النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ قوله تعالى : واخر من شكله أزواج . سورة ص . (إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى) وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل فى حق صاحب الكبيرة ، ولان كل من تجاوز عن تكاليف اللّه تعالى وتعداها فقد طغى، إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس رضى الله عنهما. المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلى لهم شرمآب، أى شر مرجع ومصير، ثم قال ( جهنم يصلونها ) والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله ( جهنم يصلونها) ثم قال (فبئس المهاد ) وهو كقوله إلهم من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش ) شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذى يفترشه النائم. · ثم قال تعالى ( هذا فليذوقوه حميم وغساق ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ فيه وجهان (الأول) أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حيم وغساق فليذوقوه (الثانى) أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه. ثم يبتدى. فيقول : حميم وغساق . المسألة الثانية) الضاق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه ( الأول ) أنه الذى يغسق من صديد أهل النار ، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها . وقال ابن عمر هو القيح الذى يسيل منهم يجتمع فيسقونه ( الثانى ) قيل الحميم يحرق بحره. والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهرى: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار ( الثالث) أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة فى المشرق لأنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قطرة فى المغرب لا نتنت أهل المشرق (الرابع) قال كعب : الغساق عين فى جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. المسألة الثالثة﴾ قرأحمزة والكسائى وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف. قال أبو على الفارسى الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسما أو صفة، فان كان اسما فالأسماء لم تجى. على هذا الوزن إلا قليلا، وإن كان صفة فقد أقيم متمام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك. ثم قال تعالى ( وآخر من شكله أزواج) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمر (وآخر) بضم الألف على جمع أخرى أى أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أى عذاب آخر، أما على القراءة الأولى فقوله وأخر أى ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق ، أى من مثله فى الشدة والفظاعة ، أزواج أى أجناس ، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله. قال صاحب الكشاف: وقرى. من شكله بالكسر وهى لغة ، وأما الغنج فبالكسر لا غير . وأعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين وما كولهم حكى أحوالهم الذين كانوا أحباء لهم ٢٢٢ قوله تعالى : وقالوا ما لنا نرى رجالاً . سورة ص . فى الدنيا أولا، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم فى الدنيا ثانياً ( أما الأول) فهو قوله (هذا فوج مقتحم معكم) واعلم أن هذا حكاية كلام رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ماحكى بعد هذا من أقوال الأتباع وهو قوله ( قالوا بل أنتم لامرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا ) ، وقيل إن قوله ( هذا فوج مقتحم معكم) كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فى أتباعهم، وقوله ( لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار ) كلام الرؤساء، وقوله (هذا فوج مقتحم معكم) أى هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم فى الجهل والضلال، ومعنى اقتحم معكم النار أى دخل النار فى صحبتكم، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها ، والقحمة الشدة . وقوله تعالى (لامرحباً بهم) دعاء منهم على أتباعهم، يقول الرجل لمن يدعو له مرحباً أى أتيت رحباً فى البلاد لاضيفاً أو رحبت بلادك رحباً، ثم بدخل عليه كلمة لا فى دعاء السنوء، وقوله ( بهم ) بيان للدعو عليهم أنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( كلما دخلت أمة لعنت أختها) قالوا أى الأتباع (بل أنتم لا مرحباً بكم) يريدون أنّ الدعاء الذى دعوتم به علينا أبها الرؤساء أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقولهم (أنتم قدمتموه لنا ) والضمير للعذاب أو لصليهم ، فان قيل ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلنا الذى أوجب التقديم هو عمل السوء قال تعالى (وذوقوا عذاب الحريق، ذلك بما قدمت أيديكم) إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه باغواتهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أتم قدمتموه لنا نجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم، والضمير في قوله ( قدمتموه ) كناية عن الطغيان الذى دل عليه قوله ( وإن للطاغين لشر مآب) وقوله (فبئس القرار) أى بئس المستقر والمسكن جهنم، ثم قالت الأتباع (ربنا من قدم لنا هذا فرده عذاباً ضعفاً) أى مضاعفاً ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى ( ربنا هؤلاء أضلونافآ تهم عذاباً ضعفاً) وكذلك قوله تعالى (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب) فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فان كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً، وإن كان زائداً عليه كان ظلماً وإنه لا يجوز. قلنا المراد منه قوله عليه السلام (( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال، والثانى عذاب الإضلال والله أعلم. وههنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحباباً لهم فى الدنيا، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم فى الدنيا فهو قوله ( وقالوا مالنا لانرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار) يعنى أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم لحينئذ يقولون (ما لنا لا نرى رجالا كنا تعدهم من الأشرار) يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار؛ إما بمعنى الأراذل الذين لاخير فيهم ولا جدوى، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشراراً ثم قالوا ( اتخذناهم خرياً) وفيه مسائل : ٢٢٣ قوله تعالى : قل إنما أنا منذر . سورة ص . رَبُّ السَّمَوَتِ قُلْ إِنَّمَ أَنَأْمُنذِرُ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللهُالْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ◌َِّ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَُّ ﴾ قُلْ هُوَ نَبَؤُ اْ عَظِّ ◌َ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ ◌ِلْمَلَِ الْأَعْلَ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (8َه إِن يُوحَى إِلَىَّ إِلَا أَنَّمَآَ ٦٨ ٤ےےں ٧٠ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينَ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائى (من الاشرار اتخذناهم) بوصل ألف ( اتخذناهم) والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد والوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم فى قوله ( مالنا لانرى رجالا)، ولأن المشركين لا يشكون فى اتخاذهم المؤمنين فى الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك فى قوله (فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكرى) فكيف يحسن أن يستفهموا عن شىء علموه؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هدا من الاستفهام الذى معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشىء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله ( اتخذناهم ) بأم فى قوله ( أم زاغت عنهم ) فان قيل فما الجملة المعادلة لقوله (أم زاغت) على القراءة الأولى؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الا بصار ، ﴿ المسألة الثانية) قرأ نافع (سخرياً) بضم السين والبافون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير . المسألة الثالثة )، اختلفوا فى نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار . ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم (اتخذماهم سخريا) وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذى حكينا عنهم لحق لابد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذى حكيناه عنهم ماهو، فقال (تخاصم أهل النار) وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصماً لأن قول الرؤساء (لامرحباً بهم) وقول الأتباع (بل أنتم لا مرحباً بكم ) من باب الخصومة . قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار، قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون، ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ تختصمون، إن يوحى إلى إلا أما أما نذيرمبين﴾. ٢٢٤ . قوله تعالى : وما من إله إلا الله الواحد القهار . سورة ص . اعلم أنه تعالى لما حكى فى أول السورة أن محمدا ب ظلاله لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا إله واحد ، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن انقول بالقيامة حق، وأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله. ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين (الأول ) ليصير ذلك حاملا لمحمد رقم على التأسى بالأنبياء عليهم السلام فى الصبر على سفاهة القوم ( والثانى) ليصير ذلك رادعا للكفار على الإصرار على الكفر والفامة وداعياً إلى قبول الإيمان، ولما تم الله تعالى ذلك الطريق أردفه بطريق آخر وهو شرح نعيم أهل الثواب وشرح عقاب أهل العقاب. فلما تم اللّه تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة فى أول السورة وهى تقرير التوحيد والنبوة والبعث ، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأه ما من إله إلا الله الواحد القهار، فان الترتيب الصحيح أن تذكرشبهات الخصوم أولا ويجاب عنها ثم تذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب ، لأن إزالة مالا ينبغى مقدمة على إثبات ما ينبغى ، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه ، ومن نظر فى هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم. أما قوله (قل إنما أنا منذر) يعنى أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، وأحوال ثواب من أقر بها ، وكما بدأ فى أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال ( وما من إله إلا الله الواحد القهار ) وفى هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهاً عن الشريك والنظير، وبيانه أن الذى يجعل شريكا له فى الإلهية ، إما أن يكون موجوداً قادراً على الإطلاق على التصرف فى العالم أولا يكون كذلك، بل يكون جماداً عاجزاً (والأول) باطل لأنه لوكان شريكه قادراً على الإطلاق لم يكن هو قادراً قاهراً، لأن بتقدير أن يريد هو شيئاً ويريد شريكه ضد ذلك الشىء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر ، فيفضى إلى أندفاع كل واحد منهما بالآخر، وحينئذ لا يكون قادراً قاهراً بل كان عاجزاً ضعيفاً، والعاجز لا يصلح للالهية، فقوله ( إلا الله الواحد اتمهار) إشارة إلى أن كونه قهاراً يدل على كونه واحداً (وأما الثانى) وهو أن يقال إن الذى جعل شريكا له لا يقدر على شىء البتّة مثل هذه الأوثان، فهذا أيضاً فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذى لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً فقوله (وما من إله إلا الله الواحد القهار) يدل على هذه الدلائل، واعلم أن كونه سبحانه قهار أمشعر بالترهيب والتخويف، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال (رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ) فكونه رباً مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود ، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب ، وهذا الموجود هو الذى تجب عبادته ، لأنه هو الذى يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه. ٢٢٥ قوله تعالى : ما كان لي من علم بالمَّلا . سورة ص . ونذكر طريقة أخرى فى تفسير هذه الآيات ، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته فى هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار ، أما كونه واحداً فهو الذى وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحداً بكونه قهاراً وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهاراً وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم (أولها) كونه رباً السموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر فى آثار حكمة الله تعالى فى خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة، وذلك بحر لا ساحل له فاذا تأملت فى آثار حكمته ورحمته فى خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم ( وثانيها) كونه عزيزاً والفائدة فى ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربى وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات ، فأجاب عنه بأنه عزيز أى قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شىء ( وثالثها) كونه غفاراً والفائدة فى ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك فى حق المطيعين المخلصين فى العبادة، فأجاب عنه بأن من بقى على الكفر سبعين سنة ثم تاب فانى أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلى ورحمتى جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار. واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال ( قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون) وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهاً فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم ، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة فى أول السورة ولا جلها انجر الكلام إلى كل ما سبق ذكره، ويمكن أيضاً أن يكون المراد كون القرآن معجزاً لأن هذا أيضاً قد تقدم ذكره فى قوله ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ماقال (قل هو نبأ عظيم أتم عنه معرضون) وأعلم أن قوله ( أنتم عنه معرضون ) ترغيب فى النظر والاستدلال ومنع من التقليد، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة ، ويتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع فى أعظم أبواب الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية نهية ، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتى فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفى بالمساهلة والمسامحة . أما قوله تعالى ( ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ) فاعلم أنه تعالى رغب المكلفين فى الاحتياط فى هذه المسائل الأربعة، وبالغ فى ذلك الترغيب من وجوه: ( الأول ) أن كل واحد منها نبأ عظيم، والنبأ العظيم يجب الاحتياط فيه (الثانى) أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى لمنا قال ( إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال إنى أعلم ما لا تعدون) والمعنى أنهم قالوا أى فائدة فى خلق الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٥ ٢٢٦ قوله تعالى : إذ قال ربك للملائكة ؛ سورة ص إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِى خَلٌِ بَشَرًا مِنْ طِرٍ (٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رَوِحِى فَقَعَوْ لَهُ ، سَجِدِينَ ﴿﴾ فَسَجَدَ الْمَلَبِّكُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ () إِلَآَ ١ ٠١٠٠ ٧٤ قَالْ يَإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِبْلِيَسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ ( البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو المراد من قوله ( من يفسد فيها) ويإمضاء الغضب وهو المراد من قوله ( ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ) فقال الله سبحانه وتعالى (إنى أعلم ما لا تعلمون) وتقرير هذا الجواب والله أعلم، أن يقال إن المخلوقات بحسب القسمة العقلية على أقسام أربعة: (أحدها ) الذين حصل لهم العقل والحكمة، ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ( ثانيها) الذين حصل لهم النفس والشهوة، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهى البهائم (وثالثها) الأشياء الخالية عن القسمين، وهى الجمادات وبقى فى التقسيم (قسم رابع) وهو الذى حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل والتقليد والتكبز والتمرد فان كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة ، فقوله ( إنى أعلم مالا تعلمون) يعنى أن هذا النوع من المخلوقات، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد والغضب الحامل له على سفك الدماء، لكن حصل فيه العقل الذى يدعوه إلى المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى فى تحصيل هذه الصفات، وأن يجتهد فى اكتسابها، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر ، وإذا كان كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقو نه عليها داعياً له إلى الجد والاجتهاد فىاكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجراً له عن أضدادها ومقابلاتها، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام فى هذا المقام. فإن قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فان المخصمة مع الله كفر، قلنا لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز الحجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول (إن يوحى إلى أنما أنا نذير مبين) يعنى أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحى، وإنما أوحى الله إلى هذه القصة لأنذركم بها ولتصير هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص فى الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد .. قوله تعالى: ﴿ إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. ٢٢٧ قوله تعالى: إذ قال ربك للملائكة . سورة ص . لِمَا خَلَفْتُ بِبَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِنَ (َ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَِى قَالَ فَأَتْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَبِّ Vi مِن نَّارِ وَخَلَقْتَهُ، مِن طِينٍ ءُ إِلَى يَوْمِ الّذِينِ ﴾ قَالَ رَبٍ فَأَنْظِرِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (هـ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴾ إِلَ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِ يَنَّهُمْ أَنْمَعِينَ لَه إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿هَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ الَهَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنْكَ وَعَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ، قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين. قال فاحرج منها فانك رجيم ، وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين، قال رب فانظر نى إلى يوم يبعثون ، قال فانك من المنظرين ، إلى يوم الوقت المعلوم، قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين، قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين إعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر، وذلك لأن إبليس، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمداً عليه السلام بسبب الحد والكبر، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجراً لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى وغب المكلفين فى النظر والاستدلال، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر فى تقريره أموراً أربعة (أولها) أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه ( والثانى) أن قصة سؤال الملائكة عن الحكمة فى تخليق البشر يدل على أن الحكمة الأصلية فى تخليق. آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر (الثالث) أن إبليس إنما خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما . فهذا هو وجه النظم فى هذه الآيات ، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها فى سور كثيرة ، فلا فائدة فى الإعادة إلا مالابد منه وفيها مسائل: المسألة الأولى﴾ فى قوله ( إنى خالق بشراً من طين) سؤالات: ( الأول ) أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين، كما إذا قيل أنا متخذ سواراً من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة . ٢٢٨ قوله تعالى : ونفخت فيه من روحي . سورة ص . ﴿ الثانى) ذكرههنا أنه خلق البشر من طين، وفى سائر الآيات ذكر أه خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى فى آدم إنه خلقه من تراب وكقوله ( من صلصال من حمأ مسنون) وكقوله (خلق الإنسان من عجل ). ﴿ الثالث) أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق بشراً من طين . لم يقولوا شيئاً، وفى الآية الأخرى وهى التى قال ( إنى جاعل فى الأرض خليفة ) بين أنهم أوردوا السؤال والجواب فبينهما تناقض ، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولا أن البشر شخص جامع للقوة الهيمية والسبعية والشيطانية والملكية، فلما قال ( إنى خالق بشراً من طين) فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات، إنما أخلقه من الطين. والجواب عن الثانى أن المادة البعيدة هو الغراب، وأقرب منه الطين، وأقرب منه الحمأ المسنون، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا منافاة بين الكل، والجواب عن الثالث أنه فى الآية المذكورة فى سورة البقرة بين لهم أنه يخلوٍ فى الأرض خليفة، وبالآية المذكورة ههنا بين أن ذلك الخليفة بشر مخلوق من الطين. ﴿ المسألة الثانية﴾. قال فإذا سويته ونفخت فيهمن روحى وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين القسوية أولا، ثم نفخ الروح ثانياً، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس. أما الجسد فإنه إنما يتولد من المى، والمى إنما يتولدمن دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة، وهى إنما تتولد من الأركان الأربعة، ولا بد فى حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركياتها ، ومن رعاية المدة التى فى مثلها حصل ذلك المزاج الذى لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة . وأما النفس بإليها الإشارة بقوله ( ونفخت فيه من روحى) ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف غلوى قدسى ، وذهبت الجلولية إلى أن كلمة من تدل على التبعيض، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء اللّه تعالى، وهذا فى غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث . وأما كيفية نفخ الروح ، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية ، علوية العنصر ، قدسية الجوهر ، وهى تسرى فى البدن سريان الضوء فى الهواء، وسريان النار فى الفحم، فهذا القدر معلوم. أما كيفية ذلك النفخ فما لا يعلمه إلا الله تعالى. ( المسألة الثالثة﴾ الفاء فى قوله ( فقعوا له ساجدين ) تدل على أنه كما تم نفخ الروح فى الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض، أو دخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل، والروح الأعظم المذكور فى قوله ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ) ففيه مباحث عميقة. وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية، فإنها فى بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة ، ٢٢٩ قوله تعالى : قال يا أبليس ما منعك . سورة ص . وإبليس الذى لم يسجد هو القوة الوهمية التى هى المنازعة لجوهر العقل، والكلام فيه طويل. وأما بقية المسائل وهى: كيفية سجود الملائكة لآدم، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافراً أصلياً أم لا. فكل ذلك تقدم فى سورة البقرة وغيرها . ٠٠ المسألة الرابعة﴾ احتج من أثبت لأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) فى إثبات يدين الله تعانى، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه. فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به . واعلم أن الدلائل الدالة على نفى كونه تعالى جسما مركباً من الأجزاء والأعضاء. قد سبقت إلا أنا نذكرههنا نكتاً جارية مجرى الإلزامات الظاهرة (فالأول ) أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء، فإما أن يثبت الأعضاء التى ورد ذكرها فى القرآن ولا يزيد عليها، وإما أن يزيد عليها، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها فى القبح، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله (كل شىء هالك إلا وجهه ) ويلزمه أن يثبت فى تلك الرقعة عيوناً كثيرة لقوله ( تجرى بأعيننا) وأن يثبت جنبا واحداً لقوله تعالى (يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله) وأن يثبت على ذلك الجنب أيدى كثيرة لقوله تعانى (بما عملت أيدينا) وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله مع ((الحجر الأسود يمين الله فى الأرض)) وأن يثبت له ساقاً واحداً لقوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق) فيكون الحاصل من هذه الصورة . مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور، ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد فى شرائه، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة. وأما القسم الثانى: وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة فى القرآن، بل يزيد وينقض على وفق التأويلات ، فينئذ يبطل مذهبه فى الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل . ﴿ الحجة الثانية) فى إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل ، وإن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى، وإن نفوهما فهو خصى أو عنين ، وتعالى اللّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً . (الحجة الثالثة) أنه فى ذاته سبحانه وتعالى، إما أن يكون جسما صلباً لا ينغمز البتة، فيكون حجراًصلباً، وإما أن يكون قابلا للانغماز، فيكون ليناً قابلا للتفرق والتمزق. وتعالى الله عن ذلك ﴿الحجة الرابعة) أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عز مكانه ، كان كالزمن المقعد العاجز، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله (لا أحب الآفلين). ٢٣٠ قوله تعالى : قال يا أبليس ما منعك . سورة ص . ﴿الحجة الخامسة) إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت، وإن كان يفعل هذه الأشياء، كان إنساناً كثير التهمة محتاجاً إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل. ﴿الحجة السادسة) أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا، فنقول لهم حين نزوله: هل يبقى مديراً للعرش ويبقى مديراً للسماء الدنيا حين كان على العرش، وحينئذ لا يبقى فى النزول فائدة ، وإن لم يبق مديراً للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات. ﴿ الحجة السابعة) أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسى، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهى إلى السماء الدنيا، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيراً بحيث تسعه السماء الدنيا، وإما أن يقال إن السماء الدنيا قصير أعظم من العرش، وكل ذلك باطل. ﴿الحجة الثامنة﴾ ثبت أن العالم كرة، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كان تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، لحينئذ يكون جسما محيطاً بهذا العالم من كل الجوانب. فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك. ﴿ الحجة التاسعة) لما كانت الأرض كرة، وكانت السموات كرات، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل فى حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش فى ثلث الليل وجب أن يبقى أبداً نازلا عن العرش، وأن لا يرجع إلى العرش البتة. ﴿ الحجة العاشرة) أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب (أولها) كونه مؤلفاً من الأجزاء والا بعاض ( وثانيها) كونه محدوداً متناهياً ( وثالثها) كونه موصوفاً بالحركة والسكون والطلوع والغروب، فإذا كان إله المشبهة مؤلفاً من الأعضاء والأجزاء كان مركباً ، فإذا كان على العرش كان محدوداً متناهياً، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفاً بالحركة والسكون، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للألهية وجب تعزيه الإله عنها بأسرها، وذلك يبطل قول المشبهة، وإن لم تكن منافية للألهية فينئذ لا يقدر أحد على الطعن فى إلهية الشمس والقمر . ( الحجة الحادية عشرة) قوله تعالى ( قل هو الله أحد) ولفظ الأحد مبالغة فى الوحدة، وذلك ينافى كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض. ( الحجة الثانية عشرة) قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) ولو كان مركباً من الأجزاء والا بعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول يا ثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى عن هذه الأعضاء، فنقول ذكر العلماء فى لفظ اليد وجوهاً (الأول) أن اليد عبارة عن القدرة تقول العرب مالى بهذا الأمر . فى يد، أى من قوة وطاقة، قال تعالى (أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) ، ٢٣١ قوله تعالى : قال يا أبليس ما منعك . سورة ص . (الثانى ) اليد عبارة عن النعمة يقال أيادى فلان فى حق فلان ظاهرة والمراد النعم والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا ( الثالث ) أن لفظ اليد قد يزاد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان هذا ما كسبت يداك وكقوله تعالى ( نشراً بين يدى رحمته). ولقائل أن يقول حمل اليد على القدرة ههنا غير جائز، ويدل عليه وجوه (الأول) أن ظاهر الآية يقتضى إثبات اليدين ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لزم إثبات قدر تين لله وهو باطل (والثانى)أن الآية تقتضى أن كون آدم مخلوقاً باليدين يوجب فضيلته وكونه مسجوداً للملائكة، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لكان آدم مخلوقا بالقدرة، لكن جميع الأشياء مخلوقة بقدرة الله تعالى فكما أن آدم عليه السلام مخلوق بيد الله تعالى، فكذلك إبليس مخلوق بيد الله تعالى، وعلى تقدير أن تكون اليد عبارة عن القدرة، لم تكن هذه العلة علة لكون آدم مسجوداً لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجوداً لآدم، وحينئذ يختل نظم الآية ويبطل (الثالث) أنه جاء فى الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم قال ((كلنا يديه يمنى)) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة. (وأما التأويل الثانى ) وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضاً باطل لوجوه (الأول ) أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على الإثنتين (الثانى ) لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوفة لله فيفئذ لا يكون آدم مخلوقاً لله تعالى بل يكون مخلوقاً لبعض المخلوقات ، وذلك بأن يكون سبباً لمزيد النقصان أولى من أن يكون سبباً لمزيد الكمال (الثالث) لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله (تبارك الذى بيده الملك) معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله (بيدك الخير) معناه بنعمتك الخير ولكان قوله ( يداه مبسوطتان) معناه نعمتاه مبسوطتان، ومعلوم أن كل ذلك فاسد. (وأما التأويل الثالث ) وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد فنقول لفظ اليد قد يستعمل فى حق من يكون هذا العضو حاصلا له وفى حق من لا يكون هذا العضو حاصلا فى حقه ( أما الاول) فكقولهم فى حق من جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب فى هذا أن محل القدرة هو اليد فأطلق اسم اليد على القدرة ، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة، وقد تقدم إبطال هذا الوجه ( وأما الثانى ) فكقوله (بين يدى عذاب شديد) وقوله (بين يدى الساعة) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذ كور والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطرداً، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة، ونحن نسلم أن قوله (لا تقدموا بين يدى الله ورسوله) قد يجوز أن يراد به التأكيد والصلة، أما المذكور فى هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى ( خلقت بيدي) وإن كان القياس فى المجازات باطلا فقد سقط كلامكم بالكلية ، فهذا منتهى البحث فى هذا الباب . والذى تلخص عندى فى هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شىء بيده إلا إذا كانت ٢٣٢ قوله تعالى : قال أنا خير منه . سورة ص . غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل ، فاذا كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجافزاً عنه عند قيام الدلائل القاهرة. فهذا ما لخصناه فى هذا الباب، والله أعلم . أما قوله تعالى ( استكبرت أم كنت من العالين) فالمعنى: استكبرت الآن أم كنت أبداً من المتكبرين العالين ، فأجاب إبليس بقوله ( أنا خير منه خلقتنى من بار وخلقته من طين ) فالمعنى أنى لو كنت مساوياً له فى الشرف لكان يقبح أمرى بسجودى له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيراً منه بأن أصله من النار والنار أشرف من الطين، فصح أن أصله خير من أصل آدم ومن كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه فهذه مقدمات ثلاثة : ﴿ المقدمة الأولى) أن إبليس مخلوق من النار، يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه ( لمفتنى من نار وحلقته من طين ) وقوله تعالى ( والجان حلقناه من قبل من نار السموم). ﴿ المقدمة الثانية) أن النار أفضل من الطين ويدل عليه وجوه ( الأول) أن الأجرام الملكية أشرف من الأجرام العنصرية والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها عنه عنه فوجب كون النار أفضل من الأرض (الثانى) أن النار خليفة الشمس والقمر فى إضاءة هذا العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض ، فليفتهما فى الإضاءة أفضل من الأرض ( الثالث) أن الكيفية الفاعلة الأصلية. إما الحرارة أو البرودة والحزارة أفضل من البرودة لآن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت (الرابع) الأرض كثيفة والنار لطيفة واللطافة أشرف من الكثافة ( الخامس ) النار مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة (السادس) النار خفيفة تشبه الروح والأرض ثقيلة تشبه الجسد والروح أفضل من الجمد فالناز أفضل من الأرض ولذلك فإن الأطباء أطبقوا على أن العنصرين الثقيلين أعون، على تركيب الأجساد وأن العنصرين الخفيفين أعون على تولد الأرواح (السابع) النار صاعدة والأرض هابطة والصاعد أفضل من الهابط (الثامن) أن أول بروج الفلك هو الحمل لأنه هو الذى يبدأ من نقطة الإستواء الشمالى، ثم إن الحمل على طبيعة النار وأشرف أعضاء الحيوان والقلب والروح وهما على طبيعة النار وأخس أعضاء الحيوان هو العظم وهو بارد يابس أرضى ( التاسع) أن الأجسام الأرضية كلما كانت أشد نورانية ومشابهة بالنار كانت أشرف وكلما كانت أكثر غبرة وكثافة وكدورة ومشابهة بالأرض كانت أخس، مثاله الأجسام الشبيهة بالنار الذهب والياقوت والأحجار الصافية النورانية ومثاله أيضاً من الثياب الإبريسم وما يتخذ منه، وأما أن كل ما كان أكثر أرضية وغبرة فهو أخس فالأمر ظاهر ( العاشر ) أن القوة الباصرة قوة فى غاية الشرف والجلالة ولا يتم عملها إلا بالشعاع وهو جسم شبيه بالنار ( الحادى عشر) أن أشرف أجسام العالم الجسمانى هو الشمس ولا شك أنه شبيه بالنار فى صورته وطبيعته وأثره ( الثانى عشر ) أن النضج والهضم والحياة لا تتم إلا بالحرارة ولولا قوة الحرارة لما تم المزاج وتولدت المركبات (الثالث العاشر) أن أقوى العناصر ٢٣٣ قوله تعالى : أخرج منها فإنك رجيم . سورة ص . الأربعة فى قوة الفعل هو النار وأكملها فى قوة الإنفعال هو الأرض والفعل فضل من الإنفعال فالنار أفضل من الأرض . أما القائلون بتفضيل الأرض على النار فذكروا أيضاً وجوهاً (الأول) أن الأرض أمين مصلح فإذا أودعتها حبة ردتها إليك شجرة مثمرة والنار خائنة تفسد كل ما أسلمته إليها (الثانى) أن الحس البصرى أثنى على النار (١) فليستمع ما يقوله الحس اللمسى (الثالث) أن الأرض مستولية على النار فإنها تطفىء النار، وأما النار فإنها لا تؤثر فى الأرض الخالصة. ﴿ وأما المقدمة الثالثة) فهى أن من كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه، فاعلم أن هذه المقدمة كاذبة جداً وذلك لأن أصل الرماد النار وأصل البساتين النزهة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد ، وأيضاً فهب أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يصير معارضاً بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه، إلا أن الذى لا يكون نسبياً قد يكون كثير العلم والزهد فيكون هو أفضل من ذلك النسيب بدرجات لا حد لها ، فالمقدمة الكاذبة فى القياس الذى ذكره إبليس هو هذه المقدمة ، فإن قال قائل هب أن إبليس أخطأ فى هذا القياس لكن كيف لزمه الكفر من تلك المخالفة؟ وبيان هذا السؤال من وجوه ( الأول) أن قوله (اجيدوا) أمر والأمر لا يقتضى الوجوب بل الندب ومخالفة الندب لا توجب العصيان فضلا عن الكفر ، وأيضاً فالذين يقولون إن الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملا للندب احتمالا ظاهراً ومع قيام هذا الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلا عن الكفر ( الثانى) هب أنه للوجوب إلا أن إبليس ما كان من الملائكة فأمر الملائكة بسجود آدم لا يدخل فيه إبليس ( الثالث ) هب أنه يتناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز خصص نفسه عن عموم ذلك الأمر بالقياس (الرابع) هب أنه لم يسجدمع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر (والجواب) هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل على الوجوب ، وههنا حصلت تلك القرائن وهى قوله تعالى (أستكبرت أم كنت من العالين) فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد دل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك القياس ليتوسل به إلى القدح فى أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر. إذا عرفت هذا فنقول إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى (اخرج منها فإنك رجيم ). واعلم أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف وههنا الحكم بكونه رجیما ورد عقيب ما حكى عنه أنه خصص النص بالقياس، فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم، وقوله (منها) أى من الجنة أو من السموات والرجيم المرجوم وفيه قولان : (١) العبارة مصحفة لأن الحس البصرى فيما نعلم لم يثن على النار وإنما يتأذى به كما أن الحس اللسى يحترق بالنار. ولعله نظر إلى المعنى من ناحية أخرى هى أن فعل النار لم يظهره إلا البصر واللمس وهما من طبيعة الأرض. فبسبهما بان فضل الأرض على النار . ٢٣٤ قوله تعالى : فبعزتك لأغوينهم أجمعين . سورة ص . ( الأول ) أنه مجاز عن الطرد، لأن الظاهر أن من طرد فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد فإن قالوا الطرد هو اللعن فلوحملنا قوله (رجيم) على الطرد لكان قوله بعد ذلك ( وإن عليك لعنتی) تكراراً والجواب من وجهين ( الأول) اما تحمل الرجم على الطرد من الجنة أو من السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله ( والثانى) أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله ( وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين) على أن ذلك الطرد يمتد إلى آخر القيامة فيكون هذا فائدة زائدة ولا يكون تكريراً. ﴿ والقول الثانى) فى تفسير الرجيم أن نحمله على الحقيقة وهو كون الشياطين مرجومين بالشهب والله أعلم. فإن قيل كلمة إلى لإنتهاء الغاية فقوله ( إلى يوم الدين) يقتضى انقطاع تلك اللعنة عند مجىء يوم الدين ، أجاب صاحب الكشاف بأن اللعنة باقية عليه فى الدنيا فاذا جاء يوم القيامة جعل مع اللعنة أنواع من العذاب قصير اللعنة مع حضورها منسية. وأعلم أن إبليس لما صار ملوناً قال (فأنظرنى إلى يوم يبعثون) قيل إنما طلب الأنظار إلى يوم يبعثون لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا نظر إلى يوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجىء يوم البعث لا يموت أيضاً حينئذ يتخلص من الموت فقال تعالى ( إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) ومعناه إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه، فقال إبليس (قبعزتك) وهو قسم بعزة اللّه وسلطانه ( لا نغوينهم أجمعين) فهنا أضاف الإغواء إلى نفسه وهو على مذهب القدر وقال مرة أخرى (رب بما أغويتنى) فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهب الجبر وهذا يدل على أنه متحير فى هذه المسألة. وأما قوله ( إلا عبادك منهم المخلصين ) فيه فوائد : ﴿ الفائدة الأولى) قيل غرض إبليس من ذكره هذا الاستثناء أن لايقع فى كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوى الكل لكان يظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله الصالحين، فكأن إبليس قال إنما ذكرت هذا الإستثناء لئلايقع الكذب فى هذا الكلام، وعندهذا يقال إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فكيف يليق بالمسلم الإقدام عليه؟ فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ( وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته)؟ فإذا إن إبليس لم يقل إنى لم أقصد إغواء عباد الله الصالحين بل قال لا غوينهم وهو وإن كان يقصد الإغواء إلا أنه لا يغويهم . ﴿ العائدة الثانية) هذه الآية تدل على أن إبليس لا يغوى عباد الله المخلصين، وقال تعالى فى صفة يوسف (إنه من عبادنا المخلصين) فتصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام، وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح. واعلم أن إبليس لماذكر هذا الكلام قال الله تعالى ( فالحق والحق أفول لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين ) وفيه مسائل : ٢٣٥ قوله تعالى : قل ما اسألكم عليه من أجر . سورة ص . قُلْ مَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَّلِّفِينَ (﴾ إِنْهُوَ إِلَّ ذِكٌ لِلْعَلَمِينَ ولتعلمن نباه بعدحینٍ ٨٧ ٨٨ ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة (فالحق) بالرفع (والحق) بالنصب، والباقون بالنصب فيهما. أما الرفع فتقديره فالحق قسمى. وأما النصب فعلى القسم ، أى فبالحق، كقولك والله لأفعلن. وأما قوله ( والحق أقول) انتصب قوله ( والحق ) بقوله (أقول ). ﴿ المسألة الثانية) قوله (منك) أى من جنسك، وهم الشياطين (ومن تبعك منهم) من ذرية آدم، فإن قيل قوله (أجمعين) تأكيد لماذا؟ قلنا: يحتمل أن يؤكد به الضمير فى منهم. أو الكاف فى منك مع من تبعك ، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحداً . ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية فى مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه (الأول) أنه تعالى قال فى حق إبليس (أخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين) فهذا إخبار من اللّه تعالى بأنه لا يؤمن، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهو محال، فكان صدور الإيمان منه محالا مع أنه أمر به (والثانى) أنه قال (فبعزتك لأغرينهم أجمعين) فالله تعالى علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادراً على منعه عن ذلك ، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضياً به ، فإن قالوا لعل ذلك المنع مفسد، قلنا هذا قول فاسد، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال، ويخلص بنى آدم عن الضلال. وهذا عين المصلحة (الثالث) أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل فى حق اللّه تعالى (الرابع) أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين، وأن يميت إبليس والشياطين ، وحيث قاب الأمر علمنا أنه فاسد (الخامس) أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان، يقتضى تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التى هى دالة على أنهم لا يؤمنون البتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة، وذلك تكليف بما لا يطاق. والله أعلم قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين، إن هو إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين اعلم أن الله تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة، وذلك لأنه تعالى ذكر طرقاً كثيرة دالة على وجوب الاحتياط فى طلب الدين ، ثم قال عند الختم: هذا الذى أدعو الناس إليه يجب أن ينظر فى حال الداعى ، وفى حال الدعوة ليظهر أنه حق أو باطل. أما الداعى وهو أنا . فأ! لا أسألكم على هذه الدعوة أجراً ومالا، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال البتة، وكان من الظاهر أنه ترفع كان بعيداً عن الدنيا عديم الرغبة فيها. وأما كيفية الدعوة ٢٣٦ قوله تعالى : قل ما اسألكم عليه من أجر. سورة ص . فقال: وما أنا من المتكلفين والمفسرون، ذكروا فيه وجوها، والذى يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذى أدعوكم إليه دين ليس يحتاج فى معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة ، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته، فإنى أدعوكم إلى الإقرار بوجود الله (أولا) ثم أدعوكم ( ثانياً) إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به، يقوى ذلك قوله (ليس كمثله شىء) وأمثاله، ثم أدعوكم (ثالثاً) إلى الإقرار بكونه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ثم أدعوكم (رابعاً) إلى الإقرار بكونه منزهاً عن الشركاء والإضداد، ثم أدعوكم (خامساً) إلى الإمتناع عن عبادة هذه الأوثان، التى هى جمادات خسيسة ولا منفعة فى عبادتها ولا مضرة فى الإعراض عنها، ثم أدعوكم (سادساً) إلى تعظيم .الأرواح الطاهرة المقدسة، وهم الملائكة والأنبياء ثم أدعوكم (سابعاً) إلى الإقرار بالبعث والقيامة (ليجزى الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى) ثم أدعوكم (ثامناً) إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، فهذه الأصول الثمانية، هى الأصول القوية المعتبرة فى دين الله تعالى، ودين محمد بِّ وبدائه العقول، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية، فثبت أنى لست من المتكلفين فى الشريعة التى أدعو الخلق إليها، لم كل عقل سليم وطبع مستقيم، فإنه يشهد بصحتها وجلائتها، وبعدها عن الباطل والفساد وهو المراد من قوله (إن هو إلا ذكر العالمين) ولما بين هذه المقدمات قال ( ولتعلمن نبأه بعد حين) والمعنى أنكم إن أصررتم على الجهل والتقليد، وأيتم قبول هذه البيانات التى ذكرناها، فستعلمون بعد حين أنكم كنتم مصيبين فى هذا الإعراض أو مخطئين، وذكر مثل هذه الكلمة بعد تلك البيانات المتقدمة مما لا مزيد عليه فى التخويف والترهيب، والله أعلم . قال المصنف رحمة الله عليه: تم تفسير هذه السورة يوم الخميس فى آخر الثلاثاء الثانى من شهر ذى القعدة سنة ثلاث وستمائة، والحمد لله على آلائه ونعمائه. والصلاة على المطهرين من عباده فى أرضه وسمائه، والمدح والثناء كما يليق بصفاته وأسمائه، والتعظيم التام لأنبيائه وأوليائه، وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين. ٢٣٧ سورة الزمر (٣٩) سُوْرَة الزُّمَرَّمَكَيَّة وَأَيَانها خِمْسِنُ وَسَبْعُونَ - ١١ ٩١-٩ بِسْـ إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فَأَعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًّا لَّهُ الدِّينَ (٤َ أَلَِِّ الدِّينُ الْخَلِصُ وَالَّذِينَ آَخَذُواْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَةَ مَا تَعْبُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله ◌ُلَفَ إِنَّ اللهَ يَحْكُ بَيْنَهُمْ فِ مَاهُمْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَّارٌ يَ لَّوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَمِدَ وَدَد. أَصْطَفَىِّ يَخْلُقُ مَايَشَاءُ سُبْحَدَّةٌ, هُوَ الَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَُّ باسم الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من اللّه العزيز الحكيم، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين، ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار، لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى بما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ﴾. اعلم أن فى الآية مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ كر الفراء والزجاج: فى رفع ( تنزيل) وجرين (أحدهما ) أن يكون قوله ( تنزيل ) مبتدأ وقوله (من الله العزيز الحكيم) خبر ( والثانى) أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب، فيضمر المبتدأ كقوله (سورة أنزلناها) أى هذه سورة، قال بعضهم الوجه الأول لوجوه (الأول) أن الإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا ( الثانى) أنا إذا قلنا ( تنزيل الكتاب من الله) جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة، وهي أن تنزيل ٢٣٨ قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق . سورة الزُّمر . الكتاب يكون من الله، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة (الثالث ) أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من اللّه، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر ، لأن هذا إشارة إلى السورة، والسورة ليست نفس التنزيل ، بل السورة منزلة ، فيفئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة. المسألة الثانية﴾ القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق (والجواب) أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف. ﴿ المسألة الثالثة) الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلا وآيات أخر تدل على كونه منزلا . أما (الأول) فقوله تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين)، وقال ( تنزيل من حكيم حميد) وقال (حم تنزيل من الرحمن الرحيم ). وأما (الثانى) فقوله (إنا نحن نزلنا الذكر)، وقال (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) وأنت تعلم أن كونه منزلا أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلا، فكونه منزلا مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهى أعراض لا تقبل الانتقال والنزول، بل المراد من النزول نزول الملك الذى بلغها إلى الرسول ټٹ . المسألة الرابعة ) قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذى لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على مالا نهاية له والحكيم هو الذى يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غنى عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى (عزيزاً حكيما) يدل على هذه الصفات الثلاثة ، العلم بجميع المعلومات . والقدرة على كل الممكنات، والإستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً. إذا ثبت هذا فنقول الإنتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين: (أحدهما ) أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله ( والأصل الثانى) أن الله أراد بهذه الألفاظ المعانى التى هى موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لاسبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيما ، وثبت أن لاسبيل ٢٣٩ قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب . سورة الزُّمر . إلى إثبات كونه حكيما إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. أما قوله تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) ففيه سؤالان: ﴿ السؤال الأول) لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجماً نجماً على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع بينهما (والجواب) إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذى ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكاكلياً جزءاً بأن يوصل إليك هذا الكتاب، وهذا هو الإنزال ، ثم أوصلناه نجماً نجماً إليك على وفق المصالح وهذا هو التنزيل . ﴿ السؤال الثانى) ما المراد من قوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق)؟(والجواب) فيه وجهان ( الأول ) المراد ( أنزلنا الكتاب: اليك) ملتبساً بالحق والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه ( الثانى) أن يكون المراد ( إنا أنزلنا إليك الكتاب ) بناء على دليل حق دل على أن الكتاب نازل من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزاً لما عجزوا عن معارضته . ثم قال ﴿فاعبد الله مخلصاً له الدين) وفيه مسائل: ( المسألة الأولى) أنه تعالى لما بين فى قوله ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف هنا بعض مافيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى (فاعبد الله مخلصاً)، وأما براءته من عبادة غير اللّه تعالى فهو المراد بقوله ( ألا لله الدين الخالص) لأن قوله (ألا لله) يفيد الحصر ، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم فى المذكور وينتفى عن غير المدكور، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ماهى وأن الإخلاص ماهو وأن الوجوه المنافية للاخلاص ما هى فهذه أمور ثلاثة لابد من البحث عنها : أما العبادة: فهى فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله . وأما الإخلاص: فهو أن يكون الداعى له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والإمتثال ، فان حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب الداعى الى الطاعة راجحاً على الجانب الآخر أو معادلا له أو مرجوحا. وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط، وأما إذا كان الداعى الى طاعة الله راجحاً على الجانب الآخر فقد اختلفوا فى أنه هل يفيد أم لا، وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على سبيل الخلوص، لأن قوله (فاعبد الله مخلصاً) ٢٤٠ قوله تعالى . الا لله الدين الخالص . سورة الزُّمر . صريح فى أنه يجب الإتيان بالعباة على سبيل الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وأما بيان الوجوه المنافية للاخلاص فهى الوجوه الداعية للشريك وهى أقسام: (أحدها) أن يكون الرياء والسمعة فيه مدخل ( وثانيها) أن يكون مقصوده من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار (وثالثها ) أن أتى بها ويعتقد أن لها تأثيراً فى إيجاب الثواب أو دفع العقاب (ورابعها) وهو أن يخلص تلك الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة ، وهذا القول إنما يعتبر على قول المعتزلة . ﴿المسألة الثانية﴾ من الناس من قال (فاعبد الله مخلصاً له الدين) المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله، واحتجوا بما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( لا إله إلا الله حضنى ومن دخل حصنى أمن من عذابى)) وهذا قول من يقول : لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، وأما الأكثرون فقالوا الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهى، وهذا هو الأولى لأن قوله ( فاعبد الله) عام، وروى أن امرأة الفرذدق لما قرب وفاتها أوصت أن يصلى الحسن البصرى عليها، فلما صلى عليها ودفنت، قال للفرذدق يا أبا فراس ما الذى أعددت لهذا الأمر؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن رضى الله عنه هذا العمود فأين الطنب؟ قبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة ، قال القاضى فأما ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبى الدرداء ( وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبى الدرداء)) فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن ، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجوراً عن الزنا والسرقة، وأن لا يكون متعدياً بفعلهما لأنه مع شدة شهوته القبيح يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكان ذلك إغراء بالقبيح والكل ينافى حكمة الله تعالى ولا يلزم أن يقال ذلك فالقول بأنه يزول ضرره بالتوبة يوجب أيضاً الإغراء بالقبيح، لأنا نقول إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين. هذا تمام كلام القاضى، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) وقال ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلهم) أى حال ظلهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أى حال كونه آكلا وشارباً، وقال ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، وأما قوله إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح ، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلا، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة، وأنت لا تقول به، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلا، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما