النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قوله تعالى : أصلوها اليوم بما كنتم تكفرون . سورة يس . أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (8﴾ الْيَوْمَ لَمْثُمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكِمُنَا أَيْدِيهِمْ وَشْهَدُ أَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٦٥ ذلك العدو كان لا يظفر به أو يرحمه، كذلك حال من لم يتحرك لطاعة ولا عصيان كالمجانين وحال من استعمل عقله فأخطأ الطريق، فإن المجنون من أهل النجاة وإن لم يكن من أهل الدرجات ، وقد قيل بأن البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء، وذلك ظاهر فى المحسوس فان من لم يعرف الطريق إذا أقام بمكانه لا يبعد عن الطريق كثيراً ومن سار إلى خلاف المقصد يبعد عنه كثيراً. ثم بين أنهم واصلون اليها حاصلون فيها بقوله تعالى ﴿ اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون). وفى هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه: (أحدها ) قوله تعالى (أصلوها) فانه أمر تنكيل وإهانة كقوله ذق (إنك أنت العزيز الكريم)، (والثانى) قوله (اليوم ) يعنى العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وأيامها قد انقضت وبقى اليوم العذاب (الثالث) وقوله تعالى ( بما كنتم تكفرون) فإن الكفر والكفران ينى عن نعمة كانت يكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام. ولهذا كثيراً ما يقول العبد المجرم افعلوا بى ما يأمر به السيد ولا تحضرونى بين يديه وإلى هذا المعنى أشار القائل :. أليس بكاف لذى نعمة حياء المسىء من المحسن قوله تعالى: ﴿ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون فی الترتيب وجوه: (الأول) أنهم حین یسمعون قوله تعالى (بما كنتم تكفرون) يريدون [أن] ينكروا كفرهم كما قال تعالى عنهم ما أشركنا وقالوا آمنا به فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار وينطق الله غير لسانهم من الجوارح فيعترفون بذنوبهم (الثانى) لما قال الله تعالى لهم (ألم أعهد إليكم) لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان، وفى الختم على الأفواه وجوه: أقواما ، أن الله تعالى يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها وينطق جوارحهم فتشهد عليهم ، وإنه فى قدرة اللّه يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فكما جاز تحركه بها جاز تحرك غيره بمثلها واللّه قادر على الممكنات والوجه الآخر أنهم لا يتكلمون بشىء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكى الرءوس وقوف القنوط اليؤوس لا يجد عذراً فيعتذرولا مجال توبة فيستغفر ، وتكلم الأيدى ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار حتى تنطق به الأيدى والأبصار، كما يقول القائل: الحيطان تبكى على صاحب الدار ، إشارة إلى ظهور الحزن ، والأول الصحيح وفيه لطائف لفظية ومعنوية . أما اللفظية ( فالأولى منها) هى أن الله تعالى أسند فعل الختم إلى نفسه وقال (نختم) وأسند ١٠٢ قوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا عن أعينهم . سورة يس . وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الْصِرْطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْتَدُهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَظَنُواْ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، لأنه لو قال تعالى (نختم على أفواههم) وتنطق أيديهم يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبراً وقهراً والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال تعالى (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) أى باختيار ها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم (الثانية ) منها هى أن اللّه تعالى قال (تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) جعل الشهادة للأرجل والكلام للأيدى لأن الأفعال تسند إلى الأ يدى قال تعالى ( وما عملته أيديهم) أى ما عملوه وقال ( ولا تلقوا بأيديكم) أى ولا تلقوا بأنفسكم فإذا الأيدى كالعاملة ، والشاهد على العامل ينبغى أن يكون غيره جعل الأرجل والجلود من جملة الشهود لبعد إضافة الأفعال إليها ، وأما المعنوية (فالأولى) منها أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة، وإن كان من الشهود العدول وغير الصديقين من الكفار والفساق غير مقبول الشهادة فجعل الله الشاهد عليهم منهم، لا يقال الأيدي والأرجل أيضاً صدرت الذنوب منها فهی فسقة فينبغى أن لا تقبل شهادتها ، لأنا نقول فى رد شهادتها قبول شهادتها ، لأنها إن كذبت فى مثل ذلك اليوم فقد صدر الذنب منها فى ذلك اليوم، والمذنب فى ذلك اليوم مع ظهور الأمور، لابد من أن يكون مذنباً فى الدنيا ، وإن صدقت فى ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب فى الدنيا، وهذا كمن قال الفاسق: إن كذبت فى نهار هذا اليوم فعبدى حر، فقال الفاسق: كذبت فی نهار هذا الیوم عتق العبد، لأنه إن صدق فى قوله كذبت فى نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووجب الجزاء، وإن كذب فى قوله كذبت فقد كذب فى نهار ذلك اليوم ، فوجد الشرط أيضاً بخلاف ما لو قال فى اليوم الثانى كذبت فى نهار اليوم الذى علقت عنق عبدك على كذب فيه. المسألة الثانية﴾ الختم لازم الكفار فى الدنيا على قلوبهم وفى الآخرة على أفواههم ، ففى الوقت الذى كان الختم على قلوبهم كان قولهم بأفواههم ، كما قال تعالى ( ذلك قولهم بأفواههم) فلما ختم على أفواههم أيضاً لزم أن يكون قولهم بأعضائهم، لأن الإنسان لا يملك غير القلب واللسان والأعضاء، فإذا لم يبق القلب والفم تعين الجوارح والأركان . قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون، ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون ﴾ قد ذكرنا مراراً أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر وهو الطريقة الوسطى، والله تعالى فى كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما يتمسك به القدرية وبالعكس ، وههنا : . . ١٠٣ قوله تعالى : ومن نعمرة تنكسه في الخلق . سورة يس . وَمَنْ تُعِرَهُ نُنَّكِسْهُ فِ الْتَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ٦٨ كذلك لما قال الله تعالى ( وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) وقال (اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون) وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسنلم اللّه الكفر والكسب إليهم وأحال الخير وانشر عليهم ، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله، وذلك لأن الكفر يعمى البصيرة ويضعف القوة العقلية، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته، إذا شاء أعمى البصائر، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته، كما أن سلب القوة الجسمية بمشيته، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة، ولا يقدر على المضى والرجوع، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية ، فقال ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا ، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا، وأنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر. وفى الآيتين أبحاث لفظية : ﴿ البحث الأول) فى قوله (فاستبقوا الصراط) قال الزمخشرى فيه وجوه (الأول) أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط (الثانى) أن يكون المراد من الاستباق الاتدار فأعمله أعمال الابتدار (الثالث) أن يحمل الصراط مستبقاً لا مستبقاً إليه، يقال استبقنا فسبقتهم وحينئذ يكون مبالغة فى الاهتداء إلى الطريق، كأنه يقول الصراط الذى هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه ، وإنما هم عليه إذا طمس اللّه على أعينهم لا يبصرونه، فكيف إن لم يكونوا على الصراط. ﴿ البحث الثانى) قدم الطمس والإعماء على المسخ والإعجاز ليكون الكلام مدرجاً، كأنه قال إن أعماهم لم يروا الطريق الذى هم عليه وحينئذ لا يهتدون إليه، فإن قال قائل الأعمى قد يهتدى إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشى بحس اللمس ، فارتقى وقال فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه. ﴿ البحث الثالث ) قدم المضى على الرجوع، لأن الرجوع أهون من المضى، لأن المضى لا ينىء عن سلوك الطريق من قبل، وأما الرجوع فينى عنه، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤى مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال ( لا يستطيعون مضياً) ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذى هو أهون من المضى . قوله تعالى : ﴿ومن نعمره تنكسه فى الخلق أفلا يعقلون فقد ذكرنا أن قوله تعالى ( ألم أعهد إليكم) قطع للأعذار بسبق الإنذار، ثم لما قرر ذلك ١٠٠ قوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له . سورة يس . وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُوَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ. وأتمه شرع فى قطع عذر آخر ، وهو أن الكافر يقول لم يكن لبثنا فى الدنيا إلا يسيراً، ولوعمرتنالما وجدت منا تقصيراً، فقال الله تعالى (أفلا تعقلون) أنكم كلما دخلتم فى السن ضعفتم وقد عمرناكم مقدار ما تتمكنون من البحث والإدراك، كما قال تعالى ( أو لم نعمر كم ما يتذكر فيه من تذكر) ثم إنكم علمتم أن الزمان كلما يعبر عليكم يزداد ضعفكم فضيعتم زمان الإمكان، فلو عمرناكم أكثر من ذلك لكان بعده زمان الإزمان، ومن لم يأت بالواجب زمان الإمكان ما كان يأتى به زمان الإزمان. ﴾ قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين فى الترتيب وجهان ، قد ذكرنا أن الله فى كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة، وهى الوحدانية والرسالة والحشر، ذكر الأصل الثالث منها، وههنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر، أما الوحدانية ففى قوله تعالى ( ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان) وفى قوله (وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم) وأما الحشر ففى قوله تعالى (اصلوها اليوم) وفى قوله ( اليوم نختم على أفواههم ) إلى غير ذلك، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال ( وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) وقوله ( وما علمناه الشعر ) إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد، وفى تفسير الآية مباحث: ﴿البحث الأول) خص الشعر بنفى التعليم، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النى الله أشياء من جملتها السحر، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة، ولم يقل وما علمناه الكهانة، فنقول أما الكهانة فكانوا ينسبون النبى مؤتم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول . وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك. وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عند ما كان يتلو القرآن عليهم لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن، كما قال تعالى (وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) إلى غير ذلك، ولم يقل إن كنتم فى شك من رسالتى فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب ، فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفى التعليم . ﴿ البحث الثانى ) ما معنى قوله ( وما ينبغى له)؟ قلنا قال قوم ما كان يتأتى له، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفاً يروى أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم (((ويأتيك من لم تزود بالأخبار)). (وفيه وجه) أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغى له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تَغيير ١٠٥ قوله تعالى : لينذر من كان حياً . سورة يس . لِيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى اَلْكَفِرِينَ ( المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، فالشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى ، والشاعر يكون المعنى منه تبعاً للفظ ، لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتى به لأجل ذلك اللفظ، وعلى هذا نقول: الشعر هو الكلام الموزون الذى قصد إلى وزنه قصداً أولياً، وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً مقفى فلا يكون شاعراً، ألا ترى إلى قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون) ليس بشعر ، والشاعر إذا صدر منه كلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما فى الآية تقطيعه بفاعلانن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك والمعنى تبعه، والحكيم قصد المعنى بجاء على تلك الألفاظ، وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول إن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر بيت شعر وهو قوله: أنا التى لا كذب أنا ابن عبد المطلب أو بيتين لأنا نقول ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية، وعلى هذا لو صدر من النبى صلى الله عليه وسلم كلام كثير موزون مقفى لا يكون شعراً، لعدم قصده اللفظ قصداً أ، لياً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس فى الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً فى بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولا ، ثم قوله تعالى ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) يحقق ذلك المعنى أى هو ذكر وموعظة للقصد إلى المعنى ، والشعر لفظ مزخرف بالقافية والوزن ( وههنا لطيفة) وهى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إن من الشعر لحكمة)) يعنى قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقه معنى حكمى كما أن الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعرى، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعراً والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما حيث سمى النبي مؤلم شعره حكمة، ونفى اللّه كون النبى شاعراً، وذلك لأن اللفظ قالب المعنى والمعنى قلب اللفظ وروحه فإذا وجد القلب لانظر إلى القالب . فيكون الحكيم الموزون كلامه حكيما ، ولا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه ، والشاعر الموعظ كلامه حكيما . قوله تعالى: ﴿ لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين﴾. قرىء بالتاء والياء، بالتاء خطاباً مع النبى صلى الله عليه وسلم وبالياء على وجهين (أحدهما ) أن يكون المنذر هو النبى صلى الله عليه وسلم حيث سبق ذكره فى قوله ( وما علمناه) وقوله(وما ينبغى له). (وثانيهما) أن يكون المواد أن القرآن ينذر والأول أقرب إلى المعنى (والثانى) أقرب إلى اللفظ، أما الأول فلأن المنذر صفة للرسل أكثر وروداً من المنذر صفة للكتب (وأما الثانى) فلأن القرآن أقرب المذكورين إلى قوله (لينذر) وقوله ( من كان حياً) أى من ١٠٦ قوله تعالى : أولم يروا أنا خلقنا لهم . سورة يس . أَوَلَمْ يَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ نِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِيْنَا أَنْعَدَمَا فَهُمْ لَهَا مَدِلِكُونَ (بَ) وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ إِنْهَ رَكُوُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (﴾ وَهُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَ مَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ( كان حى القلب، ويحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون المراد من كان حياً فى علم الله فينذره به فيؤمن (الثانى) أن يكون المراد لينذر به من كان حياً فى نفس الأمر ، أى من آمن فينذره بما على المعاصى من العقاب وبما على الطاعة من الثواب (ويحق القول على الكافرين ) أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى ( ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وقوله تعالى ( حقت كلمة العذاب ) وذلك لأن الله تعالى قال ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فاذاً جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب، وأما القول المقول فى الوحدانية والرسالة والحشر وسائر المسائل الأصولية الدينية فإن القرآن فيه ذكر الدلائل التى بها تثبت المطالب. ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية ودلائل دالة عليها فقال تعالى ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم ما عملت أيدينا أنعاماً﴾ أى من جملة ما عملت أيدينا أى ما عملناه من غير معين ولاظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا. قوله تعالى: ﴿ فهم لها مالكون﴾ إشارة إلى إتمام الإنعام فى خلق الأنعام، فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها . وقوله ( وذللناها لهم ) زيادة إنعام فإن المملوك إذا كان آبياً متمرداً لا ينفع، فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهى نادة صادة لما تم الإنعام الذى فى الركوب وإن كان يحصل الأكل كما فى الحيوانات الوحشية ، بل ما كان يكمل نعمة الأ كل أيضاً إلا بالتعب الذى فى الاصطياد ، ولعل ذلك لا يتهيأ إلا للبعض وفى البعض. قوله تعالى: ﴿فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ بيان لمنفعة التذليل إذ لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود . ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد بقوله تعالى ﴿ولهم فيها منافع ومشارب) وذلك لأن من الحيوانات مالا يركب كالغنم فقال منافع لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن من الجلودما يتخذ أوانى للشرب والأدوات من القرب [وغيرها]، وإن قلنا إن المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهى مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور فان ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث. قوله تعالى: ﴿أفلا يشكرون﴾ هذه النعم التى توجب العبادة شكراً، ولو شكر تم لزادكم : : ٠٫٠ - : ٠ . ١٠٧ قوله تعالى : واتخذوا من الله آلهة . سورة يس . وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ الَِّ ◌َ الِهَؤُ لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْهُ مُحْضَرُونَ ﴿﴾ فَلَ يَحْزُنُكَ قَوْلَهُمَّ إِنَّا نَعْلَمُ مَايُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أَوَلَمْ يَ الْإِنسَئِنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِنْ نُطْفَةٍ من فضله، ولو كفرتم لسلبها منكم، فما قولكم، أفلا تشكرون استدامة لها واستزادة فيها؟ قوله تعالى: ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها ، فإنهم كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنعمه ، فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم (حرقوه وانصروا آلهتكم) وفى الحقيقة لاهى ناصرة ولا منصورة . قوله تعالى: ﴿ لايستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾ إشارة إلى الحشر بعد تقرير التوحيد، وهذا كقوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) وقوله ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وقوله ( أولئك فى العذاب محضرون) وهو يحتمل معنيين (أحدهما) أن يكون العابدون جنداً لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا (الثانى) أن يكون الأصنام جنداً للعائدين، وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال ( لا يستطيعون نصرهم) أكدها بأنهم لا يستطيعون نصر هم حال ما يكونون جنداً لهم ومحضرون لنصرتهم فان ذلك دال على عدم الإستطاعة ، فان من حضر واجتمع ثم معجز عن النصرة يكون فى غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهباً ولم يجمع أنصاره. قوله تعالى: ﴿ فلا يحزنك قولهم) إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه . قوله تعالى: ﴿ إنا نعلم مايسرون وما يعلنون) يحتمل وجوهاً (أحدها) أن يكون ذلك تهديداً للمنافقين والكافرين فقوله (مايسرون) من النفاق (وما يعلنون) من الشرك (والثانى) مايسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفربك (الثالث) ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة. ثم إنه تعالى لما ذكر دليلامن الآفاق على وجوب عبادته بقوله ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم بما عملت أيدينا أنعاماً ) ذكر دليلا من الأنفس. فقال ( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ) قيل إن المراد بالإنسان أبى بن خلف فان الآية وردت فيه حيث أخذ عظما بالياً وأتى النبي صَّ اله وقال إنك تقول إن إلهك يحي هذه العظام فقال رسول اللّه مَّ له نعم ويدخلك جهنم، وقد ثبت فى أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ ١٠٨ ١ قوله تعالى : فاذا هو خصيم . سورة يس . فَإِذَاْ هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَِّىَ خَلْقَهُ لا بخصوص السبب، ألا ترى أن قوله تعالى (قد سمع الله قول الى تجادلك فى زوجها) نزلت فى واحدة وأراد الكل فى الحكم فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر فهذه الآية رد عليه إذا علمت عمومها فنقول فيها لطائف : . (اللظيفة الأولى) قوله (أو لم يروا أنا خلقنا لهم بما عملت أيدينا) معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى (أو لم ير الإنسان) كلام أعم من قوله (أو لم يروا) لأنه مع جنس الانسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فان الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن [لا يغفل]هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون. فقال: إنغاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه ، فما باله أو لم ير أنا خلفناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فان سائر النعم بعد وجوده وقوله (من نطفة) إشارة إلى وجه الدلالة، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال فى كل عضو، ولما كان خلقه عن نطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة وإلى هذا أشار بقوله تعالى ( يسقى بما. واحد). وقوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين﴾ ( فيه لطيفة) غريبة وهى أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ماخلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ماهو أظهروهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم، فهب أن جاهلا يقول إنه استحال وتكون جسما آخر، لكن القوة المناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة؟ فابداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والإختيار منه أقرب فقوله ( خصيم ) أى ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يدينه وهو يتكلم مع غيره، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله ( مبين) إشارة إلى قوة عقله، واختار الإبلة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، لأن المبين بان عنده الشىء ثم أبانه فقوله تعالى ( من نطفة) إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله ( خصيم مبين ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى (ثم خلقنا النطفة علقة خلقنا العلقة مضغة) إلى أن قال تعالى (ثم أنشأناه خلقا آخر) فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاما إشارة إلى التغيرات فى الجسم وقوله ( ثم أنشأناه خلقاً آخر) إشارة إلى ما أشار إليه بقوله (فاذا هو خصيم مبين) أى ناطق عاقل . قوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) إشارة إلى بيان الحشر وفى هذه الآيات إلى ١ : ١٠٩ قوله تعالى : وسواء عليهم أأنذرتهم . سورة يس . قَالَ مَن يُحِيِ العِظَمَ وَهِيَ رَمِمُ (٨) قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِى أَشَّأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلٍ خلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء اللّه تعالى، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة واكتفى بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم فى كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال ( وقالوا أنذا ضللنا فى الأرض أثنا لفي خلق جديد ، أنذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أننا لمبعوثون ، أثنك لمن المصدقين ، أهذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أننا لمدينون ) إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال ( قال من يحيي العظام وهى رميم) على طريق الاستبعاد فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله ( ونسى خلقه) أى نسى أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء، ثم جعلنا لهم من النواصى إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما لبس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل الذيلن] بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا . ويستبعدون إنحمادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ، ثم إن استبعادهم كان من جهة ما فى المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا (من يحي العظام وهي رميم ) اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما فى المعيد من القدرة والعلم فقال (وضرب لنا مثلا) أى جعل قدرتنا كقدرتهم ونسى خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت فى آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهى على وجهين (أحدهما ) أنه بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود، وأجاب عن هذه الشبهة . قوله تعالى: ﴿قل يحييها الذى أنشأها أول مرة﴾ يعنى كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئاً مذكوراً (وثانيها) أن من تفرقت أجزاؤه فى مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه فى أبدان السباع وبعضه فى جدران الرباع كيف يجمع؟ وأبعد من هذا هو أن إنساناً إذا أكل أنساناً وصار أجزاء المأكول فى أجزاء الآكل فان أعيد فأجزاء المأكول، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه. وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء. فقال تعالى فى إبطال هذه الشبهة ( وهو بكل خلق عليم ) ووجهه هو أن فى الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية، وفى المأكول كذلك. فإذا أكل إنسان إنساناً صار الأصلى من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هى ما كان له قبل الأكل (والله بكل ١١٠ قوله تعالى : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر . سورة يس . الَّذِى جَعَلَ نَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ آلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُ مِّنْهُ تُوقِدُونَ (0﴾ أَوَ لَيْسَ الَّذِى خَلَقَ الَّمَنَّتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَ وَهُوَ الْخَلَُّ الْعَلِيمُ (َه إِنَََّ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ فَيَكُونُ (َ﴾ خلق عليم) يعلم الأصلى من الفضلى فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة فى البقاع، المبددة فى الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة . ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع است ١: هم وإبطال إنكارهم وعنادهم. قوله تعالى: ﴿ الذى جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ﴾ ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه، وهى كرارة جارية فيه فان استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه، فان النار فى الشجر الأخضر الذى يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث منه توقدون، وإن استبعدتم خلق جسمه لمخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فان الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى (الذى جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون). قوله تعالى: ﴿ أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ قدم ذكر النار فى الشجر على ذكر الخلق الأكبر، لأن استبعادهم كان بالصريح واقعاً على الأحياء حيث قالوا ( من يحيي العظام ) ولم يقولوا من يجمعها ويؤلفها والنار فى الشجر تناسب الحياة. قوله تعالى: ﴿ بلى وهو الخلاق﴾ إشار إلى أنه فى القدرة كامل. قوله تعالى: ﴿العليم) إشارة إلى أن عليه شامل. ثم أكد بيانه بقوله تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ وهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيهم وضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلا وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياساً للغائب على الشاهد فقال فى الشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية ولا يقع إلا فى الأزمنة الممتدة واللّه يخلق بكن فيكون، فكيف تضربون المثل الأدنى وله المثل الأعلى من أن يدرك. وفى الآية مباحث. ﴿ البحث الأول) قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن المعدوم شىء لأنه يقول لما أراده (كن فيكون) فهو قبل القول له كن لا يكون وهو فى تلك الحالة شىء حيث قال (إنما أمره إذا أراد شيئاً) والجواب أن هذا بيان لعدم تخلف الشيء عن تعلق إدارته به، فقوله (إذا) مفهوم : ٠ ١١١ قوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئاً . سورة يس . الحين والوقت والآية دالة على أن المراد شىء حين تعلق الارادة به ولا دلالة فيها على أنه شىء قبل ما إذا أرادو حينئذ لايرد ماذكروه لأن الشىء حين تعلق الإرادة بهشىء موجود لا يريده فى زمان ويكون فى زمان آخربل يكون فى زمان تعلق الارادة ، فاذاً الشىء هو الموجودلا المعدوم لا يقال كيف يريد الموجود وهو موجود فيكون ذلك إيجاداً لموجود؟ نقول هذا الإشكال من باب المعقولات ونجيب عنه فى موضعه ، وإنما غرضنا إبطال تمسكهم باللفظ ، وقد ظهر أن المفهوم من هذا الكلام أنه يريد ما هو شىء إذا أراد ، وليس فى الآية أنه إذا أراد ما كان شيئاً قبل تعلق الارادة. ﴿ البحث الثانى) قالت الكرامية لله إرادة محدثة بدليل قوله تعالى (إذا أراد) ووجه دلالته من أمرين : (أحدهما) من حيث إنه جعل للارادة زماناً ، فان إذا ظرف زمان وكل ماهو زمانى فهو حادث (وثانيهما ) هو أنه تعالى جعل إرادته متصلة بقوله (كن) وقوله ( كن) متصل بكون الشىء ووقوعه لأنه تعالى قال ( فيكون ) بفاء التعقيب لكن الكون حادث ، وما قبل الحادث متصل به حادث ، والفلاسفة وافقوهم فى هذا الإشكال من وجه آخر فقالوا إرادته متصلة بأمره وأمره متصل بالكون ولكن إرادته قديمة فالكون قديم فمكونات اللّه قديمة ، وجواب الضالين من التمسك باللفظ هو أن المفهوم من قوله ( إذا أراد ) من حيث اللغة إذا تعلقت إرادته بالشىء لأن قوله (أراد) فعل ماض، وإذا دخلت كلمة إذا على الماضى تجعله فى معنى المستقبل ، ونحن نقول بأن مفهوم قولنا أراد ويريد وعلم ويعلم يجوز أن يدخله الحدوث، وإنما نقول لله تعالى صفه قديمة هى الارادة وتلك الصفة إذا تعلقت بشئ نقول أراد ويريد، وقبل التعلق لا نقول أراد وإنما نقول له إرادة وهو بها مريد، ولنضرب مثالا للأفهام الضعيفة ليزول ما يقع فى الأوهام السخيفة ، فنقول قولنا فلان خياط يراد به أن له صنعة الخياطة فلو لم يصح منا أن نقول إنه خاط ثوب زيد أو يخيط ثوب زيد لا يلزم منه نفى صحة قولنا إنه خياط بمعنى أن له صنعة بها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة فى ثوب زيد فى زمان ماض خاط ثوبه، وبها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة فى ثوب زيد فى زمان مستقبل يخيط ثوبه ، ولله المثل الأعلى فافهم أن الارادة أمر ثابته إن تعلقت بوجود شىء نقول أراد وجوده أى يريد وجوده، وإذا علمت هذا فهو فى المعنى من كلام أهل السنة تعلق الارادة حادث وخرج بما ذكرنا جواب الفريقين . ﴿ البحث الثالث) قالت المعتزلة والكرامية كلام اللّه حرف وصوت وحادث لأن قوله (كن) كلام ( وكن) من حرفين ، والحرف من الصوت، ويلزم من هذا أن كلامه من الحروف والأصوات ، وأما أنه حادث فلما تقدم من الوجهين: (أحدهما) أنه زمانى ( والثانى) أنه متصل بالكون والكون حادث ، والجواب يعلم بما ذكرنا، وذلك لأن الكلام صفة إذا تعلقت بشىء تقول قال ويقول فتعلق الخطاب حادث والكلام قديم فقوله تعالى (إنما أمره إذا أرادشيئاً أن يقول له كن فيكون) فيه تعلق وإضافة لأن قوله تعالى (يقول له) باللام للاضافة صريح فى التعلق ١١٢ قوله تعالى : فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء . سورة يس . فَسُبْحَانَ الَّذِى بِدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٨٣ ونحن نقول إن قوله للشىء الحادث حادث لأنه مع التعلق، وإنما القديم قوله وكلامه لا مع التعلق وكل قديم وحادث إذا نظرت إلى مجموعهما لا تجدهما فى الأزل وإنما تجدهما جميعاً فيما لايزال فله معنى الحدوث ولكن الإطلاق موهم، فتفكر جداً ولا تقل المجموع حادث من غير بيان مرادك، فان ذلك قد يفهم منه أن الجميع حادث ، بل حقق الإشارة وجود العبارة وقل أحد طرفى المجموع قديم والآخر حادث ولم يكن الآخر معه فى الأزل، وأما قوله ( كن) من الحروف، تقول الكلام يطلق على معنيين (أحدهما ) ما عند المتكلم ( والثانى) ما عند السامع، ثم إن أحدهما يطلق عليه أنه هو الآخر ومن هذا يظهر فوائد. أما بيان ما ذكر ناه ، فلأن الإنسان إذا قال لغيره عندى كلام أريد أن أقوله لك غداً، ثم إن السامع أتاه غداً وسأله عن الكلام الذى كان عنده أمس ، فيقول له إنى أريد أن تحضر عندى اليوم ، فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عندك أمس ولم يكن عند السامع، ثم حصل عند السامع بحرف وصوت ويطلق عليه أن هذا الذى سمعت هو الذى كان عندى، ويعلم كل عاقل أن الصوت لم يكن عند المتكلم أمس ولا الحرف، لأن الكلام الذى عنده جاز أن يذكره بالعربى فيكون له حروف، وجاز أن يذكره بالفارسية فيكون له حروف أخر ، والكلام الذى عنده ووعد به واحد والحروف مختلفة كثيرة ، فاذاً معنى قوله هذا ما كان عندى، هو أن هذا يؤدى إليك ما كان عندى، وهذا أيضاً مجاز، لأن الذى عنده ما انتقل إليه، وإنما علم ذلك ويحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر فى القراءة والكتابة أو الإشارة، إذا علمت هذا فالكلام الذى عند الله وصفة له ليس بحرف على ما بان ، والذى يحصل عند السامع حرف وصوت وأحدهما الآخر لما ذكرنا من المعنى وتوسع الإطلاق، فإذا قال تعالى (يقول له) حصل قائل وسامع. فاعتبرها من جانب السامع لكون وجود الفعل من السامع لذلك القول فعبر عنه بالكاف والنون الذى يحدث عند السامع ويحدث به المطلوب : قوله تعالى : ﴿ فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون ﴾. لما تقررت الوحدانية والاعادة وأنكروها وقالوا بأن غير الله آلهة، قال تعالى وتنزه عن الشريك (الذى بيده ملكوت كل شىء) وكل شىء ملكه فكيف يكون المملوك للمالك شريكا ، أوقالوا بأن الإعادة لا تكون، فقال (وإليه ترجعون) رداً عليهم فى الأمرين، وقد ذكرنا ما يتعلق - أبالنحو فى قوله: سبحان. أى سبحوا تسبيح الذى أو سبح من فى السموات والأرض تسيح الذى (فسبحان) علم للتسبيح، والتسبيح هو التنزيه، والملكوت مبالغة فى الملك كالرحموت والرهبوت، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام، ومن قال هو فعلول جعلوه ملحقاً به . ...... . . : ٠ قوله تعالى فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء . سورة يس . ١١٣ ثم إن النبى معَ اللهِ قال ((إن لكل شىء قلباً وقلب القرآن يس)) وقال الغزالى فيه: إن ذلك لأن الايمان صحته بالاعتراف بالحشر، والحشر مقرر فى هذه السورة بأبلغ وجه، جعله قلب القرآن لذلك، واستحسنه خر الدين الرازى رحمه الله تعالى (١) سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله ( إنك لمن المرسلين) ودليلها ما قدمه عليها بقوله (والقرآن الحكيم) وما أخره عنها بقوله (لتنذر قيوماً) وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله ( فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء ) إشارة إلى التوحيد، وقوله (وإليه ترجعون) إشارة إلى الحشر، وليس فى هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه ، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقد حصل نصيب قلبه وهو التصديق الذى بالجنان . وأما وظيفة اللسان التى هى القول. فكما فى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً) وفى قوله تعالى (ومن أحسن قولا) وقوله تعالى (بالقول الثابت ، وألزمهم كلمة التقوى ، وإليه يصعد الكلم الطيب ) إلى غير هذه مما فى غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل، كما فى قوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وقوله تعالى (ولا تقربوا الزنا .. ولا تقتلوا النفس) وقوله ( واعملوا صالحاً) وأيضا مما فى غير هذه السورة، فلما لم يكن فيها إلا أعمال القلب لا غير سماها قلباً، ولهذا ورد فى الأخبار أن النبى حوله ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت ، وقراءتها عند رأسه، لأن فى ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية ، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ماسواه ، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة قلبه، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهى شفاء له وأسرار كلام اللّه تعالى وكلام رسول اللّه ◌َامٍ لا يعلمها إلا الله ورسوله، وما ذكرناه ظن لا نقطع به، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين. ثم تفسير هذه السورة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين. (١) قوله. واستحسبته فرائدين الرزاى إلخ)) يفيد أن المتكلم غير المؤلف، فلعل هذا الكلام زيادة علق بها تلميذ المؤلف رحمهما الله الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٨ ١١٤ سورة الصافات (٣٧) سُورَة الصَّافَاتِ مَكِّيَّة وَآيَاتِهَا ثِنْتَانِ وَشَانُونَ وَمَانَّةْ ◌ِلَّهِلَّمِ الرَّحِمِ وَالصََّّتِ صََّّالْ فَالََّتِ زَبْرًا ◌ٌ فَالتَّلِيَّتِ ذِكْرًا ﴾ إِنَّ إِلَهَكٌ لَوَاحِدٌ (٤ رَّبُّ السَّمَلَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ـيمـ ٥ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ والصافات صفاً, فالزاجرات زجراً، فالتاليات ذكراً، إن إلهكم لواحد، رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ وفى الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة ( والصافات صفاً) إدغام التاء فيما يليه، وكذلك فى قوله ( فالزاجرات زجراً، فالتاليات ذكراً) والباقون بالإظهار، وقال الواحدى رحمه الله: إدغام التاء فى الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان فى الهمس ، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وإدغام الأنقص فى الأزيد حسن، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً فى الأنقص ، وأيضاً إدغام التاء فى الزاى فى قوله (فالزاجرات زجراً) حسن لأن التاء مهموسة والزاى مجهورة وفيها زيادة صغير كما كان فى الصاد، وأيضاً حسن إدغام التاء فى الذال فى قوله (فالتاليات ذكراً) لاتفاقهما فى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج والله أعلم. ﴿ المسألة الثانية) فى هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن تكون صفات ثلاثة لموصوف واحد، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة ، أما على التقدير الأول فقيه وجوه (الأول) أنها صفات الملائكة، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفاً. إما فى السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا ( وإنا لنحن الصافون) وقيل إنهم يصفون أجنحتهم فى الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم ، ويحتمل أيضاً أن يقال معنى كونهم صفوفاً أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة فى الشرف والفضيلة أو فى الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف. وأما قوله ( فالزاجرات زجراً ) فقال الليث يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجراً إذا حثته لمضى، وزجرت فلاناً عن سوء فانزجر أى نهيته فانتهى ، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللانسان . . ١١٥ قوله تعالى : والصافات صفاً . سورة الصَّافات . كالنهى، إذا عرفت هذا فنقول فى وصف الملائكة بالزجر وجوه (الأول ) قال ابن عباس يريد الملائكة الذى وكلوا بالسحاب يزوجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع (الثانى) المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات فى قلوب بنى آدم على سبيل الإلهامات فهم بزجرونهم عن المعاصى زجراً (الثالث ) لعل الملائكة أيضاً يزجرون الشياطين عن التعرض لبنى آدم بالشر والإيذاء، وأقول قد ثبت فى العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات وموجود يؤثر فى شىء ويتأثر عن شىء آخر وهو عالم الأرواح وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله، ثم إنها تؤثر فى عالم الأجسام، واعلم أن الجهة التى باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التى باعتبارها تستولى على عالم الأجسام وتتدر على التصرف فيها وقوله ( فالتاليات ذكراً) اشارة إلى الأشرف من الجهة التى باعتبارها تقوى على التأثير فى عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله ( والصافات صفا ) إشارة إلى وقوفها صفاً صفاً فى مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهى الجهة التى باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكالات الصمدية وقوله تعالى ( فالزاجرات زجراً ) إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية فى تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل، وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القوة إلى الفعل فى المعارف الإلهية والكالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله تعالى ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده) وقوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) وقوله تعالى (فالمنقيات ذكراً) إذا عرفت هذا فنقول فى هذه الآية دقيقة أخرى وهى أن الكمال المطلق للشىء إنما يحصل إذا كان تاماً وفوق التام والمراد بكونه تاماً أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره، ومن المعلوم أن كونه كاملا فى ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره ، إذا عرفت هذا فقوله ( والصافات صفا ) إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة فى ذواتها وقت وقوفها فى مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى (فالزاجرات زجراً ) إشارة إلى كيفية تأثيراتها فى إزالة ما لا ينبغى عن جواهر الأرواح البشرية وقوله تعالى (فالتاليات ذكراً) إشارة إلى كيفية تأثيراتها فى إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية ، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة ، قال أبو مسلم الأصفهانى لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة، والجواب من وجهين (الأول) أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات (والثانى) أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوى، أما التأنيث فى ١١٦ قوله تعالى : والصافات صفاً . سورة الصَّفات . اللفظ فلا ، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة فى هذا الوجه. (الثانى) أن تحمل هذه الصفات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية اللّه تعالى الذين م ملائكة الأرض وبيانه من وجهين ( الأول ) أن قوله تعالى (والصافات صفاً) المراد الصفوف الحاصلة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله ( فالراجرات زجراً) إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس فى قلوبهم فى أثناء الصلاة وقوله ( فالتاليات ذكراً) إشارة إلى قراءة القرآن فى الصلاة وقيل (فالزاجرات زجراً) إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت، روى أنه مطلق طاف على بيوت أصحابه فى الليالى فسمع أبابكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا؟ فقال المعبود سميع عليم وسأل عمر لم تقرأ هكذا فقال أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان ( الوجه الثانى) فى تفسير هذه الألفاظ الثلاث فى هذه الآية أن المراد من قوله ( والصافات صفاً) الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى والمراد من قوله ( والزاجرات زجراً ) اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات ، والمراد من قوله تعالى ( فالتاليات ذكرا ) اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب فى العمل بشرائع الله (الوجه الثالث) فى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين فى سبيل اللّه فقوله ( والصافات صفاً ) المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفاً) وأما ( الزاجرات زجراً) فالزجرة والصيحة سواء، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل، وأما (التاليات ذكراً) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم فى محارية العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس (الوجه الرابع) فى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله ( والصافات صفاً) المراد آيات القرآن فانها أنواع مختلفة بعضها فى دلائل التوحيد وبعضها فى دلائل العلم والقدرة والحكمة وبعضها فى دلائل النبوة وبعضها فى دلائل المعاد وبعضها فى بيان التكاليف والأحكام وبعضها فى تعليم الأخلاق الفاضلة ، وهذه الآيات مرتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصاً واقفين فى صفوف معينة وقوله (فالزاجرات زجراً) المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة وقوله (فالتاليات ذكراً) المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى ( إن هذا القرآن بهدى للتى هى أقوم) وقال (يس والقرآن الحكيم) قيل الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشىء واحد ( وأما الاحتمال الثانى) وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل المراد بقوله ( والصافات صفاً) الطير من قوله تعالى (والطير صافات) (والزاجرات) كل ما زجر عن معاصى الله ( والتاليات) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه . . : ٠ ١١٧ قوله تعالى : والصافات صفاً . سورة الصَّافات . وجه آخر وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية، أما الجسمانية فانها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير البتة ، فالأرض وسط العالم وهى محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنار، ثم هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسمانى فهذه الأجسام كانها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى، وأما الجواهر الروحانية فهى على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة فى صفتين أحدهما التأثير فى عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الاشارة بقوله (فالزاجرات زجراً) فانا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك، والثانى الإدراك والمعرفة والاستغراق فى معرفة الله تعالى والثناء عليه، واليه الاشارة بقوله تعالى (فالتاليات ذكراً) ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف فى الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة فى معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) لاجرم بدأ فى المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال ( والصافات صفاً) ثم ذكر فى المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر فى هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهى الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق فى الثناء عليه، فهذه احتمالات خطرت بالبال، والعالم بأسرار كلام اللّه تعالى ليس إلا الله. المسألة الثالثة ) للناس فى هذا الموضع قولان (الأول) قول من يقول المقسم به ههنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء، واحتجوا عليه بوجوه (الأول ) أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن يحلف بغير الله (والثانى) أن الحلف بالشىء فى مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله. (والثالث ) أن هذا الذى ذكرناه تأكد بما أنه تعالى صرح به فى بعض السور وهو قوله تعالى (والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها)، (والقول الثانى) قول من يقول إن القسم واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه (الأول) أن القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل ( والثانى ) أنه تعالى قال ( والسماء وما بناها ) فعلق لفظ القسم بالسماء، ثم عطف عليه القسم بالبانى للسماء، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار فى موضع واحد وأنه لا يجوز (الثالث ) أنه لا يبعد أن تكون الحكمة فى قسم من اللّه تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها، لاسيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة فى القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها والله أعلم، فان قيل ذكر الحلف فى هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه ( الأول ) أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر والأول باطل لأن المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل التقديرات ١١٨ قوله تعالى : رب السموات والأرض وما بينهما . سورة الصَّافات. ( الثانى) أنه تعالى حلف فى أول هذه السورة على أن الإله واحد، وحلف فى أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال ( والذاريات ذرواً) إلى قوله (إنما توعدون الصادق، وإن الدين لواقع ) وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء، والجواب من وجوه (الأول) أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة فى سائر السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأ كيداً لما تقدم لاسيما والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالجلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب (والوجه الثانى) فى الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى ( إن إلهكم لواحد) ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقينى فى كون الإله واحداً، وهو قوله تعالى ( رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق) وذلك لأنه تعالى بين فى قوله (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا) أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد، فههنا لما قال ( إن إلهكم لواحد) أردفه بقوله (رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق) كانه قبل قد بينا أن النظر فى انتظام هذا العالم يدل على كون الإله واحداً فتأملوا فى ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد ( الوجه الثالث ) فى الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام فى قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل هذا المذهب قد بلغ فى السقوط والركاكة إلى حيث يكفى فى إبطاله مثل هذه الحجة والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ أما دلالة أحوال السموات والأرض على وجود الإله القادر العالم الحكيم ، وعلى كونه واحداً منزهاً عن الشريك فقد سبق تقريرها فى هذا الكتاب مراراً وأطواراً وأما قوله تعالى ( ورب المشارق ) فيحتمل أن يكون المراد مشارق الشمس قال السدى المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً و کذلك المغارب فانه تطلع الشمس كل يوم من مشرق و تغرب كل يوم فى مغرب، ويحتمل أن يكون المراد مشارق الكواكب لأن لكل كوكب مشرقا ومغرباً، فان قيل لم اكتفى بذكر المشارق؟ قلنا لوجهين (الأول ) أنه اكتفى بذكر المشارق كقوله (تقيكم الحر) والثانى أن الشرق أقوى حالا من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر الشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال ( فإن الله يأتى بالشمس من المشرق ). ﴿ المسألة الخامسة) احتج الأصحاب بقوله تعالى (رب السموات والأرض ومابينهما) على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد، قالوا لأن أعمال العبادموجودة فيما بين السموات والأرض، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فالله ربه ومالكه، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله، وإن قالوا الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلا فى حيز وجهة والأعراض ليست كذلك، قلنا إنهالما : ٠٠ . : ١١٩ قوله تعالى : إنا زينا السماء الدنيا . سورة الصَّفات . إِنَّا زَيَّنَّا الَّمَاءَ الُّنْيَا ◌ِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَ الْأُعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ٧ دَخُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ ٨ لا وَصِبُّ ي إِلَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ نَاقِبٌ ( كانت حاصلة فى الأجسام الحاصلة بين السموات والأرض فهى أيضاً حاصلة بين السماء والأرض قوله تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب، دحوراً ولهم عذاب واصب، إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ﴾ فى الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة وخفص عن عاصم زينة منونة الكواكب بالجر وهو قراءة مسروق بن الأجدع، قال الفراء وهورد معرفة على نكرة كما قال (بالناصية ناصية) فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج الكوا كب بدل من الزينة، لأنها هى كما تقول مررت بأبى عبد الله زيد. وقرأ عاصم بالتنوين فى الزينة ونصب الكواكب قال الفراء يريد زينا الكواكب، وقال الزجاج يجوز أن تكون الكواكب فى النصب بدلا من قوله بزينة ، لأن بزينة فى موضع نصب وقرأ الباقون بزينة الكواكب بالجر على الإضافة . المسألة الثانية) بين تعالى أنه زين السماء الدنيا، وبين أنه إنما زينها لمنفعتين (إحداهما) تحصيل الزينة ( والثانية ) الحفظ من الشيطان المارد، فوجب أن نحقق الكلام فى هذه المطالب الثلاثة ( أما الأول) وهو تزيين السماء الدنيا بهذه الكواكب، فلقائل أن يقول إنه ثبت فى علم الهيئة أن هذه الثوابت مركوزة فى الكرة الثامنة، وأن السيارات الستة مركوزة فى الكرات الست المحطية بسماء الدنيا فكيف يصح قوله (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) والجواب أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فانهم يشاهدونها مزينة بهذه الكوا كب، وعلى أنا قد بينا فى علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل فى بيان أن هذه الكواكب مركوزة فى الفلك الثامن ، ولعلنا شرحنا هذا الكلام فى تفسير سورة ( تبارك الذى بيده الملك ) فى تفسير قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح)، (وأما المطلوب الثانى) وهو كون هذه الكواكب زينة السماء الدنيا ففيه بحثان : ﴿ البحث الأول) أن الزينة مصدر كالنسبة واسم لما يزن به، كاليقة اسم لما تلاق به الدواة قال صاحب الكشاف وقوله (بزينة الكواكب) يحتملهما فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أى بأن زينتها الكواكب أو على إضافته إلى المفعول أى بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها ١٢٠ قوله تعالى : وحفظا من كل شيطان ماردر. سورة الصَّافات . إنما زينت السماء بحسنها فى أنفسها، وإن أردت الاسم فللاضافة وجهان أن تقع الكواكب بياناً للزينة ، لأن الزينة قد تحصل بالكواكب وبغيرها، وأن يراد ما زينت به الكواكب . ﴿ البحث الثانى) فى بيان كيفية كون الكواكب زينة للسماء وجوه: (الأول) أن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، فأن تحصل هذه الكواكب المشرقة المضيئة فى سطح الفلك لاجرم بقى الضوء والنور فى جرم الفلك بسبب حصول هذه الكواكب فيها قال ابن عباس (بزينة الكواكب ) أى بضوء الكواكب (الوجه الثانى) يجوز أن يراد أشكالها المتناسبة المختلفة كشكل الجوزاء وبنات نعش والثربا وغيرها ( الوجه الثالث ) يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها وغروبها ( الوجه الرابع ) أن الإنسان إذا نظر فى الليلة الظلماء إلى سطح الفلك ورأى هذه الجواهر الزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق ، فلا شك أنها أحسن الأشياء وأكملها فى التركيب والجوهر، وكل ذلك يفيد كون هذه الكواكب زينة ( وأما المطلوب الثالث ) وهو قوله ( وحفظاً من كل شيطان مارد ) ففيه بحثان: ﴿ البحث الأول ) فيما يتعلق باللغة فقوله (وحفظاً) أى وحفظناها، قال المبرد إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله ،مثل قولك أفل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة ، قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكوا كب و (من كل شيطان مارد) يريد الذى تمرد على الله قيل إنه الذى لا يتمكن منه، وأصله من الملاسة ومنه قوله (صرح مرد) ومنه الأمرد وذكرنا تفسير المارد عند قوله ( مردوا على النفاق ). ﴿البحث الثانى) فيما يتعلق بالمباحث العقلية فى هذا الموضع، فنقول الاستقصاء فيه مذ كور فى قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) قال المفسرون الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب ، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فانه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها ، وبقى ههنا سؤالات: ﴿ السؤال الأول) هذه الشهب هل هى من الكواكب التى زين اللّه السماء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان. كثير من أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة فإن أعداد. كواكب السماء باقية على حالة واحدة من غير تغير البتة، وأيضاً تجعلها رجوماً للشياطين ما يوجب وقوع النقصان فى زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وأما القسم الثانى: وهو أن يقال إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة فى الفلك فهذا أيضاً مشكل لأنه تعالى قال فى سورة ( تبارك الذى بيده الملك)، (ولقد زينا السماء الدنيا) :