النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى : ألا إنهم في مريه من لقاء ربهم . سورة فصلت . فاعل ( يكف) و (أنه على كل شىء شهيد) بدل منه، وتقديره: أولم يكفهم أن ربك على كل شىء شهيد، ومعنى كونه تعالى شهيداً على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها ، وقد استقصينا ذلك فى تفسير قوله ( قل أى شىء أكبر شهادة قل الله) والمعنى ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التى أرضها اللّه تعالى وقررها فى هذه السورة وفى كل سور القرآن الدالة على التوحيد والتغزبه والعدل والنبوة. ثم ختم السورة بقوله (ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم) أى أن القوم فى شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة ، وقرى. ( فى مرية) بالضم . ثم قال (ألا إنه بكل شىء محيط ) أى عالم بجميع المعلومات التى لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازى كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً لخير ، وإن شراً فشر فإن قيل قوله (ألا إنه بكل شىء محيط ) يقتضى أن تكون علومه متناهية ، قلنا قوله ( بكل شىء محيط) يقتضى أن يكون عليه محيطاً بكل شىء من الأشياء فهذا يقتضى كون كل واحد منها متناهياً، لاكون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب. ثم تفسير هذه السور تحوقت ظهر الرابع من ذى الحجة سنة ثلاث وسمائة والحمد لقه رب العالمين، وصلاته على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وسلم : ١٤٢ سورة الشورى ٠٠,٠ (٤٢) سورة الشورى بِكِيَّة وَآيَاتِهَا ثَلاَت ◌ُوخِسُونْ بِسْـ 13 -- كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ ـم ج عسق الْحَكِيمُ (چ لَهُمَا فِ السَّمَوَّتِ وَمَافِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّالْعَظِيمُ (٣) تَكَادُ الَّمَوْتُ يَتَغَطّْنَ مِن فَوْقِنَّ وَالْمَلَِكُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الْأَرْضِ أَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ الْخَذُواْ مِنْ دُوِة أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم حمآ، عسق، كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم، له مافى السموات وما فى الأرض وهو العلى العظيم، تكاد السموات يتفطرت فى فوقهن والملائكة يسبحون بحمدربهم ويستغفرون لمن فى الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم، والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ﴾. اعلم أن الكلام فى أمثال هذه الفوائح معلوم إلا أن فى هذا الموضع سؤالان زاتدان (الأول) أن يقال أن هذه السورة السبعة مصدرة بقوله (حم) فما السبب فى اختصاص هذه السورة بمزيد. (عسق)؟ (الثانى) أنهم أجمعوا على أنه لا يفصل بين ( کہیعص) وهنا يفصل بين (جم) وبين ( عسق ) فما السبب فيه ؟. واعلم أن الكلام فى أمثال هذه الفواتح يضيق ، وفتح باب المجازفات مما لاسبيل إليه، فالأولى أن يفوض عليها إلى الله، وقرأ ابن عباس وابن مسعود (حم، عسق). أما قوله تعالى (كذلك يوحى إليك) فالكاف معناه المثل وذا للإشارة إلى شىء سبق ذكره، فيكون المعنى مثل (حم عسق كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك) وعند هذا حصل قولان: ١٤٣ قوله تعالى : له ما في السموات وما في الأرض . سورة الشورى . (الأول) نقل عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال ((لانى صاحب كتاب إلا وقد أوحى إليه حم عسق)) وهذا عندى بعيد . (الثانى) أن يكون المعنى: مثل الكتاب المسمى ( بحم عسق ) يوحى الله إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المائلة المراد منها الماثلة فى الدعوة إلى التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب فى التوجه إلى الآخرة ، والذى يؤكد هذا أنا بينا فى سورة ( سبح اسم ربك الأعلى) أن أولها فى تقرير التوحيد، وأوسطها فى تقرير النبوة، وآخرها فى تقرير المعاد، ولما تم الكلام فى تقرير هذه المطالب الثلاثة قال ( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) يعنى أن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة، فكذلك ههنا يعنى مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى الله إليك وإلى كل من قبلك من الأنبياء، والمراد بهذه المائلة الدعوة إلى هذه المطالب العالية والمباحث المقدسة الإلهية ، قال صاحب الكشاف: ولم يقل أوحى إليك، ولكن قال ( يوحى إليك) على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادته ، وقرأ ابن كثير (كذلك يوحى) بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله وهى إحدى الروايتين عن أبى عمرو وعن بعضهم (نوحى) بالنون، وقرأ الباقون (يوحى إليك وإلى الذين من قبلك) بكسر الحاء، فإن قيل فعلى القراءة الأولى مارافع اسم الله تعالى؟ قلتا مادل عليه بوحى، كأن قائلا قال من الموحى؟ فقيل الله ونظيره قراءة السلمى (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) على البناء للمفعول ورفع شركاؤهم ، فإن قيل فما رافعه فيمن قرأ (نوحى) بالنون؟ قلنا يرفع بالابتداء، والعزيزوما بعده أخبار، أو (العزيز الحكيم ) صفتان والظرف خبره، ولما ذكر أن هذا الكتاب حصل بالوحى بين أن الموحى من هو فقال إنه هو (العزيز الحكيم) وقد بينا فى أول سورة (حم) المؤمن أن كونه (عزيزاً) يدل على كونه قادراً على مالا نهاية له وكونه (حكيما) يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات فيحصل لنا من كونه (عزيزاً حكيما ) كونه قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات ومن كان كذلك كانت أفعاله وأقواله حكمة وصواباً، وكانت مبرأة عن العيب والعبث ، قال مصنف الكتاب قلت فى قصيدة : الحمد لله ذى الآلاء والنعم والفضل والجود والإحسان والكرم منزه الفعل عن عيب وعن عبث مقدس الملك عن عزل وعن عدم والصفة الثالثة قوله ( له ما فى السموات وما فى الأرض) وهذا يدل على مطلوبين فى غاية الجلال (أحدهما) كونه موصوفاً بقدرة كاملة نافذة فى جميع أجزاء السموات والأرض على عظمتهما وسعتهما بالإيجاد والإعدام والتكوين والإيطال ( والثانى) أنه لما بين بقوله ( له ما فى السموات وما في الأرض) أن كل مافى السموات وما فى الأرض فهو ملکه وملكه، وجب أن يكون منزهاً عن كونه حاصلا فى السموات وفى الأرض ، وإلا لزم كونه ملكا لنفسه ، وإذا ١٤٤ قوله تعالى : وهو العلي العظيم . سورة الشورى . ثبت أنه ليس فى شىء من السموات امتنع كونه أيضاً فى العرش ، لأن كل ما سماك فهو سماء فاذا كان العرش موجوداً فوق السموات كان فى الحقيقة سماء، فوجب أن يكون كل ما كان حاصلا فى العرش ملكالله وملكا له، فوجب أن يكون منزماً عن كونه حاصلا فى العرش، وإن قالوا إنه تعالى قال ( له مافى السموات ) وكلمة مالا تتناول من يعقل قلنا هذا مدفوع من وجهين: (الأول) أن لفظة ما واردة فى حق اللّه تعالى قال تعالى (والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها) وقال (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد)، (والثانى) أن صيغة من وردت فى مثل هذه السورة قال تعالى (إن كل من فى السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) وكلمة من لاشك أنها واردة فى حق الله تعالى فدات هذه الآية على أن كل من فى السموات والأرض فهو عبد الله فلو كان الله موجوداً فى السموات والأرض وفى العرش لكان هو من جملة من فى السموات فوجب أن يكون عبد الله، ولما ثبت بهذه الآية أن كل من كان موجوداً فى السموات والعرش فهو عبد الله وجب فيمن تقدست كبرياؤه عن تهمة العبودية أن يكون منزماً عن الكون فى المكان والجهة والعرش والكرسى . والصفة الرابعة والخامسة قوله تعالى (وهو العلى العظيم) ولا يجوز أن يكون المراد بكونه علياً العلو فى الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده ، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجئة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضى كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله (الله أحد) فوجب أن يكون المراد من العلى المتعالى عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات ، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلهية . ثم قال ﴿تكاد السموات يتفطرن من فوقهن﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر (تكاد) بالتاء (يتفطرن) بالياء والنون، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة (تكاد) بالتاء (يتفطرن) بالياء والتاء، وقرأ نافع والکانی: (یکاد) باليا. (يتفطرن) أيضاً بالتاء، قال صاحب الکشاف: وروى يونس عن أبى عمرو قراءة غريبة (تتفطرن) بالتامين مع النون ، ونظيرها حرف نادر ، روى فى نوادر ابن الإعرابى: الإبل تتشمسن. المسألة الثانية ﴾ فی فائدة قوله ( من فوقهن) وجوه(الأول) روی عكرمة عن ابن عباس. أنه قال ( تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) قال والمعنى أنها تكاد تتفطر من ثقل الله عليها. واعلم أن هذا القول سخيف ، ويجب القطع ببراءة ابن عباس عنه ، ويدل على فساده وجوه : (الأول) أن قوله ( من فوقهن) لايفهم منه ممن فوقهن ( وثانيها) هب أنه يحمل على ذلك، لكن لم قائم إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الله عليها، ولم لا يجوز أن يقال إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الملائكة عليها، كماجاء فى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ((أطت السماء وحق لها أن نقط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد)) (وثالثها) لم لا يجوز أن يكون المراد ١٤٥ قوله تعالى : تكاد السموات يتفطرن . سورة الشورى . تكاد السموات تنشق وتنفطر من هيبة من هو فوقهافوقية بالإلهية والقهر والقدرة؟، فثبت بهذه الوجوه أن القول الذى ذكروه فى غاية الفساد والركاكة (والوجه الثانى) فى تأويل الآية ماذكره صاحب الكشاف، وهو أن كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال : يتفطرن من تحتهن من الجهة التى جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ فى ذلك فقلب نجعلت مؤثرة فى جهة الفوق ، كأنه قيل : يكدن يتفطرن من الجهة التى فوقهن ، ودع الجهة التى تمتهن ، ونظيره فى المبالغة قوله تعالى ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما فى بطونهم والجلود) تجعل مؤثراً فى أجزائه الباطنة (الوجه الثالث) فى تأويل الآية أن يقال (من فوقهن) أى من فوق الأرضين، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية ( له ما فى السموات وما في الأرض) ثم قال (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن ) أى من فوق الأرضين (والوجه الربع) فى التأويل أن يقال معنى (من فوقهن) أى من الجهة التى حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هى فوق، فقوله (من فوقهن) أى من الجهة الفرقانية التى هن فيها . المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا فى أن هذه الهيئة لم حصلت؟ وفيه قولان (الأول) أنه تعالى لما بین أن الموحی لهذا الکتاب هو الله العزيز الحكيم، بین وصف جلاله و کبریائه ، فقال (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) أى من هيبته وجلالته (والقول الثانى) أن السبب فيه إثباتهم الواد قه لقوله، (تكاد السموات يتفطرن) منه، وههنا السبب فيه إثباتهم الشركاء لله، لقوله بعد هذه الآية ( والذين اتخذوا من دونه أولياء) والصحيح هو الأول، ثم قال (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الأرض). واعلم أن مخلوقات الله تعالى نوعان: عالم الجسمانيات وأعظمها السموات ، وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة ، والله تعالى يقرر كمال عظمته لأجل نفاذ قدرته وهيبته فى الجسمانيات ، ثم يردفه بنفاذ قدرته واستيلاء هيبته على الروحانيات ، والدليل عليه أنه تعالى قال فى سورة (عم يتساءلون) لما أراد تقرير العظمة والكبرياء بدأ بذكر الجسمانيات، فقال (رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً) ثم انتقل إلى ذكر عالم الروحانيات ، فقال (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) فكذلك القول فى هذه الآية بين كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات، فقال ( تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات ، فقال ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم) فهذا ترتيب شريف وبيان باهر . واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يقبل الأثر، وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام، ومتأثر لا يؤثر، وهو القابل وهو الجسم وهو أخس الأقسام ، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول، ويؤثر فى القسم الثانى وهو الجواهر الروحانيات المقدسة ، وهو المرتبة الفخر الرازي - ج ٢٧ م ١٠ ١٤٦ قوله تعالى : يسبحون بحمد ربهم . سورة الشورى . المتوسطة، إذا عرفت هذا، فنقول الجواهر الروحانية لها تعلقان: تعلق بعالم الجلالم والكبرياء، وهو تعلق القبول، فإن الجلايا القدسية والأضوء الصمدية إذا أشرقت على الجواهر الروحانية استضامت جواهرها وأشرقت ماهياتها ، ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الرؤسانية، قويف بها على الاستيلاء على عوالم الجسمانيات، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى جانب الكبرياء وحضرة الجلال، ووجه إلى عالم الأجسام والوجه الأول أشرف من الثانى. إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى ( يسبحون بحمد ربهم) إشارة إلى الوجه الذى لهم إلى عالم الجلال والكبرياء ، وقوله ( ويستغفرون لمن فى الأرض ) إشارة إلى الوجه الذى لهم إلى عالم الأجسام، فما أحسن هذه اللطائف وما أشرفها وما أشد تأثيرها فى جذب الأرواح من حضيض الخلق إلى أوج معرفة الحق ، إذا عرفت هذا فنقول : أما الجهة الأولى وهى الجهة العلوية المقدسة ، فقد اشتملت على أمرين: أحدهما التسبيح، وثانيهما التحميد، لأن قوله (يسبحون بحمد ربهم) يفيد هذين الأمرين ، والتسبيح مقدم على التحميد، لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغى ، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مفيضاً لكل الخيرات وكونه منزماً فى ذاته عما لا ينبغى، مقدم بالرتبة على كونه فياضاً للخيرات والسعادات، لأن وجود الشىء مقدم على إيجاد غيره، وحصوله فى نفسه مقدم على تأثيره فى حصول غيره ، فلهذا السبب كان التسبيح مقدماً على التحميد ، ولهذا قال ( يسبحون بحمد ربهم). وأما الجهة الثانية، وهى الجهة التى لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات ، فالإشارة إليها بقوله (وإستغفرون لمن فى الأرض) والمراد منه تأثيراتها فى نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الأصوب الأصلح فيها، فهذه ملامح من المباحث العالية الإلهية مدرجة فى هذه الآيات المقدسة ، ولنرجع إلى ما يليق بعلم التفسير، فإن قيل كيف يصح أن يستغفروا لمن فى الأرض وفيهم الكفار، وقد قال تعالى (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة) فكيف يكونون لاعنين ومستغفرين لهم؟، قلنا (الجواب) عنه من وجوه : (الأول) أن قوله (لمن فى الأرض) لا يفيد العموم، لأنه يصح أن يقال إنهم استغفروا لكل من فى الأرض وأن يقال إنهم استغفروا لبعض من فى الأرض دون البعض ، ولو كان قوله لمن فى الأرض صريحاً فى العموم لما صح ذلك التقسيم (الثانى) هب أن هذا النص يفيد العموم إلا أنه تعالی حکی عن الملائكة فى سورة حم المؤمن فقال(و یستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) (الثالث) يجوز أن يكون المراد من الاستغفار أن لا يعاجلهم بالعقاب كما فى قوله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) إلى أن قال (إنه كان حليما غفوراً) (الرابع) يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من فى الأرض، أما فى حق الكفار فبواسطة طلب الإيمان لحم، وأما فى حق المؤمنین فبالتجاوز عن سيتاتهم، انا ١٤٧ قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك . سورة الشورى . وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِبَّا لَتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَاَرَيْبَ فِهِ فَرِ بِقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِ يْقُ فِ السَّعِيرِ (*) وَلَوْ شَآءَ اللهُ نقول اللهم أهد الكافرين وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا فى الحقيقة استغفار . واعلم أن قوله (ويستغفرون لمن فى الأرض) يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم، ولو كانوا مصرين على المعصية لكان استغفارهم لأنفسهم قبل استغفارهم لمن فى الأرض ، وحيث لم يذكر الله عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مبرون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم السلام لهم ذنوب والذى لا ذنب له البتة أفضل ممن له ذنب وأيضاً فقوله (ويستغفرون لمن فى الأرض) يدل على أنهم يستغفرون للأنبياء لأن الأنبياء فى جملة من فى الأرض، وإذا كانوا مستغفرين للأنبياء عليهم السلام كان الظاهر أنهم أفضل منهم . ولما حكى الله تعالى عن الملائكة التسبيح والتحميد والاستغفار قال (ألا إن الله هو الغفور الرحيم) والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة للحق سبحانه وتعالى وبيانه من وجوه (الأول) أن إقدام الملائكة على طلب المغفرة للبشر من الله تعالى إنما كان لأن الله تعالى خلق فى قلوبهم داعية لطلب تلك المغفرة، ولولا أن الله تعالى خلق فى قلوبهم تلك الدواعى وإلا لما أقدموا على ذلك الطلب وإذا كان كذلك كان النفور المطلق والرحيم المطلق هو الله سبحانه وتعالى (الثانى) أن الملائكة قالوا فى أول الأمر (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) ثم فى آخر الأمرصاروا يستغفرون لمن فى الأرض، وأما رحمة الحق وإحسانه فقد كان موجوداً فى الأولى والآخر فثبت أن الغفور المطاق والرحيم المطلق هو الله تعالى (الثالث) أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستغفرون لمن فى الأرض ولم يحك عنهم أنهم يطلبون الرحمة لمن فى الأرض فقال (ألا إن الله هو الغفور الرحيم) يعنى أنه يعطى المغفرة التى طلبوها ويضم إليها الرحمة الكاملة التامة . ثم قال تعالى (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أى جعلوا له شركاء وأندادا (الله حفيظ عليهم) أى رقيب على أحر الهم وأعمالهم، لا يفوته منها شىء وهو محاسبهم عليها لا رقيب عليهم إلا هو وحده وما أنت يا محمد بمفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر حسب. قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع. لاريب فيه قريق فى الجنة وفريق فى السعير، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته والظالمون مالهم من ولى ولا نصير، أم اتخذوا من دونه أولياء فاقه هو الولى وهو ١٤٨ قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك . سورة الشورى . ◌َعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِنِ يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالتَِّمُونَ مَالَهُمْ مِنْ وَلٍِّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ أَمِ اََّدُوْ مِن دُوِهَِ أَوْلِيَأَةَ فَُّهُوَ الْوَلِّ وَهُوَيُحِي الْمَوْقَى وَهُوَ عَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٤) وَمَا أَخْتَفْتُمْفِيهِ مِنْ شَىْءٍ لَحُكُهُ إِلَى اللّهِ ذَ لِكُ اللهُ وَبِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَ إِلَيْهِ أَنِبُ ﴾ فَاطِرُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَِ أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْفِيهِ لَيْسَ كِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ اَلَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ لَهُ مَقَلِدُ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِّرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، وما اختلفتم فيه من شىء لحكمه إلى اللّه ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب ، فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شىء عليم ﴾ واعلم أن كامة (ذلك) للاشارة إلى شىء سبق ذكره فقوله (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً) يقتضى تشبيه وحى الله بالقرآن بشىء ههنا قد سبق ذكره ، وليس ههناشىء سبق ذكره يمكن تشبيه وحى القرآن به إلا قوله ( والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل) يعنى كما أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلا عليهم ، فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتكون نذيراً لهم وقوله تعالى (لتنذر أم القرى) أى لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله ( واسأل القرية) وأم القرى أصل القرى وهى مكة وسميت بهذا الاسم إجلالا لها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمى أصل كل شىء أمه حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان ، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل المدر، والإنذار التخريف ، فإن قبل فظاهر اللفظ يقتضى أن الله تعالى إنما أوحى إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكا وهذا يقتضى أن يكون رسولا إليهم فقط وأن لا يكون رسولا إلى كل العالمين (والجواب) أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه، فهذه الآية تدل على كونه وسولا إلى هؤلاء ١٤٩ قوله تعالى : وما اختلقتم فيه من شيء . سورة الشورى . خاصة وقوله ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) يدل على كونه رسولا إلى كل العالمين ، وأيضاً لما ثبت كونه رسولا إلى أهل مكة وجب كونه صادقاً ، ثم إنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل العالمين، والصادق إذا أخبر عن شىء وجب تصديقه فيه ، فثبت أنه رسول إلى كل العاملين . ثم قال تعالى (وتنذر يوم الجمع) الأصل أن يقال أنذرت فلاناً بكذا فكان الواجب أن يقال لتنذر أم القرى بيوم الجمع وأيضاً فيه اضمار والتقدير لتنذر أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفى تسميته بیوم الجمع وجوه (الأول) أن الخلائق يجمعون فيه قال تعالى ( یوم مجمعكم ليوم الجمع) فيجتمع فيه أهل السموات من أهل الأرض (الثانى) أنه يجمع بين الأرواح والأجساد (الثالث) يجمع بين كل عامل وعمله (الرابع ) يجمع بين الظالم والمظلوم وقوله ( لا ريب فيه) صفة ليوم الجمع الذى لاريب فيه، وقوله (فريق فى الجنة وفريق فى السعير) تقديره ليوم الجمع الذى من صفته يكون القوم فيه فريقين، فريق فى الجنة وفريق فى السعير، فإن قيل قوله (يوم الجمع) يقتضى كون القوم مجتمعين وقوله (فريق فى الجنة وفريق فى السعير) يقتضى كونهم متفرقين، والجمع بين الصفتين محال ، قلنا إنهم يجتمعون أولا ثم يصيرون فريقين . ثم قال (ولو شاء اللّه لجعلهم أمة واحدة) والمراد تقرير قوله (والذين اتخذوا من دونه أولياء اللّه حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ) أى لا يكن فى قدرتك أن تحملهم على الإيمان ، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً، فقوله ( يدخل من يشاء فى رحمته) يدل على أنه تعالى هو الذى أدخلهم فى الإيمان والطاعة ، وقوله ( والظالمون مالهم من ولى ولا نصير ) يعنى أنه تعالى ما أدخلهم فى رحمته ، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا فى رحمته، لأنه كان لهم ولى ونصير أدخلهم فى تلك الرحمة، وهؤلاء ما كان لهم ولى ولا نصير يدخلهم فى رحمته . ثم قال تعالى (أم اتخذوا من دونه أولياء) والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء، ثم قال بعده لمحمد من اله لست عليهم رقيباً ولا حافظاً، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا، فإن هذا المعنى لو كان واجباً لفعله اللّه، لأنه أقدر منك، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار ، فإن قوله ( أم اتخذوا من دونه أولياء؛ استفهام على سبيل الإنكار . ثم قال تعالى (فالله هو الولى) والفاء فى قوله (فالله هو الولى) جواب شرط مقدر، كأنه قال : إن أرادو أولياء بحق فالله هو الولى بالحق لا ولی سواه، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شىء . ثم قال﴿ وما اختلفتم فيه من شىء لحكمه إلى الله ﴾ وفيه مسائل: ١٥٠ قوله تعالى : فاطر السموات والأرض . سورة الشورى . المسألة الأولى﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول ◌َ له أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم فى الخصومات والمنازعات فقال ( وما اختلفتم فيه من شىء لحكمه إلى الله) وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين، وقيل وما اختلفتم فيه من شىء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول ملح ، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته، وقيل وما وقع بيتكم فيه خلاف من الأمور التى لا تصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه كفيقة الروح، فقولوا الله أعلم به ، قال تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى). المسألة الثانية) تقدير الآية كأنه قال: قل يا محمد (وما اختلفتم فيه من شىء لحكمه إلى الله) والدليل عليه قوله تعالى ( ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب). المسألة الثالثة) احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى ( وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى اللّه) إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من قص الله عليه، أو المراد فمكمه مستفاد من القياس على مافص الله عليه، والثانى باطل لأنه يقتضى كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأولى ، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفى العمل بالقياس ، ولقائل أن بقول لم لا يجوز أن يكون المراد حكمه یعرف من بيان الله تعالى ، سواءكان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف، والرجوع إلى القياس يقوى حكم الاختلاف ولا يوضحه، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى. ثم قال تعالى (ذلكم الله ربی )أی ذلکم الحا کم ینکم هو ( ربی علیه توکات) فی دمع كيد الأعداء وفى طلب كل خير ( وإليه أنيب) أى وإليه أرجع فى كل المهمات، وقوله (عليه توكلت) يفيد الحصر، أى لا أتوكل إلا عليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة (من. اتخذ غير الله ولياً. ثم قال (فاطر السموات والأرض) قری. بالرفع والجر ، فالرفع على أنه خبر ذلكم، أو غير مبتدأ محذوف، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا ( وما اختلفتم فيه من شىء حكمه إلى الله فاطر السموات والأرض) وقوله ( ذلكم الله ربى) اعتراض وقع بين الصفة والموصوف، (جعل لكم من أنفسكم) من جنسكم من الناس (أزواجا ومن الأنعام أزوجا) أى خلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه وخلق أيضاً للأنعام من أنفسها أزواجا. (بذرأكم) أى يكثركم، بقال: ذرأ الله الخلق، أى كثرهم، وقوله (فيه) أى فى هذا التدبير ، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذ كورثم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير فى (يذرؤكم) يرجع إلى المخاطبين، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين (الأول ) أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء ( الثانى ) أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين، فإن قيل ما معنى يذرؤكم فى هذا التدبير، ولم لم يقل بذرؤكم به ؟ قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير، ألا ترى أنه يقال الحيوان فى خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى (ولكم فى القصاص حياة). ١٥١ قوله تعالى : ليس كمثله شيء . سورة الشورى . قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى﴾ احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية فى نفى كونه تعالى جسما من كباً من الأعضاء والأجزاء وحاصلا فى المكان والجهة ، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى (ليس كمله شىء) ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر ، فيقال إما أن يكون المراد (ليس كمثله شىء) فى ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله فى الصفات شىء ، والثانى باطل ، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين ، كما أن الله تعالى يوصف بذلك، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بالمائلة المساواة فى حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئاً من الذوات لا يساوى الله تعالى فى الذاتية ، فلو كان اللّه تعالى جسما ، لكان كونه جسما ذاتاً لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له فى الجسمية ، أعنى فى كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة،، حينئذ تكون سائر الأجسام مائلة لذات الله تعالى فى كونه ذاتً، والنص ینفی ذلك فو جب أن لا يكون جسما . واعلم أن محمد بن إسحق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية فى الكتاب الذى سماه بالتوحيد، وهو فى الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: ((نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء، مالوكشف حجابه لأ حرقت سبحات وجهه كل شىء أدركه بصره، ووجه ربنا منفى عنه الهلاك والفناء، ونقول إن لبنى آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضى التشبيه لكان من قال إن لبنى آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان قد شبه وجوه بنى آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب. ثم قال: ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافه بالسوء، فعلينا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه)). وذكر فى فصل آخر من هذا الكتاب «أن القرآن دل على وقوع القسوية بين ذات الله تعالی وبین خلقه فى صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا ههنا)) ونحن نعد الصور التى ذكرها على الاستقصاء (فالأول) أنه تعالى قال فى هذه الآية (وهو السميع البصير ) وقال فى حق الإنسان (جملناه سميعاً بصيراً)، (الثانى) قال ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) وقال فى حق المخلوقين ( أولم يرو إلى الطير مسخرات فى جو السماء)، (الثالث) قال (واصنع الفلك بأعيننا، واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وقال فى حق المخلوقين (ترى أعينهم تفيض من الدمع) (الرابع) قال لإبليس ( مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي) وقال ( بل يداه مبسوطتان) وقال ١٥٢ قوله تعالى : ليس كمثله شيء . سورة الشورى . فى حق المخلوقين ( ذلك بما قدمت أيديكم)، (ذلك بما قدمت يداك)، (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)، (الخامس) قال تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقال فى الذين يركبون الدواب (لتستووا على ظهوره) وقال فى سفينة نوح (واستوت على الجودى) (السادس) سمى نفسه عزيزا فقال (العزيز الجبار)، ثم ذكر هذا الاسم فى حق المخلوقين بقوله (يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً، يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر)، (السابع) سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضاً بالملك فقال (وقال الملك أنتونى به) وسمى نقضه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال (رب العرش العظيم) وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) ثم طول. فى ضرب الأمثلة من هذا الجنس، وقال ومن وقف على الأمثلة التى ذكرناها أمكنه الإكثار منها ، فهذا ما أورده هذا الرجل فى هذا الكتاب. وأفول هذا المسكين الجاهل إنما وقع فى أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام فى المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية ، فنقول المثلان مما الذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر فى حقيقته وما هيته، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول: المعتبر فى كل شىء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته ، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك المادية وهذا التقسيم مبنى على الفرق بين ذات الشىء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فانا ترى الحبة من الحصرم كانت فى غاية الخضرة والحموضة ثم صارت فى غاية السواد والحلاوة ، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة ، وأيضاً نرى الشعر قد كان فى غاية السواد ثم صار فى غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقى غير المتبدل ، فظهر بما. ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات. إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة ، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكناً ثم يصير متحركا ، ثم يسكن بعد ذلك ، فالذوات باقية فى الأحوال كلها على نهج واحدو نسق واحد، والصفات متعاقبة متوايلة ، فثبتبهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات ، إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التى تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهى الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف فى الصفات والأعراض، فأما نوات الأجسام فهى متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهى متماثلة متساوية، فثبت أن الكلام ١٥٣ قوله تعالى : ليس كمثله شيء . سورة الشورى . الذى أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر فى الثمائل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها، بقى ههنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة؟ فنقول لنا هاهنا مقامان : ﴿المقام الأول) أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أولا تكون مسلمة، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود، وإن كانت ممنوعة، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسى ، ويكون ذلك الجسم مخالفاً لماهية سائر الأجسام فكان هو قديما أزلياً واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه ؟ فإن قالوا هذا باطل لأن القرآن دل على أن الشمس والقمر والا فلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله ، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبى لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به . ﴿والمقام الثانى) أن علماء الأصول أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام فى الذوات والحقيقة، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لو كان إله العالم جسما لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأحسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام، فيلزم كونه محدثاً مخلوقاً قابلا للعدم والفناء قابلا للتفرق والتمزق . وأما النقل فقوله تعالى (ليس كمثله شىء) فهذا تمام الكلام فى تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء فى الصفة لزم حصول الاستواء فى تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة فى تمام الماهية، فلو كانت ذاته جسما لكان ذلك الجسم مساوياً لسائر الأجسام فى تمام الماهية، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلا له ، لما بينا أن المعتبر فى حصول المائلة اعتبار الحقائق من حيث هى هى، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذى ذكر ناه أن حجة أهل التوحيد فى غاية القوة، وأن هذه الكلمات التى أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيداً عن معرفة الحقائق، تجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التى ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة . ﴿ المسألة الثانية﴾ فى ظاهر هذه الآية إشكال، فإنه يقال المقصود منها نفى المثل عن اللّه تعالى وظاهرها بوجب إثبات المثل لله، فانه يقتضى نفى المثل عن مثله لا عنه، وذلك يوجب إثبات المثل اللّه تعالى، وأجاب العلماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أى أنت لا تبخل فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عنه، ويقول الرجل: هذا الكلام لا يقال لمثلى أى لا يقال لى قال الشاعر : (((ومثلى كمثل جذوع النخيل)) ١٥٤ قوله تعالى : وهو السميع البصير . سورة الشورى . والمراد منه المبالغة فانه إذا كان ذلك الحكم منتقیاً عمن كان مشابهاً بسبب کوته مشابهاً له ، فلأن يكون منتفياً عنه كان ذلك أولى، ونظيره قولهم: سلام على المجلس العالى، والمقصود أن سلام اللّه إذا كان واقعاً على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعاً عليه كان ذلك لأولى ، فكذا ههنا قوله تعالى ( ليس كمثله شىء) والمعنى ليس كهو شىء على سبيل المبالغة من الوجه الذى ذكرناه ، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا اللفظ ساقطاً عديم الأثر، بل كان مفيداً للبالغة من الوجه الذى ذكرناه ، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشىء قال لأن كل شىء فانه يكون مثلا لمثل نفسه فقول ( ليس كمثله شىء) معناه ليس مثل مثله شىء وذلك يقتضى أن لا يكون هو مسمى باسم الشىء ، وعندى فيه طريقة أخرى ، وهى أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفى التشبيه الدليل الدال على كونه منزها عن المثل ، وتقريره أن يقال لوكان له مثل لكان هو مثل نفسه، وهذا محال قائبات المثل له محال، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر ، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لوكان مثل مثل نفسه لكان مساوياً لمثله فى تلك الماهية ومبايناله فى نفسه ، ومابه المشاركة غير مابه المباينة . فتكون ذات كل واحد منهما مركباً وكل من كب مكن ، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو فى نفسه واجب الوجود، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثل مثله شىء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئاً بناء على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود، فهذا ما يحتمله اللفظ. ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآية دالة على نفى المثل وقوله تعالى (وله المثل الأعلى) يقتضى إثبات المثل فلابد من الفرق بينهما ، فنقول المثل هو الذى يكون مساوياً للشىء فى تمام الماهية والمثل هو الذى يكون مساوياً له فى بعض الصفات الخارجة عن المامية وإن كان مخالفاً فى تمام الماهية .. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله (وهو السميع البصير) يدل على كونه تعالى سامعاً للمسموعات مبصراً للمرئيات ، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على ظاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلاباً بعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك الموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرقى، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة، وذلك على الله محال، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علبه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز ( والجواب) الدليل على أن السماع معاير لتأثر الحاسة إنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أى الجوانب جاء فعلمنا أنا أدر كنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت فى نفسه، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تموج ذلك الهواء. وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه ، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية فى نفس العالم عظيمة، وهذا يدل على أن الرؤية حالة مغايرة لنفس ذلك الانطباع ، وإذا ثبت هذا فنقول 100 قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى . سورة الشورى . شَرَعَ لَكُ مِنَ الّذِينِ مَاوَصَّى بِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعَسَ أَنْ أَقِمُوا الّذِينَ وَلَ نَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَاتَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَحْتَبِّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ وَمَا تَفَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْبًا بَينَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى لا يلزم من امتناع التاثر فى حق الله امتناع السمع والبصر فى حقه، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغاير تان لتأثر الحاسة إلا أن حصولها مشروط بحصول ذلك التأثر، فلما كان حصول ذلك التأثر فى حق الله تعالى متنعاً كان حصول السمع والبصر فى حق الله ممتنعاً ، فنقول ظاهر قوله (وهو السميع البصير) يدل على كونه (سميعاً بصيراً) فلم يجر لنا أن يعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر، والثأثر فى حق الله تعالى ممتنع ، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعاً ، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا مايوجب العدول عنه ، فإن قال قائل قوله (وهو السميع البصير) يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر، مع أن العبادأيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟ فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال ، والكمال فى كل الصفات ليس إلا لله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. أما قوله تعالى (له مقاليد السموات والأرض) فاعلم أن المراد من الآية أنه تعالى (فاطر السموات والأرض) والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وعالق أولادنا منا ومن أزواجنا، والأصنام ليست كذلك، وأيضاً (فله مقاليد السموات والأرض) والأصنام ليست كذلك، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم، فكيف يجوز جعل الأصنام التى هى جمادات مساوية له فى المعبودية ؟ فقوله ( له مقاليد السموات والأرض) يريد مفاتيح الرزق من السموات والأرض ، فقاليد السموات الأمطار، ومقاليد الأرض النبات ، وذكرنا تفسير المقاليد فى سورة الزمر عند قوله ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) لأن مفاتيح الأرزاق بيده ( إنه بكل شىء ) من البسط والتقدير (عليم) . قوله تعالى : ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوثم إليه الله يحتى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب، وما تفرقو إلا من بعد ماجاءهم العلم بغياً بينهم ولولا ١٥٦ قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى . سورة الشورى . أَجَلِ مُسَتَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوْرِئُوا الْكِتَّبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِشَكٍّ مِنْهُ ◌ُِيٍ ﴿ فَلِكَ فَادْعٌ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتٌّ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمَّ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُمِنْ كِتَبٍ وَأْمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكٌّ اللّهُ رَبْنَا وَرَبّكُرْ لَنَا أَعْمَلُنَ وَلَكُمْ أَعْمَلُهُوَّ لَامُمَةَ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُرِّ اللّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّاً وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (® وَالَّذِينَ يُحَجُونَ فِ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ اللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ رَبِّهِمْ وَلَيْهِمْ غَضَبُ وَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ (٣) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا بِلْحَقِّ وَالْمِيزَانٌّ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (9َ﴾ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوْمُتْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أنَّهَا الْحُّ أَلَآ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَفِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ (٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾ كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم ، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه عريب ، فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نحجة بينا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ، والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عندربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ، الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب،. يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد ، اللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز ﴾. اعلم أنه تمالی لما عظم وحیه إلى محمد ژاے بقوله ( کذلك یو حی إلیك وإلی الذین من قبلك الله العزيز الحكيم) ذكر فى هذه الآية تفصيل ذلك فقال (شرع لكم من الدين ما وصى به نوعا). ١٥٧ ثا قوله تعالى: ما وصى به نوجاً . سورة الشورى . والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ماوصى به نوحا ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنيا. وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقى فى لفظ الآية اشكالات (أحدها) أنه قال فى أول الآية ( ماوصى به نوحا) وفى آخرها ( وما وصينا به إبراهيم) وفى الوسط (والذى أوحينا إليك) فما الفائدة فى هذا التفاوت ؟ (وثانيها) أنه ذكر نوحا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال (ماوصى به نوحا) والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال (والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم) ( وثالثها) أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذى أوحينا إليك فقوله ( شرع لكم) خطاب الغيبة وقوله ( والذى أوحينا إليك ) خطاب الحضور ، فهذا يقتضى الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور فى الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً التكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاونة قال تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) فيجب أن يكون المراد منه الأمور التى لا تختلف باختلاف الشرائع، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعى فى مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندى أن يكون المراد من قوله (ولا تتفرقوا) أى لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا توحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) واحتج بعضهم بقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوعا) على أن التى تر بيع فى أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكر ناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل (أن أقيموا الدين) إما نصب بدل من مفعول (شرع) والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ماذاك المشروع؟ فقيل هو إقامة الدين ( كبر على المشركين) عظم عليهم وشق عليهم (ماتدعوم إليه) من إقامة دين الله تعال على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) وههنا مسائل : المسألة الأولى﴾ احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنيا. أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضى إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر فى معرض المنة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالى عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضى إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على ١٥٨ قوله تعالى : الله يجتبي إليه من يشاء . سورة الشورى . الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لارجاء فى حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، فوجب أن يكون ذلك محرماً منوعاً عنه . : ٤ ٠٫ المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء فى جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودات هذه الآية على أن سعى الشرع فى تقرير النوع الأول أقوى من سعيه فى تقرير النوع الثانى ، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة فى اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة فى الدار الآخرة . ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب فى الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه (الأول) أن النفوس تأثيرات ، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوى التأثير (الثانى) أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً الآخر فى ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعران توجب حصول المقصود ، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود (الثالث ) أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم . لأن ذلك يفضى إلى الهرج والمرج والقتل والنهب ، فلهذا السبب أمر الله تعالى فى هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضى إلى التفرق وقال فى آية أخرى ( ولا تنازعوا فتفشلوا). ثم قال تعالى ( الله يحتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب) وفيه وجهان (الأول) أنه تعالى لما أرشد أمة محمد برايل إلى التمسك بالدين المتفق عليه بين أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير ، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة (الثانى) أنه إنما كبر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبين تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى ، بل الكل سواء فى أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم اللّه تعالى، واشتقاق لفظ" الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جى الخراج واجتباه وجى الماء فى الحوض فقوله ( الله يحتى إليه) أى يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله ( من يشاء) كقوله تعالى ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء). ثم قال (ويهدى إليه من ينيب) وهو كما روى فى الخبر من ((تقرب من شبراً تقربت منه ذراعا ومن أتانى يمشي أتيته هرولة)) أى من أقبل إلى بطاعته أقبلت إليه بهدايتق وإرشادى بأن أشرح له صدره وأسهل أمره. واعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فأجاب الله تعالى عنهم بقوله ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) يعنى أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك البغى ١٥٩ قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم . سورة الشورى . وطلب الرياسة لحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبيعة ، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً الذكر والرياسة ، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف ، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب ، لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى، أى وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله ( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم) والأجل المسمى قد يكون فى الدنيا وقد يكون فى القيامة ، واختلفوا فى الذين أريدوا بهذه الصفة من م ؟ فقال الأ کثرون هم اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالی فی آل عمران( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغياً بينهم) وقال فى سورة لم يكن ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءتهم البينة) ولأن قوله ( إلا من بعد ماجاءهم العلم) لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل الوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم) لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا فى عهد رسول اللّه مَئع (افى شك منه) من كتابهم ( مريب) لا يؤمنون به حق الإيمان . قوله تعالى: ﴿ فلذلك فادع واستقم كما أمرات) يعنى فلأجل ذلك التفرق ولاً جل ما حدث من الاختلافات الكثيرة فى الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أى بأى كتاب صح أن الله أنزله، يعنى الإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله (نؤمن ببعض ونكفر ببعض) إلى قوله (أولئك هم الكافرون) ثم قال (وأمرت لأعدل بينكم) أى فى الحكم إذا تخاصمتم فتحا كنم إلى، قال القفال : معناه أن ربى أمرنى أن لا أفرق بين نفسى وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى مانهيتكم عنه ، لكنى أسوى بينكم وبين نفسى، وكذلك أسوى بين أكبر كم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله . ثم قال ( الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لاحجة بيننا وبينكم ، الله بجمع بيننا وإليه المصير) والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد فى الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل فى يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المشاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة مافعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء ؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فيفتذ فات الشرط ، فلا جرم فات المشروط . : ١٦٠ قوله تعالى : والذين يحاجون فى الله . سورة الشورى . واعلم أنه ليس المراد من قوله (لاحجة بيننا وبينكم) تحريم ما يجرى مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه (الأول) أن هذا الكلام مذكور فى معرض المحاجة ، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم الحاجة، لوم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض (والثانى) أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف (الثالث) أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد ث، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبين تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لانهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى الحاجة البتة، وما يقوى قولنا : أنه لا يجوز تحريم الحاجة ، قوله ( وجادلهم بالتی هی أحسن) وقوله تعالى ( ادع إلى سبيل ربك) وقو+ (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) وقوله ( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) وقوله (وتلك حجتنا آتيناما إبراهيم على قومه). قوله تعالى : ﴿ والذین یچاجون فی الله ﴾أی یخاصمون فی دینه (من بعد ما استجيب له) أى من بعد ما استجاب الناس. لذلك الدين (حجتهم داحضة) أى باطلة وتلك المخاصمة هى أن اليهودقالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالتفق أولى من الأخذ بالمختلف ؟ فنبوة موسى وحقية التوارة معلومة بالاتفاق ، ونبوة محمد ليست متفقاً علها، فإذا بنيتم كلامكم فى هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبين تعالى أن هذه الحجة داحضة ، أى باطلة فاسدة ، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجل ظهور المعجزات على وفق قوله، وههنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام ، واليهودشاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد زل وإن كان لايدل على الصدق وجب فى حق موسى أن لا يقروا بنبوته . وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما فى ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة ، فقال ( الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب) والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنوع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذى هو القسطاس المستقيم ، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد فى النظر والاستدلال ، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر فى ذلك ، وأنهم مارأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية : فتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذى عليه محمد وأصحابه ، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها) والمعنى ظاهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منبكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف . ثم قال (ألا إن الذين يمارون فى الساعة افى ضلال بعيد) والمارة الملاجة، قال الزجاج: الذين