النص المفهرس
صفحات 261-279
٢٦١ قوله تعالى : ويل لكل أقاك أثيم . سورة الجاثية . وَيْلٌ لِكُلِ أَفَّاكِ أَثِمٍ ﴾ يَسْمَعُ ،َيَنْتِ اللهِ نْلَى عَلَيْهِ ثُمَ يُّصِرُ مُسْتَكْبًا كَأَنْ أَرْ يَسْمَعُهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْءَايَئِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُوًا أَوَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ مِنْ وَرَآءِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَجًا وَلَا مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢﴾ هَذَا مُدَىّ تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا فى معرفة هذه الدلائل، واعلم أن كثيراً من الفقهاء يقولون إنه ليس فى القرآن العلوم التى يبحث عنها المتكامون ، بل ليس فيه إلا ما يتعلق بالأحكام والفقه ، وذلك غفلة عظيمة لأنه ليس فى القرآن -دورة طويلة منفردة بذكر الأحكام وفيه سور كثيرة خصوصاً المكيات ليس فيها إلا ذكر دلائل التوحيد والنبوة والبعث والقيامة وكل ذلك من علوم الأصوليين، ومن تأمل علم أنه ليس فى يد علماء الأصول إلا تفصيل ما اشتمل القرآن عليه على سبيل الإجمال. ثم قال تعالى ( تلك آيات الله تتلوها عليك بالحق) والمراد من قوله (بالحق) هو أن صحتها معلومة بالدلائل العقلية وذلك لأن العلم بأنها حقة صحيحة إما أن يكون مستفاداً من النقل أو العقل والأول باطل لأن صحة الدلائل النقلية موقوفة على سبق العلم بإثبات الإله العالم القادر الحكيم ويإثبات النبوة وكيفيه دلالة المعجزات على صحتها ، فلو أثبتنا هذه الأصول بالدلائل النقلية لزم الدور وهو باطل ، ولما بطل هذا ثبت أن العلم بحقيقة هذه الدلائل لا يمكن تحصيله إلا بمحض العقل ، وإذا كان كذلك كان قوله ( تلك آيات الله تتلوها عليك بالحق) من أعظم الدلائل على الترغيب فى علم الأصول وتقرير المباحث العقلية . ثم قال تعالى (فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون) يعنى أن من لم ينتفع بهذه الآيات فلا شىء بعده يجوزأن ينتفع به، وأبطل بهذا قول من يزعم أن التقليدكاف وبين أنه يجب على المكلف التأمل فى دلائل دين الله، وقوله ( يؤمنون) قرىء بالياء والتاء، واختار أبو عبيدة الياء لأن قبله غيبة وهو قوله ( لقوم يؤمنون، ولقوم يعقلون ) فإن قيل إن فى أول الكلام خطاباً وهو قوله ( وفى خلفكم) قلنا الغيبة التى ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه والأقرب أولى، ووجه قول من قرأ على الخطاب أن قل فيه مقدر أى قل لهم فيأى حديث بعد ذلك تؤمنون . قوله تعالى: ﴿ ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرً كان لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتناشيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين، من ورائهم جهنم ٢٦٢ قوله تعانى : ولهم عذاب عظيم . سورة الجاثية . وَالَّذِينَ كَفُرُواْ بَايَتِ رَبِهِمُ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رٍِّْ أَلِيمُ ولا يغنى عنهم ما كسبوا عنهم شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم، هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ﴾. اعلم أنه تعالى لما بين الآيات للكفار وبین أتهم بأی حدیث بعده يؤمنون إذا لميؤمنوا بها مع ظهورها ، أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال (ويل لكل أفاك أثيم) الأفاك الكذب والأثيم المبالغ فى اقتراف الآثام، واعلم أن هذا الأثيم له مقامان: ﴿المقام الأول) أن يبقى مصراً على الإنكار والاستكبار، فقال تعالى (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر) أى يقيم على كفره إقامة بقوة وشدة (مستكبراً) عن الإيمان بالآيات معجباً بما عنده، قيل نزلت فى النضر بن الحرث وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن والآية عامة فى كل من كان موصوفاً بالصفة المذكورة ، فإن قالوا ما معنى ثم فى قوله (ثم يصر مستكبراً)؟، قلنا نظيره قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض) إلى قوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ومعناه أنه تعالى لما كان خالقاً السموات والأرض كان من المستبعد جعل هذه الأصنام مساوية له فى المعبودية، كذا ههنا سماع آيات الله على قوتها وظهورها من المستبعد أن يقابل بالإنكار والإعراض . قوله تعالى: ﴿كأن لم يسمعها ﴾ الأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أى يصير مثل غير السامع . ﴿المقام الثانى) أن ينتقل من مقام الإصرار والاستكبار إلى مقام الاستهزاء فقاله (وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً) وكان من حق الكلام أن يقال اتخذه هزواً أى اتخذ ذلك الشىء هزواً إلا أنه تعالى قال (اتخذها) للاشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشىء من الكلام أنه من جملة الآيات التى أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم خاض فى الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد . قوله تعالى: ﴿أولئك لهم عذاب مهين﴾ أولئك إشارة إلى (كل أفاك أثيم) لشموله جميع الأذا كين، ثم وصف كيفية ذلك العذاب المهين فقال (من ورائهم جهنم) أى من قدامهم جهنم ، قال صاحب الكشاف الوراء اسم الجهة التى توارى بها الشخص من خلف أو قدام، ثم بين أن ما ملكوه فى الدنيا لا ينفعهم فقال ( ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئاً). ثم بين أن أصنامهم لا تنفعهم فقال ( ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء). ثم قال (ولهم عذاب عظيم) فان قالوا إنه قال قبل هذه الآية (لهم عذاب مهين) فما الفائدة فى قوله بعده ( ولهم عذاب عظيم) قلنا كون العذاب مهيناً يدل على حصول الإهانة مع العذاب ٢٦٣ قوله تعالى : الله الذي سخر لكم البحر . سورة الجاثية . اللّهُالَّذِىِ سَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَلِتَجْرِىَ أَلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وَّرَلَكُمْ مَّ فِ السَّمَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ ◌َبِعًا مِنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيْتِ لِّقَوْمٍ يَتَّفَكُ ونَ (﴿ قُل ◌ِلَّذِينَ ءَامَنُوْ ا يَغْفِرُواْلَّذِينَ لَ يَرْجُونَ أَيَّمَ اللَّه لِيَجْزِىَ قَوْمً ◌ِمَا كَانُوْ: يَكْسِبُونَ (١٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيّا ثُمَّإِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ وكونه عظيما يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات فى كونه ضرراً. ثم قال ( هذا هدی) أی کامل فی کو نه مدی ( والذين كفروابآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم) والرجز أشد العذاب بدلالة قوله تعالى ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء) وقوله ( لأن كشفت عنا الرجز) وقرىء أليم بالجر والرفع ، أما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً، ومن رفع كان المعنى لهم عذاب أليم ويكون المراد من الرجز الرجس الذى هو النجاسة ومعنى النجاسة فيه قوله (ويسقى من ماء صديد) وكأن المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس فتكون من تبييناً للعذاب . قوله تعالى: ﴿اللّه الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما فى السموات ومافي الأرض جميعاً منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون، قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام اللّه ايجزى قوماً بما كانوا يكسبون، من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ . أعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر و ذلك لا يحصل إلا بسبب تسخير ثلاثة أشياء (أحدها) الرياح التى تجرى على وفق المراد (ثانيها) خلق وجه الماء على الملاسة التى تجرى عليها الفلك ( ثالثها ) خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه ، وهذه الأحوال الثلاثة لا يقدر عليها وأحد من البشر، فلا بد من موجد قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى، وقوله ( ولتبتغوا من فضله) معناه إما بسبب التجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لأجل استخراج اللحم الطرى . ثم قال تعالى (وسخر لكم مافى السموات ومافى الأرض جميعاً منه) والمعنى لولا أن الله تعالى أوقف أجرام السموات والأرض فى مقارها وأحيازها لما حصل الانتفاع ، لأن بتقدير كون ٢٦٤ قوله تعالى : ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون . سورة الجاثية . الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع بها ، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع، وكل ذلك قد بيناه ، فإن قيل ما معنى منه فى قوله ( جميعاً منه)؟ قلنا معناه أنها واقعبة موقع الحال ، والمعنى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعنى أنه تعالى مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه ، قال صاحب الكشاف قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازى أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أى ذلك منه أو هو منه . واعلم أنه تعالى لما علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، وأتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله ( قل الذين آمنوا يغفروا الذين لا يرجون أيام الله) والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار، واختلفوا فى سبب نزول الآية قال ابن عباس (قل للذين آمنوا) يعنى عمر ( ینفروا الذین لا یرجون أیام الله) یعنی عبد الله بن أبى ، وذلك أنهم نزلوا فى غزوة بنی المصطلق على بئر يقال لها المريسيع، فأرسل عبد الله غلامه ليستقى الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ماحبسك ؟ قال غلام عمر قعد على طرف البئر فماترك أحداً يستقى حتى ملأ قرب النبى صلى الله عليه وسلم وقرب أبى بكر وملألمولاه، فقال عبد الله مامثلنا ومثل هؤلاء إلا كافيل سمن كلبك يأكلك ، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله هذه الآية ، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية. وروى ميمون بن مهران أن فنخاص اليهودى لما أنزل قوله ( من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً) قال احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج فى طلبه ، فبعث النبى صلى الله عليه وسلم فى عالمه حتى رده، وقوله (للذين لا يرجون أيام الله) قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله (وذكرهم بأيام الله) وأكثر المفسرين يقولون إنه منسوخ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يقتلوا، فلما أمر الله بهذه المقاتلة كان نسخاً، والأقرب أن يقال إنه محمول على ترك المنازعة فى الحقرات وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية والأفعال الموحشة . ثم قال تعالى ( ليجزى قوماً بما كانوا يكسبون) أى لكى يجازى بالمغفرة قوما يعملون الخير، فإن قيل: ما الفائدة فى التفكير فى قوله ( ليجرى قوماً) مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون فى قوله (قل الذين آمنوا)؟، قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كانه قيل: ليجزى قرباً وأى قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه ، وقال آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار، ليجزى الله الكفار بما كانوا يكسبون من الإثم، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافهم نحن، ثم ذكر الحكم العام فقال (من عمل صالحاً ٢٦٥ قوله تعالى : ولقد آتينا بني اسرائيل . سورة الجاثية . وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْكِتَبَ وَالْحُكْرَ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَدُهُم مِّنَ الطَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلِنَ ﴾ وَاتَيْنَهُمْ بَيِّنَتٍ مِنَ الأَثِّ فَا أَخْتَلَفُواْإِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْبًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّةِ فِيَ كَانُواْ فِ يَخْلِفُونَ (٥٦َ ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا وَلَا تَّبِعُ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَ يَعْلُونَ (٥) إِنَّهُمْ كَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِّ الْعَّقِينَ ﴿ه هَذَا بَصَدَِّرُلِنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمِ بُوقِنُونَ (٢﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَحُواْ السَِّّئَاتِ أَن تَجْعَهُمْ كَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَعَمِلُوا الصَِّحَتِ سَوَاءَ تَحْيَئُهُمْ وَانُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُونَ (! فلنفسه ) وهو مثل ضربه الله الذين يغفرون ( ومن أساء فعليها) مثل ضربه للكفار الذين كانوا يقدمون على إيذاء الرسول والمؤمنين وعلى ما لا يحل ، فبين تعالى أن العمل الصالح يعود بالنفع العظيم على فاعله، والعمل الردى. يعود بالضرر على فاعله ، وأنه تعالى أمر بهذا ونهى عن ذلك لحظ العبد لا لنفع يرجع إليه ، وهذا ترغيب منه فى العمل الصالح وزجر عن العمل الباطل. قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين، وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعدماجاءهم العلم بغياً بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم أن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين ، هذا بصائر الناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ، أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن تجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم وماتهم ساء ما يحكمون﴾. اعلم أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على بنى إسرائيل ، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغى والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم . واعلم أن النعم على قسمين : نعم الدين ، ونعم الدنيا، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا، فلهذا ٢٦٦ قوله تعالى : إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً . سورة الجاثية . بدأ الله تعالى بذكر نعم الذين، فقال ( ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يحب أن يكون مغايراً لصاحبه، أما (الكتاب ) فهو التوراة، وأما (الحكم) ففيه وجوه، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل. الحكومات، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه، وأما النبوة فمعلومة، وأما نعم الدنيا فهى المراد من قوله تعالى (ورزقناهم من الطيبات) وذلك لأنه تعالى وسع عليهم فى الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى، ولما بين تعالى أنه أعطاه من نعم الدين ونعم الدنيا نصيباً وافراً، قال (وفضلناهم على العالمين ) يعنى أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم فى وقتهم ، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمى زمانهم. قوله تعالى: ﴿وآتيناهم بينات من الأمر) وفيه وجوه (الأول) أنه آتاهم بينات من الآمر ، أى أدلة على أمور الدنيا (الثانى) قال ابن عباس: يعنى بين لهم من أمر النبي ووائل أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب (الثالث) المراد ( وآتيناهم بينات) أى معجزات قاهرة على صحة نبوتهم ، والمراد معجزات موسى عليه السلام. قوله تعالى : ﴿فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم﴾ وهذا مفسر فى سورة ( حم، عسق) والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههنا صار مجىء العلم سبباً لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، ثم ههنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التى توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التى لو تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهرواً النزاع . قوله تعالى : ﴿إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ والمراد أنه لا ينبغى أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى فى الآخرة ما يسوؤه، وذلك كالزجر لهم، ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغى والحسد، أمر رسوله رائع بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق ، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق، فقال تعالى (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) أى على طريقة ومنهاج من أمر الدين ، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات ، ولا تتبع مالاحجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل ، قال الكلبى: إن رؤساء قريش قالوا النبى صلى الله عليه وسلم. وهو بمكة : ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً﴾ أى لو ملت إلى أديانهم الباطلة قصرت مستحقاً للعذاب ، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك ، ثم بين تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً ٢٦٧ قوله تعالى : سواء محياهم ومماتهم . سورة الجاثية . فى الدنيا وفى الآخرة، لاولى لهم ينفعهم فى إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون، فائقه وليهم وناصرهم وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين، ولما بين اللّه تعالى هذه البيانات الباقية النافعة، قال ( هذا بصائر الناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) وقد فسرناه فى آخر سورة الأعراف، والمعنى هذا القرآن بصائر الناس جعل مافيه من البيانات الشافية، والبينات الكافية بمنزلة البصائر فى القلوب، كما جعل فى سائر الآيات روحاً وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن، ولما بين اللّه تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذى تقدم ، بين الفرق بينهما من وجه آخر ، فقال (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول ) (أم) كلمة وضعت للاستفهام عن شىء حال كونه معطوفً على شىء آخر، سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً، والتقدير ههنا: أفيعلم المشركون هذا، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟. ﴿ البحث الثانى) الاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أى كاسبهم، قال تعالى ( ويعلم ماجر حتم بالنهار). ﴿ البحث الثالث ) قال الكلى: نزلت هذه الآية فى على وحمزة وأبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنهم، وفى ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شىء، ولو كان ما تقولون حقاً لكان حالنا أفضل من حالكم فى الآخرة، كما أنا أفضل حالا منكم فى الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصى فى درجات الثواب ، ومنازل السعادات . واعلم أن لفظ ( حسب) يستدعى مفعولين (أجدهما) الضمير المذكور فى قوله (أن نجعلهم) ( والثانى ) الكاف فى قوله (كالذين آمنوا) والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟ ونظيره قوله تعالى (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) وقوله (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين، معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) وقوله تعالى (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) وقوله (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار). ثم قال تعالى ( سواء محياهم وماتهم ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم (سواء) بالنصب، والباقون بالرفع، واختيار أبى عبيد النصب، أما وجه القراءة بالرفع ، فهو أن قوله ( محياهم وماتهم) مبتدأ والجملة فى حكم المفرد فى محل النصب على البدل من المفعول الثانى لقوله ( أم نجعل ) وهو الكات فى قوله (كالذين آمنوا) ونظيره قوله: ظننت زيداً أبوه منطلق، وأما وجه القراءة بالنصب ٢٦٨ قوله تعالى : ساء ما يحكمون . سورة الجاثية . وَخَلَقَ اللهُ الَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلُونَ ﴿ أَفَرَيْتَ مَنِ أَحَدَ إِّهَهُ, هَوَنُ وَأَضَلَّهُ الَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَمَ عَلَ سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ فقال صاحب الكشاف: أجرى سواء مجرى مستوياً، فارتفع ( محياهم وماتهم) على الفاعلية وكان مفرداً غير جملة، ومن قرأ ( وماتهم) بالنصب جعل ( محياهم ومماتهم) ظرفين كمقدم الحاج ، وخفوق النجم ، أى (سواء) فى (محياهم) وفى (بماتهم)، قال أبو على من نصب سواء جعل المحيا والمات بدلا من الضمير المنصوب فى تجعلهم فيصير التقدير أن نجعل (محياهم وماتهم) سواء ، قال ويجوز أن نجعله حالا ويكون المفعول الثانى هو الكاف فى قوله (كالذين). المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى المراد بقوله ( محياهم وماتهم) قال مجاهد عن ابن عباس یعنی أحسبوا أن حياتهم وماتهم کیاة المؤمنین وموتهم ، كلافإنهم يعيشون کافرین ويموتون کافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون فى الدنيا فإنه يكون وليه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه، والكافر بالضد منه، كماذكره فى قوله (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض) وعند القرب إلى الموت، فإن حال المؤمن ماذكره فى قوله تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة) وحال الكافر ما ذكره فى قوله ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالى أنفسهم) وأمافى القيامة فقال تعالى (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها فترة ) فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين الحالتين ( والوجه الثانى) فى تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا فى المات كما استووا. فى الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوى محياهم فى الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما فى المات (والوجه الثالث) فى التأويل أن قوله (سواء محياهم وماتهم) مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سوء فكذلك محياً المحسنين وبماتهم ، أى كل يموت على حسب ماعاش عليه، ثم إنه تعالى صرح بإنكار تلك. التسوية فقال ( ساء ما يحكمون) وهو ظاهر. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، أفرأيت من اتخذ إلهه هواء وأضله اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون، وقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يملكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون، وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا ٢٦٩ قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه . سورة الجاثية . ج وَقَالُوا مَاهِىَ إِلَّ حَيَاتُنَ الدُّنْيَا ◌َهُوَتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآَ إِلَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَالِكَ مِنْ عِلَّهِ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُونَ (*) وَ إِذَا ◌ُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِنَتِ مَّا كَانَ مَُهُمْ إلَّ أَنْ قَالُواأ ◌َنْتُواْ بِثَابَآتِنَآَ إِن كُنتُ صَدِينَ (٥) قُلِ الله ◌ُخْبِكُمْ ثُمَ يُمِيْتُكُمْ نُمْ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَرَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَلنَّاسِ لَا يَعْلَّمُونَ، أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ . أعلم أنه تعالى لما قدر بأن المؤمن لايساوى الكافر فى درجات السعادات ، أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى ، فقال ( وخلق الله السموات والأرض بالحق) ولولم يوجد البحث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل ، لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف، ثم لا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ، ولو كان ظالماً لبطل أنه (خلق السموات والأرض بالحق) وتمام تقرير هذه الدلائل مذكور فى أول سورة يونس ، قال القاضى هذه الآية تدل على أن فى مقدور الله ما لو حصل لكان ظلماً، وذلك لا يصح إلا على مذهب المجبرة الذين يقولون لو فعل كل شىء أراده لم يكن ظلماً ، وعلى قول من يقول إنه لا يوصف بالقدرة على الظلم ، وأجاب الأصحاب عنه بأن المراد فعل ما لو فعله غيره لكان ظلماً كما أن المراد من الابتلاء والاختبار فعل ما لو فعله غيره لكان ابتلاء واختباراً ، وقوله تعالى (ولتجزى) فيه وجهان: (الأول) أنه معطوف على قوله ( بالحق ) فيكون التقدير وخلق الله السموات والأرض لأجل إظهار الحق ولتجزى كل نفس، (الثانى) أن يكون العطف على محذوف، والتقدير (وخلق الله السموات والأرض بالحق ) ليدل بهما على قدرته ( ولنجزى كل نفس ) والمعنى أن المقصود من خالق هذا العلم إظهار العدل والرحمة ، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت فى الدرجات والدركات بين المحقين وبين المبطلين، ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائقهم ، فقال (أفرأيت من أنخد إلهه هواه) يعنى تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه، وقرى. (آلهته هواه) كلما مال طبعه إلى شىء اتبعه وذهب خلفه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحداً منها . ٢٧٠ قوله تعالى : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا . سورة الجاثية . ثم قال تعالى (وأضله اللّه على علم) يعنى على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح، ونظيره فى جانب التعظيم قوله تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوبة إلهية ، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية ، فهو تعالى يقابل كلا منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته، وهو المراد من قوله (وأضله الله على على) فى حق المردودين وبقوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالته) فى حق المقبولين. ثم قال ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) فقوله ( وأضله الله على علم) هو المذكور فى قوله (إن الذين كفروا) إلى قوله (لا يؤمنون) وقوله ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) هو المراد من قوله ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) وكل ذلك قدمر تفسيره فى سورة البقرة بالاستقصاء، والتفاوت بين الآيتين أنه فى هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب ، وفى سورة البقرة قدم القلب على السمع ، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاماً فيقع فى قلبه منه أثر، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبى ◌َئع شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة ، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه ، ولو سمعوا كلامه مافهموا منه شيئاً نافعاً ، ففى الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس ، وفى الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فلما اختلف القسمان لاجرم أرشد اللّه تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال (فمن يهديه من بعد الله) أى من بعد أن أضله الله (أفلا تذكرون ) أيها الناس، قال الواحدى وليس يبقى القدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره ، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء فى أول سورة البقرة . واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبهتهم فى إنكار القيامة وفى. إنكار الآله القادر، أما شبهتهم فى إنكار القيامة فهى قوله تعالى (وقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) فإن قالوا الحياة مقدمة على الموت فى الدنيا فكروا القيامة كان يجب أن يقولوا نحيا ونموت ، فما السبب فى تقديم ذكر الموت على الحياة ؟ قلنا فيه وجوه (الأول ) المراد بقوله (نموت) حال کونهم نطفاً فی أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ، وبقوله ( نحیا ) ماحصل بعد ذلك فى الدنيا (الثانى) نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا (الثالث ) يموت بعض ويحيا بعض (الرابع) وهو الذى خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع أنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال (ما هى إلا حياتنا الدنيا) ثم قال بعده ( نموت ونحيا) يعنى أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك فى حق الذين ماتوا ، ومنها مالم يطرأ الموت عليها، وذلك فى حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وأما شبهتهم فى إنكار الإله الفاعل المختار، فهو قولهم ( وما يهلكنا إلا الدهر) يعنى تولد ٢٧١ قوله تعالى : قل الله يحييكم . سورة الجاثية . الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت ، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك، ولا حاجة فى هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار ، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة . ثم قال تعالى ( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمه ، فالذى قالوه يحتمل وضده أيضاً يحتمل، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقاً، وأن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقاً ، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية فى أن هذا الاحتمال الثانى باطل ، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول تجزموا به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة ، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين فى صمة القول الذى اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبينة قول باطل فاسد، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى . ثم قال تعالى ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرى. حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره . المسألة الثانية) سمى قولهم خجة لوجوه (الأول) أنه فى زعمهم حجة (الثانى) أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس لهم البتة حجة كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع [ أى ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية ] (الثالث) أنهم ذكروها فى معرض الاحتجاج بها . المسألة الثالثة﴾ أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لوصح ذلك فائنوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث . واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لا يحصل فى الحال وجب أن يكون متنع الحصول . فان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذى حصلنا فيه ، ولو كان عدم الحصول فى وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق . قوله تعالى: ﴿ قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة) فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول ( ماهى إلا حياتنا الدنيا ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) فهذا القائل كان منكراً لوجود الإله ولوجود يوم القيامة ، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله ( قل الله يحييكم ثم يميتكم) وهل هذا إلا إثبات للشىء بنفسه وهو باطل ، قلنا إنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم فى القرآن مراراً وأطواراً، فقوله هاهنا (قل الله يحميكم) إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام ٢٧٢ قوله تعالى : ولله ملك السموات والأرض . سورة الجاثية . وَلِلِّ مُلْكُ السَّمَلَوْتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُوُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطُونَ ﴿ وَ كُلَّ أَّةٍ جَائِيَةً كُلّ أُمَّةٍ تُدْعَىّ إلَى كِتَِهَا الْيَوْمَ لُزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (3) فَأَمَّا الَّذِينَ هَذَا كِتَبُنَ يَغِطِقُ عَلَيُْ ◌ِلْحَقِّ إِنَّا كُ نَسْتَذِخُ مَاكُمْتَعْمَلُونَ (@) ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُدْ خِلُهُمْ رَبّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (﴾ وَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَّمْ تَكُنْ ءَايَنِى نُتْلَ عَيْكُمْ فَأَسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ٣١ إثبات الإله بقول الإله، بل المقصود منه التفيه على ما هو الدليل الحق القاطع فى نفس الأمر ... ولما ثبت أن الإحياء من الله تعالى، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء الأول، وثبت أن القادر على الشىء قادر على مثله، ثبت أنه تعالى قادر على الإعادة ، وثبت أن الإعادة ممكنة فى نفسها ، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقة . وأما قوله تعالى (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لاريب فيه) فهو إشارة إلى ما تقدم ذكره فى الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى، عادلا خالقاً بالحق منزهاً عن الجور والظلم، يقتضى صحة البعث والقيامة . ثم قال تعالى (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أى لكن أكثر الناس لا يعلمون دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً . قوله تعالى: ﴿ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم البناعة يومئذ يخسر المبطلون، وترى كل أمة جائية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إذا كنا نستفسخ ما كنتم تعملون ، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين ، وأما الذين كفروا أفلم تكن آيات تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين ﴾ . واعلم أنه تعالى لما احتج بكونه قادراً على الإحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عم الدليل فقال (ولله ملك السموات والأرض) أى ٢٧٣ قوله تعالى : وترى كل أمة جاثية . سورة الجاثية . الله القدرة على جميع الممكنات سواء كانت من السموات أو من الأرض، وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحياة فى هذه الذات ممكن ، إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل فى المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء فى المرة الثانية . ولما بين تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوال القيامة (فأولها) قوله تعالى (ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون) وفيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ) عامل النصب فى يوم تقوم يخسر، ويومئذ بدل من يوم تقوم ﴿البحث الثانى) قد ذكرنا فى مواضع من هذا الكتاب أن الحياة والعقل والصحة كأنها رأس المال ، والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجرى مجرى تصرف التاجر فى رأس المال لطلب الريح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم فى هذه التصرفات وماوجدوا منها إلا الحرمان والخذلان فكان ذلك فى الحقيقة نهاية الخسران (وثانيها) قوله تعالى (وترى كل أمة جائية) قال الليث الجئوا الجلوس على الركب كما يحثى بين يدى الحاكم ، قال الزجاج ومثله جذا يحذو ، قال صاحب الكشاف : وقرىء جاذية ، قال أهل اللغة والجذو أشد استيفازاً من الجئو ، لأن الجاذى هو الذى يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس جائية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها . ثم قال تعالى (كل أمة تدعى إلى كتابها) على الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة ، وقوله (إلى كتبها) أى إلى صحائف أعمالها ، فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ،ما فيه ) والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله تعالى بعد ذلك ( فأما الذين آمنوا ) . ثم قال تعالى ( وأما الذين كفروا) فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق بالخائف والمؤمنون لاخوف عليهم يوم القيامة ، فلنا إن الحق الآمن قد يشارك المبطل فى مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً . ثم قال تعالى (اليوم تجزون) والتقدير يقال لهم اليوم تجزون، فإن قيل كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ قلنا لامنافاة بين الأمرين لأنه كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذى أمر الملائكة بكتبه (ينطق عليكم) أى يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ولا نقصان (إنا كنا نستنسخ) الملائكة ( ما كنتم تعملون) أى نستكتبهم أعمالكم. ثم بين أحوال المطيعين فقال (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك الفوز المبين ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين الصالحات ، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغايراً للايمان زائداً عليه . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة علق الدولى فى رحمة الله على كونه آيا الإيمان والأعمال الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٨ ٢٧٤ قوله تعالى : وإذا قيل إن وعد الله حق . سورة الجاثية . وَإِذَا قِلَ إِنَّ وَعْدَ الَِّ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَرَبَّبَ فِيهَا قُلْتُم مَّنَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن تَظُنُّ إلّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمْقَبْقِنِينَ (﴾ وَبَا لَهُمْ سَِعَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَّ ◌ِهِمِ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِمُونَ ﴾ وَقِلَ الْيَوْمَ تَسَنَّكُمْ كَمَا نَسِبْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَ نْكُرُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ (﴾ ذَلِكُم بِأَنَّكُ أَّخَذْتُمْءَايَتِ الهِ هُنُوا وَ غَرَّتْكُرُ الْحَيَّةُ الصالحة، والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عند عدم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة وجب أن لا يحصل الفوز بالجنة (وجوابنا) أن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف . المسألة الثالثة﴾ سمى الثواب رحمة والرحمة إنما قصح تسميتها بهذا الإسم إذا لم تكن واجبة ، فوجب أن لا يكون الثواب واجباً على الله تعالى. ثم قال تعالى ( وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين) وفيه مسائل : (المسألة الأولى) ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قسما ثالثاً وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة إثبات المنزلتين باطل . ﴿ المسألة الثانية) أنه تعالى علل أن استحقاق العقوبة بأن آياته تليت عليهم فاستكبروا عن قبولها ، وهذا يدل على استحقاق الغقوبة لا يحصل إلا بعدمجىء الشرع، وذلك يدل على أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع، خلافاً لما يقوله المعتزلة من أن بعض الواجبات قد يجب بالعقل. المسألة الثالثة﴾ جواب (أما) محذوف والتقدير (وأما الذين كفروا) فيقال لهم (أفلم تمكن آبائى تتلى عليكم فاستكبرتم) عن قبول الحق ( وكنتم قوماً مجرمين) فإن قالوا كيف محسن وصف الكافر بكونه مجرماً فى معرض الطعن فيه والذم له ؟ قلنا معناه أنهم مع كونهم كفاراً ما كانوا عدولا فى أديان أنفسهم، بل كانوا فساقاً فى ذلك الدين والله أعلم . قوله تعالى: ﴿وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لاريب فيها قلم ماتدرى ما الساعة إن ظن الا ظناً وما نحن بمستیقنین، وبدالهم سيئات ماغملوا وحاق بهم ما کانوا به يستهزئون ، وقيل اليوم نفساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا وماواكم النار وما لكم من ناصرين، ذلكم بأنكم اتخذتم آيات ٢٧٥ قوله تعالى : وقيل اليوم ننساكم . سورة الجاثية . ج يَسْتَعْتَبُونَ أُلُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ لَايُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ ◌َلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِ السَّمَوَّتِ ٣٥ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلِنَ (8) وَلَهُالْكِبرِيَاءُ فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكمْ الله هزواً وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبوا، فله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾. وفيه مسائل : المسألة الأولى) قرى والساعة رفعاً ونصباً قال الزجاج من نصب عطف على الوعد ومن رفع فعلى معنى وقيل (الساعة لا ريب فيها ) قال الأخفش الرفع أجود فى المعنى وأكثر فى كلام العرب ، إذا جاء بعد خبر إن لأنه كلام مستقل بنفسه بعد مجىء الكلام الأول بتمامه. المسألة الثانية) حكى الله تعالى عن الكفارأنهم إذا قيل إن وعد الله بالثواب والعقاب حق وإن الساعة آتية لاريب فيها قالوا ( ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمسقيقنين). أقول الأغلب على الظن أن القوم كانوا فى هذه المسألة على قولين منهم من كان قاطعاً بنفى البعث والقيامة ، وهم الذين ذكرهم الله فى الآية المتقدمة بقوله (وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا) ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه، لأنهم لكثرة ماسمعوه من الرسول مح له، ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شا كين فيه وهم الذين أرادهم اله بهذه الآية، والذى يدل عليه أنه تعالى حكى مذهب أولئك الفاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال تعالى (وبدا لهم) أى فى الآخرة (سيئات ما عملوا) وقد كانوا من قبل يعدونها حسنات فصار ذلك أول خسرانهم (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما قالوا (إن نظن إلا ظناً) إنما ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية، وعلى هذا الوجه فهذا الفريق شر من الفريق الأول ، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين ، وهذا الفريق ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. ثم قال تعالى ( وقيل اليوم نفسا كم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) وفى تفسير هذا النسيان وجهان (الأول ) نترككم فى العذاب كما تركتم الطاعة التى هى الزاد ليوم المعاد (الثانى) نجعلكم بمنزلة الشىء المنسى غير المبالى به ، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تلتفتوا إليه بل جعلتموه كالشى الذى يطرح نسياً منسياً ، نجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب الشديد ثلاثة أشياء (فأولها) قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية (وثانيها) أنه يصير مأواهم النار (وثالثها) أن لا يحصل لهم أجر من الأعوان ٢٧٦ قوله تعالى : وهو العزيز الحكيم . سورة الجاثية . والأنصار ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم إنكم إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب الشديد، لأجل أنكم أتيتم بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة (فأولها) الإصرار على إنكار الدين الحق (وثانيها) الاستهزاء به والسخرية منه، وهذان الوجهان داخلان تحت قوله تعالى (ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً) و(ثالثها) الاستغراق فى حب الدنيا والإعراض بالكلية عن الآخرة، وهو المراد من قوله تعالى ( وغرتكم الحياة الدنيا). ثم قال تعالى ( فاليوم لايخرجون منها) قرأ حمزة والكسائى (يخرجون) بفتح الياء، والباقون بضمها ( ولا هم يستعتبون) أى ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أى يرضوه، ولما تم الكلام فى هذه المباحث الشريفة الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى ! فقال (الله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين ) أى فاحمدوا الله الذى هو خالق السموات والأرض، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات ، فإن هذه الربوبية توجب الحمد والثناء على كل أحد من المخلوقين والمربوبين . ثم قال تعالى ( وله الكبرياء فى السموات والأرض) وهذا مشعر بأمرين (أحدهما) أن التكبير لابد وأن يكون بعد التحميد، والإشارة إلى أن الحامدين إذا جمدوه وجب أن يعرفوا أنه أعلى وأكبر من أن يكون الحد الذى ذكروه لائقاً بإنعامه، بل هو أكبر من حمد الجامدين، وأياديه أعلى وأجل من شكر الشاكرين (والثانى) أن هذا الكبرياء له لا لغيره ، لأن واجب الوجود لذاته ليس إلا هو . ثم قال تعالى (وهو العزيز الحكيم) يعنى أنه لكمال قدرته يقدر على خلق أى شىء أراد ، ولكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والكرم ، وقوله (وهو العزيز الحكيم) یفیذالحصر، فهذا يفيد أن الكامل فى القدرة وفى الحكمة وفی الرحمة ليس إلاهو، وذلك يدل على أنه لا إله للخلق إلا هو ، ولا محسن ولا متفضل إلا هو . قال مولانا رضى الله عنه: تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة بعد الصلاة الخامس عشر من ذى الحجة سنة ثلاث وستمائة، والحمد لله حمداً دائماً طيباً مباركا مخلداً مؤبداً، كما يليق بعلو شأنه وباهر برهانه وعظيم إحسانه ، والصلاة على الأرواح الطاهرة المقدسة من ساكنى أعالى السموات، وتخوم الأرضين، من الملائكة والأنبياء والأولياء والموحدين، خصوصاً على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ثم الجزء السابع والعشرون، ويليه الجزء الثامن والعشرون وأوله سورة الأحقاف ٢٧٧ فهرست الجزء السابع والعشرون من الفخر الرازى صفحة ٣ قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآيات • سبب نزول الآية (( واتبعوا أحس ما أنزل إليكم, ٧ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا , ٩ الآيات أنه خالق كل شىء ١١ له مقاليد السموات والأرض الآية ١٢ وما قدروا إنه حق قدره الآيات ١٤ ١٩ إلا من شاء الله A وسيق الذين كفروا إلى جهنم . ٢٠ وسيق الذين اتقوا ربهم ٢٢ وقال الذين فى النار الخزنة جهنم . ٧٥ حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها . ٢٣ ٧٦ ٢٥ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وقضى بينهم بالحق وقيل الحديقة ٧٧ رب العالمین يوم لا ينفع الظالمین معذرهم. وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب . ٧٨ ٧٩ إن الذين يجادلون فى آيات الله , وقال ربكم ادعونى أستجب لكم . , إن الله لذو فضل على الناس ٨٤ الله الذى جعل لكم الأرض قراراً, وأمرت أن أسلم لرب العالمين ٨٦ وهو الذى يحي ويميت فإذا قضى « A ألم ترى إلى الذين يجادلون فى آيات الله , ناصر إن وعد الله حق الله الذى جعل لكم الأنعام وعليها وعلى الفلك تحملون A أظلم يسيروا فى الأرض فينظروا . ٩١ خسر هنالك الكافرون ٩٣ ( تفسير سورة فصلت السجدة ) قوله تعالى: حم تنزيل من الرحمن الرحيم الآيات ٩٤ إن الذين آمنواوعملوا الصالحات, A ١٠١ صفحة الآيات ٥٢ قوله تعالى : ما للظالمين من حميم , ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ٥٤ , وقال رجل مؤمن من آلفرعون , ٥٧ إنانته لا يهدىمنهو مرف كذاب , ٥٨ الآية ٦ قوله تعالى: وأنيبوا إلى ربكم , ولقد جاءكم يوسف من قبل د ٦٢ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ٦٤ جبار وقال فرعون ياهأمَان الآية و کذلك زین لفزعون سوء عمله « وما کید فرعون إلا فی تباب , ٦٨ وقال الذى آمن يا قوم اتبعون , يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع . فوقاه الله سيئات ما مكررا A ٦٩ ٧٣ ( تفسير سورة المؤمن ) ٢٦ قوله تعالى : حم تنزيل الكتاب الآية غافر الذنب , ٢٧ قابل التوب A A ذی اطول , ٢٩ إليه المصير ٣٠ ٨٧ فلا يغررك تقلهم فى البلاد الآيات الذين يحملون العرش ومن حوله الآية ٣١ ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً ٣٥ ٨٩ ٩٠ الآية فاغفر للذين تابوا ٣٧ ٣٨ وقهم السيئات A ٣٩ إن الذين كفروا ينادون لقت الله , ٨ ٤٢ وهو الذى يريكم آياته A A فادعوا الله مخلصين له الدين ٤٣ رفيع الدرجات ذو العرش ٤٤ ٤٥ يلقى الروح من أمره على من يشاء, وأنذرهم يوم الأزقة ٤٩ ٨١ ٨٣ ٢٨ A ٢٧٨ فهر ست الجزء السابع والعشرون من الفخر الرازى صفحة ١٠١ قوله تعالى: قل أتكم لتكفرون باالذى خلق الآيات الأرض فی یومین فان أعرضوا فقل أنذرتكم ١١٠ ويوم بحثر أعداء الله ١١٥ وقيضنا لهم قرنا. ١١٨ A إن الذين قالوا ربنا الله ١٢٢ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله (( ١٢٤ ومن آياته الليل والنهار ١٢٩ , إن الذین یلحدون فی آياتنا ١٣١ ما يقال لك إلا ماقد قيل الرسل ( ١٣٣ إليه يرد علم الساعة ١٣٦ A ( تفسير سورة الشورى ) الآيات ١٤٢ قوله تعالى : حم عسق وكذلك أوحينا إليك قرآناً. ١٤٧ شرع لكم من الدين ما وصى به ١٥٥ د الآيات نوجاً من کان یرید حرث الآخرة , ٨ ١٦١ ولو بسط الله الرزق لعباده لبنوا ١٧٠ الآيات فی الأرض ومن آياته الجوار فى البحر . ١٧٥ وجزاء سيئة سيئة مثلها , ١٧٨ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى ١٨٤ يوم لامرد له من التج الآيات وما كان لبشر أن يكلمه الله الآيات الاوحياً ١٨٧ (تفسير سورة الزخرف ) ١٩٣ قوله تعالى: حم ، والكتاب المبين الآيات ولئن سأ لتهم من خلق السموات , ., ١٩٦ وجعلو له من عباده جزءاً , A ٢٠١. وقالوالوشاء الرحمن ماعبد ناهم . ٢٠٤ وإذقال إبراهيم لأبيه وقومه . ٢٠٨ صفحة ٢٠٩ قوله تعالى: وقالو الولانزل هذا القرآن الآيات ولولا أن يكون الناس أمةواحدة . A ٢١١ افأنت تسمع السم أو تهدى العمى . ٢١٥ ٢١٧ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا A ولما ضرب ابن مريم مثلا . ٢٢١ ولما جاء عيسى بالبينات ٢٢٣ ٢٢٧ صفات جهم فى الآية قوله تعالى: وما ظلمناهم ولكن كانوا م الآيات النظامين الاحتجاج بوعيد الفساق ٢٢٩ قوله تعالى: قل إن كان الرحمن ولد فأنا أول الآيات العابدين ٢٣٠ إحتمال الشك فى إثبات الولد ته ٢٣١ قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله سبحان رب السموات والأرض , ٢٣٢ ٢٣٣ الدليل على أنه تعالى غير مستقرفى السماء قوله تعالى: وتبارك الذى له ملك السموات . ولا يملك الذين يدعون من الآية دونه الشفاعة ولئن سألتهم من خلقهم « ٢٣٤ و قیلەياربإنهؤلاء قوم لا يؤمنون ناصفحعنهم و قل سلام فسوف يعطون ( تفسير سورة الدخان ) ٢٣٧ قوله تعالى: حم والكتلب المبين الآيات الدليل على حدوث القرآن ٢٣٨ الخلاف فى الليلة المباركة ٢٤١ قوله تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم الآيات فارتقب يوم تأتى السماء بدخان . , ٢٤٢ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون . ٢٤٥ ولقد نجينا بنى إسرائيل, A ٢٤٨ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. ٢٥١ ٢٧٩ فهرست الجزء السابع والعشرون من الفخر الرازى صفحة ٢٥٣ قوله تعالى: إن المتقين فى مقام أمين الآيات ( تفسير سورة الجاثية ) الآيات ٢٥٧ قوله تعالی: حم تنزيل الکتاب وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا . ٢٦٩ ويل لكل أناك أثيم ٢٦١ A ٢٧٢ ولله ملك السموات والأرض الله الذى سخر لكم البحر . ٢٦٣ ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب ٢٦٥ الآيات يخسر المبطلون والحكم والنبوة الآيات ٢٧٤ وإذا قيل إن وعد الله حق, تم الفهرس صفحة ٢٦٨ قوله تعالى: وخلق الله السموات والأرض الآبات بالحق