النص المفهرس
صفحات 81-100
قوله تعالى : او لم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب . سورة العنكبوت . ٨١ إن شهادة اللّه أقوى فى إلزامهم من شهادة غير الله، وههنا الكلام مع أهل الكتاب. وشهادة المرء على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم . ثم إنه تعالى لما بين الطريقين فى إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكلام الشامل له) والابذار العام فقال تعالى (والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون) أى الذين آمنوا بما سوى اللّه لأن ماسوى الله باطل لأنه هالك بقوله (كل شيء هالك إلا وجهه) وكل ماهلك فقد بطل فكل هالك باطل وكل ما - وى اللّه باطل، فمن آمن بما سوى الله فقد آمن بالباطل، وفيه مسائل: ﴿ الأولى) قوله (أولئك هم الخاسرون) يقتضى الحصر أى من أتى بالإيمان بالباطل والكفر بالله فهو خاسر فمن يأتى بأحدهما دون الآخر ينبغى أن لا يكون خاسراً فنقول يستحيل أن يكون الآتى بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر، أما الآتى بالايمان بما سوى الله فلأنه أشرك بالله نجعل غير الله مثل غيره لكن غيره عاجز جاهل ممكن باطل فيكون الله كذلك فيكون إنكاراً للّه وكفراً به، وأما من كفر به وأنكره فيكون قائلا بأن العالم ليس له إله موجد فوجود العالم من نفسه ، فيكون قائلا بأن العالم واجب والواجب إله، فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير اللّه وإيماناً به. المسألة الثانية) إذا كان الإيمان بما سوى الله كفراً به، فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله ، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذى هو فى قول القائل قم ولا تقعد واقرب منى ولا تبعد ؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها. وهو أنه ذكر الثانى لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول باطل قبيح. ﴿ المسألة الثالثة) هل يتناول هذا أهل الكتاب أى هل هم آمنوا بالباطل وكفروا بالله؟ نقول نعم، لأنهم لمنا صح عندهم أن معجزة النبى من عند الله وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير الله، يكون كمن رآى شخصاً يرمى حجارة، فقال إن رامى الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد ، فكذلك هم لما قطعوا بأن مظهر المعجزة هو اللّه وقالوا بأن محمداً مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد هو الله تعالى فيكون إيماناً بالباطل، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس باله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذى هو الله ليس باله فيكون كفراً به، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول. فلعل العبد مخلوق اللّه تعالى أو مخلوق العبد، فانه أيضاً ينسب فعل الله إلى الغير، كما أن المعجزة فعل الله وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة، كمن يرى حجارة رميت ولم يرعين راميها، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو رامى هذه الحجارة، ثم إذا رآى راميها بعينه ويكون غير زيدلا يقطع بأن يقول هو زيد، وأما إذا رآى عينه ورميه للحجارة وقال رامى الحجارة زيد، يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من الفخر الرازي - ج ٢٥ م٦ ٨٢ قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب . سورة العنكبوت . ١٠٠٠٠٠٠٠٠ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى ◌َآءَ هُمُ الْعَذَابُ وَيَأْتِنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ( حيث إنهم كانوا معاندين عالمين بأن الله مظهر تلك المعجزة، ويقولون بأنها من عند غير الله. ثم قوله (هم الخاسرون) كذلك بأتم وجوه الخسران، وهذا لأن من يخسر رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال وتركبه تلك الديون ، فهم لما عبدوا غير الله أفنوا العمر ولم يحصل لهم فى مقابلته شىء ما أصلا من المنافع، واجتمع عليهم ديون رك الواجبات لهم بها. يطالبون بها حيث لاطاقة ثم قال تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وم لا يشعرون ﴾ . لما أنذرهم الله بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار لأن من خسر لا يحصل له فى مقابلة قدر الخسران شىء من المنافع وإلا لما كان الخسران ذلك القدر بل دونه ، مثاله إذا خسر واحد من العشرة درهماً لا ينبغى أن يكون حصل له فى مقابلة الدرهم مايساوى نصف درهم، وإلا لا يكون الخسران درهما بل نصف درهم، فإذن هم لما خسروا أعمارهم لا تحصل لهم منفعة تخفيف عذاب وإلا يكون ذلك القدر من العمر له منفعة فيكون للخاسر عذاب أليم، فقوله (وأولئكهم الخاسرون) تهديد عظيم فقالوا إن كان علينا عذاب فأتنا به ، إظهاراً لقطعهم بعدم العذاب ، ثم إنه أجاب بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم ولا يعجل باستعجالكم، لأنه أجله الله لحكمة ورحمة فظكونه حكيما لا يكون متغيراً منقلباً، ولكونه رحيما لا يكون غضوباً منزجاً، ولولا ذلك الأجل المسمى الذى اقتضته حكمته وارتضته رحمته لما كان له رحمة وحكمة، فيكون غضوباً منقلباً فيتأثر باستعجالكم ويتغير من سؤالكم فيعجل وليس كذلك فلا يأتيكم بالعذاب وأنتم تسألونه ولا يدفع عنكم العذاب حين تستعيذون به منه، كما قال تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها). ثم قال تعالى (وليأتينهم بغتة) اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم ليأتينهم العذاب بغتة، لأن العذاب أقرب المذكورين، ولأن مسئولهم كان العذاب ، فقال إنه ليأتينهم ، وقال بعضهم ليأتينهم بغتة أى الأجل، لأن الآتى بغتة هو الأجل وأما العذاب بعد الأجل يكون معاينة، وقد ذكرنا أن فى كون العذاب أو الأجل آتياً بغتة حكمة، وهى أنه لو كان وقته معلوماً ، لكان كل أحد يتكل على بعده وعلمه بوقته فيفسق ويفجر معتمداً على التوبة قبل الموت . وقوله تعالى ( وهم لا يشعرون) يحتمل وجهين (أحدهما ) تأكيد معنى قوله بغتة كما يقول القائل أتيته على غفلة منه بحيث لم يدر ، فقوله بحيث لم يدر أكد معنى الغفلة ( والثانى) هو كلام ٨٣ قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب . سورة العنكبوت . يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنََّ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ (® يَوْمَ يَغْشَئُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يفيد فائدة مستقلة، وهى أن العذاب يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا . ثم قال تعالى : ﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم المحيطة بالكافرين﴾ ذكر هذا للتعجب. وهذا لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطمة أو لكمة، فيرى من نفسه الجلد ويقول باسم الله هات، وأما من توعد بإغراق أو إحراق ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد، لا يخطر ببال العاقل أن يقول له هات ما تتوعدنى به، فقال ههنا ( يستعجلونك بالعذاب) والعذاب بنار جهنم المحيطة بهم، فقوله ( ويستعجلونك) أولا إخبار عنهم وثانياً تعجب منهم، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم ، فقال تعالى : ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } وفيه مسألتان : ﴿ الأولى) لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام؟ فنقول لأن المقصود ذکر ما تتميز به نار جهنمعن نار الدنيا و نار الدنیا تحيط بالجوانب الأربع، فان مندخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ويمينه ويساره وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل فى العادة العاجلة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التى تحت القدم ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفى. بالدوس موضع القدم. المسألة الثانية﴾ قال (من فوقهم ومن تحت أرجلهم) ولم يقل من فوق رءوسهم، ولا قال من فوقهم ومن تحتهم، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق ، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرءوس وسواء كان من موضع آخر عجيب ، فلهذا لم يخصه بالرأس، وأما بقاء النار تحت القدم حسب عجيب ، وإلا فمن جوانب القدم فى الدنيا يكون شعل وهى تحت فذكر العجيب وهو ماتحت الأرجل حيث لم ينطق بالدوس وما فوق على الإطلاق ثم قال تعالى ( ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا عذاب ما كنتم تعملون، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب ، فإن عملهم كان سباً لجعل اللّه إياه سباً لعذابهم ، وهذا كثير النظير فى الاستعمال. ٨٤ قوله تعالى . يا عبادي الذين آمنوا إن أرض واسعة . سورة العنكبوت . يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَلَى فَاعْبُدُونِ (٦ ثم قال تعالى: ﴿ ياعبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون وجه التعلق هو أن الله تعالى لما ذكر حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما فى الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا فى إيذاء المؤمنين ومنعوهم من العبادة فقال مخاطباً للمؤمنين ( ياعبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون) إن تعذرت العبادة عليكم فى بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتى بحال، وبهذا علم أن الجلوس فى دار الحرب حرام والخروج منها واجب ، حتى لو حلف بالطلاق أنه لا يخرج لزمه الخروج، وار]دع حتى يقع الطلاق ثم فى الآية مسائل : (إحداها ) (ياعبادى) لم يرد إلا المخاطبة مع المؤمنين مع أن الكافر داخل فى قوله ( ياعبادى) نقول ليس داخلا فى قوله (ياعبادى) نقول ليس داخلا فيه لوجوه: (أحدها) أن من قال فى حقه ( عبادى ) ليس للشيطان عليهم سلطان بدليل قوله تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يكون داخلا فى قوله ( ياعبادى) (الثانى) هو أن الخطاب بعبادى أشرف منازل المكلف، وذلك لأن الله تعالى لما خلق آدم آتاه اسماً عظيما وهو اسم الخلافة كما قال تعالى ( إنى جاعل فى الأرض خليفة) والخليفة أعظم الناس مقداراً وأثم ذوى البأس اقتداراً ، ثم إن إبليس لم يرهب من هذا الاسم ولم ينهزم ، بل أقدم عليه بسببه وعاداه وغلبه كما قال تعالى ( فأزلها الشيطان ) ثم إن من أولاده الصالحين من سمى بعبادى فانخنس عنهم الشيطان وتضاءل ، كما قال تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) وقال هو بلسانه (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك) فعلم أن المكلف إذا كان عبداً لله يكون أعلى درجة منا إذا كان خليفة لوجه الأرض ولعل آدم كداود الذى قال الله تعالى فى حقه (إنا جعلناك خليفة فى الأرض) لم يتخلص من يد الشيطان إلا وقت ما قال الله تعالى فى حقه عبدى وعندما ناداه بقوله (ربنا ظلمنا أنفسنا) واجتباه بهذا النداء، كما قال فى حق داود ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد) إذا علم هذا فالكافر لا يصلح للخلافة فكيف يصلح لما هو أعظم من الخلافة؟ فلا يدخل فى قوله (ياعبادى) إلا المؤمن (الثالث) هو أن هذا الخطاب حصل للمؤمن بسعيه بتوفيق الله، وذلك لأن الله تعالى (قال أدعو فى أستجب لكم) فالمؤمن دعا ربه بقوله (ربنا إنا سمعنا منادياً ينادى للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا) فأجابه اللّه تغالى بقوله ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فالإضافة بين الله وبين العبد بقول العبد إلهى وقول الله عبدى تأكدت بدعاء العبد، لكن الكافر لم يدع فلم يجب ، فلا يتناول ياعبادى غير المؤمنين . المسألة الثانية) إذا كان عبادى لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة فى قوله (الذين آمنوا) ٨٥ قوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت . سورة العنكبوت . كُلْ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْنِّ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف، كما يقال يا أيها المكلفون المؤمنون، ويا أيها الرجال العقلاء تمييزاً عن الكافرين والجهال ، فنقول الوصف يذكرلا للتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون، مع أن كل ني مكرم وكل ملك مطهر، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة، ومثل هذا قولنا الله العظيم وزيد الطويل، فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون . ﴿ المسألة الثالثة﴾ إذ قال (ياعبادى) فهم يكونون عابدين فما الفائدة فى الأمر بالعبادة بقوله فاعبدون؟ فنقول فيه فائدتان (إحداهما) المداومة أى يامن عبد تمونى فى الماضى اعبدونى فى فى المستقبل (الثانية ) الإخلاص أى يامن تعبدنى أخلص العمل لى ولا تعبد غيرى . ﴿ المسألةَ الرابعة) الفاء فى قوله (فاياى) تدل على أنه جواب الشرط فما ذلك؟ فنقول قوله ( إن أرضى واسعة ) إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكانه قال إذا كان لا مانع من عبادنى فاعبدونى، وأما الفاء فى قوله تعالى (فاعبدون ) فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه فكذلك ههنا لا أعلم نفسه بقوله ( فإياى) وهو لنفسه يستحق العبادة قال فاعبدون. ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال العبد مثل هذا فى قوله ( إياك نعبد) وقال عقيبه (وإياك نستعين) والله تعالى وافقه فى قوله ( فإياى فاعبدون ) ولم يذكر الإعانة نقول بل هى مذكورة فى قوله ( ياعبادى) لأن المذكور بعبادى لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان فى غاية الإعانة . المسألة السادسة﴾ قدم الله الإعانة وأخر العبد الاستعانة، قلنا لأن العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض، فإن الغرض سابق على الفعل فى الإدراك، وذلك لأن من يبنى بيتاً للسكنى يدخل فى ذهنه أولا فائدة السكنى فيحمله على البناء، لكن الغرض فى الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة ، فنقول الاستعانة من العبد لغرض العبادة فهى سابقة فى إدراكه، وأما الله تعالى فليس فعله لغرض فراعى ترتيب الوجود ، فان الإعانة قبل العبادة. ثم قال تعالى : ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون. لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان ، فقال لهم إن ما تكرهون لابد من وقوعه ( فان كل نفس ذائقة الموت) والموت مفرق الأحباب فالأولى أن يكون ذلك فى سبيل الله فيجازيكم عليه، فان إلى الله مرجعكم، وفيه وجه أرق وأدق، وهو أن اللّه تعالى قال كل نفس إذا كانت غير متعلقة بغيرها فهى للموت، ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى (لا يذوقون فيها الموت ) إذا ثبت هذا فمن يريد ألا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فان ٨٦ قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة العنكبوت . وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحِتِ لَنْبَوِّثَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَقَالَحْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهُ ٥٨ ◌َلِينَ فِيهَا نِعْمَ أَبْرُ الْعَمِلِينَ النفس ذائقته بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت ومورد الهلاك بقوله (كل نفس ذائقة الموت، وكل شىء هالك إلا وجهه ) فإذاً التعلق بالله يريح من الموت فقال تعالى ( فإياى فاعبدون ) أى تعلقوا بى، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت (ثم إلينا ترجعون) أى إذا تعلقتم بى فوتكم رجوع إلى وليس بموت كما قال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء) وقال عليه السلام (( المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار)) فعلى هذا الوجه أيضاً يتبين وجه التعلق . ثم قال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبونهم من الجنة غرفاً تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين ﴾ . بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع اليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله ( وإن جهنم محيطة بالكافرين ) فبين أن للمؤمنين الجنان فى مقابلة ما أن للكافرين النيران ، وبين أن فيها غرفاً تجرى من تحتها الأنهار فى مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار ، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى ( نعم أجر العاملين ) فى مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله (ذوقوا ما كنتم تعملون) ثم فى الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر فى العذاب أن فوقهم عذاباً أى ناراً ، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئاً، وإنما ذكر ما فوق من غير إضافة وهو الغرف، وذلك لأن المذكور فى الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان، لكن الكافر فى الدرك الأسفل من النار ، فيكون فوقه طبقات من النار، فأما المؤمنون فيكونون فى أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئاً إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم. وأما قوله تعالى (لهم غرف من فوقها غرف ) لا ينافى لأن الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهى فوقهم ، ومنها أن هناك ذكر من تحت أرجلهم النار، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء، وذلك لأن النار لا تؤلم إذا كانت تحت مطلقاً ما لم تكن فى مسامتة الأقدام ومتصلة بها، أما إذا كان الشعلة ماثلة عن سمت القدم وإن كانت تحتها، أو تكون مسامتة ولكن تكون غير ملاصقة بل تكون أسفل فى وهدة لا تؤلم ، وأما الماء إذا كان تحت الغرفة فى أى وجه كان وعلى أى بعد كان يكون ملتذاً به ، فقال فى النار من تحت أرجلهم ليحصل الألم بها ، وقال ههنا من تحت الغرف لحصول اللذة به كيف كان، ومنها أن هناك قال ذوقوا لإيلام قلوبهم بلفظ الأمر وقالههنا ( نعم أجر العاملين ) لتفريح قلوبهم لا بصيغة الأمر وذلك لأن لفظ الأمر يدل على انقطاع التعلق ٨٧ قوله تعالى : الذين صبروا على ربهم . سورة العنكبوت . الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (3) وَكَأَيِنِ مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإَِّكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ـ بعده ، فان من قال لأجيره خذ أجرتك يفهم منه أن بذلك ينقطع تعلقه عنه، وأما إذا قال ما أتم أجرتك عندى أو نعم مالك من الأجر يفهم منه أن ذلك عنده ولم يقل ههنا خذوا أجرتكم أيها العاملون وقال هناك ( ذوقوا ما كنتم تعملون) فإن قال قائل ذوقوا إذا كان يفهم منه الانقطاع فعذاب الكافر ينقطع، قلنا ليس كذلك لأن الله إذا قال ذوقوا دل على أنه أعطاهم جزاءهم وانقطع ما بينه وبينهم لكن يبقى عليهم ذلك دائماً ولا ينقص ولا يزداد، وأما المؤمن إذا أعطاه شيئاً فلا يتركه مع ما أعطاه بل يزيد له كل يوم فى النعم وإليه الاشارة بقوله ( الذين أحسنوا الحسنى وزيادة) أى الذى يصل إلى الكافر يدوم من غير زيادة والذى يصل إلى المؤمن يزداد على الدوام، وأما الخلود وإن لم يذكره فى حق الكافر لكن ذلك معلوم بغيره من النصوص. ثم قال تعالى : ﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ذكر أمرين الصبر والتوكل لأن الزمان ماض وحاضر ومستقبل لكن الماضى لاتدارك له ولا يؤمر العبد فيه بشىء، بقى الحاضر واللائق به الصبر والمستقبل واللائق به التوكل ، فيصبر على ما يصيبه من الأذى فى الحال ، ويتوكل فيما يحتاج إليه فى الاستقبال . واعلم أن الصبر والتوكل صفتان لا يحصلان إلا مع العلم بالله والعلم بما سوى الله، فمن علم ما سواه علم أنه زائل فيهون عليه الصبر إذ الص. على الزائل هين، وإذا علم اللّه علم أنه باق يأتيه بأرزاقه فان فاته شىء فانه يتوكل على حى باق ، وذكر الصبر والتوكل ههنا مناسب ، فان قوله ( ياعبادى) كان لبيان أنه لا مانع من العبادة، ومن يؤذى فى بقعة فايخرج منها. حصل الناس على قسمين قادر على الخروج وهو متوكل على ربه، يترك الأوطان ويفارق الاخوان ، وعاجز وهو صابر على تحمل الأذى ومواظب على عبادة الله تعالى. ثم قال تعالى ﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم) لما ذكر الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ذكر مايعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التى لا تدخر شيئاً لغد. ويأتيها كل يوم برزق رغد. وفى الآية مسائل. ﴿ المسألة الأولى﴾ فى كاين لغات أربع [لا] غير هذه [و] كائن على وزن راع وكأين على وزن ربع وکی علی دع ولم يقرأ إلا کاین وکان قراءة ابن كثير. المسألة الثانية﴾ كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأى التى تستعمل استعمال من وماركبتا وجعل المركب بمعنى كم، ولم تكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب، لأن كأى ٨٨ قوله تعالى : الذين صبروا على ربهم . سورة العنكبوت . يستعمل غير مركب كما يقول القائل رأيت رجلا لا كأى رجل يكون، فقد حذف المضاف إليه ويقال رأيت رجلا لا كأى رجل، وحينئذ لا يكون كاى مركباً ، فاذا كان كأى ههنا مركباً كتبت بالنون للتمييز كما تكتب معد يكرب وبعلبك موصولا للفرق. وكما تكتب ثمة بالهاء تميزاً بينها وبين ثمت . ﴿ المسألة الثالثة﴾ كاين بمعنى كم لم تستعمل مع من إلا نادراً وكم يستعمل كثيراً من غير من ، يقال كم رجلا وكم من رجل ، وذلك لما بينا من الفرق بين كأين بمعنى كم وكاى التى ليست مركبة، وذلك لأن كأى إذا لم تكن مركبة لا يجوز إدخال من بعدها إذ لا يقال رأيت رجلا لا كأى من رجل ، والمركبة بمعنى كم يجوز ذلك فيها فالتزم للفرق. قوله تعالى(لا تحمل رزقها) قيل لا تحمل لضعفها وقيل هى كالقمل والبرغوث والدود وغيرها وقيل لا تدخر (الله يرزقها وايا كم) بطريق القیاس أی لا شك فى أن رزقها لیس إلا بالله فکذلك یرزقكم فتوكلوا ، فان قال قائل من قال بأن الله يرزق الدواب بل النبات فى الصحراء مسبب والحيوان يسعى إليه ويرعى، فنقول الدليل عليهمن ثلاثة أوجه نظراً إلى الرزق وإلى المرتزق وإلى مجموع الرزق والمرتزق، أما بالنظر إلى الرزق فلان اللّه تعالى لو لم يخلق النبات لم يكن للحيوان رزق، وأمابالنظر إلى المرتزق فلا ن الاغتذاء ليس بمجرد الابتلاع بل لا بد من تشبئه بالأعضاء حتى يصير الحشيش عظماً ولحماً وشحماً ، وما ذاك إلا بحكمة الله تعالى حيث خلق فيه جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها من القوى وبمحض قدرة الله وإرادته فهو الذى يرزقها ، وأما بالنظر إلى المرتزق والرزق ، فلأن الله لو لم يهد الحيوان إلى الغذاء ليعرفه من الشم ما كان يحصل له اغتذاء، ألا ترى أن من الحيوان ما لا يعرف نوعاً من أنواع الغذاء حتى يوضع فى فمه بالشدة ليذوق فيأكله بعد ذلك ، فان كثيراً ما يكون البعير لا يعرف الخير ولا الشعير حتى يلقم مرتين أو ثلاثة فيعرفه فيأكله بعد ذلك، فان قال قائل كيف يصح قياس الانسان على الحيوان فيما يوجب التوكل والحيوان رزقه لا يتعرض إليه إذا أكل منه اليوم شيئاً وترك بقية يحدها غداً ، مامد إليه أحد يداً ، والانسان إن لم يأخذ اليوم لا يبقى له غداً شىء؟ وأيضاً حاجات الانسان كثيرةفانه يحتاج إلى أجناس اللباس وأنواع الأطعمة ولا كذلك الحيوان وأيضاً قوت الحيوان مهيأ وقوت الانسان يحتاج إلى كلف كالزرع والحصاد والطحن والخبز فلولم يجمعه قبل الحاجة ما كان يجده وقت الحاجة ، فنقول نحن لا نقول إن الجمع يقدح فى التوكل ، بل قد يكون الزارع الحاصد متوكلا والراكع الساجد غير متوكل، لأن من يزرع يكون اعتماده على الله واعتقاده فی الله أنه إن کان یرید یرزق من غير زرع، وإن كان يريد لا يرزق من ذلك الزرع فيعمل وقلبه مع الله هو متوكل حق التوكل، ومن يصلى وقلبه مع ما فى يد زيد وعمرو هو غير متوكل. وأما قوله حاجات الإنسان كثيرة ، فنقول مكاسبه كثيرة أيضاً ، فانه یکتسب بيده كالخياط والنساج، وبرجله كالساعى وغيره ، وبعينه كالناطور، وبلسانه كالحادى والمنادى، وبفهمه كالمهندس والتاجر، ١٠:١٠ ١١٠٠٦١٠ قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السموات . سورة العنكبوت . ٨٩ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَقَ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَّى يُؤْفَكُونَ (! وبعله كالطبيب والفقيه، وبقوة جسمه كالعتال والحمال ، والحيوان لا مكاسب له، فالرغيف الذى يحتاج إليه الإنسان غداً أو بعد غد، بعيد أن لا يرزقه الله مع هذه المكاسب، فهو أولى بالتوكل. وأيضاً الله تعالى خلق الإنسان بحيث يأتيه الرزق وأسبابه، فان اللّه ملك الإنسان عمائر الدنيا وجعلها حيث تدخل فى ملكه شاء أم أبى، حتى أن نتاج الأنعام وتمار الأشجار تدخل فى الملك وإن لم يرده مالك النعم والشجر، وإذا مات قرن ينتقل ذلك إلى قرن آخر قهراً شاؤا أم أبوا، وليس كذلك حال الحيوان أصلا ، فان الحيوان إن لم يأت الرزق لا يأتيه رزقه، فاذن الإنسان لو توكل كان أقرب إلى العقل من توكل الحيوان، ثم قال (وهو السميع العليم) سميع إذا طلبتم الرزق، يسمع ويجيب، عليم إن سكتم ، لا تخفى عليه حاجتكم ومقدار حاجتكم. ثم قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ﴾ . نقول لما بين اللّه الأمر للمشرك مخاطباً معه ولم ينتفع به وأعرض عنه وخاطب المؤمن بقوله (ياعبادي الذين آمنوا) وأتم الكلام معه ذكر معه ما يكون إرشاداً للمشرك بحيث يسمعه وهذا طريق فى غاية الحسن، فان السيد إذا كان له عبدان، أو الوالد إذا كان له ولدان وأحدهما رشيد والآخر مفسد، ينصح أولا المفسد ، فإن لم يسمع يقول معرضاً عنه ، ملتفتاً إلى الرشيد، إن هذا لا يستحق الخطاب فاسمع أنت ولا تكن مثل هذا المفسد، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح وزجر المفسد، فان قوله هذا لا يستحق الخطاب يوجب نكاية فى قلبه، ثم إذا ذكر مع المصلح فى أثناء الكلام والمفسد يسمعه ، إن هذا أخاك العجب منه أنه يعلم قبح فعله ويعرف الفساد من الصلاح وسبيل الرشاد والفلاح ويشتغل بضده، يكون هذا الكلام أيضاً داعياً له إلى سبيل الرشاد مانعاً له من ذلك الفساد ، فكذلك اللّه تعالى قال مع المؤمن العجب منهم أنهم إن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ثم لا يؤمنون، وفى الآية لطائف (إحداها) ذكر فى السموات والأرض الخلق ، وفى الشمس والقمر التسخير ، وذلك لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمة، فان الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون فى موضع واحد لا تتحرك ماحصل الليل والنهار ولا الصيف ولا الشتاء، فإذاً الحكمة فى تحريكهما وتسخيرهما ( الثانية ) فى لفظ التسخير، وذلك لأن التحريك يدل على مجرد الحركة وليس مجرد الحركة كافياً ، لأنها لو كانت تتحرك مثل حر كتنا لما كانت تقطع الفلك بألوف من السنين ، فالحكمة فى تسخير هما تحركهما فى قدر ما يتنفس الانسان ٩٠ قوله تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء . سورة العنكبوت . الله ◌َبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ وَ إِنَّ اللّهَ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ آلافاً من الفراسخ، ثم لم يجعل لهما حركة واحدة بل حركات، إحداها حركتها من المشرق إلى المغرب فى كل يوم وليلة مرة ، والأخرى حركتها من المغرب الى المشرق ، والدليل عليها أن الهلال يرى فى جانب الغرب على بعد مخصوص من الشمس ، ثم يبعد منه إلى جانب الشرق حتى يرى القمر فى نصف الشهر فى مقابلة الشمس، والشمس على أفق المغرب، والقمر على أفق المشرق، وحركة أخرى حركة الأوج وحركة المائل والتدوير فى القمر، ولولا الحركة التى من المغرب إلى المشرق لما حصلت الفصول، ثم اعلم أن أصحاب الهيئة قالوا الشمس فى الفلك مركوزة والفلك يديرها بدورانه وأنكره المفسرون الظاهريون، ونحن نقول لا بعد فى ذلك إن لم يقولوا بالطبيعة، فإن الله تعالى فاعل مختار إن أراد أن يحركهما فى الفلك والفلك ساكن يجوز، وإن أراد أن يحر كهما بحركة الفلك وهما ساكنان يجوز ولم يرد فيه نص قاطع أو ظاهر ، وسنذكر تمام البحث فى قوله تعالى ( وكل فى فلك يسبحون) (الثالثة) ذكر أمرين أحدهما خلق السموات والأرض والآخر تسخير الشمس والقمر، لأن الإيجاد قد يكون للذوات وقد يكون للصفات، خلق السموات والأرض إشارة إلى إيجاد الذوات، وتسخير الشمس والقمر إشارة إلى إيجاد الصفات وهى الحركة وغيرها، فكأنه ذكر من القبيلين مثالين، ثم قال تعالى (فأنى يؤفكون) يعنى ثم يعتقدون هذا فكيف يصرفون عن عبادة الله، مع أن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق السموات والأرض، ولا حقارة فوق حقارة الجماد، لأن الجماد دون الحيوان ، والحيوان دون الانسان ، والانسان دون سكان السموات فنكيف يتر كون عيادة أعظم الموجودات ويشتغلون بعبادات أخس الموجودات . ثم قال تعالى : ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و یقدر له إن الله بكل شىء عليم قوله تعالى ( الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده) لما بين الخلق ذكر الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الانسان بالرزق ، فقال المعبود إما أن يعبد لاستحقاقه العبادة، وهذه الأصنام ليست كذلك واقه مستحقها، وإما لكونه على الشأن والله الذى خلق السموات على الشأن جلى البرهان فله العبادة، وإما لكونه ولى الاحسان والله يرزق الخلق فله الطول والاحسان والفضل والامتنان فله العبادة من هذا الوجه أيضاً وقوله ( لمن يشاء) إشارة إلى كمال الاحسان،، وذلك لأن الملك إذا أمر الخازن باعطاء شخص شيئاً، فإذا أعطاه يكون له منة ما يسيرة حقيرة، لأن الآخذ يقول هذا ليس بإرادته وإنما هو بأمر الملك، وأما إن كان مختاراً بأن قال له الملك إن شئت فأعطه وإن شئت فلا تعطه ، فإن أعطاه يكون له منة جليلة لا قليلة ، فقال الله تعالى الرزق منه ويمشيئته فهو إحسان تام يستوجب شكراً تاماً وقوله تعالى (ويقدر له ) أى يضيق له إن أراد، ثم قال تعالى ٩١ قوله تعالى : ولئن سألتهم من نزل من السماء . سورة العنكبوت . وَلَيٍ سَأَلْتَّهُم مَّن ◌َزْلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْبَابِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا سِقُولُنَّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَ يَعْقِلُونَ (9هـ 2 وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ ◌َهْوٌ وَلَعِبُ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَنُواْ ( أن الله بكل شىء عليم ) أى يعلم مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق وفى إثبات العلم ههنا لطائف ( إحداها) أن الرازق الذى هو كامل المشيئة إذا رأى عبده محتاجاً وعلم جوعه لا يؤخر عنه الرزق، ولا يؤخر الرازق الرزق إلا لنقصان فى نفوذ مشيئته كالملك إذا أراد الاطعام والطعام لا يكون بعد قد استوى ، أو لعدم علمه بجوع العبيد (الثانية) وهى أن الله باثبات العلم استوعب ذكر الصفات التى هى صفات الاله ومن أنكرها كفر وهى أربعة الحياة والقدرة والارادة والعلم وأما السمع والبصر والكلام القائم به من ينكرها يكون مبتدعاً لا كافراً، وقد استوفى الأربع، لأن قوله ( خلق السموات والأرض ) إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله ( يبسط الرزق لمن يشاء) إشارة الى نفوذ مشيئته وإرادته، وقوله ( إن الله بكل شيء عليم ) إشارة إلى شمول عليه، والقادر المريد العالم لا يتصور إلا حياً، ثم إنه تعالى لما قال ( الله يبسط الرزق) ذكر اعترافهم بذلك. فقال : ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون يعنى هذا سبب الرزق وموجد السبب موجد المسبب، فالرزق من اللّه، ثم قال تعالى (وقل الحمد لله) وهو يحتمل وجوهاً (أحدها ) أن يكون كلاما معترضاً فى أثناء كلام كأنه قال: فأحيا به الأرض من بعد موتها ( بل أكثرهم لا يعقلون) فذكر فى أثناء هذا الكلام (الحمد) لذكر النعمة ، كما قال القائل : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (الثانى) أن يكون المراد منه كلاماً متصلا، وهو أنهم يعرفون بأن ذلك من اللّه ويعترفون ولا يعملون بما يعلمون، وأنت تعلم وتعمل فكذلك المؤمنون بك فقل الحمد لله وأكثرهم لا يعقلون أن الحمد كله لله فيحمدون غير الله على نعمة هى من اللّه (الثالث) أن يكون المراد أنهم يقولون إنه من اللّه ويقولون بالهية غير اللّه فيظهر تناقض كلامهم وتهافت مذهبهم (فقل الحمد لله) على ظهور تناقضهم (وأكثرهم لا يعقلون) هذا التناقض أو فساد هذا التناقض. ثم قال تعالى: ﴿ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان ٩٢ قوله تعالى : وما هذه الحياة الدنيا . سورة العنكبوت . يَعْلَمُونَ لو كانوا يعلمون لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق وكونه هو الرزاق وهم يتركون عبادته ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا بين أن ما يميلون إليه ليس بشىء بقوله ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ) وفى الآية مسائل : ﴿الأولى) ما الفرق بين اللهو واللعب، حتى يصح عطف أحدهما على الآخر؟ فنقول الفرق من وجهين ( أحدهما ) أن كل شغل يفرض ، فإن المكلف إذا أقبل عليه لزمه الإعراض عن غيره ومن لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى، فالذى يقبل على الباطل لذة يسيرة زائلة فيه يلزمه الاعراض عن الحق فالاقبال على الباطل لعب والاعراض عن الحق لهو، فالدنيا لعب أى إقبال على الباطل ، ولهو أى إعراض عن الحق (الثانى) هو أن المشتغل بشىء يرجح ذلك الشىء على غيره لا محالة حتى يشتغل به ، فإما أن يكون ذلك الترجيح على وجه التقديم بأن يقول أقدم هذا وذلك الآخر آتى به بعده أو يكون على وجه الاستغراق فيه والاعراض عن غيره بالكلية فالأول لعب والثانى لهو ، والدليل عليه هو أن الشطرنج والخام وغيرهما مما يقرب منهما لا تسفى آلات الملاهى فى العرف، والعود وغيره من الأوتار تسمى آلات الملاهى لأنها تلهى الانسان عن غيرها لما فيها من اللذة الحالية ، فالدنيا للبعض لعب يشتغل به ويقول بعد هذا الشغل أشتغل بالعبادة والآخرة، وللبعض لهو يشتغل به وينسى الآخرة بالكلية. المسألة الثانية ) قال الله تعالى فى سورة الأنعام (وما الحياة الدنيا) ولم يقل وما هذه الحياة وقال ههنا (وما هذه) فنقول لأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا، حيث قال تعالى ( فأحيا به الأرض من بعد موتها ) فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال ( ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) فلم تمكن الدنيا فى ذلك الوقت فى خاطرهم فقال ( وما الحياة الدنيا). المسألة الثالثة﴾ قال هناك (إلا لعب ولهو) وقال ههنا (الا لهو ولعب) فنقول لما كان المذكور هناك من قبل الآخرة وإظهارهم للحسرة ، ففى ذلك الوقت يبعد الاستغراق فى الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد، وأما مهنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهى خداعة تدعو : النفوس إلى الاقبال عليها والاستغراق فيها . اللهم إلا لمانع يمنعه من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها، ولعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلا ، فكان ههنا الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال هناك (والدار الآخرة خير) وقالى ههنا. ( وإن الدار الآخرة ٩٣ قوله تعالى : فاذا ركبوا في الفلك . سورة العنكبوت فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعُواْلَّ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَّاتَُّهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٥) لِيَكْفُرُواْبِمَاءَ اتَقْتَدُهُمْ وَلِيَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (إلا) لهى الحيوان) فنقول لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى رادع قوى فقال الآخرة خير ، ولما كان ههنا الحال حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى رادع قوى فقال لا حياة إلا حياة الآخرة، وهذا كما أن العاقل إذا عرض عليه شيئان فقال فى أحدمما هذا خير من ذلك يكون هذا ترجيحاً فحسب، ولو قال هذا جيد وهذا الآخر ليس بشىء يكون ترجيحاً مع المبالغة فكذلك ههنا بالغ لكون المكلف متوغلا فيها . المسألة الخامسة﴾ قال هناك ( خير للذين يتقون) ولم يقل ههنا إلا لهى الحيون، لأن الآخرة خير للتقى حسب أى المتقى عن الشرك، وأما الكافر فالدنيا جنته فهى خير له من الآخرة، وأما كون الآخرة باقية فيها الحياة الدائمة فلا يختص بقوم دون قوم. المسألة السادسة) كيف أطلق الحيوان على الدار الآخرة مع أن الحيوان نام مدرك؟ فنقول الحيوان مصدر حى كالحياة لكن فيها مبالغة ليست فى الحياة والمراد بالدار الآخرة هى الحياة الثانية ، فكأنه قال الحياة الثانية هى الحياة المعتبرة أو نقول لما كانت الآخرة فيها الزيادة والنمو كما قال تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وكانت هى محل الادراك التام الحق كما قال تعالى (يوم تبلى السرائر ) أطلق عليها الاسم المستعمل فى النامى المدرك . المسألةُ السابعة﴾ قال فى سورة الأنعام (أفلا تعقلون) وقال ههنا (لو كانوا يعلمون) وذلك لأن المثبت هناك كون الآخرة خيراً وأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت ههنا أن لاحياة إلا حياة الآخرة ، وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع. ثم قال تعالى ﴿فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم. إلى البر إذا هم يشركون إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا ، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا. ثم قال تعالى ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون﴾ وفيه وجهان: (أحدهما) أن اللام لام كى، أى يشركون ليكون إشراكهم كفراً بنعمة الإنجاء، وليتمتعوا بسبب الشرك فسوف يعلمون بوبال عملهم حين زوال أملهم ( والثانى ) أن تكون اللام لام الأمر ويكون المعنى ليكفروا على التهديد • كما قال تعالى (اعملوا ما شئتم) وكما قال (اعملوا على مكانتكم إنى عامل ٩٤ قوله تعالى : أو لم يروا أنا جعلنا حرماً . سورة العنكبوت . أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَمَاءَامِنّا وَيُخَطّفُ النَّاسُ مِنْ خَوْلِمْ أَبِلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةٍ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ بِ أَفْتَرَ عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَّهٍُ أَلَيْسَ فِی جَهَنَّ مَنْوَىلِلْفِینَ ٦٨ فسوف تعلمون ) فساد ما تعملون. ثم قال تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله يكفرون﴾. التفسير ظاهر ، وإنما الدقيق وجه تعلق الآية بما قبلها ، فنقول الانسان فى البحر يكون على أخوف ما يكون وفى بيته يكون على آمن ما يكون لاسيما إذا كان بيته فى بلد حصين فلما ذكر الله المشركين حالهم عندالخوف الشديد ورأوا أنفسهم فى تلك الحالة راجعة الى الله تعالى ذكرهم حالهم عند الأمن العظيم وهى كونهم فى مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم، وهى حصين بحصن الله حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها ، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس ویکفها یعنی أنکم فی أخوف ما کنتمدعو تمالله وفیآمن ماحصلتم عليه كفرتم بالله ، وهذا متناقض لأن دعاءكم فى ذلك الوقت على سبيل الاخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لاغير فهذه النعمة العظيمة التى حصلت وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله كيف تكفرون بها؟ والأصنام التى قطعتم فى حال الخوف أن لا أمن منها كيف آمنتم بها فى حال الأمن؟. ثم قال تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس فى جهنم مثوى للكافرين﴾ . لما بين اللّه الأمور على الوجه المذكور ولم يؤمن به أحد بين أنهم أظلم من يكون، لأن الظلم على ما بين وضع الشىء فى غير موضعه، فإذا وضع واحد شيئاً فى موضع ليس هو موضعه يكون ظالماً فإذا وضعه فى موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم لأن عدم الامكان أقوى من عدم الحصول،لأن کل ما لا یمکن لايحصل وليس كل مالايحصل لا يمكن ، فالله تعالى لا یمکن أن يكون له شريك وجعلوا له شريكا فلو كان ذلك فى حق ملك مستقل فى الملك لكان ظلماً يستحق من الملك العقاب الأليم فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك، وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب يكون ظلماً فن يكذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب كيف يكون حاله؟ فإذا ليس أظلم ممن يكذب على الله بالشرك ويكذب الله فى تصديق نبيه والنبى فى رسالة ربه والقرآن المنزل من الله إلى الرسول، والعجب من المشركين أنهم قبلوا المتخذ من خشب منحوت ٩٥ قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا . سورة العنكبوت . وَالَّذِينَ جَهَدُ وَأْفِيْنَا لَهْدِيَهُمْ سُلَنَا وَ إِنَّ اللََّ لَمَعَ الْمُحْسِنَ (8) بالالهية ، ولم يقبلوا ذا حسب منعوت بالرسالة، والآية تحتمل وجهاً آخر وهو أن اللّه تعالى لما بين التوحيد والرسالة والحشر وقرره ووعظ وزجر قال لنبيه ليقول للناس (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) أى إنى جئت بالرسالة وقلت إنها من اللّه وهذا كلام اللّه، وأنتم كذبتمونى فالحال دائر بين أمرين ، أما أنا مفتر متفى ان كان هذا من عند غير الله أو أنتم مكذبون بالحق إن كان من عنده لكنى معترف بالعذاب الدائم عارف به فلا أقدم على الافتراء لأن (جهنم مثوى للكافرين) والمتنبى. كافر، وأنتم كذبتمونى جهنم مثواكم إذ هى مثوى للكافرين، وهذا حينئذ يكون كقوله تعالى ( وإنا أو إيا كم لعلى هدى أو فى ضلال مبين ). ثم قال تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين). لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين بقوله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) أى من جاهد بالطاعة هداه سبل الجنه (وإن الله لمع المحسنين) إشارة إلى ما قال (الذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فقوله (لنهدينهم) إشارة الى الحسنى وقوله (وإن الله لمع المحسنين) إشارة إلى المعية والقربة التى تكون للبحسن زيادة على حسناته، وفيه وجه آخر حكمى وهو أن يكون المعنى ( والذين جاهدوا فينا) أى الذين نظروا فى دلائلنا (لنهدينهم سبلنا) أى لنحصل فيهم العلم بنا . ولنبين هذا فضل بيان ، فنقول أصحابنا المتكلمون قالوا إن النظر كالشرط للعلم الاستدلالى والله يخلق فى الناظر علماً عقيب نظره ووافقهم الفلاسفة على ذلك فى المعنى وقالوا النظر معد للنفس لقبول الصورة المعقولة، وإذا استعدت النفس حصل لها العلم من فيض واهب الصور الجسمانية والعقلية، وعلى هذا يكون الترتيب حسناً، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تفدهم العلم والايمان قال (إنهم لم ينظروا فلم يهتدوا وإنما هو هدى للمتقين) الذين يتقون التعصب والعناد فينظرون فيهديهم وقوله ( وإن الله لمع المحسنين) إشارة الى درجة أعلى من الاستدلال كأنه تعالى قال من الناس من يكون بعيداً لا يتقرب وهم الكفار، ومنهم من يتقرب بالنظر ووالسلوك فيهديهم ويقربهم ومنهم من يكون الله معه ويكون قريباً منه يعلم الأشياء منه ولا يعلمه من الأشياء، ومن يكون مع الشىء كيف يطلبه فقوله (ومن أظلم) إشارة إلى الأول وقوله ( والذين جاهدوا فينا) إشارة إلى الثانى وقوله (وإن الله لمع المحسنين) إشارة إلى الثالث. والله أعلم بأسرار كتابه، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين. ٩٦ سورة الروم (٣٠) سُورَة الرومِمِكِيَّةْ وَأَنََّاتِهَا سَبُوْنَ ستون آية مكية إلا آية ١٧ فمدنية ، نزلت بعد الانشقاق إِلَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِشْـ الّمّ ◌ِ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ فِى أَدْنَى الْأَرْضِ وَهَم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم ألم غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، فى بضع سنين وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول ، فنقول لما قال الله تعالى فى السورة المتقدمة ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن ) وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما فى قوله (صم بكم عمى فهم لا يعقلون) وكان أهل الكتاب يوافقون النبى فى الإله كما قال (وإلهنا وإلهكم واحد) وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال ( والذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) أى أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم فى الأمور ، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق ، بل اللّه تعالى قد يريد مزيد ثواب فى المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادى ، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادى ، وفى الآية مسائل: ﴿الأولى﴾ ما الحكمة فى افتتاح هذه السورة بحروف التهجى؟ فنقول قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجى فإن فى أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كما فى قوله تعالى (المّ ذلك الكتاب)، (المص٣ كتاب)، (طه ما أنزلنا عليك القرآن)، (الم تنزيل الكتاب)، (حم تنزيل من الرحمن الرحيم)، (يس والقرآن)، (ص والقرآن) إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما فى العنكبوت وقد ذكرنا ما الحكمة فيهما فى موضعهما فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن السورة التى فى أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن فى أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه فى العنكبوت وهذه ذكر فى أولها ماهو معجزة وهو الإخبار عن الغيب ، فقدمت الحروف التى لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتفرع الأسماع. ﴿ المسألة الثانية﴾ قوله تعالى (فى أدنى الأرض) أى أرض العرب، لأن الألف واللام ٩٧ قوله تعالى : في بضع سنين لله الأمر . سورة الروم . فِى بِضْعِ مِنَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمٍَ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ للتعريف والمعهود عندهم أرضهم وقوله تعالى (وهم من بعد غلبهم) أية فائدة فى ذكره مع أن قوله ( سيغلبون ) بعد قوله (غلبت الروم) لا يكون إلا من بعد الغلبة؟ فنقول الفائدة فيه إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفاً، فلو كان غلبتهم لشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم فاذا غلبوا بعد ما غلبوا ، دل على أن ذلك بأمر الله، فذكر من بعد غلبهم ليتفكروا فى ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بزحفهم ، وإنما ذلك بأمر الله تعالى وقوله ( فى أدنى الأرض) لبيان شدة ضعفهم، أى انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم فى بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هناك الرومية لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم باذن الله . المسألة الثالثة﴾ قال تعالى (فى بضع سنين) قيل هى ما بين الثلاثة والعشرة، أبهم الوقت الوقت مع أن المعجزة فى تعيين الوقت أتم فنقول السنة والشهر واليوم والساعة كلها معلومة عند الله تعالی ویینها لنبيه وما أذن له فى إظهارها لأن الكفار کانوا معاندین والأمورالتى تقع فى البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف فى كلامه ولما وردت الآية ذكر أبو بكر رضى الله عنه أن الروم ستغلب وأنكره أبى بن خلف وغيره، وناحبوا أبابكر أى خاطروه على عشرة قلائص إلى ثلاث سنين فقال عليه السلام لأبى بكر البضع ما بين الثلاثة والعشرة فزايده فى الإبل وماده فى الأجل جعلا القلائص مائة والأجل سبعاً، وهذا يدل على علم النبى عليه السلام بوقت الغلبة. قوله تعالى : ﴿اللّه الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ثم قال تعالى (لله الأمر من قبل ومن بعد) أى من قبل الغلبة ومن بعدها أو من قبل هذه المدة ومن بعدها ، يعنى إن أراد غلبهم غلبهم قبل بضع سنين وإن أراد غلبهم غلبهم بعدها ، وما قدر هذه المدة لعجز وإنما هى إرادة نافذة ، وبنيا على الضم لما قطعا عن الاضافة لأن غير الضمة من الفتحة والكسرة يشتبه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر ، أما النصب ففى قولك جئت قبله أو بعده ، وأما الجر ففى قولك من قبله ومن بعده فنياً على الضم لعدم دخول مثلهما عليه فى الاعراب وهو الرفع ( ويومئذ يفرح المؤمنون) قيل يفرحون بغلبة الروم على الفرس كما فرح المشركون بغلبة الفرس على الروم ، والأصح أنهم يفرحون بغلبتهم المشركين وذلك لأن غلبة الروم كانت يوم غلبة المسلمين المشركين بيدر، ولو كان المراد ماذكروه لما صح لأن فى ذلك اليوم بعينه لم يصل إليهم خبر الكسر فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده. الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٧ ٩٨ قوله تعالى : بنصر الله ينصر من يشاء . سورة الروم . ◌ِنَصْرِ اللَِّ يَنْصُرُ مَن يَشَاءٍ وَهُوَ الْعَنِيزُالَّحِيمُ (٣ّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ. يَعْلُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ وَلَكِنَّ أَكْثَ النَّاسِ لَا يَعْلُونَ ( ٦ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ( أَوَلَمْ يَتَفَكَُّواْ فِىَ أَنفُسِهِمَ مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَلَوَّتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّى وَإِنَّ كَثِرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَّآٍ رَيِهِمْ . ثم قال تعالى: ﴿بنصر الله ينصر من يشاء [ وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾. قوله ] تعالى ( بنصر الله ينصر من يشاء) قدم المصدر على الفعل حيث قال (بنصر الله ينصر) وقدم الفعل على المصدر فى قوله ( وأيدك بنصره ) وذلك لأن المقصود ههنا بيان أن النصرة بيد الله إن أراد نصر وإن لم يرد لا ينصر، وليس المقصود النصرة ووقوعها والمقصود هناك إظهار النعمة عليه بأنه نصره ، فالمقصود هناك الفعل ووقوعه فقدم هناك الفعل ، ثم بين أن ذلك الفعل مصدره عند الله، والمقصود ههنا كون المصدر عند الله إن أراد فعل فقدم المصدر . ثم قال تعالى (وهو العزيز الرحيم) ذكر من أسمائه هذين الأسمين لأنه إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك لعزته وعدم افتقاره، وإن نصر المحب فذلك لرحمته عليه، أو نقول إن نصر الله المحب فلعزته واستغنائه عن العدو ورحمته على المحب، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ورحمته فى الآخرة واصلة إليه . . ثم قال تعالى (وعد الله لا يخلف الله وعده) يعنى سيغلبون وعدهم الله وعداً ووعد الله لا خلف فيه ، قوله تعالى (ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أى لا يعلمون وعده وأنه لا خلف فى وعده . ثم قال تعالى ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) يعنى علمهم منحصر فى الدنيا وأيضاً لا يعلمون الدنيا كماهى وإنما يعلمون ظاهرها وهى ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهى مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها ( وهم عن الآخرة هم غافلون) والمعنى هم عن الآخرة غافلون ، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهذا كما يقول القائل لغيره غفلت عن أمرى ، فإذا قال هو شغلنى فلان فيقول ما شغلك ولسكن نت اشتغلت . ثم قال تعالى: ﴿أو لم يتفكروا فى أنفسهم [ ماخلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ٩٩ قوله تعالى : وإن كثيرا من الناس . سورة الروم . لَكَفِرُونَ وأجل مسمى وإن کثیراًمن الناس بلقاء ربهم الكافرون قوله] تعالى (أو لم يتفكروا فى أنفسهم) لما صدر من الكفار الإنكار بالله عند إنكار وعد الله وعدم الخلف فيه كما قال تعالى (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) والإنكار بالحشر كما قال تعالى ( وهم عن الآخرة هم عافلون) بين أن الغفلة وعدم العلم منهم بتقدير اللّه وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهو [أن] أنفسهم لو تفكروافيها لعلموا وحدانية الله وصدقوا بالحشر، أما الوحدانية فلأن الله خلقهم على أحسن تقويم، ولنذكر من حسن خلقهم جزأ من ألف ألف جزء وهو أن الله تعالى خلق للانسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه، والآخر لخروج الطعام منه، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ولا بالرشح، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجاً صالحاً، ثم يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت المعدة عروقاً دقاقاً صلاباً كالمصفاة التى يصفى بها الشىء فينزل منها الصافى إلى الكبد وينصب الثفل إلى معى مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجهاً إلى الخروج، وما يدخل فى الكبد من العروق المذكورة يسمى الماساريقا بالعبرية، والعبرية عربية مفسودة فى الأكثر، يقال لموسى ميشا وللاله إيل إلى غير ذلك، فالماساريقا معناها ماساريق اشتمل عليه الكبد وأنضجه نضجاً آخر، ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق وينذرق فى العروق الدقاق المذكورة، وفى الكبد يستغنى عن ذلك الماء فيتميز عنه ذلك الماء وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذى به الكلية وغيرها ، ويخرج الدم الخالص من الكبد فى عرق كبير ، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول ، والجداول إلى سواق، والسواقى إلى رواضع ويصل فيها إلى جميع البدن، فهذه حكمة واحدة فى خلق الإنسان ، وهذه كفاية فى معرفة كون الله فاعلا مختاراً قادراً كاملا عالماً شاملا عليه ، ومن يكون كذلك يكون واحداً وإلا لكان عاجزاً عند إرادة شريكه ضد ما أراده. وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا تفكر فى نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فله فناء ضرورى، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثاً، وإليه أشار بقوله (أحسبتم أنما خلقناكم عبئاً) وهذا ظاهر، لأن من يفعل شيئاً للعبث فلو بالغ فى إحكامه وإتقانه يضحك منه ، فإذا خلقه للبقاء ولابقاء دون اللقاء فالآخرة لابد منها، ثم إنه تعالى ذكر بعددليل الأنفس دليل الآفاق فقال (ماخلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) فقوله (إلا بالحق) إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية، وقد بينا ذلك فى قوله (خلق الله السموات والأرض بالحق إن فى ذلك لآية للمؤمنين) ونعيده فإن التكرير فى الذهن يفيد التقرير لذى الذهن ، فنقول إذا كان بالحق لا يكون فيها بطلان ١٠٠ قوله تعالى : وإن كثيرا من الناس . سورة الروم . فلا يكون فيها فساد. لأن كل فاسد باطل وإذا لم يكن فيها فسادلا تكون آلهة وإلا لكان فيها فساد. كما قال تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقوله (وأجل مسمى) يذكر بالأصل الآخر الذى أنكروه ثم قال تعالى ( وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم الكافرون) يعنى لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء إما فى إسعاد أو شقاء، وفى الآية مسائل : و المسألة الأولى ﴾ قدم ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفى قوله تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم) قدم دلائل الآفاق ، وذلك لأن المفيد إذا أفاد فائدة يذكرها على وجه جيد يختاره فإن فهمه السامع المستفيد فذلك وإلا يذكر ها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة، وأما المستفيد فإنه يفهم أولا الأبين ، ثم يرتقى إلى فهم ذلك الأخفى الذى لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخراً، فالمذكور من المفيد آخراً مفهوم عند السامع أولا ، إذا علم هذا فنقول ههنا الفعل كان منسوباً إلى السامع حيث قال (أولم يتفكروا فى أنفسهم) يعنى فيما فهموه أولا ولم يرتقوا إلى ما فهموه ثانياً، وأما فى قوله ( سنريهم ) الأمر منسوب إلى المفيد المسمع فذكر (أولا) الآفاق فان لم يفهموه فالأنفس لأن دلائل الأنفس لاذهول للانسان عنها ، وهذا الترتيب مراعى فى قوله تعالى ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) أى يعلمون الله بدلائل الأنفس فى سائر الأحوال ( ويتفكرون فى خلق السموات والأرض) بدلائل الآفاق . المسألة الثانية﴾ وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر، وأما وجه دلالته على الحشر فكيف هو؟ فنقول وقوع تخريب السموات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع، لأن الله قادر على إبقاء الحادث أبداً كما أنه يبقى الجنة والنار بعد إحداثهما أبداً، والخلق دليل إمكان العدم . لأن المخلوق لم يجب له القدم نجاز عليه العدم ، فإذا أخبر الصادق عن أمر له إمكان وجب على العاقل التصديق والإذعان، ولأن العالم لما كان خلقه بالحق فينبغى أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية لأن هذه الحياة ليست إلا لعباً ولهواً كما بين بقوله تعالى ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) وخلق السموات والأرض للهو واللعب عبث، والعبث ليس بحق وخلق السموات والأرض بالحق فلا بد من حياة بعد هذه. المسألة الثالثة﴾ قال ههنا ( كثيراً من الناس) وقال من قبل (ولكن أكثر الناس) وذلك لأنه من قيل لم يذكر دليلا على الأصلين، وههنا قد ذكر الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة ولاشك فى أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل ، فبعد الدلائل لابد من أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع فلا يبقى الأكثر كما هو ، فقال بعد إقامة الدليل (وإن كثيراً) وقبله ( ولكن أكثرهم ) ثم بعد الدليل الذى لا يمكن الذهول عنه، والدليل الذى لا يقع الذهول عنه وإن أمكن هو السموات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التى فوقه والأرض التى تحته، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم وحكاية أشكالهم .