النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث . سورة لقمان . وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهُوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَدَّهَا هُوْ أَوْلِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (هدى للمتقين ) فقوله (هدى) فى مقابلة قوله (الكتاب) وقوله (ورحمة) فى مقابلة قوله (الحكيم) ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذى الحكمة كقوله تعالى ( فى عيشة راضية) أی ذات رضا . ﴿ المسألة الثانية) قال هناك (للمتقين) وقال ههنا (المحسنين) لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئاً آخر قال ( للمتقين) أى يهتدى به من يتقى الشرك والعناد والتعصب، وينظر فيه من غير عناد، ولما زاد ههنا رحمة قال (للمحسنين) أى المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان فالمحسن هو الآتى بالإيمان والمتقى هو التارك للكفر، كما قال تعالى (إن الله مع الذين اتقوا والذين ثم محسنون) ومن جانب الكفركان متقياً وله الجنة، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسناً وله الزيادة لقوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى) وزيادة ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال (للمحسنين) لأن رحمة الله قريب من المحسنين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال هناك (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) وقال ههنا ( الذين يقيمون الصلاة) ولم يقل يؤمنون لما بينا أن المتقى هو التارك للكفر ويلزمه أن يكون مؤمناً والمحسن هو الآتى بحق الإيمان، ويلزمه أن لا يكون كافراً، فلما كان المتقى دالا على المؤمن فى الالتزام صرح بالإيمان هناك تبيناً ولما كان المحسن دالا على الإيمان بالتنصيص لم يصرح بالايمان وقوله تعالى (الذين يقيمون الصلاة) قد ذكرنا ما فى الصلاة وإقامتها مراراً وما فى الزكاة والقيام بها، وذكرنا فى تفسير الأنفال فى أوائلها أن الصلاة ترك التشبه بالسيد فإنها عبادة صورة وحقيقة والله تعالى تجب له العبادة ولا تجوز عليه العبادة، وترك التشبه لازم على العبد أيضاً فى أمور فلا يجلس عند جلوسه ولا يتكى عند اتكائه، والزكاة تشبه بالسيد. فانها دفع حاجة الغير والله دافع الحاجات ، والتشبه لازم على العبد أيضاً فى أمور، كما أن عبد العالم لا يتلبس بلباس الأجناد ، وعبد الجندى لا يتلبس بلباس الزهاد، وبهما تتم العبودية . قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره ، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه (الأول) أن ترك الحنكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح (الثانى) هو أن الحديث إذا كان لهواً لا فائدة فيه كان أقبح ١٤٢ قوله تعالى : وإذا تتلى عليه آياتنا . سورة لقمان . وَإِذَا ◌ُعْلَى عَلَيْهِءَ ايَتُنَ وَى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّرْ يَسْمَعْهَ كَنَّ فِىَ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَقِرَهُ بِعَذَابٍ ألم ے ( الثالث) هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبى مَ لِّم أنه قال ((روحوا القلوب ساعة فساعة)) رواه الديلى عن أنس مرفوعا ويشهد له ما فى مسلم ((يا حنظلة ساعة وساعة)) والعوام يفهمون منه الأمربما يجوز من المطابية، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فان الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله ( ليضل عن سبيل الله ) كان فعله أدخل فى القبح . ثم قال تعالى (بغير علم) عائد إلى الشراء أى يشترى بغير علم ويتخذها أى (يتخذ السبيل هزواً أولئك لهم عذاب مهين) قوله (مهين) إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده، فالجلاد إن علم أنه من يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك فى الجبس يكرمه ويخفف من تعذيبه، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى ، فانه لا يكرمه. فقوله ( عذاب مهين ) إشارة إلى هذا وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر ، فان عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مهين . قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقراً، فبشره بعذاب أليم﴾ . أى يشترى الحديث الباطل، والحق الصراح يأتيه مجاناً يعرض عنه، وإذا نظرت فيه فهمت حسن هذا الكلام من حيث إن المشترى يطلب المشترى مع أنه يطلبه ببذل الثمن ، ومن يأتيه الشى. لا يطلبه ولا يبذل شيئاً ، ثم إن الواجب أن يطلب العاقل الحكمة بأى شىء يجده ويشتريها ، وهم ما كانوا يطلبونها، وإذا جاءتهم مجاناً ما كانوا يسمعونها، ثم إن فيه أيضاً مراتب (الأولى) التولية عن الحكمة وهو قبيح ( والثانى) الاستكبار، ومن يشترى حكاية رستم وبهرام ويحتاج إليها كيف يكون مستغنياً عن الحكمة حتى يستكبر عنها؟ وإنما يستكبر الشخص عن الكلام وإذا كان يقول أنا أقول مثله، فمن لا يقدر يصنع مثل تلك الحكايات الباطلة كيف يستكبر على الحكمة البالغة التى من عند الله؟ (الثالث) قوله تعالى (كأن لم يسمعها) شغل المتكبر الذى لا يلتفت إلى إلى الكلام ويجعل نفسه كأنها غافلة (الرابع) قوله ( كأن فى أذنيه وقراً) أدخل فى الإعراض. ثم قال تعالى (فبشره بعذاب أليم) أى له عذاب مهين فبشره أنت به وأوعده ، أويقال إذا كان حاله هذا ( فبشره بعذاب أليم ). ١٤٣ قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا . سورة لقمان. خَلِدِينَ فِيهَا وَعْدَ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ جَنَّكْتُ النَّعِيمِ ه الَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤ خَلَقَ السَّعَلَتِ بِغَيْ عَمَدٍ قَوْنَهَا وَأَلْقَ فِ الْأَرْضِ قوله تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم، خالدين فيها وعد الله حقاً وهو العزيز الحكيم﴾. لما بين حال من إذا تتلى عليه الآيات ولى، بين حال من يقبل على تلك الآيات ويقبلها وكما أن ذلك له مراتب من التولية والاستكبار ، فهذا له مراتب من الاقبال والقبول والعمل به ، فان من سمع شيئاً وقبله قد لا يعمل به فلا تكون درجته مثل من يسمع ويطيع ثم إن هذا له جنات النعيم ولذلك عذاب مهين وفيه لطائف: ( إحداها ) توحيد العذاب وجمع الجنات إشارة إلى أن الرحمة واسعة أكثر من الغضب (الثانية ) تفكير العذاب وتعريف الجنة بالإضافة إلى المعرف إشارة إلى أن الرحيم بين النعمة ويعرفها إيصالا للراحة إلى القلب، ولا يبين النقمة، وإنما ينبه عليها تنبيهاً ( الثالثة) قال عذاب، ولم يصرح بأنهم فيه خالدون، وإنما أشار إلى الخلود بقوله (مهين) وصرح فى الثواب بالخلود بقوله ( خالدين فيها)، (الرابعة) أكد ذلك بقوله ( وعد الله حقاً) ولم يذكره هناك (الخامسة) قال هناك لغيره ( فبشره بعذاب) وقال ههنا بنفسه (وعد الله )، ثم لم يقل أبشركم به لأن البشارة لا تكون إلا بأعظم ما يكون، لكن الجنة دون ما يكون للصالحين بشارة من الله، وإنما تكون بشارتهم منه برحمته ورضوانه كما قال تعالى (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم) ولولا قوله ( منه) لما عظمت البشارة، ولو كانت (منه) مقرونة بأمر دون الجنة لكان ذلك فوق الجنة من غير إضافة ، فان قيل فقد بشر بنفس الجنة بقوله (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) نقول البشارة هناك لم تكن بالجنة وحدها ، بل بها وبما ذكر بعدها إلى قوله تعالى (نزلا من غفور رحيم) والنزل ما يهيأ عند النزول والا كرام العظيم بعده وهو (العزيز الحكيم) كامل القدرة يعذب المعرض ويثيب المقبل، كامل العلم يفعل الأفعال كما ینبغی ، فلا یعذب من يؤمن ولا يثيب من يكفر . ثم قال تعالى : ﴿ خلق السموات بغير عمد ترونها ﴾. بين عزته وحكمته بقوله ( خلق السموات بغير عمد ) اختلف قول العلماء فى السموات فمنهم من قال إنها مبسوطة كصفيحة مستوية، وهو قول أكثر المفسرين ومنهم من قال إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين، والغزالى رحمه اللّه قال نحن نوافقهم فى ذلك فان لهم عليها دليلا من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان فى الباب خبر نؤوله بما يحتمله ، فضلا من أن ليس فى القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحاً ، بل فيه ما يدل على الاستدارة كما قال تعالى (كل فى فلك ١٤٤ قوله تعالى : وألقي في الارض رواس . سورة لقمان . ٠ رَسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيَهَا مِن كُلِّ دَةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ اَلَّمَاءِ مَاءَ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلٍ زَوْچ گرِیم يسبحون) والفلك اسم لشىء مستدير، بل الواجب أن يقال بأن السموات سواء كانت مستديرة أو مصفحة فهى مخلوقة بقدرة الله لا موجودة بإيجاب وطبع، وإذا علم هذا فنقول السماء فى مكان وهو فضاء والفضاء لا نهاية له وكون السماء فى بعضه دون بعض ليس إلا بقدرة مختارة وإليه الإشارة بقوله ( بغير عمد ) أى ليس على شىء يمنعها الزوال من موضعها وهى لا تزول إلا بقدرة الله تعالى وقال بعضهم المعنى أن السموات بأسرها ومجموعها لامكان لها لأن المكان ما يعتمد عليه ما فيه فيكون متمكناً والحيز ما يشار إلى ما فيه بسبيه يقال ههنا ، وهناك وعلى هذا قالوا إن من يقع من شاهق جبل فهو فى الهواء فى حيز إذ يقال له هوههنا وهناك، وليس فى مكان إذ لا يعتمد على شىء، فإذا حصل على الأرض حصل فى مكان، إذا علم هذا فالسموات ليست فى مكان تعتمد عليه فلا عمد لها وقوله (ترونها) فيه وجهان: (أحدهما) أنه راجع إلى السموات أى ليست هى بعمد وأنتم ترونها كذلك بغير عمد ( والثانى) أنه راجع إلى العمد أى بغير عمد مرئية، وإن كان هناك عمد غير مرئية فهى قدرة الله وإرادته. ثم قال تعالى: ﴿ وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ . أى جبالا راسية ثابتة (أن تميد) أى كراهية أن تميد وقيل المعنى أن لاتميد، واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها، وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح، ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة كما نرى الأراضى الرملة ينتقل الرمل الذى فيها من موضع إلى موضع، ثم قال تعالى ( وبث فيها من كل دابة ) أى سكون الأرض فيه مصلحة حركة الدواب فاسكنا الأرض وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضى يناسب بعض الحيونات لكانت الدابة التى لا تعيش فى موضع تقع فى ذلك الموضع فيكون فيه هلاك الدواب، أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك فى المواضع التى تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها، ثم قال تعالى (وأنزلنامن السماء ماء) هذه نعمة أخرى أنعمها الله على عباده، وتمامها بسكون الأرض لأن البذر إذا لم يثبت إلى أن ينبت لم يكن يحصل الزرع ولو كانت أجزاء الأرض متحركة كالرمل لما حصل الثبات ولما كمل النبات، والعدول من المغايبة إلى النفس فيه فصاحة وحكمة، أما الفصاحة فذ كورة فى باب الالتفات من أن السامع إذا سمع كلاماً طويلا من نمط واحد، ثم ورد عليه نمط آخر يستطيبه ألا ترى أنك إذا قلت قال زيد كذا وكذا، وقال خالد كذا وكذا، وقال عمرو كذا. ثم إن ١٤٥ قوله تعالى : هذا خلق الله فأرونى . سورة لفمان . هَذَا خَلْقُ الَِّ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلِ شُبِينٍ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ أَشْكُرْ لِلِّ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حِدٌ بكراً قال قولا حسناً يستطاب لما قد تكرر القول مراراً. وأما الحكمة فمن وجهين ( أحدهما) أن خلق الأرض ثقيل، والسماء فى غير مكان قد يقع لجاهل أنه بالطبع، وبث الدواب يقع لبعضهم أنه باختيار الدابة ، لأن لها اختيار ، فنقول الاول طبيعى والآخر اختيارى للحيوان، ولكن لا يشك أحد فى أن الماء فى الهواء من جهة فوق ليس طبعاً فان الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختياراً، إذ الماء لا اختيار له فهو بارادة الله تعالى، فقال (وأنزلنا من السماء) (الثانى) هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة فى كل زمان ، متكثرة فى كل مكان ، فأسنده إلى نفسه صريحاً ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته، وقوله تعالى (فأنبتنا فيها من كل زوج) أى من كل جنس ، وكل جنس فتحته زوجان ، لأن النبات إما أن يكون شجراً، وإما أن يكون غير شجر ، والذى هو الشجر إما أن يكون مثمراً ، وإما أن يكون غير مثمر ، والمثمر كذلك ينقسم قسمين، وقوله تعالى (كريم ) أى ذى كرم ، لأنه يأتى كثيراً من غير حساب أو مكرم مثل بغيض للمبغض. قوله تعالى: ﴿ هذا خلق اللّه فأروني ماذا خلق الذين من دونه ، بل الظالمون فى ضلال مبين ﴾ قوله تعالى: ﴿هذا خلق اللّه فأروني ماذا خلق الذين من دونه) يعنى الله خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق . ثم قال تعالى (بل الظالمون فى ضلال مبين) أى بين أو مبين للعاقل أنه ضلال، وهذا لأن ترك الطريق والحيد عنه ضلال ، ثم إن كان الحيد يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء فإنه يكون غاية الضلال ، فالمقصد هو الله تعالى، فمن يطلبه ويلتفت إلى غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال، لكن من وجهه إلى اللّه قد يصل إلى المقصود ولكن بعد تعب وطول مدة، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ماسواه يكون كالذى على الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب . وأما الذى تولى لا يصل إلى المقصود أصلا ، وإن دام فى السفر، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون لعبادتهم فى غير موضعها أو الواضعون أنفسهم فى عبادة غير الله. ثم قال تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غنىحميد قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) لما بين اللّه فساد اعتقادهم بسبب عنادهم الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٠ ٠ ١٤٦ قوله تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة . سورة لقمان . بإشراك من لا يخلق شيئاً بمن خلق كل شىء بقوله (هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه﴾ وبين أن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى ، وهو أن اتباع النبى عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهاراً للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة ، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبى عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمه وقوله (ولقد آتينا لقمان الحكمة) عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتى توفيق العمل بالعلم فقد أوفى الحكمة ، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة الله تعالى، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم، والذى يدل على ماذكرنا أن من تعلم شيئاً ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيما وإنما يكون مبخوتاً، ألا ترى أن من يلقى نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم ، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلوعن مفسدة ، لعدم علمه به أولا ، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقى نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون فى فعله. ثم الذى يدل على ماذكرنا قوله تعالى ( أن اشكر لله) فان أن فى مثل هذا تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله (أن اشكر لله) وهو كذلك، لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم، لأن الإنسان إذا علم أمرين أحدهما أهم من الآخر ، فان اشتغل بالأهم كان عمله موافقاً لعلمه وكان حكمة ، وإن أهمل الأهم كان مخالفاً للعلم ولم يكن من الحكمة فى شىء، لكن شكر الله أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضى. ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ينتفع إلا الشاكر بقوله ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) وبين أن بالكفران لا يتضرر غير الكافر بقوله ( ومن كفر فان الله غنى حميد) أى اللّه غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو فى نفسه محمود سواء شكره الناس أو لم يشكروه، وفى الآية مسائل والطائف (الأولى) فسر الله إيتاء الحكمة بالأمر بالشكر، لكن الكافر والجاهل . أموران بالشكر فينبغى أن يكون قد أوتى الحكمة (والجواب) أن قوله تعالى (أن اشكر الله) أمر تكوين معناه آتيناه الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين، وفى الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف. المسألة الثانية﴾ قال فى الشكر ومن يشكر بصيغة المستقبل، وفى الكفران ومن كفر فإن اللّه غنى، وإن كان الشرط يجعل الماضى والمستقبل فى معنى واحد، كقول القائل: من دخل دارى فهو حر، ومن يدخل دارى فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغى أن يتكرر فى كل وقت لتكرر النعمة. فمن شكر ينبغى أن يكرر، والكفر ينبغى أن ينقطع فمن كفر ينبغى أن يترك الكفران، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله ، بل أبداً يكون منه شىء فى العدم يريد الشاكر إدخاله فى الوجود، كما قال ( رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ) وكما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فأشار إليه بصيغة المستقبل. تنبيهاً على أن الشكر بكماله لم يوجد. وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام، فقال بصيغة الماضى . ١٤٧ قوله تعالى : وإذ قال لقمان لأبنه . سورة لقمان . وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ، يَبُنَّلَاأُشْرِكْ بِلَّهِ إِنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمُّ عَظِيمٌ وَصَّيْنَا ◌ْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حَتْهُ أُمُّهُ، وَهَنَّا عَلَى وَهٍْ وَفِصَتُهُ فِى عَيْنِ أَنِ أَشْكُرْلِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىّ الْمَصِيرُ ﴾ ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى هنا (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) ومن كفر بتقديم الشكر على الكفران ، وقال فى سورة الروم(ومن كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون) فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون) وههنا الذكر للترغيب، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد، وقوله (ومن عمل صالحاً) يحقق ماذكرنا أولا ، لأن المذكور فى سورة الروم لما كان بعد اليوم الذى لامرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضى ومن عمل، وههنا لما كان المذكور فى الابتداء قال ومن يشكر بلفظ المستقبل وقوله ( ومن كفر فإن الله غنى) عن حمد الحامدين، حميد فى ذاته من غير حمدهم، وإنما الحامد ترتفع مرتبته بكونه حامداً لله تعالى. ثم قال تعالى: ﴿ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً فى نفسه وحين جعلناه واعظاًلغيره وهذا لأن علومرتبة الانسان بأن يكون كاملا فى نفسه ومكلالغيره فقوله (أن اشكر) إشارة إلى الكمال وقوله (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه) إشارة إلى التكميل، وفى هذا لطيفة وهى أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبى عليه السلام الذى أرشد الأجانب والأقارب فان إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة فى تعليم الأباعد فلا، ثم إنه فى الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال (إن الشرك لظلم عظيم) أما أنه ظلم فلأنه وضع للنفس الشريف المكرم بقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) فى عبادة الخسيس أولأنه وضع العبادة فى غير موضعها وهى غيروجه الله وسبيله، وأما أنه عظيم فلأنه وضع فى موضع ليس موضعه، ولا يجوز أن يكون موضعه ، وهذا لأن من یأخذ مال زید و یعطیعمراً یکون ظلماً من حيث إنه وضع مال زيد فى يد عمرو ، ولكن جائز أن يكون ذلك ملك عمرو أو يصير ملكه ببيع سابق أو بتمليك لاحق ، وأما الإشراك فوضع المعبودية فى غير الله تعالى ولا يجوز أن يكون غيره معبوداً أصلا . ثم قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين أن اشكرلى ولوالديك إلى المصير لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبة منها فى الصورة بين أنها غير ممتنعة، بل هى واجبة ١٤٨ قوله تعالى : وإن جاهداك على أن تشرك بي . سورة لقمان . وإِن ◌َدَاكَ عَلَىَ أَن تُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِءَ عِلَّمُ فَلاَ تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِى الُنْيَ مَعْرُوفًا وَأَبِحْ سَمِلَ مَنْ أَتَابَ إلَّ ثُمَّإِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأنَِّئُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿﴾ يَبُنَّ إِنَّهَ إِنتَكُ مِثْقَالَ حَّةٍ مِنْ تَحْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَْرَةٍ أَوْ فِى اُلَّمَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللَّهَلَطِيفٌ خَبِيرٌ (﴾ لغير الله فى بعض الصور مثل خدمة الأبوين، ثم بين السبب فقال، (حملته أمه) يعنى لله على العبيد نعمة الإيجاد ابتداء بالخلق ونعمة الابقاء بالرزق وجعل بفضله للأم ماله صورة ذلك وإن لم يكن لها حقيقة فان الحمل به يظهر الوجود ، وبالرضاع يحصل التربية والبقاء فقال حملته أمه أى صارت بقدرة الله سبب وجوده. وفصاله فى عامين، أى صارت بقدرته أيضاً سبب بقائه، فإذا كان منها ماله صورة الوجود والبقاء وجب عليه ماله شبه العبادة من الخدمة ، فان الخدمة لها صورة العبادة، فان قال قائل وصى اللّه بالوالدين وذكر السبب فى حق الأم فنقول خص الأم بالذكر وفى الأب ما وجد فى الأم فان الأب حمله فى صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ وقوله (أن اشكرلى ولوالديك) لما كان الله تعالى بفضله جعل من الوالدين صورة ما من الله، فإن الوجود فى الحقيقة من الله وفى الصورة يظهر من الوالدين جعل الشكر بينهما فقال (أن اشكرلى ولوالديك) ثم بين الفرق وقال (إلى المصير ) يعنى نعمتهما مختصة بالدنيا ونعمتى فى الدنيا والآخرة، فان إلى المصير أو نقول لما أمر بالشكر لنفسه وللوالدين قال الجزاء على وقت المصير إلى. ثم قال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا قطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ يعنى أن خدمتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا قطعهما، وقد ذكرنا تفسير الآية فى العنكبوت، وقال ههنا (واتبع سبيل من أناب إلى)، يعنى صاحبهما بجسمك فان حقهما على جسمك، واتبع سبيل النبى عليه السلام بعقلك ، فإنه مربى عقلك ، کما أن الوالد مربی جسمك . ثم قال تعالى: ﴿يابنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} لما قال ( فأنبئكم بما كنتم تعملون) وقع لابنه أن ما يفعل فى خفية يخفى فقال ( يا بنى إنها) أى الحسنة والسيئة إن كانت فى الصعر مثل حبة خردل وتكون مع ذلك الصغر فى موضع حريم کالصخرة لا تخفى على الله ، وفيه مسائل: ١٤٩ قوله تعالى : يا بني أقم الصلاة . سورة لقمان . الـ يَبُنِّىَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأُمٌُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرُ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ المسألة الأولى ) قوله ( فتكن ) بالفاء لإفادة الاجتماع يعنى إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفية فى موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب. ﴿ المسألة الثانية﴾ لو قيل الصخرة لابد من أن تكون فى السموات أو فى الأرض فما الفائدة فى ذكرها؟ ولأن القائل لو قال هذا رجل أو امرأة أو ابن عمرو لا يصح هذا الكلام لكون ابن عمرو داخلا فى أحد القسمين فكيف يفهم هذا، فنقول الجواب عنه من أوجه (أحدها) ما قاله بعض المفسرين وهو أن المراد بالصخرة صخرة عليها الثوروهى لا فى الأرض ولا فى السماء (والثانى) ما قاله الزمخشرى وهو أن فيه إضماراً تقديره فتكن فى صخرة أو فى موضع آخر فى السموات أو فى الأرض ( والثالث ) أن نقول تقديم الخاص وتأخير العام فى مثل هذا التقسيم جائز وتقديم العام وتأخير الخاص غير جائز ، أما الثانى فلما بينتم أن من قال هذا فى دار زيد أو فى غيرها أو فى دار عمرو لا يصح لكون دار عمرو داخلة فى قوله أو فى غيرها ، وأما الأول فلأن قول القائل هذا فى دار زيد أو فى دار عمرو أو فى غيرها صحيح غير قبيح فكذلك ههنا قدم الأخص أو نقول خفاء الشىء يكون بطرق منها أن يكون فى غاية الصغر ومنها أن يكون بعيداً، ومنها أن يكون فى ظلمة، ومنها أن يكون من وراء حجاب، فان انتفت الأمور بأسرها بأن يكون كبيراً قريباً فى ضوء من غير حجاب فلا يخفى فى العادة ، فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله ( إنها إن تك مثقال حبة) إشارة إلى الصغر وقوله (فتكن فى صخرة) اشارة إلى الحجاب وقوله ( أو فى السموات ) إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله (أو فى الأرض) إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله ( يأت بها اللّه) أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشىء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله فى العلم دون حال من يظهر له الشىء ويظهره لغيره فقوله ( يأت بها الله) أى يظهرها الله للأشهاد وقوله ( إن الله لطيف) أى نافذ القدرة (خبير) أى عالم بواطن الأمور . قوله تعالى: ﴿ يابنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴾ لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزمه من التوحيد وهو الصلاة وهى العبادة لوجه اللّه مخلصاً، وبهذا يعلم أن الصلاة كانت فى سائر الملل غير أن هيئتها اختلفت. ثم قال تعالى (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر) أى إذا كملت أنت فى نفسك بعبادة الله فكمل ١٥٠ قوله تعالى : ولا تصعر خدك للناس . سورة لقمان . وَلَ تُصَحِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَخْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَيُحِبُّ كُلّ مُتَالٍ تَخُورٍ ﴾ غيرك، فان شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا فى أنفسهم ويكملوا غيرهم، فان قال قائل كيف قدم فى وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهى عن المنكر ، وقبل قدم النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف فانه أول ماقال ( يابنى لا تشرك) ثم قال (يابنى أقم الصلاة)؟ فنقول هو كان يعلم من ابنه أنه معترف بوجود الله فما أمره بهذا المعروف ونهاه عن المنكر الذى يترتب على هذا المعروف، فإن المشرك بالله لا يكون نافياً لله فى الاعتقاد وإن كان يلزمه نفيه بالدليل فكان كل معروف فى مقابلته منكروالمعروف فى معرفة الله اعتقاد وجوده والمنكر اعتقاد وجود غيره معه، فلم يأمره بذلك المعروف لحصوله ونهاه عن المنكر لأنه ورد فى التفسير أن ابنه كان مشركا فوعظه ولم يزل يعظه حتى أسلم ، وأما ههنا فأمره أمراً مطلقاً والمعروف مقدم على المنكر، ثم قال تعالى (واصبر على ما أصابك) يعنى أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر عليه، وقوله ( إن ذلك من عزم الأمور) أى من الأمور الواجبة المعزومة أى المقطوعة ويكون المصدر بمعنى المفعول ، كما تقول أكلى فى النهار رغيف خبز أى ما كولى. قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك الناس ولا تمش فى الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختار. فور ﴾ لما أمره بأن يكون كاملا فى نفسه مكملا لغيره وكان يخشى بعدهما من أمرين (أحدهما) التكبر على الغير بسبب كونه مكملا له ( والثانى) التبختر فى النفس بسبب كونه كاملا فى نفسه فقال ( ولا تصعر خدك للناس) تكبراً (ولا تمش فى الأرض مرحا) تبختراً (إن الله لا يحب كل مختال ) يعنى من يكون به خيلاء وهو الذى يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر (نور) يعنى من يكون مفتخراً بنفسه وهو الذى يرى عظمة لنفسه فى عينه، وفى الآية لطيفة وهو أن الله تعالى قدم الكمال على التكميل حيث قال (أقم الصلاة) ثم قال ( وأمر بالمعروف) وفى النهى قدم ما يورثه التكميل على مايورثه الكمال حيث قال ( ولا تصعر خدك) ثم قال ( ولا تمش فى "الأرض مرحا) لأن فى طرف الإثبات من لا يكون كاملا لا يمكن أن يضير مكملا فقدم الكمال، وفى طرف النفى من يكون متكبرا على غيره يكون متبختراً لأنه لا يتكبر على الغير إلا عند اعتقاده: أنه أكبر منه من وجه، وأما من يكون متبخترا فى نفسه قد لا يتكبر، ويتوهم أنه يتواضع للناس فقدم نفى التكبر ثم فى التبخير، لأنه لو قد نقى التبخير للزم منه نفى التكبير فلا يحتاج إلى النهى عنه، .. ١٠٪ ومثالم أنه لا يجوز أن يقال لا تفطر ولا تأكل، لأن من لا يفطر لا بأكاء، مجون أن يقال لانأكا ١٥١ قوله تعالى : واقصد فى مشيك . سورة لقمان . وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ وَآغْضُضْ مِنِ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ولا تفطر، لأن من لا يأكل قد يفطر بغير الأكل ، ولقائل أن يقول أن مثل هذا الكلام يكون للتفسير فيقول لا تفطر ولا تأكل أى لا تفطر بأن تأكل ولا يكون نهيين بل واحداً. قوله تعالى: ﴿واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الخير﴾ لما قال (ولا تمش فى الأرض مرحا) وعدم ذلك قد يكون بضده وهو الذى يخالف غاية الاختلاف، وهو متى المتماوت الذى يرى من نفسه الضعف تزهداً فقال (واقصد فى مشيك ) أى كن وسطاً بين الطرفين المذمومين ، وفى الآية مسائل : ﴿الأولى) هل الأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد فى المشى؟ فنقول: نعم سواء علمناها نحن أو لم نعلمها، وفى كلام اللّه من الفوائد مالا يحصره حد، ولا يصيبه عد ، ولا يعلمه أحد والذى يظهر وجوه (الأول) هو أن الإنسان لما كان شريفاً تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطراً فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشى، فان عجز عن إدراك مقصوده ينادى مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشياً إليه فإن عجزعن إبلاغ كلامه إليه ، وبعض الحيوانات يشارك الإنسان فى تحصيل المطلوب بالصوت كما أن الغنم تطلب السخلة والبقرة العجل والناقة الفصيل بالثناء والخوار والرغاء ولكن لا تتعدى إلى غيرها ، والانسان يميز البعض عن البعض فاذا كان المشى والصوت مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر (الثانى) هو أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشار كه فيه الحيوانات فانه حركة وسكون، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا لله، وقد أشار إليه بقوله ( إنها إن تك مثقال حبة من خردل) أى أصلح ضميرك فان الله خبير، بقى الأمران فقال (وأقصد فى مشيك واغضض من صوتك) إشارة إلى التوسط فى الأفعال والأقوال ( الثالث) هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد فى الأوصاف الانسانية والأوصاف التى هى للملك الذى هو أعلى مرتبة منه. والأوصاف التى للحيوان الذى هو أدنى مرتبة منه. فقوله (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) إشارة إلى المكارم المختصة بالانسان فإن الملك لا يأمر ملكا آخر بشى. ولا ينهاء عن شى .. وقوله ( ولا تصعر خدائ للناس ولا تمش فى الأرض مرحا) الذى هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر إشارة إلى المكارم التى هى صفة الملائكة فان عدم التكبر والتبختر صفتهم. وقوله ( واقصد فى مشيك واغضض من صوتك ) إشارة إلى المكارم التى هى صفة الحيوان ثم قال تعالى ( إلى أنكر الأصوات لصوت الحمير ) وفيه مسائل: ١٥٢ قوله تعالى : الم تروا أن الله سخر لكم . سورة لقمان . أَلْ تَرَوْأ ◌َنَّ اللَّهَ ◌ََّلَكُم مَّا فِ السَّمَنَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ, ◌َدِهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ الَّه ◌ِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ ﴿ الأولى ) لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المتى، نقول أما على قولنا إن المشى والصوت كلاهما موصلان إلى شخص مطلوب إن أدركه بالمشى إليه فذاك، وإلا فيوقفه بالنداء، فنقول رفع الصوت يؤذى السامع ويقرع الصماخ بقوة ، وربما يخرق الغشاء الذى داخل الأذن. وأما السرعة فى المشى فلا تؤذى أو إن كانت تؤذى فلا تؤذى غير من فى طريقه والصوت يبلغ من على اليمين واليسار، ولان المشى يؤذى آلة المشى. والصوت يؤذى آلة السمع وآلة السمع على باب القلب ، فان الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشى، وأما على قولنا الاشارة بالشىء والصوت إلى الأفعال والأقوال فلان القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب والاعتبار يصحح الدعوى . المسألة الثانية ) كيف يفهم كونه أنكر مع أن مس المنشار بالمبرد وحت النحاس بالحديد أشد تنفيراً ؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن المراد أن أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد ماذكرتم وماذكرتم فى أكثر الأمر لمصلحة وعمارة فلا ينكر، بخلاف صوت الحمير وهذا وهو الجواب ( الثانى). المسألة الثالثة ﴾ أفكر هو أفعل التفضيل فمن أى باب هو ؟ نقول يحتمل أن يكون من باب أطوع له من بنانه ، بمعنى أشدها طاعة فان أفعل لا يجى. فى مفعل ولا فى مفعول ولا فى باب العيوب إلا ماشذ، كقولهم أطوع من كذا للتفضيل على المطيع، وأشغل من ذات النحيين للتفضيل على المشغول، وأحمق من فلان من باب العيوب، وعلى هذا فهو فى باب أفعل كاشغل فى باب مفعول فيكون للتفضيل على المنكر، أو نقول هو من باب أشغل مأخوذاً من نكر الشىء فهو منكر، وهذا أنكر منه ، وعلى هذا فله معنى لطيف ، وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من نقل أو تعب كالبعير أو غير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح، وفى بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكور ، ويمكن أن يقال هو من نكير كا جدر من جدير. قوله تعالى: ﴿ ألم تروا أن الله سخرلكم ما فى السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ، وباطنة ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ . لما استدل بقوله تعالى ( خلق السموات بغير عمد) على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن ١٥٣ قوله تعالى : ومن الناس من يجادل . سورة لقمان . معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة ، وما جاء به النبى عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة ، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله ، فضلا عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته ، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً ، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلاعمد وإلقائه فى الأرض الرواسى . وذكر بعض النعم بقوله ( وأنزلنا من السماء ماء) ذكر بعده عامة النعم فقال ( سخر لكم ما فى السموات ) أى سخر لأجلكم ما فى السموات، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده، ونخر ما فى الأرض لأجل عباده، وقوله (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة) وهى ما فى الأعضاء من السلامة (وباطنة) وهى ما فى القوى فان العضو ظاهروفيه قوة باطنة ، ألاترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر ، وفى كل واحد معنى باطن من الابصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو ، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً ، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله (ما فى السموات وما فى الأرض) يكون إشارة إلى النعم الآفاقية، وقوله (وأسبخ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) يكون إشارة إلى النعم الأنفسية، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة فى جميع كتب التفاسير ، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولا منقولا، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولا . ثم قال تعالى: ﴿ ومن الناس من يجادل فى الله ﴾ يعنى لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل فى اللّه ويثبت غيره، إما إلهاً أو منعماً ( بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التى تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذى يكون فى كتاب والذى يكون من إلهام ووحى، فقال تعالى ( يجادل ) ذلك المجادل لا من علم واضح، ولامن هدى أتاه من هاد ، ولامن كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتى من لدنه عدماً كما قال تعالى (وعلك ما لم تكن تعلم) ( والثانى) إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى ( علمه شديد القوى) (والثالث ) إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى ( المّ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وقال فى هذه السورة ( هدى ورحمة للمحسنين ) وقال فى السجدة ( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ) فالكتاب هدى لقوم النبى عليه السلام ، والنبى هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين، فقال تعالى: يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً، ولا بكتاب يتلى عليه وعظا. ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال فى الكتاب (ولا كتاب منير) لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف ، فلوقال ١٥٤ قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله . سورة لقمان . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّعُواْمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَلُواْ بَلْ نَّبِعُ مَوَجَدْنَا عَلَيْهِ ،َابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِوَهُوَ مُحْسِنُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَ وَإِلَى الَِّ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب ، فان بعض ما يقولون فهو فى كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال ( ولا كتاب منير) فان ذلك الكتاب مظلم ، ولمنا لم يحتمل فى المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك. ثم قال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان. الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور﴾. قولهتعالى ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ماوجدنا عليه آباءنا) بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهى فى غاية القبح فان النبى عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين كلام اللّه تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن ههنا شيئاً آخر وهو أنهم قالوا ( بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) يعنى نترك القول النازل من اللّه ونتبع الفعل، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزاً، ويحتمل أن يكون حراماً، وهم تعاطوه، ويحتمل أن يكون واجباً فى اعتقادهم والقول بين الدلالة ، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله ، لكان الواجب الأخذبالقول، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال ، ثم قال تعالى (أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) استفهاماً على سبيل التعجب فى الإنكار يعنى الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب، وهم مع هذا يتبعون الشيطان. ثم قال تعالى (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى، وإلى الله عاقية الأموية) لما بين حال المشرك والمجادل فى اللّه بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله (ومن يسلم وجهه إلى الله) إشارة إلى الإيمان وقوله (وهو محسن) إشارة إلى العمل الصالح وتكون الآية في معنى قوله تعالى ( من آمن وعمل صالحاً) وقوله (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أى تمسك يجيل لا انقطاع له وترتي بسبه إلى أعلى المقامات وفى الآية مائل: _(الأولى) قالومهناء (مدين ر يسلم وجهه إلى اخر) وقال في سورة البقرة إلى من أسلم وجهه لله) فعدي مهنا يالي وهناك باللام، قال الز مخشري ومجى قوله (أسهم لله) أي جعل نفسه لله سالماً أى خالصاً ١٥٥ قوله تعالى : ومن كفر فلا يحزنك كفره . سورة لقمان . وم " وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَتُنَبُِّهُم بِمَا عِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ هِ ثُمَِعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ والوجه بمعنى النفس والذات، ومعنى قوله ( يسلم وجهه إلى الله) يسلم نفسه إلى الله كما يسلم واحد متاعاً إلى غيره ولم يزد على هذا، ويمكن أن يزاد عليه ويقال من أسلم لله أعلى درجة من يسلم إلى الله، لأن إلى للغاية واللام الاختصاص، يقول القائل أسلمت وجهى إليك أى توجهت نحوك ويفى هذا عن عدم الوصول لأن التوجه إلى الشىء قبل الوصول وقوله ( أسلمت وجهى لك ) لك يفيد الاختصاص ولا ينبئ عن الغاية التى تدل على المسافة وقطعها للوصول ، إذا علم هذا فنقول فى البقرة قالت اليهود والنصارى (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) فقال الله رداً عليهم (تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم) ثم بين فساد قولهم بقوله تعالى (بلى من أسلم وجهه لله) أى أنتم مع أنكم تتركون اللّه الدنيا وتولون عنه الباطل وتشترون بآياته ثمناً قليلا تدخلون [النار] ومن كان بكليته لله لا يدخلها، هذا كلام باطل فأورد عليهم من أسلم لله ولاشك أن النقض بالصورة التى هى الزم أولى فأورد عليهم المخلص الذى ليس له أمر إلا اللّه وقال أنتم تدخلون الجنة وهذا لا يدخلها ، ثم بين كذبهم وقال بلى وبهن أن له فوق الجنة درجة وهى العندية بقوله ( فله أجره عند ربه ) وأما ههنا أراد وعد المحسن بالثواب والوصول إلى الدرجة العالية فوعد من هو دونه ليدخل فيه من هو فوقه بالطريق الأولى ويعم الوعد وهذا من الفوائد الجليلة. ثم قال تعالى (فقد استمسك بالعروة الوثقى ) أو ثق العرى جانب اللّه لأن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، ثم قال تعالى ( وإلى اللّه عاقبة الأمور) يعنى استمسك بعروة توصله إلى اللّه وكل شىء عاقبته إليه فاذا حصل فى الحال ما إليه عاقبته فى عاقبته فى غاية الحسن وذلك لأن من يعلم أن عاقبة الأمور إلى واحد ثم يقدم إليه الهدايا قبل الوصول إليه يجد فائدته عند القدوم عليه، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله). قوله تعالى: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فتنبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور وتمنعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ ﴾ لما بین حال المسلم رجع إلی بیان حال الكافر فقال (ومن کفر فلا يحزنك) أی لا تحزن إذا کفر کافرنان من یکذب وهو قاطعبان صدقه یتبین عن قریب لا يحزن ، بل قد يؤنب المكذب على الزيادة فى التكذيب إذا لم يكن من الهداة ويكون المكذب من العداة لميخجله غاية التخجيل، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه يتألم من التكذيب، فقال فلا يحزنك كفره، فان المرجع إلى فأنبتهم بما عملوا فيخجلون وقوله (إن الله عليم بذات الصدور) أى لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم ١٥٦ قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السموات . سورة لقمان وَلَيٍ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَلَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الَهُ قُلِ الْحَمْدُ لِِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلُونَ (٥﴾ ◌ِلَّ مَا فِ السَّمَنَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ الََّهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ( فينبئهم بما أضمرته صدورهم، وذات الصدور هى المهلك ، ثم إن الله تعالى فصل ما ذكرنا وقال (تمتعهم قليلا ) أى بقاؤهم مدة قليلة ثم بين لهم وبال تكذيبهم وكفرهم بقوله (ثم نضطرم) أى نسلط عليهم أغلظ عذاب حتى يدخلوا بأنفسهم عذاباً غليظاً فيضطرون إلى عذاب النار فراراً من الملائكة الغلاظ الشداد الذين يعذبونهم بمقامع من نار، وفيه وجه آخر لطيف وهو أنهم لما كذبوا الرسل ثم تبين لهم الأمر وقع عليهم من الخجالة ما يدخلون النار ولا يختارون الوقوف بين بدى ربهم بمحضر الأنبياء، وهو يتحقق بقوله تعالى (فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فنفبتهم بما عملوا). ثم قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرم لا يعلمون ﴾ الآية متعلقة بما قبلها من جهين (أحدهما ) أنه تعالى لما استدل بخلق السموات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له وهذا يقتضى أن يكون الحد كله لله، لأن خالق السموات والأرض يحتاج إليه كل ما فى السموات والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضى أن لا يعبد غيره، لكنهم لا يعلمون هذا (والثانى) أن الله تعالى لما سلى قلب النبى وائل بقوله ( فلا يحزنك کفرہ إلینا مرجعهم فنئهم) أى لا تحزن علی تکذیهم فان صدقك و کذیهم يتبين عن قريب عند رجوعهم إلينا، قال وليس لا يتبين إلاذلك اليوم بل هو يتبين قبل يوم القيامة لأنهم معترفون بأن خلق السموات والأرض من الله، وهذا يصدقك فى دعوى الوحدانية ويين كذبهم فى الاشراك (فقل الحمد لله) على ظهور صدقك وكذب مكذبك (بل أكثرهم لا يعلمون) أى ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك وعلى هذا يكون لا يعلمون استعمالا للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية كما يقول القائل فلان يعطى ويمنع ولا يكون فى ضميره من يعطى بل يريد أن له عطاء ومنعاً فكذلك ههنا قال لا يعلمون أى ليس لهم على وعلى الأول يكون لا يعلمون له مفعول مفهوم وهو أنهم لا يعلمون أن الحمد كله لله، والثانى أبلغ لأن قول القائل: فلان لاعلم له بكذا، دون قوله فلان لاعلم له، وكذا قوله فلان: لا ينفع زيداً ولا يضره، دون قوله : فلان لا يضر ولا ينفع. ثم قال تعالى: ﴿اللّه ما فى السموات والأرض إن الله هو الغنى الحميد ﴾ ١٥٧ قوله تعالى : ولو ان ما في الأرض من شجرة . سورة لقمان . وَلَوْ أَنَّمَا فِ اْأَرْضِ مِن شَرَةٍ أَقْلَمْ وَالْبَخْرُ يَمُدُّهُ، مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَنْرٍ مَّ نَفِدَتْ مَّا خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ ٢٧ كَلَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِصِير ٢٨ ذكر بما يلزم منه، وهو أنه يكون له ما فيهما والأمر كذلك عقلا وشرعا، أما عقلا فلان ما فى السموات المخلوقة مخلوق وإضافة خلقه إلى من منه خلق السموات والأرض لازم عقلا لأنها ممكنة، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنه أو بواسطة كما يقوله غيرهم ، وكيفما فرض فكله من اللّه لأن سبب السبب سبب، وأما شرعاً فلأن من يملك أرضا وحصل منها شىء ما يكون ذلك لمالك الأرض فكذلك كل ما فى السموات والأرض حاصل فيهما ومنهما فهو لمالك السموات والأرض وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله. ثم قوله تعالى (إن الله هو الغنى الحميد) فيه معان لطيفة (أحدها) أن الكل له وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وفيها منافع فهى لكم خلقها فهو غنى لعدم حاجته حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها (وثانيها) أن بعد ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون فريقين مؤمن وكافر ، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده فقال إنه غنى عن حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين ، وحميد فى نفسه فيقبين به إصابة المؤمنين وتكمل بحمده الحامدون (وثالثها) هو أن السموات ومافيها والأرض ومافيها اذا كانت لله ومخلوقة له فالكل محتاجون فلا غنى إلا اللّه فهو الغنى المطلق وكل محتاج فهو حامد، لاحتياجه الى من يدفع حاجته فلا يكون الحميد المطلق إلا الغنى المطلق فهو الحميد، وعلى هذا [يكون] الحميد بمعنى المحمود، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا الواصف، أى وصف نفسه أو عباده بأو صاف حميدة، والعبد إذا قيل له حامد يحتمل ذلك المعنى ، ويحتمل كونه عابداً شاكراً له . ثم قال تعالى: ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مانفدت كلمات اللّه إن الله عزيز حكيم، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير لما قال تعالى (لله ما فى السموات والأرض) وكان ذلك موهماً لتناهى ملكه لانحصار ما فى السموات وما في الأرض فيهما، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن فى قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال ( ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام) ويكتب بها والأيحر مداد لا تفنى عجائب صنع اللّه، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز. يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك، ويقال للدواء فى حق المريض ١٥٨ قوله تعالى ولو ان ما في الارض من شجرة . سورة لقمان . هذا شفاؤك، ودليل صحة هذا هو أن اللّه تعالى سمى المسيح كلمة لأنه كان أمراً عجيباً وصنعاً غريباً لوجوده من غير أب، فإن قال قائل الآية واردة فى اليهود حيث قالوا اللّه ذكر كل شىء فى التوراة ولم يبق شىء لم يذكره ، فقال الذى فى التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية ، وقيل أيضاً إنها نزلت فى واحد قال النبى عليه السلام إنك تقول (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وتقول (ومن يؤت الحكمة فقد أولى خيراً كثيراً) فنزلت الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى العباد ، وبالنسبة إلى اللّه وعلومه قليل، وقيل أيضاً إنها نزلت رداً على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده محمد سينفد، فقال إنه كلام اللّه وهو لا ينفد، وما ذكر من أسباب النزول ينافى ماذكرتم من التفسير، لأنها تدل على أن المراد الكلام، فنقول ما ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا، لأنه إذا صلح جواباً لهذه الأشياء التى ذكر تموها وهى متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافى هذا . لأن كلام اللّه عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله، وإذا قلنا بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه، لا يقال إنك جعلت الكلام مخلوقاً، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب، وأما الكلمات فهى من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذى هو مكتوب، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله، فإنه بأمر الرسول كتب كذلك، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذى فيه ، ثم إن الآية فيها لطائف (الأولى) قال (ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام) وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما فى الأرض من الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما فى الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير ، يعنى ولو أن بعدد كل شجرة أفلاماً ( الثانية) قوله والبحر يمده تعريف البحر باللام لاستغراق الجنس وكل بحر مداد، ثم قوله (يمده من بعده سبعة أبحر) إشارة إلى بحار غير موجودة ، يعنى لو مدت البحار الموجودة بسعة أبحر أخر وقوله (سبعة) ليس لانحصارها فى سبعة، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد، لأنها عدد كثير يحصر المعدودات فى العادة، والذى يدل عليه وجوه (الأول ) هو أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان، لأن المكان فيه الأجسام والزمان فيه الأفعال، لكن المكان منحصر فى سبعة أقاليم والزمان فى سبعة أيام ، ولأن الكواكب السيارة سبعة، وكان المنجمون ينسبون اليها أموراً، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة فى العادة فاستعملت فى كل كثير (الثانى) هو أن الآحاد إلى العشرة وهى العقد الأول وما بعده يبتدى من الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر، ثم المئات من العشرات والألوف من المئات ، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلثم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط ، ولهذا يقال أقل ما يكون الإسم والفعل منه هو ثلاثة أحرف، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة التى هو العدد الأصلى تبقى .. ١٥٩ قوله تعالى : الم تر أن الله يولج الليل . سورة لقمان . أَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَكُلُّ يَجْرِّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ٢٩ السبعة القسم الا كثر، فاذا أريد بيان الكثرة ذكرت السبعة ، ولهذا فإن المعدودات فى العبادات من التسبيحات فى الانتقالات فى الصلوات ثلاثة، والمرار فى الوضوء ثلاثة تيسيراً للأمر على المكلف اكتفاء بالقسم الأول، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام ((المؤمن يأكل فى معى والكافر يأكل فى سبعة أمعاء)) إشارة إلى قلة الا كل وكثرته من غير إرادة السبعة بخصوصها، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير ، ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فان فيها الحسنى وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها ، والذى يدل على ماذكرنا فى السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واواً ، يقول الفراء إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم فى العرف، ثم بالثامن استئناف جديد( اللطيفة الثالثة ) لم يقال فى الأقلام المدد لوجهين (أحدهما) هو أن قوله (ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام) بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الا قلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله فى البحر ( والبحر يمده سبعة أبحر ) إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر فى المعنى (والثانى) هو أن النقصان بالكتابة يلحق المدادا كثر فانه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد فى البحر الذى هو كالمداد. ثم قال تعالى ( إن الله عزيز حكيم) لما ذكر أن ملكوته كثيراً أشار إلى ما يحقق ذلك فقال ( إنه عزير حكيم) أى كامل القدرة فيكون له مقدورات لانهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للايجاد وهو حكيم كامل العلم ففى علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مداداً لما نفد مافى علمه وقدر ته . ثم قال تعالى (ماخلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للمعشر وقال ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتى كونوا فيكونوا . ثم قال تعالى ( إن الله سميع بصير) سميع لما يقولون بصير بما يعملون فإذا كونه قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال يوجه ذلك الاجتناب التام والاحتراز الكامل. قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير﴾. ١٦٠ قوله تعالى : الْم تر أن الله يولج الليل . سورة لقمان . يحتمل أن يقال: إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال (ألم تر أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض ) على وجه العموم ذكر منها بعض ماهو فيهما على وجه الخصوص بقوله ( يوبج الليل فى النهار) وقوله ( وسخر الشمس والقمر) إشارة إلى مافى السموات ، وقوله بعد هذا ( ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمة اللّه) إشارة إلى مافى الأرض. ويحتمل أن يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول ( وما يهلكنا إلا الدهر ) والدهر هو الليالى والأيام ، قال الله تعالى هذه الليالى والأيام التى تنسبون إليها الموت والحياة هى بقدرة الله تعالى فقال ( ألم تر أن الله يرلج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل ) ثم إن قائلا لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التى هى فوق الأرض أكثر من التى تحت الأرض فيكون القليل أقصر والنهار أطول وتلدة تكون بالعكس وتارة يتساويان فيتساويان فقال تعالى ( وفر الشمس والقمر) يعنى إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها فى أوائلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى، فالآجال إن كانت بالمدد والمدد بسير الكواكب فسير الكوا كب ليس إلا بالله وقدرته ، وفى الآية مسائل : ( الأولى) إيلاج الليل فى النهار يحتمل وجهين (أحدهما) أن يقال المراد إيلاج الليل فى زمان النهار أى يجعل فى الزمان الذى كان فيه النهار الليل ، وذلك لأن الليل إذا كان مثلا اثنتى عشرة ساعة ثم يطول يصير الليل موجودا فى زمان كان فيه النهار (وثانيهما) أن يقال المراد إيلاج زمان الليل فى النهار أى يجعل زمان الليل فى النهار وذلك لأن الليل إذا كان كما ذكرنا اثنى عشرة ساعة إذا قصر صار زمان الليل موجوداً فى النهار ولا يمكن غير هذا لأن إيلاج الليل فى النهار محال الوجود فما ذكرنا من الإضمار لابد منه لكن الأول أولى لأن الليل والنهار أفعال والأفعال فى الأزمنة لأن الزمان ظرف فقولنا الليل فى زمان النهار أقرب من قولنا زمان الليل فى النهار لأن الثانى يجعل الظرف مظروفاً. إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى ( يولج الليل فى النهار) أى يوجده فى وقت كان فيه النهار والله تعالى قدم إيجاد الليل على إيجاد النهار فى كثير من المواضع كما فى قوله تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين) وقوله ( وجعل الظلمات والنور ) وقوله ( واختلاف الليل والنهار) ومن جنسه قوله ( خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهى أن الظلمة قد يظن بها أنها عدم النور والليل عدم النور والليل عدم النهار والحياة عدم الموت وليس كذلك إذ فى الأزل لم يكن نهار ولا نور ولا حياة لممكن ولا يمكن أن يقال كان فيه موت أو ظلمة أو ليل فهذه الأمور كالأعمى والأصم فالعمى والصمم ليس مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ولا سمع ولا يقال لشىء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول مايتحقق فيه العمى والصمم لا بد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما يكون فيه اقتضاء شىء، ويترتب عليه مقتضاه