النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى : أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم . سورة الصَّافات .
عَ ءَ اتَرِهِمْ يُهْرَعُونَ (﴾ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
فِم ◌ُنذِرِينَ (﴾ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (﴾ إِلَّا عِبَادَ اللهِالْمُخْلِصِينَ
الشوباً من حميم، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم، إنهم ألفوا أباءهم ضالين. فهم على آثارهم هوعون. ولقد
ضل قبلهم أكثر الأولين ، ولقد أرسلنا فيهم منذرين، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين، إلا عباد
الله المخلصين
إعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) أتبعه بقوله
( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار
قومه ليصير ذلك زاجراً لهم عن الكفر، وكما وصف من قبل مآ كل أهل الجنة ومشاربهم وصف
أيضاً فى هذه الآية مآ كل أهل النار ومشاربهم.
أما قوله ( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ) فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور لأهل الجنة
(خير نزلا ) أى خير حاصلا (أم شجرة الزقوم ) وأصل النزل الفضل الواسع فى الطعام يقال
طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشىء، ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلا وهو الشىء
الذى يصلح حال من ينزل بسببه ، إذا عرفت هذا فنقول حاصل الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة
والسرور، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم. ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر فى الخيرية
إلا أنه جاء هذا الكلام، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم
إلى الرزق الكريم ، والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توبيخاً لهم على
سوء اختيارهم، وأما ( الزقوم) فقال الواحدى رحمه الله لم يذكر المفسرون. للزقوم تفسيراً إلا
الکلی فانه روی أنه لما نزلت هذهالآية قال ابن الزبعری أ کثر الله فی بیوتكم الزقوم، فان أهل
النين يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل لجاريته زقمينا فأتته بزيد وتمر ، وقال تزقوا. ثم
قال الواحدى ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا الزيد والتمر ، قال ابن دريد لم يكن الزقوم
اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشىء حتى يكره ذلك يقال بات فلان يتزقم. وظاهر
لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم منتنة الراتحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من
تناولها عظم من تناولها، ثم إنه تعالى يكره أهل النار على تناول بعض أجزائها.
أما قوله تعالى (إنا جعلناها فتنة للظالمين ) ففيه أقوال: (الأول ) أنها إنما صارت فتنة
للظالمين ، من حيث إن الكفار لما سمعوا هذه الآية، قالوا كيف يعقل أن تنبت الشجرة فى جهنم

١٤٢
قوله تعالى : طلعها كأنه رءوس الشياطين . سورة الصَّافات .
مع أن النار. تحرق الشجرة؟ والجواب عنه أن خالق النار قادر على أن يمنع النارمن إحراق الشجر،
ولأنه إذا جاز أن يكون فى النار زبانية واللّه تعالى يمنع النار عن إحراقهم فلم لا يجوز مثله فى هذه
الشجرة؟ إذا عرفت هذا السؤال والجواب فمعنى كون شجرة الزقوم فتنة للظالمين هو أنهم لما سمعوا
هذه الآية وقعت تلك الشبهة فى قلوبهم وصارت تلك الشبهة سبباً لتماديهم فى الكفر فهذا هو المراد
من كونها فتنة لهم ( والوجه الثانى ) فى التفسير أن يكون المراد صيرورة هذه الشجرة فتنة لهم فى
النار لأنهم إذا كلفوا تناولها وشق ذلك عليهم، فيفئذ يصير ذلك فتنة فى حقهم (الوجه الثالث) أن
يكون المراد من الفتنة الامتحان والاختبار ، فإن هذا شىء بعيد عن العرف والعادة مخالف للألوف
والمعروف ، فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن
فى القرآن والنبوة .
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وصفها بصفات: (الصفة الأولى) قوله إنها شجرة تخرج
فى أصل الجحيم قيل منبتها فى قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها (الصفة الثانية) قوله ( طلعها
كأنه رءوس الشياطين) قال صاحب الكشاف: الطلع للنخلة واستعير لما طلع من شجرة الزقوم من
حملها ، إما استعارة لفظية أو معنوية، وقال ابن قتيبة سمى ( طلعاً) لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل
طبع النخل لأول ما يخرج من ثمره ، وأما تشبيه هذا الطلع بر.وس الشياطين ففيه سؤال ، لأنه قيل
إنا ما رأينا رموس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شىء بها؟ وأجابوا عنه من وجوه: (الأول) وهو
الصحيح أن الناس لما اعتقدوا فى الملائكة كمال الفضل فى الصورة والسيرة واعتقدوا فى الشياطين
نهاية القبح والتشويه فى الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة تقرير الكمال والفضيلة
فى قوله ( إن هذا إلا ملك كريم) فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برءوس الشياطين فى القبح
وتشويه الخلقة ، والحاصل أن هذا من باب التشبيه لا بالمحسوس بل بالمتخيل ، كانه قيل إن أقبح
الأشياء فى الوهم والخيال هور.وس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها فى قبح النظر وتشويه الصورة،
والذى يؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئاً شديداً الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة ، قالوا
إنه شيطان، وإذا رأوا شيئاً حسن الصورة والسيرة، قالوا إنه ملك، وقال امرؤ القيس:
أتقتلنى والمشرفى مضاجعى ومسنونة زرق كانياب أغوال
( والقول الثانى ) أن الشياطين حيات لها رءوس وأعراف، وهى من أقبح الحيات، وبها
يضرب المثل فى القبح، والعرب إذا رأت منطراً قبيحاً قالت كأنه شيطان الحماطة، والحمساطة
شجرة معينة ( والقول الثالث) أن رءوس الشياطين، نبت معروف قبيح الرأس ، والوجه
الأول هو الجواب الحق، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وذكر صفتها بين أن الكفار
(لا كلون منها فمالتون منها البطون) واعلم أن إقدامهم على ذلك الأكل يحتمل وجهين:
(الأول) أنهم أكلوا منها لشدة الجوع، فان قيل وكيف يأكلوتها مع نهاية خشونتها ونتها ومرارة
٠

قوله تعالى . فانظر كيف كانت عاقبة المنذرين . سورة الصَّافات . ١٤٣
طعمها ؟ قلنا إن الواقع فى الضرر العظيم ربما استروح منه إلى ما يقاربه فى الضرر ، فإذا جوعهم
اللّه الجوع الشديد فزعوا فى إزالة ذلك الجوع إلى تناول هذا الشىء وإن كان بالصفة التى ذكر تموها
(الوجه الثانى) أن يقال الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلا لعذابهم.
واعلم أنهم إذا شبعوا فيئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب، فعند هذا وصف الله
شرابهم، فقال ( ثم إن لهم علها لشوباً من حميم) قال الزجاج: الشوب اسم عام فى كل ما خلط
بغيره، والحميم الماء الحار المتناهى فى الحرارة، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من
ذلك الحميم ، فيفتذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما.
واعلم أن الله وصف شرابهم فى القرآن بأشياء منها كونه غساقاً، ومنها قوله (وسقوا ما. حميما
فقطع أمعاءهم) ومنها ماذكره فى هذه الآية، فان قيل ما الفائدة فى كلمة (ثم) فى قوله ( ثم إن لهم
عليها لشوباً من حميم)؟ قلنا فيه وجهان ( الأول) أنهم يملأون بطونهم من شجرة الزقوم وهو حار
يحرق بطونهم فيعظم عطشهم، ثم إنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب ،
( والثانى) أنه تعالى ذكر الطعام بتلك البشاعة والكراهة، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه،
فكان المقصود من كلمة ثم بيان أن حال المشروب فى البشاعة أعظم من حال المأكول، ثم قال
تعالى ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) قال مقاتل: أى بعد أكل الزقوم وشرب الحميم ، وهذا يدل
على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا فى الجحيم ، وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن
الجحيم، فهم يوردون الحميم لأجل الشرب كما تورد الابل إلى الماء، ثم يوردون إلى الجحيم،
فهذا قول مقاتل، واحتج على صحته بقوله تعالى (هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون بينها
وبين حميم آن ) وذلك يدل على صحة ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم فى أكلهم وشربهم
قال ( إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون) قال الفراء: الإمراع الإسراع يقال هرع
وأهرع إذا استحث، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعاً فى سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آباتهم،
والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع فى تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء فى الدين
وترك اتباع الدليل ، ولو لم يوجد فى القرآن آية غير هذه الآية فى ذم التقليد لكفى.
ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له فى كفرهم وتكذيبهم، فقال (ولقد ضل قبلهم
أكثر الأولين، ولقد أرسلنا فيهم منذرين) فبين تعالى أن إرساله الرسل قد تقدم والتكذيب
لحم قد سلف، ويجب أن يكون له وَ لّم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا، ويستمر على الدعاء إلى الله
وإن تمردوا ، فليس عليه إلا البلاغ.
ثم قال تعالى ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) وهذا وإن كان فى الظاهر خطاباً مع الرسول
مؤلّ ، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب
.على قوم نوح وعلى عاد وثمود وغيرهم ، فان لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن

١٤٤
قوله تعالى : ولقد نادانا نوح . سورة الصَّافات .
وَلَقَدْ نَادَثْنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (2) وَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ، مِنَ الْكُرْبِ الْعَظِيمِ
ـ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَتَهُ, هُمُ الْبَاقِينَ (8) وَتَكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ (٨ سَلَمُ
◌َ نُوجِ فِى الْعَلَمِينَ (﴾ إِنَّ كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَاِنَا
الْمُؤْمِنِينَ ﴿ي ثُمَّ أَغْرَقْنَ اْآَخِرِينَ
٨٢
يكون زاجراً لهم عن كفرهم. وقوله تعالى ( إلا عباد الله المخلصين) فيه قولان (أحدهما) أنه
استثناء من قوله ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) ( والثانى) أنه استثناء من قوله (كيف كان
عاقبة المتذرين ) فانها كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين، فإنها كانت مقرونة
بالخير والرآحة .
القصة الأولى - قصة نوح عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون، ونجيناه وأهله من الكرب العظيم، وجعلنا
ذريته هم الباقين، وتركنا عليه فى الآخرين ، سلام على نوح فى العالمين، إنا كذلك نجزى المحسنين.
إنه من عبادنا المؤمنين، ثم أغرقنا الآخرين.}
أعلم أنه تعالى لما قال من قبل (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) وقال (فانظر كيف كان عاقبة
المنذرين ) أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام (فالقصة الأولى) حكاية حال نوح عليه السلام
وقوله ( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون) فيه مباحث :
﴿ الأول) أن اللام فى قوله (فلنعم المجيبون) جواب قسم محذوف والمخصوص بالمدح
محذوف ، أى فلنعم المجيبون نحن .
﴿ البحث الثانى) أنه تعالى ذكر أن نوحاً نادى ولم يذكر أن ذلك النداء فى أى الوقائع كان؟
لا جرم حصل فيه قولان (الأول) وهو المشهور عند الجمهور أنه نادى الرب تعالى فى أن ينجيه
من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة (والقول الثانى) أن نوحاً عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه
إلى الدين الحق بالغوا فى إيذائه وقصدوا قتله، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار
قومه. فأجابه اللّه تعالى ومنعهم من قتله وإبذاته، واحتج هذا القائل على ضعف القول الأول بأنه
عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى أهله، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تلك
النجاة كالمعلوم المتيقن فى دعائه، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاه.
ثم انه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده ( فلنعم المجيبون) وهذه اللفظة تدل على أن
٠
.
.

١٤٥
قوله تعالى : وان من شيعته لابراهيم . سورة الصَّافات .
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ، لَإِبْرَهِيمَ (﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمِ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ (2﴾ أَبِفْكَاءَالِمَةُّ دُونَ الَه ◌ُرِيدُونَ ﴾ قَمَاظَنْكُمْ
ـ فَتَوَلَّوْاْ
فَقَالَ إِنِى سَفِيمٌ
بِبِ الْعَلَبِينَ
M
) فَنَظَرَ نَظْرَةُ فِ النَّجَوِمِ
AV
تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة ، وبيانه من وجوه (الأول) أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع
فقال ( ولقد نادانا نوح ) والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم ( والثانى) أنه أعاد صيغة
الجمع فى قوله ( فلنعم المجيبون) وذلك أيضاً يدل على تعظيم تلك النعمة. لا سيما وقد وصف تلك
الإجابة بأنها نعمت الإجابة (والثالث) أن الفاء فى قوله (فلنعم المجيبون) يدل على أن حصول هذه
الإجابة مرتب على ذلك النداء، والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضى كونه معللا به، وهذا
يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة، ثم إنه تعالى لما بين أنه سبحانه نعم المجيب
على سبيل الإجمال ، بين أن الإنعام حصل فى تلك الإجابة من وجوه (الأول) قوله تعالى (ونجيناه
وأهله من الكرب العظيم ) وهو على القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق،
وعلى الثانى الكرب الحاصل من أذى قومه (والثانى) قوله ( وجعلنا ذريته هم الباقين) يفيد الحصر
وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا ، قال ابن عباس ذريته بنوه الثلاثة : سام
وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك.
﴿ النعمة الثالثة) قوله تعالى (وتركنا عليه فى الآخرين، سلام على نوح فى العالمين) يعنى
يذكرون هذه الكلمة. فإن قيل فما معنى قوله ( فى العالمين ) قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية
فيهم جميعاً أى لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه فى الملائكة
والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم ، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال ( إنا كذلك نجزى
المحسنين ) والمعنى أنا إنما خصصنا نوحاً عليه السلام بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا
علوأة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن فى ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسناً ، ثم علل كونه
محسناً بأنه كان عبدالله مؤمناً، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان
بالله والانقياد لطاعته .
القصة الثانية - قصة إبراهيم عليه السلام﴾
قوله تعالى: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم، إذجاء ربه بقلب سليم، إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون،
أثفكا آلهة دون اللهتريدون. فما ظنكم برب العالمين، فنظر نظرة فى النجوم، فقال إنى سقيم، فتولوا
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٠

١٤٦
قوله تعالى : فراغ إلى الهتهم . سورة الصَّافات .
عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٤) فَرَاغَ إلَى ءَالَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ (٨) مَالَكُمْ لَا تَنطِقُونَ
فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفَّونَ
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾
عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ، مالكم لا تنطقون . فراغ عليهم ضرباً باليمين ، فأقبلوا
إليه يزفون ﴾ فى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير فى قوله من شيعته إلى ماذا يعود؟ فيه قولان (الأول ) وهو
الأظهـ أنه عائد إلى نوح عليه السلام أى من شيعة نوح أى من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه
لإبراهيم ، قالوا وما كان بين نوح وإبراهيم إلانبيان هود وصالح، وروى صاحب الكشاف أنه كان
بين نوح وإبراهيم أثفان وستمائة وأربعون سنة (الثانى) قال الكلى المراد من شيعة محمد لإبراهيم
بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقاً له والأول أظهر، لأنه تقدم ذكر
نوح عليه السلام، ولم يتقدم ذكر النبى معهَ اللهِ فعود الضمير إلى نوح أولى.
المسألة الثانية) العامل فى (إذ) ما دل عليه قوله ( وإن من شيعته) من معنى المشابعة يعنى
وإن من شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم.
أما قوله ( إذ جاء ربه بقلب سليم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى قوله (بقلب سليم) قولان (الأول) قال مقاتل والكلى يعنى خالص
من الشرك، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله ( والثانى) قال الأصوليون المراد أنه عاش
ومات على طهارة القلب من كل دفس من المعاصى ، فيدخل فيه كونه سليما عن الشرك وعن الشك
وعن الغل والغش والحقد والحسد. عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم جميع
الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحداً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه
تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله، وهو قوله (إذ قال لأبيه وقومه ماذا
تعبدون) وأحتج الذاهبون إلى القول الثانى بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصفة دون صفة، ويتأكد
هذا بقوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) مع أنه تعالى قال (الله أعلم حيث
يجعل رسالته) وقال (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين)
فإن قيل ما معنى المجىء بقلبه ربه؟ قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك
القلب ، ورأيت فى التوراة أن اللّه قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة
أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) والمقصود من هذا
الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها .

١٤٧
قوله تعالى : أثفكا آلهه دون الله . سورة الصَّافات .
ثم قال (أفكا آلهة دون اللّه تريدون) قال صاحب الكشاف أثفكا مفعول له تقديره أتريدون
آلهة من دونه إفكا، وإنما قدم المفعول على الفعل العناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه
كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل فى شركهم، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا
به يعنى أتريدون إفكا، ثم فسر الإفك بقوله (آلهة دون اللّه) على أنها إفك فى أنفسها، ويجوز أن
يكون حالا بمعنى تريدون آلهة من دون الله آفكين .
ثم قال ( فما ظنكم برب العالمين) وفيه وجهان (أحدهما ) أتظنون برب العالمين أنه يجوز جعل
هذه الجمادات مشاركة له فى المعبودية ( وثانيها ) أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام
حتى جعلتموها مساوية له فى المعبودية فنبهم بذلك على أنه ليس كمثله شىءٍ.
ثم قال (فنظر نظرة فى النجوم فقال إلى سقيم ) عن ابن عباس أنهم كانوا يتعاطون علم النجوم
فعاملهم على مقتضى عادتهم ، وذلك أنه أراد أن يكايدهم فى أصنامهم ليلزمهم الحجة فى أنها غير معبودة
وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياً فى بيت الأصنام فيقدر
على كسرها وههنا سؤالان (الأول) أن النظر فى علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم
(والثانى) أنه عليه السلام ما كان سقيما فلما قال إنى سقيم كان ذلك كذباً . واعلم أن العلماء ذكروا
فى الجواب عنهما وجوهاً كثيرة (الأول) أنه نظر نظرة فى النجوم فى أوقات الليل والنهار وكانت
تأتيه سقامة كالحمى فى بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هى فى تلك الساعة وقال ( إنى
سقيم) جعله عذراً فى تخلفه عن العيد الذی لهم و كان صادقاً فیما قال ، لأن السقم كان يأتيه فى ذلك
الوقت ، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم (الوجه الثانى) فى الجواب أن قوم إبراهيم عليه
السلام كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور، فلذلك نظر إبراهيم فى
النجوم أى فى علوم النجوم وفى معانيه لا أنه نظر بعينه إليها ، وهو كما يقال فلان نظر فى الفقه وفى
النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال (أنى
سقيم) سكنوا إلى قوله .
أما قوله ( إنى سفير) فمعناه سأسقم كقوله (إنك ميت) أى ستموت (الوجه الثالث) أن
قوله ( فنظر نظرة فى النجوم) هو قوله تعالى ( فا جن عليه الليل رأى كوكباً) إلى آخر الآيات
وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هى قديمة أو محدثة، وقوله ( إنى
سقيم) يعنى سقيم القلب غير عارف بربى وكان ذلك قبل البلوغ (الوجه الرابع) قال ابن زيد كان له
نجم مخصوص. وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه فى ذلك
الوقت طالعاً على تلك الصفة المخصوصة قال (إِنى سقيم) أى هذا السقم واقع لا محالة (الوجه الخامس)
أن قوله ( إنى سقيم ) أى مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك ، قال
تعالى لمحمد عّ لّهِ (لعلك باخع نفسك) (الوجه السادس) فى الجواب أنا لا نسلم أن النظر فى

١٤٨
قوله تعالى : فأقبلوا إليه يزفون . سورة الصَّفات .
علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام. لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه
الكواكب بقوة ونخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل.
وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله ( إنى سقيم) على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان
لا ينفك فى أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة. إما فى بدنه وإما فى قلبه وكل ذلك سقم.
(الوجه السابع) قال بعضهم ذلك القول عن ابراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثاً عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما كذب ابراهيم إلا ثلاث كنتبات)) قلت لبعضهم هذا الحديث
لا ينبغى أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب
الرواة العدول؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوى وبين نسبته إلى الخليل
عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوى أولى، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون
المراد بكونه كذباً خبراً شبيهاً بالكذب ؟ (والوجه الثامن) أن المراد من قوله فنظر نظرة فى النجوم.
أى نظر فى نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم ، فإن الأشياء التى تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة
أى متفرقة ومنه نجوم الكتابة . والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كى يستخرج منها حيلة
يقدر بها على إقامة عذر لنفسه فى التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله ( إنى سقيم ) والمراد
أنه لا بد من أن أصير سقيما كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر. واعلم أن إبراهيم
عليه السلام لما قال ( إنى سقيم) تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه فى أن لا يخرج اليوم فكان
ذلك مراده (فراغ إلى آلهتهم) يقال راغ إليه إذا مال إليه فى السر على سبيل الخفية، وهنه
روغان الثعلب. وقوله (ألا تأكلون) يعنى الطعام الذى كان بين أيديهم، وإنما قال ذلك
استهزاء بها، وكذا قوله (ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً) فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال
فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم فى معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً . وفى قوله
(باليمين) قولان (الأول) معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين (والثانى) أنه أتى
بذلك الفعل بسبب الحلف، وهو قوله تعالى عنه ( وتافه لأ كيدن أصنامكم) ثم قال ( فأقبلوا إليه
يزفون) قرأ حمزة (يزفون) بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب
فهو من زف يزف، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف، قال الزجاج: يزفون يسرعون وأصله
من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها، وقرأ حمزة يزفون أى يحملون غيرهم على الزفيف ، قال
الأصمعى يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشى
والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على الإسراع فى المشى، فان قيل مقتضى هذه
الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه، وقال فى سورة أخرى فى عين هذه
القصة ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) وهذا
يقتضى أنهم فى أول الأمر ماعرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض؟ قلنا لا يبعد أن يقال إن جماعة
.
٠
.

١٤٩
قوله تعالى : قال أتعبدون ما تنحتون . سورة الصَّافات .
قَالُواْ أَبْنُوْ لَهُو بَنْيَانًا
١٠٠٠٠ ٠
وَاَللَهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٥
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْتُونَ
فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ ﴿ فَأَرَادُواْبِهِ، كَيْدًا بَعَلْنَهُمُ الْأُسْفَلِينَ (٨﴾ وَقَالَ إِّى
ذَاهِبُ إِلَى رَبِى سَيَهْدِينِ ﴾ رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ ﴿ فَبَثِّرْنَهُ بِغُلَمْ
حَلِيٍ
١٠١
عرفوه فعمدوا إليه مسرعين. والأكثرون ماعرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إقال أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون، قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه
فى الجحيم، فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين، وقال إنى ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لى
من الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم ﴾ وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى) اعلم أن القوم لما عاتبوا إبراهيم على كسر الأصنام فهو أيضاً ذكر لهم
الدليل الدال على فساد المصير إلى عبادتها فقال ( أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون)
ووجه الاستدلال ظاهر وهو أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبوداً للانسان
البتة . فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا آثار تصرفه، فلوصار معبوداً عند ذلك
لكان معناه أن الشىء الذى ما كان معبوداً لما حصلت آثار تصرفاته فيه صار معبوداً عند ذلك.
وفساد ذلك معلوم بيديهة العقل .
﴿ المسألة الثانية) احتج جمهور الأصحاب بقوله (والله خلقكم وما تعملون) على أن فعل
العبد مخلوق للّه تعالى فقال النحويون: اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده فى تقدير المصدر فقوله
( وما تعملون) معناه وعملكم، وعلى هذا التقدير صار معنى الآية والله خلقكم وخلق عملكم، فان
قيل هذه الآية حجة عليكم من وجوه (الأول) أنه تعالى قال ( أتعبدون ما تنحتون ) أضاف
العبادة والنحت إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ولو كان ذلك واقعاً بتخليق اللّه لاستحال كونه فعلا
للعبد ( الثانى) أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخاً لهم على عبادة الأصنام، لأنه تعالى بين أنه
خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، فلما تركوا عبادته سبحانه
وهو خالقهم وعبدوا الاصنام لاجرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال :
(أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) ولولم يكونوا فاعلين لأفعالهم لما جازتوبيخهم عليها
سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم لكن لانسلم أنها حجة لكم، قوله لفظة ما مع ما بعدها فى
تقدير المصدر، قلنا هذا منوع وبيانه أن سيبويه والأخفش اختلفا فى أنه هل يجوز أن يقال أعجبنى

م
١٥٠
قوله تعالى : وقال إنى ذاهب . سورة الصافات .
ماقمت أى قيامك بنجوزه سيبويه ومنعه الأخفش وزعم أن هذا لا يجوز إلا فى الفعل المتعدى
وذلك يدل على أن ما مع ما بعدها فى تقدير المفعول عند الأخفش ، سلمنا أن ذلك قد يكون بمعنى
المصدر . لكنه أيضاً قد يكون بمعنى المفعول ويدل عليه وجوه ( الاول) قوله ( أتعبدون
ما تنحتون) والمراد بقوله ( ما تنحتون) المنحوت لا النحت لأنهم ماعبدوا النحت وإنما
عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله ( ما تعملون) المعمول لا العمل حتى يكون كل
واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر ( والثانى) أنه تعالى قال ( فإذا هى تلقف ما يأفكون )
وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصى والحبال التى هى متعلقات ذلك الإفك
فكذا ههنا ( الثالث ) أن العرب تسمى محل العمل عملا يقال فى الباب والخاتم هذا عمل فلان
والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ما مع بعدها كما تجىء بمعنى المصدر فقد تجى.
أيضاً بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على المفعول أولى لأن المقصود فى هذه الآية تزييف مذهبهم فى
عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم، لأن الذى جرى ذكره فى أول الآية
إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال. واعلم أن هذه السؤالات قوية وفى
دلائلنا كثرة، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية والله أعلم.
واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم هذه الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا
إلى طريق الإيذاء (فقالوا ابنوا له بنياناً) واعلم أن كيفية ذلك البناء لا يدل عليها لفظ القرآن ، قال
ابن عباس: بنو حائطاً من حجر طوله فى السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملأوه
ناراً فطرحوه فيها ، وذلك هو قوله تعالى ( فألفوه فى الجحيم ) وهى النار العظيمة ، قال الزجاج:
كل نار بعضها فوق بعض فهى جحيم ، والألف واللام فى الجحيم يدل على النهاية والمعنى فى جحيمه،
أى فى جحيم ذلك البنيان، ثم قال تعالى ( فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين) والمعنى أن فى وقت
المحاجة حصلت الغلبة له، وعندما ألقوه فى النار صرف الله عنه ضرر النار، فصار هو الغالب عليهم.
واعلم أنه لما انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم ( إنى ذاهب إلى ربي سيهدين ) ونظير هذه الآية
قوله تعالى ( وقال إنى مها جر إلى ربى ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ دلت هذه الآية على أن الموضع الذى تكثر فيه الأعداء تجب مها جرته،
وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه. مع أن الله سبحانه خصه بأعظم أنواع النصرة، لما
أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك الديار، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى
المسألة الثانية ﴾ فى قوله ( إنى ذاهب إلى ربى) قولان (الأول ) المراد منه مفارقة تلك
الديار، والمعنى إنى ذاهب إلى مواضع دين ربى ( والقول الثانى) قال الكلى: ذاهب بعبادتى إلى
ربى ، فعلى القول الأول المراد بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ، وبه اقتدى موسى حيث
قال (كلا إن معى ربي سيهدين) وعلى القول الثانى المراد رعاية أحوال القلوب، وهو أن لا يأتى
:
+

١٥١
قوله تعالى : رب هب لي من الصالحين . سورة الصَّافات .
بشىء من الأعمال إلا لله تعالى. كما قال (وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض) قيل إن
القول الأول أولى، لأن المقصود من هذه الآية بيان مها جرته إلى أرض الشام، وأيضاً يبعد حمله
على الهداية فى الدين ، لأنه كان على الدين فى ذلك الوقت إلا أن يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو
يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة فى أمر الدين .
المسألة الثالثة) قوله (سيهدين) يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى، كما يقول
أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار. لأن كل ذلك قد حصل فى
الزمان الماضى، وقوله ( سيهدين ) يدل على اختصاص تلك الهداية بالمستقبل ، فوجب حمل الهداية
فى هذه الآية على تحصيل العلم والمعرفة فى قلبه. فان قيل إبراهيم عليه السلام جزم فى هذه الآية
بأنه تعالى سيهديه، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به، بل قال (عسى ربى أن يهد ينى -واء السيل)
فما الفرق؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود، وإذا تجلى له مقامات
كونه غنياً عن العالمين ، فحينئذ يستحقر نفسه فلا يجزم، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع.
المسألة الرابعة) قوله تعالى ( إنى ذاهب إلى ربى) يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله
تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب) لأن كلمة إلى موجودة فى قوله ( إنى ذاهب إلى ربى) مع أنه
لم يلزم أن يكون الإله موجوداً فى ذلك المكان، فكذلك هههنا.
واعلم أنه صلوات الله عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال (هب لى من الصالحين)
أى هب لى بعض الصالحين، يريد الولد، لأن لفظ الهبة غلب فى الولد، وإن كان قد جاء فى الأخ
فى قوله تعالى ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبياً) وقال تعالى (ووهبنا له إسحق ويعقوب
ووهبنا له يحيى) وقال على بن أبى طالب لابن عباس رضى الله عنهم حين هنأه بولده: على أبى الأملاك
شكرت الواهب ، وبورك لك فى الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله تعالى وبهبة الوهاب
وبموهوب ووهب.
واعلم أن هذا الدعاء اشتعل على ثلاثة أشياء: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه
يكون حليما. وأى حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذيح (قال ستجدنى إن شاء الله
من الصابرين ) ثم استسلم لذلك، وأيضاً فان إبراهيم عليه السلام كان موصوفاً بالحلم، قال تعالى
( إن إبراهيم لا واه حليم. إن إبراهيم الحليم أواه منيب) فبين أن ولده موصوف بالحلم، وأنه قائم
مقامه فى صفات الشرف والفضيلة، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام
طلب الصلاح لنفسه . فقال (رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين) وطلبه للولد فقال (رب هب لى من
الصالحين) وطلبه سليمان عليه السلام بعد كمال درجته فى الدين والدنيا، فقال (وأدخلنى برحمتك فى
عبادك الصالحين) وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد.

١٥٢
قوله تعالى : فلما بلغ معه السعي . سورة الصَّفات .
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَنْبُنَّ إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى
قَالَ يَأْبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمِرٌ سَتَجِدُنِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ (٢٠) فَلَمَّ أَسْلَمَاً
وَتَلَُّ لِلْجَبِيْنِ ﴿ وَدَيْنَهُ أَنْ يَِبْرَهِيُ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الُّؤْيَآَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عِظِيمِ
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَوُاْ الْمُبِينَ
١٠٥
الْمُحْسِنِينَ
وَكَ عَلَيْهِ فِ آَنِينَ ﴿يَّ سَلَمُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٤ كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِينَ (١)
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿﴿ وَبَشِّرْنَهُ بِإِسْحَقَ فِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١) وَبَرَكَ عَلَيْهٍ
وَ إِسْمَقِّ وَمِنْ ذُرِّيَتِهِمَا تُحْسِنٌ وَظَالٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى، قال
يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وتله الجبين، وناديناه أن
يا إبراهيم . قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح
عظيم ، وتركنا عليه فى الآخرين ، سلام على إبراهيم، كذلك نجزى المحسنين، إنه من عبادنا
المؤمنين، وبشرناه بإسحق نبياً من الصالحين، وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم
لنفسه مبين
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال ( فبشرناه بغلام حليم) أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به
وبلوغه. فقال (فلما بلغ معه السعى) ومعناه فلا أدرك وبلغ الحد الذى يقدر فيه على السعى، وقوله
(معه) فى موضع الحال، والتقدير كائناً معه، والفائدة فى اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد،
وغيره ربما عنف به فى الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ، قال بعضهم كان فى ذلك الوقت
ابن ثلاث عشرة سنة، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده فى الآية الأولى بكون
ذلك الغلام حليما. بين فى هذه الآية ما يدل على كمال حله ، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم
وفسحه الصدر ماقواه على احتمال تلك البلية العظيمة ، والإتيان بذلك الجواب الحسن .

١٥٣
قوله تعالى : إني أرى في المنام . سورة الصَّافات .
أما قوله (إنى أرى فى المنام أنى أذبحك ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى تفسير هذه اللفظة وجهان (الأول) قال السدى: كان إبراهيم حين بشر
ياسحق قبل أن يولد له قال هو إذف لله فبيح فقيل لابراهيم قد نذرت نذراً فف بنذرك فلما أصبح
( قل يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك).
وروى من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية فى منامه، كأن قائلا يقول له إن الله
يأمرك بذبح ابنك هذاء، فلما أصبح تروى فى ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم
أم من الشيطان؟ فمن ثم سمى يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من اللّه فسمى يوم
عرفة، ثم رأى مثله فى الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى يوم النحر، وهذا هو قول أهل التفسير وهو
يدل على أنه رأى فى المنام ما يوجب أن يذبح ابنه فى اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إنى أرى
فى المنام ما يوجب أن أذبحك ( والقول الثانى) أنه رأى فى المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم
السلام من باب الوحى، وعلى هذا القول فالمرئى فى المنام ليس إلا أنه يذيح ، فان قيل إماأن يقال
إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه فى المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك
بالدليل عندهم ، فإن كان الأول فلم راجع الولد فى هذه الواقعة ، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل
بتحصيل ذلك المأمور، وأن لايراجع الولد فيه، وأن لا يقول له (فانظر ماذا ترى) وأن لا يوقف
العمل على أن يقول له الولد (افعل ما تؤمر)؟، وأيضاً فقد قلتم إنه بقى فى اليوم الأول متفكراً،
ولو ثبت عنده بالدليل أن كل مارآه فى النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروى والتفكر حاجة ، وإن
كان الثانى، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن مايرونه فى المنام حق ، فكيف يجوز له أن يقدم على
ذج ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟ ( والجواب) لا يبعد أن يقال إنه كان
عند الرؤيا متردداً فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحى الصريح ، والله أعلم .
المسألة الثانية) اختلفوا فى أن هذا الذبيح من هو؟ فقيل إنه اسحق وهذا قول عمر وعلى
والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة
والزهرى والسدى ومقاتل رضى الله عنهم، وقيل إنه اسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر
وسعيد بن المسيب والحسن والشعبى ومجاهد والكلى، واحتج القائلون بأنه اسماعيل بوجوه:
(الأول) أن رسول الله ◌َِّقٍ قال ((أنا ابن الذبيحين)) وقال له أعرابى (( يا ابن الذبيحين فتبسم
فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لتن سهل الله له أمرها ليدبحن
أحد ولده، خرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له اند إبنك بمائة من الإبل، فقداه بمائة من
من الإبل، والذييح الثانى إسماعيل)).
﴿ الحجة الثانية) نقل عن الأصمى أنه قال سألت أباعمروبن العلاء عن الذبيح، فقال يا أصممى
أين عقلك ، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذى بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟.
﴿ الحجة الثالثه) أن الله تعالى وصف اسماعيل بالصبر دون إسحق فى قوله ( وإسماعيل

١٥٤
قوله تعالى : وبشرناه باسحق نبياً من الصالحين . سورة الصَّفات .
واليسع وذا الكفل كل من الصابرين) وهو صبره على الذيح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد فى قوله
( إنه كان صادق الوعد ) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذيح فوفى به .
﴿ الحجة الرابعة) قوله تعالى (فبشرناها اسحق ومن وراء إسحق يعقوب) فنقول لو كان
الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك (فالأول) باطل
لأنه تعالى لما بشرها باسمقى، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز
الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف فى قوله (ومن وراء اسحق يعقوب ) (والثانى) باطل لأن قولة
( فلما بلغ معه السعى، قال يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك ) يدل على أن ذلك الإبن لما قدر
على السعى ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافى وقوع هذه
القصة فى زمان آخر ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق .
( الحجة الخامسة ﴾ حکی الله تعالی عنه أنه قال ( إنى ذاهب إلی ربی سهدين) ثم طلب من
من الله تعالى ولداً يستأنس به فى غربته فقال (رب هب لى من الصالحين) وهذا السؤال إنما
يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب
الحاصل محال وقوله ( هب لى من الصالحين ) لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض
وأقل درجات البعضية الواحد فكان قوله ( من الصالحين) لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت
أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد
الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم فى الوجود على إسحق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء
وهو اسماعيل ، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
﴿ الحجة السادسة) الأخبار الكثيرة فى تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكان الذبيح بمكة.
ولو كان الذبيح إسحق لكان الذبح بالشام، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحق بوجهين: (الوجه
الأول ) أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فانه تعالى حكى عن ابراهيم عليه السلام
قبل هذه الآية أنه قال ( إنى ذاهب إلى ربي سيهدين) وأجمعوا على أن المراد منه مها جرته إلى الشام
ثم قال (فبشرناه بغلام حليم) فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا اسحق، ثم قال بعده (فلما بلغ معه
السعنى) وذلك يقتضى أن يكون المراد من هذا الغلام الذى بلغ معه السعى هو ذلك الغلام الذى
حصل فى الشام ، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق، وأما آخر الآية فهو أيضاً
يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصه الذبيح قال بعده ( وبشرناه ياسحق نياً من الصالحين) ومعناه
أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين ، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى
إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد فى قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية
وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام.
﴿ الحجة الثانية) على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من
:

١٥٥
قوله تعالى : وبشرناه باسحق نبياً من الصالحين . سورة الصَّافات .
يعقوب اسرائيل فى اللّه بن اسحق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام فى هذا الباب،
وكان الزجاج يقول الله أعلم أيهما الذبيح والله أعلم. واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم فى
موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا كان الذيح بمنى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا هو
بالشام وقيل بيت المقدس ، والله أعلم .
المسألة الثالثة ) اختلف الناس فى أن ابراهيم عليه السلام كان مأموراً بهذا بما رأى، وهذا
الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهى أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة
الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز،
فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور
وقته، وعلى القول الثانى أنه تعالى ما أمره بالذبح، وإنما أمره بمقدمات الذيح وهذه مسألة شريفة
من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابها على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجىء مدة الامتثال بأن الله تعالى
أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب
إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين (الأول ) أنه عليه السلام قال لولده إنى أرى فى المنام
أنى أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأموراً بمقدمات الذيخ
لا بنفس الذبيح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها فى الوجود، حينئذ يكون قد أمر بشىء وقد
أتى به ، وفى هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى ( وفديناه
بذبح عظيم) فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به ، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذيح ، وهذا يدل على
أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذيح، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته
وذلك يدل على المقصود، وقالت المعتزلة لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعانى أمره
بمقدمات الذيح، ويدل عليه وجوه (الأول) أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله
تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى ( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا)
وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره فى المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبيح وتلك المقدمات عبارة
عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد (الأمر
الثانى ) الذيح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع
جزءاً أعاد الله التأليف إليه، فلهذا السبب لم يحصل الموت (والوجه الثالث) وهو الذى عليه تعويل
القوم أنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعل معين فى وقت معين ، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك
الفعل فى ذلك الوقت حسن ، فإذا أنهاه عنه فذلك النهى يدل علىّ أن إيقاع ذلك الفعل فى ذلك
الوقت قبيح، فلوحصل هذا النهى عقيب ذلك الأمرلزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالماً بحال
ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله
تعالى وإنه محال ، فهذا تمام الكلام فى هذا الباب ( والجواب) عن الأول أنا قد دللنا على أنه
تعالى إنما أمره بالذبح .

١٥٦
قوله تعالى : قد صدقت الرؤيا . سورة الصَّافات .
أما قوله تعالى (قد صدقت الرؤيا) فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل
بها ولا يدل على أنه أتى بكل مارآه فى ذلك المنام . وأما قوله ثانياً كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءاً
أعاد الله تعالى التأليف إليه، فنقول هذا باطل لأن ابراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما
احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به. وأما قوله ثالثاً إنه يلزم، إما
الأمر بالقبيح وإما الجهل ، فنقول هذا بناء على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسناً فى ذاته
ولا ينهى إلا عمايكون قبيحاً فى ذاته، وذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضاً فهبه
أنا فسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشىء تارة يحسن الكون المأمور به حسناً
وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً ألا ترى
أن السيد إذا أراد أن يروض عبده، فانه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلانى، ويكون
ذلك الفعل من الأفعال الشاقة ، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتى ذلك العبد
بذلك الفعل ، بل أن يوطن العبد نفسه على الإنقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن
نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف، فكذا ههنا، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا
الاحتمال لم يتم كلامكم.
المسألة الرابعة) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه،
والدليل عليه أنه أمر بالذيح وما أراد وقوعه، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم فى المسألة الأولى.
وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فانه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح
علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه ، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذيح، والنهى عن
الشىء يدل على أن الناهى لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح، وثبت أنه تعالى ما أراده، وذلك
يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وتمام الكلام فى أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم فى
المسألة المتقدمة، والله أعلم.
المسألة الخامسة﴾ فى بيان الحكمة فى ورود هذا التكليف فى النوم لا فى اليقظة وبيانه من
وجوه ( الأول ) أن هذا التكليف كان فى نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولا فى النوم
حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق ، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة ، فيئذ
لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً ( الثانى) أن اللّه تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم
السلام حقاً، قال الله تعالى فى حق محمد بَ لّم ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد
الحرام) وقال عن يوسف عليه السلام ( إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لى
ساجدين) وقال فى حق إبراهيم عليه السلام (إنى أرى فى المنام أنى أذبحك) والمقصود من ذلك
تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إماحال يقظة وإما حال منام، فإذا أتظاهرت الحالتان
على الصدق، كان ذلك هو النهاية فى بيان كونهم محقين صادقين فى كل الأحوال، والله أعلم.

١٥٧
قوله تعالى : وناديناه ان يا ابراهيم . سورة الصَّافات .
ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما فى قوله
تعالى فى حق رسولنا ملقم ( لتدخل المسجد الحرام ) ثم وقع ذلك الشىء بعينه ، ومنها ما يقع على
الضد كما فى حق إبراهيم عليه السلام فانه رأى الذيح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة ، ومنها ما يقع
على ضرب من التأويل والمناسبة كما فى رؤيا يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير
على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة.
﴿ المسألة السادسة ﴾ قرأ حمزة والكسائى (ترى) بضم التاء وكسر الراء، أن ماترى من نفسك
من الصبر والتسليم؟ وقيل ما تشير، والباقون بفتح التاء، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل.
﴿ المسألة السابعة ﴾ الحكمة فى مشاورة الإبن فى هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة
ليظهر له صبره فى طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ فى الحلم إلى هذا الحد
العظيم، وفى الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالمية ويحصل للأبن الثواب العظيم فى
الآخرة والثناء الحسن فى الدنيا، ثم إنه تعالى حكى عن ولد ابراهيم عليه السلام أنه قال افعل
ماتؤمر ، ومعتاه افعل ما تؤمر به ، فذف الجار كما حذف من قوله :
أمرتك الخبر فافعل ما أمرت [به]
ثم قال (ستجدنى إن شاء الله من الصابرين) وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك
والتيمن ، وأنه لاحول عن معصية الله إلا بعصمة اللّه ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.
ثم قال تعالى ( فلما أسلما) يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد قری. بهن
جميعاً إذ انقاد له وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له ، ومعناه سلم من أن ينازع
فيه، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها
سالمة له خالصة ، وكذلك معنى أستسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة فى أسلما أسلم هذا ابنه وهذا
نفسه، ثم قال تعالى ( وتله للجبين ) أى صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه
جبينان، والجبهة بينهما، قال ابن الأعرابى التليل والمتلول المصروع والمثل الذى يتل به أى يصرع،
فالمعنى أنه صرعه على جبينه، وقال مقاتل كبه على جبهته، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة .
ثم قال تعالى (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) وفيه قولان (الأول) أن هذا
جواب فلا عند الكوفيين والفراء والواو زائدة ( والقول الثانى) أن عند البصريين لا يجوز
ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه اللّه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، سعد
سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب، قالوا وحذف الجواب ليس بغريب فى
القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفاً كان أعظم وأنجم ، قال المفسرون لما أضجعه للذيح نودى
من الجبل ( يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) قال المحققون السبب فى هذا التكليف كمال طاعة ابراهيم
لتكاليف اللّه تعالى فلما كلفه اللّه تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر
من ولده كمال الطاعة والانقياد ، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا ، يعنى حصل المقصود من تلك الرؤيا

١٥٨
قوله تعالى : وفديناه بذبح عظيم . سورة الصَّافات .
وقوله ( إنا كذلك نجزى المحسنين) ابتداء إخبار من الله تعالى، وليس يتصل بما تقدم من
الكلام، والمعنى أن ابراهيم وولده كانا محسنين فى هذه الطاعة، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك
نحزي كل المحسنين.
ثم قال تعالى ( إن هذا لهو البلاء المبين) أى الاختبار البين الذى يتميز فيه المخلصون من
غيرهم أو المجنة البينة الصعوبة التى لا محنة أصعب منها (وفديناه بذبح عظيم) الذبح مصدر ذبحت
والذبح أيضاً ما يذبح وهو المراد فى هذه الآية، وههنا مباحث تتعلق بالحكايات (فالأول) حكى
فى قصة الفيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال يابنى خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى
الشعب تحتطب، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به، فقال يا أبت اشدد رباطى فى كيلا
أضطرب، واكفف عنى ثيابك لا يفتضح عليها شىء من دمى فتراه أمى فتحزن، واستحد شفرتك
وأسرع إعدادها على حلق ليكون أهون فان الموت شديد. واقر أعلى أمى سلامى وإن رأيت أن ترد
قيمى على أبى فافعل فانه على أن يكون أسهل لها ، فقال إبراهيم عليه السلام نعم العون أنت يا بنى
على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال كبى على
وجهى فانك إذا نظرت وجهى رحمتنى وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه
وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السکین ونودی یا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.
﴿ البحث الثانى) اختلفوا فى ذلك الكبش فقيل إنه الكبش الذی تقرب به هابیل ابن آدم
إلى الله تعالى فقبله، وكان فى الجنة يرعى حتى فدى اللّه تعالى به إسماعيل، وقال آخرون أرسل
اللّه كبشاً من الجنة قدرعى أربعين خريفاً، وقال السدى نودى إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش
أملح انحط من الجبل ، فقام عنه ابراهيم فأخذه فذبحه ، وخلى عن ابنه ، ثم اعتنق ابنه وقال يابنى اليوم
وهبت لى، وأما قوله ( عظيم ) فقيل سمى عظيما لعظمه وسمنه ، وفال سعيد بن جبير حق له أن
يكون عظيما وقدرعى فى الجنة أربعين خريفاً، وقيل سمى عظيما لعظم قدره حيث قبلة الله تعالى
فداء عن ولد إبراهيم، ثم قال تعالى (إنه من عبادنا المؤمنين ) الضمير فى قوله ( إنه ) عائد إلى
إبراهيم ، ثم قال تعالى (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين) فقوله ( نبياً) حال مقدرة أى بشر ناه
بوجود اسحاق مقدرة نبوته ، ولمن يقول إن الذبيح هو اسماعيل أن يحتج بهذه الآية، وذلك لأن
قوله ( نبياً) حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه باسحاق حال كون إسحق نبياً لأن البشارة
به متقدمة على صيرورته نبياً ، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدر ناه نبياً ، وحال
ما حكمنا عليه فصبر، وإذا كان الأمر كذلك حينئذ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة
بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير اسحاق ، أقصى ما فى الباب أن يقال لا يبعدأن يقال
هذه الآية وإن كانت متأخرة فى التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها فى الوقوع
والوجود، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغير فى النظم، والله أعلم بالصواب.
:

١٥٩
قوله تعالى : ولقد مننا على موسى وهارون . سورة الصَّافات .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَدُونَ (٨) وَيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وَنَصَرْثَلُهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ (١٨) وَءَاتَيْنَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ
﴿ وَهَدَيْنَهُمَا الْصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿ وَرَكَ عَلَيْهِمَا فِ اْآَنِينَ (١) سَلَمُّ
عَلَىْ مُوسَى وَهَدِرُونَ ﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنَ (٨) إنّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا
الْمُؤْمِنِينَ
ثم قال تعالى ( وبار كنا عليه وعلى اسحق) وفى تفسير هذه البركة وجهان (الأول ) أنه تعالى
أخرج جميع أنبياء بنى اسرائيل من صلب اسحاق (والثانى) أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم
واسحاق إلى يوم القيامة ، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات، ثم قال تعالى (ومن ذريتهما
محسن وظالم لنفسه مبين) وفى ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن ، لئلا
تصير هذه الشبهة سبباً لمفاخرة اليهود ، ودخل تحت قوله ( محسن) الأنبياء والمؤمنون وتحت قوله
(ظالم) الكافر والفاسق والله أعلم .
﴿ قصة موسى وهرون عليهما السلام
قوله تعالى: ﴿ولقد منناعلى مرسى وهارون، ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ، ونصر ناهم
فكانوا هم الغالبين ، وآتيناهما الكتاب المستبين ، وهديناهما الصراط المستقيم، وتركنا عليهما فى
الآخرين، سلام على موسى وهارون ، إنا كذلك نجزى المحسنين، إنهما من عبادنا المؤمنين
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص من المذكورة فى هذه السورة، واعلم أن وجوه الأنعام
وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة فى نوعين إيصال المنافع إليه ودفع المضار عنه والله تعالى ذكر
القسمين ههنا، فقوله ( ولقد مننا على موسى وهارون ) إشارة إلى إيصال المنافع إليهما، وقوله
(ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم) إشارة إلى دفع المضار عنهما .
﴿ أما القسم الأول) وهو إيصال المنافع، فلا شك أن المنافع على قسمين: منافع الدنيا
ومنافع الدين ، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال
فى ذات كل واحد منهما ، وأما منافع الدين فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة
المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة، ولما ذكر الله تعالى هذه التفاصيل فى سائر السور، لاجرم
ا کتفی ههنا بهذا الرمز.

ــ٠
١٦٠
قوله تعالى : وإن الياس لمن المرسلين . سورة الصَّافات .
عَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَتَّقُونَ (٣) أَتَدْعُونَ
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
١٢٦
ءَ أَبَا بِكُمُ الْأُوْلِينَ
اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ
بَعْلاً وَتَذَرُونَ أُحْسَنَ الْخَلِقِينَ
١٢٥
فَكَذَّبُوُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٤) إِلَّ عِبَادَ اللهِالْمُخْلَصِينَ () وَكَ عَلَيْهِ فِي الْأَنْخِينَ
سَلَامُ عَلَّ إِلْ يَاسِينَ (﴾ إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (﴾ إِنَّهُ
مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
١٣٢
﴿ وأما القسم الثانى) وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله ( ونجيناهما وقومهما من الكرب
العظيم) وفيه قولان: قيل إنه الغرق ، أغرق الله فرعون وقومه، ونجى الله بنى إسرائيل، وقيل
المراد أنه تعالى نجاهم من إيذا. فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم.
وأعلم أنه تعالى لما ذكر أنه من على موسى وهرون، فصل أقسام تلك المئة والهاء فى قوله
(ونصرناهم) أى نصرنا موسى وهرون وقومهما (وكانوا هم الغالبين) فى كل الأحوال بظهور الحجة
وفى آخر الأمر بالدولة والرفعة (وثانيهما) قوله تعالى ( وآتيناهما الكتاب المستبين) والمراد منه
التوراة، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التى يحتاج إليها فى مصالح الدين والدنيا، كما قال
(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)، (وثالثها) قوله تعالى (وهديناهما الصراط المستقيم) أى دللناهما
على طريق الحق عقلاو سمعاً ، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة ، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم
واضح (ورابعها) قوله تعالى(وتر کنا عليهما فى الآخرین) و فيه قولان (الأول) أن المراد (وتر كنا
عليهما فى الآخرين) وهم أمة محمد سام قولهم (سلام على موسى وهرون) (والثانى) أن المراد (وتركنا
عليهما فى الآخرين) وهم أمة محمد بر قم الثناء الحسن والذكر الجميل، وعلى هذا التقدير فقوله بعد ذلك
(سلام على موسى وهرون) هو كلام الله تعالى، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الأربعة من أبواب
التعظيم والتفضيل قال (إنا كذلك نجزى المحسنين) وقد سبق تفسيره، ثم قال تعالى (إنهما من عبادنا
المؤمنين) والمقصود التنبيه، على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل
الفضائل، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهرون بكونهما من المؤمنين، والله أعلم.
﴿ قصة إلياس عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿ وإن إلياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون
أحسن الخالقين ، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، فكذبوه فانهم لمحضرون ، إلا عباد الله المخلصين،
وتركنا عليه فى الآخرين ، سلام على إل ياسين، إنا كذلك نجزى المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين﴾