النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قوله تعالى : لكيلا يكون عليك حرج. سورة الأحزاب.
أَِّ هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّهِ إِنْ أَرَادَ النَِّيُّ أَن
يَسْتَنكِحَهَ خَلِصَةٌ لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِنَّ قَدْ عَلْنَا مَافَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ
أَزْ وَجِهِمْ وَمَ مَلَكَتْ أَيَُْهُمْ لِكْلَا يَكُونَ عَيْكَ حَجٌ وَكَانَ الَهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(ي
مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات غالاتك اللاتى هاجرت معك
وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد التى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد
علمنا ما فرضنا عليهم فى أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله
غفوراً رحیا﴾ .
ذكر للنبى عليه السلام ماهو الأولى فإن الزوجة التى أوتيت مهرها أطيب قلباً من التى لم تؤت ،
والمملوكة التى سباها الرجل بنفسه أطهر من التى اشتراها الرجل لأنها لا يدرى كيف حالها، ومن
هاجرت من أقارب النبى عليه السلام معه أشرف ممن لم تهاجر ، ومن الناس من قال بأن النبى عليه
الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولا، وذلك لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها
والنبى عليه السلام ما كان يستوفى ما لا يجب له، والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان
كان حلالا لنا وكيف والنى عليه السلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع عن المطلوب والظاهر أن
الطالب فى المرة الأولى، إنما يكون هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبى عليه السلام من المرأة
التمكين قبل المهر للزم أن يحب وأن لا يجب وهذا محال ولا كذلك أحدنا، وقال ويؤكد هذا قوله
تعالى ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى ) يعنى حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية
مهرها، وقوله تعالى ( إن أراد النى أن يستنكحها) إشارة إلى أن هبتها نفسها لابد معها من قبول
وقوله تعالى ( خالصة لك من دون المؤمنين ) قال الشافعى رضى الله عنه معناه إباحة الوطء بالهبة
وحصول التزوج بلفظها من خواصك، وقال أبو حنيفة تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة
ومن أمهات المؤمنين لإتحل لغيرك أبداً، والترجيح يمكن أن يقال بأن على هذا فالتخصيص بالواهبة
لا فائدة فيه فان أزواجه كلهن خالصات له وغلى ما ذكرنا يتبين للتخصيص فائدة وقوله ( قد علمنا
ما فرضنا عليهم فى أزواجهم وما ملكت أيمانهم) معناه أن ماذكرنا فرضك وحكمك مع نسائك
وأما حكم أمتك فعندنا علمه ونبينه لهم وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه على
ما كان للنبى عليه الصلاة والسلام فان له فى النكاح خصائص ليست لغيره وكذلك فى السرارى.
وقوله تعالى ( لكيلا يكون عليك حرج) أى تكون فى فسحة من الأمر فلا يبقى لك شغل قلب
فينزل الروح الأمين بالآيات على قلبك الفارغ وتبلغ وسالات وبك بجدك واجتهادك، وقوله

٢٢٢
قوله تعالى : ترجي من تشاء منهن. سورة الأحزاب.
تُرْجِى مَن تَشَّآءُ مِنْهُنَّ وَتَشْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَّآءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمِنْ عَزَّلْتَ فَلَا
◌ُنَاحَ عَيْكَ ذَلِكَ أَهْقَ أَنْ تَقَرَّ أَعُْهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَاَ ءَاتََّهُنَّ كُهُنَّ
وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيً حَلِيماً(يَّ
لَّا يَحِلُ لَكَ الْتِسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِنَّ مِنْ أَزْوَيچٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسُْهُنَّ إِلَّمَا
مَكَتْ مِنُكٌ وَكَانَ اللهُ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ رَّفِيًّا
تعالى ( وكان الله غفواً رحيما) يغفر الذنوب جميعاً ويرحم العبيد . ..
قوله تعالى : ﴿ ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت
فلا جناح عليك﴾ .
لما بين أنه أحل له ما ذكرنا من الأزواج بين أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن حتى يجتمع
كيف يشاء ولا يجب عليه القسم ، وذلك لأن النبى عليه السلام بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع
والرجل وإن لم يك نبياً فالزوجة فى ملك نكاحه والنكاح عليها رق ، فكيف زوجات النبى عليه
السلام بالنسبة إليه ، فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات ، والإرجاء التأخير
والإيواء الضم (ومن ابتغيت بمن عزات) يعنى إذا طلبت من كثت تركتها فلا جناح عليك فى شىء
من ذلك ومن قال بأن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى المفهوم من الآية قال المراد
(ترجى من تشاء) أى تؤخرهن إذا شئت إذ لا يجب القسم فى الأول والزوج أن لا ينام عند
أحد منهن، وإن ابتغيت من عزلت فلا جناح عليك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
قوله تعالى: ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ﴾
يعنى إذا لم يجب عليك القسم وأنت لا تترك القسم (تقر أعينهن) لتسويتك بينهن ولا يحزن
بخلاف ما لو وجب عليك ذلك، فليلة تكون عند إحداهن تقول ماجاءفى لهوى قلبه إنما جاءنى لأمر
الله وإيجابه عليه (ويرضين بما آتيتهن) من الإرجاء والإيواء إذ ليس لهن عليك شىء حتى لا يرضين.
قوله تعالى: ﴿والله يعلم ما فى قلوبكم وكان اللّه عليما حليما﴾.
أى إن أضمرن خلاف ما أظهرن فالله يعلم ضمائر القلوب فانه عليم ، فإن لم يعاتبهن فى الحال
فلا يغترون فانه حليم لا يعجل .
قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهز
:

٢٢٣
قوله تعالى : لا يحل لك النساء من بعد. سورة الأحزاب.
إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شىء رقيباً﴾.
لما لم يوجب الله على نبيه القسم وأمره بتخييرهن فاخترن الله ورسوله ذكر لهن ماجازاهن
به من تحريم غيرهن على النبى عليه السلام ومنعه من طلاقهن بقوله ( ولا أن تبدل بهن) وفيه مسائل:
المسألة الأولى) قوله ( لا يحل لك النساء من بعد ) قال المفسرون من بعدهن والأولى
أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل
والهجران والنقص والحرمان .
المسألة الثانية) قوله ( ولا أن تبدل بهن) يفيد حرمة طلاقهن إذ لو كان جائزاً لجاز أن
يطلق الكل ، وبعدهن إما أن يتزوج بغيرهن أولا يتزوج فان لم يتزوج يدخل فى زمرة العزاب
والنكاح فضيلة لا يتركها النبى، وكيف وهو يقول ((النكاح سنتى)) وإن تزوج بغيرهن يكون قد
تبدل بهن وهو منوع من التبدل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ من المفسرين من قال بأن الآية ليس فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهن
بل المعنى أن لا يحل لك النساء غير اللاتى ذكرنا لك من المؤمنات المهاجرات من بنات عمك وبنات
عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك، وأما غير هن من الكتابيات فلا يحل لك التزوج بهن وقوله (ولا
أن تبدل بهن) منع من شغل الجاهلية فإنهم كانوا يبادلون زوجة بزوجة فينزل أحدهم عن زوجته ويأخذ
زوجة صديقه ويعطيه زوجته، وعلى التفسيرين وقع خلاف فى مسألتين (إحداهما) حرمة طلاق
زوجاته ( والثانية ) حرمة تزوجه بالكتابات فمن فسرعلى الأول حرم الطلاق ومن فسر على الثانى
حرم التزوج بالكتابيات.
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( ولو أعجبك حسنهن) أى حسن النساء قال الزمخشرى قوله ( ولو
أعجبك) فى معنى الحال ، ولا يجوز أن يكون ذو الحال قوله (من أزواج) لغاية التنكير فيه ولكون
ذى الحال لا يحسن أن يكون نكرة فإذن هو النبى عليه السلام، يعنى لا يحل لك النساء ولا أن
تبدل بهن من أزواج وأنت معجب بحسنهن .
﴿ المسألة الخامسة) ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه السلام من أنه إذا رأى واحدة
فوقعت فى قلبه موقعاً كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها، وهذه المسألة حكمية وهى أن
النبى عليه السلام وسائر الأنبياء فى أول النبوة تشتد عليهم برحاء الوحى ثم يستأنسون به فينزل
عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع، ففى أول الأمر أحل الله من وقع فى قلبه
تفريغاً لقلبه وتوسيعاً لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحى وبمن
على لسانه الوحى نسخ ذلك، إما لقوته عليه السلام للجمع بين الأمرين، وإما أنه بدوام الانزال
لم يبقله مألوف من أمور الدنيا، فلم يبق له التفات إلى غير الله، فلم يبق له حاجة إلى إحلال التزوج
بمن وقع بصره عليها .

٢٢٤
قوله تعالى : يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا. سورة الأحزاب.
يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ
نَشْظِرِ ينَ إِنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيْتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَثِرُواْ وَلَا مُسْتَغْفِسِينَ
◌ِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى الَّبِيِّ فَيَسْتَحِيء مِنْكَّمْ وَاللّه لَ يَسْتَحْيِ سِنَ
الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَعًا فَسْعَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَر ◌ِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللهِ وَلَ أَنْ تَشْكِحُواْ أَزْ وَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًّا
﴿ المسألة السادسة﴾. اختلف العلماء فى أن تحريم النساء عليه هل تسخ أم لا؟ فقال الشافعى
نسخ وقد قالت عائشة ما مات النبى إلا وأحل له النساء، وعلى هذا فالناسخ قوله ( يا أيها النبى إنا
أحللنا لك أزواجك ) إلى أن قال ( وبنات عمك) وقال ( وامرأة مؤمنة) على قول من يقول
لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد إذ الناسخ غير متواتر إن كان خبراً.
ثم قال تعالى ( إلا ماملكت يمينك ) لم يحرم عليه المملوكات لأن الإيذاء لا يحصل بالمملوكة،
ولهذا لم يجز للرجل أن يجمع بين ضرتين فى بيت لحصول التسوية بينهما وإمكان المخاصمة ، ويجوز
أن يجمع الزوجة وجمعاً من المملوكات لعدم التساوى بينهن ولهذا لا قسم لهن على أحد .
ثم قال تعالى (وكان الله على كل شىء رقيباً) أى حافظاً عالماً بكل شىء قادراً عليه، لأن الحفظ
لا يحصل إلا بهما.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير
ناظرين إناه
لما ذكر الله تعالى فى النداء الثالث (يا أيها النى إنا أرسلناك شاهداً) بياناً لحاله مع أمته العامة
قال للمؤمنين فى هذا النداء لا تدخلوا إرشاداً لهم وبياناً لحالهم مع النبى عليه السلام من الاحترام
ثم إن حال الأمة مع النبى على وجهين (أحدهما) فى حال الخلوة والواجب هناك عدم إزعاجه
وبين ذلك بقوله ( لا تدخلوا بيوت النبى) (وثانيهما ) فى الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما
قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقوله ( إلى طعام غير ناظرين إناه) أى
لا تدخلوا بیوت النی إلی طعام إلا أن يؤذن لكم.
قوله تعالى: ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن
ذلكم كان يؤذى النبى فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من

٢٢٥
قوله تعالى : ولكن إذا دعيتم فأدخلوا. سورة الأحزاب.
إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا
٥٣
وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا
أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند اللّه عظيما ﴾
لما بين من حال النبى أنه داع إلى اللّه بقوله (وداعياً إلى الله) قال ههنا لا تدخلوا إلا إذا
دعيتم يعنى كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه فكذلك لا تدخلوا عليه إلا بعد دعائه وقوله ( غير
ناظرين) منصوب على الحال . والعامل فيه على ما قاله الزمخشرى لا تدخلوا قال وتقديره لا تدخلوا
بيوت النبى إلا مأذونين غير ناظرين ، وفى الآية مسائل :
( الأولى ) قوله ( إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ) إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره
ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول فى غير وقت الطعام بغير
الإذن ، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام
فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن
لواحد فى الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز، نقول المراد هو الثانى ليعم النهى عن
الدخول ، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذى إلى طعام، نقول: قال الزمخشرى الخطاب مع قوم
كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول فى وقته بغير إذن ، والأولى
أن يقال المراد هو الثانى لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله ( إلى طعام) من باب
التخصيص بالذكر فلا يدل على نفى ماعداه، لا سيما إذا علم أن غيره مثله فان من جاز دخول بيته
بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه ، فان غير الطعام مكن وجوده مع الطعام ، فان من
الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه فى حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع
زيادة الإطعام ، فاذا رضى بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل فيصير من باب (ولا تقل لهما أف)
وقوله ( غير ناظرين ) يعنى أنتم لا تنتظروا وقت الطعام فانه ربما لا يتهيأ .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (ولكن إذا دعيتم فادخلوا) فيه لطيفة وهى أن فى العادة إذا قيل
لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا
لا بالدعاء ولا بالدعاء ، فقال لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل
لكم لا تدخلوا لا تدخلوا وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا، وإناه قيل وقته وقيل استواؤه وقوله (إلا
أن يؤذن) يفيد الجواز وقوله ( ولكن إذا دعيتم فادخلوا) يفيد الوجوب فقوله (ولكن إذا
دعيم) ليس تأكيداً بل هو يفيد فائدة جديدة.
﴿ المسألة الثالثة﴾ لا يشترط فى الإذن التصريح به ، بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول
ولهذا قال (إلا أن يؤذن) من غير بيان فاعل، فالآذن إن كان الله أو النبى أو العقل المؤيد بالدليل
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى : إن تبدوا شيئاً أو تخفوه. سورة الأحزاب.
٥٤
إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُحْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمًا
جاز والنقل دال عليه حيث قال تعالى (أو صديقكم) وحد الصداقة لما ذكرنا، فلو جاء أبو بكر
وعلم أن لا مانع فى بيت عائشة من بيوت النبى عليه السلام من تكشف أو حضور غير
محرم عندها أو علم خلو الدار من الأهل أوهى محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك، جاز
الدخول .
﴿ المسألة الرابعة) قوله (فإذا طعمتم فانتشروا) كان بعض الصحابة أطال المسكث يوم وليمة
النبى عليه السلام فى عرس زينب ، والنبى عليه السلام لم يقل له شيئاً، فوردت الآية جامعة
لآداب ، منها المنع من إطالة المكث فى بيوت الناس، وفى معنى البيت موضع مباح اختاره شخص
لعبادته أو اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المسكث عنده، وقوله ( ولا مستأنسين لحديث) قال
الزمخشرى هو عطف على (غير ناظرين) مجرور ، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على المعنى ، فان
معنى قوله تعالى ( لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم) لا تدخلوها هاجمين، فعطف عليه
( ولا مستأنسين) ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدباً وكون النبى حليما بقوله ( إن ذلكم كان
پژذی النبی فیستحی منكم والله لا یستحی من الحق) إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان
إشارة إلى تحمل النبى عليه السلام، ثم ذكر الله أدباً آخر وهو قوله (وإذا سألتموهن متاعاً
فاسألوهن من وراء حجاب) لما منع اللّه الناس من دخول بيوت النبى عليه السلام، وكان فى ذلك
تعذر الوصول إلى الماعون، بين أن ذلك غير ممنوع منه فليسال وليطلب من وراء حجاب، وقوله
( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) يعنى العين روزنة القلب، فاذا لم تر العين لا يشتهى القلب. أما
إن رأت العين فقد يشتهى القلب وقد لا يشتهى، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة
حينئذ أظهر، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال ( وما
كان لكم أن تؤذوا رسول الله) وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه، وقوله تعالى (ولا أن
تنكحوا أزواجه من بعده أبداً) قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد الله،
قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة ، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا يغير معناه سبب النزول،
فان المراد أن إيذاء الرسول حرام، والتعرض لنسائه فى حياته إيذاء فلا يجوز، ثم قال لا بل
ذلك غير جائز مطلقاً. ثم أكد بقوله ( إن ذلكم كان عند الله عظيما) أى إيذاء الرسول
قوله تعالى : ﴿ إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فان اللّه كان بكل شىء عليما﴾
يعنى إن كنتم لا تؤذونه فى الحال وتعزمون على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده، فالله عليم
بذات الصدور ..

٢٢٧
قوله تعالى : لا جناح عليهن في آبائهن. سورة الأحزاب.
لَّا جُنَاحَ عَلَيْنَّ فِىّ ◌َابَآَمِنَّ وَلَا أَبْنَآ ءِنَّ وَلاَ إِخْوَِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَِّنَّ
وَ أَبْنَآءٍ أَخَوَّتِنَّ وَلَا نِسَكِنَّ وَلَ مَامَلَكَتْ أَعْمَتُهُنَّ
ثم إن الله تعالى لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله (لا جناح عليهن فى آبائهن ولا أبنائهن
ولا إخوانهن ولا أبناء إخواهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن) وفى
الآية مسائل :
﴿ الأولى) فى الحجاب أوجب السؤال من وراء الحجاب على الرجال. فلم لم يستثن الرجال
عن الجناح، ولم يقل لاجناح على آبائهن ؟ فنقول قوله تعالى ( فاسألوهن من وراء حجاب ) أمر
يسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن،
ثم أمر الرجال بتركهمن كذلك، ونهوا عن متك أستارهن فاستثنين عند الآباء والأبناء ( وفيه
لطيفة) وهى أن عند الحجاب أمر الله الرجل بالسؤال من وراء حجاب، ويفهم منه كون المرأة
محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال تعالى (لا جناح عليهن) عند رفع الحجاب
عنهن ، فالرجال أولى بذلك.
﴿ المسألة الثانية) قدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهن أكثر، وكيف وهم قد رأوا جميع
بدن البنات فى حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر. إنما الكلام فى بنى الإخوة
حيث قدمهم الله تعالى على بنى الأخوات، لأن بنى الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم
أزواج خالات أبنائهم، وبنى الأخوة آباؤهم محارم أيضاً ، ففى بنى الأخوات مفسدة ما وهى أن
الابن ربما يحكى خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنو الإخوة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لم يذكر الله من المحارم الأعمام والأخوال، فلم يقل ولا أعمامهن ولا
أخو الهن لوجهين (أحدهما) أن ذلك علم من بنى الإخوة وبنى الأخوات، لأن من علم أن بنى
الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم ، وكذلك الحال فى أمر الخال (ثانيهما)
أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم ، وكذلك الحال فى ابن الخال.
المسألة الرابعة ﴾ (ولا نسائهن) مضافة إلى المؤمنات حتى لا يجوز التكشف الكافرات
فى وجه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ (ولا ما ملكت أيمانهن) هذا بعد الكل ، فان المفسدة فى التكشف
لهم ظاهرة، ومن الأئمة من قال المراد من كان دون البلوغ .

٢٢٨
قوله تعالى : واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيداً. سورة الأحزاب.
وَأَتَّقِينَ اللَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدًا (ّ إِنَّ اللَّهَ وَمَِّّكَتَّهُ، يُصَلُّونَ عَلَى النَِّّ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِمُوا تَسْلِيمًا.
ثم قوله تعالى ﴿ واتقين اللّه) عند الماليك دليل على أن التكشف لهم مشروط بشرط السلامة
والعلم بعدم المحذور. وقوله ( إن الله كان على كل شىء شهيداً﴾ فى غاية الحسن فى هذا الموضع،
وذلك لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فقال إن اللّه شاهد عند اختلاء
بعضكم ببعض ، خلوتكم مثل ملتكم بشهادة اللّه تعالى فاتقوا .
قوله تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ لما أمر الله المؤمنين بالاستئذان وعدم
النظر إلى وجوه نسائه احتراماً كمل بيان حرمته، وذلك لأن حالته منحصرة فى اثنتين حالة
خلوته، وذكر ما يدل على احترامه فى تلك الحالة بقوله (لا تدخلوا بيوت النبى ) وحالة يكون
فى ملاً. والملا إما الملأ الأعلى، وإما الملا الأدنى، أما فى الملأ الأعلى فهو محترم، فإن الله
وملائكته يصلون عليه . وأما فى الملا الأدنى فذلك واجب الاحترام بقوله تعالى (يا أيها الذين
آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وفى الآية مسائل:
﴿الأولى) الصلاة الدعاء يقال فى اللغة صلى عليه، أى دعاله، وهذا المعنى غير معقول فى حق
اللّه تعالى فانه لا يدعو له، لأن الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث. فقال الشافعى رضى الله عنه
استعمل اللفظ بمعان، وقد تقدم فى تفسير قوله ( هو الذى يصلى عليكم وملائكته ) والذى
نزيده ههنا هو أن الله تعالى قال هناك (هو الذى يصلى عليكم وملائكته) جعل الصلاة لله وعطف
الملائكة على الله، وههنا جمع نفسه وملائكته وأسند الصلاة إليهم فقال (يصلون) وفيه تعظيم النبى
عليه الصلاة والسلام، وهذا لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلا للذكور
على المعطوف ، كما أن الملك إذا قال يدخل فلان وفلان أيضاً يفهم منه تقديم لا يفهم لو قال
فلان وفلان يدخلان ، إذا علمت هذا ، فقال فى حق النبى عليه السلام إنهم يصلون إشارة إلى أنه فى
الصلاة على النبى عليه السلام كالأصل وفى الصلاة على المؤمنين الله يرحمهم، ثم إن الملائكة يوافقونه فهم
فى الصلاة على النبى عليه السلام يصلون بالإضافة كأنها واجبة عليهم أو مندوبة سواء صلى الله عليه
أو لم يصل وفى المؤمنين ليس كذلك.
﴿ المسألة الثانية﴾ هذا دليل على مذهب الشافعى لأن الأمر للوجوب فتجب الصلاة على
النبى عليه السلام ولا تجب فى غير التشهد فتجب فى التشهد .
المسألة الثالثة ﴾ سئل النبي عليه السلام كيف نصلى عليك يارسول الله؟ فقال «قولوا اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد

٢٢٩
قوله تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله. سورة الأحزاب.
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ، لَعَنْهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًاً
ـهِيناً
٥٧
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد )).
المسألة الرابعة) إذا صلى الله وملائكته عليه فأى حاجة إلى صلاتنا؟ نقول الصلاة عليه
ليس لحاجته إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه،
كما أن الله تعالى أوجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة
علينا ليثيبنا عليه، ولهذا قال عليه السلام (( من صلى على مرة صلى الله عليه عشراً))
المسألة الخامسة) لم يترك الله النبى عليه السلام تحت منة أمته بالصلاة حتى عوضهم منه
بأمره بالصلاة على الأمة حيث قال ( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) وقوله ( وسلمواتسليما).
أمر فيجب ولم يجب فى غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا السلام عليك أيها النبى فى التشهد وهو
حجة على من قال بعدم وجوبه وذكر المصدر للتأكيد ليكل السلام عليه ولم يؤكد الصلاة بهذا
التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ( إن الله وملائكته يصلون على النبى).
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً
مهيناً ﴾ فصل الأشياء بتبيين بعض أضدادها، فبين حال مؤذى النبى ليبين فضيلة المسلم عليه واللعن
أشد المحذورات لأن البعد من، اللّه لا يرجى معه خير بخلاف التعذيب بالنار وغيره. ألا ترى أن
الملك إذا تغير على مملوك إن كان تأذيه غير قوى يزجره ولا يطرده ولو خير المجرم [بين] أن يضرب
أو يطرد عندما يكون الملك فى غاية العظمة والكرم يختار الضرب على الطرد، ولا سيما إذا لم يكن
فى الدنيا ملك غير سيده، وقوله ( فى الدنيا والآخرة) إشارة إلى بعد لارجاء للقرب معه، لأن
المبعد فى الدنيا يرجو القربة فى الآخرة، فإذا أبعد فى الآخرة فقد خاب وخسر، لأن الله إذا أبعده
وطرده فمن الذى يقر به يوم القيامة ، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه فى الإبعاد بل أو عده بالعذاب
بقوله ( وأعد لهم عذاباً مهيناً) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكر إيذاء الله وإيذاء الرسول وذكر عقيبه أمرين اللعن والتعذيب فاللعن
جزاء الله، لأن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان لا يأمر بعذابه، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول
لأن الملك إذا آذى بعض عبيده كبير يستوفى منه قصاصه، لا يقال فعلى هذا من يؤذى الله ولا
يؤذى الرسول لا يعذب، لأنا نقول انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال لأن من آذى الله
فقد آذى الرسول ، وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذى النبى عليه السلام ولا يؤذى اللّه كمن
عضى من غير إشراك، كمن فسق أو جر من غير ارتداد وكفر، فقد آذى النبى عليه السلام غير أن الله

٢٣٠
قوله تعالى : والذين يؤذون المؤمنين. سورة الأحزاب.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرٍ مَاأَ كْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَا
٥٨
وَإِنَّمَّا مَّبِينًا
تعالى صبور غفور رحيم فيجزبه بالعذاب ولا يلعنه بكونه يبعده عن الباب.
المسألة الثانية ﴾ أكد العذاب بكونه مهيناً لأن من تأذى من عبده وأمر بحبسه وضربه
فان أمر بحبسه فى موضع مميز، أو أمر بضربه رجلا كبيراً يدل على أن الأمر حين، وإن أمر بضربه
على ملأ وحبسه بين المفسدين ينى عن شدة الأمر، فمن آذى الله ورسوله من المخلدين فى النار
فيعذب عذاباً مهيناً، وقوله (أعد لهم ) للتأكيد لأن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من غير
إعداد يكون دون ما إذا أعد له قيداً وغلا ، فان الأول يمكن أن يقال هذا أثر الغضب فإذا سكت
الغضب يزول ولا كذلك الثانى.
قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتاناً
وإثماً مبيناً ﴾
لما كان اللّه تعالى مصلياً على نبيه لم ينفك إيذاء اللّه عن إيذانه، فان من آذى الله فقد آذى
الرسول فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما أمرتكم وصليتم على النبى كما صليت عليه، لا ينفك
إيذاؤكم عن إيذاء الرسول فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول، كما أن إيذائى إيذاؤه
وبالجملة لما حصلت الصلاة من اللّه والملائكة والرسول والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد
منهم عن إيذاء الآخر كما يكون حال الأصدقاء الصادقين فى الصداقة، وقوله (بغير مااكتسبوا)
احتراز عن الأمر بالمعروف من غير عنف زائد، فإن من جلد مائة على شرب الخمر أوحد أربعين
على لعب الفرد آذى بغير ما اكتسب أيضا، ومن جلد على الزنا أو حد الشرب لم يؤذ بغير
مااكتسب ، ويمكن أن يقال لم يؤذ أصلا لأن ذلك إصلاح حال المضروب، وقوله ( فقد
احتملوا بهتانا) البهتان هو الزور وهو لا يكون إلا فى القول والإيذاء قد يكون بغير القول فمن
آذى مؤمناً بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل بهتاناً، فنقول: المراد والذين يؤذون
المؤمنين بالقول. وهذا لأن الله تعالى أراد إظهار شرف المؤمن، فلما ذكر أن من آذى القمورسوله
لعن، وإيذاء الله بأن ينكر وجود الله بعد معرفة دلائل وجوده أو يشرك به من لا يبصر ولا
يسمع أو من لا يقدر ولا يعلم أو من هو محتاج فى وجوده إلى موجد وهو قول ذكر إيذاء المؤمن
بالقول، وعلى هذا خص الأنبياء بالقول بالذكر لأنه أعم وأتم ، وذلك لأن الإنسان لا يقدر أن
يؤذى الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ ما يحتاج اليه فيؤذيه بالقول، ولأن الفقير الغائب لا يمكن
إيذاؤه بالفعل، ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل اليه فيتأذى، والوجه الثانى فى

٢٣١
قوله تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك. سورة الأحزاب.
يَأَيُّهَا النَّيُّ قُل ◌ِأَزْوَِكَ وَبَتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
◌َِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللهُ غَفُورً ا رَّحِيمً ( لَِّ لَّ
يَفْتَهِ الْمُنَتْفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرِفُونُ فِ الْعَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
مُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيَهَآ إلّ قَلِيلًا (
٦٠
الجواب هو أن نقول قوله بعد ذلك (وإثماً مبيناً) مستدرك فكأنه قال احتمل بهتاناً إن كان بالقول
وإنما مبينا كيفما كان الإيذاء، وكيفما كان فان الله خص الإيذاء القولى بالذكر لما بينا أنه أعم
ولأنه أتم لأنه يصل إلى القلب، فان الكلام يخرج من القلب واللسان دليله ويدخل فى القلب
والآذان سبيله .
/ قوله تعالى : ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾
لما ذكر أن من يؤذى المؤمنين يحتمل بهتانا وكان فيه منع المكلف عن إيذاء المؤمن، أمر
المؤمن باجتناب المواضع التى فيها التهم الموجبة للتأذى لتلا يحصل الايذاء الممنوع منه. ولما
كان الايذاء القولى مختصاً بالذكر اختص بالذكر ما هو سبب الايذاء القولى وهو النساء فان
ذكرهن بالسو. يؤذى الرجال والنساء بخلاف ذكر الرجال فان من ذكر امرأة بالسوء تأذت
وتأذى أقاربها أكثرمن تأذيها، ومن ذكر رجلا بالسوء تأذى ولا يتأذى نساؤه، وكان فى الجاهلية
تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم ، فأمر الله الحرائر بالتجلبب.
وقوله ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) قيل يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن ويمكن أن يقال
المراد يعرفن أنهن لايزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكتشف
عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن. وقوله (وكان الله غفوراً رحيما) يغفر لكم
ما قد سلف برحمته ويثيبكم على ما تأتون به راحماً عليكم.
قوله تعالى: ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك
.
بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا
لما ذكر حال المشرك الذى يؤذى الله ورسوله، والمجاهر الذى يؤذى المؤمنين، ذكر حال
المسر الذى يظهر الحق ويضمر الباطل وهو المنافق، ولما كان المذكور من قبل أقواماً ثلاثة
نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة: وهم المؤذون الله. والمؤذون الرسول، والمؤذون المؤمنين، ذكر من
المسرين ثلاثة نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة: (أحدها) المنافق الذى يؤذى الله سراً (والثانى) الذى

٢٣٢
قوله تعالى : ملعونين أين ما ثقفوا. سورة الأحزاب.
مَّلْعُونِنٌ أَيْنَمَا تُعِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَقْتِلًا (٨) سُنَّةَ اللهِ فِ الَّذِينَ خَلَوَّ مِن قَبْلُ
وَلَنْ تَّجِدَ لِسُنّةِ اللهِتَبْدِيلًا ﴾ يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا
عِندَ اللّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾
فى قلبه مرض الذى يؤذى المؤمن باتباع نسائه ( والثالث) المرجف الذى يؤذى النبى عليه السلام
بالإرجاف بقوله غلب محمد وسيخرج من المدينة وسيؤخذ وهؤلاء، وإن كانوا قوماً واحداً إلا
أن لهم ثلاث اعتبارات وهذا فى مقابلة قوله تعالى ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات)
حيث ذكر أصنافاً عشرة وكلهم يوجد فى واحد فهم واحد بالشخص كثير بالاعتبار وقوله
( لنغرينك بهم) أى لنسلطنك عليهم ولنخرجنهم من المدينة، ثم لا يجاوزونك وتخلو المدينة منهم
بالموت أو الإخراج، ويحتمل أن يكون المراد لنغرينك بهم، فإذا أغريناك لا يجاورونك ،
(والأول) كقول القائل يخرج فلان ويقرأ إشارة إلى أمرين (والثانى) كقوله يخرج فلان
ويدخل السوق ففى الأول يقرأ وإن لم يخرج وفى الثانى لا يدخل إلا إذا خرج. والاستثناء
فيه لطيفة وهى أن الله تعالى وعد النبى عليه السلام أنه يخرج أعداءه من المدينة وينفيهم على يده
إظهاراً لشوكته، ولو كان النفى بارادة الله من غير واسطة النبي لأخلى المدينة عنهم فى ألطف آن [بقوله]
كن فيكون، ولكن لما أراد الله أن يكون على يد النبى لا يقع ذلك إلا بزمان وإن لطف فقال
(ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا) وهو أن يتهيؤا ويتأهبوا للخروج.
قوله تعالى: ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾
أى فى ذلك القليل الذى يجاورونك فيه يكونون ملعونين مطرودين من باب اللّه وبابك وإذا
خرجوا لا ينفكون عن المذلة، ولا يجدون ملجأ بل أينما يكونون يطلبون ويؤخذون ويقتلون.
قوله تعالى : ﴿ سنة الله فی الذین خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
يعنى هذا ليس بدعا بكم بل هو سنة جارية وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين (ولن تجد لسنة الله
تبديلا) أى ليست هذه السنة مثل الحكم الذى يبدل وينسخ فان النسخ يكون فى الأحكام، أما
الأفعال والأخبار فلا تنسخ .
قوله تعالى: ﴿ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند اللّه ﴾
لما بين حالهم فى الدنيا أنهم يلعنون ويهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم فى الآخرة فذ كرم بالقيامة
وذكر ما يكون لهم فيها فقال ( يسألك الناس عن الساعة) أى عن وقت القيامة (قل إنما علمها عند
الله) لا يتبين لكم، فأن الله أخفاها لحكمة هى امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها فى كل وقت.
:
:

٢٣٣
قوله تعالى : إن الله لعن الكافرين. سورة الأحزاب.
إِنَّ اللَّه لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّلَهُمْ سَعِيرًا ( خَدِينَ فِيهَا أَبَدًّا لَا يَجِدُونَ
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَيْقَنَآَ أَعْنَا الهَ
وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴾ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّْ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
رَبَّنَآءَاِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (هـ
قوله تعالى: ﴿ وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً﴾ إشارة إلى التخويف، وذلك لأن
قول القائل الله يعلم متى يكون الأمر الفلانى ينى. عن إبطاء الأمر، ألا ترى أن من يطالب مديوناً
بحقه فان استمهله شهراً أو شهرين ربما يصبر ذلك، وإن قال له أصبر إلى أن يقدم فلان من سفره
يقول الله يعلم متى يجىء فلان، ويمكن أن يكون مجىء فلان قبل انقضاء تلك المدة فقال ههنا
( وما يدريك لعل الساعه تكون قريباً) يعنى هى فى علم الله فلا تستبطئوها فربما تقع عن قريب
والقريب فعيل يستوى فيه المذكر والمؤنث ، قال تعالى ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) ولهذا
لم يقل لعل الساعة تكون قريبة .
قوله تعالى: ﴿ إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً ﴾ يعنى كما أنهم
ملعونون فى الدنيا عندكم فكذلك ملعونون عند الله (وأعد لهم سعيراً) كما قال تعالى ( لعنهم الله
فى الدنيا والآخرة وأعدلهم عذاباً مهيناً خالدين فيها أبداً) مطيلين المكث فيها مستمرين لا أمد لخروجهم
وقوله ( لا يجدون ولياً ولا نصيراً) لما ذكر خلودهم بين تحقيقه وذلك لأن المعذب
لا يخلصه من العذاب إلا صديق يشفع له أو ناصر يدفع عنه، ولا ولى لهم يشفع ولا نصير يدفع.
قوله تعالى: ﴿ يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا
ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً﴾
لما بين أنه لاشفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائهم أيضاً لا يدفع العذاب عن
البعض بخلاف عذاب الدنيا فان الإنسان يدفع عن وجهه الضربة إتقاء بيده فان من يقصد رأسه
ووجهه تجده يجعل يده جنة أو يطأطىء رأسه كى لا يصيب وجهه، وفى الآخرة (تقلب وجوههم
فى النار ) فما ظنك بسائر أعضائهم التى تجعل جنة للوجه ووقاية له ( يقولون ياليتنا أطعنا الله
وأطعنا الرسولا) فيتحسرون ويندمون حيث لا تغنيهم الندامة والحسرة، لحصول علمهم بأن
الخلاص ليس إلا للمطيع. ثم يقولون (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا) يعنى بدل طاعة الله تعالى
أطعنا السادة وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر

٢٣٤
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى. سورة الأحزاب.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَتَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَ اذَوْأُ مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُواْ
وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِوَجِيهًا ﴾
فبدلنا الخير بالشر، فلاجرم فاتنا خير الجنان وأوتينا شر النيران ، ثم إنهم يطلبون بعض التشفى
بتعذيب المصلين ويقولون (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) أى بسبب ضلالهم
وإضلالهم وفى قوله تعالى (ضعفين والعنهم لعناً كثيراً) معنى لطيف وهو أن الدعاء لا يكون إلا عند
عدم حصول الأمر المدعو به والعذاب كان حاصلا لهم واللعن كذلك فطلبوا ماليس بحاصل وهو
زيادة العذاب بقولهم ( ضعفين) وزيادة اللعن بقولهم ( لعنً كبيراً).
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ﴾
لما بين الله تعالى أن من يؤذى الله ورسوله يلعن ويعذب وكان ذلك إشارة إلى إيذاء هو
كفر، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من إيذاء هودونه وهو لا يورث كفراً، وذلك مثل من لم يرض
بقسمة النبى عليه السلام وبحكمه بالفى لبعض وغير ذلك فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا
كالذين آذوا موسى) وحديث إيذاء موسى مختلف فيه، قال بعضهم هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى عيب
فى بدنه، وقال بعضهم [إن] قارون قرر مع امرأة فاحشة حتى تقول عند بنى إسرائيل إن موسى زنى
بى فلما جمع قارون القوم والمرأة حاضرة ألقى الله فى قلبها أنها صدقت ولم تقل ما لقنت وبالجملة الايذاء
المذكور فى القرآن كاف وهو أنهم قالوا له ( اذهب أنت وربك فقاتلا) وقولهم ( لن نؤمن لك
حتى نرى الله جهرة) وقولهم ( لن نصبر على طعام واحد) إلى غير ذلك فقال للمؤمنين لا تكونوا
أمثالهم إذا طلبكم الرسول إلى القتال أى لا تقولوا (اذهب أنت وربك فقاتلا) ولا تسألوا مالم يؤذن
لكم فيه «وإذا أمركم الرسول بشى فأتوا منه ما استطعتم)) وقوله (فبرأه الله ما قالوا) على الأول ظاهر
لأنه أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت المرأة بالحق وأمر الملائكة حتى
عبروا بهرون عليهم فرأوه غير مجروح فعلموا براءة موسى عليه السلام عن قتله الذى رموه به، وعلى
ما ذكرنا (فبرأه الله بما قالوا) أى أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإعطائه البعض إياهم وإظهاره عدم
جواز البعض وبالجملة قطع الله حجتهم ثم ضرب عليهم الذالة والمسكنة وغضب عليهم . وقوله
( وكان عند الله وجيهاً) أى ذا وجاهة ومعرفة، والوجيه هو الرجل الذى يكون له وجه أي
يكون معروفاً بالخير، وكل أحد وإن كان عند الله معروفاً لكن المعرفة المجردة لا تكفى فى الوسامة،
فإن من عرف غيره لكونه خادماً له وأجيراً عنده لا يقال هو وجيه عند فلان ، وإنما الوجيه من
يكون له خصال حميدة تجعل من شأنه أن يعرف، ولا ينكر وكان كذلك.

٢٣٥
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله. سورة الأحزاب.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
لا
٧٠
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُرُّ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَالْحِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَعْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَلَهَا آلْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ خَلُومًا جَهُولًا (
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر
لكم ذنوبكم﴾ أرشدهم إلى ما ينبغى أن يصدر منهم من الأفعال والأقوال، أما الأفعال فالخير، وأما
الأقوال فالحق لأن من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله ومن قال الصدق قال قولا سديداً، ثم
وعدهم على الأمرين بأمرين: على الخيرات بإصلاح الأعمال فان بتقوى الله يصلح العمل والعمل
الصالح يرفع ويبقى فيبقى فاعله خالداً فى الجنة ، وعلى القول السديد بمغفرة الذنوب.
قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما﴾ فطاعة الله هى طاعة الرسول،
ولكن جمع بينهما لبيان شرف فعل المطيع فانه يفعله الواحد اتخذ عند اللّه عهداً وعند الرسول بدا
وقوله ( فقد فاز فوزاً عظيما ) جعله عظيما من وجهين (أحدهما ) أنه من عذاب عظيم والنجاة من
العذاب تعظم بعظم العذاب ، حتى أن من أراد أن يضرب غيره سوطاً ثم نجا منه لا يقال فاز فوزاً
عظيما ، لأن العذاب الذى نجا منه لو وقع ما كان يتفاوت الأمر تفاوتاً كثيراً (والثانى) أنه وصل
إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدى.
قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن
منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولا ﴾
لما أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبى عليه السلام بأحسن الآداب، بين أن
التكليف الذى وجهه اللّه إلى الإنسان أمر عظيم فقال (إنا عرضنا الأمانة) أى التكليف وهو
الأمر بخلاف ما فى الطبيعة ، واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس فى السموات ولا فى الأرض
لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ماخلقت عليه ؛ الجبل لا يطلب منه السير والأرض لا يطلب
منها الصعود ولا من السماء الهبوط ولا فى الملائكة لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن
أشياء لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا فيسبحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان
بأمر موافق لطبعه، وفى الآية مسائل :
﴿ الأولى) فى الأمانة وجوه كثيرة منها من قال هو التكليف وسمى أمانة لأن من قصر فيه

٢٣٦
قوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض. سورة الأحزاب.
فعليه الغرامة ، ومن وفرفله الكرامة. ومنهم من قال هو قول لا إله إلا اللّه وهو بعيد فان السموات
والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو، ومنهم من قال الأعضاء فالعين
أمانة ينبغى أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك، والرجل والفرج واللسان، ومنهم من قال
معرفة الله بما فيها والله أعلم
المسألة الثانية﴾ فى العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال الحشرومنهم
من قال المقابلة أى قابلنا الأمانة على السموات فرجحت الأمانة على أهل السموات والأرض.
المسألة الثالثة ﴾ (فى السموات والأرض) وجهان (أحدهما) أن المراد هى بأعيانها،
( والثانى) المراد أهلوها، ففيه إضمار تقديره: إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض.
﴿ المسألة الرابعة)قوله (فأبين أن يحملنها) لم يكن إباؤهن كايا. إبليس فى قوله تعالى ( أبى أن
يكون مع الساجدين) من وجهين (أحدهما) أن هناك السجود كان فرضاً، وههنا الأمانة كانت
عرضاً (وثانيهما) أن الإباء كان هناك استكباراً وههنا استصغاراً استصغرن أنفسهن، بدليل قوله
( وأشفقن منها ).
المسألة الخامسة﴾ ما سبب الإشفاق؟ نقول الأمانة لا تقبل لوجوه (أحدها) أن يكون
عزيزاً صعب الحفظ كالأوانى من الجواهر التى تكون عزيزة سريعة الانكسار ، فان العاقل
يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها، فى الأول لأمانه
من هلاكها ، وفى الثانى لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك (والثانى) أن يكون الوقت
زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل فى ذلك الوقت الودائع، والأمر كان كذلك لأن الشيطان
وجنوده كانوا فى قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من الجنة (الثالث) مراعاة الأمانة
والإتيان بما يجب كايداع الحيوانات التى تحتاج إلى العلف والسقى وموضع مخصوص يكون
برسمها، فان العاقل يمتنع من قبولها بخلاف متاع يوضع فى صندوق أو فى زاوية بيت والتكليف
كذلك فانه يحتاج إلى تربية وتنمية .
المسألة السادسة) كيف حملها الانسان ولم تحملها هذه الأشياء؟ فيه جوابان (أحدهما)
بسبب جهله بما فيها وعلمهن . ولهذا قال تعالى (إنه كان ظلوماً جهولا). (والثانى) أن الأشياء
نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن، والانسان نظر إلى جانب المكلف، وقال المودع عالم
قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها ، وقال
( إياك نعبد وإياك نستعين).
﴿ المسألة السابعة﴾ قوله تعالى (إنه كان ظلوما جهولا) فيه وجوه (أحدها) أن المراد منه
آدم ظلم نفسه بالمخالفة ولم يعلم ما يعاقب عليه من الاخراج من الجنة ( ثانيها ) المراد الانسان يظلم
بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب ( ثالثها ) إنه كان ظلوماً جهولا ، أى كان من شأنه الظلم والجهل.

٢٣٧
قوله تعالى: وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولا « سورة الأحزاب.
يقال فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أى من شأنه ذلك ، فكذلك الانسان من شأنه الظلم
والجهل فلما أودع الأمانة بقى بعضهم على ما كان عليه وبعضهم ترك الظلم كما قال تعالى (الذين
آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) وترك الجهل كما قال تعالى فى حق آدم عليه السلام ( وعلم آدم
الأسماء كلها ) وقال فى حق المؤمنين عامة ( والراسخون فى العلم يقولون آمنا به) وقال تعالى (إنما
يخشى الله من عباده العلماء) (رابعها) (إنه كان ظلوماً جهولا) فى ظن الملائكة حيث قالوا ( أتجعل
فيها من يفسد فيها) وبين عليه عندهم حيث قال تعالى (أنبتونى بأسماء هؤلاء) وقال بعضهم فى
تفسير الآية إن المخلوق على قسمين مدرك وغير مدرك، والمدرك منه من يدرك الكلى والجزئى
مثل الآدمى، ومنه من يدرك الجزئى كالبهائم ثم تدرك الشعير الذى تأكله ولا تتفكر فى عواقب
الأمور ولا تنظر فى الدلائل والبراهين ، ومنه من يدرك الكلى ولا يدرك الجزئى كالملك يدرك
الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل، قالوا وإلى هذا أشار اللّه تعالى بقوله ( ثم عرضهم على
الملائكة فقال أنبتونى بأسماء هؤلاء) فاعترفوا بعدم علهم بتلك الجزئيات والتكاليف لم يكن إلا على
مدرك الأمرين إذ له لذات بأمور جزئية . فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية هى مثل لذة الملائكة
بعبادة الله ومعرفته، وأما غيره فان كان مكلفاً يكون مكلفاً لا بمعنى الأمر بما فيه عليهم كلفة
ومشقة بل بمعنى الخطاب فان المخاطب يسمى مكلفاً لما أن المكلف مخاطب فسمى المخاطب مكلفاً
وفى الآية لطائف ( الأولى) الأمانة كان عرضها على آدم فقبلها فكان أميناً عليها والقول قول
الأمين فهو فائز، بقى أولاده أخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن، ولهذا وارث
المودع لا يكون القول قوله ولم يكن له بد من تجديدعهد وائتمان، فالمؤمن اتخذ عند اللّه عهداً فصار أميناً
من الله فصار القول قوله فكان له ما كان لآدم من الفوز. ولهذا قال تعالى (ويتوب الله على المؤمنين
والمؤمنات ) أى كما تاب على آدم فى قوله تعالى ( فتاب عليه ) والكافر صار آخذاً للأمانة من المؤتمن
فبقى فى ضمانه، ثم إن المؤمن إذا أصاب الأمانة فى يده شىء بقضاء الله وقدره كان ذلك من غير
تقصير منه والأمين لا يضمن مافات بغير تقصير ، والكافر إذا أصاب الأمانة فى يدهشی. ضمن وإن كان
بقضاء الله وقدره، لأنه يضمن مافات وإن لم يكن بتقصير ( اللطيفة الثانية) خص الأشياء الثلاثة
بالذكر لأنها أشد الأمور وأحملها للأثقال، وأما السموات فلقوله تعالى (وخلقنا فوقكم سبعاً
شداداً) والأرض والجبال لاتخفى شدتها وصلابتها . ثم إن هذه الأشياء لما كانت لها شدة وصلابة
عرض الله تعالى الأمانة عليها واكتفى بشدتهن وقوتهن فامتنعن، لأنهن وإن كن أقوياء إلا أن أمانة
اللّه تعالى فوق قوتهن، وحملها الإنسان مع ضعفه الذى قال الله تعالى فيه (وخلق الإنسان ضعيفاً)
ولكن وعده بالاعانة على حفظ الأمانة بقوله ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) فان قيل فالذى
يعينه اللّه تعالى كيف يعذب فلم يعذب الكافر؟ نقول قال الله تعالى ((أنا أعين من يستعين بى ويتوكل
على)) والكافر لم يرجع إلى الله تعالى فتركه مع نفسه فيبقى فى عهدة الأمانة ( اللطيفة الثالثة) قوله

٢٣٨
قوله تعالى : ليعذب الله المنافقين والمنافقات. سورة الأحزاب.
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ
اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَ كَانَّ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمَاً
تعالى فأبين ( أن يحملنها) وقوله تعالى (وحملها الإنسان) إشارة إلى أن فيه مشقة بخلاف مالو قال
فأبين أن يقبلنها وقبلها الانسان ، ومن قال لغيره أفعل هذا الفعل فان لم يكن فى الفعل تعب يقابل
بأجرة فاذا فعله لا يستحق أجرة فقال تعالى ( وحملها) إشارة إلى أنه منا يستحق الأجر عليه أى
على مجرد حمل الأمانة ، وإما على رعايتها حق الرعاية فيستحق الزيادة فان قيل فالكل حملوها، غاية
ما فى الباب أن الكافر لم يأت بشىء زائد على الحمل فينبغى أن يستحق الأجر على الحمل فنقول الفعل
إذا كان على وفق الاذن من المالك الآمر يستحق الفاعل الأجرة، ألا ترى أنه لو قال احمل هذا
إلى الضيعة التى على الشمال لحمل ونقلها إلى الضيعة التى على الجنوب لا يستحق الأجرة ويلزمه ردها
إلى الموضع الذى كان فيه كذلك الكافر حملها على غيروجه الإذن فغرم وزالت حسناته التى عملها بسببه.
قوله تعالى: ﴿ ليعذب اللّه المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على
المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيما).
أى حملها الإنسان ليقع تعذيب المنافق والمشرك، فإن قال قائل لم قدم التعذيب على التوبة نقول
لما سمى التكليف أمانة والأمانة من حكمها اللازم أن الخائن يضمن وليس من حكمها اللازم أن
الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة فكان التعذيب على الخيانة كاللازم والأجر على الحفظ إحسان
والعدل قبل الإحسان وفيه مسألتان :
:
المسألة الأولى﴾ لم عطف المشرك على المنافق، ولم يعداسمه تعالى فلم يقل ويعذب الله
المشركين وعند التوبة أعاد اسمه وقال ويتوب الله ولوقال ويتوب على المؤمنين كان المعنى حاصلا؟
نقول أراد تفضيل المؤمن على المنافق جعله كالكلام المستأنف ويجب هناك ذكر الفاعل فقال
( ويتوب الله) ويحقق هذا قراءة من قرأ ويتوب الله بالرفع .
المسألة الثانية﴾ ذكر الله فى الإنسان وصفين الظلوم والجهول وذكر من أوصافه وصفين
فقال ( وكان الله غفوراً رحيما) أى كان غفوراً للظلوم ورحيما على الجهول، وذلك لأن الله تعالى
وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعاً إلا الظلم العظيم الذى هو الشرك كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم)
وأما الوعد فقوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) وأما الرحمة
على الجهل فلأن الجهل محل الرحمة ولذلك يعتذر المسىء بقوله ما علمت .
(وههنا لطيفة) وهى أن اللّه تعالى أعلم عبده بأنه غفوررحيم، وبصره بنفسه فرآه ظلوماً جهولا
ثم عرض عليه الأمانة فقبلها مع ظلمه وجهله لعلمه فيما يجبرها من الغفران والرحمة والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبى الأمى وآ له.
:

٢٣٩
سورة سبأ
(٣٤) سُورَة سَبَا مِكِيَّة
وَآَيَّانِها ازِجُ وَحْسُونَ
مکیة و قيل فيها
بك الآية )
وقيل فيها آية مدنية وهى ( ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك الآية)
وقيل خمس وخمسون آمة
بِشَـ
الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِ لَهُ وَمَا فِ السَّمَنَاتِ وَمَا فِىِ اْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِىِ اْآَخِرَةِ
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيُ ◌ّ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى له مافى السموات وما في الأرض وله الحمد فى الآخرة وهو الحكيم الخبير ﴾
السور المفتتحة بالحمد خمس سور سورتان منها فى النصف الأول وهما الأنعام والكهف
وسورتان فى الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة والخامسة وهى فاتحة الكتاب تقرأ مع
النصف الأول ومع النصف الأخير والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها
منحصرة فى قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فان الله تعالى خلقنا أولا برحمته وخلق لنا مانقوم
به وهذه النعمة توجدمرة أخرى بالإعادة فانه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم فلنا حالتان الابتداء
والاعادة وفى كل حالة له تعالى علينا نعمتان نعمة الايجاد ونعمة الابقاء فقال فى النصف الأول
(الحمدلله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) إشارة إلى الشكر على نعمة الايجاد ويدل
عليه قوله تعالى فيه ( هو الذى خلقكم من طين ) إشارة إلى الايجاد الأول وقال فى السورة الثانية
وهى الكهف (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما) إشارة إلى الشكر
على نعمة الإبقاء، فان الشرائع بها البقاء ولولا شرع ينقاد له الخلق لا تبع كل واحد هواه ولو وقعت
المنازعات فى المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفانى، ثم قال فى هذه السورة (الحمد بته ) إشارة إلى
نعمة الايجاد الثانى ويدل عليه قوله تعالى ( وله الحمد فى الآخرة) وقال فى الملائكة (الحمد لله)
إشارة إلى نعمة الابقاء ويدل عليه قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا والملائكة بأجمعهم لا يكونون
وألا إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين كما قال تعالى (وتتلقاهم الملائكة) وقال تعالى عنهم
(سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى
(الحمد لله رب العالمين) اشارة إلى النعمة العاجلة وقوله ( مالك يوم الدين ) إشارة إلى النعمة

٢٤٠
قوله تعالى : يعلم ما يلج الأرض. سورة سبأ.
يَعْلُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعُرُجُ
فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
الآجلة قرئت فى الافتتاح وفى الاختتام ، ثم فى مسائل :
المسألة الأولى﴾ الحمد شكر والشكر على النعمة واللّه تعالى جعل ما فى السموات وما فى
الأرض لنفسه بقوله ( له ما فى السموات ومافي الأرض) ولم يبين أنه لنا حتى يجب الشكر نقول
جواباً عنه الحمد يفارق الشكر فى معنى وهو أن الحمد أعم فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم
على الحامد أصلا ، فإن الإنسان يحسن منه أن يقول فى حق عالم لم يجتمع به أصلا أنه عالم عامل بارع
كامل فيقال له إنه يحمد فلاناً ولا يقال إنه يشكره إلا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه فالله تعالى
محمود فى الأزل لاتصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال ومشكور ولا يزال على ما أبدى من
الكرم وأسدى من النعم فلا يلزم ذكر النعمة للحمد بل يكفى ذكر العظمة وفى كونه مالك ما فى
السموات ومافي الأرض عظمة كاملة فله الحمد على أنا نقول قوله ( له ما فى السموات وما فى
الأرض) يوجب شكراً أتم مما يوجبه قوله تعالى (خلق لكم ما فى الأرض) وذلك لأن
ما فى السموات والأرض إذا كان لله ونحن المنتفعون به لا هو ، يوجب ذلك شكراً لا يوجبه
کون ذلك لنا .
المسألة الثانية﴾ قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعمة التى فى الآخرة، فلم ذكر الله
السموات والأرض؟ فنقول نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله النعم المرئية وهى مافى السموات
وما فى الأرض ، ثم قال (وله الحمد فى الآخرة) ليقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها
وفناء العاجلة ولهذا قال (وهو الحكيم الخبير ) إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير،
والحكمة صفة ثابتة للّه لا يمكن زوالها فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرة أخرى فى الآخرة.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الحكمة هى العلم الذى يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولم يأت بما
يناسب علمه لا يقال له حكيم ، فالفاعل الذى فعله على وفق العلم هو الحكيم ، والخبير هو الذى يعلم
عواقب الأمور وبواطنها فقوله (حكيم) أى فى الابتداء يخلق كما ينبغى وخبير أى بالانتهاء يعلم
ماذا يصدر من المخلوق وما لا يصدر إلى ماذا يكون مصير كل أحد فهو حكيم فى الابتداء خبير
فی الانتهاء.
ثم بين اللّه تعالى كما أخبره بقوله ( يعلم مايلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء
وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور )
ما يلج فى الأرض من الحبة والأموات ويخرج منها من السنابل والأحياء وما ينزل من السماء