النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيرُ الفَخْرِ الزَّازِى
الصَّهُ بِالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَعِ الغَيب
للإمَامِ حَّ الَّزى مخز الّين ابن العلامة ضياءالدين عمر
الشّهر بخطِ الرى نفع اللهباليمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الرّحُ القِرَوَالْقُوَّ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

٢
سورة الأحقاف
(٤٦) سُورَة الأَخْقَافِكِيَّة
وَآَيَائها خْسٌ وَثَلاثُونَ
بِسُـ
١
مَا خَلَقْنَا السَّمَلَوَتِ
حمّ ﴿يَ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَهِ الْعَزِيزِالحَكِيمِ﴾
وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَآ إِلَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أَنذِرُواْ مُعْرِضُونَ
قُلْ أَرَةَيْثُم ◌َّتَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِأَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْلَهُمْ شِرْكٌ
فِ السَّمَتِ أَنْتُونِى بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَفَرَةٍ مِّنْ عِمِ إِن كُنتُمْ صَدِينَ
بسم الله الرحمن الرحيم
حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ، ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا
بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون . قل أرأيتم ما تدعون من دون الله
أرونى ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك فى السموات التونى بكتاب من قبل هذا أو أثارة من
علم إن كنتم صادقين﴾.
اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية، وقد ذكرنا ما فيه.
وأما قوله ( ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) فهذا يدل على إثبات الإلهبهذا
العالم ، ودل على أن ذلك الإله يجب أن يكون عادلا رحيما بعباده، ناظراً لهم محسناً إليهم، ويدل
على أن القيامة حق .
﴿ أما المطلوب الأول﴾ وهو إثبات الإله بهذا العالم، وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير،
وآثار التقدير ظاهرة فى السموات والأرض من الوجوه العشرة المذكورة فى سورة الأنعام ،
وقد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإله القادر المختار .
٠
٠٠٦

٣
قوله تعالى : والذين كفروا عما أنذروا معرضون . سورة الأحقاف.
السَّاِس والعشرون
﴿وأما المطلوب الثانى) وهو إثبات أن إله العالم عادل رحيم فيدل عليه قوله تعالى (إلا بالحق)
لأن قوله ( إلا بالحق ) معناه إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان ، وأن الإله يجب أن يكون
فضله زائداً وأن يكون إحسانه راجحاً، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من
وصول المضار إليهم، قال الجبائى هذا يدل على أن كل مابين السموات والأرض من القبائح فهو
ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده ، وإلا لزم أن يكون خالقاً لكل باطل ، وذلك ينافى قوله
(ماخلقناهما إلا بالحق) أجاب أصحابنا وقالوا: خلق الباطل غير، والخلق بالباطل غير، فنحن نقول
إنه هو الذى خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من اللّه تعالى فى ملك
نفسه وتصرف المالك فى ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل ، قالوا والذى يقرر ما ذكر ناه أن
قوله تعالى (ماخلقنا السموات والأرض وما بينهما) يدل على كونه تعالى غالفاً لكل أعمال
العباد ، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السموات والأرض، فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ووقوع
التعارض فى الآية الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ماذكرناه ، فإن قالوا أفعال العباد
أعراض، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السموات والأرض ، فنقول فعلى هذا التقدير
سقط ما ذكر تموه من الاستدلال والله أعلم .
﴿ وأما المطلوب الثالث) فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة، وتقريره أنه لو لم توجد
القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفيه العقاب
على الكافرين وذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما الا بالحق .
وأما قوله تعالى ( وأجل مسمى) فالمراد أنه ماخلق هذه الأشياء (إلا بالحق) وإلا (لأجل
•ـمى) وهذا يدل على أن إله العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلداً سرمداً، بل إنما خلقه ليكون
داراً للعمل ، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده، فيقع الجزاء فى الدار الآخرة، فعلى هذا (الأجل
المسمى) هو الوقت الذى عينه اللّه تعالى لإفناء الدنيا .
ثم قال تعالى (والذين كفروا عما أنذروا معزضون) والمراد أن مع نصب الله تعالى هذه
الدلائل ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب ومع مواظبة الرسل على الترغيب والترهيب والإعذار
والإنذار، بقى هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل غير ملتفتين إليها ، وهذا يدل على وجوب
النظر والاستدلال، وعلى أن الإعراض عن الدليل مذموم فى الدين والدنيا .
واعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإله، وعلى إثبات كونه عادلا رحيما،
وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع .
﴿فالفرع الأول) الرد على عبدة الأصنام فقال (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله) وهى
الأصنام أرونى أى أخبرونى ماذا خلقوا من الأوض (أم لهم شرك فى السموات) والمراد أن

٤
قوله تعالى : ائتوني بكتاب من قبل هذا . سورة الأحقاف.
هذه الأصنام، هل يعقل أن يضاف إليها خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟ فإن لم يصح ذلك فهل بجوز
أن يقال إنها أعانت إله العالم فى خلق جزء من أجزاء هذا العالم، ولما كان صريح العقل حاكما بأنه
لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء ، ... م، »، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء ، ولا يجوز
أيضاً إسناد الإعانة إليها فى أقل الأفعال وأذلها، حينئذ صح أن الخالق الحقيقى لهذا العالم هو الله
. سبحانه، وأن المنعم الحقيقى بجميع أقسام النعم هو الله سبحانه، والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل
وجوه التعظيم، وذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق والمنعم
الحقيقى هو الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة والعبودية إلا له ولأجله، بقى
أن يقال إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة ، بل إنما نعبدها لأجل أن الإله الخالق المنعم أمرنا
بعبادتها، فعند هذا ذكر الله تعالى ما يجرى مجرى الجواب عن هذا السؤال، فقال (ائتونى بكتاب من
قبل هذا أو أثارة من علم) وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لاسبيل إلى معرفته إلا بالوحى
والرسالة ، فنقول هذا الوحى الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان ، إما أن يكون على محمد أو فى
سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء ، وإن لم يوجد ذلك فى الكتب الإلهية لكنه من
تقابل العلوم المنقولة عنهم والكل باطل، أما إثبات ذلك بالوحى إلى محمد بريتز فهو معلوم البطلان،
وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضاً باطل، لأنه
علم بالتواتر الضرورى إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام ، وهذا
هو المراد من قوله تعالى (ائتونى بكتاب من قبل هذا) ، وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن
الأنبياء سوى ماجاء فى الكتب فهذا أيضاً باطل ، لأن العلم الضرورى حاصل بأن أحداً من الأنبياء
ما دعا إلى عبادة الأصنام ، وهذا هو المراد من قوله ( أو أثارة من علم) ولما بظل الكل ثبت
أن الأشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل وقول فاسد وبقى فى قوله تعالى (أو أثارة من علم) نوعان
من البحث .
﴿النوع الأول) البحث اللغوى قال أبو عبيدة والفراء والزجاج (أثارة من علم) أى بقية
وقال المبرد ( أثارة) ما يؤثر من علم أى بقية، وقال المبرد (أثارة) تؤثر (من علم) كقولك
هذا الحديث يؤثر عن فلان ، ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار يقال جاء فى الأثر كذاوكذا،
قال الواحدى : وكلام أهل اللغة فى تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال: (الأول ) البقية
واشتقاقها من أثرت الشىء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار ( والثانى) من الأثر الذى هو
الرواية (والثالث ) هو الأثر بمعنى العلامة، قال صاحب الكشاف وقرى. ( أثرة) أى من شىء
أو ترتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغير كم وقرى: (أثرة) بالحركات الثلاث مع سكون الثاء
فالإثرة بالكسر بمعنى الأثر، وأما الإثر فالمرأة من مصدر أثر الحديث إذا رواه، وأما الأثرة بالضم
فاسم ما يؤثر كالخطبة اسم لما يخطب به ، وههنا قول آخر فى تفسير قوله تعالى (أو أثارة من علم)

٥
قوله تعالى : ومن أضل ممن يدعوا من دون الله . سورة الأحقاف.
وَمَنْ أَضَلُّ ◌ِمِّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُوَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
عَنْ دُعَلَِّمْ غَفِلُونَ (٤﴾ وَإِذَا ◌ُشِرَ النَّاسُ كَانُوْلَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ
كَثِفِرِ ينَ ﴾ وَ إِذَا يُعْلَى عَيْهِمْ ءَ ايَشْكُنَا بَيِّنَتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِحَقّ لَمَّا جَاءَ هُمْ
هَذَا سِرٌ مِنَّ (® أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَّ قُلْ إِنِ أَفْتَتُهُ، فَلَا تَخْلِكُونَ لِ مِنَ الهِ
شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُبِمَا تُفِضُونَ فِّ ◌َ بِهِ شَِدًا بَدْنِى وَبَيْنَكُّ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
٨
وهو ما روى عن ابن عباس أنه قال (أو أثارة من علم) هو علم الخط الذى يخط فى الرمل والعرب
كانوا يخطونه وهو علم مشهور، وعن النبى ومع أنه قال ((كان نى من الأنبياء يخط فمن وافق خطه
خطه علم علمه)) وعلى هذا الوجه فمعنى الآية انتونى بعلم من قبل هذا الخط الذى تخطونه فى الرمل
يدل على صحة مذهبكم فى عبادة الأصنام ، فان صح تفسير الآ ية بهذا الوجه کان ذلك من باب التهكم
بهم وبأقوالهم ودلائلهم والله تعالى أعلم:
قوله تعالى: ﴿ومن أضل من يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وم عن
دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين، وإذا تتلى عليهم آياتنا
بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحرمبين، أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون
لى من الله شيئاً هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم﴾.
أعلم أنه تعالى بين فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل ، من حيث إنها لا قدرة لها
البتة على الخلق والفعل والإيجاد والإعدام والنفع والضر، فأردفه بدليل آخريدل على بطلان ذلك
المذهب ، وهى أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين ، ولا تعم حاجات المحتاجين ، وبالجملة فالدليل
الأول كان إشارة إلى نفى العلم من كل الوجوه ، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه لم تبق
عبادة معلومة بيديهة العقل فقوله ( ومن أضل من يدعو من دون الله) استفهام على سبيل الإنكار
والمعنى أنه لا أمراً أبعد عن الحق، وأقرب إلى الجهل ممن يدعوا من دون الله الأصنام، فيتخذها
آلهة ويعبدها وهى إذا دعيت لا تسمع، ولا تصح منها الإجابة لا فى الحال ولا بعد ذلك اليوم إلى
يوم القيامة، وإنما جعل ذلك غاية لأن يوم القيامة قد قيل إنه تعالى بحيبها وتقع بينها وبين من

٦
قوله تعالى : قل ما كنت بدعاً من الرسل . سورة الأحقاف.
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكٌُّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
يعبدها مخاطبة فلذلك جعله تعالى حداً، وإذا قامت القيامة وحشر الناس فهذه الأصنام تعادى
هؤلاء العابدين ، واختلفوا فيه فالأكثرون على أنه تعالى يحيى هذه الأصنام يوم القيامة وهى
تظهر عداوة هؤلاء العابدين وتتبرأ منهم، وقال بعضهم بل المراد عبدة الملائكة ، وعيسى فإنهم فى
يوم القيامة يظهرون عداوة هؤلاء العابدين فإن قيل ما المراد بقوله تعالى (وثم عن دعائهم غاءلون)
وكيف يعقل وصف الأصنام وهى جمادات بالغفلة ؟ وأيضاً كيف جاز وصف الأصنام بما
لا يليق إلا بالعقلاء؟ وهى لفظة من وقوله (هم غاءلون) قلنا إنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر
وينفع صح أن يقال فيها إنها بمنزلة الغافل الذى لا يسمع ولا يجيب . وهذا هو الجواب أيضاً عن
قوله إن لفظة ( من) ولفظة (م) كيف يليق بها، وأيضاً يجوز أن يريد كل معبود من دون الله
من الملائكة وعيسى وعزير والأصنام إلا أنه غلب غير الأوثان على الأوثان
واعلم أنه تعالى لما تكلم فى تقرير التوحيد ونفى الأضداد والأنداد تكلم فى النبوة وبين أن
محمداً برفع كلما عرض عليهم نوعاً من أنواع المعجزات زعموا أنه سحر فقال وإذا تتلى عليهم
الآيات البينة وعرضت عليهم المعجزات الظاهرة سموها بالسحر ، ولمنا بين أنهم يسمون المعجزة
بالسحر بين أنهم متى سمعوا القرآن قالوا إن محمداً افتراه واختلقه من عند نفسه ، ومعنى الهمزة فى
أم للانكار والتعجب كأنه قيل دع هذا واسمع القول المنكر العجيب، ثم إنه تعالى بين بطلان
شبهتهم فقال إن افتريته على سبيل الفرض ، فإن الله تعالى يعاجلنى بعقوبة بطلان ذلك الافتراء وأنتم
لا تقدرون على دفعه عن معاجلتى بالعقوبة فكيف أقدم على هذه الفرية ، وأعرض نفسى لعقابه ؟
يقال فلان لا يملك نفسه إذا غضب ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله (فمن يملك من الله شيئاً إن أراد
أن يهلك المسيح ابن مريم)، (تومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً) ومنه قوله ومر ئى ((لا
أملك لكم من الله شيئاً)) .
ثم قال تعالى ( هو أعلم بما تفيضون فيه) أى تندفعون فيه من القدح فى وحى الله تعالى
والطعن فى آياته وتسميته سحراً قارة وفربة أخرى ( كفى به شهيداً بينى وبينكم) يشهد لى بالصدق
ويشهد عليكم بالكذب والججرد ، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد لهم على إقامتهم فى
الطعن والشتم .
ثم قال ( وهو الغفور الرحيم) بمن رجع عن الكفر وتاب واستعان بحكم الله عليهم مع
غظم ما ارتكبوه .
قوله تعالى: ﴿ قل ما كبنت بدعاً من الرسل وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم أن أتبع إلا ما يوحى
١

٧
هوله تعالى : قل ارأيتم إن كان من عند الله . سورة الأحقاف.
يُوحَّ إِلَىَّ وَمَا أَنَّ إِلَّا نَذِيْرٌ مِّبِينٌ ﴿ قُلْ أَرَةَيُمْ إِن كَانَ مِنْ عِنِدِ اللهِ وَكَفَرْتُ
بِهِ، وَشَبِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِّ إِسْرَءِيَلَ عَلَى مِثْلِهِ فَقَامَنَ وَأَسْتَكْبَرٌ إِنَّ الَّهَ لَيَبْدِى
الْقَوْمَ الظَّلِينَ (٣٠﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْلَّذِينَ ءَ امَنُوْلَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ
وَإِذْلَمْ يَهْتَدُوْبِهِ، فَسَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ (١) وَمِن قَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَىّ إِمَامًا
وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى
ء
للْمُحْسِنِينَ
١٢
إلى وما أنا إلا نذير مبين، قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل
على مثله آمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، وقال الذين كفروا الذين آمنوا لو كان
خيراً ما سقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، ومن قبله كتاب موسى إماماً
ورحمة وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ﴾ .
أعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم فى كون القرآن معجزاً ، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم
ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية، حتى عنهم نوعاً آخر من الشبهات ، وهو أنهم كانوا
يقترحون منه معجزات جيبة قاهرة ، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغیبات ، فأجاب الله تعالى عنه بان
قال (قل ما كنت بدعاً من الرسل) والبدع والبديع من كل شىء المبدأ، والبدعة ما خترع مما لم يكن
موجوداً قبله بحكم السنة، وفيه وجوه (الأول) (ما كنت بدعاً من الرسل) أى ما كنت أولهم، فلا
ينبغى أن تنکروا إخباری بأی رسول الله إلیکم، ولا تنکروا دعائی لكم إلى التوحيد، ونھی عن
عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق (الوجه الثانى) أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة
وأخباراً عن الغيوب فقال (قل ما كنت بدعاً من الرسل) والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة
والإخبار عن هذه الغيوب ليس فى وسع البشر، وأنا من جنس الرسل وأحد منهم لم يقدر على ما
تريدونه فكيف أقدر عليه؟ (الوجه الثالث) أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق
وبأن أتباعه فقراء فقال (قل ما كنت بدءاً من الرسل) وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة
فهذه الأشياء لا تقدح فی نبوقی کما لا تقدح فی نبوتهم .
ثم قال ﴿وما أدرى ما يفعل بې ولا بكم﴾ وفيه مسائل :

٨
قوله تعالى : إن اتبع إلا ما يوحي إلى . سورة الأحقاف.
المسألة الأولى ﴾ فى تفسير الآية وجهان (أحدهما) أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا
(والثانى) أن يحمل على أحوال الآخرة (أما الأول) ففيه وجوه (الأول) لا أدرى ما يصير
إليه أمرى وأمركم، ومن الغالب منا والمغلوب ( والثانى) قال ابن عباس فى رواية الكلبى : لما
اشتد البلاء بأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بمكة رأى فى المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل
وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين ،
ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لايرون أثر ذلك ، فقالوا يارسول الله ما رأينا الذى قلت ومتى
نهاجر إلى الأرض التى رأيتها فى المنام؟ فسكت النبى من اله فأنزل الله تعالى (ما أدرى مايفعل الله فى
ولا بكم) وهو شىء رأيته فى المنام، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه اللّه إلى (الثالث) قال الضحاك
لاأدرى ماتؤمرون به ولا أومر به فى باب التكاليف والشرائع والجهاد ولافى الابتلاء والامتحان
وإنما أنذركم بما أعلمنى الله به من أحوال الآخرة فى الثواب والعقاب (والرابع) المراد أنه يقول
لا أدری مایفعل بی فی الدنیا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلی ولا أدرى ما يفعل بكم أيها
المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين
حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح
المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لايدرى ما يفعل به وبنا ؟ فأنزل الله تعالى
( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك) إلى قوله ( وكان ذلك عند الله فوزاً
عظيما) فبين تعالى ما يفعل به وبمن اتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين.
وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه (الأول) أن النبى معَ له لابد وأن يعلم
من نفسه كونه نبياً ومتى على كونه نبيا علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفورله، وإذا كان كذلك
امتنع كونه شاكا فى أنه هل هو مغفور له أم لا (الثانى) لاشك أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء،
فلماقال فى هذا (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون) فكيف يعقل
أن يبقى الرسول الذى هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاکا فی أنه هل هو من
المغفورين أو من المعذبين؟ (الثالث) أنه تعالى قال (الله أعلم حيث يجعل رسالته) والمراد منه
کال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله کیف یلیق به أن یبقی شاکا فی أنه من
المعذبين أومن المغفورين؟ فثبت أن هذا القول ضعيف .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف قرى. (ما يفعل) بفتح الياء أى يفعل الله عز وجل
فإن قالوا ( ما يفعل) مثبت وغير منفى وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم ؟ قلنا التقدير
ما أدرى ما يفعل بى وما أدرى ما يفعل بكم .
ثم قال تعالى (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) يعنى إنى لا أقول قولا ولا أعمل عملا إلا بمقتضى
الوحى واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا التى يؤتى ما قال قولا ولا عمل عملا إلا بالنص
الذى أوحاه الله إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك ( بيان الأول) قوله تعالى (إن أتبع إلا

٩
قوله تعالى : قل ارأيتم إن كان من عند الله . سورة الأحقاف :
ما يوحى إلى) (بيان الثانى) قوله تعالى (واتبعوه) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره).
ثم قال تعالى ( وما أنا إلا نذير مبين ) كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن
الغيوب فقال قل ( وما أنا إلا نذير مبين) والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر
والعالم بتلك الغيوب ليس إلا اللّه سبحانه .
قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل
على مثله فآمن واستكبر تم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند
اللّه ثم كفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين
ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسات إلى وأقبلت عليك وأعرضت
عنى فقد ظلمتنى، فكذا مهنا التقدير أخبرونى إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق
عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضاً شهادة أعلم بنى إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو
استكبر ثم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم ، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف فى بعض
الآيات وقد يذكر، أما الحذف ((كما فى هذه الآية، وكما فى قوله تعالى (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال
أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) وأما المذكور ، فكما فى قوله تعالى ( قل أرأيتم إن كان
من عند الله ثم كفرتم به من أضل) وقوله (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم
القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء).
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى المراد بقوله تعالى (وشهد شاهد من بنى إسرائيل) على قولين
(الأول) وهو الذى قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد الله بن سلام، روى صاحب
الكشاف أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه
كذاب وتأمله وتحقق أنه هو النبى صلى الله عليه وسلم المنتظر، فقال له إنى سائلك عن ثلاث
ما يعلمهن إلا فى ما أول أشراط الساعات ، وما أول طعام يأكله أهل الجنة ، والولد ينزع إلى أبيه أو
أو إلى أمه ؟ فقال مريم ((أما أول أشرط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول
طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء
المرأة نزع لها)) فقال أشهد أنك لرسول الله حقاً، ثم قال يارسول الله إن اليهود قوم بهعه
وإن عدموا بإسلامى قبل أن تسألهم عنى بهتونى عندك، لجاءت اليهود فقال لهم النبى صلى الله عليه
وسلم أى رجل عبد الله فيكم ؟ فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا
فقال أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ فقالوا أعاذه الله من ذلك فرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا انه
وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول
اللّه فقال سعد بن أبى وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشى على الأرض

١٠
قوله تعالى : وشهد شاهد من بني اسرائيل . سورة الأحقاف
إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل (وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله).
واعلم أن الشعبى ومسروقاً وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور فى هذه الآية
هو عبد الله بن سلام قالوا لأن إسلامه، كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين
وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت فى آخر عهد رسول
القه صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وأجاب الكلبى بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت
الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها فى سورة كذا فهذه الآية نزلت بالمدينة
وإن الله تعالى أمر رسوله في له بأن يضعها فى هذه السورة المكية فى هذا الموضع المعين، ولقائل
أن يقول إن الحديث الذى رويتم عن عبد الله بن سلام مشكل، وذلك لأن ظاهر الحديث يوم أنه
لما سأل التى والع عن المسائل الثلاثة، وأجاب النى ربيع بتلك الجوابات من عبد الله بن سلام لأجل
أن النبى ربع ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جداً لوجهين (الأول) أن الإخبار عن أول أشراط
المباعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شىء من الممكنات ، وما هذا سبيله فإنه
لا يعرف كون ذلك الخبر صدقاً إلا إذا عرف أولا كون المخبر صادقاً فلو أنا عرفنا صدق المخبر
يكون ذلك الخبر صدقا لزم الدور وإنه محال (الثانى) أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن
هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز البتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة
لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت
إلى حد الإنجاز ( والجواب) يختفل أنه جاء فى بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر
ازمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا
المعنى فلما سأل النبى صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولا
حقاً من عند الله، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز والله أعلم.
(الفول الثانى) فى تفسير قوله تعالى (وشهد شاهد من نى إسرائيل) أنه ليس المراد منه
شخصاً معيناً بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود فى التوراة والبشارة بمقدمه
حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلا منصفاً عارفاً بالتوراة أقربذلك واعترف به، ثم إنهآمن بمحمد
صلى الله عليه وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟ فهذا الكلام مقرر سواء
كان المراد بذلك الشاهد شخصاً معيناً أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلى من هذا الكلام أنه
ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم
محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته.
المسألة الثالثة ) قوله تعالى (على مثله) ذكروا فيه وجوهاً، والأقرب أن نقول إنه صلى الله
١ه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بنى إسرائيل
على مثل ما فلت (فآمن واستكبرتم) ألستم كنتم ظالمين أنفسكم.

١١
قوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا . سورة الأحقاف
ثم قال تعالى ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير (قل أرأيتم إن كان
من عند الله ثم كفرتم به) فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.
﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل
القبيح الذى صدر منهم أولا ، فإن قوله تعالى ( إن الله لا يهدى القوم الظالمين) صريح فى أنه تعالى
لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا فى جميع الآيات الواردة فى المنع من الإيمان
والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا والله أعلم .
ثم قال تعالى ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه) وفيه مسائل :
و المسألة الأولى﴾ هذه شبهة أخرى للقوم فى إنكار نبوة محمد عز له، وفى سبب نزوله
وجوه: (الأول) أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل
عمار وصهيب وابن مسعود، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء (الثانى) قيل لما أسلمت
جهينة ومزينة وأسلم وغفار ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ماسبقنا إليه
رعاه إليهم (الثالث) قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر، ويقول لولا أنى فترت
لزدتك ضرباً ، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة .
(الرابع) قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلام.
المسألة الثانية﴾ اللام فى قوله تعالى ( للذين آمنوا) ذكروا فيه وجهين: (الأول) أن
يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو ، ثم
تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى (حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم) (الثانى) قال
صاحب الكشاف (للذين آمنوا) لأجلهم يعنى أن الكفار قالوا لأجل إيمان ( الذين آمنوا)
لو كان خيراً ماسبقونا إليه ، وعندى فيه وجه (ثالث) وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة
آمنوا برسول الله مَ له خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً
لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا .
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون
هذا إنك قديم) والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً، فلا بد من عامل فى الظرف
فى قوله ( وإذ لم يهتدوا به) ومن متعلق لقوله ( فسيةولون) وغير مستقيم أن يكون (فسيقولون)
هو العامل فى- الظرف لتدافع دلالتى المضى والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام ؟ وأجاب عنه بأن
العامل فى إذ محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير ( وإذ لم يهتدوا به) ظهر عنادهم (فسيقولون
هذا إنك قديم).
ثم قال تعالى ( ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة ) كتاب موسى مبتدأ ، ومن قبله ظرف

١٢
قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . سورة الأحقاف
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبَّى اللهُمَ اْتَقَدُواْ فَلَا خَوْفٍّ عَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أُوْلَئِكَ أَعَْبُ الْجَنَّةِ خَدِينَ فِيهَا جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ () وَوَصَّيْنَا
الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَانًا حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًا وَمْلُهُ، وَفِصَائِلُهُ.
ثَلُونَ شَهْرً حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّهُ قَالَ رَبٍ أَوْ زِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ
واقع خبراً مقدماً عليه، وقوله ( إماماً) نصب على الحال كقولك فى الدار زيد قائماً، وقرى.
(ومن قبله كتاب موسى) والتقدير: وآتينا الذى قبله التوراة، ومعنى ( إماماً) أى قدوة (ورجمة)
يؤتم به فى دين الله وشرائعه ، كما يؤتم بالإمام (ورحمة) لمن آمن به وعمل بما فيه ، ووجه تعلق
هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا فى صحة القرآن ، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء
الصعاليك ، وكأنه تعالى قال: الذى يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون فى أن الله تعالى أنزل
التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى به ، ثم إن التوراة مشتملة على
البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم کون التوراة إماماً يقتدى به ، فاقبلوا حكمه فی کون
محمد صلى الله عليه وسلم حقاً من الله .
ثم قال تعالى (وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً ) أى هذا القرآن مصدق لكتاب موسى فى أن
محمداً رسول حقاً من عند الله وقوله تعالى ( لساناً عربياً) نصب على الحال ، ثم قال ( لينذر الذين
ظلموا ) قال ابن عباس مشركي مكة ، وفى قوله ( لتنذر ) قراء تان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى
بالمخاطبة كقوله تعالى ( لتنذر به وذكرى للمؤمنين) والياء لاتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى
الكتاب كما أسند إلى الرسول ، وقوله تعالى (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب) إلى قوله
( لينذر بأساً شديداً من لدنه) .
ثم قال تعالى (وبشرى للمحسنين) قال الزجاج الأجود أن يكون قوله (وبشرى) فى موضع
رفع، والمعنى وهو بشرى للمحسنين، قال ويجوز أن يكون فى موضع نصب على معنى (لينذر الذين
ظلموا وبشرى للمحسنين ) وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين
وبشارة المطيعين .
قوله تعالى: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون، أولئك
أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون، ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه
كرماً ووضعته كرماً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب

١٣
قوله تعالى : قال رب اوزعني أن اشكر نعمتك . سورة الأحقاف.
نِعْمَتَكَ الَِّى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدِىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَائِمًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِىِ
ذُرِّيَقِّ إِى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِى مِنَ الْمُسْلِينَ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ
أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَنَ سَِّعَاتِهِمْ فِىَ أَمْخَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِىِ
كَانُواْ يُوعَدُونَ
١٦
أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحاً ترضيه وأصلح لى فى
ذرينى إنى تبت إليك وإنى من المسلمين ، أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن
سيئاتهم فى أصحاب الجنة وعد الصدق الذی کانوا یوعدون
أعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها ، ذكر بعد
ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وقد ذكرنا نفسير هذه
الكلمة فى سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن فى سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون
ويقولون ( أن لا تخافوا ولا تحزنوا) وههنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه (لا خوف عليهم
ولاهم يحزبون) فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة،
وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضاً من غير واسطة .
واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من (آمن بالله وعمل صالحاً) فإنهم بعد الحشر لا ينالهم
خوف ولا حزن ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال ، وقال بعضهم
خرف العقاب زائل عنهم ، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول البتة عن العبد، ألا ترى أن الملائكة
مع على درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) وهذه
المسألة سبقت بالاستقصاء فى آيات كثيرة منها قوله تعالى (لا يحزنهم الفزع الأكبر).
ثم قال تعالى ( أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ) قالت المعتزلة : هذه
الآية تدل على مسائل (أولها ) قوله تعالى ( أولئك أصحاب الجنة ) وهذا يفيد الحصر ، وهذايدل
على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وهذا يدل على أن صاحب
الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة ( وثانيها) قوله تعالى (جزاء بما كانوا يعملون) وهذا يدل على
فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء ( وثالثها) أن قوله تعالى ( بما كانوا يعملون) يدل
على إثبات العمل للعبد (ورابعها) أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر فى حال، المؤثر، أو أى
أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر (وخامسها) كون العبد

١٤
قوله تعالى : حملته امه كرهاً . سورة الأحقاف.
مستحقاً على الله تعالى، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى،
فقال تعالى ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ وقد تقدم الكلام فى نظير هذه الآية فى سورة
العنكبوت ، وفى سورة لقمان ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائى (بوالديه إحساناً) والباقون ( حسناً).
واعلم أن الإحسان خلاف الأساءة والحمن خلاف القبيح، فمن قرأ (إحساناً) لحمجته قوله
تعالى فى سورة بنى إسرائيل (وبالوالدين إحساناً) والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً، وحجة
القراءة الثانية قوله تعالى فى العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) ولم يختلفوا فيه، والمراد
أيضاً أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسناً، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل
المبالغة، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسناً على المصدر، لأن معنى (ووصينا
الإنسان بوالدية ) أمرناه أن يحسن إليهما ( إحساناً).
ثم قال تعالى ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرماً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى (كرماً) بضم الكاف ، والباقون
بفتحها، قيل هما لغتان: مثل الضعف والضعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر: الدف
والدف، والشهد والشهد، قال الواحدى: الكره مصدر من كرهت الشىء أكرهه، والكره
الاسم كأنه الشىء المكروه قال تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) فهذا بالضم ، وقال
( أن ترثوا النساء كرماً) فهذا فى موضع الحال، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدراً أو فى
موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسماً نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال المفسرون. حملته أمه على مشقة ووضعته فى مشقة، وليس بريد ابتداء
الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال تعالى (فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً) يريد ابتداء الحمل ،
فإن ذلك لا يكون مشقة، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت حينئذ ( حملته كرماً ووضعته
كرماً ) يريد شدة الطلاق .
المسألة الثالثة ﴾ دات الاية على أن حق الأم أعظم، لأنه تعالى قال أولا (ووصينا الإنسان
بوالديه حسناً) فذكر هما معاً، ثم خص الأم بالذكر، فقال ( حملته أمه كرماً ووضعته كرماً )
وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، والأخبار مذكورة
فى هذا الباب .
ثم قال تعالى ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ هذا من باب حذف المضاف، والتقدير (ومد حمله وفصاله ثلاثون شهراً)
والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن ، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام ، فكيف عبر
عنه بالفصال؟ قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلاتمه، لأنه يفتهى ويتم به ، سمى فصالا .

١٥
قوله تعالى : حملته امه كرهاً . سورة الأحقاف
﴿ المسألة الثانية) دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل
والرضاع ثلاثون شهراً، قال (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فإذا أسقطت الحولين
الكاملين وهى أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين، بقى أقل مدة الحمل ستة أشهر. روى عن عمر
أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال على: لارجم عليها، وذكر
الطريق الذى ذكرناه، وعن عثمان أنه هم بذلك، فقرأ ابن عباس عليه ذلك.
واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضاً على أن الأمر كذلك، قال أصحاب التجارب: إن
لتكوين الجنين زماناً مقدراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين ، فإذا انضاف إلى ذلك
المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم، فلنفرض أنه يتم خلقه فى ثلاثين يوماً، فإذا تضاعف ذلك
الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين ، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون
حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر ، حينئذ ينفصل الجنين ، فلنفرض أنه يتم خلقه فى
خمسة و ثلاثين يوماً، فيتحرك فى سبعين يوماً ، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يوماً
صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام، وهو سبعة أشهر انفصل الولد، ولنفرض أنه يتم خلقه فى
أربعين يوماً ، فيتحرك فى ثمانين يوماً، فينفصل عند مائتين وأربعين يوماً، وهو ثمانية أشهر،
ولنفرض أنه تمت الخلقة فى خمسة وأربعين يوماً ، فيتحرك فى تسعين يوماً ، فينفصل عند مائتين
وسبعين يوماً ، وهو تسعة أشهر، فهذا هو الضبط الذى ذكره أصحاب التجارب. قال جالينوس :
إنى كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل ، فرأيت امرأة ولدت فى المائة والأربع والثمانين
ليلة، وزعم أبو على بن سينا أنه شاهد ذلك، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن، وبحسب
التجارب الطبية شيئاً واحداً، وهو ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل، فليس فى القرآن ما يدل
عليه ، قال أبو على بن سينا : فى الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء ، بلغنى من
حيث وثقت بهكل الثقة، أن امرأة وضعت بعد الرابع من ستى الحمل ولداً قد نبقت أسنانه وعاش.
وحكى عن ارسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان، فربما
وضعت الحبلى لسبعة أشهر ، وربما وضعت فى الثامن ، وقلما يعيش المولود فى الثامن إلا فى بلاد
معينة مثل مصر، والغالب هو الولادة بعد التاسع. قال أهل التجارب: والذى قلناه من أنه إذا
تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين ، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين ، إنما قلناه
بحسب التقريب لا بحسب التحديد، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام ، لأنه لم يقم على هذا
الضبط برهان، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربه، والله أعلم.
ثم قال المدة التى فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام (فأولها) أن الرحم إذا اشتملت على
المنى ولم تقذفه إلى الخارج استدار المنى على نفسه منحصراً إلى ذاته وصار كالكرة، ولما كان من
شأن المنى أن يفسده الحركات، لا جرم يثخن فى هذا الوقت وبالحرى أن خلق المنى من مادة تجف

١٦
قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده . سورة الأحقاف .
بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المتى زبداً فى اليوم
السادس (وثانيها) ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه (إحداها) فى الوسط وهو الموضع الذى إذا
تمت خلقته كان قلباً (والثانى) فوق وهو الدماغ (والثالث) على اليمين وهو الكبد، ثم إن تلك
النقط تتباعد ويظهر فيما بينها خيوط حمر ، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع
تسعة أيام (وثالثها) أن تنفذ الدموية فى الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير
المجموع خمسة عشر يوماً (ورابعها ) أن بصير لحماً وقد تميزت الأعضاء الثلاثة ، وامتدت رطوبة
النخاع ، وذلك إنما يتم باثنى عشر يوماً فيكون المجموع سبعة وعشرين يوماً (وخامسها) أن
ينفصل الرأس عن المنكين والأطراف عن الضلوع والبطن يميز الحس فى بعض ويخفى فى بعض
وذلك يتم فى تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة وثلاثين يوماً (وسادسها) أن يتم انفصال
هذه الأعضاء بعضها عن بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحر ظهوراً بيناً، وذلك يتم فى أربعة
أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوماً وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوماً قال والأقل هو
الثلاثون، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق فى قوله تع الى ((يجمع
خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يوماً)) قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه
السلالة ووضع فى الماء البارد ظهر شىء صغير متميز الأطراف .
﴿ المسألة الثالثة) هذه الآية دلت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع، أما إنها تدل
على أقل مدة الحمل فقد بيناه ، وأما إنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى (والوالدات
يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاماً
كثيرة فى الفقة، وأيضاً (إذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة، فبتقدير أن تأتى المرأة بالولد
فى هذه الأشهر يقى جانبها مصوناً عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع
ماذكر ناه، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتيب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة
عن الأجانب، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع
حولين كاملين السعى فى دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة، فسبحان من له تحت كل
كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة،. تعجز العقول عن الإحاطة بكلمالها .
وروى الواحدى فى البسيط عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين
شهراً، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهراً، والصحيح ما قدمناه.
ثم قال تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى
أنعمت على وعلى ولدى) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف المفسرون فى تفسير الأشد ، قال ابن عباس فى رواية عطاء
يريد ممانى. عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة، واحتج الفراء عليه

١٧
قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده . سورة الأحقاف.
بأن قال أن الأربعين أقرب فى النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر، ألا ترى أنك تقول
أخذت عامة المال أوكله ، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله ، ومثله قوله تعالى
( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) فبعض هذه الأقسام قريب من بعض
فكذا ههنا ، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذى يكمل فيه
بدن الإنسان، وأقول تحقيق الكلام فى هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة ، وذلك
لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، ولا شك أن الرطوبة الغريزية
غالبة فى أول العمر وناقصة فى آخر العمر ، والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا
إذا حصل الاستواء فى وسط هاتين المدتين، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام (أولها)
أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد فى
ذواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشر والماء.
﴿ والمرتبة الثانية ) وهى المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة
الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن الشباب.
﴿ والمرتبة الثالثة) وهى المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ
الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين (فالأول) هو النقصان الخفى وهو من الكهولة
(والثانى) هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة ، فهذا ضبط معلوم. ثم ههنا مقدمة أخرى وهى
أن دور القمر إنما يكمل فى مدة ثمانية وعشرين يوماً وشىء ، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام
كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة ، ولهذه الأسابيع تأثيرات
عظيمة فى اختلاف أحوال هذا العالم ، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب
قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ويحصل الآدمى بحسب انتهاء كل سابوع من
هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدى إلى كماله ، أما عند تمام السابوع الأول من العمر
فتصلب أعضاؤه بعض الصلابة ، وتقوى أفعاله أيضاً بعض القوة ، وتتبدل أسنانه الضعيفة
الواهية بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة فى هذا السابوع أقوى فى الهضم بما كان قبل ذلك ،
وأما فى نها السابوع الثانى فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع المجمارى وتقوى قوة
الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه مادة الزرع ، وعند هذا بحكم
الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعى رضى الله عنه، وهذا هو الحق الذى لا محيد عنه ،
لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكل القوى
النفسانية التى هى الفكر والذكر ، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل ، فلا جرم حكمت
الشريعة بالبلوغ وتوجه التكاليف الشرعية فما أحمن قول من ضبط البلوغ الشرعى بخمس
عشرة سنة .
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٢

١٨
قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده . سورة الأحقاف
واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال فى ظاهر البدن (أحدها ) انفراق طرف
الأرنبة لأن الرطوبة. الغريزية التى هناك تفتقص فيظهر الانفراق ( وثانيها) نتو الخجرة وغلظ
الصوت لأن الحرارة التى تنهض فى ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتؤ ويغلظ الصوت (وثالثها)
تغير ريح الإبط وهى الفضلة العفنية التى يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لمنا
قويت حرارته ، لاجرم قويت على إنضاج المادة ، ودفعها إلى اللحم الغددى الرخو الذى
فى الإبط ( ورابعها) نبات الشعر وحصول الاحتلام ، وكل ذلك لأن الحرارة قويت
فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع، وفى هذا الوقت تتحرك
الشهوة فى الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التى فيهن
قريت فى آخر هذا السابوع ، وأما فى السابوع الثالث فيدخل فى حد الكمال وينبت للذكر اللحية
ويزداد حسنه وكاله ، وأما فى السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكلملة متزايدة.، وعند
انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد ، أمامدة سن الشباب وهى مدة الوقوف فسابوع
واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة . ولما كانت هذه المدة إما قد تزداد، وإما قد تنقص
بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة. وهذا هو السن الذى يحصل فيه الكمال الائق
بالإنسان شرعا وطباً، فإن فى هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعة بعض السكون وتتمنى له
أفعال القوه الحيوانية غايتها ، وتبتدىء أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال، وإذا عرفت هذه
المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شىء وبلوغه إلى الأربعين شىء آخر، فإن
بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء ، وأن بلوغه إلى الأربعين
عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب ، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية فى
الانتقاص، وتأخذ القوة العقلية والنطقية فى الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن،
فإن البدن عند الأربعين يأخذ فى الانتقاص، والنفس من وقت الأربعين تأخذ فى الاستكمال ،
ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشىء الواحد فى الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال ،
وهذا الكلام الذى ذكرناه ولخصناه مذكور فى صريح لفظ القرآن، لأنا بينا أن عند الأربعين
تنتهى الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية، وأما الكمالات الحاصلة بحسب القوى
النطقية والعقلية فانها تبتدىء بالاستكمال ، والدليل عليه قوله تعالى ( حتى إذا بلغے أشده وباتے أربعين
سنة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى) فهذا يدل على أن توجه
الإنسان إلى عالم العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت ، وهذا تصريح بأن
القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدى بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من اودع فى هذا
الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة، قال المفسرون لم يبعث فى قط إلا بعد أربعين
سنة، وأفول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن الله جعله نبياً من اول عمره إلا أنه يجب أن يقال

١٩
قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده . سورة الأحقاف .
الأغلب أنه ما جاءه الوحى إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر فى حق رسولنا صلى الله عليه وسلم
ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول: اللهم أوزعنى أن أشكر نعمتك إلى
تمام الدعاء ، وروى أنه جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ((يؤمر الحافظان أن أرفقا
بعبدی من حداثة سنه ، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا، فكان راوى هذا الحديث إذا
ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضى فى التفسير .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن قوله (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) يدل على أن الإنسان
كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة ، ذلك لأن العقل کالناقص ، فلا بد له من
رعاية الأبوين على رعاية المصالح ودفع الآفات ، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد
دخوله فى الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن
وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل.
{ المسألة الثالثة) حكى الواحدى عن ابن عباس وقوم كثير من متأخرى المفسرين ومتقدميهم
أن هذه الآية نزلت فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، قالوا والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت
الحمل والفصال ههنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس فى هذه الأحوال
فوجب أن يكون المقصود منه شخصاً واحداً حتى يقال إن هذا التقدير إخبار عن حاله فيمكن أن
يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر .
ثم قال تعالى فى صفة ذلك الإنسان ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى
أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى) ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول ،
فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنساناً معيناً قال هذا القول، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول
فى قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سناً من النبى صلى الله عليه وسلم بسنتين وشىء، والنبى وز ◌ّع
بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريباً من الأربعين وهو قد صدق النبى صلى الله عليه وسلم وآمن
به، فثبت بما ذكر ناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، وإذا ثبت القول بهذه
الصلاحية. فنقول: ندعى أنه هو المراد من هذه الآية، ويدل عليه أنه تعالى قال فى آخر هذه الآية
( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فى أصحاب الجنة) وهذا يدل على
أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذى يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوزعن كل سيئاته
يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما على، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية على بن أبى طالب
رضى الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشدو عند القرب من الأربعين،
وعلى بن أبى طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن فى زمان الصبا أو عند القرب من الصبا ، فثبت أن
المراد من هذه الآية هو أبو بكر والله أعلم.

٢٠
قوله تعالى : قال رب اوزعني أن اشكر نعمتك . سورة الأحقاف
المسألة الرابعة﴾ قوله تعالى (أوزعنى) قال ابن عباس معناه ألهمنى، قال صاحب الصحاح
أوزعته بالشىء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أى مغرى به، واستوزعت الله شكره، فأوزعنى
أى استلهمته فألهمنى .
المسألة الخامسة﴾ اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعى أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء:
(أحدها) أن يوفقه الله الشكر على نعمه (والثانى) أن يوفقه للاتيان بالطاعة المرضية عند الله
( الثالث) أن يصلح له فى ذريته، وفى ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان:
(الأول) أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية
والسعادات النفسانية هى اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه، والسعادات البدنية هى اشتغال
البدن بالطاعة والخدمة ، والسعادات الخارجية هى سعادة الأهل والولد، فلما كانت المراتب محصورة
فى هذه الثلاثة لا جرم رقبها اللّه تعالى على هذا الوجه ،
﴿ والسبب الثانى) الرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل، لأن الشكر من أعمال
القلوب ، والعمل من أعمال الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة، وأيضاً المقصود من
الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى (وأقم الصلاة لذكرى) بين أن الصلاة مطلوبة لأجل
أنها تفيد الذكر، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، والأشرف يجب تقديمه فى
الذكر ، وأيضاً الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية، والاشتغال بالطاعة
الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة ، وقضاء الحقوق الماضية يجرى مجرى قضاء الدين، وطلب
المنافع المستقبلة طلب الزوائد. ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات، فلهذا السبب قدم
الشكر على سائر الطاعات ، وأيضاً أنه قدم طلب التوفيق على الشكر، وطلب التوفيق على الطاعة.
على طلب أن يصلح له ذريته، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله، والمطلوب
الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على
خلق الله .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله،
وهذا يدل على أنه لا يتم شىء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى، ولو كان العبد مستقلا
بأفعاله لكان هذا الطلب عبثاً، وأيضاً المفسرون قالوا المراد من قوله (أوزعنى أن أشكر نعمتك
التى أنعمت على) هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلا فيه، والدليل عليه قوله تعالى (إهدنا
الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان
وإذا ثبت هذا فنقول العبد بشكر الله على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان من العبد لا من اله لكان
ذلك شكراً لله تعالى على فعله لا على فعل غيره ، وذلك قبيح لقوله تعالى (ويحبون أن محمدوا
بمالم يفعلوا) فإن قيل: فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم الى انعم