النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
قوله تعالى : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة. سورة سبأ.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَا تَأْتِنَالسَّاعَّةٌ قُلْ بَى وَرَبِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ
لَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَنَوَتِ وَلَ فِ الْأَرْضِ وَلَا أَصْغُرُ مِنْ ذَلِكَ
وَلَا أَكْبَرُ إِلَّ فِ كِتَابٍ مُبِينٍ ◌ّ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾
من أنواع رحمته منها المطرومنها الملائكة ومنها القرآن ، وما يعرج فيها منها الكلم الطيب لقوله تعالى
( إليه يصعد الكلم الطيب ) ومنها الأرواح ومنها الأعمال الصالحة لقوله ( والعمل الصالح يرفعه)
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قدم ما يلج فى الأرض على ما ينزل من السماء، لأن الحبة تبذر أولا ثم
تسقى ثانياً .
المسألة الثانية﴾ قال وما يعرج فيها ولم يقل يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة
ومرتبة النفوس الزكية وهذا لأن كلمة إلى للغاية ، فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند
السموات فقال (وما يعرج فيها) ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال فى الكلم الطيب (إليه
يصعد الكلم الطيب ) لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه، وأما السماء فهى دنيا
وفوقها المنتهى .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال (وهو الرحيم الغفور) رحيم بالإنزال حيث ينزل الرزق من السماء،
غفور عند ما تعرج إليه الأرواح والأعمال فرحم أولا بالانزال وغفر ثانياً عند العروج.
ثم بين أن هذه النعمة التى يستحق الله بها الحمد وهى نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال تعالى
﴿ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) ثم رد عليهم وقال ( قل يلى وربى لتأتينكم عالم الغيب
لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب
مبين ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم )
أُخبر باتيانها وأكده باليمين ، قال الزمخشرى رحمه الله: لو قال قائل كيف يصح التأكيد باليمين
مع أنهم يقولون لا رب وإن كانوا يقولون به ، لكن المسألة الأصولية لا تثبت باليمين وأجاب عنه
بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر الدليل وهو قوله (ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وبيان
كونه دليلا هو أن المسئْ قد يبقى فى الدنيا مدة مديدة فى اللذات العاجلة ويموت عليها والمحن قد
يدوم فى دار الدنيا فى الآلام الشديدة مدة ويموت فيها، فلولا دار تكون الأجزية فيها لكان
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٦

٢٤٢
قوله تعالى : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة. سورة سبأ.
الأمر على خلاف الحكمة ، والذى أقوله أنا هو أن الدليل المذكور فى قوله ( عالم الغيب لا يعزب
عنه مثقال ذرة) أظهر ، وذلك لأنه إذا كان عالماً بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على
جمعها فالساعة ممكنة القيام ، وقد أخبر عنها الصادق فتكون واقعة ، وعلى هذا فقوله تعالى (فى
السموات ولا فى الأرض ) فيه لطيفة وهى أن الإنسان له جسم وروح والأجسام أجزاؤها فى
الأرض والأرواح فى السماء فقوله (لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ) إشارة إلى عله
بالأرواح وقوله (ولا فى الأرض) إشارة إلى علمه بالأجسام، وإذا علم الأرواح والأشباح وقدر
على جمعها لا يبقى استبعاد فى المعاد. وقوله ( ولا أصغر من ذلك) إشارة إلى أن ذكر مثقال الذرة
ليس للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب، وعلى هذا فلو قال قائل فأى حاجة إلى ذكر الأكبر،
فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد من أن يعلم الأكبر؟ فنقول لما كان اللّه تعالى أراد بيان
إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر، لكونها محل
النسيان ، أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال الاثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن
الأكبر أيضاً مكتوب فيه، ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جمع ذلك وإثباته للجزاء
فقال ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ) ذكر فيهم أمرين
الإيمان والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان
فكل مؤمن مغفور له ويدل عليه قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن
يشاء) وقوله عليه السلام فيما أخبرنا به تاج الدين عيسى بن أحمد بن الحاكم البندهى قال أخبر نى
والدى عن جدى عن محى السنة عن عبد الواحد المليجى عن أحمد بن عبد الله النعيمى عن
محمد بن يوسف الفربرى عن محمد بن اسماعيل البخارى ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
وفى قلبه وزن ذرة من إيمان)) والرزق الكريم من العمل الصالح وهو مناسب فان من عمل السيد
كريم عملا، فعند فراغه من العمل لابد من أن ينعم عليه إنعاماً ويطعمه طعاماً، ووصف الرزق
بالكريم قد ذكرنا أنه بمعنى ذى كرم أومكرم ، أو لأنه يأتى من غير طلب بخلاف رزق الدنيا، فانه
ما لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتى، وفى التفسير مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قوله (أولئك لهم مغفرة ورزق كريم) يحتمل وجهين (أحدهما) أن
يكون لهم ذلك جزاء فيوصله إليهم لقوله ( ليجزى الذين آمنوا)، (وثانيهما) أن يكون ذلك لهم
والله يجزيهم بشىء آخر لأن قوله ( أولئك لهم) جملة تامة إسمية . وقوله تعالى ( ليجزى الذين
آمنوا) جملة فعلية مستقلة ، وهذا أبلغ فى البشارة من قول القائل. ليجزى الذين آمنوا رزقاً.
﴿ المسألة الثانية) اللام فى ليجزى للتعليل، معناه الآخرة للجزاء، فإن قال قائل : فماوجه
المناسبة؟ فنقول: اللّه تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه جعل للمكلف داراً باقية ليكون ثوابه واصلا
إليه دائماً أبداً، وجعل قبلها داراً فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون
:

٢٤٣
قوله تعالى : والذين سعوا فى آياتنا عاجزين. سورة سبأ .
وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّنْ رِبٍْ أَلِيمٌ
فيه فى الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه فى نفسه .
﴿ المسألة الثالثة ) ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هى للمؤمنين
والرزق منه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور، فميز الرزق لحصول الانقسام
فيه ، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها .
ثم قال تعالى ( والذين سعوا فى آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ﴾.
لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين، وقوله ( والذين سعوا فى آياتنا) أى
بالابطال ، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا وحينئذ يكون هذا فى مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى
(آمنوا) معناه صدقوا وهذا معناه كذبوا فان قيل من أين علم كون سعيهم فى الإبطال مع أن المذكور
مطلق السعى ؟ فنقول فهم من قوله تعالى (معاجزين) وذلك لأنه حال معناه سعوا فيها وهم يريدون
التعجيز و بالسعى فى التقرير والتبليغ لا يكون الساعى معاجزاً لأن القرآن وآيات الله معجزة فى نفسها
لاحاجة لها إلى أحد. وأما المكذب فهو آت بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعى العظيم والجد
البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به، وقيل بأن المراد من قوله (معاجزين) أى ظانين أنهم
يفوتون الله، وعلى هذا يكون كون الساعى ساعياً بالباطل فى غاية الظهور ، ولهم عذاب فى مقابلة
لهم رزق ، وفى الآية لطائف ( الأولى) قال ههنا (لهم عذاب ) ولم يقل يجزيهم الله، وقد تقدم
القول منا أن قوله تعالى ( ليجزى الذين آمنوا ) يحتمل أن يكون الله يجزيهم بشىء آخر، وقوله
(أولئك لهم مغفرة) إخبار عن مستحقهم المعد لهم ، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظراً إلى
قوله (ليجزى) وههنا لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك (الثانية) قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال
(ورزق كريم) وههنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم، والجواب تقدم فى مثله (الثالثة)
قال هناك ( لهم مغفرة ورزق كريم) ولم يقلله بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا
رزق من جنس كريم، وقال ههنا ( لهم عذاب من رجز أليم) بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك
إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب ، وعلى هذا (من) لبيان
الجنس كقول القائل خاتم من فضة، وفى الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع على أن الأليم وصف
العذاب كأنه قال عذاب أليم من أسوأ العذاب والجر على أنه وصف للرجز والرفع أقرب نظراً
إلى المعنى، والجر نظراً إلى اللفظ، فان قيل فلم تنحصر الأقسام فى المؤمن الصالح عمله والمكذب
الساعى المعجز لجواز أن يكون أحد مؤمناً ليس له عمل صالح أو كافر متوقف ، فنقول إذا علم حال
الفريقين المذكورين يعلم أن المؤمن قريب الدرجة من تقدم أمره والكافر قريب الدرجة ممن
سبق ذكره وللمؤمن مغفرة ورزق كريم ، وإن لم يكن فى الكرامة مثل رزق الذى عمل صالحاً

٢٤٤
قوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم. سورة سبأ.
﴿ وَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَمَ الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَ يَهْدِىّ إلَى
صِرْطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [® وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُنْكُمْ عَى رَجُلٍ يُنَبِئُكُمْ إِذَا
مُنْتُمْ كُلَّ مُمَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ◌ّا
وللكافر غير المعاند عذاب وإن لم يكن من أسوأ الأنواع التى للمكذبين المعاندين .
قوله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط
العزيز الحميد
لما بين حال من يسعى فى التكذيب فى الآخرة بين حاله فى الدنيا وهو أن سعيه باطل فان
من أوتى علياً لا يغتر بتكذيبه ويعلم أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وقوله
هو الحق يفيد الحصر أى ليس الحق إلا ذلك، وأما قول المكذب فباطل ، بخلاف ما إذا تنازع
خصمان ، والنزاع لفظى فيكون قول كل واحد حقاً فى المعنى، وقوله تعالى ( ويهدى إلى صراط
العزيز الحميد) يحتمل أن يكون بياناً لكونه هو الحق فانه هاد إلى هذا الصراط ، ويحتمل أن
يكون بياناً لفائدة أخرى ، وهى أنه مع كونه حقاً هادياً والحق واجب القبول فكيف إذا كان فيه
فائدة فى الاستقبال وهى الوصول إلى اللّه، وقوله (العزيز الحميد) يفيد رغبة ورهبة ، فانه إذا كان
عزيزاً يكون ذا انتقام ينتقم من الذى يسعى فى التكذيب ، وإذا كان حميداً يشكر سعى من يصدق
ويعمل صالحاً ، فإن قيل كيف قدم الصفة التى للهيبة على الصفة التى الرحمة مع أنك أبداً تسعى فى
بيان تقديم جانب الرحمة ؟ نقول كونه عزيزاً تام الهيبة شديد الانتقام يقوى جانب الرغبة لأن
رضا الجبار العزيز أعز وأكرم من رضا من لا يكون كذلك، فالعزة كما تخوف ترجى أيضاً ، وكما
ترغب عن التكذيب ترغب فى التصديق ليحصل القرب من العزيز .
قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبشكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم
لفى خلق جديد
وجه الترتيب: هو أن الله تعالى لما بين أنهم أنكروا الساعة ورد عليهم بقوله (قل
بلى وربى لتأتينكم) وبين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء
الساعى فى تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات ، بين حال المؤمن والكافر بعد قوله
( قل بلى وربى لتأتينكم) فقال المؤمن هو الذى يقول الذى أنزل إليك الحق وهو يهدى، وقال
الكافر هو الذى يقول هو باطل، ومن غاية اعتقادهم وعنادهم فى إبطال ذلك قالوا على سبيل
التعجب (هل ندلكم على رجل منكم يفبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد؟) وهذا كقول
القائل فى الاستبعاد، جاء رجل يقول إن الشمس تطلع من المغرب إلى غير ذلك من الحالات.
:

٢٤٥
قوله تعالى : افترى على الله كذبا. سورة سبأ.
أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِء جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِ الْعَذَابِ
وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ي أَفَلَمْ يَوَاْ إِلَى مَابَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ اَلَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
إِن نَّشَأْ نَحِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّا مِّنَ السَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةُ
قوله تعالى: ﴿أفترى على الله كذباً أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب
والضلال البعيد﴾ هذا يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون تمام قول الذين كفروا أولا أغنى
هو من كلام من قال (هل ندلكم) ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال (هل ندلكم)
كأن السامع لما سمع قول القائل (هل ندلكم على رجل) قال له: أهو يفترى على الله كذباً ؟ إن كان
يعتقد خلافه ، أم به جنة [أى] جنون؟ إن كان لا يعتقد خلافه (وفى هذا لطيفة) وهى أن الكافر لا يرضى
بأن يظهر كذبه، ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر، بل قال مفتر أو مجنون ، احترازاً من أن يقول
قائل كيف يقول بأنه مفتر، مع أنه جائز أن يظن أن الحق ذلك فظن الصدق يمنع تسمية القائل
مفترياً وكاذباً فى بعض المواضع، ألا ترى أن من يقول جاء زيد، فاذا تبين أنه لم يجى. وقيل له
كذبت ، يقول ما كذبت ، وإنما سمعت من فلان أنه جاء ، فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن
نفسه بالظن ، فهم احترزوا عن تبين كذبهم ، فكل عاقل ينبغى أن يحترز عن ظهور كذبه عند
الناس ، ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر ، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى وقال (بل الذين
لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب) فى مقابلة قولهم (أفترى على الله كذباً) وقوله (والضلال البعيد)
فى مقابلة قولهم ( به جنة) وكلاهما مناسب. أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذية،
لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب لجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب. وأما الجنون
فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه فى الإيذاء، لأنه لا يشهد عليه بأنه يعذب ، ولكن ينسبه إلى
عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد، لأن من يسمى المهتدى ضالا يكون
هو الضال، فمن يسمى الهادى ضالا يكون أضل ، والنبى عليه الصلاة والسلام كان هادى كل مهند.
قوله تعالى: ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف
بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء﴾ لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً
على السيئات والحسنات ذكر دليلا آخر وذكرفيه تهديداً. أما الدليل فقوله (من السماء والأرض)
فإنهما يدلان على الوحدانية كما بيناه مراراً، وكما قال تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات
والأرض ليقولن الله) ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال قدرته ومنها الإعادة، وقد
ذكرناه مراراً ، وقال تعالى (أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم

٢٤٦
قوله تعالى : إن في ذلك لآية لكل عبد منيب، سورة سبأ.
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَشِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ، وَلَيْرَ
لِكُلٍ عَبْدِ سُنِبِ د
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
١٠
وأما التهديد فبقوله (إن نشأ نخسف بهم الأرض) يعنى نجعل عين نافعهم صارهم بالخسف والكف.
قوله تعالى: ﴿إن فى ذلك الآ ية لكل عبد منيب﴾ أى لكل من يرجع إلى الله ويترك التعصب
ثم إن الله تعالی لما ذ کر من ینیب من عباده، ذکر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما
قال تعالى عنه ( فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ) وبين ما أتاه اللّه على أنابته فقال:
﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد ﴾ وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى ) قوله تعالى (منا) إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام، وتقريره هو أن
قوله ( ولقد آتينا داود منا فضلا ) مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتى الملك زيداً خلطة ،
فاذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء اللّه الفضل عام
لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ومثل هذا قوله تعالى ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان)
فان رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد فى الدنيا لكن رحمته فى الآخرة على المؤمنين رحمة من
عنده لخواصه فقال ( يبشرهم ربهم برحمة منه).
المسألة الثانية) فى قوله (ياجبال أوبى معه) قال الزمخشرى (ياجبال) بدل من قوله(فضلا)
معناه آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، أو من آتينا ومعناه قلنا ياجبال .
المسألة الثالثة ) قرى أوبى بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبى من
الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع، وقيل بأن معناه سيرى معه، وفى قوله ( يسبحن)
قالوا هو من السباحة وهى الحركة المخصوصة .
المسألة الرابعة) قرى (والطير) بالنصب حملا على محل المنادى والطير بالرفع حملا على لفظه.
﴿المسألة الخامسة﴾ لم يكن الموافق له فى التأويب منحصراً فى الجبال والطير ولكن ذكر
الجبال، لأن الصخور الجمود والطير النفور تستبعد منهما الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء
فغيرها أولى، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التى هى أشد قسوة من الحجارة .
المسألة السادسة﴾ قوله ( وألنا له الحديد) عطف، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا
المقدر فى قوله يا جبال تقديره قلنا (ياجبال) أوبى وألنا، ويحتمل أن يكون عطفاً على آتينا تقديره
آتيناه فضلا وألنا له .
المسألة السابعة ) ألان الله له الحديد حتى كان فى يده كالشمع وهو فى قدرة ألقه يسير ، فانه
ياين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذى يكتب به، فأى عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله، قبل
:

٢٤٧
قوله تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر. سورة سبأ.
أنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَالِحًا إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِبْرٌ
﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيَ غُوْهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهَ وَأَسَلْنَا لَهُو ◌َّنَ الْفِطْرِ وَمِنَ آلْنِّ
مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذْنِ رَبٍِّ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَعْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة البوس وهى
الدروع، وإنما اختار الله له ذلك، لأنه وقاية للروح التى هى من أمره وسعى فى حفظ الآدمى
المكرم عند الله من القتل، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما .
قوله تعالى: ﴿ أن أعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحاً إنى بما تعملون بصير﴾
قيل إن أن ههنا للتفسير فهى مفسرة، بمعنى أى أعمل سابغات وهو تفسير (ألنا) وتحقيقه لأن
يعمل ، يعنى ألنا له الحديد ليعمل سابغات ويمكن أن يقال الهمناه أن أعمل وأن مع الفعل
المستقبل للمصدر فيكون معناه: ألنا له الحديد وألهمناه عمل سابغات وهى الدروع الواسعة ذكر
الصفة ويعلم منها الموصوف وقدر فى السرد، قال المفسرون أى لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب
ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها ، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد، وقوله ( وقدر فى
السرد) أى الزرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب يكون
بقدر الحاجة وباقى الأيام والليالى للعبادة فقدر فى ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب.
بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى ( واعملوا صالحاً) أى لستم مخلوقين إلا للعمل
الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، والكسب قدروا فيه، ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله (إنى
بما تعملون بصير ) وقد ذكرنا مراراً أن من يعمل لملك شغلا ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن
العمل ويتقنه ويجتهد فيه، ثم لما ذكر المنيب الواحد ذكر منيباً آخر وهو سليمان، كما قال تعالى
( وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ).
وذكر ما استفاد هو بالإنابة فقال ﴿ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له
عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير)
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرى. (ولسليمان الريح) بالرفع وبالنصب وجه الرفع (ولسليمان الريح)
مسخرة أو خرت ( لسليمان الريح) ووجه النصب ( ولسليمان) سخرنا (الريح) وللرفع وجه آخر

٢٤٨
قوله تعالى : ولسليمان الريح. سورة سبأ .
وهو أن يقال معناه ( ولسليمان الريح) كما يقال لزيد الدار، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك
المختص به بأمرها بما يريد حيث يريد .
المسألة الثانية﴾ الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً لجملة إسمية على جملة فعلية وهو
لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود كانه تعالى قال ماذكرنا لداود ولسليمان
الريح ، وأما على النصب فعلى قولنا (وألنا له الحديد) كأنه قال وألنا لداود الحديد وفرنا
لسليمان الريح .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ المسخر لسليمان كانت ريحاً مخصوصة لا هذه الرياح، فانها المنافع عامة
فى أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فا قرأ أحد الرياح.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال بعض الناس: المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت
تسبح كما يسبح كل شىء ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده)، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها
فيسبح، ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهى كالريح وقوله ( غدوها شهر) ثلاثون فرسخاً لأن
من يخرج للتفرج فی أ کثر الأمر لا یسیر أ کثر من فرسخ ويرجع كذلك ، وقوله فى حق داود
( وألنا له الحديد) وقوله فى حق سليمان (وأسلنا له عين القطر ) أنهم استخرجوا تذويب الحديد
والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أى أناساً أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا
ضعف اعتقاده [و] عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة.
المسألة الخامسة ﴾ أقول قوله تعالى ( وسخرنا مع داود الجبال) وقوله ( ولسليمان الريح
عاصفة) لو قال قائل ما الحكمة فى أن اللّه تعالى قال فى الأنبياء ( وسخرنا مع داود الجبال) وفى
هذه السورة قال ( ياجبال أوبى معه ) وقال فى الريح هناك وههنا ( ولسليمان) تقول الجبال لما
سبحت شرفت بذكر الله فلم يصفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر
فيها أنها سبحت جعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لى وهو أن على قولنا
( أوبى معه) سيرى فالجبل فى السير ليس أصلا بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع
سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها، فلم يقل الريح مع سليمان، بل سليمان كان مع الريح (وأسلنا له عين
القطر ) أى النحاس (ومن الجن) أى خرنا له من الجن، وهذا ينبى. عن أن جميعهم ما كانوا
تحت أمره وهو الظاهر.
واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثه أشياء فى حق داود وثلاثة فى حق سليمان عليهما الصلاة والسلام
فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان، وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه
إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمى والآدمى أثقل
من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أى الجبال مع داود على ما قلنا (أوبى) أى سيرى
وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضاً ، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما
:
:

٢٤٩
قوله تعالى : يعملون له ما يشاء. سورة سبأ.
ج
يَعْمَلُونَ لَهُمَا يَشَآءُ مِن تَخَرِيبَ وَتَثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ
أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
لا يجتمعان مع الإنسان ؛ الطبر لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن، فإن الإنسان يتقى
مواضع الجن، والجن يطلب أبداً اصطياد الانسان والإنسان يطلب إصطياد الطير فقدر الله أن
صار الطبر لا ينفرمن داود بل يستأنس به ويطلبه ، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه
وأما القطر والحديد فتجانهما غير خفى ( وههنا لطيفة) وهى أن الآدمى ينبغى أن يتقى الجن
ويجتذبه والاجتماع به يقضى إلى المفسدة ولهذا قال تعالى (أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ
بك رب أن يحضرون) فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى ( من يعمل بين يديه
بإذن ربه) إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة (ولطيفة أخرى) وهى أن الله تعالى قال
ههنا ( باذن ربه ) بلفظ الرب وقال (ومن يزغ منهم عن أمرنا) ولم يقل عن أمر ربه، وذلك لأن
الرب لفظ ينى عن الرحمة ، فعند ما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال (ربه) وعندما
كانت الاشارة إلى تعذيبهم قال (عن أمرنا) بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى (نذقه
من عذاب السعير ) فيه وجهان: (أحدهما) أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من
نار فالإشارة إليه ( وثانيهما) أن السعير هو ما يكون فى الآخرة فأوعدهم بما فى الآخرة من العذاب
قوله تعالى : ﴿ يعملون له مايشاء من محاریب وتماثیلو جفان كالجواب و قدور راسیات اعملوا
آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور﴾.
المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى (إذ تسوروا المحراب) والتماثيل ما يكون
فيها من النقوش ، ثم لما ذكر البناء الذى هو المسكن بين ما يكون فى المسكن من ماعون الأكل
فقال ( وجفان كالجواب ) جمع جابية وهى الحوض الكبير الذى يجبی الماء أى يجمعه وقيل كان
يجتمع على جفئة واحدة ألف نفس (وقدور راسيات) ثابتات لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها
فى تلك الجفان ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش. تكون فى الأبنية وقدم (الجفان)
فى الذكر على (القدور) مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل ،
فنقول: لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذى يمد فى تلك الدور، وأشار إلى الجفان
لأنها تكون فيه، وأما القدور فلا تكون فيه، ولا تحضر هناك، ولهذا قال ( راسيات) أى
غير منقولات، ثم لما بين حال الجفان العظيمة، كان يقع فى النفس أن الطعام الذى يكون
فيها فى أى شىء يطبخ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان.

٢٥٠
قوله تعالى : فلما قضينا عليه الموت. سورة سبأ.
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَادَهُمْ عَلَى مَوْنِهِ إِلَّ دَابَةَ الْأَرْضِ تَأكل مِنْسَأَتَهُ,
المسألة الثانية﴾ ذكر فى حق داود اشتغاله بآلة الحرب، وفى حق سليمان بحالة السلم وهى
المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى
داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه
على جنوده، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه فى ظنه فتركوا الحرب معه وإن حار به أحد كان
زمان الحرب يسيراً لإدراكه إياه بالريح فكان فى زمانه العظمة بالإطعام والإنعام .
﴿ المسألة الثالثة) لما قال عقيب قوله تعالى (أن اعمل سابغات) اعملوا صالحاً، قال عقيب
ما يعمله الجن (اعملوا آل داود شكراً) إشارة إلى ماذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغى أن يجعل
الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذى ينبغى أن يكثر منه هو العمل الصالح الذى يكون
شكراً ، وفيه إشارة إلى عدم الإلتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما فى قوله (وقدر فى
السرد) أى اجعله بقدر الحاجة .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ انتصاب شكراً يحتمل ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون مفعولا له كقول
القائل جئتك طمعاً وعبدت الله رجاء غفرانه ( وثانيها ) أن يكون مصدراً كقول القائل شكرت
الله شكراً ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعوداً، وذلك لأن العمل شكر
فقوله (اعملوا) يقوم مقام قوله ( اشكروا) ( وثالثها ) أن يكون مفعولا به كقولك اضرب زيداً
كما قال تعالى (واعملوا صالحاً) لأن الشكر صالح.
﴿ المسألة الخامسة) قوله (وقليل من عبادي الشكور) إشارة إلى أن الله خفف الأمر على
عباده، وذلك لأنه لما قال (اعملوا آل داود شكراً) فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما
ينبغى لا يمكن، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائما
تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر، فقال تعالى إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام
فليس عليكم فى ذلك حرج، فان عبادى قليل منهم الشكور ويقوى قولنا أنه تعالى أدخل الكل فى
قوله (عبادى ) مع الإضافة إلى نفسه، وعبادى بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد فى القرآن
إلا فى حق الناجين، كقوله تعالى (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) وقوله
(إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) فان قيل على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله (قليل)
يدل على أن فى عباده من هو شاكر لأنعمه ، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل
فاعله، وأما الشكر الذى يناسب نعم الله فلا قدرة عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أو نقول
الشاكر التام ليس إلا من رضى الله عنه، وقال له ياعبدى ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك
وكتبت لك أنك شاكر لأنعمى بأسرها، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
قوله تعالى : ﴿فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته

٢٥١
قوله تعالى : لقد كان لسباً. سورة سبأ.
فَلَّانَّ ◌َبَيَّنَتِ الْحِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (®)
لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَ فِى مَسْكُنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمٍِ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ
وَاشْكُرُوْ لَهُو بَلْدَةٌ طَِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ (
١٥
فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا فى العذاب المهين
لما بين عظمة سليمان وتسخير الريح والروح له بين أنه لم ينج من الموت ، وأنه قضى عليه الموت،
تنبيهاً للخلق على أن الموت لابد منه، ولو نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه، وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) كان سليمان عليه السلام يقف فى عبادة اللّه ليلة كاملة ويوماً (١) تاماً وفى بعض
الأوقات يزيد عليه، وكان له عصا يتكى عليها واقفا بين يدى ربه، ثم فى بعض الأوقات كان واقفاً
على عادته فى عبادته إذ توفى ، فظن جنوده أنه فى العبادة وبقى كذلك أياماً وتمادى شهوراً، ثم أراد
الله إظهار الأمر لهم، فقدر أن أكلت دابة الأرض عصاه فوقع وعلم حاله .
قوله تعالى : ﴿ فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين
كانت الجن تعلم مالا يعلمه الإنسان فظن أن ذلك القدر علم الغيب وليس كذلك، بل الإنسان لم
يؤت من العلم إلا قليلا فهو أكثر الأشياء الحاضرة لا يعلمه، والجن لم تعلم إلا الأشياء الظاهرة
وإن كانت خفية بالنسبة إلى الإنسان ، وتبين لهم الأمر بأنهم لا يعلمون الغيب إذ لو كانوا يعلمونه
لما بقوا فى الأعمال الشافة ظانين أن سليمان حى. وقوله (مالبثوا فى العذاب المهين) دليل على أن
المؤمنين من الجن لم يكونوا فى التسخير ، لأن المؤمن لا يكون فى زمان النبى فى العذاب المهين .
ثم قال تعالى : ﴿ لقد كان لسبأ فى مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم
واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور}
لما بين اللّه حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه، بحكاية أهل
سبأ ، وفى سبأ قراءتان بالفتح على أنه اسم بقعة وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة وهو
الأظهر، لأن الله جعل الآية لسبأ والفاهم هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار
الأهل وقوله (آية) أى من فضل ربهم، ثم بينها بذكر بدله بقوله ( جنتان عن يمين
وشمال) قال الزمخشرى أية آية فى جنتين ، مع أن بعض بلاد العراق فيها آلاف من الجنان؟
وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتان أو عن يمين بلدهم وشمالها جماعتان من الجنات ، ولا تصال
بعضها ببعض جعلها جنة واحدة، قوله ( كلوا من رزق ربكم) إشارة إلى تكميل النعم عليهم
(١) قوله «ويوماً، الواو فيه بمعنى أو، وبذلك تتصور الزيادة على اليوم أو الليلة إذ ليس للانسان بعد اليوم التام والليلة الكاملة
وقت آخر وبزبده .

٢٥٢
قوله تعالى : فاعرضوا فأرسلنا عليهم. سورة سبأ.
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَبْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُم ◌ِنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَأَىْ أُكُلٍ تَخْطِ
وأنّلٍ وَشَىْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِیلٍ
ـ ذَلِكَ خَزَيْنَهُم بِمَاكَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِىّ إلَّا
اُلْكَفُورَ
حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولامرض، وقوله (واشكروا له) بيان أيضاً لكمال النعمة.
فان الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة، ثم لما بين حالهم فى مساكنهم وبساتينهم وأكلهم أتم
بيان النعمة بأن بين أن لا غائلة عليه ولا تبعة فى المآل فى الدنيا ، فقال (بلدة طيبة) أى طاهرة عن
المؤذيات لاحية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم، وقال (ورب غفور) أى لاعقاب عليه ولا
عذاب فى الآخرة ، فعند هذا بان كمال النعمة حيث كانت لذة حالية خالية عن المفاسد المآلية .
ثم إنه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال ﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم
سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل ، ذلك جزيناهم بما
کفروا وهل نجازی إلا الکفور
فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعد إبانة الآية كما قال تعالى ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم
أعرض عنها) ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال ( إنا من المجرمين منتقمون) وكيفيته أنه تعالى
أرسل عليهم سيلا غرق أموالهم وخرب دورهم ، وفى العرم وجوه (أحدها) أنه الجرذ الذى سبب
خراب السكر ، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها شعب فسدت الشعب
حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر وجعلت لها أبواباً ثلاثة مرتبة
بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد بعض. فنقب الجرذ السكر، وخرب السكر
بسبه وانقلب البحر عليهم ( وثانيها) أن العرم اسم السكر وهو جمع العرمة وهى الحجارة
( ثالثها ) اسم للوادى الذى خرج منه الماء وقوله (وبدلناهم بحنتیهم چنتين ذواتى أكل خمط) بين به
دوام الخراب ، وذلك لأن البساتين التى فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة فإذا
تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض وتنبت المفسدات فيها فتقل
الثمار وتكثر الأشجار ، والخط كل شجرة لها شوك أو كل شجرة ثمرتها مرة، أو كل شجرة ثمرتها
لا تؤكل، والأثل نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا فى بعض الأوقات ، يكون عليه شىء
کالعفص أو أصغر منه فى طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن أشجارهم
فقلله الله، ثم بين اله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال ( ذلك جزيناهم بما كفروا
وهل نجازى) أى لا نجازى بذلك الجزاء (إلا الكفور) قال بعضهم: المجازاة تقال فى النقمة والجزاء

٢٥٣
قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى. سورة سبأ .
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَرَكَا فِيهَا قُرَّى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيِهَا الَّيْرَ
سِرُواْ فِيهَ لَيَلِى وَأَيَّامًا ءَامِينَ ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْغَارِنَا وَظَلُواْ أَنَفْسَهُمْ
بَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَّقْتَهُمْ كُلّ مُمَّقٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
فى النعمة لكن قوله تعالى ( ذلك جزيناهم ) يدل على أن الجزاء يستعمل فى النقمة ، ولعل من قال
ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهى فى أكثر الأمر تكون بين اثنين ، يؤخذ من كل واحد
جزاء فى حق الآخر. وفى النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدى. بالنعم.
قوله تعالى: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة: وقدرنا فيها السير
سيروا فيها ليالى وأياماً آمنين، فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم جعلناهم أحاديث
ومزقناهم كل مزق إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾
أى بينهم وبين الشام فانها هى البقعة المباركة ، وقرى ظاهرة أى يظهر بعضها لبعضها يرى
سواد القرية من القربة الأخرى ، فإن قال قائل : هذا من النعم والله تعالى قد شرع فى بيان تبديل
نعمهم بقوله (وبدلناهم بحنقيهم جنتين) فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة ؟ فنقول
ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخط والأثل. ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها
بكثرة القرى ، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادى والبرارى بقوله (ربنا باعد بين أسفارنا) وقد
فعل ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ ربنا بعد على المبتدأ والخبر، وقوله ( وقدرنا فيها السير )
الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز ، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف
نهار ، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن فى العرف تجاوزها، فهو المراد بالتقدير
والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائ فيها بقدر الطاقة جاداً حتى يقطعها، وقوله ( سيروا
فيها ليالى وأياماً) أى كان بينهم ليال وأيام معلومة، وقوله (آمنين ) إشارة إلى كثرة العمارة ، فان
خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون فى مثل هذه الأماكن، وقيل بأن معنى
قوله (ليالى وأياماً) تسيرون فيه إن شئتم ليالى وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة
فإن بعضها يسلك ليلا ، لئلا يعلم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو، إذا كان
العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ، وقوله تعالى (قالوا ربنا باعد بين أسفارنا) قيل بأنهم طلبوا ذلك
وهو يحتمل وجهين (أحدهما) أن يسألوا بطراً كما طلبت اليهود الثوم والبصل، ويحتمل أن يكون
ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربنى إشارة إلى
أنه لا يقدر عليه. ويمكن أن يقال: (قالوا ربنا بعد) بلسان الحال، أى لما كفروافقد طلبوا أن يبعد

٢٥٤
قوله تعالى : ولقد صدق عليهم أبليس. سورة سبأ .
وَلَقَّدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيِسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (*) وَمَا كَانَ
لُ غَيْهِ بِ سُلْطَانٍ إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِلاَنِرَةِ مِّنْ هُوَمِنْهَ فِى ◌َلِكٍّ وَرَبُّكَ ◌َى
كُلِّ شَىْءٍ حَفِظٌ
٢١
بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم، وقوله (وظلوا أنفسهم) يكون بيانا لذلك، وقوله
( فجعلناهم أحاديث ) أى فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلا ، يقال: تفرقوا أيدى سبا، وقوله ( ومزقتام
کل ممزق ) بيان لجعلهم أحاديث، وقوله تعالى ( إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور) أى فيما
ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين.
قوله تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين﴾ أى ظنه أنه يغريهم
كما قال (فبعزتك لأغوينهم) وقوله (فاتبعوه) بيان لذلك أى أغواهم، فاتبعوه (إلا فريقا من المؤمنين)
قال تعالى فى حقهم (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) ويمكن أن يقال (صدق عليهم ظنه) فى أنه
خير منه كما قال تعالى عنه ( أنا خير منه ) ويتحقق ذلك فى قوله فاتبعوه ، لأن المتبوع خير من
التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذى يدل على أن إبليس خير من الكافر. هو أن إبليس امتنع من عبادة
غير اللّه لكن لما كان فى امتناعه ترك عبادة الله عناداً كفر، والمشرك يعبد غير الله فهو كفر
بأمر أقرب إلى التوحيد، وهم كفروا بأمر هو الإشراك، ويؤيدهذا الذى اخترناه الاستثناء، وبيانه
هو أنه وإن لم يظن أنه يغوى الكل، بدليل أنه تعالى قال عنه ( إلا عبادك منهم المخلصين) فماظن
أنه يغوى المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء، وأما فى قوله (أنا خير منه) اعتقد
الخبرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله ( خلقتنى من نار وخلقته من طين) وقد كذب
فى ظنه فى حق المؤمنين، ويمكن الجواب عن هذا فى الوجه الأول، وهو أنه وإن لم يظن
إغواء الكل وعلم أن البعض ناج، لكن ظن فى كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجى ، إلى أن تبين له
فظن أنه يغويه فكذب فى ظنه فى حق البعض وصدق فى البعض .
قوله تعالى: ﴿ وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك
وربك على كل شىء حفيظ ﴾ .
قد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) أن علم الله من
الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعليه لا يتغير وهو فى كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق
عليه. فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل مافى نفس الأمر فعلم اللّه فى الأزل أن العالم سيوجد، فاذا
وجد علمه موجوداً بذلك العلم، وإذا عدم يعلمه معدوماً بذلك، مثاله: أن المرآة المصقولة فيها الصفاء
:

٢٥٥
قوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله. سورة سبأ.
قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِ السَّمَتِ وَلَا فِى
الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِمَا مِنْ شِرِكِ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ ﴾ وَلَا تَفَعُ الثَّفَاعَةُ
عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، حَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبٌُُّّ قَالُوا الْحَقِّ
وَهُوَ الْعَلِّ الْكَبِيرُ
ـمــ
٢٣
فيظهر فيها صورة زيد إن قابلها ، ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته ، والمرآة لم تتغير فى ذاتها ولا
تبدلت فى صفاتها، إنما التغير فى الخارجات فكذلك ههذا قوله ( إلا لنعلم ) أى ليقع فى العلم
صدور الکفر من الکافر والإيمان من المؤمن وكان قبله فيه أنه سیکفر زید و یؤمن عمرو .
وقوله ( وما كان له عليهم من سلطان) إشارة إلى أنه ليس بملجى. وإنما هو آية، وعلامة
خلقها الله لتبين ماهو فى علبه السابق، وقوله ( وربك على كل شىء حفيظ) يحقق ذلك أى الله
تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل فى مفهومه العلم والقدرة، إذ الجاهل
بالشىء لا يمكنه حفظه ولا العاجز .
قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا
فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له
حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير ﴾.
لما بين اللّه تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد إلى خطابهم وقال
لرسوله صّ اله قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم
ثم بين أنهم لا يملكون شيئاً بقوله ( لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض).
واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة (أحدها ) قول من يقول الله تعالى خلق السماء
والسماويات وجعل الأرض والأرضيات فى حكمهم، ونحن من جملة الأرضيات فتعبد الكواكب
والملائكة التى فى السماء فهم آلهتنا واللّه إلههم، فقال الله تعالى فى إبطال قولهم (إنهم لا يملكون فى
السموات شيئاً ) كما اعترفتم، قال ولا فى الأرض على خلاف مازعمتم ( وثانيها) قول من يقول
السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فان الله خلق
العناصر والتركيبات التى فيها بالاتصالات والحركات والطوالع فجعلوا لغير الله معه شركا فى الأرض
والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له، فقال فى إبطال قولهم (ومالهم فيهما من شرك) أى الأرض
كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيها نصيب ( وثالثها) قول من قال : التركيبات والحوادث كلها من

٢٥٦
قوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله. سورة سبأ.
الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ويسلب عن المأذون
فيه ، مثاله إذا قال ملك لمملوكه أضرب فلاناً فضربه يقال فى العرف الملك ضربه ويصح عرفاً قول
القائل ماضرب فلان فلاناً، وإنما الملك أمر بضربه فضرب ، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات
اللّه فقال تعالى فى إبطال قولهم ( وماله منهم من ظهير) مافوض إلى شىء شيئاً، بل هو على كل شىء
حفيظ ورقيب (ورابعها) قول من قال إنا نعبد الأصنام التى هى صور الملائكة ليشفعوا لنا
فقال تعالى فى إبطال قولهم ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) فلا فائدة لعبادتكم غير الله
فإن الله لا يأذن فى الشفاعة لمن يعبد غيره فيطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله (حتى
إذا فزع عن قلوبهم) أى أزيل الفزع عنهم ، يقال فرد البعير إذا أخذ منه القراد ويقال لهذا تشديد
السلب، وفى قوله تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق) وجوه (أحدما)
الفزع الذى عند الوحى فان الله عندما يوحى يفزع من فى السموات ، ثم يزيل الله عنهم الفزع
فيقولون لجبريل عليه السلام ماذا قال الله ؟ فيقول قال الحق أى الوحى (وثانيها) الفرع الذى من
الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام ( فزع من فى السموات ) من القيامة
لأن إرسال محمد عليه السلام من أشراط الساعة، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله
قال جبريل ( الحق ) أى الوحى ( وثالثها ) هو أن اللّه تعالى يزيل الفزع وقت الموت عن القلوب
فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من سبق ذلك منه ، ثم يقبض
روحه على الايمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض
روحه على الكفر المتفق بينه وبين الله تعالى: إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله
تعالى (حتى) غاية متعلقة بقوله تعالى ( قل ) لأنه بينه بالوحى لأن قول القائل قل لفلان الانذار
حتى يسمع المخاطب ما يقوله، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب قوله فلما قال (قل) فزع من فى
السموات ، ثم أزيل عنه الفزع، وعلى الثالث متعلقة بقوله تعالى (زعمتم) أى زعمتم الكفر إلى
غابة التفزيع ، ثم تركتم مازعمتم وقلتم قال الحق، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى (قالوا
ماذا ) هو الملائكة السائلون من جبريل ، وعلى الثالث الكفار السائلون من الملائكة والفاعل فى
قوله (الحق ) على القولين الأولين هم الملائكة، وعلى الثالث هم المشركون.
واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لايرد عليه عدم كان حقاً مطلقاً
لا يرتفع بالباطل الذى هو العدم والكلام الذى يكون صدقاً يسمى حقاً، لأن الكلام له متعلق فى
الخارج بواسطة أنه متعلق بما فى الذهن ، والذى فى الذهن متعلق بما فى الخارج ، فإذا قال القائل
جاء زيد يكون هذا اللفظ تعلقه بما فى ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما فى الخارج لكن للصدق
متعلق يكون فى الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون فى الخارج، وحينئذ
إما أن لا يكون له متعلق فى الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو الألفاط التى تتكون صادرة

٢٥٧
قوله تعالى : قل من يرزقكم من السموات والأرض. سورة سبأ.
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللهُ وَ إِنَّ أَوْ إِيَّ كُرْ لَى هُدِّى أَوْ فِى
ضَلَالٍ مُبِينٍ
٢٤
عن معاند كاذب، وإما أن يكون له متعلق فى الذهن على خلاف ما فى الخارج فيكون إعتقاداً
باطلا جهلا أو ظناً لكن لما لم يكن لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل، وكلام اللّه لا بطلان
له فى أول الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ( ولا يأتيه الباطل ) كما يكون كلام الظان ، وقوله
تعالى ( وهو العلى الكبير ) قد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون
من دونه الباطل وأن اللّه هو العلى الكبير) أن (الحق) إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل
نسبة العدم، وفوق الكاملين لأن كل كامل فرقه كامل فقوله (وهو العلى الكبير ) إشارة إلى أنه
فوق الکاملین فی ذاته وصفاته ، وهذا یبطل القول بکونه جسما وفی حیز، لأن كل من كان فی حیز
فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه وهو مقطع الاشارة لأن الاشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه
هو ، وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الاشارة عنده، وفى كل موقع تقف الاشارة بقدر العقل
على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين مأخذ الاشارة والمشار إليه أكثر من هذا
البعد لكان هذا المشار إليه أعلى فيصير علياً بالاضافة لامطلقاً وهو على مطلقاً ولو كان جسما لكان
له مقدار، وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيراً بالنسبة إلى غيره لا مطلقاً وهو
كبير مطلقاً .
قوله تعالى : ﴿قل من يرزقكم من السموات والأرض﴾ قد ذكرنا مراراً أن العامة يعبدون
الله لا لكونه إلهاً، وإنما يطلبون به شيئاً، وذلك إما دفع ضرر أو جر نفع فنبه اللّه تعالى العامة
بقوله ( قل ادعوا الذين زعمتم) على أنه لايدفع الضر أحد إلا هو كما قال تعالى (وإن يمسسك الله
بضر فلا كاشف له إلا هو) وقال بعد إتمام بيان ذلك (قل من يرزقكم من السموات والأرض)
إشارة إلى أن جر النفع ليس إلابه ومنه، فاذاً إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه وكبريائه سواءدفع
عنكم ضراً أولم يدفع وسواء نفعكم بخير أولم ينفع فان لم تكونوا كذلك فاعبدوه لدفع الضروجر النفع.
ثم قال تعالى ﴿ قل اللّه) يعنى إن لم يقولوا هم فقل أنت الله يرزق (وههنا لطيفة) وهى أن
الله تعالى عند الضر ذكر أنهم يقولون اللّه ويعترفون بالحق حيث قال (قالوا الحق) وعند النفع لم
يقل إنهم يقولون ذلك وذلك لأن لهم حالة يعترفون بأن كاشف الضر هو اللّه حيث يقعون فى
الضر كما قال تعالى ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه) وأما عند الراحة فلا تنبه لهم
لذلك فلذلك قال (قل اللّه) أى هم فى حالة الراحة غافلون عن الله.
ثم قال تعالى: ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين﴾ وفيه مسائل:
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٧

٢٥٨
قوله تعالى : قل لا تسألون عما أجرمنا. سورة سبأ.
قُل لَّا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَبْرَمْنَا وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٠١٠٤٠٠٠٠٠١٠٠٠٠١
◌َ قُلْ يَجْمَعَ بَيْنَنَا رَبْنَا ثُمَّ
يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (
المسألة الأولى ﴾ هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية فى العلوم وغيرها وذلك لأن
أحدٍ المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذى تقوله خطأ وأنت فيه مخطىء يغضبه وعند الغضب لا يبقى
سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع فى الفهم فيفوت الغرض ، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك
فى أنه مخطىء والتمادى فى الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا على
الخطأ ليحترز فانه يجتهد ذلك الخصم فى النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصاً فى المنزلة لأنه
أوم بأنه فى قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه ( وإنا أو إيا كم) مع أنه لا يشك فى أنه هو
الهادى وهو المهتدى وهم الضالون والمضلون .
﴿ المسألة الثانية﴾ فى قوله ( لعلى هدى أو فى ضلال مبين) ذكر فى الهدى كلمة على وفى
الضلال كلمة فى لأن المهتدى كأنه مرتفع متطلع فذكره بكلمة التعلى، والضال منغمس فى الظلمة
غريق فيها فذكره بكلمة فى .
﴿ المسألةَ الثالثة﴾ وصف الضلال بالمبين ولم يصف الهدى لأن الهدى هو الصراط المستقيم
الموصل إلى الحق والضلال خلافه لكن المستقيم واحد وما هو غيره كله ضلال وبعضه بين من
بعض ، فميز البعض عن البعض بالوصف.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قدم الهدى على الضلال لأنه كان وصف المؤمنين المذكورين بقوله (إنا)
وهو مقدم فى الذكر.
قوله تعالى : ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾ أضاف الإجرام إلى
النفس وقال فى حقهم ( ولا نسأل عما تعملون) ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع
من الفهم وقوله ( لا تسألون) (ولا نسأل) زيادة حث على النظر. وذلك لأن كل أحد إذا كان
مؤاخذاً بجرمه فإذا احترز نجا، ولو كان البرى يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر.
ثم قال تعالى: ﴿ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ﴾ أكد ما يوجب
النظر والتفكر، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب، فكيف إذا كان يوم عرض وحساب
وثواب وعذاب وقوله ( يفتح) قيل معناه يحكم، ويمكن أن يقال بأن الفتح ههنا مجاز وذلك لأن
الباب المغلق والمنفذ المسدود يقال فيه فتحه على طريق الحقيقة. ثم إن الأمر إذا كان فيه انغلاق
وعدم وصول إليه فإذا بينه أحد يكون قد فتحه وقوله ( وهو الفتاح العليم) إشارة إلى أن حكمه
يكون مع العلم لا مثل حكم من يحكم بما يتفق له بمجرد هواه.

٢٥٩
قوله تعالى : قل اروني الذين الحقتم به. سورة سبأ.
قُلْ أَرُوِىَ الَّذِينَ أَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءُ كَّا بَلْ هُوَ الهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَمَآَ
أَرْسَلْنَئِكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًاً وَنَذِيرًاً وَلَكِنَّ أَكْثَالنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (
٢٨
قُل لَّكُم مِّعَهُ يَوْمِلًا
٢٩
وَيَقُولُونَ مَ هَدِذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
◌َسْتَشْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ
٣٠
قوله تعالى: ﴿ قل أرونى الذين الحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم﴾ قد ذكرنا أن
المعبود قد يعبده قوم لدفع الضرر وجمع لتوقع المنفعة وقليل من الأشراف الأعزة يعبدونه لأنه
يستحق العبادة لذاته فلما بين أنه لا يعبد غير الله لدفع الضرر إذ لا دافع للضرر غيره بقوله ( قل
أدعوا الذين زعمتم من دون الله) وبين أنه لا يعبد غير الله لتوقع المنفعة بقوله (قل من يرزقكم
من السموات والأرض) بين ههنا أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه العبادة غير الله فقال (قل أرونى
الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم) أى هو المعبود لذاته واقصافه بالعزة وهى
القدرة الكاملة والحكمة وهى العلم التام الذى عمله موافق له .
ثم قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون
لما بين مسألة التوحيد شرع فى الرسالة فقال تعالى ( وما أرسلناك إلا كافة) وفيه وجهان
(أحدها) كافة أى إرسالة كافة أى عامة لجميع الناس تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها (والثانى)
كافة أى أرسلناك كافة تكف الناس أنت من الكفر والهاء للمبالغة على هذا الوجه (بشيراً ) أى
تحثهم بالوعد (ونذيراً) تزجرهم بالوعيد(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
ثم قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ لما ذكر الرسالة بين الحشر
وقال ﴿ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون﴾ قد ذكرنا فى سورة
الأعراف أن قوله ( لا تستأخرون) يوجب الإنذار، لأن معناه عدم المهلة عن الأجل ولكن
الاستقدام ماوجهه؟ وذكرنا هناك وجهه ونذكرههنا أنهم لما طلبوا الاستعجال بين أنه لا استعجال
فيه كما لا أمهال ، وهذا يفيد عظم الأمر وخطر الخطب، وذلك لأن الأمر الحقير إذا طالبه طالب
من غيره لا يؤخره ولا يوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير وفى قوله تعالى ( لكم ميعاد يوم)
قراءات (أحدها ) رفعهما مع التنوين وعلى هذا يوم بدل ( وثانيها) نصب يوم مع رفع ميعاد
والتنوين فيهما ميعاد يوماً قال الزمخشرى ووجهه أنه منصوب بفعل محذوف كأنه قال ميعاد أعنى
يوماً وذلك يفيد التعظيم والتهويل، ويحتمل أن يقال نصب على الظرف تقديره لكم ميعاد يوماً

٢٦٠
قوله تعالى : وقال الذين كفروا لن نؤمن. سورة سبأ.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيِّهِ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّلُونَ
مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ آسْتُضْعِفُواْ
/١٠١٤/٥
لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
٣١
كما يقول القائل: أنا جائيك يوماً وعلى هذا يكون العامل فيه العلم كانه يقول لكم ميعاد تعلمونه
يوماً وقوله معلوم يدل عليه كقول القائل إنه مقتول يوماً (الثالثة ) الإضافة لكم ميعاديوم كما فى
قول القائل سحق ثوب التبيين وإسناد الفعل إليهم بقولة (لا تستأخرون عنه) بدلا عن لقوله
(لا يؤخر عنكم) زيادة تأكيد لوقوع اليوم.
قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لن ؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه ) لمنا بين
الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكل كافرين بين كفرهم العام بقوله (وقال
الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ) وذلك لأن القرآن مشتمل على الكل وقوله ( ولا بالذى بين
يديه) المشهور أنه التوراة والإنجيل، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم المشركون المنكرون
النبوات والحشر، ويحتمل أن يقال إن المعنى هو أنا لا تؤمن بالقرآن أنه من اللّه ولا بالذى بين
يديه أى ولابما فيه من الإخبارات والمسائل والآيات والدلائل، وعلى هذا فالذين كفروا المرادمنهم
العموم، لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنه من اللّه ولا بالذى فيه من الرسالة وتفاصيل
الحشر ، فإن قيل؛ أليس هم مؤمنون بالوحدانية والحشر ، فنقول إذا لم يصدق واحد ما فى الكتاب
من الأمور المختصة به يقال فيه إنه لم يؤمن بشىء منه وإن آمن ببعض مافيه لكونه فى غيره فيكون
إيمانه لا بما فيه . مثاله: أن من يكذب رجلا فيما يقوله فاذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه
ولكن لا يقال إنه صدقه لأنه إنما صدق نفسه، فانه كان عالما به من قبل وعلى هذا فقوله بين
يديه أى الذى هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه .
قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عندربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول
الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين
﴾
لما وقع اليأس من إيمانهم فى هذه الدار بقولهم لن نؤمن فإنه لتأييد النفى وعد نبيه عليه الصلاة
والسلام بأنه يراهم على أذل حال موقوفين للسؤال يرجع بعضهم إلى بعض القول كما يكون عليه حال
جماعة أخطؤا فى أمر يقول بعضهم كان ذلك بسببك ويرد عليه الآخر مثل ذلك، وجواب لو
محذوف، تقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون لرأيت عجباً، ثم بدأ بالأتباع لأن المضل أولى
بالتوبيخ فقال ( يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ) إشارة إلى أن
: