النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ قوله تعالى : ما نعبدهم إلا ليقربونا زلفى . سورة اللُّر . الفرق الذى ذكره القاضى فبعيد، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه فى الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب البتة. ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر فى الجملة، فأما فى حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال (ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) فقطع بحصول المغفرة فى الجملة ، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران فى حق كل أحد بل فى حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلا فلا يكون الإغراء حاصلا والله أعلم . المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف قرىء الدين بالرفع، ثم قال وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى ( وأخلصوا دينهم لله) حتى يطابق قوله ( ألا لله الدين الخالص) والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازى كقولهم شعر شاعر، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص فى التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال ( والذين اتخذوا من دونه أولياء مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير تخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون ، واعلم أن الضمير فى قوله ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) عائد على الأشياء التى عبدت من دون الله، وهى قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيراً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التى عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهى الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذى ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق ، وبيانه من وجهين (الأول) أن الضمير فى قوله ( مانعبدهم) ضمير للعقلاء فلا بليق بالأصنام (الثانى) أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار فى المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد فى الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى اللّه، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر ، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التى جعلوا هذه التماثيل صوراً لها . وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر، فهذا هو المراد من قولهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: (الأول) أنه اقتصر فى الجواب على مجرد التهديد فقال ( إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلا وكان مصراً عليه ، فالطريق فى علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٦ ٢٤٢ قوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى . سورة الزُّمر. قلبه ، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه، فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود. والأطباء يقولون لابد من تقديم المنضج على سقى المسهل فان بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال ، فاذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام، فكذلك ههنا سماع التهديد والتخويف أولا يجرى مجرى سقى المنضج أولا ، وإسماع الدليل ثانياً يجرى مجرى حقى المسهل ثانياً. فهذا هو الفائدة فى تقديم هذا التهديد. ثم قال تعالى ( إن الله لايهدى من هو كاذب كفار) والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بق محروماً عن الهداية، والمراد بهذا الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم تحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضرورى حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض ، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الإعتقاد، والأمر ههنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر. ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها فى ذلك الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق. ثم قال تعالى (لو أراد الله أن يتخذولداً لاصطفى مما يخلق مايشاء سبحانه هو الله الواحد القهار) والمراد من هذا الكلام إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه (الأول) أنه لو اتخذ ولداً لما رضى إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت (الثانى) أنه سبحانه واحد حقيقى والواحد الحقيقى يمتنع أن يكون له ولد، أما أنه واحد حقيقى فلأنه لوكان من كباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه (الأول) أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد. وهذا إنما يعقل فى الشىء الذى ينفصل مته جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه (الثانى) شرط الولد أن يكون مماثلا فى تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشىء حقيقة نوعية محمولة على شخصين ، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد ، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك المساهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل ، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته، فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً فى حقيقته، وكونه واحداً فى حقيقته يمنع من ثبوت الولد له، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد (الثالث) أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لابد وأن يكونا من جنس واحد ، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذى يموت فيحتاج ٢٤٣ قوله تعالى : خلق السموات والأرض بالحق . سورة الزمر . خَلَقَ الَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْخَفِّ يُكَوِّرُ أَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النََّارَ عَ الَّيْلِّ وَّرَ الشَّمْسَ وَالْفَمَّ كُلُّ نَجْرِىٍلِأَجَلٍ مُسَمِّى أَلَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَُّ ، خَلَقَّكُ مِّنْ نَّفْسٍ وَزِدَةٍ ثُمَ جَعَلَ مِهَا زَوْجَهَا وَأَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَِ ثَنِيَ ۵ أَزْوَرِ يَخْلُقُكُمْ فِ بُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْفًا مِنْ بَعْدِ خَلٍْ فِ ظُلَُتٍ تٍَ ذَالِكُ اللهُ رَ بُكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ فَأَنَى تُصْرِفُونَ (٣) إِن تَكْفُرُواْفَإِنَّ اللَّهَ غَنِىّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَ فَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُتْرَئِ أُمّ إِلَى رَبِّكُ فَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِئُكُ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ إِثَهُ عَلِهٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ إلى ولم يقوم مقامه، فالمحتاج إلى الولد هو الذى يكون مقهوراً بالموت، أما الذى يكون قاهراً ولا يقهره غيره كان الواد فى حقه الا، فثبت أن قوله (هو الله الواحد القهار) ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة فى نفى الولد عن اللّه تعالى. قوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ، خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ، وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج، يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ، ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون، إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضنه لكم، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ، إنه عليم بذات الصدور اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزهاً عن الولد بكونه إلها واحداً وقهاراً غالباً أى كامل القدرة ، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء، وأيضاً فانه تعالى طعن فى إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التى باعتبارها تحصل الإلهية، واعلم أنا بينا فى مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التى ذكرها الله تعالى فى ٢٤٤ قوله تعالى : يكور الليل على النهار . سورة الزُّمر . إثبات إلهيته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية، أما الفلكية فأقسام (أحدها ) خلق السموات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها فى تفسير قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض) و (الثانى) اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله ( بكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان . وفى كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذاك هذا أخرى. وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان. تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد فى كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ماورد فى الحديث (نعوذ بالله من الحور بعد الكور)) أى من الإدبار بعد الإقبال، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله (يكور الليل على النهار ) وبقوله ( يغشى الليل النهار ) وبقوله ( يولج الليل فى النهار) وبقوله ( وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر) و(الثالث) اعتبار أحوال الكواكب لاسيما الشمس والقمر ، فان الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله ( كل يجرى لأجل مسمى ) الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى ( وجمع الشمس والقمر ) والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تذور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوى السماء كطى السجل للكتب . ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال (ألا هو العزيز الغفار) والمعنى أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزاً أى كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، فإنه لما كان الإخبارعن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفاراً يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ) ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مراراً كثيرة، فان قيل كيف جاز أن يقول ( خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) والزوج مخلوق قبل خلقهم؟ أجابوا عنه من وجوه ( الأول) أن كلمة ثم كما تجىء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية، فكذلك تجىء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول القائل بلغنى ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضاً قد أعطيتك اليوم شيئاً، ثم الذى أعطيتك أمس أكثر (الثانى) أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها (الثالث) أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء. واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكرعقيبه الاستدلال ٢٤٥ قوله تعالى : ذلكم الله ربكم . سورة الزُّمر . بوجود الحيوان عليه فقال (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وهى الإبل والبقروالضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع فى قوله ( والأنعام خلقها لكم فيها دف.) وفی تفسير قوله تعالى ( وأنزل لكم) وجوه: ( الأول) أن قضاء الله و تقدیرہ و حکمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب فى اللوح المحفوظ كل كائن يكون ( الثانى) أن شيئاً من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها (الثالث) أنه تعالى خلقها فى الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله ( ثمانية أزواج) أى ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، والزوج اسم لكل واحد معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى ( جعل منه الزوجين الذكر والأثى). ثم قال تعالى (يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ) وفيه أبحاث: ( الأول) قرأ حمزة بكسر الألف والميم، والكسائى بكسر الهمزة وفتح الميم ، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم. ﴿الثانى) أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهى كونها مخلوقة فى بطون أمهاتهم وقوله ( خلقاً من بعد خلق ) المراد منه ما ذكره الله تعالى فى قوله (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة خلقنا العلقة مضغة مخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين) وقوله ( فى ظلمات ثلاث) قيل الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه فى قوله ( هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء). واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال (ذلكم الله ربكم) أى ذلكم الشىء الذى عرفتم بمجائب أفعاله هو الله ربكم، وفى هذه الآية دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهاً عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهاً عن الجسمية والمكانية ، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلا لهذه الأشياء، ولو كان جسما مركباً من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفاً للشىء بأجزاء حقيقته، وأما تعريفه بأحواله وأفعاله وآثاره فذلك تعريف له بأمور خارجة عن ذاته. والتعريف الأول أكمل من الثانى، ولو كان ذلك القسم ممكناً لكان الاكتفاء بهذا القسم الثانى تقصيراً ونقصاً وذلك غير جائز، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود ، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متحالياً عن الجسمية والأعضاء والأجزاء. ثم قال تعالى ( له الملك) وهذا يفيد الحصر أى له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا ملك ٢٤٦ قوله تعالى : ولا يرضي لعباد الكفر . سورة الزُّمر . إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أولا يكون له الملك، فإن كان له الملك حينئذ يكون كل واحد منهما مالكا قادراً ويجرى بينهما التمانع كما ثبت فى قوله (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفمدتا) وذلك محال، وإن لم يكن الثانى ثى. من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للالهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد، ثم أعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه: (الأول) قوله (فأنى تصرفون) يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة. أما أصحابنا فوجه الاستدال لهم بهذه الآية: أنها صريحة فى أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوى ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم : أن قوله (فأنى تصرفون) تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى . ثم قال تعالى (إن تكفروا فإن اللّه غنى عنكم) والمعنى أن الله تعالى ماكلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة ، وذلك لأنه تعالى غنى على الاطلاق ، ويمتنع فى حقه جر المنفعة ودفع المضرة، وإنما قلنا إنه غنى لوجوه: (الأول) أنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود فى جميع صفاته، ومن كان كذلك كان غنياً على الإطلاق (الثانى) أنه لو كان محتاجاً لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة. والأول باطل وإلا لزم أن يخلق فى الأزل ما كان محتاجاً إليه وذلك محال، لأن الخلق والأزل متناقض. والثانى باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعى إلى تحصيل النقصان لفسه (الثالث) هب أنه يبقى الشك فى أنه هل تصنح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسى والعناصر الأربعة، والمواليد الثلاثة يمتنع أن يفتفع بصلاة زيد وصيام عمرو، وأن يضربعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك ، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غنى عنهم. ثم قال تعالى بعده ( ولا يرضى لعباده الكفر) يعنى أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر، واحتج الجبائى بهذه الآية من وجهين: (الأول) أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضى الكفر من الوجه الذى خلقه، وذلك ضد الآية (الثانى) لو كان الكفر بقضاء اللّه تعالى لوجب علينا أن نرضى به لان الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضا برضاء اللّه تعالى، وأجاب ٢٤٧ قوله تعالى : ثم إلى ربكم مرجعكم . سورة الزُّمر . الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه (الأول) أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين . قال الله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) وقال ( عيناً يشرب بها. عباد الله) وقال (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) فعلى هذا التقدير قوله (ولا يرضى لعباده الكفر) ولا يرضى للمؤمنين الكفر ، وذلك لا يضرنا (الثانى) أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنه برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله، قال الله تعالى (لقدرضى الله عن المؤمنين) أى يمدحهم ويثنى عليهم ( الثالث ) كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض ، وليس عبارة عن الإرادة ، والدليل عليه قول ابن دريد : من كان ذا سخط على صرف القضا رضيت قسراً وعلى القسر رضا أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه و(الرابع) هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله ( ولا يرضى لعباده الكفر ) عام ، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) والله أعلم. ثم قال تعالى (وإن تشكروا يرضه لكم) والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى) اختلف القراء فى ها. (يرضه) على ثلاثة أوجه (أحدها) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة (وثانيها) قرأ أبو عمرو وحمزة فى بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف ( وثالثها) قرأ نافع فى بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائى مضمومة الهاء مشبعة ، قال الواحدى رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واواً، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار:نزلة ضربه وله، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه ، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا ههنا . المسألة الثانية) الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل ( أما القول) فهو الإقرار بحصول النعمة ( وأما الاعتقاد ) فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم. ثم قال تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال الجبائى هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على فعل غيره، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه، وأيضاً لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء، بخلاف ما يقول القوم. واحتج أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية . ثم قال تعالى ( ثم إلى ربكم مرجعكم) واعلم أنا ذكرنا كثيراً أن أهم المطالب للانسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان ، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه فى هذه الحياة الدنيوية، وأن يعرف أحواله بعد الموت، ففى هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال ٢٤٨ قوله تعالى : وإذا مس الإنسان ضر .. سورة الزُّمر. وَإِذَا مَّ أَلْإِنسَنَ ضُرُّ دَعَ رَُّرَ مُنًِّا إِلَيْهِ ثُمَّإِذَا خَلَهُ نِعْمَةُ مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيِهِ، قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرَ قَلِلَّ إِنَّكَ مِنْ أَعْحَبِ النَّارِ ﴾ أَمَّنْ هُوَقَنِتَُّانَآءَ الَّيْلِ سَاِدًا وَقَبِهًا قلے يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَبَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنََّا يَتَذَكَرُ أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ قدرة الصانع وعلمه وحكمته، ثم أتبعه بأن أمره بالشكرونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله ( ثم إلى ربكم مرجعكم) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ المشبهة تمسكوا بلفظ إلى على أن إله العالم فى جهة وقد أجبناً عنه مراراً. المسألة الثانية ) زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود فى هذه الآبة وفى سائر الآيات . المسألة الثالثة) دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة. ثم قال ( فينبئكم بما كنتم تعلمون) وهذاً تهديد للعاصى وبشارة للمطيع، وقوله تعالى (إنه عليم بذات الصدور ) كالعلة لما سبق، يعنى أنه يمكنه أن ينبتكم بأعمالكم، لأنه عالم بجميع المعلومات، فيعلم ما فى قلوبكم من الدواعى والصوارف. وقال مح مّ ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نى ما كان يدعو إليه من قبل ، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن اللّه تعالى هو الذى يجب أن يعبد، بين فى هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام متناقضة وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا فى طلب دفعه إلا إلى الله، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر، لأنه هو القادر على إيصال الخير ودفع الضر، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك فى بعض الأحوال كان الواجب عليهم أن يعترفوا ٢٤٩ قوله تعالى : وجعل لله أنداداً . سورة الزُّمر . به فى كل الأحوال فثبت أن طريقتهم فى هذا الباب متناقضة . أما قوله تعالى ( وإذا مس الإنسان ) فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره ، وقيل المراد به الكافر الذى تقدم ذكره ، لأن الكلام يخرج على معهود تقدم. وأما قوله (ضر) فيدخل فيه جميع المكاره سواء كان فى جسمه أو فى ماله أو أهله وولده ، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد (ودعا ربه) أى استجار بربه وناداه ولم يؤمل فى كشف الضر سواه، فلذلك قال ( منياً إليه ) أى راجعاً إليه وحده فى إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هى الرجوع (ثم إذا خوله نعمة منه) أى أعطاه، قال صاحب الكشاف: وفى حقيقته وجهان (أحدهما) جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال ، إذا كان متعهداً له حسن القيام به ومنه ماروى عن رسول الله ور قم ((أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة)» (والثانى) جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر ، وفى المعنى قالت العرب: إن الغنى طويل الذيل مياس ثم قال تعالى ( نسى ما كان يدعو إليه من قبل ) أى نسى ربه الذى كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من كقوله تعالى (وما خلق الذكر والأنثى) وقوله تعالى (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وقيل نسى الضر الذى كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسى أى ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه ، ولو أراد به الفسيان الحقيقى لما ذمه عليه، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسى أن لا يفزع، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله . قوله تعالى : ﴿ وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره . المسألة الثانية) المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين ، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه. ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه فى حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر، وهذا المعنى باق فى حال الراحة والفراخ كان فى تقرير حالهم فى هذين الوقتين مايوجب المناقضة وقلة العقل . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ معنى قوله ( ليضل عن سبيله) أنه لا يقتصر فى ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه فى ذلك، فيزداد إنما على إثمه ، واللام فى قوله ( ليضل) لام العاقبة كقوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا) ولما ذكر الله تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال ( قل تمتع بكفرك قليلا) وليس المراد منه الأمر بل ٠ ٢٥٠ قوله تعالى : وجعل لله أنداداً . سورة الزُّمر . الزجر، وأن يعرفه قلة تمتعه فى الدنيا، ثم يكون مصيره إلى النار .. ولما شرح اللّه تعالى صفات المشركين والضالين، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لارجوع لهم إلا إلى اللّه ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله، فقال (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وحمزة ( أمن ) مخففة الميم والباقون بالتشديد، أما التخفيف ففيه وجهان (الأول ) أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من ، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك، وقيل كالذى جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره (والثانى) أن يكون ألف ندا. كأنه قيل يامن هو قانت من أهل الجنة، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم فى الميم وعلى هذا القول هى أم التى فى قولك أزيد أفضل أم عمرو . المسألة الثانية﴾ القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ((أفضل الصلاة صلاة القنوت)) وهو القيام فيها. ومنه القنوت فى الصبح لأنه يدعو قائما. عن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا ( أمن هو قانت ) وعن ابن عباس القنوت طاعة الله، لقوله (كل له قانتون) أى مطيعون، وعن قتادة (آناء الليل) ساعات الليل أوله ووسطه وآخره، وفى هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار، ويؤكده وجوه ( الأول ) أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء ( الثانى) أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع، فاذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلى، وهو معرفة الله وخدمته (الثالث) أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر (الرابع ) قوله تعالى (إن ناشئة الليل هى أشد وطئاً وأقوم قيلا) وقوله ( ساجداً) حال ، وقرىء ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر والواو للجمع بين الصفتين . واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً ، وأما العلم فقوله (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور فى هذين المقصودين، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية . ( الفائدة الثانية) أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظباً عليه، فان القنوتِ عبارة عن كون الرجل قائماً بما يجب عليه من الطاعات ، وذلك يدل على أن العمل إنما يميد إذا واظب عليه الإنسان، وقوله (ساجداً وقائماً) إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله ( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له فى الأول مقام القهر وهو قوله ( يحذر الآخرة ) ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله (ويرجو رحمة ربه) ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) قوله تعالى: قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم. سورة الزُّمر. ٢٥١ قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَءَامَنُواْ أَتَقُواْ رَ بَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَسِعَةُ إِنَّمَا يُوَ الصَّبِرُونَ أَبْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (﴾ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبَ ﴿ الفائدة الثالثة) أنه قال فى مقام الخوف (يحذر الآخرة). فما أضاف الحذر إلى نفسه، وفى مقام الرجاء أضافه إلى نفسه، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى. المسألة الثالثة) قيل المراد من قوله ( أمن هو قانت آناء الليل ) عثمان لأنه كان يحيى الليل فى ركعة واحدة ويقرأ القرآن فى ركعة واحدة. والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة فيدخر فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه. ﴿ المسألة الرابعة﴾ لاشبهة فى أن فى الكلام حذفاً، والتقدير أمن هو قانت كغيره، وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه ، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجداً وقياماً، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفاربأنهم لا يعلمون، لأنهم وإن آتاهم الله آلة العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولى الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم. وأما قوله تعالى ( قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا فى تقرير هذا المعنى فى تفسير قوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال صاحب الكشاف أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون ، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عندالله جهلة . ثم قال تعالى ( إنما يتذكر أولو الألباب) يعنى هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضاً إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا مافى المال من المنافع فطلبوه، والجمال لم يعرفوا ما فى العلم من المنافع فلا جرم تركوه : قوله تعالى: ﴿ قل ياعبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً ٢٥٢ قوله تعالى : قل يا عبادي الذين آمنوا . سورة الزُّمر . الهَمُخْلِصًا لَهُ الّذِينَ (﴾ وَأُمِرْتُ لأُنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (﴿ قُلِ آلله أَعْبُدُ مُخْلِصًالَهُ دِينِ () فَأَعْبُدُواْ مَا شِْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَسِنَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِمْ يَوْمَ الْقِيْمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْحُسْرَانُ الْمُبِينُ (٥) لَهُم مِّنْ قَوْقِهِمْ تُكَلُ مِنَ النَِّ وَمِن تَحْتِمْ ◌َُلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُبِهِ، عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ له الدين، وأمرت لأن أكون أول المسلمين، قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم، قل الله أعبد مخلصاً له دينى، فاعبدوا ما شئتم من دونه، قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل، ذلك يخوف الله به عباده باعبادى فاتقون) . أعلم أنه تعالى لما بين نفى المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم ، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام : ﴿ النوع الأول) قوله ( قل ياعبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم) والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية ، قال القاضى أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم. لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط ، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى ، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان . واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما فى هذا الاتقاء من الفوائد، فقال تعالى (للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة) فقوله (فى هذه الدنيا) يحتمل أن يكون صلة لقوله (أحسنوا) أو الحسنة ، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا فى هذه الدنيا كلهم حسنة فى الآخرة، وهى دخول الجنة، والتنكير فى قوله ( حسنة) للتعظيم يعنى حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها. وأما على (التقدير الثانى) فمعناه الذين أحسنوا فلهم فى هذه الدنيا حسنة ، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هى الصحة والعافية، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة فى قوله منز له ( ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية)) ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه (الأول) أن التفكير فى قوله (حسنة) يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق ٢٥٣ قوله تعالى، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنته . سورة الزُّمر . بأحوال الدنيا ، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة ، فإنها شريفة وآمنه من الانقضاء والانقراض (والثانى) أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل فى الآخرة قال تعالى ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار، وأيضاً خصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن، كما قال مؤلف ((الدنيا سيجن المؤمن وجنة الكافر)) وقال تعالى ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ). (الثالث) أن قوله (الذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة) يفيد الحصر ، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا، وهذا باطل. أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى، ثم قال الله تعالى (وأرض الله واسعة) وفيه قولان (الأول) المراد أنه لا عذر البتة للمقصرين فى الإحسان، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه ، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين فى مها جرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم، والمقصود منه الترغيب فى الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن ، ونظيره قوله تعالى ( قالوا فيم كنتم ، قالوا كنا مستضعفين فى الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) و(القول الثانى) قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة ، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهى خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله فى الآخرة الحسنة ، وهى الخلود فى الجنة ، ثم بين أن أرض الله، أى جنته واسعة، لقوله تعالى ( نتبوأ من الجنة حيث نشاء) وقوله تعالى (وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) والقول الأول عندى أولى، لأن قوله ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) لا يليق إلا بالأول ، وفى هذه الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ أما تحقيق الكلام فى ماهية الصبر، فقد ذكرناه فى سورة البقرة، والمراد ههنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم ، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا فى طاعة الله تعالى. المسألة الثانية) تسمية المنافع التى وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب . لأن الأجر هو المستحق ، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد ، لا بحسب الاستحقاق . المسألة الثالثة) أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب، وفيه وجوه ( الأول) قال الجبائى: المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلا فهو بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً، قال القاضى هذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى وصف الأجر ٢٥٤ قوله تعالى : إني أمرت أن أعبد الله . سورة الزُّمر. بأنه بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا الأجر المستحق، والأجر غير التفضل (الثانى) أن الثواب له صفات ثلاثة (أحدها) أنها تكون دائمة الأجر لهم، وقوله (بغير حساب) معناه بغير نهاية، لأن كل شىء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب ( وثانيها) أنها تكون منافع كاملة فى أنفسها، وعقل المطيع ما كان يصل إلى كنه ذلك الثواب، قال وحدرقم ((إن فى الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)) وكل ما يشاهدونه من أنواع الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه، وما لا يتوقعه الإنسان ، فقد يقال إنه ليس فى حسابه، فقوله ( بغير حساب) محمول على هذا المعنى (والوجه الثالث) فى التأويل أن ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال، روى صاحب الكشاف عن النبى ◌ُ ات أنه قال ((ينصب الله الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً)) قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) حتى يتمنى أهل العافية فى الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل. ﴿ النوع الثانى) من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى (قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبى فر له ما يحملك على هذا الدين الذى أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى! فأنزل الله، قل يا محمد إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأقول إن التكليف نوعان (أحدهما) الأمر بالاحتزاز عما لا ينبغى ( والثانى) الأمر بتحصيل ما ينبغى، والمرتبة الأولى: مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا ثبت هذا فتقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة مالا ينبغى فقال (اتقوا ربكم) لأن التقوى هى الإحتراز عما لا ينبغى ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغى فقال ( إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) وهذا يشتمل على قيدين: (أحدهما) الأمر بعبادة الله (الثانى) كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلى وشوائب الشرك الخفى، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير ، وقوله تعالى (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) لاشبهة فى أن المراد إنى أول من تمسك بالعبادات التى أرسلت بها ، وفى هذه الآية فائدتان : ﴿ الفائدة الأولى ) كأنه يقول إنى لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمر تكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه .. ﴿الفائدة الثانية ) أن قال (إنى أمرت أن أعبد اللّه) والعبادة لها وكنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله ( مخلصاً له له الدين) ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ٢٥٥ قوله تعالى : فاعبدوا ما شئتم من دونه . سورة الزُّمر . فسر الإسلام فى خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله فى هذه الآية (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) وليس لقائل أن يقول ما الفائدة فى تكرير لفظ (أمرت) لأنا نقول ذكر لفظ ( أمرت) أولا فى عمل القلب وثانياً فى عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً. ﴿ الفائدة الثالثة) فى قوله (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) التنبيه على كونه رسولا من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين فى شرائع اللّه لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ، ولما بين اللّه تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ( قل إنى أخاف أن عصيت ربى عذاب يوم عظيم ) وفيه فوائد: ﴿ الفائدة الأولى) أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجرى هذا الكلام على نفسه، والمقصود منه المبالغة فى زجر الغير عن المعاصى ، لأنه مع جلالة قدره وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصى فغيره بذلك أولى . ﴿ الفائدة الثانية) دات الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب، وهذا يطابق قولنا إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب. ﴿ الفائدة الثالثة) دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال فى أول الآية ( إنى أمرت أن أعبد الله ) ثم قال بعده ( قل إنى أخاف أن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذى تقدم ذكره، وذلك يقتضى أن يكون تارك الأمر عاصياً، والعاصى يترتب عليه الخوف من العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. ﴿ النوع الثالث) من الأشياء التى أمر الله رسوله أن يذكرها قوله ( قل اللّه أعبد مخلصاً له دنى) فان قيل ما معنى التكرير فى قوله ( قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) وقوله ( قل الله أعبد مخلصاً له دينى)؟ قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة اللّه بالإتيان بالعبادة، والثانى إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غير الله، وذلك لأن قوله ( أمرت أن أعبد الله) لا يفيد الحصر وقوله تعالى ( قل اللّه أعبد) يفيد الحصر يعنى الله أعبد ولا أعبد أحداً -واه، والدليل عليه أنه لما قال بعد ( قل اللّه أعبد) قال بعده (فاعبدوا ما شئتم من دونه ) ولا شبهة فى أن قوله (فاعبدوا ماشئتم من دونه) ليس أمراً بل المراد منه الزجر، كأنه يقول لما بلغ البيان فى وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ) لوقوعها فى هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم. وإن كانوا من أهل الجنة. فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لارجوع بعده البتة. وقال ابن عباس: إن لكل رجل ٢٥٦ قوله تعالى : فاعبدوا ما شئتم من دونه . سورة الزُّمر . منزلا وأهلا وخدماً فى الجنة . فان أطاع أععلى ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك خسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين، والخاسر المغبون، ولما شرح اللّه خسرأنهم وصف ذلك الخسر ان بغاية الفظاعة فقال ( ألا ذلك هو الخسران المبين) كان التكرير لأجل التأكيد (الثانى) أنه تعالى ذكر فى أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه ، وذكر التنبيه فى هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ فى العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم إليها فتنبهوا لها (الثالث ) أن كلمة (هو) فى قوله ( هو الخسران المبين) تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير فى مقابلته كلا خسران (الرابع) وصفه بكونه (مبيناً) يدل على التهويل، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه (خسراناً مبيناً) فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسر انآثم كونه مبيناً (أماالأول) فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة فى الآخرة. وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هى رأس المال والنظر، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية . فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر فى رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الريح، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال، واستعمال تلك القوة فى تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر فى رأس المال، وحصول أعمال الخير والبر يشيه الريح ، إذا ثبت هذا فنقول: إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير البتة كان محروماً عن الربح بالكلية ، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً، فهذا بيان كونه خسراناً (وأما الثانى) وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يريح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار ، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر ، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التى هى رأس مالهم فى استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات ، واستعملوا قواهم وقدرهم فى أفعال الشر والباطل والفساد، فهم قد جمعوا بين أمور فى غاية الرداءة (أولها) أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً فى تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة (وثانيها) أنهم عندالموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة (وثالثها) أن تلك المتاعب الشديدة التى كانت موجودة فى الدنيا فى نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت، وعند الوقوف على هذه المعانى يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم، ولاحرمان أعظم من حرمانهم ، ونعوذ بالله منه . ولما شرح اللّه تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم ، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران ، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد. فقال (لهم من ٢٥٧ قوله تعالى : والذين اجتنبوا الطاغوت . سورة الزُّمر . وَالَّذِينَ أَجْتَنَبُوْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِلَهُمُ الْبُشْرَى فَشْرْ عِبَادٌ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَقَّعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَثُهُمُ اللهُ وَأَوْلَئِكَ هُمْ فوقهم ظلل من النارومن تحتهم ظلل) والمراد إحاطة الناربهم من جميع الجوانب، ونظيره فى الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان ، فان قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ماتحته بالظلال؟ والجواب من وجوه (الأول) أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، (الثانى) أن الذى يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات ك) أن الجنة درجات ( والثالث) أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية فى الحرارة والإحراق والإيذاء، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة . قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون مافوقهم أكثر ما تحتهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وقوله تعالى (لهم من جهنم مهاد ، ومن فوقهم غواش). ثم قال تعالى ( ذلك يخوف الله به عباده ) أى ذلك الذى تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله ( ذلك ) مبتدأ وقوله ( يخوف الله به عباده ) خبر . وفى قوله (يخوف الله به عباده) قولان ( الأول ) التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذى يخوف الله به عباده أى المؤمنين، لأنا بينا أن لفظ العباد فى القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفاً للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا فى التوحيد والطاعة ( الوجه الثانى) أن هذا الكلام فى تقدير جواب عن سؤال، لأنه يقال إنه تعالى غنى عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال ، فاذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشىء فى الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب فى الوجود تحصيلا لذلك المطلوب الذى هو التكليف، والوجه الأول عندى أقرب ، والدليل عليه أنه قال بعده ( يا عباد فاتقون) وقوله ( يا عباد) الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين فياأيها المؤمنون بالغوا فى الخوف والحذر والتقوى . قوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ، أفمن الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٧ ٢٥٨ قوله تعالى : وأنابوا إلى الله . سورة الزُّمر . أُوْلُواْأَلْبَبِ ﴾ أَنْ حَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَّأنْتَ تُنُقِدُّ مَنْ فِ اَلنَّارِيَ لَكِنِ الَّذِنَ أَتَّقَوْرَبَهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّنِ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَخْرِى مِنْ تَحَتْهَا الأَنْهَرِّ وَعْدَ اللّهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار، لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف مبنية نجرى من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف اللّه الميعاد اعلم أن الله تعالى لما ذكر وعيد عبدة الأصنام والأوثان ذكر وعد من اجتنب عبادتها واحترز عن الشرك، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد أبداً فيحصل كمال الترغيب والترهيب، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: الطاغوت فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، وفى هذا اللفظ أنواع من المبالغة (أحدها) القسمية بالمصدر كائن عين ذلك الشىء الطغيان (وثانيها) أن البناء بناء المبالغة فإن الرحموت الرحمة الواسعة والملكوت الملك المبسوط ( وثالثها) ماذكرنا من تقديم اللام على العين ومثل هذا إنما يصار إليه عند المبالغة . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطان أم الأوثان ، فقيل إنه الشيطان فان قيل إنهم ماعبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم ، قلنا الداعى إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان ، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لافعل لها ، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها ، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لإسم المسبب على السبب بحسب الظاهر، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت، ويقال فى التواريخ إن الأصل فى عبادة الأصنام ، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا فى الإله أنه نهر عظيم ، وفى الملائكة أنها أنوار مختلفة فى الصغر والكبر ، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على اعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة، وأقول حاصل الكلام فى قوله (والذين اجتنبوا الطاغوت) أى أعرضوا عن عبودية كل ماسوى الله. قوله تعالى (وأنابوا إلى الله) أى رجعوا بالكلية إلى الله. ورأيت فى السفر الخامس من التوراة ، أن الله تعالى قال لموسى: يا موسى أجب إلهك بكل قلبك. وأقول مادام يبقى فى القلب التفات إلى غير الله فهو ما أجاب إلهه بكل قلبه، وإنما تحصل الإجابة بكل القلب إذا أعرض القلب عن كل ما -وى اللّه من باب الطاعات فكيف يعرض عنها مع ٢٥٩ قوله تعالى : لهم البشرى . سورة الزُّمر . أنه بالحس يشاهد الأسباب المفضية إلى المسبيات فى هذا العالم، قلنا ليس المراد من إعراض القلب عنها أن يقضى عليها بالعدم فان ذلك دخول فى السفسطة وهو باطل ، بل المراد أن يعرف أن واجب الوجود لذانه واحد ، وأن كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان. ممكناً لذاته فانه لا يوجد إلا بتكوين الواجب وإيجاده، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل تكوينه للأشياء على قسمين منها ما يكون بغير واسطة وهى عالم السموات والروحانيات ، ومنها ما يكون بواسطة وهو عالم العناصر والعالم الأسفل، فإذا عرفت الأشياء على هذا الوجه عرفت أن النكل لله ومن الله وبالله، وأنه لا مدير إلا هو ولا مؤثر غيره. وحينئذ ينقطع نظره عن هذه الممكنات. ويبقى مشغول القلب بالمؤثر الأول والموجد الأول، فإنه إن كان قد وضع الأسباب الروحانية والجسمانية بحيث يتأدى إلى هذا المطلوب، فهذا الشىء يحصل وإن كان قد وضع بحيث لا يفضى إلى حصول هذا الشىء لم يحصل، وبهذا الطريق ينقطع نظره عن الكل ولا يبقى فى قلبه التفات إلى شىء إلا إلى الموحود الأول، وقد اتفق أنى كنت أنصح بعض الصبيان فى حفظ العرض والمال فعارضنى وقال لا يجوز الاعتماد على الجد والجهد بل يجب الاعتماد على قضاء الله وقدره، فقلت هذه كلمة حق سمعتها ولكنك ماعرفت معناها، وذلك لأنه لا شبهة أن الكل من اللّه تعالى إلا أنه سبحانه دبر الأشياء على قسمين منها ما جعل حدوثه وحصوله معلقاً بأسباب معلومة ومنها ما يحدثه من غير واسطة هذه الأسباب . ﴿ أما القسم الأول ) فهو حوادث هذا العالم الأسفل . ﴿ وأما القسم الثانى ) فهو حوادث هذا العالم الأعلى، وإذا ثبت هذا فنقول من طلب حوادث هذا العالم الأسفل لا من الأسباب التى عينها اللّه تعالى كان هذا الشخص منازعاً لله فى حكمته مخالفاً فى تدبيره، فإن الله تعالى حكم بحدوث هذه الأشياء بناء على تلك الأسباب المعينة المعلومة وأنت تريد تحصيلها لا من تلك الأسباب ، فهذا هو الكلام فى تحقيق الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على اللّه تعالى فقوله تعالى (والذين اجتنبوا الطاغوت) إشارة إلى الإعراض عن غير اللّه وقوله تعالى (وأمابوا إلى الله) إشارة إلى الإقبال بالكلية على عبادة اللّه، ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء (أحدها) قوله تعالى ( لهم البشرى) واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات (أحدها ) أن هذه البشارة متى تحصل ؟ فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع فى القبر وعند الوقوف فى عرصة القيامة وعند ما يصير فريق فى الجنة وفريق فى السعير وعند ما يدخل المؤمنون الجنة ، ففى كل موقف من هذه المواقف تحصل البشارة بنوع من الخير والروح والراحة والريحان (وثانيها) أن هذه البشارة فبماذا تحصل ؟ فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات ، أما زوال المكروهات فقوله تعالى (أن لا تخافوا ولا تحزنوا) والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية فقوله (أن ٢٦٠ قوله تعالى : لهم البشرى. سورة الزُّمر . لا تخافوا ) يعنى لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا ، ولما أزال الله عنهم هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال (وأبشروا بالجنة ) وقال أيضاً فى آية أخرى (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار) وقال أيضاً (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون) (والثالث) أن المبشر من هو ؟ فنقول يحتمل أن يكون هم الملائكة ، إما عند الموت فقوله ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم) وإما بعد دخول الجنة فقوله ( الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبر تم فنعم عقبى الدار ) ويحتمل أن يكون هو الله سبحانه كما قال (تحيتهم يوم يلقونه سلام). واعلم أن قوله ( لهم البشرى ) فيه أنواع من التأكيدات (أحدها ) أنه يفيد الحصر فقوله ( لهم البشرى) أى لهم لا لغيرهم، وهذا يفيد أنه لا بشارة لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على اللّه تعالى (وثانيها) أن الألف واللام فى لفظ البشرى مفيد للماهية فيفيد أن هذه الماهية بتمامها لهؤلاء، ولم يبق منها نصيب لغيرهم ( وثالثها) أن لا فرق بين الإخبار وبين البشارة فالبشارة هو الخبر الأول بحصول الخيرات ، إذا عرفت هذا فنقول كل ما سمعوه فى الدنيا من أنواع الثواب والخير إذا سمعوه عند الموت أو فى القبر فذاك لا يكون إلا إخباراً ، فثبت أن هذه البشارة لا تتحقق إلا إذا حصل الإخبار بحصول أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها وسمعوها فى الدنيا نسأل الله تعالى الفوز بها، قال تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) (ورابعها ) أن المخبر بقوله (لهم البشرى.) هو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات والشرط المعتبر فى حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الإجتناب عما سوى الله تعالى والإقبال بالكلية على اللّه والسلطان العظيم إذا ذكر شرطاً عظيما . ثم قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذى وقعت البشارة به قد بلغ فى الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها العقول والأفكار، فثبت أن قوله ( لهم البشرى) يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه والله أعلم. ( واعلم أنه تعالى) لما قال (لهم البشرى) وكان هذا كالمجعل أردفه بكلام يجرى مجرى التفسير والشرح له فقال تعالى ( فيشر عباد الذين يستمعون القول فيقبعون أحسنه) وأراد بعباده الذين يستمعون القول فيقبعون أحسنه، الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم وهذا يدل على أن رأس السعادات ومركز الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير الله تعالى، والإقبال بالكلية على طاعة الله، والمقصود من هذا اللفظ التنبيه على أن الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا. م الموصوفون بأنهم هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. فوضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً