرة وذكرى)
حيث ذكر ذلك بعد الآيتين، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنباته النبات (ثانيها) أن منقمة الثمار
الظاهرة هى الرزق فذكرها ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمراً عائداً إلى انتفاع العباد لبعدها عن
ذهبهم، حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا، ولو توهموا عدم السماء فوقهم
لقالوا لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى، لأن السماء سبب الأرزاق بتقدير الله،
وفيها غير ذلك من المنافع، والثمار وإن لم تكن [ما] كان العيش، كما أنزل الله على قوم المز والسلوى
وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس فى هذا الموضع (ثالثها) قوله (رزقاً) إشارة إلى
كونه منعماً لكون تكذيبهم فى غاية القبح فإنه يكون إشارة [للتكذيب] بالمنعم وهوأقبح مايكون.
المسألة الثانية﴾ قال ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) فقيد العبد بكونه منياً وجعل
خلقها ( تبصرة) لعباده المخلصين وقال (رزقاً للعباد) مطلقاً لأن الرزق حصل لكل أحد ، غير أن
المنيب يأكل ذا كراً شاكراً للانعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص الرزق بقيد .
المسألة الثالثة﴾ ذكر فى هذه الآية أمور ثلاثة أيضاً وهى إنبات الجنات والحب والنخل
كما ذكر فى السماء والأرض فى كل واحدة أموراً ثلاثة، وقد ثبت أن الأمور الثلاثة فى الآيتين
المتقدمين متناسبة ، فهل هى كذلك فى هذه الآية ؟ نقول قد بينا أن الأمور الثلاثة إشارة إلى
الأجناس الثلاثة، وهى التى يبقى أصلها سنين، ولا تحتاج إلى عمل عامل والتى لا ينقى أصلها وتحتاج
كل سنة إلى عمل عامل، والتى يجتمع فيها الأمران وليس شىء من الثمار والزروع مخارجاً عنها أصلا
كما أن أمور الأرض منحصرة فى ثلاثة: ابتداء وهو المد، ووسط وهو النبات بالجبال الراسية، وثالثها
هو غاية الكمال وهو الإنبات والتزيين بالزخارف .
قوله تعالى: ﴿وأحيينا به بلدة ميتاً﴾ عطفاً على (أنبتنا به ) وفيه بحثان :

١٥٩
قوله تعالى : كذلك الخروج . سورة ق .
دوو و
كَذَلكَ الْخُرُوج
﴿الأول) إن قلنا إن الاستدلال بإنبات الزرع وإنزال الماء كان لإمكان البقاء بالرزق فقوله
(وأحيينا به) إشارة إلى أنه دليل على الإعادة كما أنه دليل على البقاء ، ويدل عليه قوله تعالى (كذلك
الخروج) فإن قيل كيف يصح قولك استدلالا ، وإنزال الماء كان لبيان البقاء مع أنه تعالى قال
بعد ذلك ( وأحيينا به بلدة ميتاً).
وقال ﴿ كذلك الخروج﴾ فيكون الاستدلال على البقاء قبل الاستدلال على الإحياء
والإحياء سابق على الإبقاء، فينبغى أن يبين أولا أنه يحيي الموتى، ثم يبين أنه يبقيهم ، نقول لما كان
الاستدلال بالسموات والأرض على الإعادة كافياً بعد ذكر دليل الإحياء ذكر دليل الإبقاء، ثم
عاد واستدرك فقال هذا الدليل الدال على الابقاء دال على الاحياء، وهو غير محتاج إليه لسبق
دليلين قاطعين فبدأ ببيان البقاء وقال ( وأنبتنا به جنات ) ثم ثى بإعادة ذكر الاحياء فقال (وأحيينا
به) وإن قلنا إن الاستدلال بإنزال الماء وإنبات الزرع لا لبيان إمكان الحشر فقوله (وأحيينا به)
ينبغى أن يكون مغايراً لقوله ( فأنبتنا به) بخلاف ما لو قلنا بالقول الأول لأن الإحياء، وإن كان
غير الإنبات لكن الاستدلال لما كان به على أمرين متغايرين جاز العطف ، تقول خرج للتجارة
وخرج للزارة، ولا يجوز أن يقال خرج للتجارة وذهب للتجارة إلا إذا كان الذهاب غير الخروج
فنقول الإحياء غير إنبات الرزق لأن يايزال الماء من السماء يخضر وجه الأرض ويخرج منها
أنواع من الأزهار ولا يتغذى به ولا يقتات ، وإنما يكون به زينة وجه الأرض وهو أعم من
الزرع والشجر لأنه يوجد فى كل مكان والزرع والثمر لا يوجدان فى كل مكان ، فكذلك هذا
الاحياء، فإن قيل فكان ينبغى أن يقدم فى الذكر لأن اخضرار وجه الأرض يكون قبل حصول
الزرع والثمر، ولأنه يوجد فى كل مكان بخلاف الزرع والثمر، نقول لما كان إنبات الزرع والثمر
أكمل نعمة قدمه فى الذكر .
﴿ الثانى) فى قوله (بلدة ميتاً) نقول جاز إثبات التاء فى الميت وحذفها عند وصف المؤنث
بها، لان الميت تخفيف للميت، والميت فيعل بمعنى فاعل فيجوز فيه إثبات التاء لان التسوية فى
التفعيل بمعنى المفعول كقوله (إن رحمة الله قريب من المحسنين) فإن قيل لم سوى بين المذكر والمؤنث
فى الفعيل بمعنى المفعول؟ قلنا لأن الحاجة إلى التمييز بين الفاعل والمفعول أشد من الحاجة إلى التمييز
المفعول المذكر والمفعول المؤنث نظراً إلى المعنى ونظراً إلى اللفظ، فأما المعنى فظاهر، وأما اللفظ
فلأن المخالفة بين الفاعل والمفعول فى الوزن والحرف أشد من المخالفة بين المفعول والمفعول له ،
إذا علم هذا فنقول فى الفعيل لم يتميز الفاعل بحرف فإن فعيلا جاء بمعنى الفاعل كالنصير والبصير
وبمعنى المفعول كالكسير والأسير، ولا يتميز بحرف عند المخالفة إلا الأقوى فلا يتميز عند المخالفة

١٦٠
قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح . سورة ق .
/١٠٠/١
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ آلْسِ وَتَمُودُ
وعَدَ وَفِرْعَوْنَ وَإِخْوْنُ
لُوطِ ﴾ وَأَصْحَبُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ نُبَّحِ
الأدنى، والتحقيق فيه أن فعيلا وضع لمعنى لفظى، والمفعول وضع لمعنى حقيقى فكان القائل قال
استعملوا لفظ المفعول للمعنى الفلانى ، واستعملوا لفظ الفعيل مكان لفظ المفعول فصار فعيل
كالموضوع للمفعول ، والمفعول كالموضوع للمعنى، ولما كان تغير اللفظ تابعاً لتغير المعنى تغير
المفعول لكونه بإزاء المعنى، ولم يتغير الفعيل لكونه بإزاء اللفظ فى أول الأمر، فان قيل فما الفرق
بين هذا الموضع وبين قوله ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناما) حيث أثبت التاء هناك ؟ نقول
الأرض أراد بها الوصف فقال (الأرض الميتة) لأن معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل
فيها الحياة، لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة، وأقام بها الناس وعمروها فصارت لمدة
فأسقط التاء لأن معنى الفاعلية ثبت فيها. والذى بمعنى الفاعل لا يثبت فيه التاء، وتحقيق هذا قوله
( بلدة طيبة ) حيث أثبت التاء حيث ظهر بمعنى الفاعل ، ولم يثبت حيث لم يظهر وهذا بحث عزيز.
وقوله تعالى (كذلك الخروج) أى كالإحياء (الخروج) فإن قيل الإحياء يشبه به الإخراج
لا الخروج فنقول تقديره ( أحيينا به بلدة ميتاً) فتشققت وخرجمنها النبات كذلك تشقق ويخرج
منها الأموات، وهذا ؤكد قولنا الرجع بمعنى الرجوع فى قوله (ذلك رجع بعيد) لا°مه تعالى بين لهم
ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذى هو من المتعدى لناسب أن يقول، كذلك الإخراج، ولما.
قال ( كذلك الخروج) فهم أنهم أنكروا الرجوع مقال (كذلك الخروج) نقول فيه معنى لطيف
على القول الآخر ، وذلك لأنهم استبعدوا الرجمع الذى هو من المتعدى بمعنى الإخراج واللّه تعالى
أثبت (الخروج) وفيهما مبالغة تنبيها على بلاغة القرآن مع أنها مستغنية عن البيان. ووجهها هو أن
الرجع والإخراج كالسبب للرجوع والخروج، والسبب إذا انتفى يفتفى المسبب جزماً، وإذا وجد قد
يتخلف عنه المسبب لمانع تقول كسرته فلم ينكسر وإن كان مجازاً والمسبب إذا وجد فقد وجد
سببه وإذا انتفى لا يفتفى السبب لما تقدم، إذا علم هذا فهم أنكروا وجود السبب ونفوه ويفتفى
المسبب عند انتفائه جزما فبالغوا وأنكروا الأمر جميعاً، لامن نفى السبب نفى المسبب، فأثبت
الله الأمرين بالخروج كما نفوا الأمرين جميعاً بنفى الإخراج.
قوله تعالى : ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وفرعون وإخوان لوط وأصحاب
الأ یکه و قوم تبع
ذكر المكذبين تذكيراً لهم بحالهم ووبالهم وأنذرهم بإهلاكهم واستئصالهم، وتفسيره ظاهر
وفيه تسلية للرسول ولاتم وتنبيه بأن حاله كل من تقدمه من الرسل، كذبوا وصبروا فأهلك لقه