النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّازى
الشَِّهُ بِالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَعِ الغَيب
للإمَام محمّ الرَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياءالدين عمر
الشّهر بخطِ الرَّ فَفعَ اللّهباليمين
٥٤٤ - ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُمُ الرَِّوَالْعْنِ
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع

٢
أول -وره فاطر
(٣٥) سُورَة فَاطِمَكِيَّةْ
وَآيَاتِهَاِ خْسُ وَارْبَعُونَ
-----
بِسْـ
٩١-١
الْحَمْدُ لِلَّه فَاطِرِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَتَكَةِ رُسُلًا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد
يكون على النعمة فى أكثر الأمر، ونعم اللّه قسمان: عاجلة وآجلة، والعاجلة وجود وبقاء،
والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى، وقوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السموات والأرض
وجعل الظلمات والنور ) إشارة إلى النعمة العاجلة التى هى الإيجاد ، واستدللنا عليه بقوله تعالى
(هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا) وقوله فى الكهف ( الحمد لله الذى أنزل على عبده.
الكتاب ) إشارة إلى النعمة العاجلة التى هى الإبقاء، فان البقاء والصلاح بالشرع والكتاب،
ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفضل بينهم، فكان يفضى ذلك إلى التقاتل
والتفانى، فإنزال الكتات نعمة يتعلق بها البقاء العاجل، وفى قوله فى سورة سبأ (الحمد لله الذى
له ما فى السموات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة ) إشارة إلى نعمة الإيجاد الثانى بالخشر،
واستدللنا عليه بقوله (يعلم ما يلج فى الأرض) من الأجسام ( وما يخرج منها وما ينزل من السماء)
من الأرواح (وما يعرج فيها) وقوله عن الكافرين ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ، قل على
وربى) وههذا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء فى الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى (جاعل الملائكة رسلا)
أى يجعلهم رسلا يتلقون عباد الله، كما قال تعالى (وتتلقاهم الملائكة) وعلى هذا فقوله تعالى
( فاطر السموات) يحتمل وجهين (الأول) معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس ( والثانى)
(فاطر السموات والأرض) أى شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض
ويدل عليه قوله تعالى ( جاعل الملائكة رسلا) فإن فى ذلك اليوم تكون الملائكة رسلا،
وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء
من كان فى شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت. كما قال تعالى عنهم
(وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش) فلما ذكر سالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم
1
١
أيدى

٣
قوله تعالى : أولى اجنحة مثنى وثلاث ورباع. سورة فاطر.
أُوْلِىَّ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَتُلَنَثَ وَرُبَعَ يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الَّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيْرٌ يُ مَا يَفْتَجَ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا هُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ
ج
لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
مبشرين ، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة .
قوله تعالى: ﴿ أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ﴾) أقل ما يكون لذى الجناح أن يكون له
جناحان وما بعدهما زيادة ، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة ، وبيانه مو أن الله تعالى
ليس فوقه شىء ، وكل شىء فهو تحت قدرته ونعمته ، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه
ويعطون من دونهم بما أخذوه بإذن الله، كما قال تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك) وقوله
(علمه شديد القوى) وقال تعالى فى حقهم ( فالمدبرات أمراً) فهما جناحان ، وفيهم من يفعل
ما يفعل من الخير بواسطة ، وفيهم من يفعله لا بواسطة ، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات، ومنهم
من له أربع جهات وأكثر، والظاهر ما ذكرناه أولا وهو الذى عليه إطباق المفسرين.
قوله تعالى: ﴿يزيد فى الخلق ما يشاء) من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن،
ومنهم من قال الصوت الحسن ، ومنهم من قال كل وصف محمود، والأولى أن يعمم ، ويقال الله
تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿إن الله على كل شىء قدير ﴾ يقرر قوله ( يزيد فى الخلق ما يشاء).
قوله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده
لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر، وقال ما يفتح الله للناس، يعنى إن
رحم فلا مانع له ، وإن لم يرحم فلا باعث له عليها، وفى الآية دليل على سبق رحمته غضبه من
وجوه (أحدها) التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة فى الذكر، وهو وإن كان ضعيفاً لكنه
وجه من وجوه الفضل (وثانيها) هو أنه أنث الكناية فى الأول فقال (ما يفتح الله للناس من رحمة
فلا مسك لها) وجاز من حيث العربية أن يقال له ويكون عائداً إلى ما ، ولكن قال تعالى (لها)
ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة ولا ممسك لرحمته فهى وصلة إلى من رحمته، وقال عند الإمساك
(وما يمسك فلا مرسل له) بالتذكير ولم يقل لها فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة ، بل ذكره بلفظ
يحتمل أن يكون الذى لايرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى ( وما يمسك ) عام من غير بيان
وتخصيص بخلاف قوله تعالى (ما يفتح الله للناس من رحمة) فانه مخصص مبين (وثالثها) قوله (من
بعده ) أى من بعد اللّه، فاستثنى ههنا وقال لا مرسل له إلا الله فنزل له مرسلا، وعند الإمساك

٤
قوله تعالى يا ايها الناس اذكروا نعمت الله. سورة فاطر
وَهُوَ آلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ◌َأيُّهَا النَّاسُ أَذْ كُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَبْرُ
الَّهِيَوْزُقُكُ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ وَإِن يُكَذِّبُوَ
فَقَدْ كُذِبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَ إِلَى الَّهِ تُرْجَعَ الْأُمُورُ (*) يَنْهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ
اللّهِ حَقٍّ فَلَا تَغُرَّكُوُ اْخَيَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّكُمْ بِلَّهِالْغُرُورُ ◌ّ
الإمساك قال لا مسك لها، ولم يقل غير اللّه لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فان من رحمه الله فى
الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره، ومن يعذبه الله فقد يرحمه الله بعد العذاب كالفساق من
أهل الإيمان.
قوله تعالى: ﴿ وهو العزيز﴾ أى كامل القدرة ﴿ الحكيم) أى كامل العلم.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم﴾ لما بين أن الحمد لله وبين بعض
وجوه الـمة التى تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال ( اذكروا
نعمة الله) وهى مع كثرتها منحصرة فى قسمين نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء.
قوله تعالى: ﴿ هل من خالق غير الله﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد فى الابتداء.
قوله تعالى: ﴿يرزقكم من السماء والأرض﴾ إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء.
ثم بين أنه ( لا إله إلا هو) نظراً إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على كل شىء قدير نافذ
الإرادة فى كل شىء ولا مثل لهذا ولا معبود لذاته غير هذا ونظراً إلى نعمته حيث لا خالق غيره
ولا رازق إلا هو .
قوله تعالى: ﴿فأنى تؤفكون﴾ أى كيف تصرفون عن هذا الظاهر، فكيف تشركون
المنحوت بمن له الملكوت.
ثم لما بين الأصل (الأول) وهو التوحيد ذكر الأصل (الثانى) وهو الرسالة فقال تعالى
﴿ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ﴾
ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب فى العذاب. والمكذب له الثواب بقوله تعالى ﴿ وإلى
اللّه ترجع الأمور﴾ ثم بين الأصل (الثالث) وهو الحشر.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾

٥
قوله تعالى : إن الشيطان لكم عدو. سورة فاطر.
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَعِدُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَعَْبِ
اٌلَّعِيرِ ي الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَاتِ
لَهُمْ تَّغْفِرَةٌ وَأَبْ كَبِيُچ
أى الشيطان وقد ذكرنا مافيه من المعنى اللطيف فى تفسير سورة لقمان ونعيده ههنا فنقول المكلف
قد يكون ضعيف الذهن قليل العقل تخيف الرأى فيغتر بأدنى شى .. وقد يكون فوق ذلك فلا يغتر
به ولكن إذا جاءه غار وزين له ذلك الشىء وهون عليه مفاسده. وبين له منافع. يعترلما فيها من
اللذة مع ما ينضم إليه مز دعاء ذلك الغار إليه، وقد يكون قوى الجأثر غزير العقل فلا يعبر ولا يغر
فقال الله تعالى (لا تغرنكم الحياة الدنيا) إشارة إلى الدرجة الأولى، وقال ( ولا يغرنكم بالله
الغرور ) إشارة إلى الثانية ليكون واقعاً فى الدرجة الثالثة وهى العليا فلا يغر ولا يغتر.
قوله تعالى: ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ لما قال تعالى ( ولا يغرنكم بالله
الغرور ) ذكر ما يمنع العاقل من الاغترار، وقال ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) ولا
تسمعوا قوله، وقوله ( فاتخذوه عدوا) أى اعملوا ما يسوءه وهو العمل الصالح.
قوله تعالى: ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ إشارة إلى معنى لطيف وهو
أن من يكون له عدو فله فى أمره طريقان: (أحدهما) أن يعاديه مجازاة له على معاداته (والثانى)
أن يذهب عداوته بإرضائه، فلما قال الله تعالى (إن الشيطان لكم عدواً) أمرهم بالعداوة وأشار
إلى أن الطريق ليس إلا هذا، وأما الطريق الآخر وهو الإرضاء فلافائدة فيه لأنكم إذا راضيتموه
واتبعتموه فهو لا يؤديكم إلا إلى السعير.
واعلم أن من علم أن له عدو لا مهرب له منه وجزم بذلك فانه يقف عنده ويصبر على قتاله
والصبر معه الظفر، فكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان أن يهرب منه فإنه معه ، ولا يزال يتبعه إلا
أن يقف له ويهزمه، فهزيمة الشيطان بعزيمه الانسان، فالطريق الثبات على الجادة والاتكال على العبادة.
ثم بين اللّه تعالى حال حزبه وحال حزب الله . فقال:
﴿الذين كفروا لهم عذاب شديد ﴾ فالمعادى للشيطان وإن كان فى الحال فى عذاب ظاهر
وليس بشديد ، والإنسان إذا كان عاقلا يختار العذاب المنقطع اليسير دفعاً للعذاب الشديد المؤبد
ألا ترى أن الإنسان إذا عرض فى طريقه شوك ونار ولا يكون له بد من أحدهما يتخطى الشوك
ولا يدخل النار ونسبة النار التى فى الدنيا إلى النار التى فى الآخرة دون نسبة الشوك إلى النار العاجلة.
قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير﴾ قد ذكر تفسيره مراراً،

٦
قوله تعالى : أفمن زين له سوء عمله. سورة فاطر.
أَنْ زُيِنَ لَهُسُوَءُ عَمَلِهِ، فَرَاهُ حَسَنَّا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَنْ
يَشَآءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَيْهِمْ حَسَرَتِ إِنَّالَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
وَاللّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرَِّحَ فَيُ تَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بٍَ مَّيْتٍ فَأَحَْيْنَبِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْنِبْ كَذَلِكَ الْشُورُ (
وبين فيه أن الإيمان فى مقابلته المغفرة فلا يؤبده مؤمن فى النار، والعمل الصالح فى مقابلته الأجر الكبير.
قوله تعالى: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ، فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾.
يعنى ليس من عمل سيئاً كالذى عمل صالحاً، كما قال بعد هذا بآيات وما يستوى الأعمى
والبصير ولا الظلمات ولا النور، وله تعلق بما قبله وذلك من حيث إنه تعالى لما بين حال المسى.
الكافر والمحسن المؤمن ، وما من أحد يعترف بأنه يعمل سيئاً إلا قليل ، فكان الكافريقول الذى له
العذاب الشديد هو الذى يتبع الشيطان وهو محمد وقومه الذين استهوتهم الجن فاتبعوها، والذى
له الأجر العظيم نحن الذين دمنا على ما كان عليه آباؤنا فقال الله تعالى لستم أنتم بذلك فان
المحسن غير، ومن زين له العمل السيء فرآه حسناً غير ، بل الذين زين لهم السي دون من أساء وعلم
أنه مسئ فان الجاهل الذى يعلم جهله والمسىء الذى يعلم سوء عمله يرجع ويتوب والذى لا يعلم
يصر على الذنوب والمسىء العالم له صفة ذم بالإساءة وصفة مدح بالعلم. والمسىء الذى يرى
الإساءة إحسانا له صفتا ذم الإساءة والجهل، ثم بين أن الكل بمشيئة الله، وقال (فان الله يضل من
يشاء ويهدى من يشاء) وذلك لأن الناس أشخاصهم متساوية فى الحقيقة والإساءة والإحسان،
والسيئة والحسنة يمتاز بعضها عن بعض فاذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك باستقلال
منهم ، فلا بد من الاستناد إلى إرادة الله .
ثم سلى رسول الله وَ ه حيث حزن من إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة باهرة فقال:
﴿ فلا تذهب نفسك عليهم نفسك حسرات ) كما قال تعالى (فلعلك باخع نفسك على آثارهم).
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد إيمانهم وإحسانهم
لصدهم عن الضلال وردهم عن الإضلال، وإن كان لما به منهم من الايذاء فاته عالم بفعلهم يجازيهم
غلى ما يصنعون .
ثم عاد إلى البيان فقال تعالى ﴿ والله الذى أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت
فأحييناً به الأرض بعد موتها كذلك النشور ).
٠
1

٧
قوله تعالى : من كان يريد العزة. سورة فاطر.
مَنْ كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَِّ الْعِزَّةُ مِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّْلِحُ
يَرْفَعُ, وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ الَّعَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكُرُ أُوْلَكَ هُوَ يَبُورُ ◌ّ
هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن ، وقد يتحرك وعند
حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى اليسار ، وفى حركاته المختلفة قد ينشىء السحاب ،
وقد لا ينشىء ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدير ومؤثر مقدر ، وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال تعالى ( واللّه الذى أرسل) بلفظ الماضى وقال ( فتثير سحاباً) بصيغة
المستقبل، وذلك لأنه لما أسند فعل الارسال إلى اللّه وما يفعل اللّه يكون بقوله كن فلا يبقى فى
فى العدم لا زماناً ولا جزأ من الزمان ، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه
كان وكأنه فرغ من كل شىء فهو قدر الارسال فى الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير
کالارسال ، ولما أسند فعل الاثارة إلى الريح وهو يؤلف فى زمان فقال (تثير) أى على هيئتها .
المسألة الثانية) قال (أرسل) إسناداً للفعل إلى الغائب وقال (سقناه) بإسناد الفعل إلى المتكلم
وكذلك فى قوله (فأحيينا) وذلك لأنه فى الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الارسال،
ثم لما عرف قال أنا الذى عرفتنى سقت السحاب وأحييت الأرض فنفى الأول كان تعريفاً بالفعل
العجيب ، وفى الثانى كان تذكيراً بالنعمة فان كمال نعمة الرياح والسحب بالسوق والاحياء وقوله
( سقناه وأحيينا) بصيغة الماضى يؤيد ماذكرناه من الفرق بين قوله (أرسل) وبين قوله (تثير).
﴿المسألة الثالثة) ما وجه التشبيه بقوله (كذلك النشور) فيه وجوه (أحدها) أن الأرض
الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة (وثانيها ) كما أن الريح يجمع القطع
السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء (وثالثها) كما أنا نسوق الريح والسحاب
إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت .
المسألة الرابعة) ما الحكمة فى اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له فى كل
شىْ آيَةَ تدل على أنه واحد، فنقول لما ذكر الله أنه فاطر السموات والأرض، وذكر من الأمور
السماوية الأرواح وإرسالها بقوله (جاعل الملائكة رسلا) ذكر من الأمور الأرضية الرياح
وإرسالها بقوله ( والله الذى أرسل الرياح).
قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح
يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾

٨
قوله تعالى : من كان يريد العزة فلله العزة. سورة فاطر.
لما بين برهان الايمان إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة التى كانوا
يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا فى طاعة أحد ولم يكن لهم من يأمرهم وينهاهم، فكانوا ينحتون
الأصنام وكانوا يقولون إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم وأية عزة فوق المعية مع
المعبود فهم كانوا يطلبون العزة وهى عدم التذلل للرسول وترك الاتناع له ، فقال إن كنتم تطلبون
بهذا الكفر العزة فى الحقيقة، فهى كلها لله ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه فهو الذليل
وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال فى هذه الآية ( فلله العزة جميعاً) وقال فى آية أخرى ( ولله العزة
ولرسوله وللمؤمنين) فقوله ( جميعاً) يدل على أن لا عزة لغيره فتقول قوله ( فلله العزة ) أى فى
الحقيقة وبالذات وقوله ( ولرسوله) أى بواسطة القرب من العزيز وهو اللّه وللمؤمنين بواسطة
قربهم من العزيز بالله وهو الرسول، وذلك لأن عزة المؤمنين بواسطه النى لتم ألا ترى قوله تعالى
( إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله).
١
﴿ المسألة الثانية) قوله (إليه يصعد الكلم الطيب) تقرير لبيان العزة، وذلك لأن الكفار
كانوا يقولون نحن لا نعبد من لانراه ولا نحضر عنده، لأن البعد من الملك ذلة ، فقال تعالى إن
کنتم لا تصلون إليه ، فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب فمن قبل كلامه وصعد إليه فهو عزيز ومن
رد كلامه فى وجهه فهو ذليل ، وأما هذه الأصنام لا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا علم لها
فكل أحد يمسها وكذلك يرى عملكم فمن عمل صالحاً رفعه إليه ،ومن عمل سيئاً رده عليه فالعزيز من
الذى عمله لوجهه والذليل من يدفع الذى عمله فى وجهه، وأما هذه الأصنام فلا تعلم شيئاً فلاعزيز
يرفع عندها ولا ذليل ، فلا عزة بها بل عليها ذلة ، وذلك لأن ذلة السيد ذلة للعبد ومن كان معبوده
وربه وإلهه حجارة أو خشباً ماذا يكون هو ! .
﴿ المسألة الثالثة) فى قوله (إليه يصعد الكلم الطيب) وجوه (أحدها) كلمة لا إله إلا الله
هى الطيبة (وثانيها ) سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر طيب (ثالثها ) هذه الكلمات
الأربع وخامسة وهى تبارك الله والمختار أن كل كلام هو ذكر الله أو هو لله كالنصيحة والعلم،
فهو إليه يصعد .
﴿ المسألة الرابعة) قوله تعالى (والعمل الصالح يرفعه) وفى الهاء وجهان (أحدهما) هى عائدة
إلى الكلم الطيب أى العمل الصالح هو الذى يرفعه الكلم الطيب ورد فى الخبر ((لا يقبل الله قولا
بلا عمل)) (وثانيهما) هى عائدة إلى العمل الصالح وعلى هذا فى الفاعل الرافع وجهان (أحدهما )
هو الكلم الطيب أى الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، وهذا يؤيده قوله تعالى (من عمل صالحاً)
من ذكر أو أنثى وهو مؤمن (وثانيهما) الرافع هو اللّه تعالى.
[ المسألة الخامسة﴾ ما وجه ترجيح الذكر على العمل على الوجه الثانى حيث يصعد الكلم
١

٩
قوله تعالى : والله خلقكم من تراب. سورة فاطر.
وَاللهُ خَلَقَكُ مِّن ◌ُزَابٍ ثُمَّ مِنْ تُعْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجًا وَمَا تَحِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا
تَضَعُ إِلَّ بِعِلْهِ، وَمَا يُعَمُّ مِن مُّعَمٍَّ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرَِ إِلَّ فِي كِتَبٍ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ
بنفسه ويرفع العمل بغيره، فنقول الكلام شريف ، فإن امتياز الانسان عن كل حيوان بالنطق ولهذا
قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم) أى بالنفس الناطقة والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان
وغيره ، والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عندالطلب ويدل
على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة إن كان عن صدق أمن عذاب الدنياوالآخرة ، وإن كان
ظاهراً أمن فى نفسه ودمه وأهله وحرمه فى الدنيا ولا كذلك العمل بالجوارح، وقد ذكرنا ذلك
فى تفسير قوله تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)، (ووجه آخر) القلب هو الأصل وقد تقدم
ما يدل عليه، وقال النبي ◌َّم ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت
فسد الجسد كله ألا وهى القلب)) وما فى القلب لا يظهر إلا باللسان وما فى اللسان لا يتبين صدقه
إلا بالفعل ، فالقول أقرب إلى القلب من الفعل ، ألاترى أن الإنسان لا يتكلم بكلمة إلا عن قلب ،
وأما الفعل قد يكون لا عن قلب كالعبث باللحية ولأن النائم لا يخلو عن فعل من حركة وتقلب
وهو فى أكثر الأمر لا يتكلم فى نومه إلا نادراً، لما ذكرنا إن الكلام بالقلب ولا كذلك
العمل ، فالقول أشرف .
المسألة السادسة﴾ قال الزمخشرى المكر لا يتعدى فبم انتصاب السيئات؟ وقال بأن معناه
الذين يمكرون المكرات السيئات فهو وصف مصدر محذوف ، ويحتمل أن يقال استعمل المكر
استعمال العمل فعداه تعديته كما قال ( الذين يعملون السيئات ) وفى قوله (الذين يعملون السيئات)
يحتمل ماذكرناه أن يكون السيئات وصفاً لمصدر تقديره الذين يعملون العملات السيئات ، وعلى هذا
فيكون هذا فى مقابلة قوله ( والعمل الصالح يرفعه ) إشارة إلى بقائه وارتقاته (ومكر أولئك) أى
العمل السى (هو يبور) إشارة إلى فنائه .
قوله تعالى: ﴿والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا
تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب إن ذلك على الله يسير
قد ذكرنا مراراً أن الدلائل مع كثرتها وعدم دخولها فى عدد محصور منحصرة فى قسمين
دلائل الآفاق ودلائل الأنفس ، كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم) فلما ذكر
دلائل الآفاق من السموات وما يرسل منها من الملائكة والأرض وما يرسل فيها من الرياح شرع

١٠
قوله تعالى : وما يستوي البحر ان هذا عذب. سورة فاطر.
وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَبِخُ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْحُّ أُجَاجٌ وَمِنْ
كُلٍ تَأْكُونَ لَّمَا ظِيًّا وَسْتَخْرِ جُونَ حِيَّةً تَلَُونَهَا وَرَى الْفُلْكَ ى فِهِ مَثِّرَ
لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُونَ
١٢
فى دلائل الأنفس ، وقد ذكرنا تفسيره مراراً وذكرنا ما قيل من أن قوله ( من تراب) إشازة
إلى خلق آدم (ثم من نطفة) إشارة إلى خلق أولاده. وبينا أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل
بل ( خلقكم) خطاب مع الناس وهم أولاد آدم كلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة
والنطفة من غذاء، والغذاء بالآخرة ينتهى إلى الماء والتراب ، فهو من تراب صار نطفة .
وقوله "( وما تحمل من أنثى ولا تضع) إشارة إلى كمال العلم، فان ما فى الأرحام قبل
الانخلاق بل بعده مادام فى البطن لا يعلم حاله أحد، كيف والأم الحاملة ولا تعلم منه شيئاً ، فلما
ذ کر بقوله (خلقكم من تراب) کال قدرته بین بقوله ( وما تحمل من أثی ولا تضع إلا بعلمه ) کمال
علبه ثم بين نفوذ إرادته بقوله ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب ) فبين
أنه هو القادر العالم المريد والأصنام لاقدرة لها ولا علم ولا إرادة، فكيف يستحق شىء منها
العبادة، وقوله ( إن ذلك على الله يسير ) أى الخلق من التراب ويحتمل أن يكون المراد التعمير
والنقصان على اللّه يسير، ويحتمل أن يكون المراد أن العلم بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله
يسير، والأول أشبه فإن اليسير استعماله فى الفعل أليق،
قوله تعالى: ﴿ وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج، ومن كل
تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون
قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل فى حق الكفر والإيمان أو الكافر
والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر فى الحسن والنفع كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح
الأجاج. ثم على هذا، فقوله ( ومن كل تأكلون لحماً طرياً) لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو
الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات فى مخيرونفع إذ اللحم الطرى
يوجد فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجرى فيهما، ولا نفع فى الكفر والكافر ، وهذا على
نسق قوله تعالى ( أولئك كالأنعام بل هم أضل) وقوله (كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من
الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله وذلك من
حيث إن البحرين يستويان فى الصورة ويختلفان فى الماء، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح

قوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. سورة فاطر. ١١
يُولِجُ الَّيْلَ فِ الَّهَارِ وَ يُولِجُ الَّهَرَ فِ اَلَيْلِ وَخْرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِىٍ لِأَجَلٍ
مَُّّ ◌َالِكُالله ◌َيُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُوِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
أجاج، ولو كان ذلك بإيجاب لما اختلف المتساويان ، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور
متشابهة ، فان اللحم الطرى يوجد فيهما، والحلية تؤخذمنهما، ومن يوجدفى المتشابهين اختلافاً ومن
المختلفين اشتباهاً لا يكون إلا قادراً مختاراً. وقوله ( وما يستوى البحران) إشارة إلى أن عدم
استوائهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته وفى الآية مسائل :
﴿ المسألةَ الأولى﴾ قال أهل اللغة لا يقال فى ماء البحر إذا كان فيه ملوحة مالح. وإنما يقال
له ملح، وقد يذكر فى بعض كتب الفقه يصيربها ماء البحر مالحاً ، ويؤاخذ قائله به. وهو أصح ما
ما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقى فيه ملح حتى ملح لا يقال له إلا مالح، وماء
ملح يقال للماء الذى صارمن أصل خلقته كذلك، لأن المنالح شىء فيه ملح ظاهر فى الذوق، والماء
الملح ليس ماء وملحاً بخلاف الطعام المالح فالماء العذب الملقى فيه الملح ماء فيه ملح ظاهر فى
الذوق، بخلاف ماهو من أصل خلقته كذلك، فلما قال الفقيه الملح أجزاء أرضية سبخة يصير به!
ماء البحر الحا راعى فيه الأصل فانه جعله ماء جاوره ملح، وأهل اللغة حيث قالوا فى البحر ماؤ.
ملح جعلوه كذلك من أصل الخلقة، والأجاج المر ، وقوله ( ومن كل تأكلون لحماً طرياً) من الطير
والسمك وتستخرجون حلية تلبسونها من اللؤلؤ والمرجان ( وترى الفلك فيه مواخر ) أى
ماخرات تمخر البحر بالجريان أى تشق ، وقوله ( ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) يدل على
ماذكرناه من أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال
قدرته .
قوله تعالى: ﴿ يوبج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى
لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾
استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقد ذكرناه مراراً، وذكرنا أن قوله تعانى بعده (وسخر
الشمس والقمر ) جواب السؤال يذكره المشركون وهو أنهم قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب
اختلاف القسى الواقعة فوق الأرض وتحتها ، فان فى الصيف تمر الشمس على سمت الرؤوس فى
بعض البلاد الماثلة فى الآفاق ، وحركة الشمس هناك حمائلية فتقع تحت الأرض أقل من
نصف دائرة زمان مكثها تحت الأرض فيقصر الليل وفى الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال الله

١٢
قوله تعالى ان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم. سورة فاطر.
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُكَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ
يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيٍ
١٤
تعالى (وسخر الشمس والقمر) يعنى سبب الاختلاف وإن كان ماذكرتم، لكن سير الشمس
والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذى فعل ذلك .
قوله تعالى: ﴿ ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه مايملكون من قطمير).
أى ذلك الذى فعل هذه الأشياء من فطر السموات والأرض وإرسال الأرواح وإرسال
الرياح وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو لذاته الكامل ولكونه
ملكا والملك مخدوم بقدر ملكه، فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها ، ثم بين ماينافى صفة الإلهية ،
وهو قوله ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير)، ( وههنا لطيفة) وهى أن الله تعالى
ذكر لنفسه نوعين من الأوصاف (أحدهما) أن الخلق بالقدرة والإرادة (والثانى) الملك
واستدل بهما على أنه إله معبود كما قال تعالى (قل أعوذبرب الناس ملك الناس إله الناس) ذكر
الرب والملك ورتب عليهما كونه إلهاً أى معبوداً، وذكر فيمن أشركوا به سلب صفة واحدة
وهو عدم الملك بقوله ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) ولم يذكر سلب الوصف
الآخر لوجهين (أحدهما) أن كلهم كانوا معترفين بأن لا خالق لهم إلا اللّه وإنما كانوا يقولون
بأن الله تعالى فوض أمر الأرض والأرضيات إلى الكواكب التى الأصنام على صورتها
وطوالعها فقال لا ملك لهم ولا ملكهم إنه شيئاً ولا ملكوا شيئاً (وثانيهما) أنه يلزم من عدم الملك
عدم الخلق لأنه لو خلق شيئاً لملكه فإذا لم يملك قطميراً ماخلق قليلا ولا كثيراً.
قوله تعالى: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة
يكفرون بشر ككم ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
إبطالا لما كانوا يقولون إن فى عبادة الأصنام عزة من حيث القرب منها والنظر إليها
وعرض الحوائج عليها، والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقال هؤلاء لا يسمعون دعاءكم والله يصعد
إليه الكلم الطيب، بيسمع ويقبل ثم نزل عن تلك الدرجة ، وقال هب أنهم يسمعون كما يظنون
فإنهم كانوا يقولون بأن الأصنام تسمع وتعلم ولكن ما كان يمكنهم أن يقولوا إنهم يجيبون لأن
ذلك إنكار للبحس به وعدم سماعهم إنكار للمعقول والنزاع وإن كان يقع فى المعقول فلا يمكن
وقوعه فى المحس به، ثم إنه تعالى قال ( ويوم القيامة يكفرون بشرككم) لما بين عدم النفع فيهم
فى الدنيا بين عدم النفع منهم فى الآخرة بل أشار إلى وجود الضرر منهم فى الآخرة بقوله (ويوم
القيامة يكفرون بشرككم) أى باشراككم بالله شيئاً، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) أى
:

١٣
قوله تعالى : يا ايها الناس انتم الفقراء. سورة فاطر.
يَأْيُهَا النَّاسُ أَنْتُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ اَلْحَمِيدُ
الإشراك وقوله ( ولا ينبئك مثل خبير ) يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون ذلك خطاباً مع
النبى ◌َ ◌ّ ووجهه هو أن الله تعالى لما أخبر أن الخشب والحجريوم القيامة ينطق ويكذب عابده
وذلك أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله تعالى عنه أنهم يكفرون بهم يوم القيامة ، وهذا
القول مع كون الخبر عنه أمراً عجيباً هو كما قال، لأن المخبر عنه خبير (وثانيهما) هو أن يكون ذلك
خطاباً غير مختص بأحد ، أى هذا الذى ذكر هو كما قال (ولا ينبئك) أيها السامع كائناً من كنت
(مثل خبير) .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد
لما كثر الدعاء من النبي صَّ اللّهِ والإصرار من الكفار وقالوا إن اللّه لعله يحتاج إلى عبادتنا
حتى يأمرنا بها أمراً بالغاً ويهددنا على تركها مبالغاً فقال تعالى ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى)
فلا يأمر كم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو الإشفاقه عليكم ، وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾. التعريف فى الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ معرفة
وهو معقول وذلك لأن الخبر لا يخبر فى الأكثر إلا بأمر لا يكون عند المخبر به علم أو فى ظن
المتكلم أن السامع لا علم له به، ثم أن يكون معلوماً عند السامع حتى يقول له أيها السامع الأمر الذى
تعرفه أنت فيه المعنى الفلانى كفول القائل زيد قائم أو قام أى زيد الذى تعرفه ثبت له قيام لا علم
عندك به ، فان كان الخبر معلوماً عند السامع والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيهاً لا تفهيماً يحسن
تعريف الخبرغاية الحسن، كقول القائل الله ربنا ومحمد نبينا، حيث عرف كون الله رباً، وكون
محمد نبياً . وههذا لما كان كون الناس فقراء أمراً ظاهراً لا يخفى على أحد قال (أنتم الفقراء).
المسألة الثانية﴾ قوله ( إلى الله) إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه
وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقراً إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره، ثم قال
( والله هو الغنى) أى هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم من احتياجكم لا تجيبونه ولا
تدعونه فیجیبكم.
المسألة الثالثة) فى قوله (الجميد) لما زاد فى الخبر الأول وهو قوله ( أنتم الفقراء) زيادة
وهو قوله ( إلى الله ) إشارة لوجوب حصر العبادة فى عبادته زاد فى وصفه بالغنى زيادة وهو كونه
حميداً إشارة إلى كونكم فقراء وفى مقابلته اللّه غنى وفقر كم إليه فى مقابلة نعمه عليكم لكونه حميداً
واجب الشكر، فلستم أنتم فقراء والله مثلكم فى الفقر بل هوغنى على الاطلاق ولستم أنتم لما افتقر تم
إليه ترككم غير مقضى الحاجات بل قضى فى الدنيا حواتجكم، وإن آمنتم يقضى فى الآخرة
حواتجکم فهو حميد .

١٤
قوله تعالى : إن یشاء يذهبکم ویات بخلق جديد. سورة فاطر.
إِن يَشَأْيُذْعِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِبِعَزٍِ ﴾ وَلَا تَزِدُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُنْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى خْلِهَ لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا فُرْبَلٌ
قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ بياناً لغناه وفيه بلاغة كاملة وبيانها أنه
تعالى قال ( إن يشأ يذهبكم) أى ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشئ المحتاج إليه،
فان المحتاج لا يقول فيه إن يشأ فلان هدم داره وأعدم عقاره ، وإنما يقول لولا حاجة السكنى إلى
الدار لبعتها أو لولا الافتقار إلى العقار لتركتها، ثم إنه تعالى زاد بيان الاستغناء بقوله (ويأت بخلق
جديد) يعنى إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك له كمال وعظمة فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو
قادر بأن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل وأتم وأ كمل .
قوله تعالى: ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ أى الإذهاب والإتيان وههنا مسألة: وهى أن لفظ
العزيز استعمله الله تعالى تارة فى القائم بنفسه حيث قال فى حق نفسه (وكان الله قوياً عزيزاً) وقال
فى هذه السورة ( إن الله عزيز غفور) واستعمله فى القائم بغيره حيث قال ( وما ذلك على الله
بعزيز) وقال (عزيز عليه ما عنتم) فهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين؟ فنقول العزيز هو الغالب فى اللغة
يقال من عز بز أى من غلب سلب، فالله عزيز أى غالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال هو
مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله ( وما ذلك على الله بعزيز ) أى لا يغلب اللّه ذلك الفعل بل
هو هين على الله وقوله ( عزيز عليه ما عنتم) أى يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب.
قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان
ذا قربى﴾ متعلق بما قبله، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين
الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) أى لا تحمل نفس ذنب
نفس فالنبى يرجى لو كان كاذباً فى دعائه لكان مذنباً وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى
ويحترز، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم
وزركم وليس كما يقول (أكابر كم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطايا كم) وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وازرة) أى نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى
ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة (أما الأول)
فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة
فى أمرها ( ووجه آخر) وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى، قد يجتمع معها أن

١٥
قوله تعالى : إنما تنذر الذين يخشون ربهم. سورة فاطر:
إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا
مصر
يَتَزَكَّىِ لِنَفْسِهِ، وَ إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ
لاتزر وزراً أصلا كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزراً رأساً فقوله ( ولا تزر
وازرة ) بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير ( وأما) ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة
ولزومها للموصوف .
ثم قال تعالى ( وإن تدع مثقلة) إشارة إلى أن أحداً لا يحمل عن أحد شيئاً، مبتدئاً ولا بعد
السؤال، فان المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله، فاذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال
يحوجه إلى السؤال .
المسألة الثانية) فى قوله ( مثقلة) زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولا ( ولا تزر
وازرة وزر أخرى) فيظن أن أحداً لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادراً على حمله، كما
أن القوى إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لاتحمل عنه، وأما إذا كان الحمل ثقيلا قد يرحم الحامل
فيحمل عنه فقال (مثقلة ) يعنى ليس عدم الوزر لعدم كونه محلا للرحمة بالثقل بل لكون النفس
مثقلة ولا يحمل منها شىء.
المسألة الثالثة﴾ زاد فى ذلك بقوله ( ولو كان ذا قربى) أى المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله
وفى الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذى يرى عدوه تحت ثقل، أو الأجنبى
الذى يرى أجنبياً تحت حمل لا يحمل عنه فقال ( ولو كان ذا قربى) أى يحصل جميع المعانى الداعية
إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس
عليها حمل وكونها سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان المسئول قريباً فاذن لا يكون التخلف
إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل .
ثم قال تعالى ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة ) إشارة إلى أن
" لا إرشاد فوق ما أتيت به، ولم يفدهم، فلا تنذر إنذاراً مفيداً إلا الذين تمتلى. قلوبهم خشية وتتحلى
ظواهرهم بالعبادة كقوله ( الذين آمنوا ) إشارة إلى عمل القلب ( وعملوا الصالحات ) إشارة إلى
عمل الظواهر فقوله ( الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ) فى ذلك المعنى، ثم لما بين ( أن
لا تزر وازرة وزر أخرى) بين أن الحسنة تنفع المحسنين.
فقال ﴿ ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه) أى فتزكيته لنفسه .
قوله تعالى : ﴿وإلى اللّه المصير﴾ أى المتزكى إن لم تظهر فائدته عاجلا فالمصير إلى اللّه يظهر
عنده فى يوم اللقاء فى دار البقاء، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره فى الدنيا فهى تظهر فى الآخرة
إذ المصير إلى الله .

١٦
قوله تعالى : وما يستوى الأعمى والبصير. سورة فاطر.
وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ (﴾ وَلَ الظّلّ
وَلَا الْحَرُورُ ﴾ وَمَا يَسْتَوِى الْأُحْبَاءُ وَلَ الْأَمْوَاتُ
قوله تعالى: ﴿ وما يستوى الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور،
وما يستوى الأحياء ولا الأموات ﴾
لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر، وهدى الله المؤمن ضرب لهم مثلا بالبصير والأعمى،
فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر أعمى ، وفى تفسير الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ما الفائدة فى تكثير الأمثلة ههنا حيث ذكر الأعمى والبصير، والظلمة
والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات؟ فنقول الأول مثل المؤمن والكافر فالمؤمن بصير
والكافر أعمى، ثم إن البصير وإن كان حديد البصر ولكن لا يبصر شيئاً إن لم يكن فى ضوء فذكر
الإيمان والكفر مثلا، وقال الإيمان نور والمؤمن بصير والبصير لا يخفى عليه النور، والكفر
ظلمة والكافر أعمى فله صاد فوق صاد، ثم ذكر لمآ لهما ومرجعهما مثلا وهو الظل والحرور ،
فالمؤمن بإيمانه فى ظل وراحة والكافر بكفره فى حر وقعب ، ثم قال تعالى ( وما يستوى الأحياء
ولا الأموات) مثلا آخر فى حق المؤمن والكافر كأنه قال تعالى حال المؤمن والكافر فوق حال
الأعمى والبصير، فإن الأعمى يشارك البصير فى إدراك ما. والكافر غير مدرك إدرا كا نافعاً فهو
كالميت ويدل على ما ذكرنا أنه تعالى أعاد الفعل حيث قال أولا ( وما يستوى الأعمى والبصير)
وعطف الظلمات والنور والظل والحرور، ثم أعاد الفعل، وقال (وما يستوى الأحياء ولا الأموات)
كأنه جعل هذا مقابلا لذلك .
المسألة الثانية﴾ كرر كلمة النفى بين الظلمات والنور والظل والحرور والأحياء الأموات،
ولم يكرر بين الأعمى والبصير، وذلك لأن التكرير للتأكيد والمنافاة بين الظلمة والنور والظل
والحرور مضادة، فالظلمة تنافى النور وتضاده والعمى والبصر كذلك، أما الأعمى والبصير ليس
كذلك بل الشخص الواحد قد يكون بصيراً وهو بعينه يصير أعمى، فالأعمى والبصير لا منافاة
بينهما إلا من حيث الوصف ، والظل والحرور والمنافاة بينهما ذاتية لأن المراد من الظل عدم الحر
والبرد فلما كانت المنافاة هناك أتم، أكد بالتكرار، وأما الأحياء والأموات، وإن كانوا كالأعمى
والبصير من حيث إن الجسم الواحد يكون حياً محلا للحياة فيصير ميتاً محلا للموت ولكن المنافاة
بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير، كما بينا أن الأعمى والبصير يشتركان فى إدراك
أشياء، ولا كذلك الحى والميت، كيف والميت يخالف الحى فى الحقيقة لا فى الوصف على ماتبين
فى الحكمة الإلهية .

١٧
قوله تعالى : وما يستوى الأعمى والبصير. سورة فاطر.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قدم الأشرف فى مثلين وهو الظل والحرور، وأخره فى مثلين وهو البصر
والنور، وفى مثل هذا يقول المفسرون إنه لتواخى أواخر الآى، وهو ضعيف لأن تواخى الأواخر
راجع إلى السجع ، ومعجزة القرآن فى المعنى لا فى مجرد اللفظ، فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون
اللفظ حاملا له على تغيير المعنى، وأما القرآن حكمة بالغة والمعنى فيه صحيح واللفظ فصيح فلا يقدم
ولا يؤخر اللفظ بلا معنى، فنقول الكفار قبل النبى عَّ التي كانوا فى ضلالة فكانوا كالعمى وطريقهم
كالظلمة ثم لما جاء النبي صَّ الّه وبين الحق، واهتدى به منهم قوم فصاروا بصيرين وطريقتهم
كالنور فقال وما يستوى من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان ، فلما
كان الكفر قبل الإيمان فى زمان محمد ◌ّ اله ، والكافر قبل المؤمن قدم المقدم، ثم لما ذكر المآل
والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لقوله فى الإلميات سبقت رحمنى غضبى ، ثم
إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى وشابه الأموات فى عدم إدراك الحق من جميع
الوجوه فقال ( وما يستوى الأحياء) أى المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل الله والأموات الذين
تليت عليهم الآيات البينات، ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين
لوجود حياة المؤمنين قبل مات الكافرين المعاندين، وقدم الأعمى على البصير لوجود الكفار
الضالين قبل البعثة على المؤمنين المهتدين بعدها .
﴿ المسألة الرابعة) فان قلت قابل الأعمى بالبصير بلفظ المفرد وكذلك الظل بالحرور
وقابل الأحياء بالأموات بلفظ الجمع ، وقابل الظلمات بالنور بلفظ الجمع فى أحدهما والواحد فى
فى الآخر ، فهل تعرف فيه حكمة؟ قلت نعم بفضل الله وهدايته، أما فى الأعمى والبصير والظل
والحرور، فلأنه قابل الجنس بالجنس، ولم يذكر الأفراد لأن فى العميان وأولى الأبصار قد يوجد
فرد من أحد الجنسين يساوى فرداً من الجنس الآخر كالبصير الغريب فى موضع والأعمى الذى
هو تربية ذلك المكان، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد ولا يقدر البصير عليه ، أو يكون
الأعمى عنده من الذكاه ما يساوى به البليد البصير، فالتفاوت بينهما فى الجنسين مقطوع به فان
جنس البصير خير من جنس الأعمى، وأما الأحياء والأموات فالتفاوت بينهما أكثر، إذ ما من
ميت يساوى فى الإدراك حياً من الأحياء، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت
الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد، وأما الظلمات والنور فالحق واحد وهو التوحيد والباطل
كثير وهو طرق الإشراك على مابينا أن بعضهم يعبدون الكواكب وبعضهم النار وبعضهم
الأصنام التى هى على صورة الملائكة ، وإلى غير ذلك والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين
هذا الواحد بين ، فقال الظلمات كلها إذا اعتبرتها لا تجد فيها ما يساوى النور، وقد ذكر نافى تفسير
قوله ( وجعل الظلمات والنور ) السبب فى توحيد النور وجمع الظلمات ، ومن جملة ذلك أن النور
لا يكون إلا بوجود منور ومحل قابل للاستنارة وعدم الحائل بين النور والمستنير . مثاله الشمس
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٢

١٨
قوله تعالى : إن الله يسمع من يشاء. سورة فاطر.
إِنْ أَنْتَ
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّنْ فِ الْقُبُورِ ﴾
إلَّا نَذِيرٌ
إِنَّا أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقِّ بَشِرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أَمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ
٢٣
وَإِنْ يُكَذِبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَتْهُمْ رُسُلُهُم ◌ِآلْبَيِنَتِ
وَبِالَُّرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِبرِ.
٢٥
إذا طلعت وكان هناك موضع قابل للاستنارة وهو الذى يمسك الشعاع، فان البيت الذى فيه كوة
يدخل منها الشعاع إذا كان فى مقابلة الكوة منفذ يخرج منه الشعاع ويدخل بيتاً آخر ويبسط
الشعاع على أرضه يرى البيت الثانى مضيئاً والأول مظلماً، وإن لم يكن هناك حائل كالبيت الذى
لاكوة له فإنه لا يضىء، فإذا حصلت الأمور الثلاثة يستنير البيت وإلا فلا تتحقق الظلبة بفقد أى
أمر كان من الأمور الثلاثة .
قوله تعالى : ﴿ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور) وفيه احتمال معنيين
(الأول) أن يكون المراد بيان كون الكفار بالنسبة إلى سماعهم كلام النبى والوحى النازل عليه
دون حال الموتى فإن الله يسمع الموتى والنبى لا يسمع من مات وقبر، فالموتى سامعون من الله
والكفار كالموتى لا يسمعون من النبى ( والثانى ) أن يكون المراد تسلية النبى صلى الله عليه وسلم
فانه لما بين له أنه لا ينفعهم ولا يسمعهم قال له هؤلاء لا يسمعهم إلا الله ، فانه يسمع من يشاء ولو
كان صخرة صماء، وأما أنت فلا تسمع من فى القبور، فما عليك من حسابهم من شىء.
قوله تعالى: ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ بياناً للتسلية.
قوله تعالى: ﴿ إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً﴾ لما قال (إن أنت إلا نذير) بين أنه
ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو نذير باذن الله وإرساله.
قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ تقريراً لأمرين (أحدهما) لتسلية قلبه حيث
يعلم أن غيره كان مثله محتملا لتأذى القوم ( وثانيهما) إلزام القوم قبوله فانه ليس بدعا من
الرسل وإنما هو مثل غيره يدعى ما ادعاه الرسل ويقرره .
قوله تعالى : ﴿وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر
وبالكتاب المنير
يعنى أنت جئتهم بالبينة والكتاب فكذبوك وآذوك وغيرك أيضاً أتاهم بمثل ذلك وفعلوا
بهم ما فعلوا بك وصبروا على ما كذبوا فكذلك نلزمهم بأن من تقدم من الرسل لم يعلم كونهم
رسلا إلا بالمعجزات البينات وقد آتيناها محمداً صلى الله عليه وسلم (وبالزبر وبالكتاب المنير)

١٩
قوله تعالى : ثم اخذت الذين كفروا فكيف كان نكیرا. سورة فاطر.
ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (﴾ أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ
اَلَّمَاءِ مَاءُ فَأَنْرَجْنَابِهِ، تَوَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَاً
والكل آتيناها محمداً، فهو رسول مثل الرسل يلزمهم قبوله كما لزم قبول موسى وعيسى عليهم
السلام أجمعين، وهذا يكون تقريراً مع أهل الكتاب . وأعلم أنه تعالى ذكر أموراً ثلاثة أولها
البینات ، وذلكلأن کل رسول فلا بد له من معجزة وهیأدنى الدرجات ، ثم قد ينزلعليه کتاب
يكون فيه مواعظ وتنبيهات وإن لم يكن فيه نسخ وأحكام مشر وعة شرعا ناسخاً ، ومن ينزل عليه
مثله أعلى مرتبة من لا ينزل عليه ذلك وقد تنسخ شريعته الشرائع وينزل عليه كتاب فيه أحكام
على وفق الحكمة الإلهية ، ومن يكون كذلك فهو من أولى العزم فقال الرسل تبين رسالتهم بالبينات
وإن كانوا أعلى مرتبة فبالزبز، وإن كانوا أعلى فبالكتاب والنى آتيناه الكل فهو رسول أشرف
من الكل لكون كتابه أتم وأكمل من كل كتاب .
قوله تعالى : ﴿ ثمأخذت الذین کفروا فکیفکان نکیر
أى من كذب بالكتاب المنزل من قبل وبالرسول المرسل أخذه الله تعالى فكذلكمن يكذب
بالنبى عليه السلام، وقوله ( فكيف كان نكير ) سؤال للتقرير فانهم علموا شدة إنكار الله عليهم
وإتيانه بالأمر المنكر من الاستئصال .
قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها﴾.
وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفى تفسيرها مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار، وقال (ألم تر) وذكر الدليل
المتقدم على طريقة الإخبار وقال ( والله الذى أرسل الرياح ) وفيه وجهان (الأول ) أن انزال
الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فانه لا يخفى على أحد فى الرؤية أن الماء منه حياة الأرض
فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذى للتقرير لا يقال إلا فى الشىء الظاهر جداً كما أن
من أبصر الهلال وهو خفى جداً ، فقال له غيره أين هو ، فانه يقول له فى الموضع الفلانى، فان لم
يره، يقول له الحق معك إنه خفى وأنت معذور، وإذا كان بارزاً يقول له أما تراه هذا هو ظاهر
(والثانى) وهو أنه ذكره بعد ما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه
الدلالات ، فقال له أنت صرت بصيراً بما ذكرناه ولم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية.
المسألة الثانية﴾ المخاطب من هو يحتمل وجهين (أحدهما) النبى ◌ٍَّ وفيه حكمة وهى أن
اللّه تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم، كما أن السيد إذا
نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد، يقول لغيره أسمع ولا تكن مثل هذا

٢٠
قوله تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر. سورة فاطر.
وَمِنْ
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَهُ بِضْ وَهُمْرٌ مُخْتَلِفَ أَلْوَاثُهَا وَغَرَابِبُ سُودٌ
النَّاسِ وَالَّوَابِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ، كَ ◌ِكٌ
ويكرر معه ماذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيضة لا يستأهل للخطاب فيتنبه
له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة (والآخر) أن لا يخرج إلى كلام أجنبى عن الأول، بل يأتى بما
يقار به لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد مرات
مختلفة وفيه لطائف ( الأولى) قال أنزل وقال أخرجنا. وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول: قال
اللّه تعالى (ألم تر أن الله أنزل) فإن كان جاهلا يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له، فالإخراج
لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم (ووجه
آخر) هو أن الله تعالى لمنا قال (إن الله أنزل) علم الله بدليل، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى
فصار من الحاضرين، فقال له أخرجنا لقربه ( ووجه ثالث ) الإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن
الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة الغائب ..
(اللطيفة الثانية ) قال تعالى ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود،
ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك )
كأن قائلا قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع. ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت
ببعض البلاد كالزعفران وغيره، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بارادة الله وإلا فلم صار
بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض ، والجدد جمع جدة وهى الخطة أو الطريقة ، فإن
قيل الواو فى (ومن الجبال) ما تقديرها؟ نقول هى تحتمل وجهين (أحدهما) أن تكون للاستئناف
كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان، وفى الأشياء الكائنات من الجبال جدد
بيض دالة على القدرة ، رادة على من ينكر الارادة فى اختلاف ألوان الثمان ( ثانيهما ) أن تكون
للعطف تقديرها وخلق من الجبال . قال الزمخشرى: أراد ذو جدد (واللطيفة الثالثة) ذكر الجبال
ولم يذكر الأرض كما قال فى موضع آخر (وفى الأرض قطع متجاورات ) مع أن هذا الدليل
مثل ذلك، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر فى الأول (أخرجنا به ثمرات ) كان نفس إخراج الثمار
دليلا على القدرة ثم زاد عليه بياناً ، وقال مختلفاً كذلك فى الجبال فى نفسها دليل للقدرة والإرادة،
لأن كون الجبال فى بعض نواحى الأرض دون بعضها والاختلاف الذى فى هيئة الجبل فان بعضها
يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار ، ثم زاده بياناً وقال جدد بيض، أى مع
١٥٬٠
دلالتها بنفسها هى دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات فى نفسها دلائل واختلاف