النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى : انظر كيف كذبوا . سورة غافر . إلا موتقنا الأولى) قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التى ذكر تموها، لأن الآية التى تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التى تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار . وأما المعقول فمن وجوه (الأول) وهو أن الذى افترسته السباع وأكلته لوأعيد حياً لكان إما أن يعاد حياً بمجموعة أو بأحاد أجزائه، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع، والثانى باطل لأنه لما أكلته السباع، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء فى معدة السباع وفى أمعائها، وذلك فى غاية الاستبعاد (الثانى) أن الذى مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقياً على موته ، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حياً لكان هذا تشكيكا فى المحسوسات، وإنه دخول فى السفسطة ( والجواب) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هى الموتة التى كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟ فنقول هذا لا يجوز، وبيانه أن المذكور فى الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصل قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً) لأن المذكور فى هذه الآية أنهم كانوا أمواتا وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التى نحن فى تفسيرها ، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق . أما قوله إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة ، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيهم ، ألا ترى أنهم لما كذبوا فى قولهم ( واقه ربنا ما كنا مشركين) كذبهم الله فى ذلك فقال (انظر كيف كذبوا) وأما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة فى القبر إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لامرتين، فنقول (الجواب) عنه من وجوه: (الأول) هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة وهى أربعة الموتة الأولى، والحياة فى القبر، والموتة الثانية، والحياة فى القيامة، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة ، فأما الحياة فى الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب لم يذكروها (الثانى) لعلهم ذكروا الحياتين ، وهى الحياة فى الدنيا، والحياة فى القيامة ، أما الحياة فى القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها ( الثالث ) لعلهم لما صارواً أحياء فى القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء ، إما فى السعادة ، وإما فى الشقاوة ، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء فى قوله (فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء اللّه) (الرابع) لو لم تثبت الحياة فى القبر لزم أن لايحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذباً وهو على خلاف لفظ القرآن، أما لو أثبتنا الحياء فى القبر لزمنا إثبات الحياء ثلاث مرات والمذكور فى القرآن مرتين ، أما المرة الثالثة فليس فى اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها ، فثبت أن نفى حياة القبر يقتضى ترك مادل اللفظ عليه ، فأما إثبات حياة القبر فانه يقتضى إثبات شى. زائد ٤٢ قوله تعالى : هو الذي يريكم . سورة غافر . OF هُوَ الَّذِىِ يُرِيكُمْ ءَايَنِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَنْ يُنِيبُ على مادل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعده فكان هذا أولى، وأماماذكروه فى المعارضة الأولى فنقول قوله يحذر الآخرة تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت فى القبر أو فى القيامة ، وأما المعارضة الثانية بج وابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة فى عذاب القبر. وأما الوجهان العقليان فمدفوعان، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نورانى سار فى هذا البدن كانت الإشكالات التى ذكر تموها غير واردة فى هذا الباب والله أعلم . المسألة الثانية ) اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل فى حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت ، والدليل عليه قوله تعالى فى سورة البقرة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيام) فهؤلاء أربعة مراتب فى الحياة ، حياتان فى الدنيا ، وحياة فى القبر، وحياة رابعة فى القيامة . المسألة الثالثة ) قوله (اثنتين) فعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين اثنتين، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا (فاعترفنا بذنوبنا) فان قيل الفاء فى قوله (فاعترفنا) تقتضى أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سبباً لهذا الاعتراف فينوا هذه السبية، قلنا لأنهم كانوا منكرين البعث فلمأ شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر فى الإقرار بالبعث، فلاجرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة، ثم قال (فهل إلى خروج من سبيل)؟ أى هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطىء من سبيل، أم اليأس وقع فلا خروج ، ولا سبيل إليه؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم، وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاماً يدل على أنه لاسبيل لهم إلى الخروج فقال ( ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا) أى ذلكم الذى أنتم فيه، وهو أن لا سبيل لكم إلى خروج قط ، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى، وإيمانكم بالإشراك به ( فالحكم الله) حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدى، وقوله ( العلى الكبير ) دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى (العلى) على العلو الأعلى فى الجهة، وبقوله (الكبير ) على كبر الجثة والذات ، وكل ذلك باطل ، لأنا دلنا على أن الجسمية والمكان محالان فى حق الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من ( العلى الكبير ) العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهيه . قوله تعالى: ﴿ هو الذى يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من يغيب ، فادعوا ٤٣ قوله تعالى : رفيع الدرجات ذو العرش . سورة غافر . فَادْعُواْ الهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ وَلَوْكَرِهِ الْكَفِرُونَ (٦ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُوَالْعَرْشِ يُلْقِ الرّوحَ مِنْ أَمِّه ◌َى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ الَّلَقِ (َ يَوْمَ هُم بَيِزُونَ لَا يَخْقَى عَلَى الَّهِ مِنْهُمْ شَىٌْ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِالَْحِدِ الْقَّهَّارِ اَلْيَوْمَ تُجْزَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا تُكْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّ سَرِيعُ الْحِسَابِ COM الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾. اعلم أنه تعالى لما ذكر ما یو جب التهديد الشديد فى حق المشر کین أردفه بذکر ما يدل علىكمال قدرته وحكمته ، ليصير ذلك دليلا على أنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء لله تعالى فى المعبودية، فقال: ( هو الذى يريكم آياته) واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان، ومصالح الأبدان، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان، فالآيات لحياة الأديان، والأرزاق لحياة الأبدان، وعند حصولهم) يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات . ثم قال ( وما يتذكر إلا من ينيب) والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد الله تعالى كالأمر المركوز فى العقل، إلا أن القول بالشرك والاشتغال بعبادة غير الله يصير كالمانع من تجلى تلك الأنوار، فإذا أعرض العبد عنها وأناب إلى الله تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام، ولما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على اللّه تعالى فقال (فادعوا الله مخلصين له الدين ) من الشرك، ومن الإلتفات إلى غير الله (ولو كره الكافرون) قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد . قوله تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق ، يوم ثم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار، اليوم تجزی کل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب أعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهراً للآيات منزلا للأرزاق ، ذكر فى هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله ( رفيع الدرجات ذو العرش ٤٤ قوله تعالى : رفيع الدرجات ذو العرش . سورة غافر . بلق الروح) قال صاحب الكشاف ثلاثة أخبار لقوله هو مرتبة على قوله (الذى يريكم) أو أخبار مبتدأ محذوف ، وهى مخلتفة تعريفاً وتنكيراً، قرى. (رفيع الدرجات) بالنصب على المدح ، وأقول لابد من تفسير هذه الصفات الثلاثة : ﴿ فالصفة الأولى ) قوله (رفيع الدجات) وأعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه (الوجه الأول) أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء فى الجنة ( والثانى) رافع درجات الخلق فى العلوم والأخلاق الفاضلة ، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال ( وما منا إلا له مقام معلوم) وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وعين لكل جسم درجة معينة ، جعل بعضها سفلية عنصرية ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش والكرسى، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثانى، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة فى الخلق والرزق والأجل، فقال (وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء فى الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة ، وفى الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ماذكرناه ، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات فى جميع صفات الكمال والجلال، أما فى الأصل الوجود فهو أرفع الموجوات ، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما فى دوام الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلى والأبدى والسرمدى، الذى هو أول لكل ماسواه، وليس له أول وآخر لكل ماسواه ، وليس له آخر ، أمافى العلم؛ فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات ، كما قال (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وأما فى القدرة : فهو أعلى القادرين وأرفعهم ، لأنه فى وجوده وجميع كالات وجوده غنى عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فإنه مختاج فى وجوده وفى جميع كالات وجوده إليه ، وأما فى الوحدانية: فهو الواحد الذى يمتنع أن يحصل له عند وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان (أحدهما) استغناؤه فى وجوده وفى جميع صفات وجوده عن كل ما سواه ( والثانى) افتقار كل ما سواه إليه فى وجوده وفى صفات وجوده ، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع ، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها فى جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناء بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشىء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته . ﴿ الصفة الثانية) قوله (ذو العرش) ومعناه أنه مالك العرش ومديره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله ( رفيع الدرجات ذو العرش ) وحملوه على أن المراد بالدرجات ، السموات، وبقوله ( ذو العرش) أنه موجود فى العرش فوق سبع سموات، وقد أعظموا الفرية ٤٥ قوله تعالى : يلقي الروح من أمره . سورة غافز . على اللّه تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسمها وفى جهة محال، وأيضاً فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله ( ذو العرش) لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفى فيه إضافته إليه بكونه مالكا له ومخرجاً له من العدم إلى الوجود، فأى ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد ، والفائدة فى تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام ، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته ، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم ، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى . ﴿ الصفة الثالثة) قوله (يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده) وفيه مباحث: ﴿ البحث الأول ) اختلفوا فى المراد بهذا الروح، والصحيح أن المراد هو الوحى، وقد أطنبنا فى بيان أنه لم سمى الوحى بالروح فى أول سورة النحل فى تفسير قوله (ينزل الملائكة بالروح من أمره) وقال أيضاً (أو من كان ميتاً فأحييناء) وحاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية، فإذا كان الوحى سبباً لحصول هذه الأرواح سمى بالروح ، فإن الروح سبب لحصول الحياة ، والوحى سبب لحصول هذه الحياة الروحانية . واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات ، وذلك لان كمال كبريا. الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام، فالطريق الكامل فى تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلى العقلى ، ثم يذكر عقيبه شىء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلى ليصير الحصر بهذا الطريق معاضداً للعقل ، فههنا أيضاً كذلك ، فقوله ( رفيع الدرجات ) إما أن يكون بمعنى كونه رافعاً الدرجات، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى فى إيجاد الممكنات على اختلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعاً فى صفات الجلال ونموت العزة عن كل الموجودات ، فهذا الكلام عقلى برهانى، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلى بمزيد تقرير ، وذلك لأن ماسوى الله تعالى إما جسمانيات وإما روحانيات، فبين فى هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى ، أما الجسمانيات فأعظمها العرش ، فقوله (ذو العرش) يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام ، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكداً لذلك المعقول، أعنى قوله (رفيع الدرجات) وأما الروحانيات فكلها مسخرة الحق سبحانه ، وإليه الإشارة بقوله ( يلقى الروح من أمره). واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة فى روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحى، والوحى إنما يتم بأركان أربعة (فأولها) المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحى إلى نفسه فقال ( يلقى الروح) (والركن الثانى) الإرسال والون وهو الذى أسماه بالروج (والركن الثالث) أن وصول الوحى من اللّه تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، وهو المشار إليه فى هذه الآية بقوله ( من أمره) فالركن الروحانى يسمى أمراً، قال تعالى ٤٦ قوله تعالى : لينذر يوم التلاق . سورة غافر . (وأوحى فى كل سماء أمرها) وقال ( ألا له الخلق والأمر) (والركن الرابع) الأنبياء الذين يلقى الله الوحى إليهم وهو المشار إليه بقوله (على من يشاء من عباده) (والركن الخامس) تعيين الغرض والمقصود الأصلى من إلقاء هذا الوحى إليهم ، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات ، وإليه الإشارة بقوله ( لينذر يوم التلاق يوم مم بارزون) فهذا ترتيب مجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفاب الإلهية . وبقى ههنا أن نبين أنه ما السبب فى تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟ وكم الصفات التى ذكرها الله تعالى فى هذه السورة ليوم التلاق؟ أما السبب فى تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه : (الأول) أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق ( الثانى) أن الخلائق بتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض (الثالث ) أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا) (الرابع) أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله فى ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق وهو مأخوذ من قولهم فلان اقى عمله (الخامس) يمكن أن يكون ذلك مأخوذاً من قوله ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) ومن قوله ( تحيتهم يوم يلقونه سلام) (السادس) يوم يلتقى فيه العابدون والمعبودون (السابع) يوم يلتقى فيه آدم عليه السلام وآخر ولده ( الثامن) قال ميمون بن مهران يوم يلتقى فيه الظالم والمظلوم فريما ظالم الرجل رجلا وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليه ولم يعرفه فى يوم القيامة يحضران وباقى بعضهم بعضاً، قرأ ابن كثير التلاقى والتنادى بإثبات الياء فى الوصل والوقف، وهادى وواقى بالياء فى الوقف وبالتنوين فى الوصل . وأما بيان أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة فى هذه الآية ، فتقول: ﴿ الصفة الأولى ) كونه يوم التلاق وقد ذكرنا نفسيره. ( الصفة الثانية) قوله ( يوم مم بارزون) وفى تفسير هذا البروز وجوه (الأول ) أنهم برزوا عن بواطن القبور (الثانى) بارزون أى ظاهرون لا يسترهم شىء من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، وليس عليهم أيضاً ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء فى الحديث ((يحشرون عراة حفاة غرلا)) (الثالث) أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى ( يوم تبلى السرائر) (الرابع) أن هذه النفوس الناطقة البشرية كانها فى الدنيا انغمست فى ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات، فكانها برزت بعد أن كانت كامنة فى الجسمانيات مستقرة بها . ٤٧ قوله تعالى : لمن الملك اليوم الله . سورة غافر . ﴿ الصفة الثالثة) قوله ( لا يخفى على الله منهم شىء) والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شىء ، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بين أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازى كلا بحسبه إن خيراً خير وإن شراً فشر ، فهم وإن لم يعلموا تفصیل ما فعلوه، فاتّه تعالى عالم بذلك و نظيره قوله ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) وقال ( يوم قبلى السرائر) وقال (إذا بعثر ما فى القبور وحصل ما فى الصدور) وقال ( يومئذ تحدث أخبارها) فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شىء فى جميع الأيام، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم؟ قلنا إنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا إذا استقروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم فى ذلك اليوم صرون من البروز والإنكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه فى الدنيا، قال تعالى ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون) وقال ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله) وهو معنى قوله ( وبرزوا لله الواحد القهار) . ( الصفة الرابعة) قوله تعالى ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ والتقدير يوم ينادى فيه لمن الملك اليوم؟ وهذا النداء فى أى الأوقات يحصل فيه قولان : ﴿الأول﴾ قال المفسرون إذا هلك كل من فى السموات ومن فى الأرض فيقول الرب تعالى (لمن الملك اليوم)؟ يعنى يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول (لله الواحد القهار) قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه (الأول) أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس فى ذلك الوقت أحياء ، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادى بهذا النداء حين هلك كل من فى السموات والأرض (والثانى) أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال مالا يحضر الغير، والأول باطل ههنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثانى أيضاً باطل لأن الرجل إنما بخسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئاً كالذى يكرر على الدرس وذلك على اللّه محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضاً على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضاً على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له. ﴿والقول الثانى) أن فى يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى مناد (لمن الملك اليوم) فيقول كل الحاضرين فى محفل القيامة (لله الواحد القهار) فالمؤمنون يقولونه تلذذاً بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر فى الدنيا ، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ، وأقول أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل ٤٨ قوله تعالى : اليوم تجزى كل نفسي . سورة غافر . والمجيب هو اللّه تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائمكة والمجيب جمعاً آخرين، الكل ممكن وليس على التعيين دليل ، فان قيل وما الفائدة فى تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟ فتقول الناس كانوا مغرورين فى الدنيا بالأسباب الظاهرة ، وكان الشيخ الإمام الوالد عمررضى الله عنه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، وفى يوم القيامة زالت الأسباب، وانعزلت الأرباب، ولم يبق البتة غير حكم مسبب الأسباب، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة، واعلم وإنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله (لله الواحد القهار) يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبداً، وذلك لأن قولنا: الله اسم لواجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ماسواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ، وذلك الترجيح هوقهر الجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبداً ، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحداً قهاراً ، فإذا کان کو نه تهاراً باقیاً من الأزل إلى الأبد لا جرمكان نداء (لمن الملك اليوم) باقياً فى جانب المعنى من الأزل إلى الأبد . ﴿ الصفة الخامسة) من صفات ذلك اليوم قوله (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت). وأعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر فى ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل فى ذلك اليوم فقال ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة (أولها) إثبات المكسب للانسان (والثانى) أن كسبه يوجب الجزاء (والثالث) أن ذلك الجزاء إنما يستوفى فى ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة فى هذا الكتاب ، وهى أصول عظيمة الموقع فى الدين، وقد سبق تقرير هذه الأصول مراراً ، ولا بأس بذكر بعض النكت فى تقرير هذه الأصول (أما الأول) فهو إثبات الكسب للانسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعى إلى الفعل أو الداعى إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه. ( وأما الثانى) وهو بیان ترتب الجزاء عليه، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعى إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة فى عالم الدنيا ، ومنها ما يكون الداعى إليه طلب الخيرات الروحانية التى لا يظهر كمالها إلا فى عالم الآخرة وقد ثبت بالتجزبة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسية ، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته فى الدنيا وفى الجسمانيات ، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء، ومن غلب عليه القسم الثانى فعندالموت بفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء، فهذا هو معنى الكسب، ومعنى كون ذلك الكسب موجباً للجزاء، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا فى يوم القيامة ، فهذا قانون كلى عقلى ، والشريعة ٤٩ قوله تعالى : وأنذرهم يوم الأزقه . سورة غافر . وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاِ كَاظِمِينَ مَالِظَّالِينَ مِنْ حَيٍْ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ ﴿ يَعْلَمُ خَابِنَةَ الْأَعْنِ وَمَا تُخْفِى الْصُدُورُ ﴾ وَالله الحقة أنت بما يقوى هذا القانون الكلى فى تفاصيل الأعمال والأقوال والله أعلم. المسألة الثانية ﴾ هذه الآية أصل عظيم فى أصول الفقه، وذلك لأنا نقول لو كان شىء من أنواع الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً لكونه جزاء على شىء من الجنايات أولا لكونه جزاء والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه مشروعا، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً ليكون جزاء على شىء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضى تأخير الأجزية إلى يوم القيامة ، فإثباته فىالدنيا يكون على خلاف هذا النص ، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً للجزاء لقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقوله تعالى ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام)) عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية، وفيما ورد نص فى الإذن فيه كذيح الحيوانات، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن الأصل فى المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على الشرعية قضينا به تقديماً للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا أصل كلى منتفع به فى الشريعة والله أعلم . ﴿ الصفة السادسة) من صفات ذلك اليوم قوله (لا ظلم اليوم) والمقصود أنه لما قال (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) أردفه بما يدل على أنه لا يقع فى ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم ، قالى المحققون وقوع الظلم فى الجزاء يقع على أربعة أقسام (أحدها) أن يستحق الرجل ثواباً فيمنع منه ( وثانيها ) أن بععلى بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام ( وثالثها ) أن يعذب من لا يستحق العذاب (ورابعها) أن يكون الرجل مستحقاً للعذاب فيعذب ويزاد على قدر حقه فقوله تعالى ( لا ظلم اليوم) يفيد نفى هذه الأقسام الأربعة، قال القاضى هذه الآية قوية فى إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لاظلم غالباً وشاهداً إلا من اللّه، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم. ثم قال تعالى ( إن الله سريع الحساب) وذكر هذا الكلام فى هذا الموضع لائق جداً، لأنه تعالى لما بين أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب. وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه فى الحال والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الأزقة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حيم ولا شفيع يطاع ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٤ ٥٠ قوله تعالى : وأنذرهم يوم الأزقه . سورة غافر . يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ الَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أَوَلَمْ يَسِرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوْ مِن قَبْلِهِمْ ج ٢٠ كَنُواْ هُمْ أَشَدَّمِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاتَارًا فِ الْأَرْضِ فَأَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمُ مِّنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ (٣) ذَلِكَ بِنَّهُمْ كَانَتَ تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنْهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ لا يقضون بشىء إن الله هو السميع البصير، أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً فى الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ، ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قرى شديد العقاب ﴾. اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة، وفى الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ ذكروا فى تفسير يوم الآزفة وجوهاً (الأول) أن يوم الآزفة هو يوم القيامة ، والآزمة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله فى صفة يوم القيامة ( أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة ) وقال شاعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لمانزل برحالنا وكان قد والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى ( اقتربت الساعة ) قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس. مداها ، وما هو كائن فهو قريب . واعلم أن الآزنة نعت بمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو بوم المجازاة الآزفة قال القفال: وأسماء القيامة تجرى على التأنيث كالطامة والحافة ونحوها كما بها يرجع معناها إلى الداعية (والقول الثانى) أن المراد بيوم الآزفة وقت الآزفة وهى مسارعتهم إلى دخول النار ، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف (والقول الثالث) قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل ، والذى يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق ، و (يوم ثم بارزون) ثم قال بعده (وأنذرهم يوم الأزقة) فوجب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم ، وأيضاً هذه الصفة مخصوصة فى سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى (فلولا إذا ٥١ قوله تعالى : ما للظالمين من حميم . سورة غافر . بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) وقال (كلا إذا بلغت التراقى) وأيضاً فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب ، وأيضاً الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه، فكان قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف ، ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما فى قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق. ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى أن المراد من قوله (إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره ، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى (وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا) وقال ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) وقيل بل هو محمول على ظاهره، قال الحسن : القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف (وبلغت القلوب الحناجر) فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها مقبوضة كالسجال كما قال (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) وقوله (كاظمين ) أى مكروبين والمكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً فان قيل بم انتصب (كاظمين) قلنا هو حال أصحاب القلوب على المعنى لأن المراد إذ قلوبهم لدى الخناجر حال (كاظمين) كونهم ويجوز أيضاً أن يكون حال عن القلوب ، وأن القلوب كاظمة على غم و کرب فيها مع بلوغها الحناجر، وإنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء كما قال ( رأيتهم لى ساجدين) وقال ( فظلت أعناقهم لها خاضعين) ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين: (أحدهما) الخوف الشديد وهو المراد من قولة ( إذ القلوب لدى الحناجر ) ، (والثانى) العجز عن الكلام وهو المراد من قوله (كاظمين) فان الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون ، أما إذالم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقهوقوی خوفه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أكثر المعتزلة فى نفى الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى ( ما الظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه: (الأول) أنه تعالى نفى أن يحصل لهم ( شفيع يطاع) وهذا لا يدل على نفى الشفيع ، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندى كتاب يباع فهذا يقتضى نفى كتاب يباع ولا يقتضى نفى الكتاب وقالت العرب: ولا ترى الضب بها ينجحر ولفظ الطاعة يقتضى حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله ، لأنه ليس فى الوجود أحد أعلى حالا من اللّه تعالى حتى يقال إن الله يطيعه (الوجه الثانى) فى الجواب أن المراد من الظالمين، ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت فى زجر الكفار ٥٢ قوله تعالى : ما للظالمين من حميم . سورة غافر . (الذين يجادلون فى آيات الله) فوجب أن يكون مختصاً بهم، وعندنا أنه لاشفاعة فى حق الكفار (والثالث) أن لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغرق، وإما أن لا بفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل فى مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار ، وليس لهم شفيع حينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم غد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين. بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار ، أجاب المستدلون عن السؤال الأول ، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس فى الوجود شىء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالا من المطاع، وليس فى الوجود شىء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلوماً بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجاً لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذى يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر: رب من أنضجت غيظاً صدره قد تمنى لى موتاً لم يطع ﴿ أما السؤال الثانى) فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم ، أقضى ما فى الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ﴿ أما السؤال الثالث ) لجوابه أن قوله (ماللظالمين من حميم) يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع ، فهذا تمام كلام القوم فى تقرير ذلك الاستدلال . أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون فى الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه) فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام فى تلك الشفاعة، وهذا نوع طاعة، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله ( ماللظالمين من حيم ولا شفيع يطاع) وأجابوا عن الكلام الثانى بأن قالوا الأصل فى حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع ، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، وقد حصل فى هذه الآية معهودسابق وهم الكفار الذين يجادلون فى آيات الله، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب العموم، أما الأول فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع ، وأما الثانى فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع ، ولا يلزم من نفى الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذى ؤكد ماذكرناه قوله تعالى ( الذين كفروا سواء عليهم النذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) فقوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون ، إن حملناء على أن كل ٥٣ قوله تعالى : والذين يدعون من دونه . سورة غافر . واحد منهم محکوم علیه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف فى كلام الله، لأن كثيراً من كفر فقدآن بعد ذلك، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أولم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف ، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع) يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام فى هذا الباب . المسألة الرابعة ﴾ فى بيان نظم الآية، فنقول إنه تعالى ذكر فى هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف (فأولها) أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة ، أى يوم القرب من عذابه لمن ابتلى بالذنب العظيم ، لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان فى أقصى غايات الخوف، حتى قيل إن تلك الغموم والحوم أعظم فى الإيحاش من عين تلك العقوبة (والثانى) قوله ( إذ القلوب لدى الحناجر) والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وراتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعاً من دخول النفس (والثالث) قوله (كاظمين) والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف، وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب (والرابع) قوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم ، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته ( والخامس) قوله ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، والحاكم إذا بلغ فى العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديداً جداً ، قال صاحب الكشاف : الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة ، كالعافية المعاناة ، والمراد استراق النظر إلى مالا يحل كما يفعل أهل الريب ، والمراد بقوله ( وما تخفى الصدور) مضمرات القلوب ، والحاصل أن الأفعال قسمان : أفعال الجوارح وأفعال القلوب، أما أفعال الجوارح، فأخفاها خائنة الأعين والله أعلم بها، فكيف الحال فى سائر الأعمال . وأما أفعال القلوب ، فهى معلومة لله تعالى لقوله (وما تخفى الصدور) فدل هذا على كونه تعالى عالماً بجميع أفعالهم (السادس) قوله تعالى (والله يقضى بالحق) وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف ، لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال، وثبت منه أنه لا يقضى إلا بالحق فى كل مادق وجل ، كان خوف المذنب منه فى الغاية القصوى (السابع) أن الكفار إنما عولوا فى دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام ، وقد بين اللّه تعالى أنه لا فائدة فيها البتة، فقال (والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء) (الثامن) قوله ( إن الله هو السميع البصير) أى يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ولا يسمع منهم ثناءهم على اللّه ويبصر خضوعهم وجودهم لهم، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت فى حق المذنب الذى عظم ذنبه كان بالغاً فى التخويف إلى الحد الذى لا تعقل الزيادة عليه، ثم إنه تعالى لما بالغ فى تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفة ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال (أولم ٥٤ قوله تعالى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا . سورة غافر . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى ◌َِايِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَدَنَ وَقَكُونَ فَقَالُواْ سَشِرٌ كَذَّبٌ ﴿ فَلَّا جَآءُهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَعْبُوْ نِسَآءُهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَِّفِرِينَ إِلَّ فِي ضَلِ (٥﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذُرُوِيٌّ أَقْتُلَ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَُّ إِّ ◌َخَفُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظهِرَ فِ الْأَرْضِ الْفَسَادَ ـ وَقَالَ مُوسَّ إِنِ عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَِّلَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ٢٦ ٢٧ يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره ، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى آثاراً فى الأرض منهم، والمراد حصونهم وقصورهم وعسا كرم، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله بضروب الهلاك معجلا حتى إن هؤلاء الحاضرين من الكفار يشاهدون تلك الآثار، حذرهم الله تعالى من مثل ذلك بهذا القول، وبين بقوله ( وما كان لهم من الله من واق) أنه لما نزل العذاب بهم عند اخذه تعالی لهم لم يجدوا من يعينهم ويخلصهم ، ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم کفروا و گذیوا الرسل، فذر قوم الرسول من مثله ، وختم الكلام ب(أنه قوى شديد العقاب) مبالغة فى التحذير والتخويف، والله أعلم . وقرأ ابن عامر وحده (كانوا هم أشد منكم) بالكاف، والباقون بالهاء (أما وجه) قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين) بعد قوله (الحمداته) والوجه فى حسن هذا الخطاب أنه فى شأن أهل مكة ، لجعل الخطاب على لفظ الخاطب الحاضر لحضورهم ، وهذه الآية فى المعنى كقوله (مكناهم فى الأرض مالم نمكن لكم) وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة . قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما کید الكافربن إلافىضلال ، وقال فرعونذرونی أقتل موسی ولیدح ربه إنى أعاف أنيبدلدیتکےاو أن يظهر فى الأرض الفساد، وقال موسى إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب﴾. قوله تعالى : وما كيد الكافرين . سورة غافر . واعلم أنه تعالى لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم، ٠٠ سلاه أيضاً بذكر موسى عليه السلام، وأنه مع قوة معجزاته بعثه إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه وكابروه، وقالوا هو ساحر كذاب .. واعلم أن موسى عليه السلام ، لما جاءهم بتلك المعجزات الباهرة وبالنبوة وهى المراد بقوله (فلما جاءهم بالحق من عندنا) حكى الله تعالى عنهم ماصدر عنهم من الجهالات (فالأول) أنهم وصفوه بكونه ساحراً كذاباً ، وهذا فى غاية البعد ، لأن تلك المعجزات كانت قد بلغت فى القوة والظهور إلى حيث يشهد كل ذى عقل سليم بأنه ليس من السحر البتة (الثانى) أنهم قالوا (ا قتلوا أبناء الذين الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) والصحيح أن هذا القتل غير القتل الذى وقع فى وقت ولادة موسى عليه السلام ، لأن فى ذلك الوقت أخبره المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه ، فأمر بقتل الأولاد فى ذلك الوقت ، وأما فى هذا الوقت فموسى عليه السلام قد جاءه وأظهر المعجزات الظاهرة ، فعند هذا أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشئوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات ، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء . قوله تعالى: ﴿وما كيد الكافرين إلا فى ضلال﴾ ومعناه أن جميع ما يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من آمن معه يبطل ، لأن (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها) (النوع الثالث) من قبائح أفعال أولئك الكفار مع موسى عليه السلام ما حكاه اللّه تعالى، (وقال فرعون ذرونى أقتل موسى) وهذا الكلام كالدلالة على أنهم كانوا يمنعونه من قتله ، وفيه احتمالان . ( والاحتمال الأول) أنهم منعوه من قتله لوجوه (الأول) لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً، فيأتى بوجوه الحيل فى منع فرعون من قتله (الثانى) قال الحسن: إن أصحابه قالوا له لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه (الثالث) لعلهم كانوا يحتالون فى منعه من قتله، لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب موسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام ، فإن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجى حتى يصيروا آمنين من شر ذلك الملك. (والاحتمال الثانى) أن أحداً مامنع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد أن يقتله إلا أنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرة تمنعه عن قتله فيفتضح إلا أنه لوقاحته قال (ذرونى أقتل موسى) وغرضه منه أنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه وغرضه منه إخفاء خوفه . أما قوله (وليدع ربه) فإنما ذكره على سبيل الاستهزاء يعنى أنى أفتله فليقل لربه حتى يخلصه منى. وأما قوله ( إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد ) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ فتح ابن كثير الياء من قوله ( ذرونى) وفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو ٥٦ قوله تعالى : إني عذت بربي وربكم . سورة غافر . الياء من (إنى أخاف) وأيضاً قرأ نافع وابن عمر، (وأن يظهر) بالواو وبحذف أو، يعنى أنه يجمع بين تبديل الدين وبين إظهار المفاسد، والذين قرأوا بصيغة أو فمعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين وقرى. يظهر بضم الياء وكسر الهاء والفساد بالنصب على التعدية، وقرأحمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم بلفظ أو يظهر بفتح الياء والهاء والفساد بالرفع ، أما وجه القراءة الأولى فهو أنه أسند الفعل إلى موسى فى قوله ( يبدل ) فكذلك فى يظهر ليكون الكلام على نسق واحد، وأما وجه القراءة الثانية فهو أنه إذا بدل الدين فقد ظهر الفساد الحاصل بسبب ذلك التبديل . ﴿ المسألة الثانية﴾ المقصود من هذا الكلام بيان السبب الموجب لقتله وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذى كاوا عليه، فلما كان موسى ساعياً فى إفساده كان فى اعتقادهم أنه ساع فى إفساد الدين الحق وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن ، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر الدين. فقال: ( إنى أخاف أن يبدل دينكم) ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: (أو أن يظهر فى الأرض الفساد ) . واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذا الكلام حكى بعده ما ذكره موسى عليه السلام خكمى عنه أنه قال ( إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) وفيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائى عذت بإدغام الذال فى التاء والباقون بالإظهار . ﴿ المسألة الثانية﴾ المعنى أنه لم يأت فى دفع شره إلا بأن استعاذ باته، واعتمد على فضل الله لاجرم صانه اللّه عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية، وعلم أن هذه الكلمات التى ذكرها موسى عليه السلام تشتمل على فوائد : ﴿ الفائده الأولى) أن لفظة (إنى) تدل على التأكيد فهذا يدل على أن الطريق المؤكد المعتبر فى دفع الشرور والآفات عن النفس الاعتماد على الله والتوكل على عصمة الله تعالى. ﴿الفائدة الثانية) أنه قال (إنى عذت بربي وربكم) فكما أن عند القراءة يقول المسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شاطين الجن ، فكذلك عند توجه الآفات والمخافات من شياطين الإنس إذا قال المسلم: أعوذ بالله فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات . ﴿ الفائدة الثالثة) قوله ( بربي وربكم) والمعنى كان العبد يقول إن الله سبحانه هو الذى ربانى وإلى درجات الخير رقانى، ومن الآفات وقانى، وأعطانى نعماً لا حد لها ولا حصر، فلما كان المولى ليس إلا الله وجب أن لا يرجع العاقل فى دفع كل الآفات إلا إلى حفظ الله تعالى. ٥٧ قوله تعالى : وقال رجل مؤمن . سورة غافر . وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيَهُ ◌ٍ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِيَ اللّهُ وَقَدْ جَاءَ كُم ◌ِالْبَيَِّنْتِ مِن رَّبِّكٍُّ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُّ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُ بَعْضُ الَّذِىِ يَعِدُكُمْ إِنَّ الَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفُ كَذَّابٌ ٨ ﴿ الفائدة الرابعة) أن قوله ( وربكم) فيه بعث اقوم موسى عليه السلام على أن يقتدوا به فى الاستعاذة بالله، والمعنى فيه أن الأرواح الطاهرة القوية إذا تطابقت على همة واحدة قوى ذلك التأثير جداً، وذلك هو السبب الأصلى فى أداء الصلوات فى الجماعات . ( الفائدة الخامسة) أنه لم يذكر فرعون فى هذا الدعاء، لأنه كان قد سبق له حق تربية على موسى من بعض الوجوه ، فترك التعيين رعاية لذلك الحق . ( الفائدة السادسة) أن فرعون وإن كان أظهر ذلك الفعل إلا أنه لا فائدة فى الدعاء على فرعون بعينه ، بل الأولى الاستعاذة بالله فى دفع كل من كان موصوفاً بتلك الصفة ، حتى يدخل فيه كل من كان عدواً سواء كان مظهراً لتلك العداوة أو كان مخفياً لها . (الفائدة السابعة) أن الموجب للاقدام على إيذاء الناس أمران (أحدهما) كون الإنسان متكبراً قاسى القلب ( والثانى) كونه منكراً للبعث والقيامة، وذلك لأن المتكبر القاسى قد يحمله طبعه على إيذاء الناس. إلا أنه إذا كان مقرأ بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجرى على موجب تكبره، فإذا لم يحصل عنده الإيمان بالبعث والقيامة كانت الطبيعة داعية له إلى الإيذاء والمانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلا، وإذا كان الخوف من السؤال والحساب زائلا فلا جرم تحصل القسوة والإيذاء . ﴿ الفائدة الثامنة) أن فرعون لما قال (ذرونى أقتل موسى) قال على سبيل الاستهزاء (وليدع ربه ) فقال موسى إن الذى ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو الدين المبين والحق المنير، وأنا أدعو ربى وأطلب منه أن يدفع شرك عنى، وسترى أن ربى كيف يقهرك ، وكيف يسلطنى عليك واعلم أن من أحاط عقله بهذه الفوائد علم أنه لاطريق أصلح ولا أصوب فى دفع كيد الأعداء وإبطال مكرثم إلا الاستعاذة بالله والرجوع إلى حفظ الله والله أعلم. قوله تعالى : ﴿ وقال رجل مؤمن من آل فرعون یکتم إيمانه أُتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذى يعدكم إن الله لا ییدی من هر مسرف كذاب ﴾. ٥٨ قوله تعالى : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله . سورة غافر . أعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد فى دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله ، بين أنه تعالى قيض إنساناً أجنبياً غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه وبالغ فى تسكين تلك الفتنة واجتهد فى إزالة ذلك الشر . يقول مصنف هذا الكتاب رحمه الله ، ولقد جربت فى أحوال نفسى أنه كلما قصدفى شريز بشر ولم أتعرض له وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى الله، فإنه سبحانه يقيض أقواماً لا أعرفهم البتة ، يبالغون فى دفع ذلك الشر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى ذلك الرجل الذى كان من آل فرعون، فقيل إنه كان ابن عم له ، وكان جارياً مجرى ولى العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل كان قبطياً من آل فرعون وما كان من أقاربه، وقيل إنه كان من بنى إسرائيل، والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة قال تعالى (إلاآل لوط نجيناهم بسحر) وعن رسول اللّه عَّ له أنه قال ((الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الذى قال (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله) والثالث على بن أبى طالب وهو أفضلهم» وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيراً من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه وقال أبو بكر جهاراً (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله) فكان ذلك سراً وهذا كان جهاراً . ﴿ المسألة الثانية﴾ لفظ من فى قوله (من آل فرعون) يجوز أن يكون متعلقاً بقوله (مؤمن) أى كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله ( يكتم إيمانه) والتقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون ، وقيل إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقالى كتمت من فلان كذا ، إنما يقال كتمته كذا قال تعالى ( ولا يكتمون الله حديثاً). ( المسألة الثالثة﴾ رجل مؤمن الأكثرون قرأزا بضم الجيم وقرى رجل بكسر الجيم كمايقال عضد فى عضد . المسألة الرابعة﴾ قوله تعالى (أتقتلو رجلا أن يقول ربى الله) استفهام على سبيل الإنكار، وقد ذكر فى هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الاستنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن: قلل (.ربى الله) وجاء بالبينات وذلك لا يوجب القتل البنة وقوله (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) يحتمل وجهين (الأول) أن قوله (ربى الله) إشارة إلى التوحيد، وقوله ( وقد جاءكم بالبينات) إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد ، وهو قوله فى سورة طه (ربنا الذى أعطى كل فى خلقه ثم هدى) وقوله فى سورة الشعراء (رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) إلى آخر الآيات، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية فى أن الإقدام على قتله غير جائز وهى حجة مذاكورة على طريقة التقسيم ، فقال إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذى يعدكم ، فثبت أن على كلا التقديرين كان الأولى إبقاؤه حياً. ٥٩ قوله تعالى : وإن بك كاذباً فعليه كذبه . سورة غافر . فان قيل السؤال على هذا الدليل من وجهین ( الأول) أن قوله ( وإن يك كاذباً فعليه كذبه) معناه أن ضرر كذبه مقصور عليه ولا يتعداه ، وهذا الكلام فاسد لوجوه (أحدها) أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه ، لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ، فيغتر به جماعة منهم ، ويقعون فى المذهب الباطل والاعتقاد الفاسد ، ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصومات الكثيرة فثبت أن بتقدیر کونه كاذباً لم یمکن ضرر كذبه مقصوراً علیه، بل كان متعدياً إلى الكل، ولهذا السبب العلماء اجمعوا على أن الزنديق الذى يدعو الناس إلى زندقته يجب قتله (وثانيها) أنه إن كان الكلام حجة له، فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة، فوجب تمكن جميع الزنادقة والمبطلين من تقرير أديانهم الباطلة ( وثالثها ) أن الكفار الذين أنكروا نبوة موسى عليه السلام وجب أن لا يجوز الإنكار عليهم، لأنه يقال: إن كان ذلك المنكر كاذباً فى ذلك الإنكار فعليه كذبه، وإن يك صادقاً انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذا الطريق يوجب تصويب عنده، وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا . (السؤال الثانى) أنه كان من الواجب أن يقال وإن يك صادقاً يصبكم كل الذى يعدكم لأن الذى يصيب فى بعض ما يعد دون البعض هم أصحاب الكهانة والنجوم، أما الرسول الصادق الذى لا يتكلم إلا بالوحى فإنه يجب أن يكون صادقاً فى كل ما يقول فكان قوله ( يضبكم بعض الذى يعدكم) غير لائق بهذا المقام (والجواب) عن الأسئلة الثلاثة بحرف واحد وهو أن تقدير الكلام أن يقال إنه لا حاجة بكم فى دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فيفئذ لا يعود ضرره إلا إليه، وإن يك صادقاً انتفعتم به، والحاصل أن المقصود من ذكر ذلك التقسيم بيان أنه لاحاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه فبهذا الطريق [ تكون] الأسئلة الثلاثة مدفوعة. ﴿ وأما السؤال الثانى) وهو قوله كان الأولى أن يقال يصبكم كل الذى يعدكم ، فالجواب عنه من وجوه (الأول) أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللجاج لأن المقصود منه إن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه ، وإن كان صادقاً فلا أقل من أن يصل إليكم بعض ما يعدكم ، وإن كان المقصود من هذا الكلام ما ذكر صح ، ونظيره قوله تعالى ( وإنا أو إيا كم لعلى هدى أو فى ضلال مبين) ، (والوجه الثانى) أنه عليه السلام كان يتوعدم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم فى الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الذى يعدهم به ، ( الوجه الثالث ) حكى عن أبى عبيدة أنه قال ورود لفظ البعض بمعنى الكل جائز، واحتج بقول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها والجمهور على أن هذا القول خطأ ، قالوا وأراد لبيد ببعض النفوس نفسه والله أعلم. ٦٠ قوله تعالى : يا قوم لكم الملك . سورة غافر . يَقَوْمِ لَكُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِ الْأَرْضِ ◌َمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن ج ٢٩ ◌َآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَ أُرِبِكُمْ إِلَّ مَآَ أَرَى وَمَا أَهْدِيَكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِيّءَامَنَ يَنْقَوْمِ إِّ أَخَفُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ (َ مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوجِ وَادٍ وَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُرِيدُ ظُلْمًا لِعِبَادِ ﴾ وَيَنْقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُ مِّنَ اللَّهِ مِنْ ◌َصٍِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّه ◌َا لَهُ، مِنْ هَادٍ (#) ثم حكى اللّه تعالى عن هذا المؤمن حكاية ثالثة فى أنه لا يجوز إيذاء موسى عليه السلام فقال ( إن الله لا يهدى من هو مسرف مرقاب) وتقرير هذا الدليل أن يقال: إن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بهذه المعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذاباً فهذا يدل على أن موسی علیهالسلام ليس من الكاذبين ، فكان قوله (إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب) إشارة إلى على شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز والتعريض، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أن فرعون مسرف فى عزمه على قتل موسى ، كذاب فى إقدامه على ادعاء الإلهية، والله لا يهدى من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره. قوله تعالى: ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وقال الذى آمن يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما اللّه يريد ظلماً للعباد، وياقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد ، يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من ماد ﴾. اعلم. أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم فى ذلك بعذاب الله فقال ( يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الأرض) يعنى قد علوتم الناس وقهر تموثم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فانه لاقبل لكم به، وإنما قال (ينضرنا) و(جاءنا) لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذى ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى) أي لا أشير إليكم