النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى : وخلقنا لهم من مثله ما يركبون . سورة يس .
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّنِ مِثْلِهِ مَايَرْكَبُونَ (8) وَ إِن نَّشَأْنُغْرِقْهُمْ
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى (وآبة لهم الأرض) وقال (وآية لهم الليل) ولم يقل وآية لهم الفلك
جعلناها بحيث تحملهم، وذلك لأن حملهم فى الفلك هو العجب. أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه
كبيت مبنى من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس اللیل عجب لاقدرة علیهمالأحد إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ من حيث اللغة والمعنى. أما اللغة فقوله لهم يحتمل أن يكون عائداً إلى
الذرية، أى حملنا ذريتهم وخلقنا للمحمولين مايركبون، ويحتمل أن يكون عائداً إلى العباد الذين
عاد إليهم قوله ( وآية لهم) وهو الحق لأن الظاهر عود الضمائر إلى شىء واحد .
المسألة الثانية﴾ (من) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون صلة تقديره وخلقنا لهم مثله، وهذا
على رأى الأخفش، وسيبويه يقول: من لا يكون صلة إلا عند النفى، تقول ما جاءنى من أحد كما
فى قوله تعالى ( وما مسنا من لغوب )، (وثانيهما) هى مبينة كما فى قوله تعالى (يغفر لكم من
ذنوبكم) كأنه لما قال ( خلقنا لهم) والمخلوق كان أشياء قال من مثل الفلك للبيان.
﴿ المسألة الثالثة) الضمير فى ( مثله) على قول إلا كثرين عائد إلى الفلك فيكون هذا كقوله
تعالى (وآخر من شكله أزواج) وعلى هذا فالا ظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود فى
زمانهم ويؤيد هذا هو أنه تعالى قال ( وإن نشأ نغرقهم) ولو كان المراد الإبل على ما قاله بعض
المفسرين لكان قوله ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) فاصلا بين متصلين ، ويحتمل أن يقال
الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور تقديره أن يقال: وخلقنا لهم من مثل ما ذكرنا من المخلوقات
فى قوله ( خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض) وهذا كما قالوا فى قوله تعالى (ليأكلوا من ثمره)
أن الهاء عائد إلى ماذكرنا ، أى من ثمر ماذكرنا، وعلى هذا فقوله (خلقنا لهم) فيه لطيفة، وهى أنما من
أحد إلا وله ركوب مركوب من الدواب وليس كل أحد يركب الفلك فقال فى الفلك حملنا ذريتهم
وإن كنا ما حملناهم، وأما الخلق فلهم عام وما يركبون فيه وجهان: ( أحدهما ) هو الفلك الذى
مثل فلك نوح ( ثانيهما ) هو الابل التى هى سفن البر، فان قيل إذا كان المراد سفينة نوح فما وجه
مناسبة الكلام؟ نقول ذكرهم بحال قوم نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك
هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يهلكوا.
ثم قال تعالى ﴿ وإن نشأ نغرقهم) إشارة إلى فارتين: (إحداهما) أن فى حال النعمة ينبغى
أن لا يأمنوا عذاب الله ( وثانيتهما) هو أن ذلك جواب سؤال مقدر وهو أن الطبيعى يقول
السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة والمجوف لا يرسب فقال ليس كذلك بل لو شاء اللّه أغرقهم وليس
ذلك بمقتضى الطبع ولوصح كلامه الفاسدلكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٦

٨٢
قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم . سورة يس .
فَلَ صَرِيَخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤) إِلَّ رَحْمَةُ مِنَّا وَمَنَّعًا إِلَى حِينٍ
وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّقُواْ مَابَيْنَ أَيْدِيَكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ
وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فان شاء الله إغراقهم أغرقهم من غير
شىء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو بشىء من تلك الأسباب كما تسلم أنت .
قوله تعالى: ﴿ فلا صريخ لهم﴾ أى لا مغيث لهم يمنع عنهم الغرق.
قوله تعالى: ﴿ولاهم ينقذون﴾ إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من العذاب، إما
أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال لاصريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد
الوقوع فيه ، وهذا مثل قوله تعالى (لا تغن عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) فقوله (لا صريخ لهم
ولاهم ينقذون) فيه فائدة أخرى غير الحصر وهى أنه تعالى قال لاصريخ لهم ولم يقل ولا منقذلهم
وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع فى النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه ،
وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال لاصريخ لهم ، وأما من لا يكون من شأنه
أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه فى ضر يشرع فى الإنقاذ، وإن لم يثق بنفسه فى الإنقاذ ولا يغلب
على ظنه . وإنما يبذل المجهود فقال ( ولا هم ينقذون ) ولم يقل ولا منقذ لهم.
ثم استثنى فقال ﴿ إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين) وهو يفيد أمرين: (أحدهما) انقسام
الإنقاذ إلى قسمين الرحمة والمتاع، أى فيمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه
لا يؤمن فليتمتع زمانا ويزداد إثماً ( وثانيهما) أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال
فى الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين، ثم يميته فالزوال لازم أن يقع.
قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ﴾ وجه تعلق
الآية بما قبلها هو أن اللّه تعالى لما عدد الآيات بقوله ( وآية لهم الأرض، وآية لهم الليل، وآية
لهم أنا حملنا ذريتهم ) وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع بما قال تعالى ولم تقدم اليقين ،
قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب فان من أخبر بوقوع عذاب يتقيه، وإن لم يقطع بصدق
قول المخبر احتياطاً فقال تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يعترفون به وإذا قيل لهم أتقوا
لا يتقون فهم فى غاية الجهل ونهاية الغفلة ، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين
يبنون الأمر على الأحوط ، ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى (لعلكم ترحمون) بحرف التمنى أى فى
ظنكم فان من يخفى عليه وجه البرهان لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط ، وجواب قوله (إذا قيل
لهم اتقوا) محذوف معناه وإذا قيل لهم ذلك لا يتقون أو يعرضون، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه
وهو قوله تعالى ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ) وفى قوله تعالى ( ما بين أيديكم وما خلفكم)

٨٣
قوله تعالى : وما تأتيهم من آية . سورة يس .
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَالَةٍ مِّنْ ءَاَنْتِ رَبِهِمْ إلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
٤٦
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُواْ فِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وجوه: (أحدها) ( ما بين أيديكم) الآخرة فإنهم مستقبلون لها (وما خلفكم) الدنيا فانهم
تاركون لها ( وثانيها) (مابين أيديكم) من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق، وغيرهما المدلول
عليه بقوله تعالى ( وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) وما خلفكم من الموت الطالب
لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا تجاة لكم منه يدل عليه قوله تعالى ( ومتاعا إلى حين ) ( وثالثها)
ما بين أيديكم من أمر محمد عّ لّي فانه حاضر عندكم وما خلفكم من أمر الحشر فإنكم إذا انقيتم
تكذيب محمد صدّ الم والتكذيب بالحشر رحمكم الله وقوله تعالى (لعلكم ترحمون) مع أن الرحمة
واجبة، فيه وجوه ذكرناها مراراً ونزيد ههنا وجهاً آخر وهو أنه تعالى لما قال (اتقوا) بمعنى
أنكم إن لم تقطعوا بناء على البراهين فاتقوا احتياطاً قال (لعلكم ترحمون) يعنى أرباب اليقين
يرحمون جزماً وأرباب الاحتياط يرجى أن يرحموا، والحق ما ذكرنا من وجهين: (أحدهما)
اتقوا راجين الرحمة فإن الله لا يجب عليه شىء ( وثانيهما) هو أن الاتقاء نظراً إليه أمر يفيد الظن
بالرحمة فان كان يقطع به أحد لأمر من خارج فذلك لا يمنع الرجاء فان الملك إذا كان فى قلبه أن
يعطى من يخدمه أكثر من أجرته أضعافاً مضاعفة لكن الخدمة لا تقتضى ذلك، يصح منه أن يقول
أفعل كذا ولا يبعد أن يصل اليك أجرتك أكثر مما تستحق.
قوله تعالى : ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾.
وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى ( ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به
يستهزءون): (وما تأتهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) يعنى إذا جاءتهم الرسل كذبوهم
فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا اليها وقوله (ألم يرواكم أهلكنا قبلهم من القرون)
إلى قوله (لعلكم ترحمون ) كلام بين كلامين متصلين ويحتمل أن يقال هو متصل بما قبله من الآية
وبيانه هو أنه تعالى لما قال (وإذا قيل لهم اتقوا) وكان فيه تقدير أعرضوا قال ليس إعراضهم
مقتصراً على ذلك بل هم عن كل آية معرضون أو يقال إذا قيل لهم اتقوا اقترحوا آيات مثل إنزال
الملك وغيره فقال ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلى كانوا عنها معرضين) وعلى هذا كانوا فى
المعنى يكون زائداً معناه إلا يعرضون عنها أى لا تنفعهم الآيات ومن كذب بالبعض مان عليه
التكذيب بالكل .
قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من

٨٤
قوله تعالى : وإذا قيل لهم أنفقوا . سورة يس .
أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ - إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
CEV
لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا فى ضلال مبين}
إشارة إلى أنهم يبخلون بجميع ما على المكلف، وذلك لأن المكلف عليه التعظيم لجانب اللّه والشفقة
على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم اتقوا، فلم يتقوا وتركوا الشفقة على خلق الله حيث قيل
لهم (أنفقوا) فلم ينفقوا (وفيه الطائف) الأولى خو طبوا بأدنى الدرجات فى التعظيم والشفقة فلم يأتوا
بشىء منه وعباد اللّه المخلصون خوطبوا بالأدنى فأتوا بالأعلى إنما قلنا ذلك لأنهم فى التقوى أمروا
بأن يتقوا ما بين أيديهم من العذاب أو الآخرة وما خلفهم من الموت أو العذاب وهو أدنى
ما يكون من الاتقاء، وأما الخاص فيتقى تغيير قلب الملك عليه وإن لم يعاقبه ومتقى العذاب لا يكون
إلا للبعيد، فهم لم يتقوا معصية الله ولم يتقوا عذاب الله، والمخلصون اتقوا الله واجتنبوا مخالفته
سواء كان يعاقبهم عليه أو لا يعاقبهم، وأما فى الشفقة فقيل لهم (أنفقوا ما) أى بعض ماهو الله فى
أيديكم فلم ينفقوا، والمخلصون آثروا على أنفسهم وبذلوا كل ما فى أيديهم،بل أنفسهم صرفوها إلى
تفع عباد الله ودفع الضرر عنهم (الثانية) كما أن فى جانب التعظيم ما كان فائدة التعظيم راجعة إلا
إليهم فان الله مستغن عن تعظيمهم كذلك فى جانب الشفقة ما كان فائدة الشفقة راجعة إلا إليهم ، فإن
من لا يرزقه المتمول لا يموت إلا بأجله ولا بد من وصول رزقه إليه، لكن السعيد من قدر الله
إيصال الرزق على يده إلى غيره (الثالثة) قوله (مما رزقكم) إشارة إلى أمرين (أحدهما) أن البخل
به فى غاية القبح فان أبخل البخلاء من يبخل بمال الغير (وثانيهما) أنه لا ينبغى أن يمنعكم من ذلك
مخافة الفقر فان الله رزقكم فاذا أنفقتم فهو يخلفه لكم ثانياً كما رزقكم أولا وفيه مسائل أيضاً:
المسألة الأولى﴾ عند قوله تعالى ( وإذا قيل لهم أنفقوا) حذف الجواب، وههنا أجاب
وأتى بأكثر من الجواب وذلك لأنه تعالى لو قال ( وإذا قيل لهم أنفقوا) قالوا (أنطعم من لو يشاء
الله أطعمه) لكان كافياً ، فما الفائدة فى قوله تعالى (قال الذين كفروا الذين آمنوا)؟ نقول الكفار
كانوا يقولون بأن الإطعام من الصفات الخميدة وكانوا يفتخرون به، وإنما أرادوا بذلك القول
رداً على المؤمنين فقالوا نحن نطعم الضيوف معتقدين بأن أفعالنا ثناء، ولولا إطعامنا لما أَنَدفع
حاجة الضيف وأنتم تقولون إن إلهكم يرزق من يشاء، فلم تقولون لنا أنفقوا؟ فلما كان غرضهم
الرد على المؤمنين لا الامتناع من الإطعام : قال تعالى عنهم ( قال الذين كفروا للذين آمنوا )
إشارة إلى الرد ، وأما فى قولهم (اتقوا مابين أيديكم) فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا
فأعرض الله عن ذكر إعراضهم لحصول العلم به.
المسألة الثانية﴾ ما الفائدة فى تغيير اللفظ فى جوابهم حيث لم يقولوا أننفق على من لو
يشاء الله رزقه، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق فى قوله ( وإذا قيل لهم أنفقوا) فكان جوابهم بأن
:

٨٥
قوله تعالى : وإذا قيل لهم أنفقوا . سورة يس .
يقولوا أننفق فلم قالوا ( أنطعم)؟ نقول فيه بيان غاية مخالفتهم وذلك لأنهم إذا أمروا بالإنفاق
والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وقالوا لانطعم،
وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيداً ديناراً يقول لا أعطيه درهما مع أن المطابق هو أن
يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة فى هذا الوجه أتم فكذلك ههنا .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ كان كلامهم حقاً فان الله لو شاء أطعمه فلماذا ذكره فى معرض الذم ؟ نقول
لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإتفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسد بين
الله ذلك فی قوله ( مما رزقكم) فإنه يدل على قدر ته و یصحح أمره بالإعطاء لأن من کان له فى يد
الغير مال وله فى خزائنه مال فهو مخير إن أراد أعطى مما فى خزائنه وإن أراد أمر من عنده المال
بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من بيده ماله فى خزائنك أكثر بما فى يدى أعطه منه ، وقوله
( إن أنتم إلا فى ضلال مبين) إشارة إلى اعتقادهم أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم
بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد وفيه مباحث لغوية ومعنوية .
﴿أما اللغوية﴾ فنقول (إن) وردت للنفى بمعنى ما، وكان الأرض فى إن أن تكون للشرط
والأصل فى ما أن تكون للنفى لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتقارضا واستعمل ما فى الشرط
واستعمل إن فى النفى، أما الوجه المشترك فهو أن كل واحد منهما حرف مركب من حرفين
متقاربين فان الهمزة تقرب من الألف والميم من النون ولا بد من أن يكون المعنى الذى يدخل
عليه ما وأن لا يكون ثابتاً ، أما فى ما فظاهر ، وأما فى إن فلأنك إذا قلت إن جاءنى زيدأ كرمه
ينبغى أن لا يكون له فى الحال مجىء فاستعمل إن مكان ما ، وقيل إن زيد قائم أى ما زيد بقائم
واستعمل ما فى الشرط تقول ما تصنع أصنع، والذى يدل على ماذكرنا أن ما النافية تستعمل حيث
لا تستعمل إن وذلك لأنك تقول ما إن جلس زيد فتجعل إن صلة ولا تقول إن جلس زيد بمعنى
النفى وبمعنى الشرط تقول إما ترين فتجعل إن أصلاوما صلة ، فدلنا هذا على أن إن فى الشرط أصل
وما دخيل وما فى التفى بالعكس .
﴿ البحث الثانى) قد ذكرنا أن قوله (إن أنتم إلا ) يفيد مالا يفيد قوله (أنتم فى ضلال)
لأنه يوجب الحصر وأنه ليسوا فى غير الضلال.
﴿ البحث الثالث ) وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال
أى فى ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال .
( البحث الرابع ) قد ذكرنا أن قوله ( فى ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين،
وقوله فى مواضع على بينة (وعلى هدى) إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه
﴿ وأما المعنوية) فهى أنهم إنما وصفوا الذين آمنوا بكونهم فى ضلال مبين لكونهم ظانين أن
المؤمن كلامه متناقض ومن تناقض كلامه يكون فى غاية الضلال، إنما قلنا ذلك لأنهم قالوا (أنطعم من

٨٦
قوله تعالى : ويقولون متى هذا الوعد . سورة يس .
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨) مَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةً
لو يشاء الله أطعمه) إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم كان يطعمهم فلا تقدر على إطعامهم لأنه
يكون تحصيلا للحاصل، وإن لم يشأ الله إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع مالم يشأ الله
فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمرونا بالإطعام (ووجه آخر) موهو أنهم قالوا أراد الله تجويعهم
فلو أطعمناهم يكون ذلك سعياً فى إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموم فهو ضلال ولم
يكن فى الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا
أمره السيد بأمر لا ينبغى أن يكشف سبب الأمر والاطلاع على المقصود الذى أمر به لأجله. مثاله:
الملك إذا أراد الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال لعبده أحضر المركوب،
فلو تطلع واستكشف المقصود الذى لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر
منه وكشف سره، فالأدب فى الطاعة وهو اتباع الأمر لا تتبع المراد، فالله تغالى إذقال (أنفقوا
مما رزقكم) لا يجوز أن يقولوا : لم لم يطعمهم الله مما فى خزائنه.
قوله تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) وهو إشارة إلى ما اعتقدوه
وهو أن التقوى المأمور بها فى قوله (وإذا قيل لهم اتقوا) والإنفاق المذكور فى قوله تعالى (وإذا
قيل لهم أنفقوا) لا فائدة فيه لأن الوعد لا حقيقة له وقوله (متى هذا الوعد) أى متى يقع
الموعود به، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ وهى أن إن للشرط وهى تستدعى جزاء ومتى استفهام لا يصلح جزاء
فما الجواب؟ نقول هى فى الصورة استفهام، وفى المعنى إنكار كأنهم قالوا إن كنتم صادقين فى
وقوع الحشر فقولوا متى يكون.
﴿ المسألة الثانية ﴾ الخطاب مع من فى قولهم (إن كنتم )؟ نقول الظاهر أنه مع الأنبياء لأنهم
لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم يا أيها المدعون للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون.
المسألة الثالثة ﴾ ليس فى هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله ( هذا الوعد ) إلى أى وعد؟
نقول هو مافى قوله تعالى (وإذا قيل لهم اتقوا مابين أيديكم وما خلفكم) من قيام الساعة ، أو نقول هو
معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب.
قوله تعالى: ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة﴾ أى لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة والتنكير
للتكثير ، فان قيل هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول الانتظار فعلى لأنهم كانوا
يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعله
فإنهم لا يقولون أو نقول لما لم يكن قوله متى استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقى،
لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظراً إلى قوله. وقد ذكروا مهنا فى الصيحة أموراً تدل على
٠٠

٨٧
قوله تعالى : فلا يستطيعون توصيه . سورة يس .
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِّمُونَ (٣) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
وَنُفِخَ فِىِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِهِمْ يَسِلُونَ
٥١
هولها وعظمها (أحدها ) التنكير يقال لفلان مال أى كثير وله قلب أى جرى. ( وثانيها ) واحدة
أى لا يحتاج معها إلى ثانية (وثالثها ) تأخذهم أى تعمهم بالأخذ وتصل إلى من فى مشارق الأرض
ومغاربها، ولا شك أن مثلها لا يكون إلا عظيما .
وقوله ﴿ تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بما يعظم
به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فان المقبل على مهم إذا صاح به صائح
يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة ، فاذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على
الغافل الذى هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيخاف أعظم، ويحتمل أن يقال
( يخصمون) فى البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلا فيكونون غافلين عنه بخلاف من يعتقد أنه
يكون فيتهيأله وينتظر وقوعه فانه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله تعالى ( فصعق من فى السموات
ومن فى الأرض إلا من شاء) من اعتقد وقوعها فاستعد لها، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقاً وعلم
أن سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الوعد ترى الشائم العالم ثابتاً والغافل الذاهل مغشياً
عليه، ثم بين شدة الأخذ وهى بحيث لا تمهلهم إلى أن يوصوا. وفيه أمور مبينة للشدة (أحدها)
عدم الاستطاعة فان قول القائل فلان فى هذه الحال لا يوصى دون قوله لا يستطيع التوصية لأن
من لا يوصى قد يستطيعها ( الثانى) التوضية وهى بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل
فقال (لا يستطيعون) كلمة فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم
( الثالث ) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أم الكلمات فان وقت
الموت الحاجة إلى التوصية أمس (الرابع) التنكير فى التوصية للتعميم أى لا يقدر على توصية ما
ولو كانت بكلمة يعيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجزعن غيرها (الخامس)
قوله ( ولا إلى أهلهم يرجعون) بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله
قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها ، وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلا بد له من
التوصية ، فاذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة .
وفى قوله ( ولا إلى أهلهم يرجعون) وجهان (أحدهما ) ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم
لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية (وثانيهما ) أنهم إلى أهلهم
لايرجعون، يعنى يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا، ومن يسافر سفراً ويعلم أنه لا رجوع له من
ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتى بالوصية .
ثم بين ما بعد بالصيحة الأولى فقال ﴿ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾

٨٨
قوله تعالى : ونفخ في الصور . سورة يس .
أى نفخ فيه [مرة] أخرى كما قال تعالى (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال تعالى فى موضع اخر ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون)
وقال ههنا ( فاذا هم من الأحداث إلى ربهم ينسلون ) والقيام غير النسلان وقوله فى الموضعين
(فإذاهم ) يقتضى أن يكونا معاً نقول (الجواب) عنه من وجهين (أحدهما) أن القيام لا ينافى المتى
السريع لآن الماشى قائم ولا ينافى النظر (وثانيهما) أن السرعة مجىء الأمور كان الكل فى زمان
واحد كقول القائل :
٠٠٠
مكر مفر مقبل مدير معا [لجلود صخر حطه السيل من عل]
﴿ المسألة الثانية) كيف صارت النفختان مؤثرتين فى أمرين متضادين الأحياء والإماتة؟
نقول لا مؤثر غير الله والنفخ علامة، ثم إن الصوت الهائل يزلزل الأجسام فعند الحياة كانت
أجزاء الحى مجتمعة فزازلها حصل فيها تفريق ، وحالة الموت كانت الأجزاء متفرقة فزلزلها تحصل
فيها اجتماع فالحاصل أن النفختين يؤثران تزلزلا وانتقالا للأجرام فعند الاجتماع تتفرق وعند
الافتراق تجتمع .
المسألة الثالثة﴾ ما التحقيق فى إذا التى للمفاجأة؟ نقول هى إذا التى للظرف معناه نفخ فى
الصور فإذا نفخ فيه هم ينسلون لكن الشىء قد يكون ظرفاً للشىء معلوماً كونه ظرفاً ، فعند الكلام
يعلم كونه ظرفاً وعند المشاهدة لا يتجدد علم كقول القائل إذا طلعت الشمس أضاء الجو وغير
ذلك، فاذا رأى إضاءة الجوعند الطلوع لم يتجدد علم زائد، وأما إذا قلت خرجت فإذا أسد بالباب
كان ذلك الوقت ظرف كون الأسد بالباب. لكنه لم يكن معلوماً فإذا رآه علمه حصل العلم بكونه
ظرفاً له مفاجأة عند الإحساس فقيل إذا للمفاجأة.
﴿ المسألة الرابعة ) أين يكون فى ذلك الوقت أحداث وقدزلزلت الصيحة الجبال؟ نقول يجمع
الله أجزاء كل واحد فى الموضع الذى قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه .
المسألة الخامسة ﴾ الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على
الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظاً دالا على الهيبة هل يكون أليق أم لا ؟ قلنا: هذا
اللفظ أحسن ما يكون، لأن من أساء واضطر إلى التوجه إلى من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألماً
وأكثر ندماً من غيره.
المسألة السادسة) المسىء إذا توجه إلى المحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، والنسلان هو
سرعة المشى فكيف يوجد منهم ذلك؟ نقول (ينسلون) من غير اختيارهم، وقد ذكرنا فى تفسير
قوله ( فإذا هم ينظرون) أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ فى الصور، فيكون
فى وقته جمع وتركيب وإحياء وقيام وعدو فى زمان واحد، فقوله (فإذاهم من الأجداث إلى ربهم
يفسلون) يعنى فى زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهى النسلان الذى لا يكون إلا بعد مراتب.

٨٩
قوله تعالى : قالوا يا ويلنا من بعثنا . سورة يس .
قَالُوْ يَنْوَيُلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْ قَدِنَاْ هَدِذَا مَا وَعَ الَّْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
٥٢
قوله تعالى : ﴿ قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون
يعنى لما بعثوا قالوا ذلك، لأن قوله ( ونفخ فى الصور) يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ لو قال قائل: لو قال الله تعالى فاذاهم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون
ياويلنا كان أليق، نقول معاذ الله، وذلك لأن قوله ( فاذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) على
ماذكرنا إشارة إلى أنه تعالى فى أسرع زمان يجمع أجزاءثم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، بحيث يقع
نسلانهم فى وقت النفخ، مع أن ذلك لا بدله من الجمع والتأليف ، فلو قال يقولون ، لكان ذلك
مثل الحال لينسلون ، أى ينسلون قائلين ياويلنا وليس كذلك ، فان قولهم ياويلنا قبل أن ينسلوا ،
وإنما ذكر الفلان لما ذكرنا من الفوائد.
﴿ المسألة الثانية) لو قال قائل: قد عرفنا معنى النداء فى مثل يا حسرة وياحسرتا وياويلنا،
ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال ( يا حسرة على العباد ) من غير إضافة، وقالوا
يا حسرتا ويا حسرتنا و ياويلنا؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحاله
أو بحال من قرب منه، فكان كل واحد مشغولا بنفسه، فكان كل واحد يقول : يا حسرتنا
ويا ويلنا، فقوله ( قالوا ياويلنا) أى كل واحد قال يا ويلى، وأما حيث قال اللّه قال على سبيل
العموم لشمول عله بحالهم .
المسألة الثالثة﴾ ما وجه تعلق ( من بعثنا من مرقدنا) بقولهم (يا ويلنا) نقول لما بعثوا
تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل، فقالوا ( ياويلنا من بعثنا) أبعثنا اللّه البعث الموعود به أم
كنا نياماً فنبهنا؟ وهذا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلا هائلا
يقبل عليه فيرتجف فى نفسه ويقول: هذا ذلك أم لا؟ ويدل على ما ذكرنا قولهم ( من مرقدنا)
حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا فى أنهم كانوا نياماً فنبهوا أو كانوا موتى
وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين، فقالوا ( من بعثنا ) إشارة إلى ظنهم أنه
بعثهم الموعود به ، وقالوا (من مرقدنا) إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ هذا إشارة إلى ماذا؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) أنه إشارة إلى المرقد
كأنهم قالوا ( من بعثنا من مرقدنا هذا) فيكون صفة للمرقد يقال كلامى هذا صدق ( وثانيهما)
هذا إشارة إلى البعث ، أى هذا البعث ماوعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون .
﴿ المسألة الخامسة) إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى (ما وعد الرحمن وصدق
المرسلون)؟ نقول يكون ما وعد الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق ،
والمرسلون صدقوا، أو يقال ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة

٩٠
قوله تعالى : إن كانت الأ صيحة واحدة . سورة يس .
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جِعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
الإضمار، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس
تنبيهاً من النوم ، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به .
﴿المسألة السادسة﴾ إن قلنا (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث، بجواب الاستفهام بقولهم
من بعثنا أين يكون؟ نقول: لما كان غرضهم من قولهم (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه
حصل الجواب بقوله هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً ، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول
أيقتلنى فلان؟ فله أن يقول لا تخف ويسكت، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب.
قوله تعالى: ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون.
أى ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة ، يدل على النفخة قوله تعالى (ونفخ فى الصور) ويحتمل
أن يقال إن كانت الواقعة، وقرئت الصيحة مرفوعة على أن كان هى التامة ، بمعنى ما وقعت إلا
صيحة ، وقال الزمخشرى: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان ، لأن المعنى حينئذ
ماوقع شىء إلاصيحة: لكن التأنيث جائز إحالة على الظاهر، ويمكن أن يقول الذى قرأ بالرفع أن
قوله (إذا وقعت الواقعة) تأنيث تهويل ومبالغة، يدل عليه قوله ( ليس أوقعتها كاذبة) فانها للمبالغة
فكذلك ههنا قال ( إن كانت إلا صيحة) مؤثثة تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها
مؤنثة كالقيامة والقارعة والحاقة والطامة والصاخة إلى غيرها ، والزمخشرى يقول كاذبة بمعنى ليس
لوقعتها نفس كاذبة، وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة، وقوله (محضرون) دل
علی أن کونهم ( ینسلون) إجباری لا اختيارى .
ثم بين ما يكون فى ذلك اليوم بقوله تعالى ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا
ما كنتم تعملون ﴾
فقوله (لا تظلم نفس) ليأمن المؤمن (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) لييأس المجرم الكافر
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ما الفائدة فى الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله (ولا تجزون)
وترك الخطاب فى الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله ( لا تظلم) ولم يقل ولا تظلون
أيها المؤمنون؟ نقول لأن قوله ( لا تظلم نفس شيئاً) يفيد العموم وهو كذلك فانها لا تظلم أبداً
( ولا تجزون) مختص بالكافر ، فإن الله يجزى المؤمن وإن لم يفعل فان الله فضلا مختصاً بالمؤمن
وعدلا عاماً ، وفيه بشارة .

٩١
قوله تعالى : إن أصحاب الجنة اليوم . سورة يس.
إِنَّ أَمْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلِ فَنَكُونَ (2﴾ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلٍَ
عَلَى الْأَرَآئِكِ مُتَّكِعُونَ (٨٦) لَهُمْ فِيهَا فَذِكِهَةٌ وَهُم مَّ يَدَّعُونَ
٥٧
المسألة الثانية) ما المقتضى لذكر فاء التعقيب ؟ نقول لما قال (محضرون) مجموعون
والجمع للفصل والحساب، فكانه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل ، فلا ظلم عند
الجمع للعدل ، فصار عدم الظلم مترتباً على الإحضار للعدل ، ولهذا يقول القائل الوالى أو القاضى :
جلست للعدل فلا تظلم ، أى ذلك يقتضى هذا ويستعقبه.
المسألة الثالثة﴾ لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا أو على ما كانوا
وقوله (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) يدل على أن الجزاء بعين العمل ، لا يقال جزى يتعدى
بنفسه وبالباء، يقال جزيته خيراً وجزيته بخير ، لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت جزيته
بخير لا يكون الخير مفعولك، بل تسكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول جزيته جزاء بسبب
ما فعل ، فنقول الجواب عنه من وجهين: ( أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى
عدم الزيادة وذلك لأن الشىء لا يزيد على عينه ، فنقول قوله تعالى (يجزون بما كانوا يعملون) فى
فى المساواة كأنه عين ماعملوا يقال فلان يجاوبنى حرفاً بحرف أى لا يترك شيئاً، وهذا يوجب
اليأس العظيم ( الثانى) هو أن ما غير راجع إلى الخصوص ، وإنما هى للجنس تقديره ولا تجزون
إلا جنس العمل أى إن كان حسنة حسنة ، وإن كانت سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة
والحسنة، وهذا كقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ).
ثم بين حال المحسن وقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون، هم وأزواجهم فى ظلال
على الأرائك متکتون ، لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ﴾ .
وقوله (فى شغل) يحتمل وجوهاً: (أحدها ) (فى شغل) عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من
الثواب، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله (فاكهون) يكون متمماً لبيان سلامتهم فالله
لو قال (فى شغل) جاز أن يقال هم فى (شغل) عظم من التفكر فى اليوم وأهواله ، فإن من يصيبه
فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع فى ماله ، يقول أنا مشغول عن هذا
بأهم منه ، فقال (فاكهون) أى شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور ( وثانيها ) أن يكون
ذلك بياناً لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شىء بل يكون معناه هم فى عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس
بشاق ، بل هو ملذ محبوب ( وثالثها ) فى شغل عما توقعوه فانهم تصوروا فى الدنيا أموراً وقالوا"
نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا، فرأوا مالم يخطر بيالهم فاشتغلوا به ، وفيه وجوه:
غير هذه ضعيفة (أحدها) قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الانسان

٩٢
قوله تعالى : هم وأزواجهم في ظلال . سورة يس .
قد يترجح فى نظره الآن مداعبة الكواعب فيقول فى الجنة ألتذ بها، ثم إن الله ربما يؤتيه ما يشغله
عنها ( وثانيها) قيل فى ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم (وثالثها) فى التزاور
( ورابعها) فى ضيافة اللّه وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذما يمكن وحينئذ تشغله
تلك عما توهمه فی دنیاه و قوله( فا كهون) خبر إن ، و( فى شغل ) بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد
على عمله مقبل، وفى بيته جالس فلا يكون الجار والمجرور خبراً ولو نصبت جالساً لكان الجار
والمجرور خبراً. وكذلك لو قال فى شغل فاكهين لكان معناه أصحاب الجثة مشغولون فاكرين على
الحال وقرى. بالنصب والفاكه (١) الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون فى السعة إلا اللذة
فلا تؤكل لدفع ألم الجوع، وفيه معنى لطيف، وهو أنه أشار بقوله ( فى شغل) عن عدمهم الألم
فلا ألم عندهم ، ثم بين بقوله (فاكهون) عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قدلا يكون واجداً للذة. فبين
فهم على أتم حال ثم بين الكمال بقوله (هم وأزواجهم ) وذلك لأن من يكون فى لذة قد تتنغص
عليه بسبب تفكره فى حال من يهمه أمره فقال (هم وأزواجهم) أيضاً فلا يبقى لهم تعلق قلب ،
وأما من فى النار من أقاربهم وإخوانهم فيكونون هم عنهم فى شغل ، ولا يكون منهم عندهم ألم ولا
يشتهون حضورهم والأزواج يحتمل وجهين: (أحدهما) أشكالهم فى الإحسان وأمثالهم فى الإيمان
كما قال تعالى (من شكله أزواج)، (وثانيهما) الأزواج م المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل
كما فى قوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم) وقوله تعالى (ويذرون أزواجاً ) فان
المراد ليس هو الإشكال ، وقوله ( فى ظلال ) جمع ظل وظلل جمع ظلة والمراد به الوقاية عن مكان
الألم، فإن الجالس تحت كن لا يخشى المطر ولاحر الشمس فيكون به مستعداً لدفع الألم، فكذلك
لهم من ظل الله ما يقيهم الأسواء، كما قال تعالى ( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) وقال
(لايرون فيها شمساً ولا زمهريراً) إشارة إلى عدم الآلام (وفيه لطيفة) أيضاً وهى أن حال
المكلف ، إما أن يكون اختلالها بسبب ما فيه من الشغل ، وإن كان فى مكان عال كالقاعد فى جر
الشمس فى البستان المتنزه أو يكون بسبب المكان ، وإن كان الشغل مطلوباً كملاعبة الكواعب
فى المكان المكشوف، وإما أن يكون بسبب المأكل كالمتفرج فى البستان إذا أعوزه الطعام، وإما
بسبب فقد الحبيب، وإلى هذا يشير أهل القلب فى شرائط السماع بقولهم: الزمان والمكان والإخوان
فقال تعالى ( فى شغل فاكهون ) إشارة إلى أنهم ليسوا فى تعب وقال (هم وأزواجهم) إشارة إلى
عدم الوحدة الموحشة وقال ( فى ظلال على الأرائك متكتون) إشارة إلى المكان وقال ( لهم فيها
فاكهة ولهم ما يدعون ) إشارة إلى دفع جميع جواتجهم وقوله (متكثون ) إشارة إلى أدل وضع
على القوة والفراغة فان القائم مد يقوم لشغل والقاعد قد يقعد لهم. وأما المتكى. فلا يتكىء إلا
عند الفراغ والقدرة لأن المريض لا يقدر على الإتكاء، وإنما يكون مضطجعاً أو مستلقياً
(والأرائك) جمع أريكة. وهى السرير الذى عليه الفرش وهو تحت المجلات فيكون مرئياً هو
٠
(١) فى طبعة بولاق، والفاكهة، وهو خطأ واضح، والفاكهة اسم فاعل من فكه والتفكه التمتع والتعجب، والفكاهة المزاح.
:
٠
:

٩٣
قوله تعالى : لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون . سورة يس .
وما فوقه وقوله ( لهم فيها فاكهة ) إشارة إلى أن لاجوع هناك، وليس الأكل لدفع ألم الجوع،
وإنما مأكولهم فاكهة، ولو كان لحماً طرياً، لا يقال قوله تعالى (ولحم طير مما يشتهون) يدل على
التغاير وصدق الشهوة وهو الجوع لأنا نقول قوله ( ما يشتهون) يؤكد معنى عدم الألم لأن أكل
الشىء قد يكون للتداوى من غير شهوة فقال مما يشتهون لأن لحم الطير فى الدنيا يؤكل فى حالتين
(إحداهما) حالة التنعم ( والثانية ) حالة ضعف المعدة وحينئذ لا يأكل لحم طير يشتهيه ،
وإنما يأكل ما يوافقه ويأمره به الطبيب، وأما أنه يدل على التغاير، فنقول مسلم ذلك لأن
الخاص يخالف العام، على أن ذلك لا يقدح فى غرضنا، لأنا نقول إنما اختار من أنواع
المأكول الفاكهة فى هذا الموضع لأنها أدل على التنعم والتلذذ وعدم الجوع والتنكير لبيان
الكمال، وقد ذكرناه مراراً وقوله ( لهم فيها فاكهة ) ولم يقل يأكلون، إشارة إلى كون زمام
الاختيار بيدهم وكونهم مالكين وقادرين وقوله ( ولهم ما يدعون) فيه وجوه : (أحدها )
(لهم فيها ما يدعون) لأنفسهم أى دعاؤهم مستجاب، وحينئذ يكون هذا افتعالا بمعنى الفعل
كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحيل ، وعلى هذا فليس معناه أنهم يدعون لأنفسهم دعاء
فيستجاب دعاؤهم بعد الطلب بل معناه ولهم ما يدعون لأنفسهم أى ذلك لهم فلا حاجة لهم إلى
الدعاء والطلب ، كما أن الملك إذا طلب منه مملوكه شيئاً يقول لك ذلك فيفهم منه تارة أن طلبك مجاب
وأن هذا أمر هين بأن تعطى ماطلبت ، ويفهم تارة منه الرد وبيان أن ذلك لك حاصل فلم تطلبه
فقال تعالى (ولهم ما يدعون ) ويطلبون فلا طلب لهم وتقريره هو أن يكون ما يدعون بمعنى
ما يصح أن يطلب ويدعى يعنى كل ما يصح أن يطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب ، أو نقول المراد
الطلب والإجابة وذلك لأن الطلب من اللّه أيضاً فيه لذة فلو قطع الله الأسباب بينهم وبينه لما
كان يطيب لهم فأبقى أشياء يعطيهم إياها عند الطلب ليكون لهم عند الطلب لذة وعند العطاء، فإن
كون المملوك بحيث يتمكن من أن يخاطب الملك فى حواتجه منصب عظيم ، والملك الجبارقد يدفع
حوائج المماليك بأسرها قصداً منه لئلا يخاطب (الثانى) ما يدعون ما يتداعون وحينئذ يكون
افتعالا بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل، ومعناه ماذكرناه أن كل ما يصح أن يدعو أحد
صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل لهم (الثالث) ما يتمنونه ( الرابع) بمعنى
الدعوى ومعناه حينئذ أنهم كانوا يدعون فى الدنيا أن لهم الله وهو مولاهم وأن الكافرين لامولى
لهم. فقال لهم فى الجنة ما يدعون به فى الدنيا ، فتكون الحكاية محتكية فى الدنيا ، كأنه يقول فى
يومنا هذا لكم أيها المؤمنون غداً ما تدعون اليوم ، لا يقال بأن قوله (إن أصحاب الجنة اليوم فى
شغل فاكهون هم وأزواجهم فى ظلال ) يدل على أن القول يوم القيامة لأنا نقول الجواب عنه
من وجهين ( أحدهما ) أن قوله (هم ) مبتدأ ( وأزواجهم ) عطف عليهم فيحتمل أن يكون هذا
الكلام فى يومنا هذا يخبرنا أن المؤمن وأزواجه فى ظلال غداً وله ما يدعيه (والجواب الثانى)

٩٤
قوله تعالى : سلام قولاً من رب رحيم . سورة يس .
سَلَمُ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ (﴾
وهو أولى هو أن نقول: معناه لهم ما يدعون أى ما كانوا يدعون. لايقال بأنه إضمار حيث
لاضرورة وإنه غير جائز لأنا نقول على ماذكرنا يبقى الادعاء مستعملا فى معتاه المشهور لأن
الدعاء هو الإتيان بالدعوى وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قوله (سلام قولا من رب رحيم)
هو فى دار الآخرة وهو كالتفسير لقوله ( ما يدعون) ولأن قوله ( ما يدعون ) مذکور بين جمل
كلها فى الآخرة فما يدعون أيضاً ينبغى أن يكون فى الآخرة وفى الآخرة لا يبقى دعوى وبينة
لظهور الأمور والفصل بين أهل الثبور والحبور .
قوله تعالى: ﴿ سلام قولا من رب رحيم﴾ هو أكمل الأشياء وهو آخرها الذى لا شىء
فوقه ولنبينه فى مسائل :
المسألة الأولى﴾ ما الرافع لقوله (سلام)؟ نقول يحتمل ذلك وجوهاً (أحدها) هو بدل
مما يدعون كأنه تعالى لما قال (لهم ما يدعون) بينه يبدله فقال لهم سلام فيكون فى المعنى كالمبتدأ
الذی خبره جار و مجرور، كما يقال فى الدار جل ولزيد مال ، وإن كان فى النحو ليس كذلك بل هو
بدل وبدل النكرة من المعرفة جائز فتكون ما بمعنى الذى معرفة وسلام نكرة ، ويحتمل على هذا
أن يقال ما فى قوله تعالى ( ما يدعون ) لا موصوفة ولا موصولة بل هى نكرة تقديره لهم شى.
يدعون ثم بين بذكر البدل فقال (سلام) والأول هو الصحيح (وثانيها) سلام خبرما ولهم لبيان
الجهة تقديره ما يدعون سالم لهم أى خالص والسلام بمعنى السالم الخالص أو السليم يقال عبد سلام
أى سليم من العيوب كما يقال لزيد الشرف متوفر والجار والمجرور يكون لبيان من له ذلك
والشرف هو المبتدأ ومتوفر خر ٥ ( وثالثها) قوله تعالى (سلام) منقطع عما تقدم وسلام مبتدأ
وخبره محذوف تقديره سلام عليهم فيكون ذلك إخباراً من الله تعالى فى يومنا هذا كأنه تعالى
حكى لنا وقال ( إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل) ثم لما بين كمال حالهم قال سلام عليهم، وهذا
كما فى قوله تعالى (سلام على نوح، سلام على المرسلين) فيكون اللّه تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين
كما أحسن إلى عباده المرسلين وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول، أو نقول تقديره سلام
عليكم ويكون هذا نوعاً من الالتفات حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال سلام عليكم.
المسألة الثانية﴾ قولا، منصوب بماذا؟ نقول يحتمل وجوهاً (أحدها) نصب على المصدر
تقديره على قولنا المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سلام يقوله اللّه قولا أو تقوله الملائكة قولا وعلى
قولنا ما يدعون سالم لهم تقديره قال الله ذلك قولا ووعدهم بأن لهم ما يدعون سالم وعداً وعلى قولنا
سلام عليهم تقديره أقوله قولا وقوله ( من رب رحيم) يكون لبيان أن السلام منه أى سلام
عليهم من رب رحيم أقوله قولا ، ويحتمل أن يقال على هذا إنه تمييز لأن السلام قد يكون قولا وقد

٩٥
قوله تعالى : وامتازوا اليوم . سورة يس .
وَأَمْتَشْزُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
يكون فعلا فإن من يدخل على الملك فيطأطئ. رأسه يقول سلمت على الملك ، وهو حينئذ كقول
القائل البيع موجود حكما لاحساً وهذا منوع عنه قطعاً لاظناً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال فى السلام من رب رحيم وقال فى غيره من أنواع الإكرام (نزلا من
غفور رحيم) فهل بينهما فرق ؟ نقول نعم، أماهناك فلأن النزل مايرزق النزيل أو لا، وذلك وإن كان
يدل عليه ما بعده فان النزيل إذا أكرم أولا يدل على أنه مكرم وإذا أخل یا کرامه فى الأول يدل
على أنه مهان دائماً غير أن ذلك غير مقطوع به ، لجواز أن يكون الملك واسع الرزق فيرزق نزيله
أولا ولا يمنع منه الطعام والشراب ويناقشه فى غيره فقال غفور لما صدر من العبيد ليأمن العبد
ولا يقول بأن الإطعام قد يوجد ممن يعاقب بعده والسلام يظهر مزية تعظيمه للمسلم عليه لا بمغفرة
فقال ( رب غفور) لأن رب الشىء مالكه الذى إذا نظر إلى على مرتبته لا يرجى منه الالتفات
إليه بالتعظيم ، فإذا سلم عليه يعجب منه وقيل انظر هو سيده ويسلم عليه.
قوله تعالى: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون) وفيه وجوه منها تبيين وجه الترتيب أيضاً
(الأول) امتازوا فى أنفسكم وتفرقوا كما قال تعالى (تكاد تميز من الغيظ) أى بعضه من بعض غير
أن تميزهم من الحسرة والندامة ووجه الترتيب حينئذ أن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته ونزول
دركته وضعته فيتحسر فيقال لهم (امتازوا اليوم) إذ لا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم (الثانى)
امتازوا عن المؤمنين وذلك لأنهم يكونون مشاهدين لما يصل إلى المؤمن من الثواب والإكرام
ثم يقال لهم تفرقوا وادخلوا مساكنكم من النار فلم يبق لكم اجتماع بهم أبداً (الثالث) امتازوا
بعضكم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذى أشار إليه بقوله تعالى (هم
وأزواجهم) فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضاً ولا عذاب فوق الفرقة ، بل
العقلاء قالوا بأن كل عذاب فهو بسبب تفرق اتصال، فإن من قطعت يده أو أحرق جسمه
فإنما يتألم بسبب تفرق المتصلات بعضها عن بعض ، لكن التفرق الجسمى دون التفرق
العقلى (الرابع ) امتازوا عن شفعائكم وقرناتكم فما لكم اليوم حميم ولا شفيع (الخامس)
امتازوا عما ترجون واعتزلوا عن كل خير ، والمجرم هو الذى يأتى بالجريمة ، ويحتمل أن يقال إن
المراد منه أن الله تعالى يقول امتازوا فيظهر عليهم سيما يعرفون بها، كما قال تعالى (يعرف المجرمون
بسيماهم) وحينئذ يكون قوله تعالى امتازوا أمر تكوين، كما أنه يقول (كن فيكون) كذلك يقول
امتازوا فيتميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو فى وجوههم سواء.

٩٦
قوله تعالى : ألم أعهد إلیکم يا بني آدم . سورة يس .
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَشَبَنِيّءَ ادَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوْ هُبِينٌ
٦٠
قوله تعالى: ﴿ ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين
لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقول: إن الإنسان كان ظلوماً
جهولا، والجهل من الأعذار، فقال الله ذلك عند عدم الإنذار، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح
الرسل، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ما ينبغى أن تفعلوه وما لا ينبغى، وفى الآية مسنائل:
المسألة الأولى﴾ فى اللغات التى فى (أعهد) وهى كثيرة (الأولى) كسر همزة إعهد
وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم (الثانية) كسر الهاء من باب ضرب
يضرب (الثالثة) قلب العين جيما ألم أجهد .. وذلك فى كل عين بعدها ها. (الرابعة ) إدغام الهاء فى
الحاء بعد القلب فيقال ألم أحد، وقد سمع قوم يقولون دحا محا ، أى دعها معها.
المسألة الثانية ﴾ فى معنى أعهد وجوه أقربها وأقواها ألم أوص إليكم.
المسألة الثالثة ) فى هذا العهد وجوه (الأول) أنه هو العهد الذى كان مع أبينا آدم بقوله
(وعهدنا إلى آدم)، (الثانى) أنه هو الذى كان مع ذرية آدم بقوله تعالى (ألست بربكم قالوا بلى )
فان ذلك يقتضى أن لا نعبد غير الله (الثالث) وهو الأقوى ، أن ذلك كان مع كل قوم على لسان
رسول ، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر، وإن اختلفوا فى حقيقته وكيفيته.
المسألة الرابعة ) قوله ( لا تعبدوا الشيطان) معناه لا تطيعوه، بدليل أن المنهى عنه ليس
هو السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة، لا يقال فتكون نحن مأمورين
بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم فى قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)
لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له، وكيف لا ونفس
السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله، ألا ترى أن الملائكة سجدوا
لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه، فان قيل
بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن ، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبراً ولا نرى منه أثراً؟
نقول عبادة الشيطان فى مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به، ففى بعض الأوقات
يكون الشيطان يأمرك وهو فى غيرك ، وفى بعض الأوقات يأمرك وهو فيك ، فاذا جاءك شخص
يأمرك بشىء، فانظر إن كان ذلك موافقاً لأمر الله أو ليس موافقاً، فإن لم يكن موافقاً فذلك
الشخص معه الشيطان يأمرك بما يأمرك به ، فان أطعته فقد عبدت الشيطان ، وإن دعتك نفسك
إلى فعل فانظر أهو مأذون، فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك، فان لم يكن مأذوناً فيه فنفسك
هى الشيطان ، أو معها الشيطان يدعوك ، فإن اتبعته فقد عبدته، ثم إن الشيطان يأمر أولا بمخالفة

٩٧
قوله تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم . سورة يس .
الله ظاهراً، فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه، بل يقول له أعبد الله كى لا تهان،
وليرتفع عند الناس شأنك، وينتفع بك إخوانك وأعوانك ، فإن أجاب إليه فقد عبده لكن عبادة
الشيطان على تفاوت ، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه ،
ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان ، فمن الناس من يرتكب جريمة كارهاً
بقلبه لما يقترف من ذنبه ، مستغفراً لربه ، يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء
الظاهرة، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب ، كما أنك تجد كثيراً من الناس يفرح بكونه
متردداً إلى أبواب الظلمة للسعاية، ويعد من المحاسن كونه سارياً مع الملوك ويفتخر به بلسانه ،
وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم
فيظلمون، فرحين بما ورد عليهم من الأمر، إذا عرفت هذا فالطاعة التى بالأعضاء الظاهرة،
والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام، كما ورد فى الأخبار ، ومن ذلك قوله گلے ((الحمى
من فيح جهنم )) وقوله ◌ِّ (( السيف محاء للذنوب)) أى لمثل هذه الذنوب، ويدل عليه ما قال
تلقى فى الحدود ((إنها كفارات)) وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلا بالتوبة والندم وإقبال
القلب على الرب ، وما يكون باللسان فهو من قبيل ما يكون بالقلب فى الظاهر ، والمثال يوضح الحال
فنقول إذا كان عند السلطان أمير وله غلمان هم من خواص الأمير وأتباع بعداء هم من عوام
الناس ، فإذا صدر من الأمير مخالة ومسارة مع عدو السلطان ومصادقة بينهما ، لا يعفو الملك عن
ذلك إلا إذا کان فى غاية الصفح، أو یکون للا میر عنده يد سابقة أو توبة لا حقة ، فان صدر من
خواص الأمير مخالفة وهو به عالم ولم يزجره، عدت المخالفة موجودة منه ، وإن كان كارهاً وأظهر
الإنكار حسنت معاتبته دون معاقبته، لأن إقدام خواصه على المخالفة دليل على سوء التربية،
فان كان الصادر من الحواشى الأباعد وبلغ الأم ولم يزجره وتب الأمير، وإن زجرهم استحق
الأمير بذلك الزجر الإكرام ، وحسن من الملك أن يسدى إلى المزجور الإحسان والإنعام
إن علم حصول انزجاره ، إذا علمت هذا فالقلب أمير واللسان خاصته والأعضاء خدمه ، فما يصدر
من القلب فهو العظيم من الذنب ، فإن أقبل على محبة غير الله فهو الويل العظيم والضلال المبين
المستعقب للعقاب الأليم والعذاب المهين ، وما يصدر من اللسان فهو محسوب على القلب ولا يقبل
قوله إن لم ينكر فعله وما يصدر من الأعضاء والقلب قد أظهر عليه الانكار وحصل له الانزجار
فهو الذنب الذى حكى النبى رقم عن ربه أنه قال ((لو لم تذنبوا لخلقت أقواماً يذنبون ويستغفرون
فأغفر لهم ))، (وههنا لطيفة) وهى أن الشيطان قد يرجع عن عبد من عباد الله فرحاً فيظن أنه قد.
حصل مقصوده من الإغواء حيث يرى ذلك العبد ارتكب الذنب ظاهراً ويكون ذلك رافعاً لدرجة
العبد ، فان بالذنب ينكسر قلب العبد فيتخلص من الإعجاب بنفسه وعبادته، ویصیر أقرب من
المقربين، لأن من يذنب مقرب عند اللّه كما قال تعالى ( لهم درجات عند ربهم) والمذنب التائب
النادم منكسر القلب واللّه عنده كما قال مي ليه حاكياً عن ربه ((أنا عند المنكسرة قلوبهم)) وفرق
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٧

٩٨
قوله تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم . سورة يس .
بين من يكون عند الله، وبين من يكون عنده الله، ولعل ما يحكى من الذنوب الصادرة عن الأنباء
من هذا القبيل لتحصل لهم الفضيلة على الملائكة حيث تبجحوا بأنفسهم بقولهم ( ونحن نسبح بحمدك
ونقدس لك) وقد يرجع الشيطان عن آخر يكون قد أمره بشىء فلم يفعله والشخص يظن أنه غلب
الشيطان ورده خائباً فيتبجح فى نفسه وهو لا يعلم أن الشيطان رجع عنه محصل المقصود مقبولا
غير مردود. ومن هذا يتبين أمر أصولى وهو أن الناس اختلفوا فى أن المذنب هل يخرج من
الايمان أم لا؟ وسبب النزاع وقوع نظر الخصمين على أمرين متباينين فالذنب الذى بالجسد لا
بالقلب لا يخرج بل قد يزيد فى الإيمان والذى بالقلب يخاف منه الخروج عن ربقة الإيمان
ولذلك اختلفوا فى عصمة الأنبياء من الذنوب، والأشبه أن الجسدى جائز عليهم والقرآن دليل
عليه ، والقلى لا يجوز عليهم، ثم إنه تعالى لما نهى عباده عن عبادة الشيطان ذكر ما يحملهم على قبول
ما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه بقوله ( إنه لكم عدو مبين ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ من أين حصلت العداوة بين الشيطان والإنسان؟ فنقول ابتداؤها من الشيطان
وسببه تكريم الله بنى آدم، لما رأى إبليس ربه كرم آدم وبنيه عاداهم فعاداه الله تعالى والأولى منه
لؤم والثانى من الله كرم، أما الأول فلأن الملك إذا أكرم شخصاً ولم ينقص من الآخر شيئاً إذ
لا ضيق فى الخزانة ، فعداوة من يعادى ذلك المكرم لا تكون إلا لؤماً، وأما الثانى فلأن الملك
إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه وذلك لأن الضعيف ما كان يقدر أن يصل إلى بعض تلك المنزلة
لولاإكرام الملك، يعلم أن من يبغضه ينكر فعل الملك أو ينسب إلى خزانته ضيقاً، وكلاهما يحسن
التعذيب عليه فيعاديه إتماماً الاكرام وإكمالا للافضال، ثم إن كثيراً من الناس على مذهب إبليس
إذا رأوا واحداً عند ملك محترماً بغضوه وسعوا فيه إقامة لسنة إبليس، فالملك إن لم يكن متخلقاً
بأخلاق اللّه لا يبعد الساعى ويسمع كلامه ويترك إكرام ذلك الشخص واحترامه.
﴿ المسألة الثانية﴾ من أين إبانة عداوة إبليس؟ نقول لما أكرم الله آدم عاداه إبليس وظن
أنه يبقى فى منزلته وآدم فى منزلته مثل متباغضين عند الملك والله كان عالماً بالضمائر فأبعده وأظهر
أمره فأظهر هومن نفسه ما كان يخفيه لزوال ما كان يحمله على الإخفاء فقال (لأ قعدن لهم صراطك
المستقيم) وقال ( لأ حتنكن ذريته) .
﴿ المسألة الثالثة)) إذا كان الشيطان للانسان عدواً مبيناً فما بال الإنسان يميل إلى مراضيه
من الشرب والزنا، ويكره مساخطه من المجاهدة والعبادة ؟ نقول سبب ذلك استعانة الشيطان بأعوان
من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله، فيستعين بشهوته التى خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه
وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مسالك المبالك، وكذلك يستعين بغضبه الذى
خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعله سبباً لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصى كميل
المريض إلى المضار وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال، فترى المحموم يريد الماء البارد

٩٩
قوله تعالى : وان اعبدوني . سورة يس .
وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَاطُ مُسْتَقِيمٌ.
وهو يريد فى مرضه. ومن به فساد المعدة فلا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير
ولا يشبع بشىء وهو يزيد فى معدته فساداً، وصحيح المزاج لا يشتهى إلا ما ينفعه فالدنيا كالهواء
الوبى. لا يستغنى الإنسان فيه عن استنشاق الهواء وهو المفسد مزاجه ولا طريق له غير إصلاح
الهواء بالروائح الطيبة والأشياء الزكية والرش بالخل والماورد من جملة المصلحات ، فكذلك
الانسان فى الدنيا لا يستغنى عن أمورها وهى المعينات للشيطان وطريقه ترك الهوى وتقليل
التأميل وتحريف الهوى بالذكر الطيب والزهد، فإذا صح مزاج عقله لا يميل إلا إلى الحق ولا يبقى
عليه فى التكاليف كلفة ويحصل له مع الأمور الإلهية ألفة ، وهنالك يعترف الشيطان بأنه ليس له
عليه سلطان .
قوله تعالى: ﴿ وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم) لما منع عبادة الشيطان حمل على
عيادة الرحمن والشارع طبيب الأرواح كما أن الطبيب طبيب الأشباح، وكما أن الطبيب يقول
للمريض لا تفعل كذا ولا تأكل من ذا وهى الحمية التى هى رأس الدواء لئلا يزيد مرضه ، ثم
يقول له تناول الدواء الفلانى تقوية لقوته المقاومة للمرض، كذلك الشارع منع من المفسد وهو
اتباع الشيطان وحمل على المصلح وهو عبادة الرحمن وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ عند المنع من عبادة الشيطان قال (إنه لكم عدو مبين) لأن العداوة
أبلغ الموانع من الاتباع، وعند الأمر بعبادة الرحمن لم يقل إنه لكم حبيب لأن المحبة لا توجب
متابعة المحبوب بل ربما يورث ذلك الاتكال على المحبة. فيقول إنه يحبنى فلا حاجة إلى تحمل
المشقة فى تحصيل مراضيه، بل ذكر ما هو أبلغ الأشياء فى الحمل على العبادة وذلك كونه طريقاً
مستقيما، وذلك لأن الانسان فى دار الدنيا فى منزل قفر مخوف وهو متوجه إلى دار إقامة فيها
إخوانه ، والنازل فى بادية خالية يخاف على روحه وماله ولا يكون عنده شىء أحب من طريق
قريب آمن ، فلما قال الله تعالى (هذا صراط مستقيم ) كان ذلك سبباً حاثاً على السلوك، وفى ضمن
قوله تعالى (هذا صراط) اشارة إلى أن الانسان مجتاز لأنه لو كان فى دار إقامة فقوله (هذاصراط
مستقيم) لا يكون له معنى لأن المقيم يقول وماذا أفعل بالطريق وأنا من المقيمين.
المسألة الثانية) ماذا يدل على كونه طريقاً مستقيما؟ نقول الإنسان مسافر إما مسافرة راجع
إلى وطنه، وإما مسافرة تاجر له متاع يتجر فيه ، وعلى الوجهين فالله هو المقصد، وأما الوطن فلأنه
لا يوطن إلا فى مأمن ولا أمن إلا بملك لا يزول ملكه لأن عند زوال ملك الملوك لا يبقى الأمن
والراحة ، والله سبحانه هو الذى ملكه دائم وكل ما عداه فهو فان، وأما التجارة فلأن التاجر
لا يقصد إلا إلى موضع يسمع أو يعلم أن لمتاعه هناك رواجا والله تعالى يقول إن العمل الصالح

١٠٠
قوله تعالى : ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً . سورة يس .
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِلَّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ (٢) هَذِهِ، جَهُمُ الَِّى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
عنده مثاب عليه مقابل بأضعاف ما يستحق، واللّه هو المقصد، وعبادته توجه إليه، ولا شك أن
القاصد لجهة إذا توجه اليها يكون على الطريق المستقيم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ العبادة تنى عن معنى التذلل، فلما قال لا تعبدوا الشيطان لزم أن يتكبر
الإنسان على ما سوى الله ولما قال (وأن إعبدونى) ينبغى أن لا يتكبر على اللّه لكن التكبر على
ما سوى الله ليس معناه أنه يرى نفسه خيراً من غيره، فان نفسه من جملة ما سوى الله ، فينبغى أن
لا يلتفت اليها ولو كانت متجملة بعبادة الله، بل معنى التكبر على ماسوى الله أن لا ينقادلشى. إلا بإذن
الله وفي هذا التكبر غاية التواضع فإنه حينئذ لا ينقاد إلى نفسه وحظ نفسه فى التفوق على غيره
فلا يتفوق فيحصل التواضع التام ولا ينقاد لأمر الملوك إذا خالفوا أمر الله فيحصل التكبر التام
فيرى نفسه بهذا التكبر دون الفقير وفوق الأمير .
ثم إن الله تعالى ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى ﴿ولقد أضل منكم جبلا كثيراً أفلم
تكونوا تعقلون ﴾ وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى الجبل ست لغات كسر الجيم والباء مع تشديد اللام وضمهما مع التشديد
وكسرهما مع التخفيف وضمهما معه وتسكين الباء وتخفيف اللام مع ضم الجيم ومع كسره.
﴿ المسألة الثانية﴾ فى معنى الجبل الجيم والباء واللام لا تخلو عن معنى الاجتماع والجبل فيه
اجتماع الأجسام الكثيرة ، وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت
مجتمعة اللبن الكثير ، لايقال البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبىء عن التفوق فإن الأبلج خلاف
المقرون لأنا نقول هى لاجتماع الأماكن الخالية التى تسع المتمكنات ، فإن البلجة والبلدة بمعنى
والبلد سمى بلداً للاجتماع لا للتفرق، فالجبل الجمع العظيم حتى قيل إن دون العشرة آلاف لا يكون
جبلا وإن لم يكن صحيحاً.
المسألة الثالثة ) كيف الإضلال؟ نقول على وجهين: (أحدهما) أن الإضلال تولية عن
المقصد وصد عنه فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فان لم يقدر يأمره
بعبادة الله لأمر غير الله من رياسة وجاه وغيرهما فهو صد، وهو يفضى إلى التولية لأن مقصوده
لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية.
ثم بين مآل أهل الضلال بقوله تعالى ﴿هذه جهنم التى كنتم توعدون﴾.
وحال الضال مال شخص خرج من وطنه مخافة عدوه فوقع فى مشقة ولو أقام فى وطنه لعل