النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
قوله تعالى : وما أنزلنا على قومه . سورة يس .
الثالث والعشرون
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُنِدٍ مِّنَ اَلَّمَاءِ
وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ.
٢٧٠
قوله تعالى: ﴿وجعلنى من المكرمين﴾ قد ذكرنا أن الإيمان والعمل الصالح يوجبان
أمرين هما الغفران والإكرام كما فى قوله تعالى ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم
مغفرة ورزق كريم) والرجل كان من المؤمنين الصلحاء، والمكرم على ضد المهان والإهانة
بالحاجة والإكرام بالاستغناء فيغنى اللّه الصالح عن كل أحد ويدفع جميع حاجاته بنفسه.
ثم إنه تعالى لما بين حاله بين حال المتخلفين المخالفين له من قومه بقوله تعالى ﴿وما أنزلنا على
قومه من بعده من جند من السماء ﴾ إشارة إلى هلا كهم بعده سريعاً على أسهل وجه فانه لم يحتج
إلى إرسال جند يهلكهم ، وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ههنا ( وما أنزلنا) باسناد الفعل إلى النفس ، وقال فى بيان حال
المؤمن قيل أدخل الجنة بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال
بلفظ التعظيم ، وأما فى (ادخل الجنة) فقال قيل ليكون هو كالمهنأبقول الملائكة حيث يقول له كل
ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها ، وكثيراً ما ورد فى القرآن قوله تعالى (وقيل ادخلوا)
إشارة إلى أن الدخول يكون دخولا يا كرام كما يدخل العريس البيت المزين على رءوس الأشهاد
يهنئه كل أحد .
﴿ المسألة الثانية) لم أضاف القوم إليه مع أن الرسل أولى بكون الجمع قوماً لهم فان الواحد
يكون له قوم هم آله وأصحابه والرسول لكونه مرسلا يكون جميع الخلق وجميع من أرسل إليهم
قوماً له؟ نقول لوجهين (أحدهما) ليبين الفرق بين اثنين هما من قبيلة واحدة أكرم أحدهما غاية
الإكرام بسبب الإيمان وأمين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر، وهذا من قوم أولئك فى النسب
( وثانيهما) أن العذاب كان مختصاً بأقارب ذلك، لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم
يصبهم العذاب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ خصص عدم الإنزال بما بعده واللّه تعالى لم ينزل عليهم جنداً قبله أيضاً
فما فائدة التخصیص ؟ نقول استحقاقهم العذاب کان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال
الهلاك أنه لم یکن مجند .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال (من السماء) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من
الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن يكون المرادوما أنزلنا عليهم
جنداً بأمر من السماء فيكون للعموم (وثانيهما) أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل
لم يكن جنداً لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارثم وخربت ديارهم.
٦٢
قوله تعالى : إن كانت الا صحيحة واحدة . سورة يس .
يَحَسْرَةً عَلَى
وَمَا كُكَّا مُنْزِلِينَ (*) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ
الْعِبَادِ
المسألة الخامسة﴾، ﴿ وما كنا منزلين) أية فائدة فيه مع أن قوله ( وما أنزلنا) يستلزم
أنه لا يكون من المنزلين؟ نقول قوله (وما كنا) أى ما كان ينبغى لنا أن ننزل لأن الأمر كان يتم
بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال، أو نقول ( وما أنزلنا، وما كنا منزلين) فى مثل
تلك الواقعة جنداً فى غير تلك الواقعة ، فان قيل فكيف أنزل الله جنوداً فى يوم بدر وفى غير ذلك
حيث قال (وأنزل جنوداً لم تروها) ؟ نقول ذلك تعظيما لمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان تحريك
ريشة من جناح ملك كافياً فى استئصالهم وما كان رسل عيسى عليه السلام فى درجة محمد عَ له.
ثم بين اللّه تعالى ما كان بقوله ﴿ إن كانت﴾ الواقعة ( إلا صيحة) وقال الزمخشرى أصله
إن كان شىء إلاصيحة فكان الأصل أن يذكر، لكنه تعالى أنث لما بعده من المفسروهو الصبيحة.
قوله تعالى: ﴿واحدة﴾ تأكيد لكون الأمر هيناً عند الله.
قوله تعالى: ﴿ فإذا هم خامدون﴾ فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فان خمودهم كان مع الصيحة
وفى وقتها لم يتأخر، ووصفهم بالخمود فى غاية الحسن وذلك لأن الحى فيه الحرارة الغريزية وكلما كانت
الحرارة أوفر كانت القوة الغضبية والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك، أما الغضب فانهم قتلوا مؤمناً
كان ينصحهم، وأما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الحالية فاذن
كانوا كالنار الموقدة ،ولأنهم كانوا جبارين مستكبرين كالنارومن خلق منها فقال (فاذا هم عامدون)
(وفيه وجه آخر ) وهو أن العناصر الأربعة يخرج بعضها عن طبيعته التى خلقه الله عليها ويصير
العنصر الآخر بإرادة الله فالأحجار تصير مياها، والمياه تصير أحجاراً وكذلك الماء يصير هواء
عند الغليان والسخونة والهواء يصيرماء للبرد ولكن ذلك فى العادة بزمان، وأما الهواء فيصير ناراً
والنار تصير هواء بالاشتعال والخمود فى أسرع زمان، فقال خامدين بسببها محمود النار فى السرعة
كاطفاء سراج أو شعلة .
قوله تعالى: ﴿ياحسرة على العباد ﴾ أى هذا وقت الحسرة فاحضرى يا حسرة والتنكير
للتكثير ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الألف واللام فى العباد يحتمل وجهين (أحدهما) للمعهود وهم الذين
أخذتهم الصيحة فياحسرة على أولئك ( وثانيهما) لتعريف الجنس جنس الكفار المكذبين.
{ المسألةُ الثانيةَ﴾ من المتحسر؟ نقول فيه وجوه (الأول) لا متحسر أصلا في الحقيقة إذ
المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب .
٦٣
قوله تعالى : وما يأتيهم من رسول . سورة يس.
٣
مَايَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ - يَسْتَهْزِءُ ونَ
( وههنا بحث لغوى) وهو أن المفعول قد يرفض رأساً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال
إن فلاناً يعطى ويمنع ولا يكون هناك شىء معطى إذ المقصود أن له المنع والاعطاء، ورفض
المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل، والوجه فيه ما ذكرنا ، أن ذكر المتحسر غير
مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة فى ذلك الوقت ( الثانى ) أن قائل ياحسرة هو الله على
الاستعارة تعظيما للأمر وتهويلا له وحينئذ يكون كالألفاظ التى وردت فى حق الله كالضحك
والنسيان والسخر والتعجب والتمنى، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة وباندامة، أن القائل متحسر
أو نادم بل المعنى أنه يخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوزفى بيان كونه تعالى قال (ياحسرة)
بل يخبر به على حقيقته إلا فى النداء ، فإن النداء مجاز والمراد الاخبار (الثالث ) المتلهفون من
المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكى عن حبيب أنه حين القتل كان يقول اللهم اهد قومى وبعد
ماقتلوه وأدخل الجنة قال ياليت قومى يعلمون، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه .
﴿ المسألة الثالثة) قرى. (يا حسرة) بالتنوين، و(يا حسرة العباد) بالإضافة من غير كلمة على،
وقرىء ياحسرة على بالهاء إجراء الوصل مجرى الوقف .
المسألة الرابعة ﴾﴾ من المراد بالعباد؟ نقول فيه وجوه (أحدها) الرسل الثلاثة كأن الكافرين
يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم ياليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم (وثانيها) هم قوم
حبيب ( وثالثها) كل من كفر وأصر واستكبر وعلى الأول فاطلاق العباد على المؤمنين كما فى قوله
( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) وقوله ( ياعادى الذين أسرفوا) وعلى الثانى فاطلاق العباد
على الكفار ، وفرق بين العبد مطلقاً وبين المضاف إلى الله تعالى فان الاضافة إلى الشريف تكسو
المضاف شرفا تقول بيت اللّه فيكون فيه من الشرف مالا يكون فى قولك البيت، وعلى هذا فقوله
تعالى (وعباد الرحمن) من قبيل قوله ( ان عبادى) وكذلك (عباد اللّه).
ثم بين اللّه تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى ﴿ ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ﴾
وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية ، وأعرفه نفسه ، وطلب منه أمراً هيناً
فكذبه ولم يجبه إلى ما دعاه، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك ، يكون عنده
من الندامة ما لا مزيد عليه ، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم باعزاز اللّه إياهم وجعلهم
نوابه كما قال ( إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) وجاؤا وعرفوا أنفسهم ولم يكن لهم عظمة
ظاهرة فى الحس، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند اللّه لهم، وكان ما يدعون
إليه أمراً هيناً نفعه عائد إليهم من عبادة الله وما كانوا يسألون عليه أجراً، فعند ذلك تكون
الندامة الشديدة، وكيف لا وهم لم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزأوا واستخفوا واستهانوا
٦٤
قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم . سورة يس.
أَرْ بَرَوَ كَرْ أَهْلَكَ قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ () وَإِن كُلّ
لَّمَّا جَميعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (َ
وقوله ( ما يأتيهم) الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى قوم حبيب، أى ما يأتيهم من رسول من
الرسل الثلاثة ( إلا كانوا به يستهزؤون) على قولنا الحسرة عليهم، ويجوز أن يكون عائداً إلى
الكفار المصرين .
ثم إن الله تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون﴾
أى الباقون لايرون ماجرى على من تقدمهم، ويحتمل أن يقال: إن الذين قيل فى حقهم (ياحسرة)
هم الذين قال فى حقهم (ألم يروا) ومعناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا وأهلكوا إلى قوم
نوح وقبله .
وقوله ( أنهم إليهم لا يرجعون) بدل فى المعنى عن قوله (كم أهلكنا) وذلك لأن معنى
(كم أهلكنا) ألم يروا كثرة إهلاكنا ، وفيه معنى، ألم يروا المهلكين الكثيرين أنهم إليهم
لايرجعون، وحينئذ يكون كبدل الاشتمال، لأن قوله (أنهم إليهم لا يرجعون) حال من أحوال
المهلكين، أى أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم فيصير كقولك: ألا ترى زيداً أدبه ، وعلى
هذا فقوله (أنهم إليهم لا يرجعون) فيه وجهان (أحدهما) أهلكوا إهلاكا لا رجوع لهم إلى
من فى الدنیا ( وثانيهما) هو أنهم لا يرجعون إليهم، أى الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بنسب
ولا ولادة، يعنى أهلكناهم وقطعنا نسلهم، ولا شك فى أن الإهلاك الذى يكون مع قطع النسل
أتم وأعم ، والوجه الأول أشهر نقلا ، والثانى أظهر عقلا .
قوله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه
الله تركه ، بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة،
ونعم ما قال القائل :
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حى
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شى
وقوله (وإن كل لما) فى إن وجهان (أحدهما) أنها مخففة من الثقيلة واللام فى لما فارقة بينها
ربين النافية ، وما زائدة مؤكدة فى المعنى، والقراءة حينئذ بالتخفيف فى لما ( وثانيهما) أنها نافية
ولما بمعنى إلا، قال سيبويه: يقال نشدتك باللّه لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، والقراءة حينئذ
بالتشديد فى لما ، يؤيد هذا ما روى أن أبياً قرأ (وما كل إلا جميع) وفى قول سيبويه لما بمعنى
إلا وارد معنى مناسب وهو أن لما كأنها حرفا نفى جمعاءهما لم وفافتأكد النفي، ولهذا يقال فى
.
٦٥
قوله تعالى : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها . سورة يس .
وَءَايٌَّ لَُّمُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْيَنَهَا وَأَنْخَجْنَا مِنْهَ حَبَّ فِنْهُ يَأْكُونَ
٣٢
وَجَعَلَنَا فِيَا جٍَّ مِّنْ تَغِلٍ وَأَعْنٍَ وَفَجْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُونِ ﴿ لِيَأْكُوْ مِنْ تَرِهِ
وَمَا عَلَتْهُ أَيْدِيِهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
جواب من قال قد فعل لما يفعل ، وفى جواب من قال فعل لم يفعل ، وإلا كأنها حرفا نفى إن
ولا فاستعمل أحدهما مكان الآخر ، قال الزمخشرى: فإن قال قائل كل وجميع بمعنى واحد،
فكيف جعل جميعاً خبراً لكل حيث دخلت اللام عليه ، إذ التقدير وإن كل لجميع، نقول معنى
جميع مجموع، ومعنى كل كل فرد بحيث لا يخرج عن الحكم أحد، فصار المعنى كل فرد مجموع مع
الآخر مضموم إليه ، ويمكن أن يقال محضرون، يعنى عما ذكره، وذلك لأنه لو قال: وإن جميع
لجميع محضرون، لكان كلاماً صحيحاً ولم يوجد ماذكره من الجواب، بل الصحيح أن محضرون
كالصفة للجميع ، فكأنه قال جميع جميع محضرون، كما يقال الرجل رجل عالم، والنبي نبي مرسل،
والواو فى وإن كل لعطف الحكاية على الحكاية ، كأنه يقول بينت لك ماذكرت ، وأبين أن كلا
لدينا محضرون ، وكذلك الواو فى قوله تعالى :
﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من
نخيل وأعناب وجرنا فيها من العيون ، ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ﴾
كأنه يقول: وأفول أيضاً آية لهم الأرض الميتة وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ما وجه تعلق هذا بما قبله ؟ نقول مناسب لما قبله من وجهين (أحدهما)
أنه لما قال (وإن كل لما جميع) كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكرما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارم
واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم، فقال ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها) كذلك نحيى الموتى
(وثانيهما) أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وکان شغلهم التوحيد ذ کر ما يدل عليه ،
وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون .
المسألة الثانية) لأرض آية مطلقاً فلم خصصها بهم حيث قال (وآية لهم) نقول: الآية تعدد
وتسرد لمن لم يعرف الشىء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشىء بطريق الرؤية لا یذ کر له دليل،
فإن النبى وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء، فليست الأرض معرفة لهم، وهذا
کما قال تعالى(سنريهم آياتنا فى الآفاق وفی أنفسهم حتی ینیین لهم أنه الحق ) وقال (أو لم يكف
بربك أنه على كل شىء شهيد) يعنى أنت كفاك ربك معرفاً ، به عرفت كل شىء فهو شهيد لك على
كل شىء، وأما هؤلاء تبين لهم الحق بالآفاق والأنفس ، وكذلك ههنا آية لهم .
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٥
٦٦
قوله تعالى : وأخرجنا منها حباً . سورة يس .
﴿ المسألة الثالثة)، إن قلنا إن الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء الموتى فيكفى قوله
(أحييناها) ولا حاجة إلى قوله (وأخرجنا منها حباً) وغير ذلك، وإن قلنا إنها للاستدلال على
وجود الإله ووحدته فلا فائدة فى قوله (الأرض الميتة أحيناها) لأن نفس الأرض دليل ظاهر
وبرهان باهر ، ثم هب أنها غير كافية فقوله ( الميتة أحييناها ) كاف فى التوحيد فما فائدة قوله
(وأخرجنا منها حباً) نقول مذكورة للاستدلال عليها ولكل ماذكره الله تعالى فائدة. أما قوله
(وأخرجنا منها حباً ) فله فائدة بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى، وذلك لأنه لما أحيا الأرض
وأخرج منها حباً كان ذلك إحياء تاماً لأن الأرض الخضرة التى لا تنبت الزرع ولا تخرج الحب
دون ما تنبته فى الحياة ، فكانه قال تعالى الذى أحيا الأرض إحياء كاملا منبتاً للزرع يحيي الموتى إحياء
كاملا بحيث تدرك الأمور، وأما بالنسبة إلى التوحيد فلان فيه تعديد النعم كأنه يقول آية لهم الأرض
فانها مكانهم ومهدهم الذى فيه تحريكهم واسكانهم والأمر الضرورى الذى عنده وجودهم وامكانهم
وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهى مكان لهم لابد لهم منها فهى نعمة ثم إحياؤها بحيث تخضر نعمة
ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فان قوتهم يصير فى مكانهم ، وكان
يمكن أن يجعل اللّه رزقهم فى السماء أو فى الهواء فلا يحصل لهم الوثوق، ثم جعل الجنات فيها نعمة
رابعة لأن الأرض تنبت الحب فى كل سنة، وأما الأشجار بحيث تؤخذ منها الثمار فتكون بعد
الحب وجوداً ، ثم جرنا فيها العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل
ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر وبالنسبة إلى بيان إحياء الموتى كل ذلك
مفيد وذلك لأن قوله ( وأخرجنا منها حباً ) كالإشارة إلى الأمر الضرورى الذى لا بد منه وقوله
( وجعلنا فيها جنات) کالا مر المحتاج إليه الذى إن لم یکن لا يغنى الانسان لكنه يبقى مختل الحال
وقوله ( وجرنا فيها من العيون ) إشارة إلى الزينة التى إن لم تكن لا تعنى الانسان ولا يبقى فى
ورطة الحاجة ، لكنه لا يكون على أحسن ما ينبغى ، وكأن حال الانسان بالحب كمال الفقير الذى له
ما يسد خلته من بعض الوجوه ولا يدفع حاجته من كل الوجوه وبالثمار ويعتبر حاله كمال المكتفى
بالعيون الجارية التى يعتمد عليها الانسان ويقوى بها قلبه كالمستغنى الغنى المدخر لقوت سنين ، فيقول
الله عز وجل كما فعلنا فى موات الأرض كذلك نفعل فى الأموات فى الأرض فتحيهم ونعطيهم
ما لابد لهم منه فى بقائهم وتكوينهم من الأعضاء المحتاج اليها وقواها كالعين والقوة الباصرة
والأذن والقوة السامعة وغيرهما ونزيد له ما هو زينة كالعقل الكامل والإدراك الشامل فيكون
كأنه قال نحى الموتى إحياء تاماً كما أخيينا الأرض إحياء تاماً.
المسألة الرابعة) قال عند ذكر الحب (فمنه يأكلون) وفى الأشجار والثمار قال ( ليأكلوا
من ثمره) وذلك لأن الحب قوت لابد منه فقال (فمنه يأكلون) أى هم آكلوه، وأما الثمار ليست
كذلك، فكانه تعالى قال إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها ..
٠٠
٦٧
قوله تعالى : ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم . سورة يس .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ خصص النخيل والأعناب بالذكر من سائر الفواكه لأن ألذ المطعوم
الحلاوة، وهى فيها أتم ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة ، ولا كذلك غيرهما ولأنهما أعم نفعاً
فإنها تحمل من البلاد إلى الأماكن البعيدة، فإن قيل فقد ذكر الله الرمان والزيتون فى الأنعام
والقضب والزيتون والتين فى مواضع، نقول فى الأنعام وغيرها المقصود ذكر الفواكه والثمار
ألا ترى إلى قوله تعالى (أنزل من السماء ماء فأخرجنا به) وإلى قوله (فلينظر الإنسان إلى طعامه)
فاستوفى الأنواع بالذكر وههنا المقصود ذكر صفات الأرض فاختار منها الألذ الأنفع، وقد ذكرنا
فى سورة الأنعام ما يستفاد منه الفوائد ويعلم منه فائدة قوله تعالى ( فاكهة ونخل ورمان).
﴿ المسألة السادسة﴾ فى المواضع التى ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر بلفظ شجرته وهى النخلة
ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب، ولم يذكر الكرم وذلك لأن العنب
شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القدر كثيرة
الجدوى ، فإن كثيراً من الظروف منها يتخذ وبلحاثها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو
الأعجب منها، وقوله تعالى ( ونجرنا فيها من العيون) آية عظيمة لأن الأرض أجزاؤها بحكم العادة
لا تصعد ونحن نرى منابع الأنهار والعيون فى المواضع المرتفعة وذلك دليل القدرة والاختيار
والقائلون بالطبائع قالوا إن الجبال كالقباب المبنية والأبخرة ترتفع إليها كما ترتفع إلى سقوف الحمامات
وتتكون هناك قطرات من الماء ثم تجتمع فان لم تكن قوية تحصل المياه الرا كدة كالآ بار وتجرى
فى القنوات، إن كانت قوية تشق الأرض وتخرج أنهاراً جارية وتجتمع فتحصل الأنهار العظيمة
وتمدها مياه الأمطار والثلوج، فنقول اختصاص بعض الجبال بالعيون دليل ظاهر على الاختيار
وما ذكروه تعسف ، فالحق هو أن الله تعالى خلق الماء فى المواضع المرتفعة وساقها فى الأنهار
والسواقى أو صعد الماء من المواضع المتسفلة إلى الأماكن المرتفعة بأمر الله وجرى فى الأودية
إلى البقاع التى أنعم الله على أهلها .
قوله تعالى : ﴿ليأكلوا من ثمره وماعملته أيديهم أفلا يشكرون﴾ والترتيب ظاهر ويظهر أيضاً
فى التفسير وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله ( ليأكلوا) عن ذكر الثمار حتى قال
( وتجرنا فيها من العيون) وقال فى الحب (فمنه يأكلون) عقيب ذكر الحب، ولم يقل عقيب ذكر
النخيل والأعناب ليأكلوا؟ نقول الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار ولهذا يرى أكثر البلاد
لا يكون بها شىء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتماداً على ماء السماء وهذا لطف
من اللّه حيث جعل ما يحتاج إليه الانسان أعم وجوداً، وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير
الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر .
المسألة الثانية﴾ الضمير فى قوله (من ثمره) عائد إلى أى شىء؟ نقول المشهور أنه عائد إلى اللّه أى
٦٨
قوله تعالى : سبحان الذي خلق الأزواج كلها ، سورة يس .
سُبْحَانَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلُّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَئِمَّا لَا
يَعْلَمُونَ
ليأكلوا من ثمر الله (وفيه لطيفة) وهى أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لم توجد إلا
باللّه تعالى ولو لا خلق اللّه ذلك لم توجد فالثمر بعد جميع ما يظن الظان أنه سبب وجوده ليس إلا بالله
تعالى وإرادته فهى ثمره، ويحتمل أن يعود إلى النخيل وترك الأعناب لحصول العلم بأنها فى حكم
النخيل ويحتمل أن يقال هو راجع إلى المذكور أى من ثمر ما ذكرنا ، وهذان الوجهان نقلهما
الزمخشرى ، ويحتمل وجهاً آخر أغرب وأقرب وهو أن يقال المراد من الثمر الفوائد يقال ثمرة التجارة
الريح ويقال ثمرة العبادة الثواب ، وحينئذ يكون الضمير عائداً إلى التفجير المدلول عليه بقوله (و جرنا
فيها من العيون) تفجيراً لیأ کلوا من فوائد ذلك التفجیروفوائده أ کثرمن الثمار بل يدخل فيه ماقال.
الله تعالى (إنا صبينا الماء صباً) إلى أن قال (فأخرجنا به حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلا وحدائق
غلباً وفاكهة وأبا) والتفجير أقرب فى الذكر من النخيل، ولو كان عائداً إلى اللّه لقال من ثمرنا كما قال
وجعلنا وجرنا.
المسألة الثالثة﴾ ما فى قوله (وما عملته) من أى الماءات هى؟ نقول فيها وجوه: (أحدها)
نافية كأنه قال (وما عملت ) التفجير أيديهم بل الله خير (وثانيها) موصولة بمعنى الذى كأنه قال
والذى عملته أيديهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضاً ويأكلون من ثمر اللّه الذى أخرجه
من غير سعى من الناس ، فعطف الذى عملته الأيدى على ما خلقه الله من غير مدخل للانسان فيه
( وثالثها ) هى مصدرية على قراءة من قرأ وما عملت من غير ضمير عائد معناه ليأكلوا من ثمره وعمل
أيديهم يعنى يغرسون والله ينبتها ويخلق ثمرها فيأكلون مجموع عمل أيديهم وخلق الله، وهذا الوجه
لا يمكن على قراءة من قرأ مع الضمير .
و المسألة الرابعة ) على قولنا ما موصولة، يحتمل أن تكون بمعنى وما عملته أى بالتجارة
كأنه ذكر نوعى ما يأكل الإنسان بهما ، وهما الزراعة والتجارة، ومن النبات ما يؤكل من غير
عمل الأيدى كالعنب والتمر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التى لا تؤكل إلا
مطبوخة أو كالزيتون الذى لا يؤكل إلا بعد إصلاح، ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله
( أفلا يشكرون) وذكر بصيغة الاستفهام لما بينا من فوائد الاستفهام فيما تقدم.
قوله تعالى: ﴿ سبحلا، الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾
قد ذكرنا أن لفظة. سبحان علم دال على التسبيح وتقديره سبح تسبيح الذى خلق الأزواج
كلها، ومعنى سبح نزه ، ووجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال (أفلا يشكرون) وشكر
٦٩
قوله تعالى : وآية لهم الليل . سورة بس .
وَءَايَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلُونَ (
اللّه بالعبادة وهم تركوها ولم يقتنعوا بالترك بل عبدوا غيره وأتوا بالشرك فقال ( سبحان الذى
خلق الأزواج) وغيره لم يخلق شيئاً فقال أو نقول، لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا
بين ما ينبغى أن يكون عليه العاقل فقال ( سبحان الذى خلق الأزواج كلها ) أو نقول لما بين
الآيات قال : ( سبحان الذى خلق ) ماذكره عن أن يكون له شريك أو يكون عاجزاً عن إحياء
الموتى وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) قوله (كلها) يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن الزوج هو الصنف
وأفعال العباد أصناف ولها أشباه هى واقعة تحت أجناس الأعراض فتكون من الكل الذى قال
اللّه فيها إنه خلق الأزواج كلها، لا يقال مما تنبت الأرض، يخرج الكلام عن العموم لأن من قال
أعطيت زيداً كل ما كان لى يكون للعموم إن اقتصر عليه ، فإذا قال بعده من الثياب لا يبقى الكلام
على عمومه لأنا نقول ذلك إذا كانت من لبيان التخصيص ، أما إذا كانت لتأكيد العموم فلا ، بدليل
أن من قال أعطيته كل شىء من الدواب والثياب والعبيد والجوارى يفهم منه أنه يعدد الأصناف
لتأكيد العموم ويؤيد هذا قوله تعالى فى حم (الذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام
ما تركبون) من غير تقييد.
المسألة الثانية) ذكر الله تعالى أموراً ثلاثة ينحصر فيها المخلوقات فقوله (مما تنبت
الأرض) يدخل فيها ما فى الأرض من الأمور الظاهرة كالنبات والثمار وقوله ( ومن أنفسهم)
يدخل فيها الدلائل النفسية وقوله (ومما لا يعلمون) يدخل ما فى أقطار السموات وتخوم الأرضين
وهذا دليل على أنه لم يذكر ذلك للتخصيص بدليل أن الأنعام مما خلقها الله والمعادن لم يذكرها
وإنما ذكر الأشياء لتأكيد معنى العموم كما ذكرنا فى المثال .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( ومما لا يعلمون) فيه معنى نظيف وهو أنه تعالى إنما ذكر كون
الكل مخلوقاً لينزه الله عن الشريك فان المخلوق لا يصلح شريكا للخلق، لكن التوحيد الحقيقى
لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله، فقال تعالى اعلموا أن المانع من التشريك فيما تعلمون
وما لا تعلمون لأن الخلق عام والمائع من الشركة الخلق فلا تشركوا بالله شيئاً مما تعلمون فانكم
تعلمون أنه مخلوق ومما لا تعلمون فإنه عند الله كله مخلوق لكون كله ممكناً .
قوله تعالى: ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون﴾ .
لما استدل الله بأحوال الأرض وهى المكان الكلى استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلى
فان دلالة المكان والزمان مناسبة لأن المكان لا تستغنى عنه الجواهر والزمان لا تستغنى عنه
الأعراض، لأن کل عرض فهو فى زمان ومثله مذ کور فى قوله تعالى( ومن آياته الليل والنهار
٧٠
قوله تعالى : وآية لهم الليل . سورة يس .
والشمس والقدر ) ثم قال بعده ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء
اهتزت وربت ) حيث استدل بالزمان والمكان هناك أيضاً. لكن المقصود أولا هناك إثبات
الوحدانية بدليل قوله تعالى (لا تسجدوا للشمس ) ثم الحشر بدليل قوله تعالى (إن الذى أحياها
لحى الموتى) وههنا المقصود أولا إثبات الحشر لان السورة فيها ذكر الحشر أكثر. يدل عليه النظر
فى السورة، وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله تعالى فيه (قل أبتكم لتكفرون بالذى خلق
الأرض فى يومين ) إلى غيره وآخر السورتين يبين الأمر ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ المكان يدفع عن أهل السنةشيه الفلاسفة، والزمان يدفع عنهم شبه المشبهة.
(أما بيان الأول) فذلك لأن الفلسفى يقول لوكان عدم العالم قبل وجوده لكان عند فرض عدم
العالم قبل ، وقبل وبعد لا يتحقق إلا بالزمان ، فقبل العالم زمان والزمان من جملة العالم فيلزم وجود
الشىء عند عدمه وهو محال، فنقول لهم قد وافقتمونا على أن الأمكنة متناهية، لأن الأبعاد متناهية
بالاتفاق ، فإذن فوق السطح الأعلى من العالم يكون عدماً وهو موصوف بالفوقية، وفوق وتحت
لا يتحقق إلا بالمكان ففوق العالم مكان والمكان من العالم فيلزم وجود الشىء عند عدمه، فان أجابوا
بأن فوق السطح الأعلى لا خلا ولاملا ، نقول قبل وجود العالم لا آن ولا زمان موجود.
(وأما بيان الثانى) فلأن المشبهى يقول لا يمكن وجود موجود إلا فى مكان، فالله فى مكان. فنقول
فيلزمكم أن تقولوا الله فى زمان لأن الوهم كما لا يمكنه أن يقول هو موجود ولا مكان لا يمكنه
أن يقول هو كان موجوداً ولا زمان وكل زمان فهو حادث وقد أجمعنا على أن الله تعالى قديم.
المسألة الثانية ) لو قال قائل إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فلم اختار الليل حيث
قال ( وآية لهم الليل) ؟ نقول لما استدل بالمكان الذى هو المظلم وهو الأرض وقال ( وآية لهم
الأرض) استدل بالزمان الذى فيه الظلمة وهو الليل (ووجه آخر) وهو أن الليل فيه سكون
الناس وهدوء الأصوات وفيه النوم وهو كالموت ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ فى الصور
فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال فى الأرض (وآية لهم الأرض الميتة) فذكر من الزمانين
أشبهما بالموت كما ذكر من المكانين أشبههما بالموت .
المسألة الثالثة﴾ مامعنى سلخ النهار من الليل ؟ نقول معناه تمييزه منه يقال انسلخ النهار من
الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل وسلخه الله منه فانسلخ هو منه، وأما إذا استعمل بغير كلمة
من فقيل سلخت النهار أو الشمس فمعناه دخلت فى آخره، فان قيل فالليل فى نفسه آية فأية حاجة
إلى قوله ( نسلخ منه النهار )؟ نقول الشىء تتبين بضده منافعه ومحاسنه، ولهذا لم يجعل الله الليل
وحده آية فى موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها ، وقوله ( فإذا هم مظلمون) أى داخلون
فى الظلام، وإذا للمفاجأة أى ليس بيدهم بعد ذلك أمر ولا بد لهم من الدخول فيه .
1
٧١
قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها . سورة يس .
ج
وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيِ
٣٨
قوله تعالى: ﴿ والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ﴾.
يحتمل أن يكون الواو للعطف على الليل تقديره: وآيقلهم الليل نسلخ والشمس تجرى والقمر
قدرناه ، فهى كلها آية ، وقوله ( والشمس تجرى) إشارة إلى سبي سلخ النهار فانها تجرى لمستقر لها
وهو وقت الغروب فينسلخ النهار ، وفائدة ذكر السبب هو أن الله لما قال نسلخ منه النهار وكان
غير بعيد من الجهال أن يقول قائل منهم سلخ النهار ليس من الله إنما يسلخ النهار بغروب الشمس
فقال تعالى ( والشمس تجرى لمستقر لها) بأمر الله فمغرب الشمس سالح للنهار فيذكر السبب
يتبين صحة الدعوى ويحتمل أن يقال بأن قوله ( والشمس تجرى لمستقر لها ) إشارة إلى نعمة
النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) ذكر أن الشمس تجرى فتطلع
عند انقضاء الليل فيعود النهار بمنافعه، وقوله (لمستقر ) اللام يحتمل أن تكون للوقت كقوله
تعالى ( أقم الصلاة لدلوك الشمس) وقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) ووجه استعمال اللام
للوقت هو أن اللام المكسورة فى الأسماء لتحقيق معنى الإضافة لكن إضافة الفعل إلى سبه
أحسن الإضافات لأن الإضافة لتعريف المضاف بالمضاف إليه كما في قوله: دار زيد لكن الفعل
يعرف بسببه فيقال اتجر الربح واشتر للأكل ، وإذا علم أن اللام تستعمل للتعليل فنقول وقت
الشىء يشبه سبب الشىء لأن الوقت يأتى بالأمر الكائن فيه، والأمور متعلقة بأوقاتها فيقال خرج
العشر من كذا ( وأقم الصلاة لدلوك الشمس ) لأن الوقت معرف كالسبب وعلى هذا فمعناه تجرى
الشمس وقت استقرارها أى كلما استقرت زماناً أمرت بالجرى جرت ، ويحتمل أن تكون بمعنى
إلى أى إلى مستقر لها وتقريره هو أن اللام تذكر الوقت والوقت طرفان ابتداء وانتهاء يقال سرت
من يوم الجمعة إلى يوم الخميس بجاز استعمال ما يستعمل فيه فى أحد طرفيه لما بينهما من الاتصال
ويؤيد هذا قراءة من قرأ ( والشمس تجرى إلى مستقر لها) وعلى هذا ففى ذلك المستقر وجوه
(الأول ) يوم القيامة وعنده تستقر ولا يبقى لها حركة (الثانى) السنة ( الثالث ) الليل أى تجرى
إلى الليل ( الرابع ) أن ذلك المستقر ليس بالنسبة إلى الزمان بل هو للمكان وحينئذ ففيه وجوه
(الأول) هو غاية ارتفاعها فى الصيف وغاية انخفاضها فى الشتاء أى تجرى إلى أن تبلغ ذلك
الموضع فترجع ( الثانى) هو غاية مشارقها فان فى كل يوم لها مشرق إلى ستة أشهر ثم تعود إلى
تلك المقنطرات وهذا هو القول الذى تقدم فى الارتفاع فان اختلاف المشارق بسبب اختلاف
الارتفاع (الثالث ) هو وصولها إلى بيتها فى الابتداء (الرابع) هو الدائرة التى عليها حركتها
حيث لا تميل عن منطقة البروج على مرور الشمس وسنذكرها، ويحتمل أن يقال لمستقر لها أى
تجرى مجرى مستقرها. فإن أصحاب الهيئة قالوا الشمس فى ذلك والفلك يدور فيدير الشمس
٧٢
قوله تعالى : والقمر قدرة منازل . سورة يس .
وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَّى عَدَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ
فالشمس تجرى مجرى مستقرها، وقالت الفلاسفة تجرى لمستقرها أى لأمر لو وجدها لاستقر
وهو استخراج الأوضاع الممكنة وهو فى غاية السقوط، وأجاب الله عنه بقوله ( ذلك تقدير
العزيز العليم ) أى ليس لإدارتها وإنما ذلك بارادة الله وتقديره وتدبيره وتسخيره إياها ، فان
قيل عددت الوجوه الكثيرة وما ذكرت المختار، فما الوجه المختار عندك؟ نقول المختار هو أن
المراد من المستقر المكان أى تجرى لبلوغ مستقرها وهو غاية الارتفاع والانخفاض فان ذلك
يشمل المشارق والمغارب والمجرى الذى لا يختلف والزمان وهو السنة والليل فهو أتم فائدة،
وقوله ( ذلك) يحتمل أن يكون اشارة إلى جرى الشمس أى ذلك الجرى تقدير الله ويحتمل أن
يكون إشارة إلى المستقر أى لمستقر لها وذلك المستقر تقدير اللّه والعزيز الغالب وهو بكمال
القدرة يغلب ، والعليم كامل العلم أى الذى قدر على إجرائها على الوجه الأنفع وعلم الأنفع
فأجراهآً على ذلك، وبيانه من وجوه (الأول) هو أن الشمس فى ستة أشهر كل يوم تمر على
مسامتة شىء لم تمر من أمسها على تلك المسامتة ، ولو قدر الله مرورها على مسامتة واحدة لاحترقت
الأرض التى هى مسامتة لممرها وبقى المجموع مستولياً على الأماكن الأخر فقدر الله لها بعداً
التجمع الوطوبات فى باطن الأرض والأشجار فى زمان الشتاء ثم قدر قريبها بتدريخ لتخريج
النبات والثمار من الأرض والشجر وتنضج وتجفف، ثم تبعد لئلا يحترق وجه الأرض
وأغصان الأشجار ( الثانى) هو أن الله قدر لها فى كل يوم طلوعا وفى كل ليلة غروباً لثلا
تكل القوى والا بصار بالسهر والتعب ولا يخرب العالم بترك العمارة بسبب الظلمة الدائمة ،
(الثالث) جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زحل لأنها كاملة النور فلو كانت
بطيئة السير لدامت زماناً كثيراً فى مسامتة شىء واحد فتحرقه ، ولو كانت سريعة السير لما حصل
لها لبث بقدر ما ينضج الثمار فى بقعة واحدة .
قوله تعالى: ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ﴾.
قال الزمخشرى لابد من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام لأن القمر لم يجعل نفسه منازل فالمعنى أنا
قدرنا سيره منازل وعلى ماذكره يحتمل أن يقال المراد منه، والقمر قدرناه ذامنازل لأن ذاالشىء قريب
من الشىء ولهذا جاز قول القائل عيشة راضية لأن ذا الشىء كالقائم به الشىء فأتوا بلفظ الوصف .
وقوله ( حتى عاد كالعرجون القديم) أى رجع فى الدقة إلى حالته التى كان عليها من قبل
( والعرجون ) من الانعراج يقال لعود العذق عرجون ، والقديم المتقادم الزمان ، قيل إن
ماغبر عليه سنة فهو قديم ، والصحيح أن هذه بعينها لا تشترط فى جواز إطلاق القديم عليه
وإنما تعتبر العادة، حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين إنها بناء قديم أو هى قديمة
.
.
.
٠
٠
٧٣
قوله تعالى : لا الشمس ينبغى لها أن تدرك . سورة . س.
لَ الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَّيْلُ سَالِقُ النََّارِ وَكُلُّ فِ قَلَكٍ
١٠٠٠
يَسْبَحُونَ (
٤٠
ويقال لبعض الأشياء إنه قديم، وإن لم يكن له سنة ، ولهذا جاز أن يقال بيت قديم وبناء قديم
ولم يجز أن يقال فى العالم إنه قديم ، لأن القدم فى البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين
عليه ، واطلاق القديم على العالم لا يعتاد إلا عند من يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه .
قوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون﴾.
إشارة إلى أن كل شىء من الأشياء المذكورة خلق على وفق الحكمة ، فالشمس لم تكن تصلح
لها سرعة الحركة بحيث تدرك القمر وإلا لكان فى شهر واحد صيف وشتاء فلا تدرك الثمار
وقوله ( ولا الليل سابق النهار ) قيل فى تفسيره إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس
وهى سلطان النهار ، وقيل معناه ولا الليل سابق النهار أى الليل لا يدخل وقت النهار والثانى بعيد
لأن ذلك يقع إيضاحاً للواضح والأول صحيح إن أريد به ما بينته وهو أن معنى قوله تعالى ( ولا
الليل سابق النهار ) أن القمر إذا كان على أفق المشرق أيام الاستقبال تكون الشمس فى مقابلته
على أفق المغرب ثم إن عند غروب الشمس يطلع القمر وعند طلوعها يغرب القمر، كان لها حركة
واحدة مع أن الشمس تتأخر عن القمر فى ليلة مقداراً ظاهراً فى الحس ، فلو كان للقمر حركة واحدة
بها يسبق الشمس ولا تدركه الشمس ؛ وللشمس حركة واحدة بها تتأخر عن القمر ولا تدرك
القمر ؛ لبقى القمر والشمس مدة مديدة فى مكان واحد ، لأن حركة الشمس كل يوم درجة خلق الله
تعالى فى جميع الكواكب حركة أخرى غير حركة الشهر والسنة ، وهى الدورة اليومية وبهذه
الدورة لا يسبق كوكب كوكباً أصلا، لأن كل كوكب من الكوا كب إذا طلع غرب مقابله وكلما
تقدم كوكب إلى الموضع الذى فيه الكوكب الآخر بالنسبة إلينا تقدم ذلك الكوكب ، فبهذه الحركة
لا يسبق القمر الشمس، فتبين أن سلطان الليل لا يسبق سلطان النهار فالمراد من الليل القمر ومن
النهار الشمس، فقوله (لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر) إشارة إلى حركتها البطيئة التى تتم الدورة
فى سنة وقوله (ولا الليل سابق النهار) إشارة إلى حركتها اليومية التى بها تعود من المشرق إلى المشرق
مرة أخرى فى يوم وليلة ، وعلى هذا ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما الحكمة فى أطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر، وما ذا يكون لو قال
ولا القمر سابق الشمس ؟ نقول لوقال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الاشارة إلى الحركة
اليومية فكان يتوهم التناقض، فان الشمس إذا كانت لاتدرك القمر والقمر أسرع ظاهراً، وإذا قال
:
٧٤
قوله تعالى : وکل في فلك يسبحون . سورة يس .
ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع، فقال الليل والنهار ليعلم أن الإشارة إلى الحركة
التى بها تتم الدورة فى مدة يوم وليلة، ويكون لجميع الكواكب أو عليها طلوع وغروب فى الليل والنهار.
﴿ المسألة الثانية) ما الفائدة فى قوله تعالى (لا الشمس ينبغى لها أن تدرك) بصيغة الفعل
وقوله (ولا الليل سابق النهار) بصيغة اسم الفاعل، ولم يقل ولا الليل يسبق ولا قال مدركة القمر؟
نقول الحركة الأولية التى للشمس ، ولا يدرك بها القمر مختصة بالشمس ، فجعلها كالصادرة منها ،
وذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال هو يخيط
ولا يكون يصدر منه الخياطة . والحركة الثانية ليست مختصة بكوكب من الكوا كب بل الكل فيها
مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذلك فلكالكوكب من الكواكب ، فالحركة ليست كالصادرة
منه فأطلق اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال فلان خياط وإن لم يكن خياطاً ، فان قيل
قوله تعالى ( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً) يدل على خلاف ما ذكرتم، لأن النهار إذا كان يطلب
الليل فالليل سابقه ، وقلتم إن قوله (ولا الليل سابق النهار) معناه ما ذكرتم فيكون الليل سابقاً
ولا يكون سابقاً ، نقول قدذكرنا أن المراد بالليل ههنا سلطان الليل وهو القمر، وهو لا يسبق
الشمس بالحركة اليومية السريعة ، والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان فى عقيب
الآخر فكانه طالبه، فان قيل فلم ذكرههنا (سابق النهار) وقد ذكر هناك يطلبه ، ولم يقل طالبه؟
نقول ذلك لما بينا من أن المراد فى هذه السورة من الليل كواكب الليل، وهى فى هذه الحركة
كانها لاحركة لهاولا تسبق، ولامن شأنها أنها سابقة، والمرادهناك نفس الليل والنهار وهما زمانان
والزمان لا قرار له فهو يطلب حثيثاً لصدور التقصى منه، وقوله تعالى ( وكل فى فلك يسبحون )
يحقق ما ذكرنا أى للكل طلوع وغروب فى يوم وليلة لا يسبق بعضها بعضاً، بالنسبة إلى هذه الحركة
وکل حر کة فى فلك تخصه وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ التنوين فى قوله وكل عوض عن الإضافة معناه كل واحد وإسقاط التنوين
للاضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكير فى شىء واحد فلما سقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين
عليه لفظاً، وفى المعنى معرف بالاضافة، فان قيل فهل يختلف الأمر عند الاضافة لفظاً وتركها ؟
فنقول نعم ، وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد
اقتصار الفهم عليه، فاذا قال كل كذا يدخل فى الفهم عموم أكثر من العموم عند الاضافة ، وهذا
كما فى قبل وبعد إذا قلت افعل قبل كذا فإذا حذفت المضاف وقلت افعل قبل أفاد فهم الفعل قبل
كل شىء ، فإن قيل فهل بين قولنا كل منهم وبين قولنا كلهم وبين كل فرق؟ نقول نعم عند قولك كلهم
تثبت الأمر للاقتصار عليهم، وعند قولك كل منهم تثبت الأمر أولا للعموم، ثم استدركت
بالتخصيص فقلت منهم ، وعند قولك كل تثبت الأمر على العموم وتتركه عليه .
:
٧٥
قوله تعالى . وكل في فلك يسبحون . سورة يس .
﴿ المسألة الثانية﴾ إذا كان كل بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال
( يسبحون)؟ نقول الجواب عنه من وجوه: (أحدها) مابينا أن قوله كل للعموم فكأنه أخبر عن
كل كوكب فى السماء سيار ( ثانيها ) أن لفظ كل يجوز أن يوحد نظراً إلى كونه لفظاً موحداً غير
مثنى ولا مجموع، ويجوز أن يجمع لكون معناه جمعاً، وأما التثنية فلا يدل عليها اللفظ ولا المعنى
فعلى هذا يحسن أن يقول القائل زيد وعمرو كل جاء أو كل جاءوا ولا يقول كل جاءا بالتثنية
(وثالثها ) لما قال ( ولا الليل سابق النهار ) والمراد ما فى الليل من الكواكب قال (يسبحون)
. ﴿ المسألة الثالثة﴾ الفلك ماذا؟ نقول الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن
أهل اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلكة الخيمة هى الخشبة المسطحة
المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهى صفحة مستديرة، فان قيل
فعلى هذا تكون السماء مستديرة. وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة ليس لها أطراف
على جبال وهى كالسقف المستوى. ويدل عليه قوله تعالى ( والسقف المرفوع) نقول ليس فى
النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة ، ودل الدليل الحسى على
كونها مستديرة فوجب المصير إليه. أما الأول فظاهر لأن السقف المقبب لا يخرج عن كونه
سقفاً، وكذلك كونها على جبال ، وأما الدليل الحسى فوجوه (أحدها ) أن من أمعن فى السير
فى جانب الجنوب یظهر له کوا کب مثل سهيل وغيره ظهوراً أبدياً حتى أنمن يرصد يراه دائما
ويخفى عليه بنات نعش وغيرها خفاء أبدياً، ولو كان السماء مسطحاً مستوياً لبان الكل للكل بخلاف
ما إذا كان مستديراً فان بعضه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يرى (الثانى) هو أن الشمس إذا
كانت مقارنة للحمل (١) مثلا فإذا غربت ظهر لنا كوكب فى منطقة البروج من الحمل إلى الميزان ثم
ثم فى قليل يستتر الكوكب الذى كان غروبه بعد غروب الشمس ويظهر الكوكب الذى كان
طلوعه بعد طلوع الشمس وبالعكس وهو دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير قطعياً ( الثالث ) هو
أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوءها ويستنير الجو بعض الاستنارة ثم يطلع ولولا
أن بعض السماء مستتر بالأرض وهو محل الشمس فلا يرى جرمها وينتشر نورها لما كان كذا
بل كان عند إعادتها إلى السماء يظهر لكل أحد جرمها ونورها معاً لكون السماء مستوية حينئد
مكشوفة كلها لكل أحد ( الرابع) القمر إذا انكسف فى ساعة من الليل فى جانب الشرق ، ثم
سئل أهل الغرب عن وقت الكسوف أخبروا عن الخسوف فى ساعة أخرى قبل تلك الساعة
التى رآى أهل المشرق فيها الخسوف لكن الخسوف فى وقت واحد فى جميع نواجى العالم والليل
مختلف فدل على أن الليل فى جانب المشرق قبل الليل فى جانب المغرب فالشمس غربت من عند
أهل المشرق وهى بعد فى السماء ظاهرة لأهل المغرب فعلم استتارها بالأرض ولو كانت مستوية
(١) الحمل من بروج الشمس الاثنى عشر وقد نظمت فى قول الشاعر: حمل الثور جوزة السرطان ورعى اليث سنبل الميزان
ورمى عقرب بقوس لجدى نزح الدلو بركة الحيتان
٧٦
قوله تعالى : وکل في فلك يسبحون . سورة يس .
لما كان كذلك ( الخامس ) لو كانت السماء مبسوطة لكان القمر عند ما يكون فوق رءوسنا على
المسامتة أقرب إلينا وعند ما يكون على الأفق أبعد منا لأن العموم أصغر من القطر والوتد،
وكذلك فى الشمس والكواكب كان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلك
فإن قيل جاز أن يكون وهو على الأفق على سطح السماء وعند ما يكون على مسامتة رؤوسنا فى
بحر السماء غائراً فيها لأن الخرق جائز على السماء، نقول لا تنتزع فى جواز الخرق لكن القمر حينئذ
تكون حركته فى دائرة لا على خط مستقيم وهو غرضنا ولأنا نقول لو كان كذلك لكان القمر
عند أهل المشرق وهو فى منتصف نهارهم أكبر مقداراً لكونه قريباً من رؤوسهم ضرورة فرضه
على سطح السماء الأدنى وعندنا فى بحر السماء ، وبالجملة الدلائل كثيرة والا كثار منها یلیق بکتب
الهيئة التى الغرض منها بيان ذلك العلم ، وليس الغرض فى التفسير بيان ذلك غير أن القدر الذى
أوردناه يكفى فى بيان كونه فلكا مستديراً .
!
﴿ المسألة الرابعة﴾ هذا يدل على أن لكل كوكب فلكا، فما قولك فيه؟ نقول: أما السبعة
السيارة(١) فلكل فلك، وأما الكواكب الآخر فقيل للكل فلك واحد، ولنذكر كلاماً مختصراً
فى هذا الباب من الهيئة حيث وجب الشروع بسبب تفسير الفلك فنقول: قيل إن للقمر فلكا لآن
حركته أسرع من حركة الستة الباقية، وكذلك لكل كوكب فلك لاختلاف سيرها بالسرعة
والبطء والممر، فإن بعضها يمر فى دائرة وبعضها فى دائرة أخرى حتى فى بعض الأوقات يمر بعضها
ببعض ولا يكسفه وفى بعض الأوقات يكسفه فلكل كوكب فلك ، ثم إن أهل الهيئة قالوا فكل
فلك هو جسم كرة وذلك غير لازم بل اللازم أن نقول لكل ذلك هو كرة أو صفحة أو دائرة
يفعلها الكوكب بحركته ، والله تعالى قادر على أن يخلق الكوكب فى كرة يكون وجوده فيها
كوجود مسمار مغرق فى ثخن كرة مجوفة ويدير الكرة فيدور الكوكب بدوران الكرة، وعلى
مذهب أرباب الهيئة حركة الكواكب السيارة على هذا الوجه ، وكذلك قادر على أن يخلق حلقة
يحيط بها أربع سطوح متوازية بها فانها أربع دوائر متوازية كمجر الرحى إذا قورناه وأخرجنا
من وسطه طاحونة من طواحين اليد ويبقى منه حلقة يحيط بها سطوح ودوائر كما ذكرنا وتكون
الكواكب فيه وهو فلك فتدور تلك الحلقة وتدير الكوكب، والحركة على هذا الوجه وإن كانت
مقدورة لكن لم يذهب إليه أحد ممن يعتبر وكذلك هو قادر على أن يجعل الكوا كب بحيث تشق
السماء فتجعل دائرة متوهمة كما لو فرضت سمكة فى الماء على وجهه تنزل من جانب وتصعد إلى
موضع من الجانب الآخر على استدارة وهذا هو المفهوم من قوله تعالى ( وكل فى فلك يسبحون)
والظاهر أن حركة الكواكب على هذا الوجه ، وأرباب الهيئة أنكروا ذلك وقالوا لاتجوز الحركة
(١) نظم بعضهم السبعة السيارة فى بيت وهو :
زحل شرى مريخه من شمنه فتزاهرت لعطارد الأقمار
والجراد من قوله شرى كوكب المشترى: ولم يكن معروفا غير هذه السبعة عند القدماء ، وقد اكتشف المحدثون كواكب أخرى
جديدة منها نبتون وأورانوس .
٧٧
قوله تعالى : وكل في فلك يسبحون . سورة يس .
على هذا الوجه لأن الكوكب له جرم فاذا شق السماء وتحرك فاما أن يكون موضع دورانه ينشق
ويلتثم كالماء تحركه السمكة أو لا ينشق ولا يلتثم، بل هناك خلاء يدور الكوكب فيه، لكن الخلاء
محال والسماء لا تقبل الشق والالتئام، هذا ما اعتمدوا عليه، ونحن نقول كلاهما جائز. أما الخلا.
فلا يحتاج إليه ههنا، لأن قوله تعالى ( يسبحون) يفهم منه أنه بشق والتئام، وأما امتناع الشق
والالتام فلا دليل لهم عليه وشبهتهم فى المحدد للجهات وهى هناك ضعيفة، ثم إنهم قالوا على مابينا
تخرج الحركات وبه علمنا الكسوفات ، ولو كان لها حركات مختلفة لما وجب الكسوف فى الوقت
الذى يحكم فيه بالكسوف والخسوف وذلك لأنا نقول للشمس فلكان (أحدهما ) مركزه
مركز العالم ( ثانيهما) مركزه فوق مركز العالم وهو مثل بياض البيض بين صفرته وبين
القيض والشمس كرة فى الفلك الخارج المركز تدور بدورانه فى السنة دورة ، فاذا جعلت فى
الجانب الأعلى تكون بعيدة عن الأرض فيقال إنها فى الأوج، وإذا حصلت فى الجانب
الأسفل تكون قريبة من الأرض فتكون فى الحضيض، وأما القمر فله فلك شامل لجميع
أجزائه وأفلاكه وفلك آخر هو بعض من الفلك الأول محيط به كالقشرة الفوقائية من البصلة
وذلك ثالث فى الفلك التحتانى كما كان فى الفلك الخارج المركز فى فلك الشمس وفى الفلك الخارج
المركز كرة مثل جرم الشمس وفى الكرة القمر مركوز كمسمار فى كرة مغرق فيها ويسمى الفلك
الفوقانى الجوزهر والخارج المركز الفلك الحامل والفلك التحتانى الذى فيه الفلك الحامل الفلك
المائل والكرة التى فى الحامل تسمى فلك التدوير ، وكذلك قالوا فى الكواكب الخمسة الباقية من
السيارات غير أن الفوقانى الذى سموه فلك الجوزهر لم يثبتوه لها فأثبتوا أربعة وعشرين فلكا ،
الفلك الأعلى وفلك البروج، ولزحل ثلاثة أفلاك الممثل والحامل وفلك التدوير ، وللمشترى ثلاثة
كما لزحل، وللمريخ كذلك ثلاثة، والشمس فلكان الممثل والخارج المركز، وللزهرة ثلاثة أفلاك كما
العلويات، ولعطاردأربعة أفلاك الثلاثة التى ذكر ناها فى العلويات، وذلك آخر يسمونه المدير، وللقمر
أربعة أفلاك والرابع يسمونه فلك الجوزهر والمدير ليس كالجوزهر لأن المدير غير محيط بأفلاك
عطارد وفلكالجوزهر محيط ، ومنهم من زاد فى الخمسة فى كل فلك فلكين آخرين و جعل تدویراتها
مركبة من ثلاثة أفلاك، وقالوا إن بسبب هذه الأجرام تختلف حركات الكواكب ويكون لها
عروض ورجوع واستقامة وبطء وسرعة. هذا كلامهم على سبيل الاقتناص والإقتصار ونحن
نقول لا يبعد من قدرة الله خلق مثل ذلك، وأما على سبيل الوجوب فلا نسلم ورجوعها واستقامتها
بإرادة الله وكذلك عرضها وطولها وبطؤها وسرعتها وقربها وبعدها هذا تمام الكلام.
المسألة الخامسة﴾ قال المنجمون الكواكب أحياء بدليل أنه تعالى قال ( يسبحون) وذلك
لا يطلق إلا على العاقل ، نقول إن أردتم القدر الذى يصح به التسبيح فنقول به لأنه ما من شىء من
هذه الأشياء إلا وهو يسبح بحمد الله وإن أردتم شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما
فى قوله تعالى فى حق الأصنام ( ما لكم لا تنطقون) وقوله (ألا تنطقون).
٧٨
قوله تعالى : وآية لهم انا حملنا . سورة يس .
وَءَايَةٌ ◌َهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّ يَّتَهُمْ فِ الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ (
٤١
قوله تعالى: ﴿ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون﴾ ولها مناسبة مع ما تقدم من
وجهين (أحدهما) أنه تعالى لما من بإحياء الأرض وهى مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر بل
جعل للانسان طريقاً يتخذ من البحر خيراً ويتوسطه أو يسيرفيه كما يسير فى البروهذا حينئذ كقوله
(وحملنا كم فى البر والبحر) ويؤيد هذا قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) إذا فسر ناه بأن
المراد الإبل فانها كسفن البرارى (وثانيهما) هو أنه تعالى لما بين سباحة الكواكب فى الأفلاك وذكر
ما هو مثله وهو سباحة الفلك فى البحار ، ولها (وجه ثالث) وهى أن الأمور التى أنعم الله بها على
عباده منها ضرورية ومنها نافعة والأول للحاجة والثانى للزينة فلق الأرض وإحياؤها من القبيل
الأول فانها المكان الذى لولاه لما وجد الانسان ولولا إحياؤها لما عاش والليل والنهار فى
قوله ( وآية لهم الليل) أيضاً من القبيل الأول، لأنه الزمان الذى لولاه لما حدث الإنسان،
والشمس والقمر وحركتهما لو لم تكن لما عاش، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول آيتين
ذكر من القبيل الثانى وهو الزينة آيتين (إحداهما) الفلك التى تجرى فى البحر فيستخرج من البحر
ما يتزين به كما قال تعالى ( ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك
فيه مواخر) ( وثانيتهما ) الدواب التى هى فى البر كالفلك فى البحر فى قوله (وخلقنا لهم من مثله
ما يركبون ) فان الدواب زينة كما قال تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) وقال
(ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) فيكون استدلالا عليهم بالضرورى والنافع لا يقال
بأن النافع ذكره فى قوله ( جنات من نخيل وأعناب ) فإنها للزينة لأنا نقول ذلك حصل تبعاً.
للضرورى، لأن الله تعالى لما خلق الأرض منبتة لدفع الضرورة وأنزل الماء عليها كذلك لزم
أن يخرج من الجنة النخيل والأعناب بقدرة الله، وأما الفلك فمقصود لا تبع، ثم إذا علمت المناسبة
فقى الآيات أبحاث لغوية ومعنوية :
( أما اللغوية ) قال المفسرون الذرية هم الآباء أى حملنا آباءكم فى الفلك والألف واللام
للتعريف أى فلك نوح وهو مذكور فى قوله ( واصنع الفلك ) ومعلوم عند العرب فقال الفلك ،
هذا قول بعضهم، وأما الأكثرون فعلى أن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فلابد من
بيان المعنى ، فنقول الفلك إما أن يكون المراد الفلك المعين الذى كان لنوح، وإما أن يكون المراد
الجنس كما قال تعالى ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) وقال تعالى ( وترى الفلك فيه
هواخر) وقال تعالى (فا ركبوا فى الفلك) إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف فى الفلك
لبيان الجنس، فإن كان المراد سفينة نوح عليه السلام ففيه وجوه (الأول ) أن المراد إنا حملنا
أولادكم إلى يوم القيامة فى ذلك الفلك، ولولا ذلك لما بقى الآدمى نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله.
٠٫٠٠
٧٩
قوله تعالى : وآية لهم انا حملنا . سورة يس .
(حملناذريتهم) بدل قوله (حملناهم) إشارة إلى كمال النعمة أى لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية
إلى أعقابكم إلى يوم القيامة ، هذا ما قاله الزمخشرى، ويحتمل عندى أن يقال على هذا إنه تعالى إنما
خص الذرية بالذكر ، لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة فى وجودهم فقال (حملنا ذريتهم) أى
لم يكن الحمل حملا لهم ، وإنما كان حملا لما فى أصلابهم من المؤمنين كما أن من حمل صندوقا لاقيمة
له وفيه جواهر إذا قيل له لم تحمل هذا الصندوق وتتعب فى حمله وهو لا يشترى بشىء؟ يقول
لا أحمل الصندوق وإنما أحمل مافيه (الثانى) هو أن المراد بالذرية الجنس معناه حملنا أجناسهم
وذلك لأن ولد الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولهذا يطلق على النساء
نهى النبي صَ لِّ عن قتل الذرارى، أى النساء وذلك لأن المرأة وإن كانت صنفاً غير
صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال ذرارينا أى أمثالنا فقوله (أنا حملنا ذريتهم) أى أمثالهم
وآباؤهم حينئذ تدخل فيهم ( الثالث) هو أن الضمير فى قوله ( وآية لهم) عائد إلى العباد حيث
قال ( يا حسرة على العباد) وقال بعد ذلك (وآية لهم الأرض) وقال (وآية لهم الليل) وقال
( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم) إذا علم هذا فكأنه تعالى قال وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد ولا يلزم
أن يكون المراد بالضمير فى الموضعين أشخاصاً معينين كما قال تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) ويريد بعضكم
بعضاً ، وكذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل فى القتال، يقال هؤلاء القوم ثم قتلوا أنفسهم ، فهم
فى الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين، بل المراد أن بعضهم قتل
بعضاً ، فكذلك قوله تعالى ( وآية لهم ) أى آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم،
أو ذرية بعض منهم. وأما إن قلنا إن المراد جفس الفلك فهو أظهر ، لأن سفينة نوح لم تكن
بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها ، فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد، وقوله تعالى فى سفينة
نوح ( وجعلناها آية للعالمين) أى بوجود جنسها ومثلها، ويؤيده قوله تعالى (ألم تر أن الفلك
تجرى فى البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور) فنقول قوله
تعالى (حملنا ذريتهم) أى ذريات العباد ولم يقل حملناهم، لأن سكون الأرض عام لكل أحد
يسكنها فقال ( وآية لهم الأرض الميتة) إلى أن قال (فمنه يأكلون) لأن الأكل عام، وأما الحمل
فى السفينة فمن الناس من لا يركبها فى عمره ولا يحمل فيها، ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك
فان فيهم من يحتاج إليها فيحمل فيها .
المسألة الثانية) جعل الفلك تارة جمعاً حيث قال (وترى الفلك فيه مواخر ) جمع ماخرة
وأخرى فرداً حيث قال ( فى الفلك المشحون) نقول فيه تدقيق مليح من علم اللغة، وهو أن
الكلمة قد تكون حر كتها مثل حركة تلك الكلمة فى الصورة، والحر كتان مختلفتان فى المعنى مثالها
قولك: جد يسجد سجوداً للمصدر وهم قوم سجود فى جمع ساجد، تظن أنهما كلمة واحدة المعنيين
وليس كذلك، بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر
٨٠
قوله تعالى : وآية لهم انا حملنا . سورة يس .
وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد، وينبغى أن
يلحق المشتق تغيير فى حركة أو حرف أو فى مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع
غيرناه ، وجئنا بلفظ السجود، فاذاً السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التى
وضعت بحركة واحدة لمعنيين، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحداً مثل قفل وبرد،
وعند كونها جمعاً مثل خشب ومرد وغيرهما ، فان قلت فاذا جعلته جمعاً ماذا يكون واحدها ؟
نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل،
وكذا القول فى (إمام مبين) وفى قوله (ندعوا كل أناس(١) بامامهم) أى بأتمتهم عند قوله تعالى
( إمام مبين ) إمام کزمام وكتاب وعند قوله تعالى (كل أناس بامامهم) إمام كسهام وكرام
وجعاب وهذا من دقيق التصريف ( وأما المعنوية) فنذكرها فى مسائل :
المسألة الأولى ﴾، قال ههنا ( حملنا ذریتهم) من عليهم بحمل ذریتهم ، وقال تعالى (إنا لما
طفى الماء حملنا كم فى الجارية ) من هناك عليهم بحمل أنفسهم، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير
يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك
الغير ، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه ، وإذا دفع واحد
الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون فى الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه ، فعند طغيان
الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل
بيان دفع الضرر عنهم ، وههنا أراد بيان المنافع فقال (حملنا ذريتهم) لأن النفع حاصل بنفع الذرية
ويدلك على هذا أن ههنا قال (فى الفلك المشحون ) فان امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره
بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك
السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجرى ، وههنا ما يدل على كمال
المنفعة وهو الشحن، فان قيل قال تعالى (وحملناهم فى البر والبحر ) ولم يقل (وحملنا ذريتهم) مع
أن المقصود فى الموضعين بيان النعمة ، لا دفع النقمة، نقول لما قال ( فى البر والبحر ) عم الخلق،
لأن ما من أحد إلا وحمل فى البر أو البحر، وأما الحمل فى البحر فلم يعم ، فقال إن كنا ماحملنا كم
بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء.
﴿المسألة الثانية) قوله (المشحون) يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهى أن الآدمى يرسب
فى الماء ويغرق ، فحمله فى الفلك واقع بقدرته، لكن من الطبيعيين من يقول الخفيف لا يرسب فى
الماء، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال ( الفلك المشحون) أثقل من الثقال التى ترسب ، ومع
هذا حمل اللّه الانسان فيه مع ثقله، فان قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة
على جواز الخلاء فى الكتب العقلية ، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا بارادة الله.
٠٫٠٠
: