النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
قوله تعالى : تصبحوا على ما فعلتم نادمين . سورة الحجرات .
تضييوم جاهلين وفيه لطيفة، وهى أن الإصابة تستعمل فى السيئة والحسنة، كما فى قوله تعالى
(ما أصابك من حسنة فمن الله) لكن الأكثر أنها تستعمل فيما يسوء ، لكن الظن السوء يذكر
معه، كما فى قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة) ثم حقق ذلك بقوله (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)
بياناً لأن الجاهل لابد من أن يكون على فعله نادماً , وقوله (فتصبحوا) معناء تصيروا، قال النحاة:
أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه (أحدما) بمعنى دخول الرجل فى الصباح، كما يقول القائل : أصبحنا
نقضى عليه ( وثانيها ) بمعنى كان الأمر وقت الصباح كذا وكذا ، كما يقول : أصبح اليوم
مريضنا خيراً مما كان، غير أنه تغير ضحوة النهار، ويريد كونه فى الصبح على حاله ، كأنه يقول: كان
المريض وقت الصبح خيراً وتغير ضحوة النهار (وثالثها) بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنياً ويريد
به صار من غير إرادة وقت دون وقت ، والمراد ههنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى وأضحى ،
ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لابد فى اختلاف الألفاظ من اختلاف المعانى واختلاف
الفوائد، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم، وقد تكون فى آخر بمعنى آل الأمر
إليه ، وقد تكون متوسطة .
﴿مثال الأول ) قول القائل صار الطفل ظهماً أى أخذ فيه وهو فى الزيادة.
﴿ مثال الثانى) قول القائل صار الحق بيناً واجباً أى انتهى حده وأخذ حقه.
﴿ مثال الثالث ) قول القائل صار زيد عالماً وقوياً إذا لم يرد أخذه فيه ولا بلوغه نهايته بل
كونه متلبساً به متصفاً به ، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح فيما يصير الشىء آخذاً فى وصف
ومبتدئاً فى أمر، وأصل أمسى فيما يصير الشىء بالغاً فى الوصف نهايته، وأصل أضحى التوسط لا يقال
أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد ، نقول إذا تقاربت
المعانى جاز الاستعمال، وجواز الاستعمال لا ينافى الأصل، وكثير من الألفاظ أصله مضى واستعمل
استعمالا شائعاً فيما لا يشاركه، إذا على هذا فنقول قوله تعالى (فتصبحوا) أى فتصبيروا آخذين فى
الندم متلبسين به ثم تستبيمونه وكذلك فى قوله تعالى (فأصبحتم بنعمته إخواناً) أى أخذتم فى
الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون، وفى الجملة اختار فى القرآن هذه اللفظة لأن الأمر المقرون
به هذه اللفظة ، إما فى الثواب أو فى العقاب وكلاهما فى الزيادة ؛ ولا نهاية للأمور الإلهية وقوله
تعالى (نادمين) الندم هم دائم والنون والدال والميم فى تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام ، كما فى قول
القائل: أدمن فى الشرب ومدمن أى أقام، ومنه المدينة. وقوله تعالى (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)
فيه فائدتان :
﴿إحداهما﴾ تقرير التحذير وتأكيده، ووجهه هو أنه تعالى لما قال (أن تصيبوا قوماً بجهالة)
قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه، ولا يجوز للعاقل أن يقول: هب أنى أصبت قوماً فماذا
على؟ بل عليكم منه الهم الدائم والحزن المقيم ، ومثل هذا الشىء واجب الاحتراز منه.
١٢٢
قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله . سورة الحجرات .
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ الهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِثُمْ وَلَكِنَّ اللهَ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِمَانَ وَزَيََّهُوِ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَأَلْعِصْيَانَ
﴿ والثانية) مدح المؤمنين، أى لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون إليها بل تصبحون
نادمين عليها .
قوله تعالى: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ولكن الله
حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾.
ولنذكر فى تفسير هذه الآية ما قيل ومايجوز أن يقال ، أما ماقيل فلنخترأحسنه وهو ما اختاره
الزمخشرى فإنه بحث فى تفسير هذه الآية بحثاً طويلا ، فقال قوله تعالى ( لو يطيعكم فى كثير من
الأمر لعنتم) ليس كلاماً مستأنفاً لأدائه إلى تنافر النظم، إذ لا تبقى مناسبة بين قوله (واعلموا)
وبين قوله (لو يطيعكم) ثم وجه التعلق هو أن قوله (لو يطيعكم) فى تقدير حال من الضمير
المرفوع فى قوله ( فيكم) كان التقدير كائن فيكم، أو موجود فيكم ، على حال تريدون أن يطيعكم أو
يفعل باستصوابكم، ولا ينبغى أن يكون فى تلك الحال ، لأنه لو فعل ذلك (لعنتم) أو لوقعتم فى
شدة أو أولمتم به .
قوله تعالى: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان) خطاباً مع بعض من المؤمنين غير المخاطبين
بقوله (لو يطيعكم) قال الزمخشرى اكتفى بالتغير فى الصفة واختصر ولم يقل حبب إلى بعضكم
الإيمان، وقال أيضاً بأن قوله تعالى (لو يطيعكم) دون أطاعكم يدل على أنهم كانوا يريدون
استمرار تلك الحالة، ودوام النبى صلى الله عليه وسلم على العمل باستصوابهم، ولكن يكون ما بعدها
على خلاف ما قبلها ، وههنا كذلك وإن لم يكن تحصل المخالفه بتصريح اللفظ لأن اختلاف المخاطبين
فى الوصف يدلنا على ذلك لأن المخاطبين أولا بقوله ( لو يطيعكم) هم الذين أرادوا أن يكون.
النبى صلى الله عليه وسلم يعمل بمرادهم، والمخاطبين بقوله ( حبب إليكم الإيمان) هم الذين أرادوا
عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما قاله الزمخشرى واختاره وهو حسن ، والذى يجرز
أن يقال وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال (إن جاءكم فاسق بنيا فتبينوا) أى فتثبتوا واكشفوا
قال بعده ( واعلموا أن فيكم رسول اللّه) أى الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فإنه فيكم مبين مرشد، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف تلاميذ شيخ فى مسألة: هذا
الشيخ قاعد لا يريد بيان قعوده، وإنما يريد أمرهم بالمراجعة إليه، وذلك لأن المراد منه أنه
١٢٣
قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله . سورة الحجرات .
لا يطيعكم فى كثير من الأمر، وذلك لأن الشيخ فيما ذكرنا من المثال لو كان يعتمد على قول
التلاميذ لا تطمئن قلوبهم بالرجوع إليه ، أما إذا كان لا يذكر إلا من النقل الصحيح ، ويقرره
بالدليل القوى يراجعة كل أحد، فكذلك ههنا قال استرشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحداً فلا يوجد
فيه حيف ولا يروج عليه زيف، والذى يدل على أن المراد من قوله (أو يطيعكم فى كثير من الأمر
لعنتم) بيان أنه لا يطيعكم هو أن الجملة الشرطية فى كثير من المواضع ترد لبيان امتناع الشرط
لامتناع الجزاء كما فى قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا أقله لفسدتا) وقوله تعالى ( ولو كان من
عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً) فانه لبيان أنه ليس فيهما آلهة وأنه ليس من عند غير الله.
قوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) إشارة إلى جواب سؤال
يرد على قوله ( فتبينوا) وهو أن يقع لواحد أن يقول إنه لا حاجة إلى المراجعة وعقولنا كافية بها
أدر كنا الإيمان وتركنا العصيان فكذلك نجتهد فى أمورنا، فقال ليس إدراك الإيمان بالاجتهاد ،
بل الله بين البرهان وزين الإيمان حتى حصل اليقين، وبعد حصول اليقين لا يجوز التوقف والله
إنما أمركم بالتوقف عند تقليد قول الفاسق، وما أمركم بالعناد بعد ظهور البرهان، فكانه تعالى قال
توقفوا فيما يكون مشكوكا فيه لكن الإيمان حببه اليكم بالبرهان فلا تتوقفوا فى قبوله، وعلى قولنا
المخاطب بقوله ( حبب اليكم) هو المخاطب بقوله (لو يطيعكم) إذا علمت معنى الآية جملة ، فاسمعه
مفصلا ولنفصله فى مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ لو قال قائل إذا كان المراد بقوله (واعلموا أن فيكم رسول الله)
الرجوع إليه والاعتماد على قوله ، فلم لم يقل بصريح اللفظ (فتبينوا) وراجعوا النبى صلى الله عليه
وسلم ؟ وما الفائدة فى العدول إلى هذا المجاز ؟ نقول الفائدة زيادة التأكيد وذلك لأن
قول القائل فيما ذكرنا من المثال هذا الشيخ قاعد آكد فى وجوب المراجعة إليه من قوله راجعوا
شيخكم ، وذلك لأن القائل بجعل وجوب المراجعه إليه متفقاً عليه ، ويجعل سبب عدم الرجوع
عدم علمهم بقعوده ، فكأنه يقول : إنكم لانشكون فى أن الكاشف هو الشيخ ، وأن الواجب
مراجعته فإن كنتم لا تعلمون قعوده فهو قاعد فيجعل حسن المراجعة أظهر من أمر القعود كأنه
يقول خفى عليكم قعوده فتركتم مراجعته ، ولا يخفى عليكم حسن مراجعته، فيجعل حسن المراجعته
أظهر من الأمر الحسى، بخلاف مالو قال راجعوه، لأنه حينئذ يكون قائلا بأنكم ما علمتم أن
مراجعته هو الطريق ، وبين الكلامين بون بعيد، فكذلك قوله تعالى (واعلموا أن فيكم رسول الله)
یعنی لا يخئی عليكم وجوب مراجعته، فإن كان خفى عليكم كونه فيكم، فاعدرا أنه فيكم فيجعل حسن
المراجعة أظهر من كونه فيهم حيث ترك بيانه وأخذ فى بيان كونه فيهم ، وهذا من المعالى العزيزة
التى توجد فى المجازات ولا توجد فى الصريح .
المسألة الثانية) إذا كان المراد من قوله (لو يطيعكم) بيان كونه غير مطيع لأحد بل هو
١٢٤
قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله . سورة الحجرات .
متبع للوحى فلم لم يصرح به ؟ نقول بيان نفى الشىء مع بيان دليل النفى أتم من بيانه من غير دليل ،
والجملة الشرطية بيان النفى مع بيان دليله فإن قوله (ليس فيهما آلهة) لو قال قائل: لم قلت إنه ليس
فيهما آلهة يجب أن يذكر الدليل فقال ( لو كان فيهما ." الا اللّه لفسدتا) فكذلك ههنا لو قال
لا يطيعكم،، وقال قائل لم لا يطيع لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاءكم لأجل مصلحتكم، لكن
لامصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم ، كماقال تعالى (عزيز عليه
ماعنتم) فإن طاعتكم لا تفيده شيئاً فلا يطيعكم ، فهذا نفى الطاعة بالدليل وبين نفى الشىء بدليل
و نفيه بغير دلیل فرق عظيم .
المسألة الثالثة﴾ قال فى كثير من الأمر ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم
تحقيقاً لفائدة قوله تعالى (وشاورهم فى الأمر) .
المسألة الرابعة﴾ إذا كان المراد بقوله تعالى حبب إليكم الإيمان، فلا تتوقفوا فلم لم
يصرح به؟ قلنا لما ببناء من الإشارة إلى ظهور الأمر يعنى أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه ،
إذليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فانه يتوقف إلى
أن يبلغ درجة اليقين ، فلما كان عدم التوقف فى اليقين معلوماً متفقاً عليه لم يقل فلا تتوقفوا بل
قال حبب إليكم الإيمان، أى بينه وزينه بالبرهان اليقينى.
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما المعنى فى قوله (حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) نقول قوله
تعالى ( حبب إليكم) أى قربه وأدخله فى قلوبكم ثم زينه فيها بحيث لاتفارقونه ولا يخرج
من قلوبكم، وهذا لأن من يحب أشياء فقد بمل شيئاً منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل
يوم يزداد حسناً، ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم ، تكون العيادة
والتكاليف عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال فى الأول (. حبب إليكم) وقال ثانياً (وزينه فى قلوبكم)
کا نه قربه إليهم ثم أقامه فى قلوبهم .
المسألة السادسة ﴾ ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهى الكفر والفسوق والعصيان؟ فنقول
هذه أمور ثلاثة فى مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق
بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان (أحدها) قوله تعالى (وكره إليكم الكفر) وهو
التكذيب فى مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب ( وثانيها) هو ماقبل هذه الآية
وهو قوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنيا) سمى من كذب فاسقاً فيكون الكذب فسوقا ( ثالثها)
ماذكره بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) فإنه يدل على أن الفسوق
أمر قولى لاقترانه بالاسم، وسنين تفسيره إن شاء الله تعالى (ورابعها) وجه معقول وهو أن
الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم فى قول القائل: فسقت الرطبة إذا خرجت، وغير ذلك
لأن الفسوق هو الخروج زيد فى الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون
١٢٥
قوله تعالى : أولئك هم الراشدون . سورة الحجرات .
أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ ﴾ فَضْلًا مِّنَ الَهِ وَنِعْمَةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
له ظهور بالأمر القلى، إذ لا اطلاع على مافى القلوب لأحد إلا لله تعالى، ولا يظهر بالأفعال لأن
الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطىء أو متعمد، وأما
الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول فى الإيمان والخروج منه يظهر
بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولى أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ،
فإذا علم هذا ففيه ترتيب فى غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم
كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم).
قوله تعالى: ﴿والفسوق) يعنى ما يظهر لسانكم أيضاً، ثم قال ﴿والعصيان) وهو دون الكل
ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان، وقال بعض الناس الكفر ظاهر و الفسوق هو الكبيرة،
والعصيان هو الصغيرة، وما ذكرناه أقوى .
قوله تعالى : ﴿ أولئك هم الراشدون﴾.
خطاباً مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيه معنى لطيف: وهو أن اللّه تعالى فى أول الأمر قال
( واعلموا أن فيكم رسول الله) أى هو مرشد لكم خطاب المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين،
فقال فى الأول كفى النبى مرشداً لكم ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم ، وعلى هذا قوله
(الراشدون) أى الموافقون المرشد يأخذون ما يأتيهم وينتمون عما ينهام.
قوله تعالى : ﴿فضلا من الله وذمة والله عليم حكيم) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ نصب فضلا لأجل أمور، إما لكونه مفعولا له، وفيه وجهان (أحدهما)
أن العامل فيه هو الفعل الذى فى قوله (الراشدون) فإن قيل: كيف يجوز أن يكون فضل الله
الذى هو فعل الله مفعولا له بالنسبه إلى الرشد الذى هو فعل العبد ؟ نقول لما كان الرشد توفيقاً
من اللّه كان كأنه فعل اللّه فكأنه تعالى أرشدهم فضلا، أى يكون متفضلا عليهم منعماً فى حقهم
(والوجه الثانى) هو أن العامل فيه هو قوله (حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر) فضلا وقوله
( أولئك هم الراشدون) جملة اعترضت بين الكلامين أو يكون العامل فعلاً مقدراً، فكأنه قال
تعالى جرى ذلك فضلا من الله، وإما لكونه مصدراً، وفيه وجهان (أحدهما) أن يكون مصدراً
من غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشدا ( وثانيهما) هو أن يكون
مصدراً لفعل مضمر، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر فأفضل فضلا وأنعم نعمة ،
والقول بكونه منصوباً على أنه مفعول مطلق وهو المصدر، أو مفعول له قول الزمخشرى ، وإما أن
يكون فضلا مفعولا به، والفعل مضمراً دل عليه قوله تعالى (أولئك هم الرشدون) أى يبتغون
فضلا من الله ونعمة .
١٢٦
قوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين . سورة الحجرات .
وَ إِن طَبِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آقْتَثَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا
عَلَى الْأَنْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى خَّى تَفِىَ إِلَى أَمْرِاللهِ
المسألة الثانية﴾ ما الفرق بين الفضل والنعمة فى الآية؟ نقول فضل الله إشارة إلى ما عنده
من الخير وهو مستغن عنه، والنعمة إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه، لأن الفضل فى
الأصل ينى عن الزيادة، وعنده خزائن من الرحمة لا لحاجة إليها، ويرسل منها على عباده مالا
يبقون معه فى ورطة الحاجة بوجه من الوجوه، والنعمة تفيء عن الرأفة والرحمة وهو من جانب
العبد، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء، وذلك لأن المحتاج يقول للغنى: أعطنى ما فضل
عنك وعندك، وذلك غير ملتفت إليه وأنابه قيامى وبقائى، فإذن قوله (فضل من الله) إشارة إلى
ماهو من جانب التّه أننى، والنعمة إشارة إلى ماهو من جانب العبد من اندفاع الحاجة، وهذا
مما يؤكد قولنا فضلا منصوب بفعل مضمر، وهو الابتغاء والطلب.
﴿ المسألة الثالثة﴾ ختم الآية بقوله ( والله عليم حكيم) فيه مناسبات عدة (منها) أنه تعالى لما
ذكر نبأ الفاسق، قال إن يشتبه على المؤمن كذب الفاسق فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور ،
فإن الله عليم، ولا تقولوا كما كان عادة المنافق لولا يعذبنا الله بما نقول، فإن اللّه حكيم لا يفعل إلا
على وفق حكمته ( وثانيها) لما قال الله تعالى (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم) بمعنى
لا يطيعكم ، بل يتبع الوحى، قال فإن الله من كونه عليما يعلمه، ومن كونه حكيما يأمره بما تقتضيه
الحكمة فاتبعوه ( ثالثها ) المناسبة التى بين قوله تعالى (عليم حكيم) وبين قوله (حيب إليكم الإيمان)
أى حبب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان، واختار له من يشاء بحكمته (رابعها) وهو الأقرب ، وهو
أنه سبحانه وتعالى قال (فضلا من الله ونعمة) ولما كان الفضل هو ما عند الله من الخير المستغنى
عنه، قال تعالى هو عليم بما فى خزائن رحمته من الخير ، وكانت النعمة هو ما يدفع به حاجة العبد ،
قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة.
قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما
على الآخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفى. إلى أمر الله ﴾.
لما حذر الله المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق، أشار إلى ما يلزم منه استدراكا لما يفوت،
فقال فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم، وآل الأمر إلى اقتتال ظائفتين من المؤمنين،
فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق وأصلحوا بينهما ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى)
أى الظالم يحب عليكم دفعه عنه، ثم إن الظالم إن كان هو الرعية، فالواجب على الأمير دفعهم، وإن
كان هو الأمير، فالواجب على المسلمين منعه بالنصيحة فما فوقها، وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التى
=
١٢٧
قوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين . سورة الحجرات .
فى اقتتال الطائفتين أو أشد منهما ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (وإن) إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين طوائف المسلمين،
فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم ؟ نقول قوله تعالى (وإن) إشارة إلى أنه ينبغى
أن لا يقع إلا نادراً ، غاية ما فى الباب أن الإمر على خلاف ما ينبغى، وكذلك ( إن جاءكم فاسق
بنبأ) إشارة إلى أن مجىء الفاسق بالنبأ ينبغى أن يقع قليلا، مع أن مجىء الفاسق بالنبأ كثير، وقول
الفاسق صار عند أولى الأمر أشد قبولا من قول الصادق الصالح .
المسألة الثانية﴾ قال تعالى (وإن طائفتان) ولم يقل وإن فرقتان تحقيقاً للمعنى الذى
ذكرناه وهو التقليل ، لأن الطائفة دون الفرقة ، ولهذا قال تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى (من المؤمنين) ولم يقل منكم، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق
قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) تنبيهاً على قبح ذلك وتبعيداً لحم عنهم، كما يقول
السيد لعبده: إن رأيت أحداً من غدانى يفعل كذا فامنعه ، فيصير بذلك مانعاً للمخاطب عن ذلك
الفعل بالطريق الحسن ، كأنه يقول: أنت حاشاك أن تفعل ذلك ، فان فعل غيرك فامنعه ، كذلك
ههنا قال ( وإن طائفتان من المؤمنين) ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال تعال (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ولم يقل: وإن اقتتل
طائفتان من المؤمنين، مع أن كلمة (إن) اتصالها بالفعل أولى، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من
القتال، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة (إن) وذلك لأن كونهما طائفتين .ؤمنتين يقتضى
أن لا يقع القتال منهما، فإن قيل فلم لم يقل: يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم، أو إن أحد من
الفساق جاءكم، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه، وهو كونه فاسقاً؟ نقول المجى.
بالنبأ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقاً ، أو يزداد بسبه فسقه ، فالمجىء به سبب الفسق فقدمه .
وأما الاقتتال فلا يقع سبباً للايمان أو الزيادة، فقال (إن جاءكم فاسق) أى سواء كان فاسقاً أو لا
أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقاً به، ولو قال: وإن أحد من الفساق جاءكم، كان لا يتناول إلا مشهور
الفسق قبل المجىء إذا جاءهم بالنبأ .
المسألة الخامسة﴾ قال تعالى (اقتلوا) ولم يقل: يقتتلوا، لأن صيغة الاستقبال تنى. عن
الدوام والإستمرار، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا، وهذا
لأن صيغة المستقبل تنى. عن ذلك، يقال فلان يتهجد ويصوم.
﴿ المسألة السادسة﴾ قال (اقتتلوا) ولم يقل اقتتلا، وقال (فأصلحوا بينهما) ولم يقل بينهم،
ذلك لأن عند الاقتال تكون الفتنة قائمة ، وكل أحد برأسه يكون فاعلا فعلا، فقال (اقتتلوا)
وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح. فقال ( بينهما) لكون
١٢٨
قوله تعالى : فإن بغت إحداهما . سورة الحجرات .
الطائفتين حينئذ كنفسين .
ثم قال تعالى (فإن بغت إحداهما) إشارة إلى نادرة أخرى وهى البغى، لأنه غير متوقع، فإن
قيل كيف يصح فى هذا الموضع كلمة (إن ) مع أنها تستعمل فى الشرط الذى لا يتوقع وقوعه ،
وبنى أحدمما عند الاقتتال لا بد منه، إذكل واحد منهما لا يكون محسناً، فقوله (إن) تكون من
قبيل قول القائل: إن طلعت الشمس، نقول فيه معنى لطيف، وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال
بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى فيها الكفر والفساد،
فالقتال واجب كما سبق فى الليالى المظلمة، أو يقع لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد، وهو
خطأ ، فقال تعالى: الاقتتال لإيقع إلا كذا، فإن بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر،
وعند ذلك يكون قد بغى فقال (فإن بغت إحداهما على الأخرى) يعنى بعد استبانة الأمر، وحينئذ
فقوله (فإن بغت) فى غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع، وفيه أيضاً مباحث (الأول)
قال ( فإن بغت) ولم يقل فإن تبغ لما ذكرنا فى قوله تعالى (اقتتلوا) ولم يقل يقتلوا (الثانى) قال
(حتى تفيء) إشارة إلى أن القنال ليس جزاء للباغى كر الشرب الذى يقام وإن ترك الشرب ، بل
القتال إلى حد الفيئة، فإن خاءت الفئة الباغية حرم قتالهم (الثالث) هذا القتال لدفع الصائل، فيندرج
فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البنى الذى لأجله
حل القتال (الرابع) هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمناً لأن الباغى
جعله من إحدى الطائفتين وشماهما مؤمنين (الخامس) قوله تعالى (إلى أمر الله) يحتمل وجوها
(أحدها) إلى طاعة الرسول وأولى الأمر لقوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر
منكم). (وثانيها) إلى أمر الله، أى إلى الصلح فإنه مأمور به يدل عليه قوله تعالى ( فأصلحوا ذات
بينكم)، (ثالثها) إلى أمر الله بالتقوى، فان من خاف الله حق الخوف لا يقى له عداوة إلا مع
الشيطان كما قال تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً)، (السادس) لو قال قائل قد
ذكر تم ما يدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن القتال والبغى من المؤمن نادر ، فإذن
تكون الفئة متوقعه فكيف قال ( فان فات )؟ نقول قول القائل لعبده: إن مت فأنت حر،
مع أن الموت لابد من وقوعه، لكن لما كان وقوعه بحيث يكون العبد علا للعنق بأن يكون
باقياً فى ملكه حياً يعيش بعد وفاته غير معلوم فكذلك ههنا لما كان الواقع فيتهم من تلقاء
أنفسهم فلما لم يقع دل على تأكيد الأخذ بينهم فقال تعالى (فان فأ.ت) بقتالكم إياهم بعد اشتداد
الأمر والتحام الحرب فأصلحوا، وفيه معنى لطيف وهو أنه تعالى أشار إلى أن من لم يخف الله
وبغى لا يكون رجوعه بقتالكم إلا جرأ (السابع) قال ههنا ( فأصلحوا بينهما بالعدل) ولم يذكر
العدل فى قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتلوا فأصلحوا) نقول لأن الإصلاح هناك بإزالة
الاقتال نفسه، وذلك يكون بالنصيحة أو التهديد والزجر والتعذيب، والإصلاح ههنا بإزالة آثار القتل
١٢٩
قوله تعالى : فإن فاءت فاصلحوا بينهما . سورة الحجرات .
فَإِنِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِعُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴾ إِنَّمَا
اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (﴾
بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال ( بالعدل) فكانه قال: واحكموا بينهما بعد تركهما
القتال بالحق وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما، لئلا يؤدى إلى نوران الفتنة بينهما مرة أخرى
(الثامن) إذا قال (فأصلحوا بينهما بالعدل) فأية فائدة فى قوله (وأقسطوا) نقول قوله فأصلحوا
بينهما بالعدل كان فيه تخصيص بحال دون حال فعمم الأمر بقوله (وأقسطوا) أى فى كل أمر مفض
إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهى محبة الله، والإقساط إزالة القسط وهو الجور والقاسط هو
الجائر، والتركيب دال على كون الأمر غير مرضى من القسط والقاسط فى القلب وهو أيضاً غير
مرضى ولا معتد به فكذلك القسط .
قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخريكم﴾ تنميما للارشاد وذلك لأنه
لما قال (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) كان لظان أن يظن أو لمتوهم أن يتوهم أن ذلك عند
اختلاف قوم ، فأما إذا كان الاقتتال بين اثنين فلاتعم المفسدة فلا يؤمر بالإصلاح، وكذلك الأمر
بالإصلاح هناك عند الاقتتال ، وأما إذا كان دون الاقتتال كالتشاتم والقسافه فلا يجب الإصلاح
فقال ( بين أخويكم) وإن لم تكن الفتنة عامة وإن لم يكن الأمر عنايما كالقتال بل لو كان بين رجلين
من المسلمين أدنى اختلاف فاسعوا فى الإصلاح .
وقوله ﴿ واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ فيه مسائل:
{ المسألة الأولى) قوله تعالى ( إنما المؤمنون إخوة) قال بعض أهل اللغة الأخوة جمع
الأخ من النسب والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، فالله تعالى قال (إنما المؤمنون إخوة) تأكيداً
للأمر وإشارة إلى أن ماينهم مابين الأخوة من النسب والإسلام كالأب ، قال قائلهم:
أبى الإسلام لاأب[لى] سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
المسألة الثانية ﴾ عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل اتقوا، وقال ههنا انقوا مع أن
ذلك أهم ؟ نقول الفائدة هو أن الاقتتال بين طائفتين يفضى إلى أن تعم المفسدة ويلحق كل مؤمن
منها شىء وكل يسعى فى الاصلاح لأمر نفسه فلم يؤكد بالأمر بالتقوى، وأما عند تخاصم رجلين
لايخاف الناس ذلك وربما يزيد بعضهم تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد فقال ( فأصلحوا
بين أخويكم واتقوا الله) أو نقول قوله (فأصلحوا) إشارة إلى الصلح ، وقوله (واتقوا الله)
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٩
١٣٠
قوله تعالى : فاصلحوا بين أخويكم . سورة الحجرات .
إشارة إلى مايصونهم عن التشاجر، لأن من اتقى الله شغله تقواه عن الاشتغال بغيره، ولهذا قال
النبى صلى الله عليه وسلم ((المسلم من سلم الناس من لسانه و[يده])) لأن المسلم يكون منقاداً لأمر
الله مقبلا على عباد الله فيشغله عيبه عن عيوب الناس ويمنعه أن يرهب الأخ المؤمن، وإليه أشار
النبى صلى الله عليه وسلم ((المؤمن من يأمن جاره بوائقه)) يعنى اتق الله فلا تتفرغ لغيره.
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما للحصر أى لا أخوة إلا بين المؤمنين، وأما بين المؤمن والكافر فلا ،
لأن الإسلام هو الجامع ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا يكون لأخيه
الكافر ، وأما الكافر فكذلك لأن فى النسب المعتبر الأب الذى هو أب شرعا، حتى أن ولدى
الزنا من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر ، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد فهو كالجامع التاجز
لا يفيد الأخوة ، ولهذا من مات من الكفر وله أخ مسلم ولا وارث له من الفسب لا يجعل ماله
الكفار ، ولو كان الدين يجمعهم لكان مال الكافر للكفار ، كما أن مال المسلم للمسلين عند عدم
الوارث، فان قيل قد ثبت أن الأخوة للاسلام أقوى من الأخوة النسبية ، بدليل أن المسلم يرثه
المسلمون ولا يرثه الآخ الكافر من النسب ، فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية على الأخوة النسبية
مطلقاً حتى يكون مال المسلم المسلمين لا لأخوته من النسب ؟ نقول هذا سؤال فاسد، وذلك لأن
الأخ المسلم إذا كان أخا من النسب فقد اجتمع فيه أخوتان فصار أقوى والعضوبة لمن له القوة ،
ألا ترى أن الأخ من الأبوين يرث ولا يرث الأخ من الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب
له أخو تان فيقدم على سائر المسلمين والله أعلم.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال النحاة (ما) فى هذا الموضع كافة تكف إن عن العمل ، ولولا ذلك
لقيل: إنما المؤمنين إخوة، وفى قوله تعالى (فبما رحمة من الله) وقوله ( عما قليل) ليست كافة .
والسؤال الأقوى هو أن رب من حروف الجر والباء وعن كذلك ، وما فی ربكافة وفى عما ويما
ليست كافة ، والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد ربما وإنما يكون تاماً، ويمكن جعله مستقلا ولو حذف
ربما وإنما لماضر، فنقول ربما قام الأمير وربما زيد فى الدار ، ولو حذفت ربما وقلت زيد
فى الدار وقام الأمير لصح، وكذلك فى إنما ولكما، وأما عما وبما فليست كذلك، لأن قوله
تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) لو أذهبت بما وقلت رحمة من الله لنت لهم، لما كان كلاما غالبا.
يعد تعلقها بما يحتاج إليها فهى باقية حقيقة، ولكنها وإنما وربما لما استغنى عنها فكأنها لم يبق
حكمها ولا عمل للعدوم، فإن قيل إن إذا لم تكف بما فما بعده كلام تام، فوجب أن لا يكون
له عمل تقول إن زیداً قائم ولو قلت زيد قائم لکنی وتم؟ نقول: ليس كذلك لأن ما بعد إن
جاز أن يكون نكرة، تقول إن رجلا جاءنىوأخبرنى بكذا وأخبرنى بعگه ، و تقول ما.نى رجل
وأخبرنى، ولا يحسن إنما رجل جاءنى كمالو لم تكن هناك إنما ، وكذلك القول فى بينها وأينما فإنك
لو حذفتهما واقتصرت على ما يكون بعدهما لا يكون تماماً فلم يكف، والكلام فى لعل قد تقدم مراراً
١٣١
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم . سورة الحجرات .
يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرً مِنْهُمْ
وَلَ نِسَآءُ مِّن ◌ِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا
تَنَابَرُواْ بِآلْأَلْقَبِ
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا
نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ﴾.
وقد بينا أن السورة للارشاد بعد إرشاد فبعد الإرشاد إلى ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن مع
الله تعالى ومع النبى صلى الله عليه وسلم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بين ما ينبغى أن
يكون عليه المؤمن مع المؤمن ، وقد ذكرنا أن المؤمن إما أن يكون حاضراً وإما أن يكون غائباً ، فإن
كان حاضراً فلا ينبغى أن يسخر منه ولا يلتفت إليه بما ينافى التعظيم ، وفى الآية إشارة إلى أمور
ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهى السخرية واللمز والنبز، فالسخرية هى أن لا ينظر الإنسان إلى
أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته، وحينئذ لا يذكر مافيه من المعايب، وهذا
كما قال بعض الناس تراهم إذا ذكر عندهم عدوهم يقولون هو دون أن يذكر ، وأقل من أن يلتفت
إليه،، فقال لاتحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم (الثانى) هو اللمز وهو ذكرما فى الرجل من العيب
فى غيبته وهذا دون الأول ، لأن فى الأول لم يلتفت إليه ولم يرض بأن يذكره أحد وإنما جعله مثل
المسخرة الذى لا يغضب له ولا عليه (الثالث) هو النبز وهو دون الثانى، لأن فى هذه المرتبة
يضيف إليه وصفاً ثابتاً فيه يوجب بغضه وحظ منزلته، وأما النبز فهو مجرد التسمية وإن لم يكن فيه
وذلك لأن اللقب الحسن والإسم المستحسن إذا وضع لواحد وعلق عليه لا يكون معناه موجوداً
فإن من يسمى سعداً وسعيداً قد لا يكون كذلك ، وكذا من لقب إمام الدين وحسام الدين
لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة وزينة، وكلك النبز بالمروان ومروان الحمار لم يكن كذلك
وإنما كان ذلك سمة ونسبة ، ولا يكون اللفظ مراداً إذا لم يرد به الوصف كما أن الأعلام كذلك ،
فإنك إذا قلت لمن سمى بعبد الله أنت عبد الله فلا تعبد غيره ، وتريد به وصفه لا تكون قد أتيت
باسم عليه إشارة، فقال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم وتستصغروهم بحيث لا تلتفتوا إليهم أصلا
وإذا نزلتم عن هذا من النعم إليهم فلا تعيبو[هم] طالبين حط درجتهم والغض عن منزلتهم ، وإذا
تركتم النظر فى معايبهم ووصفهم بما يعيبهم فلا تسموهم بما يكرهونه ولا تهولوا هذا ليس بعيب
يذكر فيه إنما هو اسم يتلفظ به من غير قصد إلى بيان صفة وذكر فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (لا يسخرقوم من قوم) القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع
١٣٢
قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم . سورة الحجرات .
على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا
الأقوام الرجال لا النساء (فائدة) وهى أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر فى أكثر الأمر
من الرجال بالنسبة إلى الرجال ، لأن المرأة فى نفسها ضعيفة ، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا يكون
لها أمر، قال النبى صلى الله عليه وسلم ((النساء لحم على وضم إلا ما رددت عنه)) وأما المرأة فلا
يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفانها إليه لاضطرارها فى دفع حواتجها [إليه]، وأما الرجال
بالنسبه إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال فى الدرجة العالية التى هى نهاية المنكر (عسى أن يكونوا خيراً منهم) كسراً
له وبغضاً لنكره، وقال فى المرتبة الثانية (لا تلمزوا أنفسكم) جعلهم كا نفسهم لما نزلوا درجة رفعهم
الله درجة وفى الأول جعل المسخور منه خيراً، وفى الثانى جعل المسخور منه مثلا، وفى قوله
(عسى أن يكونوا خيراً منهم) حكمة وهى أنه وجد منهم النكر الذى هو مفض إلى الإهمال وجعل
نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال ( أنا خير منه) فصارهو خيراً، ويمكن
أن يقال المراد من قوله (أن يكونوا) يصيروا فإن من استحقر إنساناً لفقره أو وحدته أو ضعفه
لا يأمن أن يفتقر هو ويستغنى الفقير ، ويضعف هو ويقوى الضعيف .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى (قوم من قوم) ولم يقل نفس من نفس، وذلك لأن هذا فيه
إشارة إلى منع التكبر والمتكبر فى أكثر الأمر يرى جبروته على رؤوس الأشهاد ، وإذا اجتمع
فى الخلوات مع من لا يلتفت إليه فى الجامع يجعل نفسه متواضعاً، فذكرهم بلفظ القوم منعاً لهم
عما يفعلونه .
﴿ المسألة الرابعة) قوله تعالى (ولا تلمزوا أنفسكم) فيه وجهان (أحدهما) أن عيب الأخ
عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفساً فكا نما عاب نفسه (وثانيهما) هو أنه إذا عابه وهو لايخلو من
عيب بحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه حاملا للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه، وعلى هذا
يحمل قوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم) أى أنكم إذا قتلتم نفساً قتلتم فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم
ويحتمل وجهاً آخر ثالثاً وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أى كل واحد منكم فانكم إن فعلتم فقد
عبتم أنفسكم، أى كل واحد عاب كل واحد فصر تم عائبين من وجه معيبين من وجه ، وهذا الوجه
ههنا ظاهر ولا كذلك فى قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) .
﴿ المسألة الخامسة﴾ إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن يفعله المؤمن
عند حضوره بعد الإشارة إلى مايفعله فی غیبته، لکن قولهتعالى ( ولا تلمزوا) قیل فیه بأنه العيب
خلف الإنسان والهمز هو العيب فى وجه الإنسان، نقول ليس كذلك بل العكس أولى ، وذلك
لأنا إذا نظرنا إلى قلب الحروف دالن على العكس ، لا نازقلبهلزم وهمز قلبههزم، والا ول يدل على
القرب ، والثانى على البعد ، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب فى الوجه كان أولى مع أن كل واحد
١٣٣
قوله تعالى : بئس الاسم الفسوق . سورة الحجرات .
بِئْسَ آلِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِمَنِ وَمَن لَّمْ يَذُبُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ()
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ اْتَغِبُوْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الغَّنِّ إِّ وَلَا تَجَسَّسُواْ
وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُ كُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنً فَكَرٍ هُمُوهُ
قيل بمعنى واحد .
﴿ المسألة السادسة﴾ قالى تعالى (ولا تنابزوا) ولم يقل لا تنبزوا، وذلك لأن الماز إذا لمز
فالمدوز قد لا يجد فيه فى الحال عيباً يلزه به ، وإنما يبحث ويتبعه ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز
من جانب , وأما النبز فلا يعجزكل واحد عن الإتيان به، فإن من نبز غيره بالحماروهو ينجزه بالثور
وغيره، فالظاهر أن النبز يفضى فى الحال إلى التنابز ولا كذلك اللمز.
قوله تعالى : ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾.
قيل فيه إن المراد ( بئس) أن يقول للمسلم يا يهودى بعد الإيمان أى يعد ما آمن فبئس تسميته
بالكافر، ويحتمل وجهاً أحسن من هذا: وهو أن يقال هذا تمام الزجر ، كأنه تعالى قال (يا أيها الذين
آمنوا لا يسخر قوم من قوم، ولا تلمزوا، ولا تنابزوا) فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمن ، والمؤمن
يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق فيكونقوله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ويصير التقدير
بئس الفسوق بعد الإيمان، وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سميتموممؤمنين.
قال تعالى ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) وهذا يحتمل وجهين (أحدهما) أن يقال
هذه الأشياء من الصغائر فمن يصر عليه يصير ظالماً فاسقاً وبالمرة الواحدة لا يتصف بالظلم والفسق
فقال ومن لم يترك ذلك ويجعله عادة فهو ظالم ( وثانيهما ) أن يقال قوله تعالى (لا يسخر قوم)
(ولا تلمزوا) ( ولا تنابزوا) منع لهم عن ذلك فى المستقبل، وقوله تعالى (ومن لم يتب) أمرهم
بالتوبة عما مضى وإظهار الندم عليها مبالغة فى التحذير وتشديداً فى الزجر ، والأصل فى قوله تعالى
( ولا تنابزوا) لا تتنابزوا أسقطت إحدى التامين، كما أسقط فى الاستفهام إحدى الهمزتين فقال
(سواء عليهم أنذرتهم) والحذف ههنا أولى لأن تاء الخطاب وتاء التفاعل حرفان من جنس واحد
فى كلمة و همزة الاستفهام كلمة برأسها وهمزة أذرتهم أخرى واحتمال حرفين فى كلمتين أسهل من
احتماله فى كلمة، ولهذا وجب الإدغام فى قولنا: مد، ولم يجب فى قولنا امدد، و[فى] قولنا : مر ،
[دون] قوله : أمر ربنا .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم
ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه
١٣٤
قوله تعالى : ولا يغتب بعضكم بعضاً . سورة الحجرات .
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَابُ رِحِيم
واتقوا الله إن الله تواب
لأن الظن هو السبب فيما تقدم وعليه تبنى القبائح، ومنه يظهر العدو المكاشح والقائل إذا
أوقف أموره على اليقين فقلما يتيقن فى أحد عيباً فيلمزه به ، فإن الفعل فى الصورة قد يكون قبيحاً
وفى نفس الأمر لا يكون كذلك ، لجواز أن يكون فاعله ساهياً أو يكون الرائى مخطئاً ، وقوله
(كثيرًاً) إخراج للظنون التى عليها تبنى الخيرات قال النبى صلى الله عليه وسلم ((ظنوا بالمؤمن خيراً))
وبالجملة كل أمر لا يكون بناؤه على اليقين، فالظن فيه غير مجتذب مثاله حكم الحاكم على قول
الشهود وبراءة الذمة عند عدم الشهود إلى غير ذلك فقوله (اجتنبوا كثيراً) وقوله تعالى (إن
بض الظن إثم) إشارة إلى الأخذ بالأحوط كما أن الطريق المخرفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع طريق ،
لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة ومرتين إلا إذا تعين فتسلكه مع رفقة كذلك الظن ينبغى
بعد اجتهاد تام ووثوق بالغ.
قوله تعالى: ﴿ولا تحسو﴾ إتماماً لما سبق لأنه تعالى لما قال (اجتنبوا كثيراً من الظن) فهم
منه أن المعتبر اليقين فيقول القائل أنا أ كشف فلاناً يعنى أعلمه يقيناً وأطلع على عيبه مشاهدة فأعيب
فأكون قداجتنبت الظن فقال تعالى: ولا تتبعوا الظن، ولا تجتهدوا فى طلب اليقين فى معايب الناس.
قوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾ إشارة إلى وجوب حفظ عرض المجرمن فى غيبته
وفيه معان (أحدها) فى قوله تعالى ( بعضكم بعضاً) فإنه للعموم فى الحقيقة كقوله (لا تلمزوا
أنفسكم) وأما من اغتاب فالمغتاب أولا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتلبه فلم يقل ولا تغتابوا
أنفسكم لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيبه من اغتابه، والعيب حامل على العيب ( ثانيها)
لو قال قائل هذا المعنى كان حاصلا بقوله تعالى: لا تغتابوا، مع الاقتصار عليه نقول لا ، وذلك
لأن الممنوع اغتياب المؤمن فقال ( بعضكم بعضاً) وأما الكافر فيعلن ويذكر بما فيه وكيف لا
والفاسق يجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة ( ثالثها) قوله تعالى (أيحب أحدكم أن يأكل لحم
أخيه ميتاً) دليل على أن الاغتياب الممنوع اغتياب المؤمن لا ذكر الكافر، وذلك لأنه شبيهه
بأكل لحم الأخ ، وقال من قبل (إنما المؤمنون إخوة) فلا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا منع
إلا من شىء يشبه أكل لحم الأخ ففى هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر (رابعها:)
ما الحكمة فی هذا التشبيه ؟ نقول هو إشارة إلى أن عرض الإنسان کدمه وحه ،وهذا من باب
القياس الظاهر، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم
يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك آلم، وقوله ( لحم أخيه) آكد فى المنع لأن
المدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو، فقال أصدق الأصدقاء من ولدته أمك، فأكل حه أقبح
١٣٥
قوله تعالى : أيحب احدكم أن يأكل لحم أخيه . سورة الحجرات .
مايكون، وقوله تعالى (ميتاً) إشارة إلى دفع وهم ، وهو ان يقال القول فى الوجه يؤلم فيحرم،
وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم ،
ومع هذا هو فى غاية القبح لما أنه لواطلع عليه لتألم، كما أن الميت لو أحس بأكل +، لآله، وفيه
معنى : وهو أن الاغتياب كاكل لحم الآدمى ميتاً، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة ،
والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمى الميت فلا يأكل لحم الآدمى، فكذلك المغتاب
إن وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب ، وقوله تعالى (ميتاً) حال عن اللحم أو
عن الآخ، فإن قيل اللحم لا يكون ميتاً، قلنا بلى قال النبى صلى الله عليه وسلم (( ما أبين من حى فهو
ميت)) فسمى الغلفة ميتاً ، فإن قيل إذا جعلناه حال عن الأخ، لا يكون هو الفاعل ولا المفعول فلا
يجوز جعله حال، كما يقول القائل: مررت بأخى زيد قائماً، ويريد كون زيداً قائماً ، قلنا يجوز أن
يقال من أكل لحمة فقد أكل ، فصار الأخ مأكولا مفعولا ، بخلاف المرور بأخى زيد، فيجوز
أن تقول ضربت وجهه آئماً ، أى وهو آثم، أى صاحب الوجه ، كما أنك إذا ضربت وجهه فقد
ضربته ، ولا يجوز أن تقول مزقت ثوبه آثماً، فتجعل الآثم حالا من غيرك، وقوله تعالى
(فكرهتموه) فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ العائد إليه الضمير يحتمل وجوهاً (الأول) وهو الظاهر أن يكون هو
الأكل، لأن قوله تعالى (أيحب أحدكم أن يأكل) معناه أيحب أحدكم الأكل، لأن أن مع الفعل
تكون للمصدر ، يعنى فكرهتم الأكل (الثانى) أن يكون هو اللحم، أى فكرهتم اللحم (الثالث)
أن يكون هو الميت فى قوله ( ميتاً) وتقديره: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً
فكرهتموه، فكأنه صفة لقوله ( ميتً) ويكون فيه زيادة مبالغة فى التحذير ، يعنى الميتة إن أكلت
فى الندرة لسبب كان نادراً ، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلا، فكذلك ينبغى أن
تكون الغيبة .
﴿ المسألة الثانية﴾ الفاء فى قوله تعالى (فكرهتموه) تقتضى وجود تعلق، فما ذلك؟ نقول فيه
وجوه (أحدها ) أن يكون ذلك تقدير جواب كلام، كأنه تعالى لما قال (أيحب ) قيل فى جوابه
ذلك (وثانيها) أن يكون الاستفهام فى قوله (أيحب) للانكار، كأنه قال: لا يحب أحدكم أن
يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه إذاً ولا يحتاج إلى إضمار (وثالثها) أن يكون ذلك التعلق هو
تعاق المسبب بالسبب، وترتبه عليه كما تقول: جاء فلان ماشياً فتعب، لأن المتى يورث التعب ،
فكذا قوله (ميتاً) لأن الموت يورث النفرة إلى حد لا يشتهى الإنسان أن يبيت فى بيت فيه
ميت، فكيف يقربه بحيث يأكل منه ، ففيه إِذا كراهة شديدة ، فكذلك ينبغى أن يكون حال
الغيبة .
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله إن الله نواب رحيم﴾ عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهى،
١٣٦
قوله تعالى : يا أيها الناس انا خلقناكم . سورة الحجرات .
يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَنْكُرْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الهِأَتْقَبِكُّ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
أى اجتنبوا واتقوا، وفى الآية لطائف: منها أن الله تعالى ذكر فى هذه الآية أموراً ثلاثة مرتبة
بيانها، هو أنه تعالى قال (اجتنبوا كثيراً) أى لا تقولوا فى حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على
الظن، ثم إذا سئلنم على المظنونات، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن
علتم منها شيئاً من غير تجسس ، فلا تقولوه ولا تفشوه عنهم ولا تعيبوا، ففى الأول نهى عما لم
أن يعلم ، ثم نهى عن طلب ذلك العلم، ثم نهى عن ذكر ما علم، ومنها أن الله تعالى لم يقل اجتنبوا
تقولوا أمراً على خلاف ما تعلمونه، ولا قال اجتذبوا الشك ، بل أول مانهى عنه هو القول بالظن،
وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء، والقول بالشك، والرجم بالغيب سفه وهزء،
وهما فى غاية القبح، فلم ينه عنه اكتفاء بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا) لأن وصفهم بالإيمان
يمنعهم من الافتزاء والارتياب الذى هو داب الكافر. وإنما منعهم عما بكثر وجوده فى المسلمين ،
ولذلك قال فى الآية (لا يسخر) ومنها أنه ختم الآيتين بذكر التوبة ، فقال فى الأولى ( ومن لم
يتب فأولئك هم الظالمون) وقال فى الأخرى (إن الله تواب) لكن فى الآية الأولى لما كان
الابتداء بالنهى فى قوله ( لا يسخر قوم من قوم) ذكر النفى الذى هو قريب من النهى، وفى الآية
الثانية لما كان الابتداء بالأمر فى قوله(اجتنبوا) ذكر الارتياب الدی هو قريب من الأسر .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنا كم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾.
تبيناً لما تقدم وتقريراً له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت
فى الدين والإيمان، فهو جائز لما بينا أن قوله ( لا يغتب بعضكم بعضاً) وقوله (ولا تلمزوا أنفسكم)
منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز، لأن الناس بعمومهم كفاراً
كاوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر، والافتخار إن كان بسبب
الغنى ، فالكافر قد يكون غنياً ، والمؤمن فقيراً وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد
يكون نسيباً، والمؤ من قد يكون عبداً أسود وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى
متساوون متقاربون ، وشیء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى، فإن كل من يتدین بدین یعرف أن
من یوافقه فی دینه أشرف من مخالفه فیه ، وإن كان أرفع نسباً أو أكثر نشباً ، فكيف من له
الدن الحق وهو فیه راسخ، و کیف برجح عليه من دونه فیه بسبب غیرہ، وقوله تعالى (یا ایها
١٣٧
:
قوله تعالى : يا أيها الناس انا خلقناكم . سورة الحجرات .
الناس إنا خلقنا کم من ذکر وأنی) فیه وجهان (أحدهما) من آدم وحواء ( ثانيهما) كل واحد
منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم ٣ فإن قلها أن المراد هو الأول ، فذلك
إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد، وامرأة واحدة، وإن قلنا
إن المراد هو الثانى، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من
أب وأم ، والتفاوت فى الجنس دون التفاوت فى الجنسين ، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون
تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب ، لكن التفاوت الذى بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت
الذى بين الجنسين ، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام، بل أضل. والمؤمن إنسان فى المعنى الذى
ينبغى أن يكون فيه، والتفاوت فى الإنسان تفاوت فى الحس لا فى الجنس. إذ كلهم من ذكر
وأثى، فلا يبقى لذلك عند هذا اعتبار ، وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) فإن قيل هذا مبنى على عدم اعتبار النسب، وليس كذلك فإن للنسب
اعتباراً عرفاً وشرعاً ، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطى، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى
الأمر الحقير معتبراً ، وذلك فى الحس والشرع والعرف ، أما الحس فلأن الكواكب لاترى
عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوى ولا يسمع عند ما يكون رعد قوى، وأما فى العرف،
فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات، إذا علمت هذا فيهما ففى الشرع كذلك ،
إذا جاء الشرف الدينى الإلهى، لا يبقى الأمر هناك اعتبار، لا لنسب ولا لنشب ، ألا ترى أن
الكافر وإن كان من أعلى الناس نسباً، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسباً ، لا يقاس أحدهما
بالآخر، وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل
شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً صالحاً، ولا يصلح لشىء منها فاسق ، وإن كان قرشى النسب ،
وقارونى النشب، ولكن إذا اجتمع فى اثنين الدين المتين، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند
الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وشرف النسب ليس
مكتسباً ولا يحصل بسعى .
(البحث الثانى) ما الحكمة فى اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر، ولم يذكر المال؟ نقول
الأمور التى يفتخر بها فى الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها، لأن المال قد يحصل للفقير
فيبطل افتخار المفتخر به، والحسن والسن، وغير ذلك غير ثابت دائم، والنسب ثابت مستمر غير
مقدور التحصيل لمن ليس له فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان
غيره بالطريق الأولى .
﴿ البحث الثالث ) إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فهل لقوله
تعالى (إنا خلقناكم) فائدة ؟ نقول نعم، وذلك لأن كل شىء يترجح على غيره، فإما أن يترجح
بأمر فيه يلحقه، ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله ، والذى بعده
:
١٣٨
قوله تعالى : وجعلناكم شعوباً وقبائل . سورة الحجرات .
كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشىء ، والذى قبله فإما راجع إلى
الأصل الذى منه وجد ، أو إلى الفاعل الذى هو له أو جد، كما يقال فى إناءين هذا من النحاس وهذا
من الفضة، ويقال هذا عمل فلان، وهذا عمل فلان ، فقال تعالى لاترجيح فيما خلقتم منه لأنكم
كلكم من ذكر وأنثى، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم كلكم خلقكم اللّه، فإن كان بينكم تفاوت
يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من الله تعالى.
ثم قال تعالى (وجعلنا كم شعوباً وقبائل) وفيه وجهان: (أحدهما) (جعلنا كم شعوباً) متفرقة
لا يدرى من يجمعكم كالعجم ، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبنى إسرائيل (وثانيهما)
(جعلنا كم شعوباً) داخلين فى قبائل ، فإن القبيلة تحتها الشعوب، وتحت الشعوب البطون وتحمعه
البطون الأخاذ، وتحت الأخاذ الفصائل، وتحت الفصائل الأقارب ، وذكر الأعم لأنه أذهب
للافتخار، لأن الأمر الأعم منها يدخله فقراء وأغنياء كثيرة غير محصورة، وضعفاء وأقوياء كثيرة
غير معدودة ، ثم بين فائدة ذلك وهى التعارف وفيه وجهان: (أحدهما) أن فائدة ذلك التناصر
لا التفاخر (وثانيهما) أن فائدته التعارف لا التناكر، واللمز والسخرية والغيبة تفضى إلى التناكر
لا إلى التعارف وفيه معان لطيفة (الأولى) قال تعالى ( إنا خلقناكم) وقال (وجعلنا كم) لأن
الخلق أصل تفرع عليه الجعل (شعوباً) فإن الأول هو الخلق والإيجاد، ثم الاتصاف بما اتصفوا
به ، لكن الجعل شعوباً للتعارف والخلق للعبادة كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون) واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع ، فاعلم أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما
أن الجمل شعوباً يتحقق بعد ما يتحقق الخاق، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا
(الثانية) قوله تعالى ( خلقناكم، وجعلناكم) إشارة إلى عدم جواز الافتخار لأن ذلك ليس
لسعيكم ولا قدرة لكم على شىء من ذلك ، فكيف تفتخرون بما لامدخل لكم فيه ؟ فإن قيل
الهداية والضلال كذلك لقوله تعالى ( إنا هديناه السبيل، نهدى من نشاء) فنقول أثبت الله لنا فيه
کبیاً مبنياً على فعل ، کما قال الله تعالی( فمن شاء اتخذ إلى ربه سيلا).
ثم قال تعالى ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وأما فى النسب فلا (الثالثة) قوله تعالى
(لتعارفوا) إشارة إلى قياس خفى، وبيانه هو أنه تعالى قال: إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا
کنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به لغلقكم لتعرفوا ربكم ، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف
الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك (الرابعة) فيه إرشاد إلى برهان
يدل على أن الافتخار ليس بالا نساب ، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب الانتساب إلى شخص
فإن كان ذلك الشخص شريفاً صح الافتخار فى ظنكم، وإن لم يكن شريفً لم يصح، فشرف ذلك
الرجل الذى تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة أو باكتساب فضيلة، فإن كان بالانتساب لزم
الانتهاء، وإذكان بالا كتساب فالدين الفقيه الكريم المحسن صلى مثل من يفتخر به المفتخر، فكيف
١٣٩
قوله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم . سورة الحجرات .
يفتخر بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير مافضل به نفسه عن ذلك الأب والجد؟
اللهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أحداً لا يقرب من
الرسول فى الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك، ولكن فى هذا النسب أثبت النبى صلى الله عليه وسلم
الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب ، ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب ، فقال («نحن معاشر
الأنبياء لا نورث)). وقال ((العلماء ورثة الأنبياء) أى لا نورث بالإنتساب، وإنما نورث
بالا كتساب، سمعت أن بعض الشرفاء فى بلاد خراسان كان فى النسب أقرب الناس إلى على عليه
السلام غير أنه كان فاسقاً ، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل، ومال الناس إلى التبرك به
فاتفق أنه خرج يوماً من بيته يقصد المسجد، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران، وكان الناس
يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه ، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له : يا أسود الحوافر
والشوافر ، يا كافر ابن كافر، أنا ابن رسول الله، أذل وتجل ! وأذم وتكرم! وأهان وتعان! فهم
الناس بضربه فقال الشيخ: لا هذا محتمل منه لجده ، وضربه معدود لحده ، ولكن يا أيها الشريف
بيضت باطنى وسودت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبى فرق سواد وجهى حسنت ، وأخذت سيرة
أبيك وأخذت سيرة أبى ، فرآنى الخلق فى سيرة أبيك ورأوك فى سيرة أبى فظنونى ابن أبيك وظنوك
ابن أبى ، فعملوا معك ما يعمل مع أبى، وعملوا معى ما يعمل مع أبيك! ،
قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وفيه وجهان: (أحدهما) أن المراد من يكون
أتقى يكون عند الله أكرم أى التقوى تفيد الإكرام (ثانيهما) أن المراد أن من يكون أكرم عند
الله يكون أتقى أى الإكرام يورث التقوى كما يقال: المخلصون على خطر عظيم، والأول أشهر
والثانى أظهر لأن المذكور ثانياً ينبغى أن يكون محمولا على المذكور أولا فى الظاهر فيقال الإكرام
للتقى، لكن ذوا العموم فى المشهور هو الأول، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أى اللذة بقدر الحلاوة
لا أن الحلاوة بقدر اللذة، وهى إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة ، فإن قيل التقوى
من الأعمال والعلم أشرف ، قال النبى صلى الله عليه وسلم ((لفقيه واحد أشد على الشيطان من
ألف عابد)) نقول التقوى ثمرة العلم قال الله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فلا تقوى
إلا للعالم . فالمتقى العالم أتم علمه، والعالم الذى لا يتقى كشجرة لا ثمرة لها، لكن الشجرة المثمرة
أشرف من الشجرة التى لا تثمر بل هو حطب ، وكذلك العالم الذى لا يتقى حصب جهنم ، وأما
العابد الذى يفضل اللّه عليه الفقيه فهو الذى لاعلم له، وحينئذ لا يكون عنده من خشية الله نصاب
كامل، ولعله يعبده مخافة الإلقاء فى النار، فهو كالمكره ، أو لدخول الجنة ، فهو يعمل كالفاعل له
أجرة ويرجع إلى بيته، والمتقى هو العالم بالله، المواظب لبابه، أى المقرب إلى جنابه عنده يبيت.
وفيه مباحث :
﴿البحث الأول) الخطاب مع الناس والأكرم يقتضى اشتراك الكل فى الكرامة ولا كرامة
١٤٠
قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا . سورة الحجرات .
قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنِ قُولُواْ أَسْلِمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اْإِيَمَنُ
فِ قُلُوبِكُمْ وَ إِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّ الَّ ◌َغَفُورٌ
زَحِيمُ ﴾
ــم
للكافر، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام. نقول ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله
تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ، كأنه تعالى قال من استمر عليه
لو زاد زید فی کرامته، ومن رجع عنه أزیل عنه أثر الکرامة (الثانى) ما حد التقوی ومن الأتقی؟
تقول أدنی مراتب التقوی أن يجتنب العبد المنامی ویأتی بالأوامر ولا يقر ولا یأمن إلا عندهما
فإن أتفق أن ارتكب منهياً لا يأمن ولا يتكل له بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ندامة وتوبة ، ومتى
ارتکب منھیاً وما تاب فى الحال واتکل علی المهلة فى الأجل ومنعه عنالنذا کر طول الأمل فليس
يمتق ، أما الأتقى فهو الذى يأتى بما أمر به ويترك ما نهى عنه، وهو مع ذلك عاش ربه لا يشتغل:
بغير الله، فينور الله قلبه، فإن التفت لحظة إلى نفسه أو ولده جعل ذلك ذنبه، وللأولين النجاة.
لقوله تعالى ( ثم ننجى الذين اتقوا) والآخرين السوق إلى الجنة لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله
أتقاكم) فبين من أعطاه السلطان بستاناً وأسكنه فيه ، وبين من استخلصه لنفسه يستفيد كل يوم
بسبب القرب منه بساتين. وضياعاً بون عظيم .
قوله تعالى: ﴿ إن الله عليم خبير﴾ أى عليم بظواهركم، يعلم أنسابكم خبير بيواظنكم لا تخفى
عليه أسراركم ، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا فى التقوى كما زادكم .
قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى
قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم ﴾.
لما قال تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقا كم) والأتق لا يكون إلا بعد حصول التقوى،
وأصل الإيمان هو الاتقاء من الشرك، قالت الأعراب لنا النسب الشريف ، وإنما يكون لنا:
الشرف، قال الله تعالى: ليس الإيمان بالقول، إنما هو بالقلب. فما آمنتم لأنه خبير يعلم ما فى
الصدور، ( ولكن قولوا أسلمنا) أى انقدنا واستسلمنا، قيل إن الآية نزلت فى بنى أسد ، أظهروا
الإسلام فى سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم يكن قلبهم مطمئناً بالإيمان ، وقد بينا أن ذلك كالتاريخ
للغزول لا للاختصاص بهم، لأن كل من أظهر فعل المتقين وأراد أن يصير له ما الأتقياء من
الإكرام لا يحصل له ذلك ، لأن التقوى من عمل القلب ، وقوله تعالى (قل لم تؤمنوا) فى
تفسيره مسائل :