النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى : ولو دخلت عليهم من اقطارها. سورة الأحزاب.
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَفْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوْ اَلْفِتْنَةَ لَوْهَا وَمَا تَكَبُّواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا
وَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرْ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا
٦٤٦
قُل لَنْ يَنَفَعَكُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ اَلْمَوْتِ أَوِالْقَتْلِ وَ إِذَّا لَّا نُمَّعُونَ إِلَّا
١٥
قَلِيلًا ﴾ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُ مِّنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوَّةًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ
رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيَّ وَلَا يَصِيراً (﴾
قوله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا﴾
إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلا لغرض ، فإذا فاته
الغرض لا يفعله، كمن يبذل المال لكى لا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله فقال الله تعالى
هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً، وليس
رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة، وقوله (ولو دخلت عليهم) احتمل أن يكون
المراد المدينة واحتمل أن يكون البيوت، وقوله (وما تلبثوا بها) يحتمل أن يكون المراد الفتنة (إلا
يسيراً) فانها تزول وتكون العاقبة للمتقين، ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أى ما تلبثوا
بالمدينه إلا يسيراً فإن المؤمنين يخرجونهم.
لهم قال تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل لايولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا ،
قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا متعون إلا قليلا؟
بياناً لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فانهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً
وندماً ، وذكروا أن القتال لايزال لهم قدماً ثم هددهم بقوله ( وكان عهد الله مسئولا) وقوله ( قل
لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ) إشارة إلى أن الأمور مقدرة لا يمكن الفرار
بما وقع عليه القرار، وما قدره الله كائن فمن أمر بشىء إذا خالفه يبقى فى ورطة العقاب آجلا ولا
ينتفع بالمخالفة عاجلا، ثم قال تعالى (وإذاً لا تمتعون إلا قليلا) كأنه يقول ولو فررتم منه فى يومكم
مع أنه غير ممكن لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلا فالعاقل لايرغب فى شىء قليل مع أنه يفوت
عليه شيئاً كثيراً ، فلا فرار لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلا.
قوله تعالى : ﴿ قل من ذا الذى يعصمكم من اللّه إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا
يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً﴾.

٢٠٢
قوله تعالى: قد يعلم الله المعوقين منكم. سورة الأحزاب.
قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّينَ مِنَكُمْ وَالْقَيِلِينَ لإِنْخَوَنِهِمْ هَلْمَّإِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ أَقْبَأْسَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أَِّمَّةٌ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ
كَلَّذِى يُغْشَِّ غَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَإذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلُّوٌم ◌ِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشَِّّةً
عَلَى الْخَرِ أَوْلَبِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِبْرًا (
بياناً لما تقدم من قوله (لن ينفعكم الفرار) وقوله (ولا يجدون لهم من دون الله) تقرير
لقوله ( من ذا الذى يعصمكم) أى ليس لكم ولى يشفع لمحبته إياكم ولا نصير ينصركم ويدفع.
عنكم السوء إذا أتاكم.
قوله تعالى: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم علم إلينا ولا يأتون البأس
إلا قليلا، أشحة عليكم)
أى الذين يثبطون المسلمين ويقولون تعالوا إلينا ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وفيه
وجهان ( أحدهما) أنهم المنافقون الذين كانوا يقولون للأنصار لا تقاتلوا وأسلموا محمداً إلى قريش
(وثانيهما) اليهود الذين كانوا يقولون لأهل المدينة تعالوا إلينا وكونوا معنا وهلم بمعنى تعال أو
احضر ولا تجمع فى لغة الحجاز وتجمع فى غيرها فيقال للجماعة هلموا وللنساء هلمن، وقوله (ولا
يأتون البأس إلا قليلا) يؤيد الوجه الأول وهو أن المراد منهم المنافقون وهو يحتمل وجهين
(أحدهما) (لا يأتون البأس) بمعنى يتخلفون عنكم ولا يخرجون معكم وحينئذ قولهتعالى (أشحة
عليكم) أى بخلاء حيث لا ينفقون فى سبيل الله شيئاً ( وثانيهما) لا يأتون البأس بمعنى لا يقاتلون
معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم، وقوله (أشحة عليكم) أى بأنفسهم
وأبدانهم.
قوله تعالى : ﴿ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعيتهم كالذى يغشى عليه من
الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط اله
أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً
إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم، واعلم أن البخل شبيه الجبن ، فلما ذكر البخل بين سجنيه
وهو الجبن والذى يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه فى سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر

٢٠٣
قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا. سورة الأحزاب.
يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَذُواْ لَوْ أَنَّهُمُ بَادُونَ فِى
الْأَعْرَابِ يَسْعَلُونَ عَنْ أَنْبَأَ بِكٌِّ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُ مَّا قَلُواْإِلَّا قَلِيلًا (يَ لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ الهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْاللّهَ وَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَ كَرَاللهُ
كَثِيرًاً
٢١
فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا انفاق لابدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام
فيهون عليه إخراج المال فى القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك ، وأما بالنفس والبدن فكذلك
فان الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام ، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر
فيقدم، وقوله تعالى (فإذا ذهب الخوف سلقوكم) أى غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون
نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة
وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب، وقوله (أشحة على الخير) قيل الخير المال ويمكن
أن يقال معناه أنهم قليلوا الخير فى الحالتین کثیرو الشر فى الوقتین فی الأول یبخلوں ، وفى
الآخر كذلك.
ثم قال تعالى (أولئك لم يؤمنوا فأحبط اللّه أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً) يعنى لم
يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظاً فأحبط اللّه أعمالهم التى كانوا يأتون بها مع المسلمين
وقوله ( وكان ذلك على اللّه يسيراً) إشارة إلى ما يكون فى نظر الناظر كما فى قوله تعالى ( وهو
أهون عليه) وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم
بتفريق أجزائه، فان من أحرق شيئاً يبقى منه رماد ، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه
ذرات، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها، وأما العمل
فهو فى العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره ، فاذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم
حقيقة وحكما فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم فى الحقيقة بخلاف الجسم.
قوله تعالى: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون فى
الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ماقاتلوا إلا قليلا، لقد كان لكم فى رسول الله
أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً
أى من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيتهم كانوا يودون لو كانوا فى البوادى
ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى

٢٠٤
قوله تعالى: ولما رأى المؤمنون الأحزاب. سورة الأحزاب.
وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ آلْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ
وَرَسُولَهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إَِا وَتَسْلِيمًا (﴾ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ
اللّهَ عَلَيْهِ فَتْهُمْ مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن يَنَظِرُ وَمَا بَدَّلُوْ تَبْدِيلًا (چ لِيَجْزِىَ
اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَّفِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ وَرَدَّ الَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْبِغَيِظِهِمْ لَمْ يَّنَالُواأْ خَيْرًا وَكَفَ اللهُ
ج
اَلْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
٢٥
( ولو كانوا فيكم ماقاتلوا إلا قليلا).
قوله تعالى: ﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق
الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما.
لما بین حال المنافقين ذکر حال المؤمنین وهو أنهم قالوا هذا ماوعدنا الله من الابتلاء ثم قالوا
(وصدق الله ورسوله) فى مقابلة قولهم (ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) وقولهم (وصدق الله
ورسوله) ليس إشارة إلى ماوقع فانهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هى إشارة إلى
بشارة وهو أنهم قالوا (هذا ما وعدنا الله) وقد وقع وصدق الله فى جميع ما وعد فيقع الكل مثل
فتح مکه وفتح الروم وفارس وقوله ( وما زادهم إلا إيماناً) بوقوعه وتسليما عند وجوده .. أ
ثم قال تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من
ينتظر وما بدلوا تبديلا، ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم
إن الله كان غفوراً رحيما، ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال
وكان الله قوياً عزيزاً ﴾
إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذى عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى
نحبه أى قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر ، ومنهم من هو بعد فى القتال ينتظر الشهادة ونا.
بالعهد وما بدلوا تبديلا بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولى الأدبار فيدلوا قولهم وولوا أدبارهم
وقوله ( ليجزى الله الصادقين بصدقهم) أى بصدق ما وعدهم فى الدنيا والآخرة كما صدقوا
مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله (إن شاء) ذلك فيمنعهم من الإيمان

٢٠٥
قوله تعالى: وانزل الذين ظاهروهم سورة الأحزاب.
وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَهُرُهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَيَصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًاً(چ
أو يتوب عليهم إن أراد . وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبى عليه الصلاة والسلام
عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم وقوله ( وكان الله غفوراً) حيث ستر ذنوبهم و(رحيما)
حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول (ويعذب المنافقين) مع أنه كان
غفوراً رحيما لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جازاهم الله
به على صدقهم فقال ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم) أى مع غيظهم لم يشفوا صدراً ولم يحققوا
أمراً ( وكفى الله المؤمنين القتال) أى لم يجوجهم إلى قتال (وكان الله قوياً) غير محتاج إلى قتالهم
عزيزاً قادراً على استئصال الكفار وإذلالهم.
قوله تعالى : ﴿وأنزل الذين ظاهروم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم
الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً ﴾
أى عاونوهم من أهل الكتاب وهم بنو قريظة من صياصيهم من قلاعهم وقذف فى قلوبهم
الرعب حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونسائهم للسبى فريقاً تقتلون وهم الرجال، وتأسرون
فريقاً وهم الصبيان والنسوان ، فان قيل هل فى تقديم المفعول حيث قال فريقاً تقتلون وتأخيره
حيث قال ( وتأسرون فريقاً) فائدة؟ قلت قد أجبنا أن ما من شيء من القرآن إلا وله فوائد منها
ما يظهر ومنها ما لا يظهر ، والذى يظهر من هذا والله أعلم أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأعرف
فالاً عرف والأقرب فالأقرب، والرجال كانوا مشهورين فكان القتل وارداً عليهم والأسرى
كانوا هم النساء والصغار ولم يكونوا مشهورين والسبى والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر
لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما هو أشهر على الفعل القائم به وما هو أشهر من الفعلين قدمه
على المحل الأخفى، وإن شئنا نقول بعبارة توافق المسائل النحوية فنقول قوله (فريقاً تقتلون)
فعل ومفعول والأصل فى الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل ، أما أنها جملة فعلية
فلا نها لو كانت أسمية لكان الواجب فى فريق الرفع وكان يقول فريق منهم تقتلونهم فلما نصب كان
ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره تقتلون فريقاً تقتلون والحامل على مثل هذا الكلام شدة
الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قذف فى
قلوبهم الرعب فلو قال تقتلون إلى أن يسمع السامع مفعول تقتلون يكون زمان وقد يمنعه مانع
فيفوته فلا يعلم أنهم هم المقتولون، فأما إذا قال فريقاً مع سبق فى قلوبهم الرعب إلى سمعه يستمع
إلى تمام الكلام وإذا كان الأول فعلا ومفعولا قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على

٢٠٦
قوله تعالى : واورثكم أرضهم وديارهم. سورة الأحزاب.
وَأَوْ رَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَعَعُوهَا وَكَانَ اللهُ عَ كُلٍ شَىْءٍ
قَدِيرًا ( يَأْيَُّ النَّيِّ قُلِلِأَزْوَلِكَ إِن كُنتُنَّ ◌ُِدْنَ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
٠٠٠
٠١٠٠١٠٠٨٠٠٠
فَتَعَلَيْنَ أَمَتِّعْكُنَّ وَأَسَرِ حُكُنَّ مَرَاحًا ◌َجِيلًا () وَإِن كُنتُنَّ ◌ُرِدْنَ الهَ وَرَسُولَهُ, وَالَّارَ
اْأَخِرَةَ فَإِنَّاللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَبْرًا عَظِيمًا
الأصل فعدم تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذا عرف حالهم وما يجىء بعده يكون مصروفاً
إليهم ، ولو قال بعد ذلك وفريقاً تأسرون فمن سمع فريقاً ربما يظن أن يقال فيهم يطلقون، أولا
يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى، وكذلك الكلام فى قوله ( وأنزل الذين ظاهروهم )
وقوله (وقذف) فان قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب ضار سبب الإنزال، ولكن لما كان
الفرح فى إنزالهم أكثر، قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها وكان الله على كل شىء
قديراً﴾ .
فيه ترتيب على ما كان ، فان المؤمنين أولا تملكوا أرضهم بالنزول فيها والاستيلاء عليها ثم
تملكوا ديارهم بالدخول عليهم وأخذ قلاعهم ثم أموالهم التى كانت فى بيوتهم وقوله ( وأرضاً لم
قطنوها) قيل المراد القلاع وقيل المراد الروم وأرض فارس وقيل كل ما يؤخذ إلى يوم القيامة
(وكان الله على كل شى" قديراً) هذا يؤكد قول من قال إن المراد من قولهم (وأرضاً لم تظنوها) هو
ما سيؤخذ بعد بنى قريظة، ووجه هو أن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاد ووعدهم بغيرها دفع
استبعاد من لا يكون قوى الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل
شىء قدير يملككم غيرها.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها التى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتحكى
وأسر حكن سراحا جميلا، وإن كنتت تردن الله ورسوله والدار الآخرة فان الله أعد للحسنات
منکن أجراً عظيما ﴾
وجه التغلق هو أن مكارم الأخلاق متخصرة فى شيئين التعظيم " لأمر الله والشفقة على خلق
اللّه، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله , الصلاة وما ملكت أيمانكم، ثم إن الله تعالى لما أرشد
نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم للّه بقوله ( يا أيها النبى اتق الله) ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ
بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولهذا قدمهن فى النفقة. وفى الآية مسائل فقهية منها أن التخيير.

٢٠٧
الجزء
قوله تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك. سورة الأحزاب.
هل كان واجباً على النبى عليه السلام أم لا؟ فنقول التخيير قولا كان واجباً من غير شك لأنه
إبلاغ الرسالة، لأن الله تعالى لما قال له قل لهم صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبنى على أن
الأمر للوجوب أم لا؟ والظاهر أنه للوجوب، ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان
يصير اختيارها فراقاً والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي صلى
الله عليه وسلم لقوله تعالى (فتعالين أمتعكن وأسر حكن سراحاً جميلا) ومنها أن واحدة منهن إن
اختارت نفسها وقلنا بأنها لا تبين إلا بإنابة من جهه النبى عليه السلام فهل كان يجب على النبى عليه
السلام الطلاق أم لا ؟ الظاهر نظراً إلى منصب النبى عليه السلام أنه كان يجب، لأن الخلف فى
الوعد من النبي غير جائز بخلاف واحد منا، فانه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد ومنها أن المختارة
بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا ، والظاهر أنها لا تحرم ، وإلا لا يكون التخيير ممكناً
لها من التمتع بزينة الدنيا، ومنها أن من اختارت الله ورسوله كان يحرم على النبى عليه الصلاة
والسلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى
أن النبى عليه السلام لا يباشره أصلا، بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب، وفيها لطائف لفظية
منها تقديم اختيار الدنيا ، إشارة إلى أن النى عليه الصلاة والسلام غير ملتفت إلى جانبهن غاية
الإلتفات وكيف وهو مشغول بعبادة ربه، ومنها قوله عليه السلام (أسرحكن سراحاً جميلا)
إشارة إلى ماذكرنا ، فإن السراح الجميل مع التأذى القوى لا يجتمع فى العادة، فعلم أن النبى عليه
الصلاة والسلام ما كان يتأثر من اختيارهن فراقه بدليل أن التسريح الجميل منه، ومنها قوله ( وإن
كنتن تزدن اللّه) إعلاماً لهن بأن فى اختيار النبى عليه السلام اختيار الله ورسوله والدار الآخرة
وهذه الثلاثة هی الدین و قوله (أعد للمحسنات منكن ) أى لمن عمل صالحاً منكن، وقوله(تردن
الله ورسوله والدار الآخرة) فيه معنى الإيمان، وقوله (للمحسنات) لبيان الإحسان حتى تكون
الآية فى المعنى، كقوله تعالى (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن) وقوله تعالى (من آمن وعمل
صالحاً) وقوله (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) والأجر العظيم الكبير فى الذات الحسن فى
الصفات الباقى فى الأوقات ، وذلك لأن العظيم فى الأجسام لا يطلق إلا على الزائد فى الطول وفى
العرض وفى العمق ، حتى لو كان زائداً فى الطول يقال له طويل، ولو كان زائداً فى العرض يقال
له عريض، وكذلك العميق، فإذا وجدت الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال جبل عظيم إذا كان عالياً
متداً فى الجهات، وإن كان مرتفعاً نحسب يقال جبل عال، إذا عرفت هذا فأجر الدنيا فى ذاته
قليل وفى صفاته غير خال عن جهة قبح، لما فى مأكوله من الضرر والثقل، وكذلك
فى مشروبه وغيره من اللذات وغير دائم، وأجر الآخرة كثير خال عن جهات القبح دائم
فهو عظيم.

٢٠٨
قوله تعالى : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة. سورة الأحزاب الثانى والعشرون
يَئِنِسَآءَ الَِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ يُضَاعَفْ لَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِيَسِيرًا (﴾ وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا
تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًّا كَرِيمًا
٣١
قوله تعالى: ﴿يانساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لهما العذاب ضعفين وكان
ذلك على الله یسیراً
لما خير هن التى ◌َّ واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددمن التوقى عما يسوء التى عليه السلام
ويقبح بهن من الفاحشة التى هى أصعب على الزوج من كل ما تأتى به زوجته وأوعدهن بتضعيف
العذاب وفيه حكمتان (إحداهما) ان زوجة الغير تعدب على الزنا بسبب ما فى الزنا من المفاسد
وزوجة التى تعذب إن أتت به لذلك ولإيذاء قلبه والإزراء بمنصبه، وعلى هذا بنات التى عليه
السلام كذلك. ولأن امرأة لو كانت بحث التى تَّلتم وأنت بفاحشة تكون قد اختارت غير
التى عليه السلام، ويكون ذلك الغير خيراً عندها من النبى وأولى، والنبى أولى من النفس التى هى
أولى من الغير ، فقد نزلت منصب النبى مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين ( تانيتهما) أن هذا
إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذابها ضعف عذاب الأمة إظهاراً لشرفها، ونسبة النبى إلى غيره
من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته وقرائبه اللاتى
من أمهات المؤمنين، وأم الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة ، وزوجته مأمورة تحكومة
له وتحت طاعته، فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبى عليه السلام كالأمة بالنسبة إلى
الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك فى قوة قوله ( لئن أشر كت ليحبطن عملك) من حيث
إن ذلك مكن الوقوع فى أول النظر ، ولا يقع فى بعض الصور جزماً. وفى بعض بقع جزءاً من
مات فقد استراح، وفى البعض يتردد السامع فى الأمرين، فقوله تعالى (من يأت منكن بفاحشة)
عندنا من القبيل الأول ، فان الأنبياء صان الله زوجاتهم عن الفاحشة، وقوله تعالى (وكان ذلك
على الله يسيراً) أى ليس كونكن تحت النبى عليه السلام وكونكن شريقات جليلات مما يدفع
العذاب عنكن.، وليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة
أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم.
ثم قال تعالى : ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً تؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لمنا
زفاً كريماً
قوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن الله ورسوله وتعمل صالحاً ﴾ بياناً لزيادة ثوابهن، كما بين
٠

٢٠٩
قوله تعالى : يا نساء النبى لستن كأحد من النساء. سورة الأحزاب.
يَنْفِسَآءَ الَِّ لَسُقْنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيْنُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ
الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
زيادة عقابهن (نونها أجرها مرتين) فى مقابلة قوله تعالى (يضاعف لها العذاب ضعفين) مع لطيفة
وهى أن عند إيتاء الأجر ذكر المؤنى وهو الله، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب فقال (يضاعف)
إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، كما أن الكريم الخى عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضر
لا يذكر نفسه، وقوله تعالى (وأعتدنا لها رزقاً كريماً) وصف رزق الآخرة بكونه كريماً، مع أن
الكريم لا يكون إلا وصفاً للرزاق إشارة إلى معنى لطيف ، وهو أن الرزق فى الدنيا مقدر على
أيدى الناس ، التاجر يسترزق من السوقة، والمعاملين والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية
والرعية منهم، فالرزق فى الدنيا لا يأتى بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار.
وأما فى الآخرة فلا يكون له مرسل ومسك فى الظاهر فهو الذى يأتى بنفسه ، فلا جل هذا
لا يوصف فى الدنيا بالكريم إلا الرزاق، وفى الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق .
قوله تعالى : ﴿ يانساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى
فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا
ثم قال تعالى: ﴿يانساء التى لستن كأحد من النساء﴾ لما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهز
وأجرهن مثلا أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء، فقال (لستن كأحد) ومعنى قول
القائل ليس فلان كآحاد الناس، يعنى ليس فيه مجرد كونه إنساناً ، بل وصف أخص موجود
فيه، وهو كونه عالماً أو عاملا أو نسيباً أو حسيباً، فان الوصف الأخص إذا وجدلا يبقى التعريف
بالأعم، فان من عرف رجلا ولم يعرف منه غير كونه رجلا يقول رأيت رجلا فان عرف عليه
يقول رأيت زيداً أو عمراً، فكذلك قوله تعالى (لستن كأحد من النساء) يعنى فيكن غير ذلك
أمر لا يوجد فى غير كن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن
محمداً عليه السلام ليس كأحد من الزجال، كما قال عليه السلام (( لست كأحدكم، كذلك قرائبه
اللاتى يشرفن به و بين الزوجين نوع من الكفاءة .
ثم قوله تعالى ( إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول) يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون متعلقاً
بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند الله هو الأتقى (وثانيهما) أن يكون متعلقاً
بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن واللّه تعالى لما منعهن من الفاحشة وهى الفعل القبيح
منعهن من مقدماتها وهى المحادثة مع الرجال والانقياد فى الكلام الفاسق. ثم قوله تعالى ( فيطمع
الذى فى قلبه مرض ) أى فسق وقوله تعالى (وقلن قولا معروفاً) أى ذكر الله، وما تحتجن إليه
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى : وقرن في بيوتكن. سورة الأحزاب.
وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِيَّةِ الْأُولَنَّ وَأَقْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ
الَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ: إِنَّا يُرِيدُ اللهُ لُذْهِبَ عَنكُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَ كُمْ تَطْهِيرًا (﴾
من الكلام والله تعالى لما قال (فلا تخضعن بالقول) ذكر بعده (وقلن) إشارة إلى أن ذلك ليس
أمراً بالإيذاء والمنكر بل القول المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره.
قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقن الصلاة وآتين الزكوة
وأطعن الله ورسوله﴾.
قوله تعالى (وقرن فى بيوتكن) من القرار وإسقاط أحد حر فى التضعيف كما قال تعالى
( فظلتم تفكهون) وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يغد عد وقوله ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الأولى) قيل معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن ، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زيفتكن وقوله
تعالى (الجاهلية الأولى) فيه وجهان: (أحدهما) أن المراد من كان فى زمن نوح والجاهلية
الأخرى من كان بعده ( وثانيهما) أن هذه ليست أولى تقتضى أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة
كقول القائل : أين الأكاسرة الجبابرة الأولى .
ثم قال تعالى (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) يعنى ليس التكليف فى النهى
فقط حتى يحصل بقوله تعالى ( لا تخضعن، ولا تبرجن) بل فيه وفى الأوامر (فأقن الصلاة)
التى هى ترك التشبه بالجبار المتكبر (وآتين الزكاة ) التى هى تشبه بالكريم الرحيم (وأطعن الله)
أى ليس التكليف منحصراً فى المذكور بل كل ما أمر الله به فأتين به وكل مانهى الله عنه فانتهين عنه
ثم قال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً
يعنى ليس المنتفع بتكليفكن هو الله ولا تنفعن اللّه فيما تأتين به. وإنما نفعه لكن وأمره تعالى
إيا كن لمصلحتكن، وقوله تعالى (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم) فيه لطيفة وهى أن
الرجس قد يزول عيناً ولا يطهر المحل فقوله تعالى (ليذهب عنكم الرجس) أى يزيل عنكم الذنوب
ويطهركم أى يلبسكم خلع الكرامة ، ثم إن الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب
المذكرين بقوله (ليذهب عنكم الرجس) ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم، واختلفت الأقوال
فى أهل البيت ، والأولى أن يقال هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعلى منهم لأنه كان
من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت التى عليه السلام وملازمته للنبى .

٢١١
قوله تعالى: واذكرن ما يتلى في بيوتكن. سورة الأحزاب.
وَأَذْ كُرِّنَ مَايُتْلَ فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
إِنَّالْمُسْلِنَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَلِنَ وَالْقَسَِّتِ
٣٤
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَتِ وَالصَِّينَ وَالصَّبِرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّهِمِينَ وَالصَّنَِّمَاتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ
قوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة ﴾ أى القرآن (والحكمة)
أى كلمات النبى عليه السلام إشارة إلى ما ذكرنا من أن التكاليف غير منحصرة فى الصلاة والزكاة ،
وما ذكر الله فى هذه الآية فقال ( واذكرن ما يتلى) ليعلمن الواجبات كلها فيأتين بها، والمحرمات
بأسرها فينتهين عنها .
[ وقوله] {إن الله كان لطيفاً خبيراً﴾ إشارة إلى أنه خبير بالبواطن، لطيف فعلمه يصل إلى
كل شىء ومنه اللطيف الذى يدخل فى المسام الضيقة ويخرج من المسالك المسدودة .
ثم قال تعالى { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) لما أمرهن ونها هن وبين ما يكون
لهن وذكر لهن عشر مراتب (الأولى) الاسلام والانقياد لأمر الله (والثانية) الإيمان بما يرد
به أمر الله ، فان المكلف أولا يقول كل ما يقوله أقبله فهذا إسلام، فاذا قال اللّه شيئاً وقبله صدق
مقالته وصمع اعتقاده فهو إيمان ثم إعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد
وهو (المرتبة الثالثة) المذكورة بقوله (والقانتين والقانتات) ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل فيكمل
غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق فى كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿والصادقين
والصادقات) ثم إن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال تعالى
﴿ والصابرين والصابرات ) ثم إنه إذا كمل وكمل قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمتعه منه بقوله
﴿ والخاشعين والخاشعات) أو نقول لما ذكر هذه الحسنات أشار إلى ما يمنع منها وهو إما حب
الجاه أو حب المال من الأمور الخارجية أو الشهوة من الأمور الداخلة ، والغضب منهما يكون
لأنه يكون بسبب نقص جاه أو فوت مال أو منع من أمر مشتهى فقوله (والخاشعين والخاشعات)
أى المتواضعين الذين لا يميلهم الجاه عن العبادة، ثم قال تعالى ( والمتصدقين والمتصدقات) أى
الباذلين الأموال الذين لا يكنزونها لشدة محبتهم إياها . ثم قال تعالى ﴿ والصائمين والصائمات) إشارة
إلى الذين لا تمنعهم الشهوة البطنية من عبادة الله. ثم قال تعالى ﴿والحافظين فروجهم والحافظات)
أى الذين لا تمنعهم الشهوة الفرجية .

٢١٢
قوله تعالى : وإذ تقول للذي انعم الله عليه. سورة الأحزاب.
وَالْخَفِظَاتِ وَالَّكِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَبْرًا عَظِيمًا
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُه أَمْرًا أَنْ يَتَكُونَ لَهُ أَنْخِيَرَةُ
٣٥
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا () وَإِذْ تَقُولُ
الَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى
ثم قال تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ يعنى هم فى جميع هذه الأحوال يذكرون
اللّه ويكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم وخشوعهم وصدقتهم وصومهم بنية
صادقة لله، واعلم أن الله تعالى فى أكثر المواضع حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة ههنا، وفى قوله
بعد هذا ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) وقال من قبل ( لمن كان يرجو الله واليوم
الآخر وذكر الله كثيرا) لأن الإكثار من الأفعال البدنية غير مكن أو عسر فإن الإنسان أكله
وشربه وتحصيل مأكوله ومشروبه يمنعه من أن يشتغل دائماً بالصلاة ولكن لا مانع له من أن
يذكر الله تعالى وهو آكل ويذكره وهو شارب أو ماش أو بائع أو شار، وإلى هذا أشار بقوله
تعالى (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) ولأن جميع الأعمال صحتها بذكر الله تعالى
وهى النية .
ثم قال تعالى: ﴿أعد الله لهم مغفرة﴾ تمحو ذنوبهم وقوله (وأجرا عظيما﴾ ذكرناه فيما تقدم.
ثم قال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة
من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً ﴾
قيل بأن الآية نزلت فى زينب حيث أراد النبى ◌َ لقيم تزويجها من زيد بن حارثة فكرهت إلا
النبى عليه السلام وكذلك أخوها امتنع فنزلت الآية فرضيا به، والوجه أن يقال إن الله تعالى لما
أمر نبيه بأن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبى من اله لا يريد ضرر الغير فمن كان ميله
إلى شىء يمكنه النبى عليه السلام من ذلك، ويترك النبى عليه السلام حق نفسه لحظ غيره،
فقال فى هذه الآية لا ينبغى أن يظن ظان أن هوى نفسه متبعه وأن زمام الاختيار بيد الإنسان
كما فى الزوجات، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله فا أمر الله
هو المتبع وما أراد النبى هو الحق ومن خالفهما فى شىء فقد ضل ضلالا مبيناً، لأن الله هو المقصد
والتى هو الهادى الموصل ، فمن ترك المقصد ولم يسمع قول الهادى فهو ضال قطعاً .
ثم قال تعالى : ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخنى

٢١٣
قوله تعالى : ما كان على النبي من حرج. سورة الأحزاب.
نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيِهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْتَهُ فَلَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا
زَوَّجْنَكْهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِىَ أَزْوَجِ أَدْعِيَاءِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ
مِنْهُنَّ وَرَّا وَكَانَ أَمُ الهِ مَفْعُولًا (﴿ مَّا كَانَ عَلَى الَِّ مِنْ حَجٍ فِيمَا فَرَضَ
اللّهُلَِّ سُنَّةَ اللهِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ( ﴾ الَّذِينَ
فى نفسك ما اللّه مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها
لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيتهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا.
وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام (وأنعمت عليه) بالتحرير والإعتاق (أمسك عليك زوجك)
هم زيد بطلاق زينب فقال له النبي أمسك أى لا تطلقها ( واتق الله) قيل فى الطلاق، وقيل فى
الشكوى من زينب ، فان زيداً قال فيها إنها تتكبر على بسبب النسب وعدم الكفاءة (وتخفى
فى نفسك ما اللّه مبديه) من أنك تريد التزوج بزينب (وتخشى الناس) من أن يقولوا أخذزوجة
الغير أو الإبن ( والله أحق أن تخشاه) ليس إشارة إلى أن النبى خشى الناس ولم يخش اللّه بل المعنى
الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحداً معه وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فاجعل الخشية
له وحده كما قال تعالى (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله).
ثم قال تعالى ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها) أى لما طلقها زيد وانقضت عدتها
وذلك لأن الزوجة مادامت فى نكاح الزوج فهى تدفع حاجته وهو محتاج إليها، فلم يقض منها
الوطر بالكلية ولم يستغن وكذلك إذا كان فى العدة له بها تعلق لإمكان شغل الرحم فلم يقض
منها بعد وظره، وأما إذا طلق وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فيقضى منها الوطر
وهذا موافق لما فى الشرع لأن التزوج بزوجة الغير أو بمعتدته لا يجوز فلهذا قال ( فلما قضى)
وكذلك قوله ( لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً )
أى إذا طلقوهن وانقضت عدتهن ، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبى عليه السلام لم يكن لقضاء
شهوة النبى عليه السلام بل لبيان الشريعة بفعله فان الشرع يستفاد من فعل النبى وقوله ( وكان أمر
الله مفعولا ) أى مقضياً ماقضاه كان .
ثم بين أن تزوجه عليه السلام بها مع أنه كان مبيناً لشرع مشتمل على فائدة كان خالياً من المفاسد فقال:
﴿ ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان أمر الله

٢١٤
قوله تعالى : الذين يبلغون رسالات الله. سورة الأحزاب.
يَُلِّغُونَ رِسَلَتِ اللهِ وَ يَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًّا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَ بِلّهِ حَسِيبًا(
قدراً مقدوراً﴾ يعنى كان شرع من تقدمه كذلك، كان يتزوج الأنبياء بنسوة كثيرة أبكار ومطلقات
الغير ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً) أى كل شىء بقضاء وقدر والقدر التقدير وبين المفعول
والمقدور فرق مقول بين القضاء والقدر ، فالقضاء ما كان مقصوداً فى الأصل والقدر ما يكون تابعاً
له ، مثاله من كان يقصد مدينة فنزل بطريق تلك المدينة بخان أو قرية يصح منه فى العرف أن يقول
فى جواب من يقول لم جئت إلى هذه القرية؟ إنى ماجئت إلى هذه وإنما قصدت المدينة الفلانية
وهذه وقعت فى طريقى وإن كان قد جاءها ودخلها , إذا عرفت هذا فان الخير كله بقضاء وما فى
العالم من الضرر بقدر ، فالله تعالى خلق المكلف بحيث يشتهى ويغضب ، ليكون اجتهاده فى تغليب
العقل والدين عليهما مثاباً عليه بأبلغ وجه فأفضى ذلك فى البعض إلى أن زبى وقتل فالله لم يخلقهما
فيه معصوداً منه القتل والزنا وإن كان ذلك بقدر الله إذا علمت هذا ففى قوله تعالى أولا( وكان
أمر الله مفعولا) وقوله ثانياً (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) لطيفة وهى أنه تعالى لما قال
(زوجناكها ) قال (وكان أمر الله مفعولا) أى تزويجنا زينب إياك كان مقصوداً متبوعا مقضياً
مراعى، ولما قال (سنة اللّه فى الذين خلوا) إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث
افتتن بامرأة أوريا قال (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) أى كان ذلك حكما تبعياً، فلو قال قائل
هذا قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بوجوب كون الأشياء على وجوه مثل كون النار تحرق
حيث قالوا اللّه تعالى أراد أن يخلق ما ينضج الأشياء وهو لا يكون إلا محرقاً بالطبع يخلق النار
للنفع فوقع اتفاق أسباب أو جبت احتراق دار زيد أو دار عمرو ، فنقول معاذ الله أن نقول بأن
الله غير مختار فى أفعاله أو يقع شىء لا باختياره، ولكن أهل السنة يقولون أجرى الله عادته
بكذا أى وله أن يخلق النار بحيث عند حاجة إنضاج اللحم تنضج وعند مساس ثوب العجوز
لا تحرق، ألا ترى أنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام مع قوتها وكثرتها لكن خلقها على غير ذلك
الوجه بمحض إرادته أو لحكمة خفية ولا يسأل عما يفعل ، فنقول ما كان فى مجرى عادته تعالى
على وجه تدركه العقول البشرية نقول بقضاء، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول
لم كان ولماذا لم يكن على خلافه نقول بقدر ، ثم بين الذين خلوا بقوله:
﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً؟
يعنى كانوا هم أيضاً مثلك رسلا، ثم ذكره بحالهم أنهم جردوا الخشية ووحدوها بقوله ( ولا
يخشون أحداً إلا الله) فصار كقوله (فبهداهم اقتده) وقوله ( وكفى بالله حسيباً) أى محاسباً

٢١٥
قوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم. سورة الأحزاب.
مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَاتَّ السَِِّّنَّ وَكَانَ
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًاً
اللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمًا
فلا تخش غيره أو محسوباً فلا تلتفت إلى غيره ولا تجعله فى حسابك .
قوله تعالى: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان
اللّه بكل شىء عليما ﴾.
لما بين الله ما فى تزوج النبى عليه السلام بزينب من الفوائد بين أنه كان خالياً من وجوه
المفاسد، وذلك لأن ما كان يتوهم من المفسدة كان منحصراً فى التزوج بزوجة الابن فانه غير جائز
فقال الله تعالى إن زبداً لم یکن ابناً له لا بل أحد الرجال لم یکن ابن محمد، فان قائل التى كان أبا
أحد من الرجال لأن الرجل اسم الذكر من أولاد آدم قال تعالى(وإن كانوا إخوة رجالاونساء)
والصبى داخل فيه ، فنقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن الرجل فى الاستعمال يدخل فى
مفهومه الكبر والبلوغ ولم يكن للنبى عليه السلام ابن كبير يقال إنه رجل ( والثانى) هو أنه تعالى
قال (من رجالكم) ووقت الخطاب لم يكن له ولد ذكر، ثم إنه تعالى لما نفى كونه أباً عقبه بما
يدل على ثبوت ماهو فى حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال ( ولكن رسول اللّه) فان رسول
اللّه كالأب للأمة فى الشفقة من جانبه، وفى التعظيم من طرفهم بل أقوى فإن النبى أولى بالمؤمنين
من أنفسهم، والأب ليس كذلك، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم
بقوله ( وخاتم النبيين ) وذلك لأن النبى الذى يكون بعده فى إن ترك شيئاً من النصيحة والبيان
يستدركه من يأتى بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم وأجدى، إذهو
كوالد لولده الذى ليس له غيره من أحد وقوله (وكان اللّه بكل شئ" عليما) يعنى علمه بكل شىء
دخل فيه أن لانى بعده فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد صلى الله عليه وسلم بتزوجه بزوجة
دعيه تكميلا للشرع وذلك من حيث إن قول النبى صلى الله عليه وسلم يفيد شرعا لكن
إذا امتنع هو عنه يبقى فى بعض النفوس نفرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حل أكل الضب
ثم لما لم يأكله بقى فى النفوس شىء ولما أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه فى بعض الملل لا يؤكل
و كذلك الأرنب.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن السورة أصلها ومبناها على تأديب النبى معَ له وقد ذكرنا أن الله
تعالى بدأ بذكر ما ينبغى أن يكون عليه النبى عليه السلام مع الله وهو التقوى وذكر ما ينبغى أن
يكون عليه النبى عليه السلام مع أهله وأقاربه بقوله ( يا أيها النبي قل لأزواجك) والله تعالى يأمر

٢١٦
قوله تعالى : وسبحوه بكرة واصيلا. سورة الأحزاب.
وَسَبِحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا () هُوَ الَّذِى يُصَلّ ◌َيْكُمْ وَمَلَكَتُهُ، يُخْرِجَكُمْ
ج
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٠®) تَمُِّهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْقَهُ سَلَمْ
عباده المؤمنين بما يأمر به أنبياءه المرسلين فأرشد عباده كما أدب نيه وبدأ بما يتعلق بجانبه من
التعظيم فقال ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) كما قال لنبيه ( يا أيها النبى اتق الله).
( ثم ههنا لطيفة) وهى أن المؤمن قد ينسى ذكر الله فأمر بدوام الذكر، أما النبى لكونه من
المقربين لا ينسى ولكن قد يغتر المقرب من الملك بقربه منه فيقل خوفه فقال (اتق الله) فان
المخلص على خطر عظيم وحسنة الأولياء سيئة الأنبياء وقوله ( ذكراً كثيراً) قد ذكرنا أن الله فى
كثير من المواضع لما ذكر الذكر وصفه بالكثرة إذ لا مانع من الذكر على ما بينا .
وقوله تعالى {وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ أى إذا ذكر تموه فينبغى أن يكون ذكركم إياه على وجه
التعظيم والتنزيه عن كل سوء وهو المراد بالتسبيح وقيل المراد منه الصلاة وقيل للصلاة تسبيحه بكرة
وأصيلا إشارة إلى المداومة وذلك لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله
عليه السلام (( لو أن أولكم وآخركم، ولم يذكر وسطكم ففهم منه المبالغة فى العموم.
ثم قال تعالى: ﴿هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان
بالمؤمنين رحيما ) يعنى هو يصلى عليكم ويرحمكم وأنتم لا تذكرونه فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين
على الذكر والتسبيح (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) يعنى يهديكم برحمته والصلاة من الله رحمة
ومن الملائكة استغفار فقيل بأن اللفظ المشترك يجوز استعماله فى معنييه معاً وكذلك الجمع بين
الحقيقة والمجاز فى لفظ جائز وينسب هذا القول إلى الشافعى رضى الله عنه وهو غير بعيد فإن
أريد تقريبه بحيث يصير فى غاية القرب نقول الرحمة والاستغفار يشتركان فى العناية بحال المرحوم
والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية لكون العنايه جزأ منهما وكان
بالمؤمنين رحيما بشارة لجميع المؤمنين واشارة إلى أن قوله ( يصلى عليكم ) غير مختص بالسامعين
وقت الوحى ،
ثم قال تعالى: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ لما بين اللّه عنايته فى الأولى بين عنايته فى
الآخرة وذكر السلام لأنه هو الدليل على الخيرات فان من لقى غيره وسلم عليه دل على المصافاة
بينهما وإن لم يسلم دل على المنافاة وقوله (يوم يلقونه) أى يوم القيامة وذلك لأن الإنسان فى
دنياه غير مقبل بكليته على الله وكيف وهو حالة نومه غافل عنه وفى أكثر أوقاته مشغول بتحصيل
رزقه، وأما فى الآخرة فلا شغل لأحد يلهيه عن ذكر الله فهو حقيقة اللقاء.

٢١٧
قوله تعالى : يا ايها النبي إنا أرسلناك. سورة الأحزاب.
٤٥
وَأَعَّ لَهُمْ أَبْرًا كَرِيمًا (٤) يَأْيُّهَا النِّّ أَنَا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًاً
وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَمِرَاجًا مُّنِبْرًا (﴾
ثم قال تعالى: ﴿ وأعدلهم أجراً كريماً﴾ لو قائل قائل الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند
الحاجة إلى الشىء عليه، وأما اللّه تعالى فلا حاجة ولا عجز حيث يلقاه الله يؤتيه ما يرضى به وزيادة
فما معنى الاعداد من قبل فنقول الإعداد للاكرام لا للحاجة وهذا كما أن الملك إذا قيل له فلان
واصل، فإذا أراد إ كرامه يهيْ له بيتاً وأنواعاً من الإكرام ولا يقول بأنه إذا وصل تفتح باب
الخزانة ونؤتيه ما يرضيه فكذلك الله لكمال الاكرام أعد الذاكرأجراكريماً والكريم قدذكرناه
فى الرزق أى أعدله أجراً يأتيه من غير طلبه بخلاف الدنيا فإنه يطلب الرزق ألف مرة ولا يأتيه
إلا بقدر. وقوله ( تحيتهم يوم يلقونه سلام) مناسب لحالهم لأنهم لما ذكروا الله فى دنياهم حصل
لهم معرفة ولما سبحوه تأكدت المعرفة حيث عرفوه كما ينبغى بصفات الجلال ونعوت الكمال
والله يعلم حالهم فى الدنيا فأحسن إليهم بالرحمة ، كما قال تعالى ( هو الذى يصلى عليكم) وقال (وكان
بالمؤمنين رحيما) والمتعارفان إذا التقيا وكان أحدهما شفيقاً بالآخر والآخر معظما له غاية التعظيم
لا يتحقق بينهما إلا السلام وأنواع الا كرام.
ثم قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً
منيراً ﴾ قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبى عليه السلام من ربه فقوله فى ابتدائها ( يا أيها النبى
اتق الله) اشارة إلى ما ينبغى أن يكون عليه مع ربه وقوله ( يا أيها النبي قل لأزواجك) إشارة إلى
ما ينبغى أن يكون عليه مع أهله وقوله ( يا أيها النبى إنا أرسلناك) إشارة إلى ما ينبغى أن يكون
عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى ( شاهداً) يحتمل وجوهاً (أحدها) أنه شاهد على الخلق يوم
القيامة كما قال تعالى ( ويكون الرسول عليكم شهيداً ) وعلى هذا فالتى بعث شاهداً أى متحملا
للشهادة ويكون فى الآخرة شهيداً أى مؤدياً لما تحمله ( ثانيها) أنه شاهد أن لا إله إلا الله،
(وعلى هذا لطيفة) وهو أن الله جعل النبى شاهداً على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعياً فالله
تعالى لم يجعل النبى فى مسئلة الوحدانية مدعياً لها لأن المدعى من يقول شيئاً على خلاف الظاهر
والوحدانية أظهر من الشمس والنبى عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهداً له فى
مجازاة كونه شاهداً لله فقال تعالى ( والله يشهد أنك لرسوله) (وثالثها ) أنه شاهد فى الدنيا
بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد فى الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة
والمعصية والصلاح والفساد وقوله ( ومبشراً ونذيراً وداعياً) فيه ترتيب حسن وذلك من حيث
إن النبى عليه السلام أرسل شاهداً بقول لا إله إلا الله ويرغب فى ذلك بالبشارة فان لم يكف

٢١٨
قوله تعالى : وداعياً إلى الله باذنه. سورة الاحزاب.
ذلك يرهب بالإنذار ثم لا يكتفى بقولهم لا إله إلا الله يل يدعوهم إلى سبيل الله كما قال تعالى
( ادع إلى سبيل ربك) وقوله ( وسراجاً منيراً) أى مبرهناً على ما يقول مظهراً له بأوضح الحجج
وهو المراد بقوله تعالى ( بالحكمة والمواة الحسنة ).
وفيه لطائف (إحداها ) قوله تعالى (وداعياً إلى الله بإذنه) حيث لم يقل وشاهداً باذنه ومبشراً
وعند الدعاء قال وداعياً باذنه، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لاغيره لا يحتاج فيه.
إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشراً
ونذيراً ولا يحتاج إلى إذن من الملك فى ذلك ، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه ، واحضروا على
خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى ( وداعياً إلى الله بأذنه) ووجه آخر وهو أن النبى يقول إنى
أدعو إلى الله والولى يدعو إلى الله، والأول لا إذن له فيه من أحد، والثانى مأذون من جهة النبى
عليه السلام كما قال تعالى ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى على بصيرة أنا ومن اتبعنى) وقال عليه الصلاة
والسلام ((رحم الله عبداً سمع مقالتى فأداها كما سمعها)) والنبى عليه السلام هو المأذون من الله فى
الدعاء إليه من غير واسطة ..
﴿ اللطيفة الثانية) قال فى حق النبى عليه السلام سراجا ولم يقل إنه شمس مع أنه أشد إضاءة
من السراج لفوائد منها، أن الشمس نورها لا يؤخذ منه شىء والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة فإذا
انطفأ الأول يبقى الذى أخذ منه، وكذلك إن غاب والنبى عليه السلام كان كذلك إذ كل صحابى
أخذ منه نور الهداية كما قال عليه السلام ((أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) وفى الخبر
لطيفة وإن كانت ليست من التفسير ولكن الكلام يجر الكلام وهى أن النبى عليه السلام لم يجعل
أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له فى نفسه نور إذا غرب هولايبقى
نور مستفاد منه ، وكذلك الصحابى إذا مات فالتابعى يستنير بنور النبى عليه السلام ولا يأخذ منه
إلا قول النبى عليه السلام وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبى عليه السلام ولو جعلهم كالسرج
والنبى عليه السلام أيضاً سراج كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور من اختار،
وليس كذلك فان مع نص النبى عليه السلام لا يعمل بقول الصحابى فيؤخذ من النبى النور ولا
يؤخذ من الصحابى فلم يجعله سراجاً وهذا يوجب ضعفاً فى حديث سراج الأمة والمحدثون ذكروه
وفى تفسير السراج وجه آخر وهو أن المراد منه القرآن وتقديره إنا أرسلناك، وسراجا منيراً
عطفاً على محل الكاف أى وأرسلنا سراجاً منيراً وعلى قولنا إنه عطف على مبشراً ونذيراً يكون
معناه وذا سراج لأن الحال لا يكون إلا وصفاً للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفاً لأن
النبى عليه السلام لم يكن سراجاً حقيقة أو يكون كقول القائل رأيته أسداً أى شجاعاً فقوله سراجاً
أى مادياً مبيناً كالسراج يرى الطريق ويبين الأمر .

٢١٩
قوله تعالى : وبشر المؤمنين بأن لهم. سورة الأحزاب.
وَبَشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللّهِفَضْلًا كَبِيرًا (®) وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ
وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنُهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ وَكَفَ بِلّهِ وَكِلَا ◌ِ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ ◌َقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَيْنَّ
مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَِّ حُوهُنَّ مَرَاحًا بَهِيلًا (
٤٩
قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين) عطف على مفهوم تقديره إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً فاشهد
وبشر ولم يذكر فاشهد للاستغناء عنه، وأما البشارة فانها ذكرت إبانة للكرم ولأنها غير واجبة
لولا الأمر قوله تعالى: ﴿بأن لهم من اللّه فضلا كبيراً﴾ هو مثل قوله (وأعد لهم أجراً عظيما)
فالعظيم والكبير متقاربان وكونه من الله كبير فكيف إذا كان مع ذلك كبارة أخرى .
قوله تعالى: ﴿ ولا قطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا )
إشارة إلى الإنذار يعنى خالفهم وورد عليهم وعلى هذا فقوله تعالى (ودع أذاهم ) أى دعه
إلى اللّه فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار، ويبين هذا قوله تعالى ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا)
أى الله كاف عبده، قال بعض المعتزلة لا يجوز تسمية الله بالوكيل لأن الوكيل أدون من المؤكل
وقوله تعالى (وكفى بالله وكيلا) حجة عليه وشبهته واهية من حيث إن الوكيل قد يوكل للترفع
وقد يوكل للعجز والله وكيل عباده لعجزهم عن التصرف، وقوله تعالى ( وكفى بالله وكيلا)
يتبين إذا نظرت فى الأمور التى لأجلها لا يكفى الوكيل الواحد منها أن لا يكون قوياً قادراً على
العمل كالملك الكثير الأشغال يحتاج إلى وكلاء لعجز الواحد عن القيام بجميع أشغاله ، ومنها أن
لا يكون عالماً بما فيه التوكيل، ومنها أن لا يكون غنياً، والله تعالى عالم قادر وغير محتاج
فيكفى وكيلا .
ثم قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلا﴾.
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى فى هذه السورة ذكر مكارم الأخلاق وأدب نبيه
على ما ذكرناه ، لكن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل فكلما ذكر النى مكرمة
وعليه أدباً ذكر للمؤمنين مايناسبه ، فكما بدأ الله فى تأديب النبى عليه الصلاة والسلام بذكر ما يتعلق
بجانب الله بقوله (ياأيها النبى اتق الله) وثنى بما يتعلق بجانب من تحت يده من أزواجه بقوله بعد
( يا أيها النبي قل لأزواجك) وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله ( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً)

٢٢٠
قوله تعالى: يا ايها النبي إنا احللنا لك أزواجك. سورة الأحزاب.
يَنْأَيُّهَا النَِّّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْ وَجَكَ الَّتِىّءَ اتَيْتَ أُجُوَهُنَّ وَمَا مَلَكّتْ ◌َمِنُكَ
مَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَاتِ عَّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَّاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَاتِكَ
كذلك بدأ فى إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً
كثيراً ) ثم فى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات)
ثم كما ثلث فى تأديب النبى بجانب الأمة ثلث فى حق المؤمنين بما يتعلق بجانب نبيهم، فقال بعد
هذا (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى) وبقوله ( ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه) وفى
الآية مسائل :
﴿ إحداها ) إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن هذا إرشاد إلى ما يتعلق بجانب من هو
من خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتى طلقن قبل المسيس بالذكر؟ فنقول هذا إرشاد إلى أعلى
درجات المكرمات ليعلم منها مادونها وبيانه هو أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما
تأكد العهد، ولهذا قال الله تعالى فى حق الممسوسة (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى
بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) وإذا أمر الله بالتمتع والإحسان مع من لامودة بينه وبينها فما
ظتك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بنهما والقرآن
فى الحجم صغير ولكن لو استنبطت معانيه لاتفى بها الأقلام ولا تكفى لها الأوراق، وهذا
مثل قوله تعالى ( فلا تقل لهما أف ) لو قال لا تضربهما أو لا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص
بالضرب أو الشتم، أما إذا قال لاتقل لهما أف علم منه معان كثيرة وكذلك مهنا لما أمر بالإحسان
مع من لامودة معها علم منه الاحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه .
وقوله ( إذا نكحتم المؤمنات) التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ينبغى أن ينكح
المؤمنة فانها أشد تحصيناً لدينه، وقوله ( ثم طلقتموهن) يمكن التمسك به فى أن تعليق الطلاق
بالنكاح، لا يصح لأن التطليق حينئذ لا يكون إلا بعد النكاح والله تعالى ذكره بكلمة ثم ، وهى
للتراخى وقوله (فما لكم عليهن من عدة) بين أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط
باسقاطه لما فيه من حق الله تعالى، وقوله (تعتدونها) أى تستوفون أنتم عددها (فتعوهن) قيل
بأنه مختص بالمفوضة التى لم يسم لها إذا طلقت قبل المسيس وجب لها المتعة، وقيل بأنه عام
وعلى هذا فهو أمر وجوب أو أمر ندب اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال الوجوب فيجب مع نصف
المهر المتعة أيضاً، ومنهم من قال للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشىء، وقوله تعالى
(وسرحوهن سراعا جميلا) الجمال فى التسريح أن لا يطالبها بما آتاها.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللافى آتيت أجورهن وما ملكت يمينك