النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
قوله تعالى : وقصص عليه القصص. سورة القصص.
موسى عليه السلام هى الكبرى على قول الأكثرين، وقال الكلى هى الصغرى، وليس فى القرآن
دلالة على شىء من هذه التفاصيل .
أما قوله ( قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) ففيه إشكالات: (أحدها) كيف
ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشى معها وهى أجنبية، فإن ذلك يورث التهمة
العظيمة، وقال عليه السلام («اتقوا مواضع التهم))؟ (وثانيها) أنه سقى أغنامهما تقرباً إلى الله تعالى
فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز فى المروءة، ولا فى الشريعة؟ (وثالثها) أنه
عرف فقرهن وفقز أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان فى نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب
الكثير بأقل سعى، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقى من الشيخ
الفقير والمرأة الفقيرة ؟ (ورابعها) كيف يليق بشعيب النبى عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى
رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً ؟ (والجواب) عن الأول، أن نقول:
أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى فى الأخبار
وما كانت إلا مخبرة عن أبيها، وأما المشى مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع (والجواب)
عن الثانى، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ماذهب اليهم طلباً للأجرة بل للتبرك
برؤية ذلك الشيخ، وروى أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك، ولما قدم اليه الطعام امتنع ، وقال
إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ، ولا نأخذ على المعروف ثمناً ، حتى قال شعيب عليه السلام هذه
عادتنا مع كل من ينزل بنا، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله
فقبل ذلك على سبيل الاضطرار . وهذا هو (الجواب) عن الثالث فان الضرورات تبيح المحظورات
( والجواب) عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحى طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.
أما قوله ( فلما جاءه ) قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقام يمشى والجارية أمامه فهبت
الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إنى من عنصر ابراهيم عليه السلام فكونى من خلفى
حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لى ، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع ، فقال
شعيب تناول يافتى ، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله . قال شعيب ولم ؟ قال لأنا من أهل بيت
لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب ولكن عادتى وعادة آبائى إطعام الضيف جلس موسى
عليه السلام فأكل ، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله، ولم يكره ذلك
مع الخضر حين قال (لو شئت لاتخذت عليه أجراً) والفرق أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز ،
أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه .
أما قوله (وقص عليه القصص) فالقصص مصدر كالعلل سمى به المقصوص ، قال الضحاك لما
دخل عليه قال له من أنت ياعبد الله ، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن
يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف فى اليم ، وقتل
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٦

٢٤٢
قوله تعالى : قال إن اريد أنكحك. سورة القصص .
القبطى وانهم يطلبونه ليقتلوه ، فقال شعيب ( لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) أى لا سلطان له
بأرضنا فلسنا فى مملكته وليس فى الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحى أو على ما تقتضيه العادة .
فإن قيل المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب فى ألف ألف وستمائة
ألف ، فالملك الذى هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون فى ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار
ملكته؟ قلنا هذا وإن كان نادراً إلا أنه ليس بمحال.
أما قوله (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض
بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها .
المسألة الثانية﴾ إنما جعل (خير من استأجرت) اسما و ( القوى الأمين) خبراً مع أن
العكس أولى لأن العناية هى سبب التقديم .
﴿ المسألة الثالثة )﴾ القوة والأمانة لا يكفيان فى حصول المقصود ما لم ينضم اليهما الفطنة
والكياسة ، فلم أهمل أمر الكياسة؟ ويمكن أن يقال إنها داخلة فى الأمانة، عن ابن مسعود رضى الله
((أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر فى عمر)).
أما قوله ( قال إنى أريد أنكحك إحدى ابننى هاتين) فلا شبهة فى أن هذا اللفظ ، وإن كان
على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة فى أن العقد وقع على أقل الأجلين ، فكانت الزيادة
كالتبرع، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة
بالثمن والمثمن جائز ، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا، ويدل على أنه قد كان جائزاً فى تلك الشريعة
أن يشرط للولى منفعة، وعلى أنه كان جائزاً فى تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة
وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التى لا يوجبها العقد، ثم قال ( على أن تأجرنى ثمانى
حجج) تأجرنى من أجرته إذا كنت له أجيراً (وثمانى حجج) ظرفه أو من أجرته كذا إذا
أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم(وثمانى حجج) مفعول به ومعناه رعية (ثمانى حجج) ثم قال
(وما أريد أن أشق عليك) وفيه وجهان: (الأول) لا أريد أن أشق عليك بالزام أثم الرجلين ، فإن
قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر؟ قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق
عليك ظنك باثنين ، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه (الثانى) لا أريد أن أشق عليك فى
الرعى ولكنى أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد فى كيفية
الرعى، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح فى معاملات الناس، ومنه الحديث (( كان
رسول اللّه ◌َيتم شريكى فكان خير شريك لا يدارى ولا يشارى ولا يمارى)) ثم قال ( ستجدنى
إن شاء الله من الصالحين) وفيه وجهان (الأول) يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب
( والثانى) يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، وإنما قال إن شاء اللّه الاتكال
على توفيقه ومعونته .

٢٤٣
قوله تعالى : فلما قضى موسى الاجل. سورة القصص ..
فَلَّا قَضَى مُوسَى أَلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِءَانَسَ مِن جَائِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ
أَمْكُنُواْإِّءَالَسْتُ نَارًا لَّعَلِىّ ءَ اتِكُ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَدْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ
تَصْطَلُونَ ﴿ فَلَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَشِطٍِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِ الْبُقْعَةِ الْمُبَتْرَكَةِ مِنَ
الشَّجَرَةِ أَن يَُمُوسَى إِّ أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَلَمِنَ (﴾ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَا رَءَاهَا تَهْتَزْ
كَنَّهَ جَنٌّ وَى مُدْيِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَدِّمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ آَمِنِينَ (٣)
أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرٍ سُوءٍ وَاهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ
الَّهْبِ فَائِكَ بُرْهَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَإِيِةٍ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ
فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط ، فانك لوقلت امرأتى طالق إن شاء اللّه لا تطلق ؟
قلنا هذا ما يختلف بالشرائع .
أما قوله تعالى (قال ذلك بيني وبينك) فاعلم أن ذلك مبتدأ وبينى وبينك خبره وهو إشارة إلى
ما عاهده عليه شعيب عليه السلام ، يريد ذلك الذى قلته وعاهدتنى عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج
كلانا عنه لا أنا عما شرطت على ولا أنت عماشرطت على نفسك، ثم قال (أيما الأجلين قضيت) من
الأجلين أطوله) الذى هو العشر أو أقصرهما الذى هو الثمان (فلا عدوان على) أى لا يعتدى على
فى طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعنى أن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار
الأجل الزائد موكولا إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار، ثم قال ( والله على ما نقول
وكيل ) والوكيل هو الذى وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل فى معنى الشاهد عدى بعلى
لهذا السبب .
قوله تعالى: ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله
امكثوا إنى آنست ناراً لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ، فلما أتاها نودى
من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنى أنا الله رب العالمين ، وأن
ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من
الآمنين ، اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضم إليك جناحك من الرهب فذانك

٢٤٤
قوله تعالى : فلما أتاها نودي يا موسى. سورة القصص.
برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوماً فاسقين
أعلم أنه روى عن النبى ◌ِّاللّ أنه قال ((تزوج صغراهما وقضى أوفاهما)، أى قضى أو فى
الأجلين، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله (فلما
قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ) يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين
ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل. فبطل ما قاله القاضى من أن ذلك يدل
على أنه لم يزد عليه وقوله (وسار بأعله) ليس فيه دلالة على أنه خرج منفرداً معها وقوله (امكثوا)
فيه دلالة على الجمع .
أما قوله (( إنى آنست ناراً) فقد مر تفسيره فى سورة طه والنمل.
أما قوله (لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) ففيه أبحاث:
﴿ الأول ) قال صاحب الكشاف الجذوة باللغات الثلاث وقد قرى. بهن جميعاً وهو العود
الغليظ كانت فى رأسه نار أو لم تكن، قال الزجاج الجذوة القطعه الغليظة من الحطب.
﴿ الثانى﴾ قد حكينا فى سورة طه أنه أظلم عليه الليل فى الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت
ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا برداً شديداً فعنده أبصر ناراً بعيدة فار إليها يطلب من
يدله على الطريق وهو قوله ( آتيكم منها بخبر ) أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم
تصطلون وفى قوله ( لعلى آتيكم منها بخبر) دلالة على إنه ضل وفى قوله ( لعلكم تصطلون) دلالة
على البرد .
أما قوله (فلما أناها نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى
إنى أنا التهرب العالمين) فاعلم أن شاطىء الوادى جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطىء الوادى
من قبل الشجرة وقوله ( من الشجرة ) بدل من قوله ( من شاطىء الوادى) بدل الاشتمال لأن
الشجرة كانت ثابتة على الشاطئ. كقوله ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم) وإنما وصف البقعة
بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى اياه وههذا مسائل:
المسألة الأولى ﴾ احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه فى جسم بقوله
( من الشجرة) فإن هذا صريح فى أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك
النداء هو اللّه سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون فى جسم ثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام فى
جسم (أجاب) القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان ( الأول ) قول أبى منصور المازيدى
وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو
الصوت والحرف وذلك كان مخلوقا فى الشجرة ومسموعاً منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال

٢٤٥
قوله تعالى :فلما أتاها نودي يا موسى. سورة القصص.
(الثانى) قول أبى الحسن الأشعرى وهو أن الكلام الذى ليس بحرف ولا صوت يمكن أن
يكون مسموعا، كما أن الذات التى ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية. فعلى هذا القول
لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة
فلا منافاة بين الأمرين، واحتج أهل السنة بأن محل قوله (إنى أنا الله رب العالمين) لو كان هو
الشجرة لكان قد قالت الشجرة إنى أنا الله. والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم
بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة ، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم
قال لا تأكل منى فانى مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل
ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل منى فانى مسموم، وهذا باطل. وإن كان المتكلمهو
محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إنى أنا الله. وكل ذلك باطل .
﴿ المسألة الثانية﴾ يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علماً ضرورياً بأن ذلك الكلام كلام
الله، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام اللّه لوجب أن
يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة
بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف. ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه
الكلام الذى ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق
ويحتمل إن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى فى أنه يعلم أن مثل ذلك
لا يكون إلا من اللّه تعالى، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رآى النار فى الشجرة الرطبة فعلم أنه
لا يقدر على الجمع بين الناروبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى، ويحتمل أن يصح مايروى أن إبليس
لما قال له كيف عرفت أنه نداء اللّه تعالى؟ قال لأنى سمعته بجميع أجزائى، فلما وجد حس السمع
من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى ، وهذا إنما يصح على مذهبنا
حيث قلنا البنية ليست شرطاً،
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال فى سورة النمل (نودى أن بورك من فى النار ومن حولها) وقال
ههنا نودى ( إنى أنا الله رب العالمين) وقال فى طه (نودى إنى أنا ربك) ولا منافاة بين هذه
الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى فى كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الحسن إن موسى عليه السلام نودى نداء الوحى لانداء الكلام
والدليل عليه قوله تعالى ( فاستمع لما يوحى ) قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة
والدليل عليه قوله تعالى ( وكلم الله موسى تكليما) وسائر الآيات، وأما الذى تمسك به الحسن
فضعيف لأن قوله (فاستمع لما يوحى) لم يكن بالوحى لأنه لو كان ذلك أيضاً بالوحى لا نتهى
آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحى وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله ( فاستمع لما
يوحي) وصيته بأن يتشدد فى الأمور التى تصل إليه فى مستقبل الزمان بالوحي .

٢٤٦
قوله تعالى : والق عصاك فلما رآها تهتز. سورة القصص.
أما قوله (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا
تخف إنك من الآمنين ) فقد تقدم تفسير كل ذلك، وقوله كأنها جان صريح فى أنه تعالى شبهها
باجان ولم يقل إنه فى نفسه جان، فلا يكون هذا مناقضاً لكونه ثعبانا بل شبها بالجان من حيث
الاهتزاز والحركة لامن حيث المقدار، وقد تقدم الكلام فى خوفه، ومعنى (ولم يعقب) لم يرجع ،
يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى
سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر فى جوفها حينئذ ولى، واختلفوا فى
العصا على وجوه (أحدها ) قالوا إن شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى
بالليل إذا دخلت ذلك البيت خذ عصا من تلك العصى، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من
الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرنى العصا فلسها وكان
مكفوذاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع فى يده إلا هى سبع مرات فعلم أن له معها شأناً (وروى)
أيضاً أن شعيباً عليه السلام أمر ابنته أن تأتى بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت
وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال اثتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم
يقع فى يدها غيرها ، فلما رآى الشيخ ذلك رضى به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام
فلما لقيه قال أعطنى العصا، قال موسى هى عصاى فأبى أن يعطيه إياها فاختصما ، ثم توافقا على أن
يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشى فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها
فهى له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهوله ، فتركها الشيخ له ورعى له عشر
سنين ( وثانيها) روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان فى دار بيرون ابن أخى شعيب بيت
لا يدخله إلا بيرون وابنته التى زوجها من موسى عليه السلام، وأنها كانت تكنسه وتنظفه،
وكان فى ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، وكان لبيرون أحد عشر ولداً من الذكور فكلما أدرك منهم
ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصى فرجع موسى ذات يوم إلى منزله ، فلم يجد
أهله واحتاج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا عن تلك العصى وخرج بها فلما علمت
المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبى، وإن
له مع هذه العصا لشأناً ( وثالثها) فى بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع
شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعى قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فاذا بلغت
مفرق الطريق نفذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلا بها أكثر فإن بها تنيناً عظيما
فأخشى عليك وعلى الأغنام منه ، فذهب موسى بالأغنام. فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام
ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرآى عشباً كثيراً ، ثم إن موسى
عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى
قتلته وعادت إلى جنب موسى وهى دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رآى العصا دامية والتنين

٢٤٧
قوله تعالى : واضمم يدك الى جناحك. سورة القصص.
مقتولا فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى فى تلك العصا قدرة وآية، وعاد إلى شعيب عليه السلام
وكان ضريراً فمس الأغنام فإذا هى أحسن حالا مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه
عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأناً ، فأراد أن يجازى موسى
عليه السلام على حسن رعيه إكراماً وصلة لابنته فقال إنى وهبت لك من السخال التى تضعها
أغنامى فى هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك
الماء الذى تسقى الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها
ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى
له شرطه ( ورابعها ) قال بعضهم تلك العصا هى عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام
أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقى بها موسى عليه السلام ربه ليلا
( وخامسها ) قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً أى أخذها من عرض
الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير ، وعن الكلى: الشجرة التى منها نودى شجرة العوسج. ومنها
كانت عصاه ولا مطمع فى ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس فى القرآن ما يدل عليها
والأخبار متعارضة والله أعلم بها ،
أما قوله تعالى (أسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن
هذا المعنى بثلاث عبارات (أحدها) هذه ( وثانيها) قوله فى طه ( واضمم يدك إلى جناحك
تخرج بيضاء ( وثالثها) قوله فى النمل ( وأدخل يدك فى جيبك ) قال العزيزى فى غريب القرآن
( اسلك يدك فى جيبك) أدخلها فيه .
أما قوله (واضمم إليك جناحك من الرهب) فأحسن الناس كلاماً فيه. قال صاحب الكشاف :
فيه معنيان (أحدهما ) أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصاحية فزع واضطرب فاتقاها
بيده كما يفعل الخائف من الشىء ، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها
فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران
اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدى الإنسان
بمنزلة جناحى الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه (الثانى ) أن
يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصاحية حتى لا يضطرب ولا
يرهب استعارة من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان
إليه مشمران، ومعنى قوله (من الرهب) من أجل الرهب ، أى إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية
فاضمم إليك جناحك وقوله ( اسلك يدك فى جيبك ) على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف
بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض فى أحدهما
خروج اليد بيضاء وفى الثانى إخفاء الرهب، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد فى أحد الموضعين

٢٤٨
قوله تعالى : قال رب إنى قتلت منهم نفساً. سورة القصص.
قَالَ رَبِّ إِى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (﴿ وَأَنِى هَرُونُ هُوَ
أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ هـ
صر
قَالَ سَتَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَتَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًّا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكَا بِغَايَئِنَا أَنْتُمَا
وَمَنِ أَتَّبَعَكَا الْغَلُونَ (﴾ فَلَّا جَآءَهُم مُوسَى ◌ِعَايَئِنَا بَيِّنَتٍ قَالُواْ مَا هَذَآ
إِلَّ ◌ِرٌ مُفْتَرَّى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَابَيِنَا الْأَوَّلِينَ (٣) وَقَالَ مُوسَى رَبِ أَعْلَمُ بِمَنْ
جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَهُو عَنْقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اْلّلُونَ
مضموماً وفى الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله ( واضم إليك جناحك) وقوله ( واضعم يدك
إلى جناحك ) فما التوفيق بينهما؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد
اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو فى
نهاية الحسن.
أما قوله تعالى ( فذانك) قرىء مخففاً ومشدداً، فالمخفف مثنى ذا ، والمشدد مثنى ذان، قوله
( برهانان من ربك ) حجتان نيرتان على صدقه فى النبوة وصحة مادعاهم إليه من التوحيد، وظاهر
الكلام يقتضى أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذى يظهره عنده من المعجزات،
لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال (إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون)
قال القاضى : وإذا كان كذلك فيجب أن يكون فى حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته
من أهله أو غيرهم ، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل فى حال الإرسال لا قبله ، وإنما تظهر لكى
يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أنه لابد فى إظهار المعجزة من حكمة ولا
حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعى ، وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم ، فلعل
هناك أنواعاً من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك
مع موسی علیه السلام أحد .
قوله تعالى: ﴿ قال رب إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون، وأخى هرون هو أفصح منى
لساناً فأرسله معى رد.اً يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكا
سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون، فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا

٢٤٩
قوله تعالى :فأرسله معي ردءا يصدقني. سورة القصص.
ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين ، وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من
عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون
اعلم أنه تعالى لما قال ( فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ) تضمن ذلك أن يذهب
موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه ، فعند ذلك طلب من الله تعالى ما يقوى قلبه ويزيل
خوفه ، فقال ( رب إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون، وأخى مرون هو أفصح منى لساناً )
لأنه كان فى لسانه حبسة، إما فى أصل الخلقة، وإما لأجل أنه وضع الجمرة فى فيه عند ما نتف
لحية فرعون.
أما قوله ( فأرسله معى رداً يصدقنى) ففيه أبحاث :
﴿ البحث الأول) الرد. اسم ما يستعان به فعل بمعنى مفعول به، كما أن الدفء اسم لما يدفأ
به، يقال ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشب أو غيره لئلا يسقط .
﴿ البحث الثانى) قرأ نافع رداً بغير همن والباقون بالهمز، وقرأ عاصم وحمزة يصدقى برفع
القاف ، ويروى ذلك أيضاً عن أبى عمرو والباقون بحزم القاف وهو المشهور عن أبى عمرو ، فمن
رفع فالتقدير رداً مصدقاً لى ، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعنى أن أرسلته صدقنى. ونظيره
قوله ( فهب لى من لدنك ولياً يرثنى) بجزم الثاء من يرثنى. وروى السدى عن بعض شيوخه رداً
كيما يصدقى .
﴿ البحث الثالث ) الجمهور على أن التصديق لهرون، وقال مقاتل: المعنى كى يصدقنى فرعون
والمعنى أرسل معى أخى حتى يعاضدنى على إظهار الحجة والبيان ، فعند اجتماع البرهانين ربما
حصل المقصود من تصديق فرعون .
﴿ البحث الرابع) ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت ، أو يقول للناس صدق
موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ، ويجيب عن الشبهات ويجادل به
الكفار فهذا هو التصديق المفيد، ألا ترى إلى قوله ( وأخى هرون هو أفصح منى لساناً فأرسله
معی) وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا فى مجرد قوله ( صدقت )
﴿ البحث الخامس) قال الجبائى: إنما سأل موسى عليه السلام أن يرسل هرون بأمر الله
تعالى. وإن كان لا يدرى هل يصلح هرون للبعثة أم لا؟ فلم يكن ليسأل ما لا يأمن أن يحاب
أو لا يكون حكمة ، ويحتمل أيضاً أن يقال إنه سأله لا مطلقاً بل مشروطاً على معنى، إن اقتضت
الحكمة ذلك کما يقوله الداعی فی دعائه .
﴿ البحث السادس) قال السدى: إن نبيين وآيتين أقوى من فى واحد وآية واحدة. قال
القاضى والذى قاله من جهة العادة أقوى . فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين
ونى ونبيين ، لأن المبعوث إليه إن نظر فى أيهما كان علم، وإن لم ينظر فالحالة واحدة ، هذا إذا

٢٥٠
قوله تعالى : قالوا ما هذا الا سحر مفترى. سورة القصص.
كانت طريقة الدلالة فى المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلفت وأمكن فى إحداهما إزالة الشبهة ما لا
يمكن فى الأخرى ، فغير ممتنع أن يختلفا ويصلح عند ذلك أن يقال إنهما بمجموعهما أقوى من
إحداهما على ما قاله السدى ، لكن ذلك لا يتأتى فى موسى وهرون عليهما السلام، لأن معجزتهما
كانت واحدة لا متغايرة .
أما قوله ( سنشد عضدك بأخيك ) فاعلم أن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد ، يقال فى دعاء
الخير شد الله عضدك، وفى ضده فت الله فى عضدك . ومعنى سنشد عضدك بأخيكسنقويك به ، فإما
أن يكون ذلك لأن اليد تشتد لشدة العضد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور، وإما لأن
الرجل شبه باليد فى اشتدادها باشتداد العضد جعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة .
أما قوله ( ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما) فالمقصود أن الله تعالى آمنه مما كان يحذر
فإن قيل بين تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات أو ليس
فرعون قد وصل إلى صلب السحرة وإن كانت هذه الآيات ظاهرة، قلنا إن الآية التى هى قلب
العصاحية كا أنها معجزة فهى أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهرون عليهما
السلام، لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم
زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية
ومعجزة لجمعت بين الأمرين ، فأما صلب السحرة ففيه خلاف فمنهم من قال ما صلبوا وليس فى
القرآن ما يدل عليه وإن سلمنا ذلك ولكنه تعالى قال ( فلا يصلون إليكما ) فالمنصوص أنهم
لا يقدرون على إيصال الضرر إليهما وإيصال الضرر إلى غيرهما لا يقدح فيه ، ثم قال (أنتما ومن
اتبعكما الغالبون) والمراد إما الغلبة بالحجة والبرهان فى الحال، أو الغلبة فى الدولة والمملكة فى
ثانى الحال والأول أقرب إلى اللفظ .
أما قوله (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) فقد بينا فى سورة طه أنه كيف أطلق لفظ الآيات
وهو جمع على العصا واليد .
أما قوله ( قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ) فقد اختلفوا فى مفترى ، فقال بعضهم المراد أنه إذا
كان سحراً وفاعله يوهم خلافه فهو المفترى ، وقال الجبائى المراد أنه منسوب إلى الله تعالى وهو من
قبله فكأنهم قالوا هو كذب من هذا الوجه ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم ( وما
سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين ) أى ما حدثنا بكونه فيهم ، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين فى ذلك
وقد سمعوا مثله، أو يريدوا أنهم لم يسعموا بمثله فى فظاعته. أو ما كان الكهان يخبرون بظهور
موسى عليه السلام ومجيئه بما جاء به .
واعلم أن هذه الشبهة ساقطة لأن حاصلها يرجع إلى التقليد ولأن حال الأولين لا يخلو من
وجهين ، إما أن لا يورد عليهم بمثل هذه الحجة تخيفئذ الفرق ظاهر أو أورد عليهم فدفعوه حينئذ

٢٥١
قوله تعانى . وقال فرعون يا ايها الملك. سورة القصص.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَّمَ عَلِمْتُ لَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَانُ عَلَى
الْطِيْنِ فَاجْعَل ◌ِى صَرْحًا لَّعَلِّىَ أَطَلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأُّهُ مِنَ الْكَذِينَ
وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهْ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَنُواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ
٣٨
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ قَبَذْنَنُهُمْ فِ آَِّمَّ فَانْظُرُ كَيْفَ كَانَ عَدِقِبَةُ الَِّينَ
٣٩
وَجَعَلْنَهُمْ أَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْغِيَئِمَةِ لَيُنْصَرُونَ (8) وَأَنْبَعْنَُهُمْ فِىِ
٤٠
هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةُ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (﴾ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى
لا يجوز جعل جهلهم وخطئهم حجة ، فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد (ربى
أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار) فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم
اعتراضاً عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربى أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعاً
ومن هو على الباطل ويضم إليه طريقة الوعيد والتخويف وهو قوله (ومن تكون له عاقبة الدار)
من ثواب على تمسكه بالحق أومن عقاب وعاقبة الدار هى العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى
(أولئك لهم عقبى الدار، جنات عدن) وقوله ( وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) والمراد بالدار
الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم العبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فان
قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار . لأن الدنيا قد تكون
خاتمتها بخير فى حق البعض وبشر فى حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية
دون خاتمتها بالشر؟ قلنا إنه قد وضع اللّه سبحانه الدنيا مجازاً إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا
فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف،
فإذن عاقبتها الأصلية فى عاقبة الخير ، وأما عاقبه السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف
الفجار ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله ( إنه لا يفلح الظالمون) والمراد أنهم لا يظفرون
بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية فى زجرهم عن العناد الذى ظهر منهم.
قوله تعالى: ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى فأوقد لى ياهامان على الطين
فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده فى
الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلینا لا يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذنام فىاليم فانظر كيف كان

٢٥٢
قوله تعالى : وقال فرعون يا ايها الملك. سورة القصص.
اَلْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابٍ لِلنَّاسِ وَهُنَّى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ
عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم فى هذه الدنيا
لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى
بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ﴾
أعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق فى دفع تلك الحجة بشبهة
يروجها على أغمار قومه وذكر ههنا شبهتين (الأولى) قوله ( ماعلمت لكم من إله غيرى) وهذا
فى الحقيقة يشتمل على كلامين (أحدهما) نفى إله غيره ( والثانى) إثبات إلهية نفسه، فأما الأول
فقد كان اعتماده على أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته. أما أنه لا دليل عليه فلأن هذه الكواكب
والأفلاك كافية فى اختلاف أحوال هذا العالم السفلى فلا حاجة إلى إثبات صانع ، وأما أن ما لا
دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر.
واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة فانا لا نسلم أنه لادليل على وجود الصانع وذلك لأنا إذا عرفنا
بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب ، وعرفنا بالضرورة أن المحدث
لابد له من محدث فينئذ نعرف بالدليل أن هذا العالم له صانع ، والعجب أن جماعة اعتمدوا فى نفى
كثير من الأشياء على أن قالوا لا دليل عليه فوجب نفيه، قالوا وإنما قلنا إنه لا دليل لأنا بحثنا
وسبرنا فلم نجد عليه دليلا ، فرجع حاصل كلامهم بعد التحقيق إلى أن كل ما لا يعرف عليه دليل
وجب نفيه، وإن فرعون لم يقطع بالغفى بل قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذباً فى دعواه ،
ففرعون على نهاية جهله أحسن حالا من هذا المستدل. أما الثانى وهو إثباته إلهية نفسه. فاعلم أنه
ليس المراد منه أنه كان يدعى كونه خالقاً السموات والأرض والبحار والجبال وخالقاً لذوات
الناس وصفاتهم ، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضى زوال العقل، بل الإله
هو المعبود فالرجل كان ينفى الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا
لأمره، فهذا هو المراد من أدعائه الإلهية لاماظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقاً السماء والأرض،
لاسيما وقد دللنا فى سورة طه فى تفسير قوله (فمن ربكما يا موسى) على أنه كان عارفاً بالله تعالى
وأنه كان يقول ذلك ترويجاً على الأغمار من الناس (الشبهة الثانية) قوله ( فأوقد لى يا هامان على
الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكاذبين ) وههنا أبحاث:
﴿ الأول) تعلقت المشبهة بهذه الآية فى أن الله تعالى فى السماء قالوا لولاأن موسى عليه السلام
دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول ( والجواب ) أن موسى عليه السلام دل فرعون بقوله

٢٥٣
قوله تعالى: واستكبر هو وجنوده. سورة القصص.
(رب السموات والأرض) ولم يقل هو الذى فى السماء دون الأرض، فأوهم فرعون أنه يقول
إن إلهه فى السماء ، وذلك أيضاً من خبث فرعون ومكره ودهائه .
﴿ الثانى) اختلفوا فى أن فرعون هل بنى هذا الصرح؟ فقال قوم إنه بناه قالوا إنه لما أمر
ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ
الآجر والحص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق ،
فبعث اللّه تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة
وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت فى البحر وقطعة فى المغرب ،، ولم
يبق أحد من عماله إلا وقد هلك ، ويروى فى هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه ورمى بنشابة نحو
السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليهم وهى ملطوخة بالدم ، فقال قد قتلت إله موسى . فعند ذلك
بعث الله تعالى جبريل عليه السلام لهدمه . ومن الناس من قال إنه لم يبن ذلك الصرح لأنه يبعدمن
العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة
يرى السماء كما كان يراهاحين كان على قرار الأرض، ومن شك فى ذلك خرج عن حد العقل ، وهكذا
القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ورجوعه متلطخاً بالدم ، فان كل من كان كامل العقل يعلم
أنه لا يمكنه إيصال السهم إلى السماء، وأن من حاول ذلك كان من المجانين فلا يليق بالعقل والدين
حمل القصة التى حكاها اللّه تعالى فى القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل ، فيصير ذلك
مشرعاً قوياً لمن أحب الطعن فى القرآن، فالأقرب أنه كان أوهم البناء ولم يبن أو كان هذا من
تتمة قوله ( ما علمت لكم من إله غيرى ) يعنى لاسبيل إلى إثباته بالدليل ، فان حركات الكواكب
كافية فى تغير هذا العالم ولا سبيل إلى إثباته بالحس، فان الاحساس به لا يمكن إلا بعد صعود السماء
وذلك مما لا سبيل إليه ، ثم قال عند ذلك لهامان ( ابن لى صرحاً أبلغ به أسباب السموات ) وإنما
قال ذلك على سبيل التهكم فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لادليل على الصانع ، ثم إنه رتب النتيجة
عليه فقال ( وإنى لأظنه من الكاذبين ) فهذا التأويل أولى مما عداه.
.﴿الثالث) إنما قال (أوقد لى ياهامان على الطين) ولم يقل اطبخ لى الآجر واتخذه لأنه أول
من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة . ولأن هذه العبارة أليق بفصاحة القرآن وأشبه بكلام الجبابرة
وأمر هامان، وهو وزيره بالإيقاد على الطين فنادى باسمه بيا فى وسط الكلام دليل على التعظم
والتجبر ، والطلوع والاطلاع الصعود يقال طلع الجبل واطلع بمعنى واحد.
أما قوله ( واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق) فاعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو
الله تعالى وهو المتكبر فى الحقيقة أى المبالغ فى كبرياء الشأن، قال عليه السلام فيما حكى عن ربه
((الكبرياء ردائى والعظمة إزارى، فمن نازعنى واحداً منهما ألقيته فى النار)) وكل مستكبرسواء
فاستكباره بغير الحق .

٢٥٤
قوله تعالى : وجعلناهم ائمة يدعون. سورة القصص.
المسألة الثانية﴾ قال الجبائى الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك وإلا لكان ذلك بحق
وهكذا كل متغلب، لا كما ادعى ملوك بنى أمية عند تغلبهم أن ملكهم من اللّه تعالى فان الله تعالى قد
بين فى كل غاصب لحكم الله أنه أخذ ذلك بغير حق، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك
إليه ، إما أن يكون منه أو من اللّه تعالى، أولا منه ولا من اللّه تعالى، فإن كان منه فلم لم يقدر عليه
غيره، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولى للأمر؟ وإن كان من الله تعالى فقد صح
الغرض ، وإن كان من سائر الناس فلم اجتمعت دواعى الناس على نصرة أحدهما وخذلان الآخر؟
واعلم أن هذا أظهر من أن يرتاب فيه العاقل .
أما قوله ( وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى إلا أنهم
كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا
أما قوله ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم ) فهو من الكلام المفحم الذى دل به على عظم
شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم استحقاراً لهم واستقلالا لعددهم، وإن كانوا الكبير الكثير والجم
الغفير بحصيات أخذهن آخذ فى كفه فطرحهن فى البحر ونحو ذلك وقوله ( وألقينا فيها رواسى.
شامخات وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً
قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ) سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن
كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته .
أما قوله ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) فقد تمسك به الأصحاب فى كونه تعالى خالقاً للخير
والشر، قال الجبائى المراد بقوله (وجعلناهم) أى بينا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله (وجعلوا
الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) وتقول أهل اللغة فى تفسير فسقه وبخله جعله فاسقاً وبخيلا،
لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقه لهم كانوا أطفالا، وقال الكعبى: إنما قال (وجعلناهم أتمة) من
حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة ، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر، وذلك
كقوله (زادتهم رجساً) لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه ، وإن أمكنه
فاذا بخل به قيل للسائل جعلت فلاناً بخيلا أى قد بخلته ، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما
مجل اللّه تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين. واعلم أن الكلام فيه قد تقدم فى
سورة مريم فى قوله (إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى مو جباتها
من الكفر والمعاصى فإن أحداً لا يدعو إلى النار البتة، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة ، فى هذا الباب
لأنهم بلغوا فى هذا الباب أقصى النهايات ، ومن كان كذلك استحقق أن يكون إماماً يقتدى به فى ذلك
الباب، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه،وهو معنى قوله (ويوم
القيامة لا ينصرون) أو يكون معناه (ويوم القيامة لا ينصرون) كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة.

٢٥٥
قوله تعالى : وما كنت بجانب الغربي. سورة القصص.
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْقَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى اَلْأُمَّ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
٤٤
وَلَكِنَّا أَنَّأْنَا قُرُونً فَتَطَلَ عَلَيْهُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَذْيَ نَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَعِنَا وَلَئِكَا كُنَّا مُرْسِلِينَ (﴾ وَمَا كُنتَ بَِائِ الطُّورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِنِ
رََّةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَّهُمْ مِنْ تَّذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَذَ كُّونَ () وَلَوْلَا
أَن تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوَلَا أَوْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
أما قوله ( وأتبعوا فى هذه الدنيا لعنة ) معناه لعنة الله والملائكة لهم وأمره تعالى بذلك فيها
للمؤمنين ، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين أى المبعدين الملعونين، والقبح هو الإبعاد، قال الليث
يقال قبحه الله ، أى نحاه عن كل خير. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: من المشئومين بسواد الوجه
وزرقة العين، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحانى وهو الطرد والإبعاد من رحمة
اللّه تعالى، والباقون حملوه على القبح فى الصور. وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم
عملهم ويجمع بين الفضيحتين ، ثم بين تعالى أن الذى يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام
فقال (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) والكتاب هو التوراة،
ووصفه تعالى بأنه بصائر الناس»، من حيث يستبصربه فى باب الدين، وهدى من حيث يستدل به ،
ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب ، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على
من تعبد به. وروى أبو سعيد الخدرى عن النبى ◌َيتم أنه قال ((ما أهلك الله تعالى قرناً من القرون
بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة ، غير أهل القرية التى مسخها قردة ..
أما قوله ( لعلهم يتذكرون) فالمراد لكى يتذكروا ، قال القاضى: وذلك يدل على إرادة
التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون
ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه، ونص القرآن دافع لهذا
القول، قلنا أليس أنكم حملتم قوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم ) على العاقبة ، فلم لا يجوز حمله ههنا على
العاقبة ، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك فى الآخرة .
قوله تعالى : ﴿وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين،
ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً فى أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا
كنا مرسلين، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير

٢٥٦
قوله تعالى : وما كنت من الشاهدين. سورة القصص.
فَتَفَّبِعَ ءَايَتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
٤٧
من قبلك لعلهم يتذكرون ، ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت
إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) اعلم أن فى الآية سؤالات :
﴿السؤال الأول) الجانب موصوف، والغربى صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة؟
(الجواب) هذه مسألة خلافية بين النحويين ، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة
إلا بشرط خاص سنذكره، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقاً. حجة البصريين، أن إضافة
الموصوف إلى الصفة تقتضى إضافة الشىء إلى نفسه، وهذا غير جائز فذاك أيضاً غير جائز ، بيان
الملازمة أنك إذا قلت جاءنى زيد الظريف ، فلفظ الظريف يدل على شىء معين فى نفسه مجهول
بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة ، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشىء الذى حصلت
له الظرافة هو زيد ، إذا ثبت هذا، فلو أضفت زيداً إلى الظريف ، كنت قد أضفت زيداً إلى زيد،
وإضافة الشىء إلى نفسه غير جائزة، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز، إلا أنه جاء
على خلاف هذه القاعدة ألفاظ ، وهى قوله تعالى فى هذه الآية ( وما كنت بجانب الغربى) وقوله
(وذلك دين القيمة) وقوله (حق اليقين ) (ولدار الآخرة) ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع
وبقلة الحمقاء، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربى ودين الملة القيمة وحق الشىء اليقين ودار
الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء، ثم قالوا فى هذه
المواضع: المضاف إليه ليس هو النعت ، بل المنعوت ، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه
فههنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت ، حسن ذلك وإلا فلا ، ألا ترى أنه ليس
لك أن تقول عندى جيد على معنى عندى درهم جيد ، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت
بالرجل الفقيه ، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيدقد يكون درهما وقديكون غيره ،
وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربى، لأن الشىء الموصوف بالغربى الذى يضاف إليه
الجانب لا يكون إلا مكاناً أو ما يشبهه، فلا جرم حسنت هذه الإضافة، وكذا القول فى البواقى
والله أعلم.
﴿السؤال الثانى) ما معنى قوله ( إذ قضينا إلى موسى الأمر)؟، (الجواب) الجانب الغربى هو
المكان الواقع فى شق الغرب ، وهو المكان الذى وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور ،
وكتب الله فى الألواح والأمر المقضى إلى موسى عليه السلام الوحى الذى أوحى إليه ، والخطاب
للرسول ◌ِ الله يقول: وما كنت حاضر المكان الذى أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام، ولا كنت
من جملة الشاهدين للوحى إليه أو على الموحى إليه، وهى لأن الشاهد لابد وأن يكون حاضراً
وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات .

٢٥٧
قوله تعالى : وما كنت ثاوياً في اهل مدين. سورة القصص.
( السؤال الثالث) لما قال وما كنت بجانب الغربى ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد
لابد أن يكون حاضراً، فما الفائدة فى إعادة قوله ( وما كنت من الشاهدين)؟ (الجواب) قال ابن
عباس رضى الله عنهما. التقدير لم تحضر ذلك الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع،
فإنه يجوز أن يكون هناك ، ولا يشهد ولا يرى .
﴿ السؤال الرابع} كيف يتصل قوله ( ولكنا أنشأنا قروناً) بهذا الكلام ومن أى وجه
يكون استدرا كاله؟ (الجواب) معنى الآية، ولذا أنشأنا بعد عهد موسى عليه السلام إلى عهدك
قروناً كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذى أنت فيه ، فاندرست العلوم فوجب إرسالك
إليهم، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهداً
لموسى وما جرى عليه، ولكنا أو حيناه إليك فذكر سبب الوحى الذى هو إطالة الفترة ودل به
على المسبب، فاذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده . واعلم أن هذا تنبيه على المعجز كأنه
قال إن فى إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله ، دلالة ظاهرة
على نبوتك كما قال ( أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى).
أما قوله ( وما كنت ثاوياً فى أهل مدين ) فالمعنى ما كنت مقيما فيه
وأما قوله (إنتلو عليهم آياتنا) ففيه وجهان ( الأول ) قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين
فتقرأ على أهل مكة خبرهم ( ولكنا كنا مرسلين) أى أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه
الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها (الثانى) قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل
مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين فى كل زمان رسولا ، فأرسلنا إلى
أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
أما قوله ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه (ولكن
رحمة من ربك) أى عليناك رحمة ، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أى هى رحمة ، وذكر المفسرون فى
قوله ( إذ نادينا ) وجوهاً أخر (أحدها) إذ نادينا أى قلنا لموسى ( ورحمى وسعت كل شيء)
إلى قوله ( أولئك هم المفلحون) . ( وثانيها) قال ابن عباس إذ نادينا أمتك فى أصلاب آبائهم
((يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعونى، وأعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرتلكم قبل أن تستغفرونى»
قال وإنماقال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا لميقات ربه و(ثالثها)
قال وهب (( لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن
تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يارب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب
آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال: أجبتكم قبل أن تدعو نى)) الحدیث کما ذكره ابن عباس
( ورابعها) روی سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم فى قوله ( وما كنت بجانب
الطور إذ نادينا) قال كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفى عام ثم وضعه على العرش ثم
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٧

٢٥٨
قوله تعالى : لتنذر قوماً ما اتاهم من نذير. سورة القصص.
نادى «ياأمة محمد إن رحمتى سبقت غضى أعطيتكم قبل أن تسألونى وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى
من لقينى منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخلته الجنة)).
أما قوله ( لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ) فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية
(واعلم) أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله (وما كنت بجانب الغربى، وما كنت
ناوياً فى أهل مدين ، وما كنت بجانب الطور ) فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة
هى الأحوال العظيمة التى اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله ( إذ قضينا إلى موسى الأمر)
إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله ( وما كنت ثاوياً) أول أمره
والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن فى هذه
الأخوال حاضراً بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن
قال ( لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ) واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير
منهم (وقال بعضهم) حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة
عليهم ، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة فى التكاليف فبعثه الله تعالى تقريراً للتكاليف وإزالة
لتلك الفترة ،
أما قوله ( ولولا أن تصيبهم مصيبة ) الآية فقال صاحب الكشاف: لولا الأولى امتناعية
وجوابها محذوف ، والثانية تحضيضية ، والفاء فى قوله فيقولوا للعطف ، وفى قوله للعطف. وفى
قوله ( فنتبع) جواب لولا لكونها فى حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل ، والباعث
والمحضض من واد واحد، والمعنى ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصى:
هلا أرسلت إلينا رسولا ، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم ، يعنى إنما أرسلنا الرسول إزالة
لهذا العذر وهو كقوله ( لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ، أن تقولوا ما جاءنا من بشير
ولا نذير، لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك) واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا
العذرلما أرسلنا، بل قال (ولولا أن تصيبهم مصيبة فيقولوا) هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك
النكتة وهى أنهم لو لم يعاقبوا مثلا وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك، بل إنما يقولون ذلك
إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفاً على كفرهم ، بل لأنهم ما أطاقوا
وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وفى
الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ احتج الجبائى على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم يكن لهم
أن يقولوا: هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك، إذ من الجائز أن لا يبعث إليهم وإن كانوا
لايختارون الايمان إلا عنده على قول من خالف فى وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان
فى المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن يفعل ذلك.

٢٥٩
قوله تعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا. سورة القصص.
فَلَمَّا جَآءُهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أَوْنِىَ مِثْلَ مَ أُوِىَ مُوسَقٌ أَوَلّْ
يَكْفُرُواْبِمَا أَوِىَ مُوسَى مِنِ قَبْلُ قَالُواْبِعْرَانِ تَهَا وَقَالُواْ إِنَّ بِكُلٍ كَفِرُونَ
قُلْ فَأَنُواْ بِكِتٍَ مِنْ عِنِدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَِّعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِنّ
٤٨
فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيُوْلَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَلَّبِعُونَ أَهْوَآءُهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ ◌ِمَّنِ آَتَّبَعَ
هَوَئُهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ الَِّ إِنَّ الَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ (﴾ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا
الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِ هُمْ بِه
لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَدَُّونَ (
المسألة الثانيةَ﴾ احتج الكعبى به على أن اللّه تعالى يقبل حجة العباد وليس الأمر كما يقوله
أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ليس المراد من قوله (لا يسأل عما يفعل)
ما يظنه أهل السنة ، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى .. وإلا
لكان للكافر أعظم حجة على اللّه تعالى .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضى: فيه إبطال القول بالجبر من جهات (إحداها) أن اتباعهم
وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول إليهم أم لا (وثانيتها) أنه
إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل الرسول أم لا (وثالثتها) إذا أراد ذلك وجب
أرسل الرسول إليهم أم لا، فأى فائدة فى قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى؟ فيقال للقاضى
هب أنك نازعت فى الخلق والارادة ولكنك وافقت فى العلم فاذا علم الكفر منهم فهل يجب
أم لا ، فان لم يجب أمكن أن لا يوجد الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع بين الضدين
وإن وجب لزمك ما أوردته علينا، واعلم أن الكلام وإن كان قوياً حسناً إلا أنه إذا توجّه عليه
النقض الذى لا محيص عنه، فكيف يرضى العاقل بأن يعول عليه؟ .
قوله تعالى : ﴿ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أو لم يكفروا
بما أوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون ، قل فأتوا بكتاب من
عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ، فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم
ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين، ولقد وصلنا لهم القول
لعلهم يتذكرون. الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه

٢٦٠
قوله تعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا. سورة القصص.
يُؤْمِنُونَ ﴿ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْءَ امَنَّا بِإِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِنَآَ إِنَّا كَ مِن قَبْلِهِ
مُسْلِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَبْرَهُمْ فَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَّرُواْ وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ
السَِّئَةَ وَبِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (*) وَإِذَا سَمِعُوْلَّغْوَ أَعْرَ ضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْلَنَّ
أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَنَبْتَفِى الْجَهِدِينَ
الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة
السيئة وما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم
سلام عليكم لانبتغى الجاهلين
إعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك،
بين أيضاً أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى فهؤلاء قبل البعثة
يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى ، فظهر أنه لامقصود لهم سوى الزيغ والعناد.
أما قوله ( فلما جاءهم الحق من عندنا) أى جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر
المعجزات قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات
كقلب العصاحية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل العمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى
ومن أن الله كلمه وكتب له فى الألواح وغيرها من الآيات نجاؤا بالإقتراحات المبنية على التعنت
والعناد كما قالوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك وما أشبه ذلك.
(واعلم) أن الذى اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب فى معجزات الأنبياء عليهم السلام أن
تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون
فى إنزاله مجموعا كالتوراة ومفرقاً كالقرآن ، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله (أولم يكفروا
بما أوتى موسى من قبل) واختلفوا فى أن الضمير فى قوله (أو لم يكفروا) إلى من يعود، وذكروا
وجوهاً (أحدها) أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمدآ أن يؤتى مثل ما أوتى موسى عليه السلام
فقال تعالى (أو لم يكفروا بما أوتى موسى) يعنى أو لم تكفروا ياهؤلاء اليهود الذين استخرجوا
هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة (وثانيها) أن الذين أوردوا هذا الاقتراح
كفارمكة ، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا فى زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم
كالشىء الواحد لأنهم فى الكفر والتعنت كالشىء الواحد (وثالثها) قال الكلبى إن مشركي مكة
بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده فى التوراة بنعته وصفته، فلما