النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
قوله تعالى : الذين يستمعون القول . سورة الزُّمر .
على هذا الحرف، ومنهم من قال إنه تعالى لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك
درجة عالية لا يصل إليها إلا الأولون، وقصر السعادة عليهم يقتضى الحرمان للأكثرين ، وذلك
لا يليق بالرحمة التامة، لا جرم جعل الحكم أعم فقال كل من اختار الأحسن فى كل باب كان فى
زمرة السعداء ، واعلم أن هذه الآية تدل على فوائد :
﴿ الفائدة الاولى﴾ وجوب النظر والاستدلال، وذلك لأنه تعالى بين أن الهداية والفلاح
مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة، فإنه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب، ومن
المعلوم أن تمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يحصل بالسماع، لأن السماع صار قدراً مشتركا
بين الكل ، لأن قوله (الذين يستمعون القول) يدل على أن السماع قدر مشترك فيه ، فثبت أن تمييز
الأحسن عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما يتأتى بحجة العقل ، وهذا يدل على أن الموجب لاستحقاق
المدح والثناء متابعة حجة العقل وبناء الأمر على النظر والاستدلال.
( الفائدة الثانية) أن الطريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان (أحدهما) إقامة الحجة
والبينة على صحته على سبيل التحصيل، وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلا بالخوض فى كل واحد من
المسائل على التفصيل ( والثانى ) أنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشبهات وتزييفها نعرض
تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا ، فكل ما حكم أول العقل بأنه أفضل وأكمل كان أولى بالقبول .
مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن إله العالم حى عالم قادر حليم حكيم رحيم، أولى من إنكار
ذلك، فكان ذلك المذهب أولى، والإقرار بأن الله تعالى لا يجرى فى ملكه وسلطانه إلا ما كان
على وفق مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجرى فى سلطان اللّه على خلاف إرادته ، وأيضاً
الإقرار بأن الله فرد أحد صمد منزه عن التركيب والأعضاء أولى من القول بكونه منبعضاً مؤلفاً،
وأيضاً القول باستغنائه عن الزمان والمكان أولى من القول باحتياجه اليهما، وأيضاً القول بأن الله
رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنه لا يعفو عنه البتة ، وكل هذه الأبواب تدخل
تحت قوله ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) فهذا ما يتعلق باختيار الأحسن فى أبواب
الاعتقادات .
وأما ما يتعلق بأبواب التكاليف فهو على قسمين: منها ما يكون من أبواب العبادات ، ومنها
ما يكون من أبواب المعاملات ، فأما العبادات فمثل قولنا الصلاة التى يذكر فى تحريمها الله أكبر
وتكون النية فيها مقاومة للتكبير، ويقرأ فيها سورة الفاتحة، ويؤتى فيها بالطمأنينة فى المواقف
الخمسة، ويقرأ فيها التشهد، ويخرج منها بقوله السلام عليكم، فلا شك أنها أحسن من الصلاة التى
لا يراعى فيها شىء من هذه الأحوال، وتوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة ، وأن يترك
ما سواها، وكذلك القول فى جميع أبواب العبادات. وأما المعاملات فكذلك مثل أنه تعالى شرع
القصاص والدية والعفو ، ولكنه ندب إلى العفو فقال (وأن تعفوا أقرب للتقوى) وعن ابن عباس

٢٦٢
قوله تعالى : أولئك الذين هداهم الله . سورة الزُّمر .
أن المراد منه الرجل يجلس مع القوم ويسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء، فيحدث بأحسن
ما سمع ويترك ما سواه .
واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال (أولئك الذين هداهم
الله وأولئك هم أولوا الألباب) وفى ذلك دقيقة عجيبة، وهى أن حصول الهداية فى العقل والروح
أمر حادث، ولا بد له من فاعل وقابل . أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله (أولئك
الذين هداهم الله) وأما القابل فإليه الإشارة بقوله (وأولئك هم أولوا الألباب) فإن الإنسان
ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحتمية فى قلبه. وإنما قلنا إن الفاعل لهذه
الهداية هو الله، وذلك لأن جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد
الباطل ، وإذا كان الشىء قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية، ومتى كان الأمر
كذلك امتنع كون ذلك القابل سبباً لرجحان أحد الطرفين، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا
للحركة والسكون على السوية، امتنع أن تصير ذات الجسم سباً لرجحان أحد الطرفين على الآخر،
فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان ، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد
الطرفين، فتصير تلك الإرادة سبباً لذلك الرجحان، فنقول هذا باطل، لأن ذات النفس كما أنها
قابلة لهذه الإراذة، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة، فيمتنع كون جوهر
النفس سباً لتلك الإرادة. فثبت أن حصول الهدابة لابدلها من فاعل ومن قابل ( أما الفاعل)
فيمتنع أن يكون هو النفس، بل الفاعل هو اللّه تعالى ( وأما القابل) فهو جوهر النفس، فلهذا
السبب قال (أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) ثم قالى (أفمن حق عليه كلمة العذاب
أفأنت تنقذ من فى النار ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال (أفن حق عليه كلمة العذاب)
ولا يصح فى الكلام العربى أن يدخل حرف الاستفهام على الإسم وعلى الخبر معاً . فلا يقال أزيد
أنقتله، بل ههنا شىء آخر، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء، فكذلك
دخل حرف الفاء عليهما معاً وهو قوله (أفمن حق)، (أفأنت تنقذ) ولأجل هذا السؤال اختلف
النحويون وذكروا فيه وجوها (الأول) قال الكسائى: الآية جملتان والتقدير أفمن حق عليه كلمة
العذاب . أفأنت تحميه ، أفأنت تنقذ من فى النار ( الثانى) قال صاحب الكشاف : أصل الكلام
أفن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، وهى جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء
الجزاء. ثم دخلت الفاء التى فى أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك
أمرهم، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، والهمزة الثانية هى الأولى كررت لتوكيد معنى
الإنكار والاستبعاد، ووضع من فى النار موضع الضمير، والآية على هذا جملة واحدة (الثالث)
لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد ههنا لإفادة معنى الإنكار، ولما كان استنكاره هذا

٢٦٣
قوله تعالى : تجري من تحتها الأنهار . سورة الزُّمر .
المعنى كاملا تاماً. لاجرم ذكر هذا الحرف فى الشرط وأعاده فى الجزاء تنبيهاً على المبالغة التامة فى
ذلك الإنكار .
المسألة الثانية﴾ احتج الأصحاب بهذه الآية فى مسألة الهدى والضلال، وذلك لأنه تعالى
قال (أفمن حق عليه كلمة العذاب ) فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة ،
وإلا لزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذباً، وانقلاب علمه جهلا وهو محال ( والوجه الثانى ) فى
الاستدلال بالآية أنه تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب توجب الإستنكار التام من صدور الإيمان
والطاعة عنه . ولو كان ذلك ممكناً ولم تكن حقية كلمة العذاب مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار
والاستبعاد معنى .
المسألة الثالثة﴾ احتج القاضى بهذه الآية على أن النبى مهتم لا يشفع لأهل الكبائر. قال
لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون جارية مجرى إنقاذهم من النار، وأن الله تعالى حكم
عليهم بالإنكار والإستبعاد . فيقال له لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق
العذاب عليهم مع أن الله تعالى قال ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)
ومع قوله ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً) والله أعلم.
﴿ النوع الثانى) من الأشياء التى وعدها الله هؤلاء الذين اجتنبوا وأنابوا قوله تعالى (لكن
الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ) وهذا كالمقابل لما ذكر فى وصف الكفار
(لهم من فوقهم ظلل من النارومن تحتهم ظلل) فإن قيل ما معنى قوله (مبنية)؟ قلنا لأن المنزل إذا بنى
على منزل آخر تحته كان الفوقانى أضعف بناء من التحتانى فقوله ( مبنية ) معناه أنه وإن كان فوق
غيره لكنه فى القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل، والحاصل أن المنزل الفوقائى والتحتانى حصل
فى كل واحد منهما فضيلة ومنقصة، أما الفوقائى ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة
والسخافة ، وأما التحتابى فبالضد منه ، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهى
عالية مرتفعة وتكون فى غاية القوة والشدة . وقال حكماء الإسلام هذه الغرف المبنية بعضها فوق
البعض ، مثانه من الأحوال النفسانية العلوم الكبية فإن بعضها يكون مبنياً على البعض والنتائج
الآخرة التى هى عبارة عن معرفة ذات الله وصفاته تكون فى غاية القوة بل تكون فى القوة
والشدة كالعلوم الأصلية البديهية .
ثم قال ( تجرى من تحتها الأنهار) وذلك معلوم، ثم ختم الكلام فقال (وعد الله لا يخلف الله
الميعاد) فقوله ( وعد الله) مصدر مؤكد لأن قوله ( لهم غرف) فى معنى وعدهم اللّه ذلك وفى
الآية دقيقة شريفة، وهى أنه تعالى فى كثير من آيات الوعد صرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف
وعده ولم يذكر فى آيات الوعيد البتة مثل هذا التأكيد والتقوية ، وذلك يدد على أن جانب الوعد
أرجح من جانب الوعيد بخلاف ما يقوله المعتزلة ، فإن قالوا أليس أنه قال فى جانب الوعيد (ما يبدل

٢٦٤
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه . سورة الزُّمر .
أَلَمْ ثَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ يَنَبِيعَ فِ الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْءًا
مْتَلًِّا أَلْوَنُمَّ ◌ِيُ فَتَهُ مُصْنَّ كُمْ يَجْعَلُ حُطَمًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذُِّرَّى لِأُوْلِ
الْأَلْبَبِ
٢١
القول لدى وما أنا بظلام للعبيد) قلنا قوله ما يبدل القول لدى ليس تصريحاً بجانب الوعيد بل هو
كلام عام يتناول القسمين أعنى الوعد والوعيد، فثبت أن الترجيح الذى ذكرناه حق والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلکه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعا
مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب
أعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولى الألباب فيها وصف
الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها ، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل
كل ما كان فى الأرض فهو من السماء ، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه
ينابيع فى الأرض، أى فيدخله وينظمه ينابيع فى الأرض عيوناً، ومسالك ومجارى كالعروق فى
الأجسام، ثم يخرج به زرعاً مختلفا ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً
أصنافه من بروشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جازله أن ينفصل عن منابته، وإن
لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً ( إن فى ذلك
لذكرى) يعنى أن من شاهد هذه الأحوال فى النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك
وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء،
ثم تكون عاقبته الموت. فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال فى النبات تذكره حصول مثل هذه
الأحوال فى نفسه وفى حياته، حينئذ تعظم نفرته فى الدنيا وطيباتها. والحاصل أنه تعالى فى الآيات
المتقدمة ذكر ما يقوى الرغبة فى الآخرة، وذكر فى هذه الآية ما يقوى النفرة عن الدنيا ، فشرح
صفات القيامة يقوى الرغبة فى طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوى النفرة عن الدنيا، وإنما
قدم الترغيب فى الآخرة على التنفير عن الدنيا . لأن الترغيب فى الآخرة مقصود بالذات، والتنفير
عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض ، فهذا تمام الكلام فى
تفسير الآية، بقى ههنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ ، قال الواحدى: والينابيع جمع ينبوع وهو
يفعول من نبع يقبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائى والفراء، وقوله
( ينابيع) ذعب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه فى ينابيع ثم يهيج أى يخضر، والحطام ما يجف
ويتفتت ويكسر من النبت .

٢٦٥
قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام . سورة الزُّمر .
أَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ، لِلْإِسْلَكِ فَهُوَ عَلَى نُورٍمِن رَّبِهِ، فَوَبْلٌ لِلْفَسِيَةِ قُلُوبُهُم
مِ ذِكْرِ اللهِ أَوْلَكَ فِ ضَلَكِلٍ مُبِينٍ (﴾ اللهُنَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا
مُتَبِهَا مَّثَانِيَ تَقْتَعُ مِنْهُ مُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ مَ تَلِنُ جُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
ج
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِذَ لِكَ هُدَى الَِّيَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ الله ◌َلَهُ مِنْ هَادٍ ◌ّ
أَقَنْ يَتَّى يِوَجْهِهِ، سُوَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ وَقِيلَ لِلِّنَ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ
تَكْسِبُونَ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَنُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
) فَأَذَافَهُمُ اللهُ الْخِزِىَ فِ أَذَا لَةِ الُنيّ وَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوْ كَانُواْ
٢٥
يَعْلُونَ (8) وَلَقَدْنَ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَنْذَ الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ
قُرْءَانًّا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَعَلْهُمْ يَتَّقُونَ
٢٨
٢٧
يَتَذَ كَّرُونَ
قوله تعالى : ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من
ذكر الله أولئك فى ضلال مبين ، الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود
الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن
يضلل الله فما له من هاد، أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم
تكسبون، كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، فأذاقهم الله الخزى فى
الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل
مثل لعلهم يتذكرون، قرآناً عربياً غير ذى عوج لعلهم يتقون ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما بالغ فى تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على
طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل
إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه)
واعلى أنا بالغنا فى سورة الأنعام فى تفسير قوله (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام)

٢٦٦
قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم . سورة الزُّمر .
فى تفسير شرح الصدر وفى تفسير الهداية ، ولا بأس بإعادة كلام قليل ههنا ، فنقول إنه تعالى خلق
جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة فى
الاتصال بالروحانيات، وبعضها نذلة كدرة خية مائلة إلى الجسمانيات وفى هذا التفاوت أمر
حاصل فى جواهر النفوس البشرية ، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك، إذا عرفت هذا فنقول
المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود فى فطرة النفس، وإذا كان ذلك
الاستعداد الشديد حاصلا كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب، مثل الكبريت
القرى يشتعل بأدنى نار ، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال
الروحانية ، بل كانت مستغرفه فى طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للألهيات فكانت
قاسية كدرة ظلمانية ، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها
وظلمتها أقل. إذا عرفت هذه القاعدة فنقول . أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه، وأما النور فهو
عبارة عن الهداية والمعرفة، ومالم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانياً ، وإذا كان الحاصل
هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع البتة بسماع الدلائل، وربما صار سماع الدلائل سبباً لزيادة
القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف
على معانى هذه الآيات ، أما استدلال أصحابنا فى مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم
هناك والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية) من محذوف الخبر كما فى قوله (أمن هو قانت) والتقدير: أفن شرح الله
صدره للاسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته، والجواب متروك لأن الكلام
المذكور دل عليه وهو قوله تعالى ( فويل القاسية قلوبهم من ذكر الله).
﴿ المسألة الثالثة) قوله (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) فيه سؤال، وهو أن ذكر الله
سبب لحصول النور والهداية وزيادة الإطمئنان كما قال ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فكيف
جعله فى هذه الآية سباً لحصول قسوة القلب ، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر
كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة ،
فان سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد
تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة
الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً فى مجلس واحد
فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا ماذكرناه من اختلاف جواهر النفوس ، ومن
اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين )
وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول اللّه مَ له إلى قوله تعالى
( ثم أنشأناه خلقاً آخر) قال كل واحد منهم (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول الله عَ ليه

٢٦٧
قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم . سورة الزُّمر .
((اكتب فهكذا أنزلت)) فازداد عمر إيماناً على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفراً على كفر، إذا
عرفت هذا لم يبعد أيضاً أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان فى النفوس الطاهرة
الروحانية ، ويوجب القسوة والبعد عن الحق فى النفوس الخبيثة الشيطانية، إذا عرفت هذا فنقول
إن رأس الأدوية التى تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هوذكر الله تعالى، فاذا اتفق لبعض النفوس
أن صار ذكر الله تعالى سبباً لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضاً لا يرجى زواله
ولا يتوقع علاجه وكانت فى نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى (فويل للقاسية قلوبهم من
ذكر الله أولئك فى ضلال مبين) وهذا كلام كامل محقق، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل
على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان ، والمقصود منه بيان أن
القرآن لما كان موصوفاً بهذه الصفات ، ثم إنه فى حق ذلك الإنسان صار سبباً لمزيد القسوة دل
ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ فى الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات ، فنقول إنه تعالى
وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال .
﴿ الصفة الأولى ) قوله تعالى (أنه نزل أحسن الحديث) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: (الأول) أنه
تعالى وصفه بكونه حديثاً فى هذه الآيات وفى آيات أخرى منها قوله تعالى ( فليأتوا بحديث مثله)
ومنها قوله تعالى (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) والحديث لابد وأن يكون حادثاً، قالوا بل الحديث
أقوى فى الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق ، وهذا
عتيق وليس بحادث ، فثبت أن الحديث هو الذى يكون قريب العهد بالحديث، وسمى الحديث
حديثاً لأنه مؤلف من الحروف والكلمات ، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا خلا وساعة
فساعة . فهذا تمام تقرير هذا الوجه .
أما (الوجه الثانى ) فى بيان استدلال القوم أن قالوا: إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون
فى محل تصرف الغير . وما يكون كذلك فهو محدث وحادث .
وأما (الوجه الثالث) فى بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضى أن
يكون هو من جفس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضى أن يكون زيد مشاركا
لا ولئك الأقوام فى صفة الأخوة ويكون من جفسهم ، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث.
ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثا .
أما (الوحه الرابع) فى الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من
الكتبة وهى الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف. وذلك يدل على
كونه محدثاً ( والجواب) أن نقول تحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات
والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق والله أعلم.

٢٦٨
قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم . سورة الزُّمر .
﴿ المسألة الثانية ) كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه
أو بحسب معناه .
﴿ القسم الأول) أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: (الأول)
أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة (الثانى) أن يكون بحسب النظم فى الأسلوب،
وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولامن جنس الخطب . ولامن جفس الرسائل ، بل هو
نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذى طبع سليم يستطيبه ويستلذه.
﴿ القسم الثانى) أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه: (الأول) أنه
كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)
ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات ( الوجه الثانى) اشتماله على
الغيوب الكثيرة فى الماضى والمستقبل (١الوجه الثالث) أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً.
وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هى ما ذكره الله فى كتابه فى قوله ( والمؤمنون
كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك
ربنا وإليك المصير ) فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره العلوم النافعة .
﴿ أما القسم الأول ) وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات
والصفات والأفعال والأحكام والأسماء. أما معرفة الذات فهى أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه.
وأما معرفة الصفات فهى نوعان :
(أحدهما) ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه
مختصاً بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا، وهذه
الأربعة المذكورة ، مذكورة فى كتاب الله تعالى لبيان التنزيه.
أما كلمة ليس ، فقوله ( ليس كمثله شىء) وأما كلمة لم، فقوله (لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له
كفواً أحد) وأما كلمة ما، فقوله (وما كان ربك نسياً)، (ما كان لله أن يتخذ من ولد) وأما كلمة
لا ، فقوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم)، (وهو يطعم ولا يطعم)، (وهو يجير ولا يجار عليه)،
وقوله فى سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن (لا إله إلا الله).
﴿ وأما النوعِ الثانى)) وهى الصفات التى يجب كونه موصوفاً بها من القرآن (فأولها) العلم بالله،
والعلم بكونه محدثاً بالقاً، قال تعالى (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض) (وثانيها) العلم
بكونه قادراً، قال تعالى فى أول سورة القيامة ( بلى قادرين على أن نسوى بنانه) وقال فى آخر هذه
السورة ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) (وثالثها) العلم بكونه تعالى عالماً ، قال تعالى (هو
الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) (ورابعها) العلم بكونه عالماً بكل المعلومات، قال تعالى
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وقوله تعالى ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى) (وخامسها) العلم

٢٦٩
قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم . سورة الزُّمر .
بكونه حياً ، قال تعالى (هو الحى لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين) (وسادسها) العلم بكونه
مريداً، قال الله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) (وسابعها) كونه سميعاً بصيراً.
قال تعالى (وهو السميع البصير ) وقال تعالى (إننى معكما أسمع وأرى) (وثامنها) كونه متكلماً .
قال تعالى ( ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت
كلمات اللّه) ( وتاسعها) كونه أمراً، قال تعالى (لله الأمر من قبل ومن بعد) (وعاشرها ) كونه
رحماناً رحيما مالكا ، قال تعالى (الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ) فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات
التی يجب اتصافه بها .
﴿ وأما القسم الثالث) وهو الأفعال، فاعلم أن الافعال إما أرواح وإما أجسام. أما
الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا القليل، كما قال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) وأما
الأجسام ، فهى إما العالم الا على وإما العالم الاسفل. أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه
( أحدها ) البحث عن أحوال السموات ، و(ثانيها) البحث عن أخوال الشمس والقمر كما قال تعالى
(إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل
النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) و(ثالثها) البحث عن أحوال
الأضواء، قال الله تعالى ( الله نور السموات والأرض) وقال تعالى ( هو الذى جعل الشمس
ضياء والقمر نوراً) و(رابعها) البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى (ألم تر إلى ربك كيف مد
الظل ولو شاء لجعله ساكناً) و(خامسها) اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى ( يكور الليل على
النهار ويكور انهار على الليل) و (سادسها) منافع الكواكب، قال تعالى (وهو الذى جعل لكم
النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر ) و (سابعها) صفات الجنة ، قال تعالى ( وجنة عرضها
كعرض السماء والأرض) و( ثامنها) صفات النار، قال تعالى (ها سبعة أبواب لبكل باب منهم
جزء مقسوم) و(تاسعها) صفة العرش، قال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله) و(عاشرها)
صفة الكرسى ، قال تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض) و(حادى عشرها) صفة الموح
والقلم. أما اللوح، فقوله تعالى (بل هو قرآن مجيد. فى لوح محفوظ) وأما القلم، فقوله تعالى (ن والفلم
ومايسطرون).
وأما شرح أحوال العالم الاسفل (فأولها) الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة (إحداها)
كونه مهداً، قال تعالى (الذى جعل لكم الأرض مهداً) و(ثانيها) كونه مباداً، قال تعالى (ألم
بجعل الأرض مهاداً) و(ثالثها) كونه كفاتاً، قال تعالى ( كفاتاً. أحياء وأمواتا) و(رابعها)
الذلول. قال تعالى (هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا) و (خامسها) كونه بساطاً. قال تعالى
(والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلا تجاجاً) والكلام فيه طويل و(ثانيها) البحر
قال تعالى (وهو الذى سخر لكم البحر لتأكلوا منه خماً طرياً) و (ثالثها ) الهواء والرياح. قال تعالى

٢٧٠
قوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم . سورة الزُّمر .
(وهو الذى يرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته) وقال تعالى (وأرسلنا الرياح لواقح) و(رابعها)
الآثار العلوية كالرعد والبرق ، قال تعالى (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) وقال تعالى
( فترى الودق يخرج من خلاله) ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب
و(خامسها) أحوال الأشجاروالثمار وأنواعها وأصنافها، و(سادسها) أحوال الحيوانات ، قال تعالى
(وبث فيها من كل دابة) وقال (والأنعام خلقها لكم) و (سابعها ) عجائب تكوين الإنسان فى
أول الخلقة، قال (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) و(نامنها) العجائب فى سمعه وبصره
ولسانه وعقله وفهمه و (تاسعها) تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى
آخر قيام القيامة ، و(عاشرها) ذكر أحوال الناس عندالموت وبعدالموت، وكيفية البحثوالقيامة،
وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم فى عالم السموات، وإلى
عشرة أخرى فى عالم العناصر ، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة.
﴿ وأما القسم الرابع ) وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه. فنقول هذه التكاليف إما أن
تحصل فى أعمال القلوب أو فى أعمال الجوارح.
﴿ أما القسم الأول ) فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق
الفاسدة والقرآن يشتمل على كل مالا بد منه فى هذا الباب، قال الله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى) ، وقال ( خذ العفو وأمر
بالعرف وأعرض عن الجاهلين ).
( وأما الثانى) فهو التكاليف الحاصلة فى أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن
مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه.
﴿ وأما القسم الخامس) وهو معرفة أسماء اللّه تعالى فهو مذكور فى قوله تعالى (ولله
الأسماء الحسنى فادعوه بها) فهذا كله يتعلق بمعرفة الله.
﴿ وأما القسم الثانى) من الأصول المعتبرة فى الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى
( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته) والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال
وأخرى على طريق التفصيل ، أما بالإجمال فقوله ( وملائكته) وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على
كونهم رسل الله قال تعالى (جاعل الملائكة رسلا) ومنها أنها مديرات لهذا العالم. قال تعالى
(فالمقسمات أمرا فالمدبرات أمرا) وقال تعالى (والصافات صفاً) ومنها حملة العرش قال (ويحمل
عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) ومنها الحافون حول العرش قال (ويرى الملائكة حافين من
حول العرش) ومنها خزة النار قال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد) ومنها الكرام الكاتبون
قال ( وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ) ومنها المعقبات قال تعالى ( له معقبات من بين يديه ومن
خلفه) وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين

٢٧١
قوله تعالى : كتاباً متشابهاً . سورة الزُّمرِ .
﴿ وأما القسم الثالث ) من الأصول المعتبرة فى الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل
على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات) ومنها أحوال
صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى ( وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) ومنها أحوال
التوراة والإنجيل والزبور.
﴿ وأما القسم الرابع ) من الأصول المعتبرة فى الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح
أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال ( منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)
. ﴿ القسم الخامس) ما يتعلق بأحوال المكلفين وهى على نوعين ( الأول ) أن يقروا بوجوب
هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله ( وقالوا سمعنا وأطعنا)، (الثانى) أن يعترفوا بصدور
التقصير عنهم فى تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله ( غفرانك ربنا ) ثم لما كانت
مقادير رؤية التقصير فى مواقف العبودية بحسب المكاشفات فى مطالعة عزة الربوبية أكثر،
كانت المكاشفات فى تقصير العبودية أكثر وكان قوله ( غفرانك ربنا) أكثر.
﴿ القسم السادس) معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله (وإليك المصير)
وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة فى طلب الدين، والقرآن بحر لانهاية له فى تقرير هذه
المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى فى مشارق الأرض ومغاربها كتابا يشتمل على جملة هذه
العلوم كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل فى هذا التفسير علم أما لم نذكر من بحار فضائل القرآن
إلا قطرة، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى (الله نزل
أحسن الحديث ) والله أعلم
﴿ الصفة الثانية) من صفات القرآن قوله تعالى (كتاباً متشابهاً) أما الكتاب فقدفسرناه
فى قوله تعالى ( ذلك الكتاب لاريب فيه ) وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن
أقرآن كاء متشابه. وقوله (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب
وأخر متشابهات ) يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض. وأما كونه كله متشابهاً كما فى هذه
الآية، فقال ابن عباس معناه أنه يشبه بعضه بعضاً ، وأقول هذا التشابه يحصل فى أمور (أحدها)
أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلا، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً، ويكون البعض غير
فصيح، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه (وثانيها ) أن الفصيح إذا
كتب كتاباً فى واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر فى غير تلك الواقعة كان الغالب أن
كلامه فى الكتاب الثانى غير كلامه فى الكتاب الأول، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام
فى مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة فى الفصاحة ( وثالثها) أن كل مافيه من
الآيات والبيانات فانه يقوى بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً (ورابعها) أن هذه الأنواع
الكثيرة من العلوم التى عددناها متشابهة متشاركة فى أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى

٢٧٢
قوله تعالى : تقشعر منه جلودهم . سورة الزُّمر .
الدين وتقرير عظمة الله.ولذلك فانك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذى
ذكر ناه. فهذا هو المراد من كونه متشابهاً، والله الهادى.
( الصفة الثالثة)) من صفات القرآن كونه (مثانى) وقد بالغنا فى تفسير هذه اللفظة عند قوله
تعالى ( ولقد آتيناك سبعاً من المثال) وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين
مثل : الأمر والنهى، والعام والخاص. والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض، والجنة
والنار، والظلمة والضوء، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسى، والوعد
والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل
شىء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو اللّه سبحانه.
﴿ الصفة الرابعة ) من صفات القرآن قوله (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين
جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ معنى (تقشعر جلودهم ) تأخذهم قشعريرة وهى تغير يحدث فى جلد
الإنسان عند الوجل والخوف، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان
يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون فى
مبدإ جلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا. وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا، ويجب
علينا أن نذكر فى هذا الباب مزيد شرح وتقرير، فنقول الإنسان إذا تأمل فى الدلائل الدالة على
أنه يحب تنزيه الله عن التحيز والجهة. فهنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا
خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ، ما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود، أما إذا
تأمل فى الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فرداً أحداً، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم
فههذا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله. وأيضاً إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم فى ذهنه
بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضاً بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة،
ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل فى الذهن ، فاذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال
العقل هذا ليس بشىء، لأن كل ما استحضرته فى فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه
المدة المتناهية، فههنا يتحير العقل ويقشعر الجلد. وأما إذا ترك هذا الإعتبار وقال ههنا موجود
والموجود إما واجب وإما ممكن. فإن كان واجباً فهو دائماً منزه عن الأول والآخر وإن كان
ممكناً فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزلياً أبدياً، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فهنا يلين
جلده وقلبه إلى ذكر الله، فثبت أن المقامين المذكورين فى الآية لا يجب قصرهما على سماع آية
العذاب وآية الرحمة، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر فى حصول
تلك الحالتين المذكورتين.
المسألة الثانية) روى الواحدى فى البسيط عن قتادة أنه قال: القرآن دل على أن أوليا.

٢٧٣
قوله تعالى : ثم تلين جلودهم وقلوبهم . سورة الزُّمر .
الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات ، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم
وقلوبهم إلى ذكر الله. وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاء فم تضطرب، فدل هذا على أن تلك
الأحوال لو حصلت لكأنت من الشيطان، وأقول هههنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد
الغزالى أورد مسألة فى كتاب إحياء علوم الدين، وهى أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد
الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر ، وعند سماع الآيات لا يظهر
عليه شىء من هذه الأحوال ، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول:
إنى خلقت محروماً عن هذا المعنى، فإنى كلما تأملت فى أسرار القرآن اقشعر جلدى وقف على
شعرى وحصلت فى قلبى دهشة وروعة ، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل على وما وجدت
البتة فى نفسى منها أثراً، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، وبيانه من وجوه (الأول)
أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وحجر وبغض وحب تليق بالخلق، وإثباته فى حى الله
تعالى كهر، وأما الإنتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بحلال اللّه فلا يصل إليها إلا العلماء
الراسخون فى العلم، وأما المعانى التى يشتمل عليها القرآن فهى أحوال لائقة بجلال الله، فمن وقف
عليها عظم الوله فى قلبه ، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله
( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) إلى آخر الآية ( والثانى) وهو أنى سمعت بعض المشايخ
قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر، لأن قوة نفس
القائل تعين على نفاذ الكلام فى الروح، والقائل فى القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ
الرسول المعصوم، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور ( والثالث ) أن
مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم، صراط الله الذى
له ما فى السموات وما فى الأرض ) وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى (والشعراء يتبعهم
الغاوون، ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون) فهذه الوجوه الثلاثة فروق
ظاهرة، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذى
وجدته من النفس والعقل ماذكرته والله أعلم.
المسألة الثالثة) فى بيان ما بقى من المشكلات فى هذه الآية ونذكرها فى معرض
السؤال والجواب .
( السؤال الأول ) كيف تركيب لفظ القشعريرة (الجواب) قال صاحب الكشاف
تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون
رباعياً ودالا على معنى زائد يقال: اقشر جلده من الخوف وقف شعره ، وذلك مثل فى
شدة الخوف .
﴿ السؤال الثانى) كيف قال ( تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) وما الوجه فى تعديه
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٨

٢٧٤
قوله تعالى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب . سورة الزُّمر .
بحرف إلى؟ (والجواب) التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس
بالإدراك .
﴿ السؤال الثالث) لم قال إلى ذكر الله ولم يقل إلى ذكر رحمة الله؟ (والجواب) أن من
أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله، وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشىء
سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية ، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى
ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله، وقد بين الله تعالى هذا المعنى فى قوله تعالى (فمن يرد الله أن
يهديه يشرح صدره للاسلام) وفى قوله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وأيضاً قال لأمة موسى
(يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم) وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
(فاذ كرونى أذكركم).
﴿ السؤال الرابع) لم قال فى جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط ، وفى جانب الرجاء لين
الجلود والقلوب معاً؟ (والجواب) لأن المكاشفة فى مقام الرجاء أكمل منها فى مقام الخوف، لأن
الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح والله أعلم
ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال ( ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن
يضلل الله فما له من ماد) فقوله ( ذلك) إشارة إلى الکتاب وهو هدی الله يهدى به من يشاء
من عباده وهو الذى شرح صدره أولا لقبول هذه الهداية ( ومن يضلل الله) أى من جعل قلبه
قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية (فما له من هاد) واستدلال أصحابنا بهذه الآية
وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم فى قوله ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح
صدره للإسلام).
أما قوله تعالى ( أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية
هوبهم بحكم فى الدنيا وبحكم فى الآخرة ، أما حكمهم فى الدنيا فهو الضلال التام كما قال ( ومن
يضلل الله فما له من هاد) وأما حكمهم فى الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله ( أقمن
يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن
والصباحة، وهو أيضاً صومعة الحواس، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه ، وأثر
السعادة والشقاوة لا يظهر إلا فى الوجه قال تعالى (وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه
يومئذ عليها غبرة ، ترهقها فترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة) ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب ،
. ويقال للطريق الدال على كنه حال الشىء وجه كذا هو. كذا، فثبت بما ذكرنا أن أشرف
الأعضاء هو الوجه ، فإذا وقع الإنسان فى نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقابة لوجهه وفدا.
له . وإذا عرفت هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه
لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كنابة عن العجز عن الاتقاء ، ونظيره قول النابغة:

٢٧٥
قوله تعالى : ولعذاب الآخرة أكبر . سورة الزّمر .
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
أی لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعیب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه، فكذا مهنا
لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء
البتة ، ويقال أيضاً إن الذى يلقى فى النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقى النار إلا
بوجهه، إذا عرفت هذا فنقول: جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم
القيامة كمن هو آمن من العذاب لحذف الخبر كما حذف فى نظائره. وسوء العذاب شدته.
ثم قال تعالى ( وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) ولما بين الله تعالى كيفية عذاب
القاسية قلوبهم فى الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم فى العذاب فى الدنيا فقال ( كذب الذين من
قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء فى قوله ( فأتاهم
العذاب ) تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب ، فإذا كان التكذيب حاصلا ههنا
لزم حصول العذاب استدلالا بالعلة على المعلول، وقوله ( من حيث لا يشعرون ) أى من الجهة
التى لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التى
توقعوا الآمن منها، ولما بين أنه أتاهم العذاب فى الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزى وهو الذل
والصغار والهوان، والفائدة فى ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً
بالهوان والذل .
ثم قال ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) يعنى أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب
والخزى كما تقدم ذكره، فالعذاب المدخر لهم فى يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذى وقع.
والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس
المتوافرة فى هذه المطالب، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال ( ولقد
ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) والمقصود ظاهر، وقالت المعتزلة دلت
الآية على أن أفعال الله . وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل
لأن قوله ( ولقد ضربنا للناس ) مشعر بالتعليل، وقوله فى آخر الآية ( لعلهم يتذكرون) مشعر
بالتعليل أيضاً ، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم،
ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة فى القرآن، لا جرم وصف القرآن
بالمدح والثناء، فقال ( قرآناً عربياً غير ذى وج لعلهم يتقون ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى) احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه (الأول) أن
قوله ( ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) يدل على أنه تعالى إنما
ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر ، والشىء الذى يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً، فان القديم
هو الذى يكون موجوداً فى الأزل، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا،

٢٧٦
قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلاً . سورة الزمر .
الجزء
ضَرَبَ اللهُ مَثَلَا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَهُ مُتَشَئِكُونَ وَرَجُلًا سَلَّمًا لِرَجُلِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ
ج
مَثَلَا الْحَمْدُ لِِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣) إِنَّكَ مَيِّتْ وَإِنْهُمْ سِنُونَ ﴾ ثُمَّ
إِنَّكُرْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (﴾ فَمَنْ أَظْلَمُ مِّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ، أَلَيْسَ فِى جَهََّ مَنَّوَّى لِلْكَِّفِرِينَ ﴾
( والثانى) أنه وصفه بكونه عربياً وإنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على
هذه المعانى بوضع العرب وباصطلاحهم ، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم
كان مخلوقا محدثاً (الثالث) أنه وصفه بكونه قرآناً والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر
والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلا ومفعولا (والجواب) أنا تحمل كل هذه الوجوه على الحروف
والأصوات وهى حادثة ومحدثة ،
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج قوله ( عربيا) منصوب على الحال والمعنى ضربنا الناس فى
هذا القرآن فى حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح .
المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة (أولها) كونه قرآناً، والمراد كونه متلواً
فى المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (وثانيها) كونه
عربياً والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال (قل لئن اجتمعت الإنس والجن
على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (وثالثها) كونه (غير
ذى موج) والمراد براءته عن التناقض، كما قال ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
كثيراً ) وأما قوله (لعلهم يتقون) فالمعتزلة يتمسكون به فى تعليل أحكام الله تعالى.
( وفيه بحث آخر) وهو أنه تعالى قال فى الآية الأولى ( لعلهم يتذكرون) وقال فى هذه
الآية ( لعلهم يتقون ) والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف
على حواه وأحاط بمعناه، حصل الاتقاء والاحتراز والله أعلم:
قوله تعالى: ﴿ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشا كسون ورجلا سلماً لرجل، هل يستويان
مثلا؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون، إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم
تختصمون ، فمن أظلم ممن كذب على اللّه وكذب بالصدق إذا جاءه أليس فى جهنم مثوى للكافرين﴾
أعلم أنه تعالى لما بالغ فى شرح وعيد الكفار أردفه بذكر مثل مايدل على فساد مذهبهم
وقبح طريقتهم فقال ( ضرب الله مثلا) وفيه مسائل:

٢٧٧
قوله تعالى: ورجلاً سلماً لرجل . سورة الزُّمر .
الرابع والعشرون
﴿ المسألة الأولى ﴾ المتشاكسون المختلفون العسرون يقال شكس بشكس شكوساً وشكاً
إذا عسر، وهو رجل شكس، أى عسر وتشاكس إذا تعاسر، قال الليث: التشاكس التنازع
والاختلاف، ويقال الليل والنهار متشا كان، أى أنهما متضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر،
وقوله فيه علة شركاء كما تقول اشتركوا فيه.
المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما بالألف وكسر اللام يقال سلم فهر سالم
والباقون سلماً بفتح السين واللام بغير الألف، ويقال أيضاً بفتح السين وكسرها مع سكون العين
أما من قرأ سالما فهو اسم الفاعل تقدير مسلم فهو سالم، وأما سائر القراءات فهى مصادر سلمى
والمعنى ذا سلامة، وقوله ( لرجل ) أى ذا خلوص له من الشركة من قولهم: سلمت له الضيعة ,
وقرى. بالرفع على الابتداء أى وهناك رجل سالم لرجل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ تقدير الكلام: اضرب لقومك مثلا وقل لهم ما يقولون فى رجل من
المماليك قد اشترك فيه شرکاء بنهم اختلاف وتنازع، كل واحد منهم يدعى أنه عبده فهم
يتجاذبونه فى حوائجهم وهو متحير فى أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج فى
مهم إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر ، فهو يبقى متحيراً لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب
رضاه، وأيهم يعينه فى حاجاته ، فهو بهذا السبب فى عذاب دائم وتعب مقيم، ورجل آخر له
مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص ، وذلك المخدوم يعينه على مهماته، فأى هذين العبدين
أحسن حالا وأحمد شأناً، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، فإن أولئك الآلهة تكون
متنازعة متغالبة ، كما قال تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا) وقال (ولعلا بعضهم على بعض)
فيبقى ذلك المشرك متحيراً ضالا، لا يدرى أى هؤلاء الآلهة يعبد وعلى ربوبية أيهم يعتمد ، ومن
يطلب رزقه، ومن يلتمس رفقه، فهمه شفاع، وقلبه أوزاع. أما من لم يثبت إلا إلهاً واحداً فهو
قائم بما كلفه عارف بما أرضاه وما أسخطه. فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول،
وهذا مثل ضرب فى غاية الحسن فى تقبيح الشرك وتحسين التوحيد، فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق
على عبادة الأصنام لأنها جمادات ، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة ، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون
منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم فى الحقيقة إنما يعبدون الكواكب
السبعة ، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة ، ألا ترى أنهم يقولون زحل
هو النحس الأعظم، والمشترى هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح
الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من
الأرواح السماوية، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذ يكون المثل
مطابقاً، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا، فهم
يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله ، والقائلون

٢٧٨
قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به . سورة الزُّمر .
لَهُمْ مَا يَشَّآءُ ونَ
وَالَّذِ جَآءَ بِاَلِصِدْقِ وَصَدَّقَ بِهِةَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونْ
عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ بَزَآءُ الْمُحْسِينَ ﴾ لُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأ ◌َلَّى عَمِلُواْ
كَ أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (
بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذى هو على دينه، وأن من سواه مبطل،
وعلى هذا التقدير أيضاً ينطبق المثال ، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود.
أما قوله تعالى (هل يستويان مثلا) فالتقدير هل يستويان صفة، فقوله ( مثلا) نصب على
التمييز، والمعنى هل تستوى صفتاهما وحالتام)، وإنما اقتصر فى التمييز على الواحد لبيان الجنس
وقرىء مثلين، ثم قال (الحمد لله) والمعنى أنه لمنا بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد، وثبت أنه
لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق، ثبت أن الحمد له لا لغيره، ثمّ قال بعده (بل أكثرم
لا يعلمون) أى لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره، وأن المستحق للعبادة هو الله لا غيره، وقيل المراد
أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة والبينات الباهرة، قال الحمد لله على حصول هذه البيانات وظهور
هذه البينات، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها، ولما تم اللّه هذه البيانات قال
(إنك ميت وإنهم ميتون) والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة
بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم فى الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً
سيموتون، ثم تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى، والعادل الحق يحكم بينكم فيوصل
إلى كل واحد ما هو حقه، وحينئذ يتميز المحق من المبطل، والصديق من الزنديق، فهذا هو
المقصود من الآية، وقوله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) أى إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء
فإنك وإياهم فى أعداد الموتى، لأن كل ما هو آت آت، ثم بين تعالى نوعاً آخر من قبائح أفعالهم،
وهو أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يكذبون القائل المحق. أما أنهم يكذبون، فهو أنهم أثبتوا
له ولداً وشركاء. وأما أنهم مصرون على تكذيب الصادقين، فلأنهم يكذبون محمداً بريقع بعد قيام
الدلالة القاطعة على كونه صادقاً فى ادعاء النبوة، ثم أردفه بالوعيد فقال ( أليس فى جهنم مثوى
للكافرين) ومن الناس من تمسك بهذه الآية فى تكفير المخالف من أهل القبلة، وذلك لأن
المخالف فى المسائل القطعية كلها يكون كاذباً فى قوله، ويكون مكذباً للذهب الذى هو الحق،
فوجب دخوله تحت هذا الوعيد .
قوله تعالى: ﴿والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم
ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا

٢٧٩
قوله تعالى : والذي جاء بالصدق . سورة الزُّمر .
وَيُحَوّقُونَكَ بَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ اللّه ◌َا لَهُ مِنْ هَادٍ (﴾ وَمَن يَهْدِ اللهُ
قَالَهُ مِنْ تُضِلٍ أَلَيْسَ الَهُ بِعَزِيزِ ذِى أَنتَقَامٍ (٣)
يعملون ، أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد ، ومن
يهد اللّه فما له من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام ﴾
أعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين الصادقين ذكر عقيبه وعد الصادقين ووعد
المصدقين ، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (والذى جاء بالصدق وصدق به) تقديره: والذى جاء بالصدق
والذى صدق به ، وفيه قولان (الأول) أن المراد شخص واحد فالذى جاء بالصدق محمد، والذى
صدق به هو أبو بكر ، وهذا القول مروى عن على بن أبى طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين
رضى الله عنهم (والثانى) أن المراد منه كل من جاءبالصدق، فالذى جاء بالصدق الأنبياء، والذى
صدق به الأتباع، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذى جاء بالصدق جماعة وإلا لم يجز أن يقال
( أولئك هم المتقون ).
المسألة الثانية ﴾ أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة: المرسل والمرسل والرسالة والمرسل
إليه، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول والتصديق، فأول شخص أتى بالتصديق
هو الذى يتم به الإرسال، وسمعت بعض القاصین من الذی یروى عن النبى بتم أنه قال ((دعوا
أبا بكر فإنه من تتمة النبوة).
واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذى صدق به شخص معين ، أو قلنا المراد منه كل من كان موصوفاً
بهذه الصفة ، فإن أبا بكر داخل فيه)) .
( أما على التقدير الأول ) فدخول أبى بكر فيه ظاهر ، وذلك لأن هذا يتناول أسبق الناس
إلى التصديق، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما على، وحمل هذا اللفظ على
أبى بكر أولى، لأن علياً عليه السلام كان وقت البعثة صغيراً، فكان كالولد الصغير الذى يكون
فى البيت، ومعلوم أن إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة. أما أبو بكر فإنه كان رجلا
كبيراً فى السن كبيراً فى المنصب، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة فى الإسلام، فكان
حمل هذا اللفظ إلى أبى بكر أولى .
(وأما على التقدير الثانى) فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفاً بهذه الصفة ، وعلى هذا
التقدیر یکون أبو بكر داخلا فيه .
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف قری. وصدق بالتخفيف أی صدق به الناس ، ولم

٢٨٠
قوله تعالى : ليكفر الله عنهم . سورة الزُّمر .
يكذبهم يعنى أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف، وقيل صار صادقاً به أى بسبيه، لأن القرآن
معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذى لا يفعل القبيح فيصير المدعى للرسالة صادفاً بسبب تلك
المعجزة وقرىء وصدق
واعلم أنه تعالى أثبت للذى جاء بالصدق وصدق به أحكاماً كثيرة.
﴿ فالحكم الأول) قوله ( أولئك هم المتقون ) وتقريره أن التوحيد والشرك ضدان، وكلما
كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان العضد الثانى أخر وأرزل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء
كان الشرك أخ الأشياء، والآفى بأحد الضدين يكون تاركا للضد الثانى، فالآن بالتوحيد الذى
هو أفضل الأشياء يكون تاركا للشرك الذى هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف
المصدقين بكونهم متقين .
﴿ الحكم الثانى) المصدقين قوله تعالى ( لهم ما يشاءون عندربهم ذلك جزاء المحسنين)،
وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه ، فان قيل لاشك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب
فيهٌ لذاته، وأهل الجنة لاشك أنهم عقلا. فإذا شاهدوا الدرجات العالية التى هى للأنبياء وأكابر
الأولیاء عرفوا أنها خيرات عالية ودرجات كاملة ، والعلم بالشىء من حيث إنه كمال ، و خیر یوجب
الميل إليه والرغبة فيه، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب
حصولها لهم بحكم هذه الآية، وأيضاً فان لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا فى الغصة ووحشة القلب،
وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد والحسد عن قلوب أهل الآخرة، وذلك يقتضى أن أحوالهم
فى الآخرة بخلاف أحوالهم فى الدنيا، ومن الناس من تمسك بهذه الآية فى أن المؤمنين يرون الله
تعالى يوم القيامة، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لاشك أنهم داخلون تحت قوله
تعالى (وصدق به) لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم السلام، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى
فوجب أن يحصل له ذلك لقوله تعالى ( لهم ما يشاءون عند ربهم) فإن قالوا لانسلم أن أهل الجنة
يشاءون ذلك، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلى وزوال الحجاب، ولا شك أنها حالة
مطلوبة لكل أحد نظراً إلى هذا الاعتبار ، بل لو ثبت بالدليل كون هذا المطلوب ممتنع الوجود
لعينه فإنه يترك طلبه، لا لأجل عدم المقتضى للطلب ، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعاً فى نفسه ،
فثبت أن هذه الشبهة قائمة والنص يقتضى حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها.
واعلم أن قوله (عند ربهم) لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الصمدية والإخلاص
كما فى قوله تعالى (عند مليك مقتدر) واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله (وذلك جزاء المحسنين)
على أن هذا الأجر مستحق لهم على إحسانهم فى العبادة.
﴿ الحكم الثالث) قوله تعالى ( ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجريهم أجرهم بأحسن
الذى كانوا يعملون) فقوله ( لهم ما يشاءون عند ربهم) يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه