النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق . سورة لقمان . ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِّ اَلْكَبِيرُ لا تطلب النفس له سبباً، لأن من يرى المتعيش فى السوق ، لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى تطلب النفس له سباً، كمن يرى ملكا فى السوق يقول لم دخل ، فاذن سبب العمى والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيراً، وإذا كان كذلك قدم اللّه تعالى ما تطلب النفس سبه وهو الليل الذى هو على وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالباً سببه ثم ذكر بعده الأمر الآخر. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال (يولج) بصيغة المستقبل وقال فى الشمس والقمر سخر بصيغة الماضى لأن إيلاج الليل فى النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى ( حتى عاد كالعرجون القديم ) . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذى فيه سلطان القمر على النهار الذى فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سبه أكثر مما تطلب سبب النهار، وههنا كذلك، لأن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب ، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذى لا يكون عجيباً. ﴿ المسألة الرابعة) ما تعلق قوله تعالى (وأن اللّه بما تعملون خبير) بما تقدم؟ نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع فى هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله. ﴿ المسألة الخامسة) قوله تعالى (ألم تر) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون الخطاب مع النبى صلى الله عليه وسلم وعليه الأكثرون، وكأنه ترك الخطاب مع غيره، لان من هو غيره من الكفار لافائدة للخطاب معهم لإصرارهم، ومن هو غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبى عليه الصلاة والسلام ناظرون إليه (الوجه الثانى ) أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحداً فيقول لجمع عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك، فمن نصيرك، ولماذا تقصيرك. فقوله (ألم تر) يكون خطاباً من ذلك القبيل أى يا أيها الغافل ألم تر هذا الأمر الواضح. ثم قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلى الكبير﴾ ولما ذكر تعالى أو صاف الكمال بقوله ( إن الله هو الغنى الحميد) وقوله (إن الله عزيز حكيم) وقوله ( إن الله سميع بصبر) وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله ( ما نفدت كامات اللّه) وبقوله ( يولج الليل فى النهار) وعلى الجملة فقوله (هو الغنى) إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنياً لا يكون عرضاً محتاجا إلى الجوهر فى القوام ، ولا جسما محتاجاً إلى الحيز فى الدوام ، ولا شيئاً من الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١١ ١٦٢ قوله تعالى : ألم تر أن الفلك تجري في البحر . سورة لقمان . أَلَمْ تَرَأَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَاَلْتِهٌِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتِ لِكُلِ صٍَّ شَكُورٍ ﴾ الممكنات المحتاجة الى الموجد، وذكر بعده جميع الأوصاف الثبوتية صريحاً وتضمناً، فإن الحياة فى ضمن العلم والقدرة قال ذلك بأن الله هو الحق أى ذلك الاتصاف بأنه هو الحق والحق هو الثبوت والثابت الله وهو الثابت المطلق الذى لازوال له وهو الثبوت ، فان المذهب الصحيح أن وجوده غير حقيقته فكل ما عداه فله زوال نظراً إليه والله له الثبوت والوجود نظراً اليه فهو الحق وما عداه الباطل لأن الباطل هو الزائل يقال بطل ظله إذا زال وإذا كان له الثبوت من كل وجه يكون تاماً لا نقص فيه . ثم اعلم أن الحكماء قالوا الله تام وفوق التمام وجعلوا الأشياء على أربعة أقسام ناقص ومكتف وتام وفوق التمام (فالناقص) ماليس له ما ينبغى أن يكون له كالصبى والمريض والأعمى (والمكتفى) وهو الذى أعطى ما يدفع به حاجته فى وقته كالإنسان والحيوان الذى له من الآلات ما يدفع به حاجته فى وقتها لكنها فى التحلل والزوال ( والتام) ما حصل له كل ما جاز له، وإن لم يحتج إليه كالملائكة المقربين لحم درجات لا تزداد ولا ينقص الله منها لهم شيئاً كما قال جبريل عليه السلام (((لو دنوت أنملة لاحترقت)) لقوله تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم) (وفوق التمام) هو الذى حصل له ماجاز له وحصل لما عداه ماجاز له أو احتاج إليه لكن الله تعالى حاصل له كل ما يجوز له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، فهو تام وحصل لغيره كل ما جاز له أو احتاج إليه فهو فوق التمام إذا ثبت هذا فنقول قوله ( هو الحق) إشارة إلى التمام وقوله ( وأن الله هو العلى الكبير) أى فوق التمام وقوله ( وهو العلى ) أى فى صفاته وقوله ( الكبير) أى فى ذاته وذلك ينافى أن يكون جسما فى مكان لأنه يكون حينئذ جسداً مقدراً بمقدار فيمكن فرض ما هو أكبر منه فيكون صغيراً بالنسبة إلى المفروض لكنه كبير من مطلقاً أكبر من كل ما يتصور. ثم قال تعالى: ﴿ ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ . ثم قال تعالى ( ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من آياته) لما ذكر آية سماوية بقوله ( ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار ويوبج النهار فى الليل وسخر الشمس والقمر) وأشار الى السبب والمسبب ذكر آية أرضية، وأشار إلى السبب والمسبب فقوله ( الفلك تجرى ) إشارة إلى المسبب وقوله (بنعمت الله) إشارة إلى السبب أى إلى الريح التى هى بأمر الله ( ليريكم من آياته) عنى يريكم بإجرائها بنعمته ( من آياته) أى بعض آياته، ثم قال تعالى ( إن فى ذلك لآيات لكل ١٦٣ قوله تعالى : واذا غشيهم موج كالظلل . سورة لقمان . وَإِذَا غَِيَهُمْ مَّوْجُ كَلَظْلَلِ دَعَواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قَلَّا نَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ ◌َنْهُمْ تُقْتَصِدُ وَمَا يَجْعَدُ بِعَايِنَآ إِلَّ كُلْ خٍَّ كَفُورٍ ﴾ صبار شكور) صبار فى الشدة شكور فى الرخاء، وذلك لأن المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء عند النعم والآلاء فيصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أنته نعمة وورد فى كلام النبي صلى الله عليه وسلم ((الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر)) إشارة إلى أن التكاليف أفعال وتروك والتروك صبرعن المألوف كما قال عليه الصلاة والسلام (( الصوم صبر والأفعال شكر على المعروف)). ثم قال تعالى: ﴿ واذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البرفمنهم مقتصد وما يححد بآياتنا الا كل ختار كفور ؟ لما ذكر الله أن فى ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير يدركه أولا ومن فی بصره ضعف لایدر که أولا ، فاذا غشيه موج ووقع فى شدة اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصاً أى يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه، فإذا تجاه من تلك الشبدة قد يبقى على تلك الحالة وهو المراد بقوله (فمنهم مقتصد) وقد يعود الى الشرك وهو المراد بقوله (وما يححد بآياتنا إلا كل ختار كفور) وفى الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قوله ( موج كالظلل ) وحد الموج وجمع الظلل ، وقيل فى معناه كالجبال ، وقيل كالسحاب إشارة الى عظم الموج، ويمكن أن يقال الموج الواحد العظيم يرى فيه طلوع ونزول وإذا نظرت فى الجرية الواحدة من النهر العظيم تبين لك ذلك فيكون ذلك كالجبال المتلاصقة . المسألة الثانية﴾ قال فى العنكبوت (فاذا ركبوا فى الفلك دعوا الله) ثم قال (فلما نجاهم إلى البر إذا م يشركون) وقالههنا ( فلما نجاهم إلى البرفمنهم مقتصد فنقول لما ذكرههنا (أمراً عظيما) وهو الموج الذى كالجبال بقى أثر ذلك فى قلوبهم فرج منهم مقتصد أى فى الكفر وهو الذى انزجر بعض الانزجار ، أو مقتصد فى الإخلاص فبقى معه شىء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم بیق عنده أثر . ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( وما يجحد بآياتنا) فى مقابلة قوله تعالى ( إن فى ذلك لآيات ) يعنى يعترف بها الصبار الشكور، ويححدها الختار الكفور والصبار فى موازنة الختار لفظاً، ومعنى والكفور فى موازنة الشكور، أما لفظاً فظاهر، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر أو الشديد الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر، لأن الصبور إن لم يكن يعهد مع أحد لا يعهد منه الاضرار، فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله وأما الغدار فيعهد ولا يصبر على ١٦٤ قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم . سورة لقمان . يَأْيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقُّ فَلَا تَغُرَّكُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَ وَلَ يَغُرَنَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ ٣٣ العهد فينقضه، وأما أن الكفور فى مقابلة الشكور معنى فظاهر. ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحداً أوجب التقوى البالغة فان من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لاغير، ثم أكد الخوف يذكر اليوم الذى يحكم الله فيه بين العباد، وذلك لأن الملك إذا كان واحداً ويعهد منه أنه لا يعلم شيئاً ولا يستعرض بعباده، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف، ثم أكده بقوله (لا يجزى والد عن ولده) وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم فى حقه ويقضى ما يخرج عليه برفد من كسبه لايخاف، مثل ما يخاف إذا على أنه ليس له من يقضى عنه ما يخرج عليه، ثم ذكر شخصين فى غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى، وذكر الولد والوالد جميعاً فيه لطيفة، وهى أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال و تحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة ، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أوقاض يهون على الإين أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه نقوله ( لا يجزى والد عن ولده) فى دفع الآلام ( ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً) فى دفع الاهانة ، وفى قوله ( لا يجزى) وقوله ( ولا مولود هو جاز) (لطيفة أخرى) وهى أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغى ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئاً يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط، وكذلك من. يحيك شيئاً ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائكٍ، اذا علمت هذا فنقول الإبن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزى لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال فى الوالد لا يجزى وقال فى الولد ( ولا مولود هو جاز). ثم قال تعالى (إن وعد الله حق) وهو يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون تحقيقاً اليوم يعنى : ١٦٥ قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة . سورة لقمان . إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْكَ وَيَعْلَمُ مَافِ آلْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّالَّهَ عَلِيمٌ خِرٌ ٣٤ اخشوا يوماً هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق ( والثانى) أن يكون تحقيقاً لعدم الجزاء يعنى ( لا يجزى والد عن ولده) لأن الله وعد بـ (ألا تزر وازرة وزر أخرى) ووعد الله حق، فلا يجزى والأول أحسن وأظهر . ثم قال تعالى: ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ يعنى إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع [ذلك] اليوم المذكور بالوعد الحق . ثم قال تعالى (ولا يغر نكم بالله الغرور) يعنى الدنيا لا ينبغى أن تغركم بنفسها ولا ينبغى أن تغتروا [بها] وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس فى صدره الشيطان ويزين فى عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثاً، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا فى الأعين. قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ﴾ يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك ، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذى كان فى كثيب رمل فى زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره ، ولأنه يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة فى برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله (اخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده) وذكر أنه كائن بقوله ( إن وعد الله حق ) كأن قائلا قال فمتى يكون هذا اليوم فأجيب بأن هذا العلم بما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن، ثم ذكر الدليلين اللذين ذكرناهما مراراً على البعث (أحدهما ) إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى) وقال تعالى (ويحيى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ) وقال ههنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة واللّه قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال ( وهو الذى ينزل الغيث) وقال (ويحي الأرض) ١٦٦ قوله تعالى : إن الله عليم خبير . سورة لقمان . ( وثانيهما) الخلق ابتداء كما قال (وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده) وقال تعالى ( قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ" النشأة الآخرة) إلى غير ذلك فقال ههنا (ويعلم ما فى الأرحام) إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها، وكما هو قادر على الخلق فى الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام، ثم قال لذلك الطالب عليه: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها ، فلك أشياء أهم منها لا تعلمها ، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك، ولا تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك ، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون ، فالله ما أعدك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه أغراضاً تهي أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكى تكون فى وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلا على الله ولا أعلمك الأرض التى تموت فيها كى لا تأمن الموت وأنت فى غيرها، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه ، وهى الساعة ، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمت الله على لسان أنبيائه. ثم قال تعالى ( إن الله عليم خبير) لما خصص أولا عله بالأشياء المذكورة، بقوله (إن الله عنده علم الساعة) ذكر أن علمه غير مختص بها، بل هو عليم مطلقاً بكل شىء، وليس عليه علما بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير عليه واصل إلى بواطن الأشياء، والله أعلم بالصواب. س. ١٦٧ سورة السجدة (٣٢) سُورَة السَّجدة مِكِيَّة وَآَيَائِها ثَلاثُونَ بِسْـ اللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ الَّمَ يْ تَنزِيلُ الْكِتَبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ نُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِيُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَهُمْ مِن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَدُونَ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين لما ذكر الله تعالى فى السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة فى هذه السورة فقال (المّ، تنزيل الكتاب لا ريب فيه) وقد علم ما فى قوله ( المّ) وفى قوله ( لا ريب فيه) من سورة البقرة وغيرها غير أن ههنا قال ( من رب العالمين) وقال من قبل (هدى ورحمة للمحسنين) وقال فى البقرة (هدى للمتقين) وذلك لأن من يرى كتابا عند غيره، فأول ما تصير النفس طالبة تطلب ما فى الكتاب فيقول ما هذا الكتاب؟ فإذا قيل هذا فقه أو تفسير فيقول بعد ذلك تصنيف من هو؟ ولا يقال أولا: هذا الكتاب تصنيف من ؟ ثم يقول فيماذا هو ؟ إذا على هذا فقال أولا هذا الكتاب هدى ورحمة ، ثم قال ههناهو كتاب الله تعالى وذكره بلفظرب العالمين لأن كتاب من يكون رب العالمين يكون فيه عجائب العالمين فتدعو النفس إلى مطالعته. ثم قال تعالى: ﴿أم يقولون افتراه بل هو الحق من زبك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون يعنى أتعترفون به أم تقولون هو مفترى، ثم أجاب وبين أن الحق أنه حق من ربه ثم بين فائدة التنزيل وهو الإنذار . وفيه مسائل : المسألة الأولى ) كيف قال (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير) مع أن النذر سبقوه (الجواب) من وجهين (أحدهما ) معقول والآخر منقول. أما المنتول فهو أن قريشاً كانت أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد، فإنهم كانوا من أولاد إبراهيم وجميع ١٦٨ قوله تعالى : الله الذي خلق السموات والأرض . سورة السجدة اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ ◌ِنَّةٍ أَيَّامِ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالَكُمْ مِنْ دُونِهِ، مِن وَلٍِ وَلَا شَفِيجٍ أَقَلَا نَتَذَكَّرُونَ ﴾ أنبياء بنى إسرائيل من أولاد أعمامهم وكيف كان اللّه يترك قوما من وقت آدم إلى زمان محمد بلا دين ولا شرع؟ وإن كنت تقول بأنهم ما جاءهم رسول بخصوصهم يعنى ذلك القرن فلم يكن ذلك مختصاً بالعرب بل أهل الكتاب أيضاً لم يكن ذلك القرن قد أتاهم رسول وإنما أتى الرسل آباءهم، وكذلك العرب أتى الرسل آباءهم كيف والذى عليه الأكثرون أن آباء محمد عليه الصلاة والسلام كانوا كفاراً ولأن النبى أوعدهم وأوعد آباءهم بالعذاب، وقال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وأما المعقول وهو أن اللّه تعالى أجرى عادته على أن أهل عصر إذا ضلوا بالكلية ولم يبق فيهم من يهديهم يلطف بعباده ويرسل وسولا، ثم إنه إذا أراد طهرهم بإزالة الشرك والكفر من قلوبهم وإن أراد طهر وجه الأرض باهلاكهم ، ثم أهل العصر ضلوا بعد الرسل حتى لم يبق على وجه الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فلم يأتهم رسول قبل محمد عليه الصلاة والسلام فقال (لتنذر قوماً ما أتاهم ) أى بعد الضلال الذى كان بعد الهداية لم يأتهم نذير. ﴿ المسألة الثانية) لو قال قائل التخصيص بالذكر يدل على نفى ماعداه فقوله (لتنذر قوماً ما أتاهم ) يوجب أن يكون إنذاره مختصاً بمن لم يأته نذير لكن أهل الكتاب قد أتاهم نذير فلا يكون الكتاب منزلا إلى الرسول لينذر أهل الكتاب فلا يكون رسولا إليهم نقول هذا فاسد من وجوه (أحدها) أن التخصيص لا يوجبْ نفى ماعداه ( والثانى) أنه وإن قال به قائل لكنه وافق غيره فى أن النخصيص إن كان له سبب غير نفى ماعداه لايوجب نفى ماعداه ، وههنا وجد ذلك لأن إنذارهم كان أولى، ألا ترى أنه تعالى قال (وأنذر عشيرتك الأقربين) ولم يفهم منه أنه لا ينذر غيرهم أو لم يؤمر بإنذار غيرهم وإنذار المشركين كان أولى، لأن إنذار هم كان بالتوحيد والحشر وأهل الكتاب لم ينذروا إلا بسبب إنكارهم الرسالة فكانوا أولى بالذكر فوقع التخصيص لأجل ذلك (الثالث) هو أن على ما ذكرنا لايرد ماذكره أصلا، لأن أهل الكتاب كانوا قد ضلوا ولم يأتهم نذير من قبل محمد بعد ضلالهم فلزم أن يكون مرسلا إلى الكل على درجة سواه ، وبهذا يتبين حسن ما اخترناه، وقوله ( لعلهم يهتدون) يعنى تنذرهم راجياً أنت اهتداءهم . قوله تعالى: ﴿اللّه الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون ﴾ . لما ذكر الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل، فقال ( الله الذى ١٦٩ قوله تعالى : الله الذى خلق السموات والارض . سورة السجدة . خلق السموات والأرض ) اللّه مبتدأ وخبره الذى خلق يعنى الله هو الذى خلق السموات والأرض ولم يخلقهما إلا واحد فلا إله إلا واحد، وقد ذكرنا أن قوله تعالى (فى ستة أيام) إشارة إلى ستة أحوال فى نظر الناظرين وذلك لأن السموات والأرض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منها ذات وصفة فنظراً إلى خلقه ذات السموات حالة ونظراً إلى خلقه صفاتها أخرى ونظراً إلى ذات الأرض وإلى صفاتها كذلك ونظرا الى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها كذلك فهى ستة أشياء على ستة أحوال. وإنما ذكر الايام لأن الإنسان إذا نظر إلى الخلق رآه فعلاو الفعل ظرفه الزمان والأيام أشهر الأزمنة، وإلا فقبل السموات لم يكن ليل ولا نهار وهذا مثل ما يقول كان يوماً مباركا إن يوماً ولدت فيه القائل لغيره : وقد يجوز أن يكون ذلك قد ولد ليلا ولا يخرج عن مراده، لأن المراد هو الزمان الذى هو ظرف ولادته . ثم قال تعالى (ثم استوى على العرش) اعلم أن مذهب العلماء فى هذه الآية وأمثالها على وجهين ( أحدهما) ترك التعرض إلى بيان المراد (وثانيهما) التعرض اليه والأول أسلم والى الحكمة أقرب، أما أنه أسلم فذلك لأن من قال أنا لا أتعرض إلى بيان هذا ولا أعرف المراد من هذا ، لا يكون حاله إلا حال من يتكلم عند عدم وجوب الكلام أو لا يعلم شيئاً لم يجب عليه أن يعلمه ،وذلك لأن الأصول ثلاثة التوحيد والقول بالحشر والاعتراف بالرسل لكن الحشر أجمعنا واتفقنا أن العلم به واجب والعلم بتفصيله أنه متى يكون غير واحب، ولهذا قال تعالى فى آخر السورة المتقدمة ( إن الله عنده علم الساعة ) فكذلك اللّه يجب معرفة وجوده ووحدانيته واقصافه بصفات الجلال ونعوت الكمال على سبيل الإجمال وتعاليه عن وصمات الإمكان وصفات النقصان ، ولا يجب أن يعلم جميع صفاته كما هى، وصفة الاستواء بما لا يجب العلم بها فمن ترك التعرض إليه لم يترك واجباً، وأما من يتعرض إليه فقد يخطىء فيه فيعتقد خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثانى يكاد أن يقع فى أن يكون جاهلا مركباً وعدم العلم الجهل المركب كالسكوت والكذب ولا يشك أحد فى أن السكوت خير من الكذب ، وأما إنه أقرب إلى الحكمة فذلك لأن من يطالع كتاباً صنفه إنسان وكتب له شرحا والشارح دون المصنف فالظاهر أنه لا يأتى على جميع ماأتى عليه المصنف، ولهذا كثيراً مانرى أن الإنسان يورد الإشكالات على المصنف المتقدم ثم يحىء من ينصر كلامه ويقول لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا وإذا كان حال الكتب الحادثة التى تكتب عن علم قاصر كذلك، فما ظنك بالكتاب العزيز الذى فيه كل حكمة يجوز أن يدعی جاهل أنی علمت كل سر فى هذا الكتاب ، و کیف ولو ادعى عالم انى علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليه الكتاب الفلانى يستقبح منه ذلك، فكيف من يدعى أنه علم كل ما فى كتاب الله ؟ ثم ليس لقائل أن يقول بأن اللّه تعالى بين كل ما أنزله لأن تأخير البيان الى ١٧٠ قوله تعالى : ثم استوى على العرش . سورة السجدة . وقت الحاجة جائز ولعل فى القرآن مالا يحتاج إليه أحد غير نبيه فبين له لا لغيره ، إذا ثبت هذا علم أن فى القرآن مالا يعلم ، وهذا أقرب الى ذلك الذى لا يعلم ، للتشابه البالغ الذى فيه ، لكن هذا المذهب له شرط وهو أن ينفى بعض ما يعلمه قطعاً أنه ليس بمراد، وهذا لأن قائلا إذا قال إن هذه الأيام أيام قر. فلانة يعلم أنه لا يريد أن هذه الأيام أيام موت فلانة ولا يريد أن هذه الأيام أيام سفر فلانة، وأنما المراد منحصر فى الطهر أو الحيض فكذلك ههنا يعلم أن المرادليس مايوجب نقصاً فى ذاته لاستحالة ذلك، والجلوس والاستقرار المكانى من ذلك الباب فيجب القطع بتفى ذلك والتوقف فيما يجوز بعده (والمذهب الثانى) خطرومن يذهب اليه فريقان (أحدهما) من يقول المراد ظاهره وهو القيام والانتصاب أو الاستقرار المكانى (وثانيهما) من يقول المراد الاستيلاء والأول جهل محض والثانى يجوز أن يكون جهلاوالأول مع كونه جهلاهو بدعة وكاد يكون كفراً، والثانى وان كان جهلا فليس بجهل يورث بدعة، وهذا كما أن واحداً اذا اعتقد أن الله يرحم الكفار ولا يعاقب أحداً منهم يكون جهلا وبدعة وكفراً، وإذا اعتقد أنه يرحم زيداً الذى هو مستور الحال لا يكون بدعة ، غاية ما يكون أنه اعتقاد غير مطابق ، وما قيل فيه: إن المراد منه استوى على ملكه، والعرش يعبر به عن الملك ، يقال الملك قعد على سرير المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها وهذا مثل قوله تعالى ( وقالت اليهود يد الله مغلولة) إشارة إلى البخل، مع أنهم لم يقولوا بأن على يد الله غلا على طريق الحقيقة، ولو كان مراد الله ذلك لكان كذباً جل كلام اللّه عنه، ثم لهذا فضل تقرير وهو أن الملوك على درجات ، فمن يملك مدينة. صغيرة أو بلاداً يسيرة ما جرت العادة بأن يجلس أول ما يجلس على سرير، ومن يكون سلطانا يملك البلاد الشاسعة والديار الواسعة وتكون الملوك فى خدمته يكون له سرير يجلس عليه، وقدامه كرسى يجلس عليه وزيره ، فالعرش والكرسى فى العادة لا يكون إلا عند عظمة المملكة، فلما كان ملك السموات والأرض فى غاية العظمة ، عبر بما ينىء فى العرف عن العظمة ، ومما ينبهك لهذا قوله تعالى ( إنا خلقنا، وإنا زينا، ونحن أقرب ، ونحن نزلنا ) أيظن أو يشك مسلم فى أن المراد ظاهره من الشريك وهل يجد له محملا ، غير أن العظيم فى العرف لا يكون واحداً وإنما يكون معه غيره، فكذلك الملك العظيم فى العرف لا يكون إلا ذا سرير يستوى عليه فاستعمل ذلك مريداً للعظمة ، ومما يؤيد هذا أن المقهور المغلوب المهزوم یقال له ضاقت به الأرض حتى لم يبق له مكان ، أيظن أنهم یریدون به أنه صار لا مكان له وكيف يتصور الجسم بلا مكان، ولا سيما من يقول بأن إلهه فى مكان كيف يخرج الإنسان عن المكان؟ فكما يقال للمقهور الهارب لم يبق له مكان مع أن المكان واجب له ، يقال للقادر القاهر هو متمكن وله عرش ، وإن كان التنزه عن المكان واجباً له، وعلى هذا كلمة ثم معناها خلق السموات والأرض، ثم القصة أنه استوى على الملك ، وهذا كما يقول القائل: فلان أكرمنى وأنعم على مراراً، ويحكى عنه أشياء، ثم يقول إنه ما كان يعرفنى ولا كنت فعلت معه ما يجازينى ١٧١ قوله تعالى : ثم استوى على العرش . سورة السجدة . بهذا، فنقول ثم للحكاية لا للمحكى ( الوجه الآخر ) قيل استوى جاء بمعنى استولى على العرش. واستوى جاء بمعنى استولى نقلا واستعمالا. أما النقل فكثير مذ كور فى كتب اللغة منها ديوان الأدب وغيره مما يعتبر النقل عنه. وأما الاستعمال فقول القائل : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق وعلى هذا فكلمة ثم، معناها ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض، ثم ههنا ما هو أعظم منه استوى على العرش، فانه أعظم من الكرسى والكرسى وسع السموات والأرض ( والوجه الثالث) قيل إن المراد الاستقرار وهذا القول ظاهر ولا يفيد أنه فى مكان ، وذلك لأن الإنسان يقول استقر رأى فلان على الخروج ولا يشك أحد أنه لا يريد أن الرأى فى مكان وهو الخروج، لما أن الرأى لا يجوز فيه أن يقال إنه متمكن أو هو مما يدخل فى مكان إذا علم هذا فنقول فهم التمكن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكن ، حتى إذا قال قائل استقر زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكن وكونه فى مكان، وإذا قال قائل استقر الملك على فلان لا يفهم أن الملك فى فلان ، فقول القائل الله استقر على العرش لا ينبغى أن يفهم كونه فى مكان ما لم يعلم أنه مما يجوز عليه أن يكون فى مكان أو لا يجوز ، فإذن فهم كونه فى مكان من هذه اللفظة مشروط بجواز أن يكون فى مكان، نجواز كونه فى مكان إن استفيد من هذه اللفظة يلزم تقديم الشىء على نفسه وهو محال، ثم الذى يدل على أنه لا يجوز أن يكون على العرش بمعنى كون العرش مكاناً له وجوه من القرآن (أحدها) قوله تعالى (وإن اللّه لهو الغنى) وهذا يقتضى أن يكون غنياً على الإطلاق، وكل ما هو فى مكان فهو فى بقائه محتاج إلى مكان ، لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحيز إن لم يكن لا يكون المتحيز باقياً ، فالمتحيز يفتفى عند انتفاء الحيز ، وكل ما ينتفى عند انتفاء غيره فهو محتاج إليه فى استمراره ، فالقول باستقراره يوجب احتياجه فى استمراره وهو غنى بالنص (الثانى) قوله تعالى ( كل شىء هالك إلا وجهه) فالعرش يهلك وكذلك كل مكان فلا يبقى وهو يبقى، فإذن لا يكون فى ذلك الوقت فى مكان ، جاز عليه أن لا يكون فى مكان ، وما جاز له من الصفات وجب له فيجب أن لا يكون فى مكان (الثالث ) قوله تعالى (وهو معكم) ووجه التمسك به هو أن على إذا استعمل فى المكان يفهم كونه عليه بالذات كقولنا فلان على السطح وكلمة مع إذا استعملت فى متمكنين يفهم منها اقترانهما بالذات كقولنا زيد مع عمرو إذا استعمل هذا فإن كان الله فى مكان ونحن متمكنون، فقوله ( إن الله معنا) وقوله (وهو معكم) كان ينبغى أن يكون للاقتران وليس كذلك، فان قيل كلمة مع تستعمل لكون ميله إليه وعليه معه أو نصرته يقال الملك الفلانى مع الملك الفلانى، أى بالإعانة والنصر ، فنقول كلمة على تستعمل لكون حكمه على الغير ، يقول القائل لولا فلان على فلان لأشرف فى الهلاك ولأشرف على الهلاك، وكذلك يقال لولا فلان على أملاك «لان أو على أرضه لما حصل له شىء منها ولا أكل ١٧٢ قوله تعالى : ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع . سورة السجدة . حاصلها بمعنى الإشراف والنظر ، فكيف لا نقول فى استوى على العرش إنه استوى عليه بحكمه کما نقول هو معنا بعلمه ( الرابع) قوله تعالى (لا تدر كه الأبصار وهو يدرك الأبصار) ولو كان فى مكان لأحاط به المكان وحينئذ فإما أنيرى وإما أن لايرى ، لا سبيل إلى الثانى بالاتفاق لا ن القول بأنه فیمکان ولا یری باطل بالإجماع، وان کان یری فیری فى مكان أحاط به فتدر که الأبصار. وأما إذا لم يكن فى مكان فسواء يرى أوْ لا يرى لا يلزم أن تدركه الأبصار. أما إذا لم ير فظاهر، وأما إذا رؤى فلأن البصر لا يحيط به فلا يدركه. وانما قلنا إن البصر لا يحيط به لأن كل ما أحاط به البصر فله مكان يكون فيه وقد فرضنا عدم المكان ، ولو تدبر الإنسان القرآن لوجده مملوءاً من عدم جواز كونه فى مكان ، كيف وهذا الذى يتمسك به هذا القائل يدل على أنه ليس على العرش بمعنى كونه فى المكان، وذلك لأن كلمة ثم التراخى فلو كان عليه بمعنى المكان لكان قد حصل عليه بعد ما لم يكن عليه فقبله أما أن يكون فى مكان أو لا يكون ، فإن كان يلزم محالان. (أحدهما) كون المكان أزلياً، ثم إن هذا القائل يدعى مضادة الفلسفى فيصير فلسفياً يقول بقدم سماء من السموات (والثانى) جواز الحركة والإنتقال على الله تعالى وهو يفضى إلى حدوث البارى أو يبطل دلائل حدوث الأجسام، وإن لم يكن مكان وما حصل فى مكان يحيل العقل وجوده بلا مكان، ولو جاز لما أمكن أن يقال بأن الجسم لو كان أزلياً، فإما أن يكون فى الأزل ساكناً أو متحركا لأنهما فرعا الحصول فى مكان، وإذا كان كذلك فيلزمه القول بحدوث الله أو عدم القول بخدوث العالم، لأنه إن سلم أنه قبل المكان لا يكون فهو القول بحدوث اللّه تعالى وان لم يسلم فيجوز أن يكون الجسم فى الأزل لم يكن فى مكان ثم حصل فى مكان فلا يتم دليله فى حدوث العالم ، فيلزم» أن لا يقول بحدوثه، ثم إن هذا القائل يقول إنك تشبه اللّه بالمعدوم فانه ليس فى مكان ولا يعلم أنه جعله معدوماً حيث أحوجه إلى مكان ، وكل محتاج نظراً الى عدم ما يحتاج اليه معدوم ولو كتبنا ما فيها لطال الكلام . ثم قال تعالى: ﴿مالكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون﴾ لما ذكر أن الله خالق السموات والارض ، قال بعضهم نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو إله السموات، وهذه الأصنام صور الكواكب®منها نصرتنا وقوتنا، وقال آخرون هذه صور الملائكة عند الله هم شفعاؤنا فقال الله تعالى لا إله غير الله، ولا نصرة من غير الله ولا شفاعة! إلا باذن الله فعبادتكم لهم لهذه الأصنام باحالة ضائعة لا هم خالقوكم ولا ناصروكم ولا شفعاؤكم،! ثم قال تعالى (أفلا تتذكرون) ماعلتموه من أنه خالق السموات والأرض وخلق هذه الأجسام العظام لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى تنصركم والملك العظيم لا يكون عنده لهذه الأشياء الحقيرة احترام وعظمة حتى تكون لها شفاعة . ١٧٣ قوله تعالى : يدبر الأمر من السماء . سورة السجدة . يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهٍُ أَلْفَ سَنَةٍ ◌ِمَّا تَعُدُّونَ. قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج اليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون: لما بين اللّه تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى (ألا له الخلق والأمر) والعظمة تتبين بهما فان من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة، ثم إذا كان أمره نافذا فيهم يزداد فى أعين الخلق ، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته، وقوله تعالى (ثم يعرج إليه) معناه والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر ، فإن العمل أثر الأمر. وقوله تعالى (فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) فيه وجوه: (أحدها) أن نزول الأمر وعروج العمل فى مسافة ألف سنة مما تعدون وهو فى يوم فان بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل فى مسيرة خمسمائة سنة ، ويعرج فى مسيرة خمسمائة سنة ، فهو مقدار ألف سنة ( ثانيها ) هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ فى يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره فى سنين متطاولة فقوله تعالى ( فى يوم كان مقداره ألف سنة ) يعنى ( يدبر الأمر) فى زمان يوم منه ألف سنة ، فكم يكون شهر منه، وكم تكون سنة منه. وكم يكون دهر منه، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله مقداره خمسين ألف سنةلأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر. فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفاً لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون فى الخمسين أكثر وبين فائدتها فى موضعها إن شاء اللّه تعالى (وفى هذه لطيفة) وهو أن اللّه ذكر فى الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق، وأشار إلى عظمة الملك، وذكر فى هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله ( يدبر الأمر) والروح من عالم الأمر كما قال تعالى ( ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى) وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال فى العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول ، وإنما الواقع فى الزمان يمتد فيوجد فى أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة ، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه ههنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره. واعلم أن ظاهر قوله ( يدبر الأمر) فى يوم يقتضى أن يكون أمره فى يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره فى زمان حادث فيكون حادثاً وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول بأن أمره قديم حتى الحروف، وكلة كن فكيف فهم من كلمة على كونه فى مكان ، ولم يفهم من كلمة فى كون أمره فى زمان ثم بين أن هذا الملك العظيم النافذ الأمر غير غافل، فإن الملك إذا كان آمراً ناهياًيطاع فى أمره ونهيه ، ولكن يكون ١٧٤ قوله تعالى : ذلك عالم الغيب والشهادة . سورة السجدة . ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ آلْعَزِيزُ الَّحِيمُ چِ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأْ خَلْقَ آلْإِنسَنِ مِن طِينٍ (َ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ، مِن سُلَلَةٍ مِّنِ مَّاءِ نَّهِينٍ (ه غافلا لا يكون مهيباً عظيما كما يكون مع ذلك خبيراً يقظاً لا تخفى عليه أمور المالك والماليك فقال ( ذلك عالم الغيب والشهادة) ولما ذكر من قبل عالم الأشباح بقوله ( خلق السموات ) وعالم الأرواح بقوله (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) قال (عالم الغيب) يعلم ما فى الأرواح ( والشهادة) يعلم ما فى الأجسام أو نقول قال (عالم الغيب ) إشارة إلى مالم يكن بعد ( والشهادة) إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم، ثم قال تعالى (العزيز الرحيم) لما بين أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على البررة، ثم قال تعالى (الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ) لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله ( خلق السموات والأرض وما بينهما ) وأتمه بتوابعه ومكلانه ذكر الدليل الدال عليها من الأنفس بقوله ( الذى أحسن كل شىء) يعنى أحسن كل شىء ما ذكره وبين أن الذى بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها على ما ينبغى صلابة الأرض للنبات والنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه فى كل موضع وحركة النار إلى فوق ، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم :خلقت طالبة لجهة فوق حيث لاشى. هناك يقبل الاحتراق وقوله ( وبدأ خلق الإنسان من طين) قيل المراد آدم عليه السلام فانه خلق من طين، ويمكن أن يقال بأن الطين ماء وتراب مجتمعان والآدمى أصله منى والمنى أصله غذاء، والأ غذية إما حيوانية ، وإما نباتية، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذى هو طين . قوله تعالى: ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم، الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ما. مهين ﴾. وقوله تعالى ( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) على التفسير الأول ظاهر لأن آدم كان من طين ونسله من سلالة من ماء مهين هو النطفة ، وعلى التفسير الثانى هو أن أصله من الطين ، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هى من ماء مهين ، فإن قال قائل التفسير الثانى غير صحيح لأن قوله (بدأ خلق الإنسان) ثم جعل نسله دليل على أن جعل النسل بعد خلق الإنسان من طين فنقول لابل التفسير الثانى أقرب إلى الترتيب اللفظى فإنه تعالى بدأ بذكر الأمر من الابتداء فى خلق الإنسان فقال بدأه من طين ثم جعله سلالة ثم سواه ونفخ فيه من روحه وعلى ما ذكرتم ١٧٥ قوله تعالى : ثم سواء ونفخ فيه من روحه سورة السجدة . مُمَّسَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوِحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يبعد أن يقال ( ثم سواه ونفخ فيه من روحه) عائد إلى آدم أيضاً لأن كلمة ثم للتراخى فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم ، واعلم أن دلائل الآفاق أدل على كمال القدرة كما قال تعالى ( لخلق السموات والأرض أكبر) ودلائل الأنفس أدل على نفاذ الإرادة فإن التغيرات فيها كثيرة وإليه الإشارة بقوله ( ثم جعل نسله ثم سواه ) أى كان طيئاً نجعله منياً ثم جعله بشراً سوياً، وقوله تعالى ( ونفخ فيه من روحه ) إضافة الروح إلى نفسه كاضافة البيت إليه للتشريف، وأعلم أن النصارى يفترون على الله الكذب ويقوّلون بأن عيسى كان روح الله فهو ابن ولا يعلمون أن كل أحد روحه روح الله بقوله ( ونفخ فيه من روحه) أى الروح التى هى ملكه كما يقول القائل دارى وعبدى ، ولم يقل أعطاه من جسمه لأن الشرف بالروح فأضاف الروح دون الجسم على ما يترتب على نفخ الروح من السمع والبصر والعلم فقال تعالى ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) وفيه مسائل: ﴿الأولى) قال وجعل لكم مخاطباً ولم يخاطب من قبل. وذلك لأن الخطاب يكون مع الحى فلما قال ( ونفخ فيه من روحه) خاطبه من بعده وقال جعل لكم، فان قيل الخطاب واقع قبل ذلك كما فى قوله تعالى (ومن آياته أن خلقكم من تراب) فنقول هناك لم يذكر الأمور المرتبة وإنما أشار إلى تمام الخلق، وههنا ذكر الأمور المرتبة وهى كون الإنسان طيناً ثم ما. فهيناً ثم خلقاً مسوى بأنواع القوى مقوى خاطب فى بعض المراتب دون البعض . المسألة الثانية﴾ الترتيب فى السمع والأبصار والأفئدة على مقتضى الحكمة، وذلك لأن الإنسان يسمع أولا من الأبوين أو الناس أموراً فيفهمها ثم يحصل له بسبب ذلك بصيرة فيبصر الأمور ويجريها ثم يحصل له بسبب ذلك إدراك تام وذهن كامل فيستخرج الأشياء من قبله ومثاله شخص يسمع من أستاذ شيئاً ثم يصير له أهلية مطالعة الكتب وفهم معانيها، ثم يصير له أهلية التصنيف فيكتب من قلبه كتاباً، فكذلك الانسان يسمع ثم يطالع صحائف الموجودات ثم يعلم الأمور الخفية . المسألة الثالثة) ذكر فى السمع المصدر وفى البصر والفؤاد الإسم، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع، لأن المصدر لا يجمع وذلك لحكمة وهو أن السمع قوة واحدة ولها فعل ١٧٦ قوله تعالى : وقالوا أنذاضللنا في الارض . سورة السجدة . وَقَالُواْأَعِذَا ضَ فِ الْأَرْضِ أَنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِقَاءِ رَبِهِمْ كَافِرُونَ ١٠ واحد فإن الانسان لا يضبط فى زمان واحد كلامين ، والأذن محله ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أى جانب كان يصل إليه ولا قدرة لها على تخصيص القوة بإدراك البعض دون البعض ، وأما الإبصار فمحله العين ولها فيه شبه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب مرئى دون آخر وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما يريد دون غيره وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل فى السمع تأثير والقوة مستبدة ، فذكر القوة فى الأذن وفى العين والفؤاد للمحل نوع اختيار ، فذكر المحل لأن الفعل يسند إلى المختار، ألا ترى أنك تقول سمع زيد ورأى عمرو ولا تقول سمع أذن زيد ولارأى عين عمرو إلا نادراً، لما بينا أن المختارهو الأصل وغيره آلته، فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له، والعين كالأصل وقوة الأبصارآلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته، فذكر فى السمع المصدر الذى هو القوة وفى الأبصار والأفئدة الاسم الذى هو محل القوة ولأن السمع له قوة واحدة ولها فعل واحد ولهذا لا يسمع الانسان فى زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويدرك فى زمان واحد صور تین وأ کثر ويستبينهما. و المسألة الرابعة) لم قدم السمع ههنا والقلب فى قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) فنقول ذلك يحقق ما ذكرنا، وذلك لأن عند الإعطاء ذكر الأدنى وارتقى إلى الأعلى فقال أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب وعند السلب قال ليس لهم قلب يدر كون به ولا ماهو دونه وهو السمع الذى يسمعون به من له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها، وقد ذكرنا هناك ما هو السبب فى تأخير الا بصارمع أنها فى الوسط فيما ذكرنا من الترتيب وهو أن القلب والسمع سلب قوتهما بالطبع لنجمع بينهما وسلب قوة البصر بجعل الغشاوة عليه فذكرها متأخرة. قوله تعالى : ﴿ و ظلوا أثذا ضللنا فى الأرض إنا لنی خلق جديد بل هم بلقاءربهم كافرون ﴾ لما قال (قليلا ما تشكرون) بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقدذكرنا أن الله تعالى، فى كلامه القديم، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وههنا كذلك لما ذكر الرسالة بقوله (تنزيل الكتاب) إلى قوله ( لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك) وذكر الوحدانية بقوله (اللّه الذى خلق) إلى قوله (وجعل لكم السمع والأبصار) ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى (وقالوا أتذا ضللنا فى الأرض) وفيه مسائل : ١٧٧ قوله تعالى : قل بتوفيكم ملك الموت . سورة السجدة . قُلْ يَتَوَقَّكُ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِىِ وُكِلَ بِكُمْ تُمْ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( المسألة الأولى﴾ الواو للعطف على ماسبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن . المسألة الثانية ﴾ أن تعالى قال فى تكذيبهم الرسول فى الرسالة أم يقولون بلفظ المستقبل وقال فى تكذيبهم إياه فى الحشر، وقالوا بلفظ الماضى، وذلك لأن تكذيبهم إياه فى رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده فقال يقولون يعنى هم فيه، وأما إنكارهم للحشر كان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال وقالوا. ﴿ المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى صرح بذكر قولهم فى الرسالة حيث قال (أم يقولون) وفى الحشر حيث قال ( وقال أثذا) ولم يصرح بذكر قولهم فى الواحدانية ، وذلك لأنهم كانوا مصرين فى جميع الأحوال على انكار الحشر والرسول، وأما الواحدانية فنكانوا يعترفون بها فى المعنى، ألا ترى أن الله تعالى قال (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) فلم يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه فى الظاهر. ﴿ المسألة الرابعة) لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو التنزيل الذى لا ريب فيه ولما ذكر الواحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من طين ، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ، نقول فى الجواب: ذكر دليله أيضاً وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على قدرته على إعادته، ولهذا استدل اللّه على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال ( ثم يعيده وهو أهون عليه) وقوله ( قل يحييها الذى أنشأها أول مرة) وكذلك خلق السموات كما قال تعالى ( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى) وقوله تعالى ( أثنا لفي خلق جديد) أى أننا كائنون فى خلق جديد أو واقعون فيه (بل هم بلقاء ربهم كافرون ) إضراب عن الأول يعنى ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثانى لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم، فانهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه، ثم بين ما يكون لهم من الموت إلى العذاب . قوله تعالى : ﴿قل يتوفا كم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ﴾. يعنى لابد من الموت ثم من الحياة بعده وإليه الإشارة بقوله (ثم إلى ربكم ترجعون) وقوله ( الذى وكل بكم) إشارة إلى أنه لا يغفل عنكم وإذا جاء أجلكم لا يؤخركم إذ لا شغل له إلا هذا وقوله ( يتوفاكم ملك الموت ) ينى. عن بقاء الأرواح فان التوفى الاستيفاء والقبض هو الأخذ والإعدام المحض ليس بأخذ ، ثم إن الروح الزكى الطاهر يبقى عند الملائكة مثل الشخص بين أهله الفخر الرازى - ج ٢٥ م ١٢ ١٧٨ قوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم . سورة السجدة . وَلَوْ تَرَّ إِذِ الْمُجْرِمُونَنَاكِسُواْرُ وسِهِمْ عِندَ رَبِهِمْ رَبَّ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا تَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّ مُوقِنُونَ ﴾ المناسبين له والخبيث الفاجر يبقى عندهم كأسير بين قوم لا يعرفهم ولا يعرف لسانهم، والأول ينمو ويزيد ويزداد صفاؤء وقوته والآخر يذبل ويضعف ويزداد شقاؤه وكدورته، والحكمة يقولون إن الأرواح الطاهرة تتعلق بجسم سماوى خير من بدنها وتكمل به، والأرواح الفاجرة لا كمال لها بعد التعلق الثانى فإن أرادوا ماذكرها فقد وافقونا وإلا فيغير النظر فى ذلك بحسب إرادتهم فقد يكون قولهم حقاً وقد يكون غير حق، فان قيل هم أنكروا الإحياء والله ذكر الموت وبينهما مباينة نقول فيه وجهان (أحدهما ) أن ذلك دليل الإحياء ودفع استبعاد ذلك فانهم قالوا ما عدم بالكلية كيف يكون الموجود عين ذلك؟ فقال الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق نجمع الأجزاء لابعد فيه، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضاً، فقوله ( قل يتوفاكم ملك الموت) أى الأرواح معلومة فترد إلى أجسادها . قوله تعالى : ﴿ ولوترى إذ المجرمون ناكسوا ر.وسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون ﴾. لما ذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بين ما يكون عند الرجوع على سبيل الاجمال بقوله ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم) يعنى لو ترى حالهم وتشاهد استخجالهم لترى عجباً، وقوله (ترى) يحتمل أن يكون خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم تشفياً لصدره فانهم كانوا يؤذونه بالتكذيب ، ويحتمل أن يكون عاماً مع كل أحد كما يقول القائل إن فلاناً كريم إن خدمته ولو لحظة يحسن إليك طول عمرك ولا يريد به خاصا، وقوله ( عندربهم) لبيان شدة الخجالة لأن الرب إذا أساء إليه المربوب، ثم وقف بين يديه يكون فى غاية الخجالة . ثم قال تعالى ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) يعنى يقولون أو قائلين (ربنا أبصرنا) وحذف يقولون إشارة إلى غاية خجالتهم لأن الخجل العظيم الخجالة لا يتكلم ، وقوله ( ربنا أبصرنا وسمعنا) أى أبصرنا الحشر وسمعنا قول الرسول فارجعنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحاً، وقولهم ( إنا موقنون) معناه إنا فى الحال آمنا ولكن النافع الايمان والعمل الصالح، ولكن العمل الصالح لا يكون إلا عند التكليف به وهو فى الدنيا فارجعنا للعمل، وهذا باطل منهم فان الايمان لا يقبل فى الآخرة كالعمل الصالح أو نقول المرادمنه أنهم ينكرون الشرك كما قالوا ( وما كنا مشر كين) فقالوا إن هذا الذى جرى علينا ماجرى إلا بسبب ترك العمل الصالح. وأما الإيمان فانا موقنون وما أشر كنا . ١٧٩ قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها . سورة السجدة . وَلَوْ شِئْنَ لَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنْهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ آلِنَّةِ وَالنَّاسِ أَنْمَعِينَ قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) جواباً عن قولهم (ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا) وبيانه هو أنه تعالى قال إنى لو أرجعتكم إلى الايمان لهديتكم فى الدنيا ولما لم أهدكم تبين أنى ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وقوله ( ولو شئنا لآتينا) صريح فى أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن الله ما أراد الايمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر ، ثم قال تعالى (ولكن حق القول منى لأملان جهنم) أى وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس (لا ملأن جهنم منك وممن تبعك) هذا من حيث النقل وله وجه فى العقل وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلا خالياً عن حكمة وهذا متفق عليه والخلاف فى أنه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله تلك الحكمة على الفعل؟ وإذا علم أن فعله لا يخلو عن الحكمة فقال الحكماء حكمة أفعاله بأمرها لا تدرك على سبيل التفصيل لكن تدرك على سبيل الإجمال، فكل ضرب يكون فى العالم وفساد لفحكمته تخرج من تقسيم عقلى وهو أن الفعل إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو خيراً مشوباً بشر وهذا القسم على ثلاثة أقسام قسم خيره غالب وقسم شره غالب وقسم خيره وشره مثلان، إذا علم هذا خلق الله عالما فيه الخير المحض وهو عالم الملائكة وهو العالم العلوى وخلق عالماً فيه خير وشر وهو عالمنا وهو العالم السفلى ولم يخلق عالما فيه شر محض ، ثم إن العالم السفلى الذى هو عالمنا، وإن كان الخير والشر موجودين فيه لكنه من القسم الأول الذى خيره غالب ، فانك إذا قابلت المنافع بالمضار والنافع بالضار، تجد المنافع أكثر، وإذا قابلت الشرير بالخير تجد الخير أكثر، وكيف لا والمؤمن يقابله الكافر ، ولكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه شر أصلا من أول عمره إلى آخره كالأنبياء عليهم السلام والأولياء، والكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلا غاية مافى الباب أن الكفر يحبط خيره ولا ينفعه، إنما يستحيل نظراً إلى العادة أن يوجد كافر لا يسقى العطشان شربة ماء ولا يطعم الجانع لقمة خبز ولا يذكر ربه فى عمره، و کیف لا وهو فى زمن صباه كان مخلوقا على الفطرة المقتضية للخيرات ، إذا ثبت هذا فيقول قالوا لولا الشر فى هذا العالم لكانت مخلوقات الله تعالى منحصرة فى الخير المحض ولا يكون قد خلق القسم الذى فيه الخير الغالب والشر القليل ثم إن ترك خلق هذا القسم إن كان لما فيه من الشر فترك الخير الكثير لأجل الشر القليل لا يناسب الحكمة ، ألا ترى أن التاجر إذا طلب منه درهم بدينار ، فلو امتنع وقال فى هذا شر وهو زوال الدرهم عن ملكى فيقال له لكن فى مقابلته خير كثير وهو حصول الدينار فى ملكك وكذلك ١٨٠ قوله تعالى : : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا . سورة السجدة . فَذُوقُواْ بِمَانَسِمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآَ إِنَّا نَسِيَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ يِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ١٤ الإنسان لو ترك الحركة اليسيرة لما فيها من المشقة مع علمه بأنه تحصل له راحة مستمرة ينسب إلى مخالفة الحكمة فاذا نظر إلى الحكمة كان وقوع الخير الكثير المشوب بالشر القليل من اللطف :خلق العالم الذى يقع فيه الشر وإلى هذا أشار بقوله ( إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فقال الله تعالى فى جوابهم (إنى أعلم ما لا تعلمون) أى أعلم أن هذا القسم يناسب الحكمة لأن الخير فيه كثير ، ثم بين لهم خيره بالتعليم، كما قال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها ) يعنى أيها الملائكة خلق الشر المحض والشر الغالب والشر المساوى لا يناسب الحكمة. وأما الخير الكثير المشوب بالشر القليل مناسب، فقوله تعالى (أتجعل فيها من يفسد فيها ) إشارة إلى الشر، وأجابهم الله بما فيه من الخير بقوله (وعلم آدم الأسماء) فإن قال قائل فالله تعالى قادر على تخليص هذا القسم من الشر بحيث لا يوجد فيه شر فيقال له ما قاله الله تعالى (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) يعنى لو شئنا لخلصنا الخير من الشر، لكن حينئذ لا يكون الله تعالى خلق الخير الكثير المشؤب بالشر القليل وهو قسم معقول، فما كان يجوز تركه للشر القليل وهو لا يناسب الحكمة، لأن ترك الخير الكثير للشر القليل غير مناسب للحكمة، وإن كان لا كذلك فلا مانع من خلقه فيخلقه لما فيه من الخير الكثير، وهذا الكلام يعبر عنه من يقول برعاية المصالح إن الخير فى القضاء والشر فى القدر، فالله قضى بالخير ووقع الشر فى القدر بفعله المه عن القبح والجهل، وقوله (من الجنة والناس) لأنه تعالى قال لإبليس (لأملأن جهنم منك ومن تبعك ) وهذا إشارة إلى أن النار لمن فى العالم السفلى، والذين فى العالم العلوى مبرءون عن دخول النار وهم الملائكة ، وهذا يقتضى أن لا يكون إبليس من الملائكة وهو الصحيح. وقوله (أجمعين) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون تأ كيداً وهو الظاهر (والثانى) أن يكون حالا ، أى مجموعين، فان قيل كيف جعل جميع الإنس والجن ما يملأ بهم النار؟ نقول هذا لبيان الجنس، أى جهنم تملأ من الجن والإنس لا غير أمناً للملائكة، ولا يقتضى ذلك دخول الكل كما يقول القائل ملات الكيس من الدراهم لا يلزم أن لا يبقى درهم خارج الكيس، فان قيل فهذا يقتضى أن تكون جهنم ضيقة تمتلىء ببعض الخلق نقول هو كذلك وإنما الواسع الجنة التى هى من الرحمة الواسعة والله أعلم. ولما بين اله تعالى بقوله ( ولو شئنا لآتينا) أنهم لا رجوع لهم قال لهم إذا علمتم أنكم لارجوع لكم. قوله تعالى: ﴿فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسينا كم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون﴾