النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
قوله تعالى : أولئك الذين نتقبل عنهم . سورة الأحقاف
بها على والديه ؟ وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم ، قلنا كل نعمة
وصلت من اللّه تعالى إلى والديه، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه اللّه تعالى على أن يشكر ربه
على الأمرين .
﴿ وأما المطلوب الثانى) من المطالب المذكورة فى هذا الدعاء، فهو فوله (وأن أعمل
صالحاً ترضاه).
واعلم أن الشىء الذى يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحاً على قسمين: (أحدهما) الذى يكون
صالحاً عنده ويكون صالحاً أيضاً عند الله تعالا (والثانى) الذى يظنه صالحاً ولكنه لا يكون صالحاً
عند الله تعالى، فلما قسم الصالح فى ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتى بعمل
صالح يكون صالحاً عند اللّه ويكون مرضياً عند الله.
﴿ والمطلوب الثالث ) من المطالب المذكورة فى هذه الآية قوله تعالى (وأصلح لى فى ذريتى)
لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد، كما قال إبراهيم عليه السلام (واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام)
فإن قيل ما معنى (فى) فى قوله (وأصلح لى فى ذريتى)؟ قلنا تقدير الكلام هب لى الصلاح فى ذریتی
وأوقعه فيهم .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعى، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، قال بعد ذلك (إنى
تبت إليك وانى من المسلمين ) والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، وإلا مع كونه من المسلمين
فتبين إنى إنما أقدمت على هذا الدماء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح، وبعد أن دخلت
فى الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه.
واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت فى أبى بكر ، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه ولم يتفق
لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له ، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه
أم الخير بنت صخر بن عمرو، وقوله ( وأن أعمل صالحاً ترضاه) قال ابن عباس فأجابه الله إليه
فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون فى الله منهم بلال وعامر بن فهيرة، ولم يترك شيئاً من الخير إلا
أعانه الله عليه، وقوله تعالى (وأصلح لى فى ذريتى) قال ابن عباس لم يبق لأبى بكر ولد من الذكور
والإناث إلا وقد آمنوا، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث
إلا لأبى بكر .
ثم قال تعالى (أولئك) اى اهل هذا القول (الذين نتقبل عنهم ) قرى بضم الياء على بناء
الفعل للمفعول وقرىء بالنون المفتوحة ، وكذلك نتجاوز وكلاهما فى المعنى واحد ، لأن الفعل
وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى، فهو كقوله (يغفر لهم ما قد سلف) فبين تعالى
بقوله ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) أن من تقدم ذكره من يدعوا بهذا الدماء ،
ويسلك هذه الطريقة التى تقدم ذكرها (نتقبل عنهم) والتقبل من اللّه هو إيجاب الثواب له على عمله،
٢٢
قوله تعالى : والذي قال لوالديه أف لكما . سورة الأحقاف
وَلَِّى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفِ نَّكُمَا أَعِدَانِّ أَنْ أُنْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِن
قَبْلِيٍ وَهُمَا يَسْتَغِيْئَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ الَِّ حٌَّّ فَقُولُ مَاهَذَآ إِلَّ أَسَتِيُ
الْأَوِّينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِم مِّنَ
اِنّ وَالْإِسِ إِنّهُمْ كَنُواْ خَسِنَ ﴿ وَلِكُلِ دَرَجَتُ ثِّا عَمِلُواْ وَلِبُوَفِيَهُمْ
أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَ يُظْلُونَ ﴾ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِأَذْهَبْتُمْ
◌َِّبَتِكُمْ فِ حَاتِكُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا
فإن قيل ولم قال تعالى (أحسن ما عملوا) واللّه يتقبل الأحسن وما دونه؟ قلنا الجواب من وجوه
(الأول) المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)
كقولهم : الناقص والأشج اعدلا بنى مروان ، أى عادلا بنى مروان (الثانى) أن الحسن من
الأعمال هو المباح الذى لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك، وهو وكل ما كان
مندوباً او واجباً .
ثم قال تعالى ( ونتجاوز عن منيئاتهم) والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعانهم ويتجاوز عن سبتاتهم.
ثم قال (فى اصحاب الجنة) قال صاحب الكشاف ومعنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمنى الأمير فى
مائتين من أصحابه، يربد أكرمنى فى جملة من أكرم منهم وضمى فى عدادهم ، ومحله النصب على الحال
على معنى كائنين ( فى أصحاب الجنة) ومعدودين منهم، وقوله ( وعد الصدق) مصدر مؤكد، لأن
قوله (نتقبل، نتجاوز) وعد من اللّه لهم بالتقبل والتجاوز، والمقصود بيان أنه تعالى معامل من
صفته ما قدمناه بهذا الجزاء ، وذلك وعد من اللّه تعالى فبين أنه صدق ولا شك فيه .
قوله تعالى: ﴿والذى قال لوالديه أف لكما أتعدانى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى
وهما يستغيثان اللّه ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين، أولئك
الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ، ولمكل
درجات ما عملوا ولير فيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ، ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم
طياتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى
٢٣
قوله تعالى : والذي قال لوالديه أف لكما . سورة الأحقاف
كُنْتُ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ
الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون }
أعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه فى الآية المتقدمة ، وصف الولد العاق لوالديه فى
هذه الآية، فقال (والذى قال لوالديه أف لكما) وفى هذه الآية قولان (الأول) أنها نزات فى
عبد الرحمن بن أبى بكر ، قالواكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وهو (أف لكما )
واحتج القائلون بهذا القول على صحته، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ايزيد ، قال
عبد الرحمن بن أبى بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هو
الذى قال الله فيه ( والذى قال لوالديه أف لكما). (والقول الثانى) أنه ليس المراد منه شخص
معين ، بل المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق
فأباه وأنكره، وهذا القول هو الصحيح عندنا، ويدل عليه وجوه (الأول) أنه تعالى وصف
هذا الذى قال لوالديه أف لكما أتعدانى بقوله ( أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت
من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين) ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إسلامه،
وكان من سادات المسلمين، فبطل حمل الآية عليه، فإن قالوا: روى أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام
وأخبراه بالبعث بعد الموت ، قال (أتعدانى أن أخرج) من القبر ، يعنى أبعث بعد الموت (وقد
خلت القرون من قبلى ) يعنى الأمم الخالية ، فلم أر أحداً منهم بعث . فأين عبد الله بن جدعان،
وأين فلان وفلان ؟ إذا عرفت هذا فنقول قوله ( أولئك الذين حق عليهم القول) المراد هؤلاء.
الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله ، وهم الذين حق عليهم القول ، وبالجملة
فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله ( وقد خلت القرون من قبلى) لا إلى المشار إليه بقوله (والذى
قال لوالديه أف لكما) هذا ماذكره الكلى فى دفع ذلك الدليل ، وهو حسن ( والوجه الثانى)
فى إبطال ذلك القول، ماروى أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبى بكر بذلك الكلام سمعت
عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ماهو به ، ولكن الله لعن أباك وأنت فى صلبه (الوجه الثالث)
وهو الأقرى ، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه فى الآية المتقدمة، ووصف الولد
العاق لابو به فى هذه الآية، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ فى العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه
إلى الدين الحق، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر عفى الإنكار وأبى واستكبر، وعول فى ذلك
الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية , وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات
المذكورة ولا حاجة البتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين. قال صاحب الكشاف:
قرى. (أف) بالفتج والكسر بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين ، وهو صوت إذا
صوت به الإنسان على انه متضجر، كما إذا قال حس ، علم أنه متوجع ، واللام البيان معناه هذا
٢٤
قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا. سورة الأحقاف
التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما دون غيركما، وقرى. (أتعداننى) بنونين، وأتعدانى بأحدهما
وأتعدانى بالإدغام، وقرأ بعضهم: أتعدانى بفتح النون كأنه استثقل اجتماع التونين والكسرين
والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أخدهما .
ثم قال (أن أخرج) أى أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرىء (أخرج وقد خلت القرون
من قبلى) يعنى ولم يبعث منهم أحد.
ثم قال ( وهما يستغيثان اللّه) أى الوالدان يستغيثان اللّه، فإن قالوا : كان الواجب أن يقال
يستغيثان بالله ؟ قلنا (الجواب) من وجهين (الأول) أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره
وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل (الثانى) يجوز أن يقال الباء حذف، لأنه أريد بالاستغاثة
ههنا الدعاء على ما قاله المفسرون ( يدعوان اللّه) فذا أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار ، لأن
الدعاء لا يقتضيه، وقوله ( ويلك) أى يقولان له ويلك (آمن) وصدق بالبعث وهو دعاء عليه
بالثبور، والمراد به الحث، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك .
ثم قال (إن وعد الله) بالبعث حق ، فيقول له) ما هذا الذى تقولان من أمر البعث وتدعواتنى
إليه ( إلا أساطير الأولين ).
ثم قال تعالى ( أولئك الذين حق عليهم القول) أى حقت عليهم كلمه العذاب، ثم ههنا قولان:
فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبى بكر ، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم
كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله ، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن ، بل كل
ولد كان موصوفاً بالصفة المذكورة؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم ، وقوله ( فى أمم) نظير لقوله
(فى أصحاب الجنة) وقد ذكرنا انه نظیر لقوله : أ کرمنی الأمیر فی أناس من أصحابه ، يريد أكرمنى
فى جملة من أكرم منهم.
ثم قال ( إنهم كانوا خاسرين) وقرى. أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق.
ثم قال ( ولكل درجات ما عملوا) وفيه قولان (الأول) أن الله تعالى ذكر الولد ألبار ، ثم
أردفه بذكر الولد العاق، فقوله ( ولكل درجات مما عملوا) خاص بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمن
البار بوالديه له درجات متفاوتة، ومراتب مختلفة فى هذا الباب (والقول الثانى) أن قوله ( لكل
درجات مما عملوا) عائد إلى الفريقين ، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات فى الإيمان
والكفر والطاعة والمعصية ، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات فى أهل النارٍ ، وقد بها.
فى الأثر الجنة الدرجات، والنار دركات؟ قلنا فيه وجوه (الأول) يجوز أن يقال ذلك على جهة
التغليب ( الثانى ) قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علواً، ودرج أهل النار ينزلوا ميوطاً.
(الثالث) أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، إلا أن زيادات أهل الجنة فى الخيرات والطاعات،
وزيادات أهل النار فى المعاصى والسيئات .
٢٥
قوله تعالى : ویوم یعرض الذين كفروا . سورة الأحقاف
ثم قال تعالى ( وليوفيهم ) وقرى. بالنون وهذا تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه كانه
وليوفيهم أعمالهم ولا يظلهم حقوقهم ، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الشراب درجات
والعقاب دركات ، ولما بين اللّه تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولا ،
فقال ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) قيل يدخلون النار ، وقيل تعرض عليهم النار ليروا
أهوالها (أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا) قرأ ابن كثير (آذهبتم) استفهام بهمزة ومدة ، وابن عامر
إستفهام بهمزتين بلامدة والباقون (أذهبتم) بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات
والراحات فقداستوفيتموه فى الدنيا وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شىء منها، وعن عمر
أو شئت لكنت أطبيكم طعاماً وأحسنكم لباساً، ولكنى أستبقى طيباتى، وعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرفعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال («أنتم
اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم فى حلة ويروح فى أخرى ، ويغدى عليه بحفنة ويراح عليه بأخرى
ويستربيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير؟))، رواه صاحب الكشاف
قال الواحدى : إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد فى الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم فى الآخرة
أكمل ، إلاأن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت فى حق الكافر ، وإنما
ونخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما انؤمن فانه
يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يرنج بتمتعه، والدليل عليه قوله تعالى ( قل من حرم زينة اللّه التى
أخرج لعباده والطيبات من الرزق) نعم لا ينكر أن الاحتراز عن النعم أولى، لأن النفس إذا
اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والإنقباض، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات
على فعل مالا ينبغى ، وذلك بما يجر بعضه إلى بعض ويقع فى البعد عن الله تعالى بسيه .
ثم قال تعالى ( فاليوم تجزون عذاب الهون) أى الهوان، وقرى. عذاب المران (بما كنتم
أستكبرون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين: (أو لها)
الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب (والثانى) الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثانى
لأن أحوال القلوب أعظم وقعا من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم
يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستنكفون عن الأ يمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأما
الفسق فهو المعاصى واحتج اصحابنا بهذه الآية على ان الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، قالوا لأنه
تعالى علل عذابهم بأمرين: (أولهما ) الكفر (وثانيهما) الفسق، وهذا الفق لابد وأن يكون
مغايراً لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة، فثبت أن فسق الكفاريوجب العقاب فى حقهم ،
ولامعنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات، والله اعلم.
٢٦
قوله تعالى : واذكر أخا عاد . سورة الأحقاف.
وَاذْكُرْأَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَّيْهِ وَمِنْ
خَلْفَِ أَلَّ تَعْبُدُوْاْ إِلَّ الَهَ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَالُواْ
أَِتَنَا لِتَأْفَِّ عَنْءَ الَتِّنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَِّدِقِينَ (٢) قَالَ إِنَّمَا
الْعِلْمُ عِندَ اللّهِ وَأَلِّهُكُ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِّ أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ فَلَمَّا
وَأَوَّهُ عَرِضًا مسْتَقْبِلَ أَوْدِيَهِمْ قَالُوا هَذَا عَرِضْ تُمْطُنَا بَلْ هُوَمَاأَسْتَعْمَلْتُم ٥ِ
رِيٌ فِهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ تُدَعِرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمِ رَبِهَا فَأَصْبَحُواْ لَأَ رَّ إِلَّ
مَسْكِنُهُمْ كَّلِكَ تَخْرِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِنَ ( ) وَلَقَدْ مَنَُّهُمْ فِيمَآ إِن ◌ََّّكُمْ فِهِ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَدَرًّا وَأَفْئِدَةً لَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَدُهُمْ وَلَا
أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَىءٍ إِذْ كَانُوا يَهْحَدُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَحَقَ رِم مََّ كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ
٢٦
قوله تعالى: ﴿واذكر أخاعاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه
أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، قالوا أجئقنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما
تعدنا إن كنت من الصادقين، قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكنى أراكم قوماً
نجہلون .
فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض مطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب
اليم، تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين.
ولقد مكنهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنىعنهم سمعهم ولا
أبصارهم ولا أفئدتهم من شیء إذكانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما کانو به !- تهزئون ﴾.
أعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل فى إثبات التوحيد والنبوة، وكان أهل مكة بسبب
٢٧
قوله تعالى : إنما العلم عند الله . سورة الأحقاف
استغراقهم فى لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها ، ولهذا السبب قال تعالى
فى حقهم ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا) فلما كان الأمر
كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالا وقوة وجاهاً منهم، ثم إن الله تعالى ساط العذاب عليهم
بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة ههنا ليعتبر بها أهل مكة ، فيتركوا الاغترار بما وجدوه
من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة فى هذا الموضع ، وهو
مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، وتقديره أن
من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا ، وقوله تعالى (واذكر أخا عاد) أى
واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام (إذ أنذر قومه) أى حذرهم عذاب الله إن
لم يؤمنوا، وقوله ( بالأحقاف ) قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوف
وقال الفراء (الأحقاف) واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج ، قال
ابن عباس (الأحقاف ) واد بين عمان ومهرة ( والنذر) جمع نذير بمعنى المنذر (من بين يديه) من
قبله (ومن خلفه) من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أذرهم وقال لهم (أن لا تعبدوا إلا
اللّه إنى أخاف عليكم العذاب ).
واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره .
ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم (قالوا أجئتنا لتأفكنا ) الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه
أى صرفه ، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب (عن آلهتنا) وعن عبادتها (فأتنا بما
تعدنا ) معاجلة العذاب على الشرك (إن كنت من الصادقين) فى وعدك، فعتد هذا قال هود
(إنما العلم عند الله) وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم (فأتنا بما تعدنا) لأن قولهم ( فأتنا
بما تعدنا) استعجال منهم لذلك العذاب , فقال لهم هود لاعلم عندى بالوقت الذى يحصل فيه ذلك
العذاب، إنما علم ذلك عند اللّه تعالى ( وأيغلكم ما أسلت به) وهو التحذير عن العذاب، وأما العلم
بوقته فما أوحاه اللّه إلى (ولكنى أرا كم قوم تجهلون) وهذا يحتمل وجوهاً (الأول) المراد أنكم
لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين ( الثانى ) أراكم
قوما تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظنى أنه قرب الوقت الذى
ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط والوقاحة التامة (الثالث)(إنى اراكم قوماً تجهلون)
حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كونى صادقاً ، ولكن لم يظهر ايضاً لكم
كونى كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.
ثم قال تعالى (فلما رأوه) ذكر المبرد فى الضمير فى رأوه قولين (أحدهما) أنه عائد إلى غير
مذكور وبينه قوله (عارضاً) كما قال (ماترك على ظهرها من دابة) ولم يذكر الأرض لكونها معلومة
فكذا ههنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج
٢٨
قوله تعالى : كذلك نجزي القوم المجرمين . سورة الأحقاف
ويكون من باب الإضمار لاعلى شريطة التفسير (والقول الثانى) أن يكون الضمير عائداً إلى مافى
قوله ( فائتنا بمنا تعدنا) أى فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً ، قال أبو زيد العارض السحابة التى
تری فی ناحية السماء ثم تطبق، وقوله ( مستقبل أو ديتهم) قال المفسرون کانت عاد قد حبس
عنهم المطر أياماً فساق اللّه إليهم سحابة سوداء خرجت عليهم من واد يقال له المغيث (فلما رأوه
مستقبل أوديتهم) استبشروا و (قالوا هذا عارض مطرنا) والمعنى مطر إيانا، قيل كان هود قاعداً
فى قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا ( هذا عارض ممطرنا) فقال ( بل هو ما استعجلتم به) من العذاب
ثم بين ماهيته فقال (ريح فيها عذاب أليم). ثم وصف تلك الريح فقال ( تدمر كل شىء) أىّ تهلك
كل شىء من الناس والحيوان والنبات (بأمر ربها) والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب
والقرانات ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم (فأصبحوا) يعنى عاداً (لا يرى
إلا مساكنهم) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ روی أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها فى الجو حتی یری كأنها
جرادة ، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار ، وروى
أن أول ماعرفوا به أنه عذاب أليم، أنهم رأوا ما كان فى الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير
به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم ،
وأحال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم
فاحتملنهم فطرحتهم فى البحر ، وروى أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين
خطأً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التى تصيبهم ريحاً اينة هادئة طيبة ، والريح التى تصيب قوم
عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر فى تلك
الريح من هذا الوجه، وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل
على عاد إلا مثل مقدار الخاتم)) ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود من هذا الكلام إظهار
كمال قدرة الله تعالى، وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال «اللهم إنى
أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به)) .
المسألة الثانية) قرأ عاصم وحمزة لا يرى بالياء وضمها مساكنهم بضم النون: قال الكسائى
معناه لايرى شىء إلا مساكنهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمروا وابن عامر والكسافى لانرى
على الخطاب أى لاترى أنت أيها الخاطب، وفى بعض الروايات عن عاصم لاترى بالتاء سبباً كتهم.
بضم النون وهى قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم. وقال الجمهور
١ /الفتاة
هذه القراءة ليست بالقوية.
قوله تعالى: ﴿كذلك تجرى القوم المجرمين﴾ والمقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل
چه
٢٩
قوله تعالى : ولقد أهلكنا ما هو لكم . سورة الأحقاف
وَلَقَدْ أَهْلَْكَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (
فَلَوْلَا نَصَرَّهُمُ الَّذِينَ الَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًاءَالِهَةُّ بَلْ ضَلُواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ
إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
لما قال الله تعالى ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فكيف يبقى التخويف حاصلا؟ قلنا: قوله
( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) إنما أنزل فى آخر الأمر فكان التخويف حاصلا قبل نزوله .
ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال ( ولقد مكناهم
فيما إن مكنا كم فيه) قال المبردمافى قوله (فيما) بمنزلة الذى. و(إن) بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم
فى الذى مامكنا كم فيه، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالا، وقال ان قتيبة كلمة
إن زائدة. والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكنا كم فيه، وهذا غلط لوجوه (الأول) أن الحكم بأن حرفاً
من كتاب اللّه عبث لا يقول به عاقل (والثانى) أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم
قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم، وهذا المقصود إنما يتم
لو دلت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة (الثالث) أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى ،
قال تعالى (هم أحسن أثاثاً ورئيا) وقال (كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً فى الأرض).
قوله تعالى: ﴿وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة ﴾ والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم
سمعاً فما استعملوه فى سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها فى تأمل العبر، وأعطيناهم
أفئدة فما استعملوها فى طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها .
فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً .
ثمر بين تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل انهم كانوا يجحدون
بآيات الله، وقوله (إذكانوا يجحدون) بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول:
ضربته إذاساء، والمعنى ضربته لأنه اساء ، وفى هذه الآية. تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لمها
اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا
كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا.
قوله تعالى: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ يعنى أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما
كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون، فلولا
نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون﴾.
٣٠
قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن . سورة الأحقاف.
وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ آلِجْنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَنَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
أَنِصِّواْ فَلَّا قُضِىَ وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ ◌َ
قَالُواْ يَدَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا
اعلم أن المراد ولقد أهلكنا ماحولکم یا کفار مکه من القرى ، وهى قرى عاد وثمود باليمن
والشام ( وصرفنا الآيات ) بيناها لهم ( لعلهم ) أى لعل أهل القرى يرجعون ، فالمراد بالتصريف
الأحوال الهائلة التى وجدت قبل الإهلاك. قال الجبائى: قوله ( لعلهم يرجعون) معناه لكى
يرجعوا عن كفرهم ، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم ( والجواب) أنه
فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة، وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل الدلائل
الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات .
ثم قال تعالى ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة) القربان ما يتقرب به إلى
الله تعالى، أى اتخذوهم شفعاء متقرباً بهم إلى الله حيث قالوا (هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه) وقالوا
( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زافى) وفى إعراب الآية وجوه (الأول) قال صاحب الكشاف:
أحد مفعول اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف (والثانى) آلهة وقراباناً حال، وقيل عليه إن الفعل
المتعدى إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظاً، والحال مشعر بتمام الكلام، ولا شك أن إتيان
الحال بين المفعولين على خلاف الأصل (الثانى) قال بعضهم ( قرباناً) مفعول ثان قدم على المفعول
الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدى إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين (والثالث) على بعض
المحققين: يضمر أحد مفعولى اتخذوا وهو الراجع إلى الذين، ويجعل قرباناً مفعولا ثانياً، وآلهة
عطف بيان، إذا عرفت الكلام فى الإعراب، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم
الله هلا نصرهم الذين عبدوهم، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى اللّه ليشفعوا لهم (بل ضلوا
عنهم) أى غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر يمتنع .
ثم قال تعالى ( وذلك إفكهم) أى وذلك الامتناع أثر إفكهم الذى مر اتخاذهم إياها آلهة،
ونمرة شر کهم وافترائهم على الله الكذب قی إثبات الشرکاء له ، قال صاحب الکشاف: وقری.
(إفكهم) والإفك والأفك كالحذر والحذر، وقرىء ( وذلك إنمكهم ) بفتح الفاء والكاف ، أى
ذلك الاتخاذ الذى هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق، وقرى (افكهم) على التشديد للبالغة
أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أى قولهم الإمك ، أى ذو الإمك كما تقول قول كاذب .
ثم قال ( وما كانوا يفترون) والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم فى إثبات الشركاء ه تعالى،
والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرأ من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا
٣١
قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن . سورة الأحقاف
أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَّيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَ إلَى طَرِيقٍ مُسْتَقٍِ
يَشْقَوَ أَجِبُوْ دَاعِىَ الهِ وَءَامِنُواْبِه يَغْفِرْلَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُحِرَّكُ مِنْ عَذَابٍ
٣
أَلٍِ ﴿ وَمَنْ لَّيِْبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعِْفِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَّهُ، مِنِ دُونِهِ
أَوْلِمَآءُ أُوْلَكَئِكَ فِ ضَلَْلٍ مُبِينٍ
٢
فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما
بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من
ذنوبكم وحر کم من عذاب أليم، ومن لا يجب داعی الله فليس بمعجزفى الأرض وليس له من دونه
أولياء أولئك فى ضلال مبين﴾ فى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما بين أن فى الإنس من آمن وفيهم من كفر، بين أيضاً أن
الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب، وكافرهم معرض للعقاب، وفى
كيفية هذه الواقعة قولان (الأول) قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا :
هذا الذى حدث فى السماء إنما حدث اشىء فى الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن
التى رَّ لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف
إلى مكة ، وكان بيطن مخل قام يقرأ القرآن فى صلاة الفجر ، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين ،
لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذى أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن وعرفوا أن
ذلك هو السبب (والقول الثانى) أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى
ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجن ليستمعوا منه القرآن وينذروا قومهم .
ويتفرع على ما ذكرناه فروع (الأول ) نقل عن القاضى فى تفسيره الجن أنه قال : إنهم كانوا
بهوداً . لأن فى الجن ملاكما فى الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وأطق
المحققوق على أن الجن مكلفون ، سئل ابن عباس: هل للجن ثواب ؟ فقال نعم لهم ثواب وعليهم
عقاب، يلتقون فى الجنة وبزدحمون على أبرابها ( الفرع الثانى) قال صاحب الكشاف: النفر دون
العشرة ويجمع على أنفار ، ثم روى محمد بن جرير الطبرى عن ابن عباس : أن اولئك الجن كانوا
سبعة نفر من أهل نصیبین ، جعلهم رسول الله لے رسلا إلى قومهم ، وعن زر ابن حیش کانوا
تسعة أحدهم ذوبعة ، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة ( الفرع الثالث ) اختلفوا فى
أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبى فى ليلة الجن؟ والروايات فيه مختلفة ومشهورة (الفرع
٣٢
قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن . سورة الأحقاف
الرابع) روى القاضى فى تفسيره عن أنس قال (( كنت مع رسول اللّه يوزع في جبال مكة إذ أقبل
شيخ متوكى. على عكازة، فقال النبى روايتى مشية جنى ونغمته، فقال أجل ، فقال من أى الجن
أنت ؟ فقال أنا عامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس ، فقال لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين
فكر أتى عليك؟ فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشى بين الآكام ،
وذكر كثيراً مامر به ، وذكر فى جملته أن قال: قال لى عيسى بن مريم إن لقيت محمداً فأقرئه منى
السلام، وقد بلغت سلامه وآمنت بك، فقال علبه السلام ، وعلى عيسى السلام ، وعليك بأهامة
ما حاجتك؟ فقال إن موسى عليه السلام علمنى التوراة، وعيسى علمنى الإنجيل، فعلمنى القرآن ،
فعله عشر سور، وقبض صلى الله عليه وسلم ولم ينعه)) قال عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حياً.
واعلم أن تمام الكلام فى قصة الجن مذكور فى سورة الجن .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى تفسير قوله (وإذصر فنا إليك نفراً من الجن ) فقال بعضهم:
لما لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن عليهم، فهو تعالى ألقى فى قلوبهم ميلا وداعية
إلى استماع القرآن ، فلهذا السبب قال ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن).
ثم قال تعالى (فلما حضروه) الضمير للقرآن أو لرسول الله (قالوا) أى قال بعضهم لبعض
(أنصتوا) أى اسكتوا مستمعين، يقال أنصت لكذا واستنصت له، فلما فرغ من القراءة (ولوا
إلى قومهم منذرين) ينذرونهم ، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غير م إلى استماع
القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا، فعنده (قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى)
ووصفوه بوصفين (الأول) (كونه مصدقاً لما بين يديه) أى مصدقاً الكتب الأنبياء ، والمعنى أن
كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق
فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعانى (الثانى) قوله ( يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم).
واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتاب الإلهية فى الدعوة إلى
هذه المطالب العالية الشريفة ، والوصف الثانى يفيد أن هذه المطالب التى اشتمل القرآن عليها مطلب
حقة صدق فى أنفسها، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك، سواء وردت الكتب الإلهية قبل
ذلك بها أولم ترد، فإن قالوا كيف قالوا (من يعد موسى)؟ قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا
على اليهودية ، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى، ثم إن الجن
لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا ( ياقومنا أجيبوا داعى اللّه) واختلفوا فى أنه هل
المراد بداعى الله الرسول أو الواسطة التى تبلغ عنه؟ والأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذى يطلق
عليه هذا الوصف .
١٠
واعلم أن قوله ﴿أجيبوا داعى اللّه ﴾ فيه مسالتأن.
المسألة الأولى ﴾ هذه الآية تدل على أنه ٹے کانمجو ئاً إلى الجن کما کانمبهوتاً إلى الإنس
٣٣
قوله تعالى : أو لم يروا إن الله الذي . سورة الأحقاف
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَلَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِنَّ بِقَدِرٍ
ج
عَلَ أَنْ يُحِْىَ الْمَوْقَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا
قال مقاتل ، ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله.
المسألة الثانية) قوله ( أجيبوا داعى الله) أمر بإجابته فى كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر
بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة
القرآن بأنه يذكر اللفظ العام ، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله ( وملائكته و جبريل )
وقوله (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك
الإيمان وهى قوله ( يغفر لكم من ذنوبكم) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم كلمة ( من) ههنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم ، وقيل
بل الفائدة فيه أن كلمة (من) ههنا لابتداء العاية ، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ،
ثم ينتهى إلى غفران ماصدر عنكم من ترك الأولى والأكمل .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل لاثواب لهم إلا النجاة
من النار، ثم يقال لهم (كونوا تراباً) مثل البهائم ، واحتجرا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى
( ويجر كم من عذاب أليم) وهو قول أبى حنيفة، والصحيح أنهم فى حكم بنى آدم فيستحقون
الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، وهذا القول قول ابن أبى ليلى ومالك ، وجرت بيته
وبين أبى حنيفة فى هذا الباب مناظرة ، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل
على صحة هذا القول : أن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم
فى حق الجن ، والفرق بين البابين بعيد جداً .
واعلم أن ذلك الجنى لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من ترك تلك الإجابة
فقال ( ومن لا يجب داعى اللّه فليس بمعجز فى الأرض) أى لا ينجى منه مهرب ولا يسق فضاء
سابق، ونظيره قوله تعالى ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الأرض ولن نعجزه هرباً) ولا نجد له
أيضاً ولياً ولا نصيراً، ولا دافعاً من دون الله ثم بين أنهم فى ضلال مبين .
قوله تعالى: ﴿ أولم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقاد على أن
يحي الموتى على إنه على كل شىء قدير ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٣
٣٤
قوله تعالى : إنه على كل شيء قدير . سورة الأحقاف.
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى ذكر فى أول السورة ما يدل على وجود الإله القادر
الحكيم المختار، ثم فرع عليه فرعين: (الأول) إبطال قول عبدة الأصنام (والثانى) إثبات النبوة
وذکر شبهاتهم فى الطعن فى النبوة ، وأجاب عنها ، ولما كان أ کثر إعراض کفار مکد عن قبول
الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا واستغراقهم فى استيفاء طيباتهم وشهواتها ، وبسبب أنه كان يثقل
عليهم الانقياد محمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلا وم قوم عاد فإنهم كانوا ا کل فى
منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أباده الله وأهلكهم، فكان ذلك تخويفاً لأهل
مكة بإصرارهم على إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه
باثبات نبوته فى الجن .. وإلى ههنا قدتم الكلام فى التوحيد وفى النبوة ، ثم ذكر عقيهما تقرير
مسألة المعاد ومن تأمل فى هذا البيان الذى ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد
والنبوة والمعاد ، وأما القصص فالمراد من ذكرها ما يجرى مجرى ضرب الأمثال فى تقرير هذه
الأصول.
﴿ المسألة الثانية) المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث،
والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل فى أول هذه السورة على أنه (هو الذى خلق السموات
والأرض) ولاشك أن خلقها أعظم وأنجم من إعادة هذا الشخص حياً بعد أن صار ميتاً، والقادر
على الأقوى الأكمل لابد وأن يكون قادراً على الأقل والأضعف ، ثم ختم الآية بقوله ( إنه
على كل شىء قدير) والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن مكناً فى نفسه
لما وقع أولا، والله تعالى قادر على كل الممكنات ، فوجب كونه قادراً على تلك الإعادة، وهذه
الدلائل قيفية ظاهرة .
﴿ المسألة الثالثة) فى قوله تعالى (بقادر) إدخاله الباء على خبر إن ، وإنما جاز ذلك لدخول
حرف النفى على أن وما يتعلق بها ، فكأنه قيل أليس الله بقادر، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن
زبدأ بقائم جاز، ولا يجوز ظننت أن زيداً بقائم والله أعلم.
المسألة الرابعة﴾ يقال عيدت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه (أفعيينا بالخلق الأول).
واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض أحوال الكفار
فقال: ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذقوا العذاب
بما كنتم تكفرون) فقوله (أليس هذا بالحقى) التقدير يقال لهم (أليس هذا بالحق) والمقصود
التهكم بهم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم ( وما نحن بمعذبين).
٣٥
قوله تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم . سورة الأحقاف
١٤٤٠ ٠٠٠٠٠٠٠
ج
فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوْ اَلْعَزْمِ مِنَ الرَّسُلِ وَلَا تَسْتَعِْل ◌َهُمْ كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَوْنَ
مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبِّئُواْ إِلَّ سَاءَةً مِّن نَهَارٍ بَغُ فَهَلْ يُهَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ.
٣٥
قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون
ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون
واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة وهى التوحيد والنبوة والمعاد ، وأجاب عن الشبهات
أردفه بما يجرى مجرى الوعظ والنصيحة الرسول بم لي، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذنه
ويوجسوت صدره، فقال تعالى ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) أى أولوا الجد والصبر
والثبات ، وفى الآية قولان.
(الأول) أن تكون كلمة (من) للتبعيض ويراد بأولوا العزم بعض الأنبياء قيل هم نوح صبر
على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على
الذبح، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على
الضر ، وموسی قال له قومه(إنا لمدر کون) قال ( كلا إن معی ربی سیهدین) وداود بكى على زلته
أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال الله
تعالى فى آدم ( ولم نجد له عزماً) وفى يونس. ( ولا تكن كصاحب الحوت).
﴿ والقول الثانى) أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث الله رسولا إلا كان ذا عزم وحزم،
ورأى وكمال وعقل ، ولفظة من فى قوله (من الرسل) تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز
وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم .
ثم قال (ولا تستعجل لهم) ومفعول الاستعجال محذوف، والتقدير لا تستعجل لهم بالعذاب ،
قيل إن النبى مؤلل ضجر من قومه بعض الضجر، وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه
فأمر بالصبر وترك الاستعجال ، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب ، وأنه نازل بهم لا محالة
وإن تأخر ، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم فى الدنيا ، حتى يحسبونها ساعة
من نهار ، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم فى الدنيا والبرزخ ، كأنه ساعة
من النهار، أو كأن لم يكن لهول ماعاينوا، أو لأن الشىء إذا مضى صار كأنه لم يكن، وإن كان
طويلا قال الشاعر :
كأن شيئاً لم يكن إذا مضى كأن شيئاً لم يزل إذا أنى
٣٦
صلى الله
سورة محمد عافه
(٤٧) سُوَرَّ حْمِنَّ مَدِنِيِية
وَآيَاتِهَا شَانِ وَثَلاثُونَ
1 -
بِسْـ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ (١)
واعلم أنه تم الكلام ههنا، ثم قال تعالى ( بلاغ) أى هذا بلاغ، ونظيره قوله تعالى (هذا
بلاغ الناس) أى هذا الذى وعظتم به فيه كفاية فى الموعظة ، أو هذا تبليغ من الرسل ، فهل
يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذى الحجة سنة
ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآ له واصحابه وأزواجه والتابعين
لهم بإحسان إلى يوم الدين ..
باسم الله الرحمن الرحيم
{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل اعمالهم
أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة، فإن آخرها قوله تعالى (فهل يهلك إلا
القوم الفاسقون) فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق وله أعمال صالحة كاطعام الطعام وصلة
الأرحام وغير ذلك ؟ ، مما لا يخلو عنه الإنسان فى طول عمره فيكون فى إملاكه إهدار عمله وقد
قال تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) وقال تعالى (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل
أعمالهم) أى لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع الإهلاك، وسذبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق
القول فيه ، وتعالى الله عن الظلم، وفى التفسير مسائل :
المسألة الأولى﴾ من المراد بقوله (الذين كفروا)؟ قلنا فيه وجوه (الأول) ثم الذين
كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحرث ابنا هشام وعتبة وشيبة ابناربيعة وغيرهم
(الثانى) كفار قريش (الثالث) أهل الكتاب ( الرابع ) هو عام يدخل فيه كل كافر .
المسألة الثانية﴾ فى الصد وجهان (أحدهما) صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا أنفسهم عن
السبيل ومثعوا عقولهم من اتباع الدليل (وثانيهما) صدوا غيرم ومنعوثم كما قال تعالى عن
المستضعفين ( قال الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين) وعلى هذا بحث :
وهو أن إضلال الأعمال مرتب على الكفر والصد ، والمستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم،
فنقول التخصيص بالذكر لا يدل على نفى ماعداه، ولا سيما إذا كان المذكور أولى بالذكر من غيره
٣٧
قوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبل الله . سورة محمد .
وههنا الكافر الصاد أدخل فى الفساد فصار هو أولى بالذكر، أو نقول كل من كفر صار صاداً لغيره،
أما المستكبر فظاهر ، وأما المستضعف فلأنه بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه
بعد ما يكون متبوعاً يشق عليه بأن يصير تابعاً، ولأن كل من كفر صار صاداً من بعده لأن عادة
الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) أو مقتدون،
فإن قيل فعلى هذا كل كافر صاد فما الفائدة فى ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب
وعطف المسبب عليه تقول أكلت كثيراً وشبعت، والكفر على هذا سبب الصد ، ثم إذا قلنا بأن
المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما فى الأنفس من الفطرة كان داعياً إلى الإيمان ،
والامتناع لمانع وهو الصد لنفسه .
المسألة الثالثة﴾ فى المصدود عنه وجوه (الأول) عن الإنفاق على محمد عليه السلام
وأصحابه (الثانى) عن الجهاد (الثالث ) عن الإيمان ( الرابع) عن كل ما فيه طاعة الله تعالى
وهو اتباع محمد عليه السلام، وذلك لأن النبى يتم على الصراط المستقيم هاد إليه، وهو صراط
الله قال تعالى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله) فمن منع من اتباع محمد عليه السلام
فقد صد عن سبيل الله .
المسألة الرابعة ﴾ فى الإضلال وجوه ( الأول ) المراد منه الإبطال ، ووجهه هو أن المراد
أنه أضله بحيث لا يجده، فالطالب إنما يطلبه فى الوجود ، وما لا يوجد فى الوجود فهو معدوم.
فإن قيل كيف يبطل الله حسنة أوجدها ؟ نقول أن الابطال على وجوه (أحدها) يوازن بسيئاتهم
الحسنات التى صدرت منهم ويسقطها بالموازنة ويبقى لهم سيئات محمضة، لأن الكفر يزيد على غير
الإيمان من الحسنات والإيمان يترجح على غير الكفرمن السيئات (وثانيها) أبطلها لفقد
شرط ثبوتها وإثباتها وهو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى ( من عمل صالحاً من ذكر
أو أنثى وهو مؤمن) وإذا لم يقبل الله العمل لا يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له فى نفسه بل
هو يعدم عقيب ما يوجد فى الحقيقة غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلاناً عمل صالحاً
وعندى جزاؤه فيبقى حكما ، وهذا البقاء حكما خير من البقاء الذى الأجسام التى هى مجل الأعمال
حقيقة، فإن الأجسام وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء والعمل الصالح من الباقيات عند اللّه أبداً،
وإذا ثبت هذا تبین أن الله بالقبول متفضل ، وقد أخبرانى لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل وتعب
من غير سبق الإيمان فهو المضيع تعبه لا اللّه تعالى ( وثالثها) لم يعمل الكافر عمله لوجه الله
تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) وبيانه هو أن العمل
لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل ولا بنفس العمل؛ وذلك لأن من قام ليقتل شخصاً ولم يتفق
قتله، ثم قام ليكرمه ولم يتفق الإكرام ولا القتل ، وأخبر عن نفسه أنه قام فى اليوم الفلانى لقتله
وفى اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى القيام فإنه واحد ولا بالنظر إلى القائم
٣٨
قوله تعالى : والدين امنوا وعملوا الصالحات . سورة محمد .
وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْخَقُّ مِنْ
ريم
فإنه حقيقة واحدة، وإنما يتميز بما كان لأجله القيام، وكذلك من قام وقصد بقيامه إكرام
الملك وقام وقصد بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة
الله الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم إن اتفق
أن يقصد واحد بعمله وجه الله تعالى ومع ذلك يعبد الأونان لا يكون عمله خيراً، لأن مثل ما أتى
بهاوجه الله أنى به الصنم المنحوت فلا تعظيم (الوجه الثانى) الإضلال هو جعله مستهاكا وحقيقته
هو أنه إذا كفر وأتى للأحجار والأخشاب بالركوع والسجود فلم يبق لنفسه حرمة وفعله لا يقى
معتبراً بسبب كفره، وهذا كمن يخدم عند الحارس والسايس إذا قام . فالسلطان لا يعمل قيامه
تعظيما لخسته كذلك الكافر ، وأما المومن فبقدر ما يتكبر على غير الله يظهر تعظيمه لله، كالملك
الذى لا ينقاد لأحد إذا انقاد فى وقت لملك من الملوك يتبين به عظمته (الوجه الثالث) (أضله) أى
أهمله وتركه ، كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيباً فضاع .
ثم إن الله تعالى لما بين حال الكفار بين حال المؤمنين.
فقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾
وفيه مسائل :
!'.
المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا مراراً أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان والعمل الصالح، رتب
عليهما المغفرة والأجر كماقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم)
وقال (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لتكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم) وقلنا بأن المغفرة
ثواب الإيمان والأجر على العمل الصالح واستزفينا البحث فيه فى سورة العنكبوت فنقول ههنا
جزاء ذلك قوله ( كفر عنهم سيئاتهم) إشارة إلى ما يئيب على الإيمان، وقوله ( وأصلح بالهم)
إشارة إلى ما يثيب على العمل الصالح.
المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة تكفير السيئات مرتب على الإيمان والعمل الصالح فمن
آمن ولم يفعل الصالحات يبقى فى العذاب خالداً، فنقول لو كان كما ذكر تم لكان الإضلال مرتباً على
الكفر والضد، فمن يكفر لا ينبغى ان تضل أعماله، أو نقول قد ذكرنا أن الله رتب أمرين على
أمرين فمن آمن كفر سيئاته ومن عمل صالحاً أصلح باله أو نقول أى مؤمن يتصور أنه غيرآت
بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا إطعام، وعلى هذا فقوله ( وعملوا)
عطف المسبب على السبب ، كما قلنا فى قول القائل أكلات كثيراً وشبعت .
٣٩
قوله تعالى : وآمنوا بما نزل على محمد . سورة محمد .
المسألة الثالثة) قوله ( وآمنوا بما نزل على محمد ) مع أن قوله آمنوا وعملوا الصالحات أفاد
هذا المعنى فما الحكمة فيه وكيف وجهه؟ فنقول: أما وجهه فيانه من وجوه (الأول) قوله (والذين
آمنوا) أى بالله ورسوله واليوم الآخر، وقوله (وآمنوا بما نزل) أى بجميع الأشياء الواردة فى
كلام الله ورسوله تعميم بعد أمور خاصة وهو حسن، تقول خلق الله السموات والأرض وكل
شىء إما على معنى وكل شىء غير ما ذكرنا. وإما على العموم بعد ذكر الخصوص (الثانى) أن
يكون المعنى آمنوا وآمنوا من قبل بما نزل على محمد وهو الحق المعجز الفارق بين الكاذب والصادق
يعنى آمنوا أولا بالمعجز وأيقنوا بأن القرآن لا يأتى به غير الله، فآمنوا وعملوا الصالحات والواو
للجمع المطلق، ويجوز أن يكون المتأخر ذكراً متقدماً وقوعاً، وهذا كقول القائل آمن به ، وكان
الايمان به واجباً، أو يكون بياناً لإيمانهم كأنهم (وآمنوا بما نزل على محمد) أى آمنوا وآمنوا بالحق
كما يقول القائل خرجت وخرجت مصيباً أى وكان خروجى جيداً حيث نجوت من كذا وربحت
كذا فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر الله وأول الله لا بما كان باطلا من عند غير الله
(الثالث) ماقاله أهل المعرفة، وهو أن العلم العمل والعمل العلم، فالعلم يحصل ليعمل به لما جاء: إذا
عمل العالم العمل الصالح علم مالم يكن يعلم، فيعلم الانسان مثلا قدرة الله بالدليل وعلمه وأمره فيحمله
الأمر على الفعل ويحثه عليه علمه فعلمه بحاله وقدرته على ثوابه وعقابه، فإذا اتى بالعمل الصالح على
من أنواع مقدورات الله ومعلومات الله تعالى مالم يعلمه أحد إلا بإطلاع اللّه عليه وبكشفه ذلك له
فيؤمن ، وهذا هو المعنى فى قوله ( هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع
إيمانهم) فإذا آمن المكلف بمحمد بالبرهان وبالمعجزة وعمل صالحاً حمله علمه على أن يؤمن بكل
ما قاله محمد ولم يجد فى نفسه شكا، وللمؤمن فى المرتبة الأولى أحوال وفى المرتبة الأخيرة أحوال،
أما فى الإيمان بالله ففى الأول يجعل اللّه معبوداً، وقد يقصد غيره فى حواتجه فيطلب الرزق من
زيد وعمر ويجعل أمراً سبباً لأمر، وفى الا خيرة يجعل الله مقصوداً ولا يقصد غيره ، ولا يرى
إلا منه سره وجهره، فلا يغيب إلى شىء فى شىء فهذا هو الإيمان الآخر باللّه وذلك الإيمان الأول،
وأما ما فى النبى صلى الله عليه وسلم فيقول أولا هو صادق فيما ينطق، ويقول آخر إلا نطق له إلا
بالله، ولا كلام يسمع منه إلا وهو من الله، فهو فى الأول يقول بالصدق ووقوعه منه، وفى الثانى
يقول بعدم إمكان الكذب منه لا ن حاكى كلام الغير لا ينسب إليه الكذب ولا يمكن إلا فى
نفس الحكاية. وقد علم هو أنه حاك عنه كما قاله، وأما فى المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلا
والحياة العاجلة حالا وفى المرتبة الاخيرة يجعل الحشر حالا والحياة الدنيا ماضياً، فيقسم حياة نفسه
فى كل لحظة ، ويجعل الدنيا كلها عدماً لا يلتفت إليها، ولا يقبل عليها.
المسألة الرابعة) قوله ( وآمنوا بما نزل على محمد) هو فى مقابلة قوله فى حق" الكافر
(وصدوا) لأنا بينا فى وجه أن المراد بهم صدوا عن اتباع محمد عزيز، وهذا حث على اتباع محمد
٤٠
٠٤
قوله تعالى : كفر عنهم سيئاتهم . سورة محمد .
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ
جع ، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل الله، وهو محمد عليه السلام وما أنزل عليه، وهؤلاء حثوا
أنفسهم على اتباع سبيله، لاجرم حصل لهؤلاء ضد ماحصل لأولئك، فأضل الله حسنات أولئك
وستر على سيئات هؤلاء.
﴿المسألة الخامسة﴾ قوله تعالى (وهو الحق من ربهم) هل يمكن أن يكون من ربهم وصفاً
فازقاً، كما يقال رأيت رجلامن بغداد، فيصير وصفاً الرجل فارقاً بينه وبين من يكون من
الموصل وغيره؟ نقول لا ، لأن كل ما كان من الله فهو الخق ، فليس هذا هو الحق من ربهم ، بل
قوله (من ربهم) خير بعدخبر ، كأنه قال وهو الحق وهو من ربهم، أو إن كان وصفاً فارقاً
فهو على معنى أنه الحق النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهداً، فإن كون الشمس مضيئة
حق وهو ليس نازل من الرب، بل هو علم حاصل بطريق يسره الله تعالى لنا .
قوله تعالى: ﴿كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾ أى سترها وفيه إشارة إلى بشارة ما كانت
تحصل بقوله أعدمها ومحاها، لأن محو الشىء لا يفىء عن إثبات أمر آخر مكانه، وأما الستر فينى.
عنه، وذلك لأن من يريد سترثوب بال أو وسخ لا يستره بمثله، وإنما يستره بثوب نفيس نظيف ،
ولا سيما الملك الجواد إذا ستر على عبد من عبيده ثوبه البالى أمر بإحضار ثوب من الجنس العالى
لا يحصل إلا بالثمن الغالى ، فيلبس هذا هو الستر بينه وبين المحبوبين، وكذلك المغفرة، فإن المغفرة
والتكفير من باب واحد فى المعنى، وهذا هو المذكور فى قوله تعالى (فأولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات) وقوله (وأصلح بالهم) إشارة إلى ماذكرنا من أنه يبدلها حسنة ، فإن قيل كيف تبدل
السيئة حسنة؟ نقول معناه أنه يجزيه بعد سيئاته ما يجزى المحسن على إحسانه، فإن قال الإشكال
باق وباد ، وما زال بل زاد، فإن الله تعالى لو أثاب على السيئة كما يثيب عن الحسنة، لكان ذلك
حثّاً على السيئة، نقول ماقلنا إنه يثيب على السيئة: وإنما قلنا إنه يشيب بعد السيئة بما يثيب على
الحسنة ، وذلك حيث يأتى المؤمن بسيئة ، ثم يتنبه ويندم ويقف بين يدى ربه معترفاً بذنبه
مستحقراً لنفسه، فيصير أقرب إلى الرحمة من الذى لم يذنب، ودخل على ربه مفتخراً فى نفسه،
فصار الذنب شرطاً للندم، والثواب ليس على السيئة، وإنما هو على الندم، وكأن الله تعالى قال
عبدی أذنب ورجع إلى ، ففعله شىء لكن ظنه بى حسن حيث لم يجد ملجأ غيرى فانكل على فضلى،
والظن عمل القلب، والفعل عمل البدن، واعتبار عمل القلب أولى، ألا ترى أن النائم والمغمى
عليه لا يلتفت إلى عمل بدنه، والمفلوج الذى لاحركة له يعتبر قصد قلبه، ومثال الروح والبدن
راكب دابة يركض فرسه بين يدى ملك يدفع عنه العدو بسيفه وسنانه ، والفرس يلطخ ثواب
الملك بركضه فى اسقنانه، فهل يلتفت إلى فعل الدابة مع فعل الفارس، بل لو كان الراكب فارغاً