النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى : وإذ نادى ربك موسى. سورة الشعراء. وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوَسَّ أَنِ آَنْتِ الْقَوْمَ الظَّلِينَ (٣٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ أحسن الحديث كتابا) وبقوله ( فبأى حديث بعده يؤمنون ) وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقا لا محالة ( والجواب ) أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها. إنما ندعى قدم أمر آخر وراء هذه الحروف ، وليس فى الآية دلالة على ذلك . قوله تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن انت القوم الظالمين، قوم فرعون ألا يتقون ﴾. اختلف أهل السنة فى النداء الذى سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات ، قال أبو الحسن الأشعرى: المسموع هو الكلام القديم، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء، مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة. فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع ، وقال أبو منصورا لما تريدى: الذى سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات ، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا رأينا الجوهر والعرض ، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية ، ولا علة إلا الوجود ، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى، ولم يثبت عندنا أنا نسمع الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لابد من مشترك بين الجسم والصوت، فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعاً فظهر الفرق ، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفاً وأصواتاً، فعند هذا قالوا إن ذلك النداء وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل اللّه تعالى، فصار معجزاً علم به أن الله مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة ، وكفى فى الوقت أن يحمله الرسالة التى هى (أن انت القوم الظالمين ) لأن فى بدء البعثة يجب أن يأمره بالدعاء إلى التوحيد، ثم بعده يأمره بالأحكام، ولا يجوز أن يأمره تعالى بذلك إلا وقد عرفه أنه ستظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك. أما قوله تعالى ( أن انت القوم الظالمين ) فالمعنى أنه تعالى سول عليهم بالظلم، وقد استحقوا هذا الإسم من وجهين من وجه ظلمهم أنفسهم بكفرهم ، ومن وجه ظلمهم لبنى إسرائيل . أما قوله (قوم فرعون) فقد عطف قوم فرعون (على القوم الظالمين) عطف بيان ، كان القوم الظالمين وقوم فرعون لفظان يدلان على معنى واحد . وأما قوله ( ألا يتقون ) فقرى ألا يتقون بكسر النون، بمعنى ألا يتقونى، حذفت النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة، وقوله ( ألا يتقون) كلام مستأنف اتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيباً لموسى عليه السلام من حالهم فى الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقله خوفهم ، ويحتمل أن يكون (ألا يتقون) حالا من الضمير فى (الظالمين) ١٢٢ قوله تعالى : قال رب إنى اخاف. سورة الشعراء. قَالَ رَبِّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٨) وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَثُونَ (٢) وَلَهُمْ عَلَّ ذَنْبٌ فَأَخَفُ أَنْ يَقْتُلُونِ (g أى يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال ، ووجه ثالث وهو أن يكون المعنى ألا ياناس اتقون، كقوله ( ألا يسجدوا). وأما من قرأ ألا تتقون على الخطاب، فعلى طريقة الإلتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كما يرى من يشكو من ركب جناية والجانى حاضر ، فاذا اندفع فى الشكاية وحمى غضبه، قطع مبائة صاحبه وأقبل على الجانى يوبخه ويعنفه به ، ويقول له ألا تتقى الله ألا تستحى من الناس، فان قلت فما الفائدة فى هذا الإلتفات والخطاب مع موسى عليه السلام فى وقت المناجاة ، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟ قلت إجراء ذلك فى تكليم المرسل إليهم فى معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم ، لأنه مبلغهم ومنهيه إليهم ، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى ، وكم من آية نزلت فى شأن الكافرين و فيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً لها واعتباراً بمواردها. قوله تعالى: ﴿ قال رب إنى أخاف أن يكذبون، ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى فأرسل إلى هرون، ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون ﴾ وفى الآية مسائل: المسألة الأولى) اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى قوم فرعون، طلب موسى عليه السلام أن يبعث معه هرون إليهم ، ثم ذكر الأمور الداعية له إلى ذلك السؤال وحاصلها أنه لو لم يكن هرون، لاختلت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه السلام، وذلك من وجهين (الأول) أن فرعون ربما كذبه ، والتكذيب سبب لضيق القلب، وضيق القلب سبب لتعسر الكلام على من يكون فى لسانه حبسة، لأن عند ضيق القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة فى اللسان، فالتأذى من التكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب للحبسة . فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب ، ثم ثى بضيق الصدر، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان. وأما هرون فهو أفصح لساناً منى وليس فى حقه هذا المعنى، فكان إرساله لائقاً (الثانى) أن لهم عندى ذنباً فأخاف أن يبادروا إلى قتلى، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة . وأما هرون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة. المسألة الثانية﴾ قرى" يضيق وينطلق بالرفع، لأنهما معطوفان على خبر أن ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن ، والمعنى: أخاف أن يكذبون ، وأخاف أن يضيق صدرى ، وأخاف أن. لا ينطلق لسانى، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث علل فى طلب إرسال هرون، والنصب يفيد علة ١٢٣ قوله تعالى : قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم. سورة الشعراء. فَأَتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ١٥) ـامَعَكُم مُسْتَمِعُونَ قَالَ كَلَّا فَأَذْهَبَا بِشَايَتِنَآَ. صِى واحدة، وهى الخوف من هذه الأمور الثلاثة ، فإن قلت: الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق اللسان كان حاصلا ، فكيف جاز تعلق الخوف به ؟ قلت قد بينا أن التكذيب الذى سيقع بوجب ضيق القلب ، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس، فتلك الزيادة ما كانت حاصلة فى الحال بل كانت متوقعة ، جاز تعليق الخوف عليها . أما قوله تعالى ( فأرسل إلى هرون) فليس فى الظاهر ذكر من الذى يرسل إليه ، وفى الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه، قال السدى: إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه، فقال أنا موسى، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة، فصاحت أمهما لخوفها عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل، لأن رسول اللّه إلى الأنبياء جبريل عليه السلام، فلما كان هو متعيناً لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلوماً، وأيضاً ليس فى الظاهر أنه يرسل لماذا ، لكن حوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل، كما يقال إذا نابتك نائبة ، فأرسل إلى فلان أى ليعينك فيها وليس فى الظاهر أنه التمس كون هرون نبياً معه، لكن قوله ( فقولا إنا رسول رب العالمين) يدل عليه. أما قوله (ولهم على ذنب) فأراد بالذنب قتله القبطى، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة مشروحة فى سورة القصص . واعلم أنه ليس فى التماس موسى عليه السلام ، أن يضم إليه هرون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه فى الوصول إلى المراد ، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبياً فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدى الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين، وهذا قول الكعبى وغيره من البغداديين. لأنهم يجوزون دخول الشرط فى تكليف اللّه تعالى العبد، والذى ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه، فاذا علم أنه غير متمكن منه فانه لا يأمره به، وإذا صح ذلك فالأقرب فى الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت ، ومثل ذلك لا يكون إغراء فى فى الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء فى غيرم. المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام ( ولهم على ذنب ) هل يدل على صدور الذنب منه ؟ (جوابه) لا والمراد لهم على ذنب، فی زعمهم . قوله تعالى: ﴿قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون، فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب - ١٢٤ قوله تعالى : قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم. سورة الشعراء. اَلْعَلَمِينَ (٨٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِّ إِسْرَِّيَلَ ◌َ﴾ قَالَ أَلَمْ نُرَيِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِنَا مِنْ مُمرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَّفِرِ ينَ (3) العالمين . أن أرسل معنا بنى اسرائيل اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين (الأول) أن يدفع عنه شرهم ( والثانى ) أن يرسل معه هرون فأجابه اللّه تعالى إلى الأول بقوله ( كلا) ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثانى بقوله (فاذهبا) أى اذهب أنت والذى طلبته وهو هرون فان قيل علام عطف قوله (فاذهبا) قلنا على الفعل الذى يدل عليه كلا كأنه قال ارتذع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهرون . وأما قوله ( إنا معكم مستمعون) فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما واحدو كما كالناصر الظهير لكما عليه إذاً أحضر وأستمع ما يجرى بينكما فأظهر كما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما، وإنما جعلنا الاستماع مجازاً لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على اللّه تعالى محال. وأما قوله (إنا رسول رب العالمين) ففيه سؤال وهو أنه هلا ثی الرسول کما تنی فی قوله (إنا رسولا ربك ) جوابه من وجوه (أحدها) أن الرسول اسم الماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا يفيدان إلا الوحدة لا الإستغراق، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضاً هذا الإنسان هو الضحاك، وإذا ثبت أن لفظ الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى الاثنين ثبت صحة قوله ( إنا رسول رب العالمين) (وثانيها) أن الرسول قد يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر: لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين ( وثالثها) أنهما لاتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد (ورابعها) المراد كل واحد منا رسول (وخاسها) ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية لكونه «والرسول خاصة وقوله (إنا) فكما فى قوله تعالى ( إنا أنزلناه ) وهو ضعيف. وأما قوله (أن أرسل معنا بنى إسرائيل) فالمراد من هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازى ، يريد خلهم يذهبوا معنا . قوله تعالى: ﴿ قال ألم نربك فينا وليداً ولبقت فينا من عمرك سنين ، وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين ١٢٥ قوله تعالى : قال فعلتها إذا فعلتها اذا وأنا من الضالين. سورة الشعراء. قَالَ فَعَلَّتُهَا إِذًّا وَأَنَّأْ مِنَ الضَّالِينَ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ ٣٣ إِسْرَآءِيلَ أعلم أن فى الكلام حذفاً وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال ، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولا ، ثم إساءة موسى إليه ثانياً ، أما النعم فهى قوله ( ألم نربك فينا وليداً) والوليد والصبى لقرب عهده من الولادة (ولبثت فينا من عمرك) وعن أبى عمرو بسكون الميم (سنين) قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطى وهو ابن اثنى عشرة سنة وفر منهم والله أعلم بصحيح ذلك، وعن الشعبى (فعلتك) بالكسروهى قتله القبطى لأنه قتله بالوكزوهو ضرب من القتل، وأما الفعلة فلأنها و کزة واحدة عدد عليه نعمه من تر بيته و تبليغه مبلغالرجال ووبخهبما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك بقوله ( وفعلت فعلتك التى فعلت ). وأما قوله ( وأنت من الكافرين) ففيه وجوه (أحدها) يجوز أن يكون حالا أى قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتى ( وثانيها) وأنت إذ ذاك من تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان يعاشرهم بالنقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة ( وثالثها) وأنت من الكافرين معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولى نعمته ( ورابعها ) وأنت من الكافرين بفرعون وإلهيته أو من الذين يكفرون فى دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها ، يشهد بذلك قوله تعالى (ويذرك وآلهتك). قوله تعالى : ﴿ قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ، فقررت منكم لما خفتكم فوهب لی ربی حكما وجعلنى من المرسلين ، وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى اسرائيل اعلم أن فرعون لما ذكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ظاهرة ، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها، ولم يشتغل بالجواب عنها، لأنه تقرر فى العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر البتة ، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن القتل بما لا شىء أبلغ منه فى الجواب وهو قوله ( فعلتها إذاً وأنا من الضالين ) والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب ، ومثل ذلك ربما ١٢٦ قوله تعالى : وتلك نعمة ثمنها على. سورة الشعراء. حسن وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أويعد منه كافراً أو كافراً لنعمه، فأما قوله (ففررت منكم لما خفتكم) فالمراد أنى فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكا وكان منى فى حكم السهو ، فلم أستحق التخويف الذى يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه فى باب تلك الفعلة ، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب من حيث خوف تخويفا أوجب الفرار ، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار، فكأنه قال أسأتم وأحسن اللّه إلى بأن وهب لى حكما وجعلنى من المرسلين، واختلفوا فى الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله ( وجعلنى من المرسلين ) فالمراد بالحكم العلم ويدخل فى العلم العقل والرأى والعلم بالدين الذى هو التوحيد، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله فى العقل والرأى والعلم بالتوحيد وقوله (فوهب لى ربى حكما ) كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى، وقالت المعتزلة المراد منه الألطاف وهو ضعيف جداً لأن الألطاف مفعولة فى حق الكل من غير بخس ولا تقصير ، فالتخصيص لابد فيه من فائدة، فأما قوله ( وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرائيل فهو جواب قوله ( أو لم نربك فينا وليداً ) يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبداً، فان قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين ؟ قلنا بيان التعلق من وجوه (أحدها ) أنه إنما وقع فى يده وفى تربيته لأنه قصد تعبيد بنى اسرائيل وذيح أبنائهم، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنياً عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا (وثانيها) أن هذا الإنعام المتأخر صار معارضاً بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا ( وثالثها) ما قاله الحسن: إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت على فلا نعمة لك بالتربية (ورابعها) المراد أن الذى تولى تربيتى هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك على لأن التربية كانت من قبل أمى وسائر من هو من قومى ليس لك إلا أنك ما قتلتنى، ومثل هذا لا يعد إنعاما ( وخامسها ) أنك كنت تدعى أن بنى اسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد فى أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه واعلم أن فى الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على مابينا، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافراً لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الاهانة بكفره، فلو استحق الشكر بانعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقاً للاهانة والتعظيم معاً ، واستحقاق الجمع بين الضدين محال، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذى يستحقه على الإيمان، والآية تدل على هذا القول الثاني. و المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف إنما جمع الضمير فى (منكم) و(خفتكم) مع أفراده فى تمنها وعبدت لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله ، بدليل ١٢٧ قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين. سورة الشعراء. قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَلَيْنَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ إِن كُنتُ مُوِقِينَ ﴿ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ ◌ٍأَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َا بَآَبِكُ ﴾ قَالَ رَبُّ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ،قَالَ إِنَّ رَسُولَهُمُ اُلْأَوَّلِينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاُ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (﴾ قَالَ لَيْنِ أَنَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُوِنِينَ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ (﴾ قَالَ فَأْتِ بِهِةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قوله (إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك) وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد، فإن قلت (تلك) إشارة إلى ماذا و(أن عبدت) ما محلها من الإعراب ؟ قلت تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هى إلا بتفسيرها ، وهى أن عبدت فان (أن عبدت) عطف بيان ونظيره قوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) والمعنى تعبيدك بنى إسرائيل نعمة تمنها على، وقال الزجاج: ويجوز أن يكون أن فى موضع نصب ، والمعنى إنما صارت نعمة على ، لأن عبدت بنى إسرائيل أى لو لم تفعل ذلك لكفانى أملى . قوله تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون ، قال ربكم ورب آبائكم الأولين، قال إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إل كنتم تعقلون، قال لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلتك من المسجونين، قال أولو جئتك بشىء مبين ، قال فأت به إن كنت من الصادقين﴾ اعلم أن فرعون لم يقل لموسى وما رب العالمين ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله ( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) فلا بد عند دخولها عليه أنهما قالا ذلك ، فعند ذلك قال فرعون ( وما رب العالمين ) ثم ههنا بحثان : ﴿ الأول) أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفاً بالله، ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة ، وقد ذكر الله تعالى فى كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله، وهو قوله(قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض) فإذا قرئ بفتح التاء من (علمت ؛) فالمراد أن فرعون علم ذلك ، وذلك يدل على أنه كان عارفاً بالله، لكنه كان يستأ كل قومه بما يظهره من ١٢٨ قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين سورة الشُّعَراء إلهيته، والقراءة الأخرى برفع التاء من (علمت ) فهى تقتضى أن موسى عليه السلام هو الذى عرف ذلك، وأيضاً فإن فرعون إن لم يكن عاقلا لم يجز من اللّه تعالى بعثة الرسول إليه، وإن كان عاقلا فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ولا حياً ولا عاقلا ثم صار كذلك، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره فى تركيبه وفى حياته وعقله إلى مؤثر موجد، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود فى ذواتها ومتحركة لذواتها، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث فى هذا العالم ، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار ، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية ، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمى نفسه إلهاً . ﴿ البحث الثانى). وهو أنه قال لموسى عليه السلام (وما رب العالمين)؟ واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشئ، وتعريف حقيقة الشىء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشئ من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال، لأن المعرف معلوم قبل المعرف ، فلو عرف الشىء بنفسه لزم أن يكون معلوماً قبل أن يكون معلوماً وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا فى حق واجب الوجود محال، لأن التعريف بالأمور الدخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركباً، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركباً، لأن كل من كب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه فهو غيره، فكل مر كب محتاج إلى غيره، وكل ما احتاج إلى غيره فهو يمكن لذاته ، وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركباً، فواجب الوجودليس بمركب، وإذا لم يكن من كباً استحال تعريفه بأجزائه، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره، ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية. ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لابد من تعريفها باللوازم الجلية، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب البتة لقول فرعون وما رب العالمين إلا ما قاله موسى عليه السلام، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما ، فأما قوله ( إن كنتم موقنين) فمعناه: إن كنتم موقنين باسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لابد وأن تكون أظهر آثاره، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات ١٢٩ قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين . سورة الشَّعَراء . والأرض وما بينهما ، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لاجواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب، ولما ذكرموسى عليه السلام هذا الجواب الحق (قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون) وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى ، يعنى أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة، وهو يجيبنى بالفاعلية والمؤثرية، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية ، وذلك لأنا إذا قلنا فى الشىء إنه الذى يلزمه اللازم الفلانى، فهذا المذكور ، إما أن يكون معروفاً لمجرد كونه أمراً ما يلزمه ذلك اللازم أو الخصوصية تلك الماهية التى عرضت لها هذه الملزومية ، والأول محال لأن كونه أمراً يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفاً فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشىء معروفاً لنفسه وهو محال ، والثانى محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلانى لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة، لانه لا يمتنع فى العقل اشتراك الماهيات المختلفة فى لوازم متساوية . فثبت أن التعريف بالوصف الخارجى لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه رباً السموات والأرض وما بينهما جواباً عن قوله ( وما رب العالمين) فأجاب موسى عليه السلام ( بأن قال ربكم ورب آبائكم الأولين) وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذوانها فهى غنية عن الخالق والمؤثر، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل فى نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم، لما أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته ، وما لم يكن واجباً لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه. فقال فرعون (إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون) يعنى المقصود من سؤال ماطلب المساهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية ، فهذا الذى يدعى الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه ، فقال موسى عليه السلام (رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثانى، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والأمر ظاهر فى أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة أبراهيم عليه السلام مع نمروذ، فانه استدل أولا بالإحياء والإمانة وهو الذى ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله (ربكم ورب آبائكم الأولين) فأجابه نمروذ بقوله (أنا أحبى وأميت) فقال ( إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر) وهو الذى ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله (رب المشرق والمغرب). وأما قوله (إن كنتم تعقلون) فكانه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لاجواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت منى تعريف حقيقته بنفس حقيقته، وقد ثبت الفخر الرازي - ج ٢٤ م ٩ ١٣٠ قوله تعالى : أولو جئتك بشيء مبين. سورة الشعراء. أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته. فقد ثبت أن كل من كان عاقلا يقطع بأنه لاجواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته . واعلم أنا قد بينا فى سورة الأنعام فى تفسير قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هى هى غير معقولة للبشر، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح فى صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين رباً وإلها ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه فى صحة دعوى الرسالة ، وفرعون يطالبه بيان الماهية، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعله بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفياً ولا إثباتا فى هذا المطلوب ، فهذا تمام القول فى هذا البحث والله أعلم، ثم إن موسى عليه السلام لما خشن فى آخر الكلام بقوله ( إن كنتم تعقلون ) فعند ذلك قال فرعون ( لأن اتخذت إلهاً غيرى لأجعلك من المسجونين) فإنه لما عجز عن الحجاج عدل إلى التخويف ، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاما محملا ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال (أولو جئتك بشىء مبين)؟ أى هل تستجيز أن تسجننى مع اقتدارى على أن آتيك بأمر بين فى باب الدلالة على وجود الله تعالى، وعلى أنى رسوله؟ فعند ذلك قال ( فأت به إن كنت من الصادقين) وههنا فروع: (الفرع الأول) الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسما وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازماً له لعدوله عن الجواب الحق ( الثانى ) الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه ( الثالث) أنه يجوز للمسئول أن يعدل فى حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الإنقطاع ( الرابع ) إن قيل كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله ( أو لو جئتك بشىء مبين) والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم؟ قلنا بل بدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصاخية على اللّه تعالى وعلى توحيده، وعلى أنه صادق فى الرسالة فالذى ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع ( الخامس ) فإن قيل كيف قال (رب السموات والأرض وما بينهما) على التثنية والمرجوع إليه مجموع؟ جوابه أريد مابين الجهتين ، فإن قيل ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟ ( جوابه ) قد عمم أولا ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى ١٣١ قوله تعالى : فالقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين. سورة الشعراء . فَأَلْفَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ نُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ وَزَعَ بَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلَِّظِينَ قَالَ لِلْعَلَّ حَوْلَهُ وَ إِنَّ هَذَا لَسَُِ عَلِيْمُ ﴾ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُ مِنْ أَرْضِكُمْ بِحْرِهِ، ◌َذَا تَأْمُرُونَ ( ﴾ قَالُواْ أَرْبِهُ وَأَخَاهُ وَبْعَثْ فِ الْمَدَآْنِ حَشِينٌّ (﴾ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَّارٍ عَلِيٍ حالة أخرى ، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم فى فصول السنة من أظهر الدلائل (السادس ) فإن قيل لم قال (لأجعلنك من المسجونين ) ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر؟ (جوابه) لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صیرور ته مسجوناً . أما قوله ( لأجعلنك من المسجونين ) فمعناه أنى أجعلك واحداً من عرفت حالهم فى سجونى، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه فى بئر عميقة فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل ( السابع ) الواو فى قوله (أو لو جئتك) واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أنتفعل بى ذلك ولو جئتك بشىء مبين أى جائياً بالمعجزة. قوله تعالى: ﴿ فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين ، قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ، قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم ) وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ قرأ الأعمش (بكل ساحر عليم). المسألة الثانية) اعلم أن قوله (أو لوجئتك بشىء مبين) يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ثعباناً ، ولولا ذلك لما قال ما قال : فلما ألقى عصاه ظهرما وعده الله به فصار ثعبانا مبيناً ، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات ، روى أنه لما انقلبت حية ارتفعت فى السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول ياموسى مرنى بما شئت، ويقول فرعون ياموسى أسألك بالذى أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فان قيل كيف قال ههنا ( ثعبان مبين ) وفى آية أخرى (فاذا هى حية تسعى) وفى آية ثالثة ( كأنها جان) والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر ؟ (جوابه) أما الحية فهى اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم) ويحتمل أنها كانت أولا صغيرة كالجان ثم عظمت ١٣٢ قوله تعالى : فجمع السحرة لميقات يوم معلوم. سورة الشعراء. الْجُمِعَ السَّخَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُوِ ﴾ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُجْتَمِعُونَ (#) لَعَلَّنَا ◌َّبِعُ السَّخَرَةَ إِن كَانُواْهُمُ الْغَلِينَ (ج) فَلَّا جَآءَ الََّرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَيْنَّلَنَا ٠٬٠٠ لَأَْجًا إِن ◌َّا نَحْنُ الْغَلِمِينَ (٨) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٤٢ فصارت أحياناً ، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها ؟ قال نعم فأراه يده ثم أدخلها جيبه ثم أخرجها فاذا هى بيضاء يضىء الوادى من شده بياضها من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر فيها أموراً ثلاثة ( أحدها ) قوله ( إن هذا لساحر عليم) وذلك لأن الزمان كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهى بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول (وثانيها) قوله (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) وهذا يجرى مجرى التنفير عنه لثلا يقبلوا قوله، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم، ومعلوم أن مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك ، وهذا نهاية ما يفعله المبطل فى التنفير عن المحق (وثالثها ) قوله لهم (فماذا تأمرون) أى فما رأيكم فيه وما الذى أعمله ، يظهر من نفسه ؛ أنى متبع لر أيكم ومنقاد لقولكم، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد وهو قوله ( أرجه) قرىء أرجئه وأرجه بالهمز والتخفيف، وهما لغتان: يقال أرجأته وأرجيته إذا أخرته، والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة، وقيل أحبسه وذلك محتمل ، لأنك إذا حبست الرجل عن حاجته فقد أخرته. روى أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه، فقالوا له لا تفعل ، فإنك إن قتله أدخلت على الناس فى أمره شبهة، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة. ظناً منهم بأنهم إذا كثروا غلوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله ( إن هذا لساحر عليم ) بقولهم ( بكل سحار عليم) جاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه ، قال صاحب الكشاف فان قلت قوله تعالى (قال للملأحوله) ما العامل فى حوله؟ قلت هو منصوب نصبين نصب فى اللفظ ونصب فى المحل والعامل فى النصب اللفظى ما يقدر فى الظرف ، والعامل فى النصب المحلى هو النصب على الحال . قوله تعالى: ﴿فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، وقيل للناس هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين ، قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين ﴾ وفيه مسألتان: قوله تعالى : قال لهم موسى ألقوا ما انتم ملقون. سورة الشعراء. ١٣٣ قَالَ لَهُمُ مُوسَى أَلْقُواْمَا أَنْتُلْقُونَ (٤٢) فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فَأَلْقَ مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا ٤٤ فِرْعَوَنَ إِنَّالَنَحْنُ الْغَلُونَ يَأْمِكُونَ (٤﴾ فَأَلْقِ السَّحَرَةُ سَِدِينَ (﴾ قَالُوَءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلِينَ ﴾رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ. المسألة الأولى ﴾ اليوم المعلوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى، لأنه الوقت الذى وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة فى قوله (موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) والميقات ما وقت به أى حدد من مكان وزمان ومنه مواقيت الإحرام . ﴿ المسألة الثانية) اعلم أن القوم لما أشاروا بتأخير أمره وبأن يجمع له السحرة ليظهر عند حضورهم فساد قول موسى عليه السلام، رضى فرعون بما قالوه وعمى عما شاهده وحب الشىء يعمى ويصم. فجمع السحرة ثم أراد أن تقع تلك المناظرة يوم عيد لهم ليكون ذلك بمحضر الخلق العظيم وكان موسى عليه السلام يطلب ذلك لتظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم وكان هذا أيضاً من لطف الله تعالى فى ظهور أمر موسى عليه السلام. أما قوله ( وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ) فالمراد أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين. وأما قوله ( لعلنا نتبع السحرة ) فالمراد إنا نرجو أن يكون الغلبة لهم فنتبعهم فلما جاء السحرة ابتدأوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه فبذل لهم ذلك وأكده بقوله ( وإنكم إذاً لمن المقربين) لأن نهاية مطلوبهم منه البذل ورفع المنزلة فبذل كلا الأمرين. قوله تعالى: ﴿قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون، فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ، فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون ، فألقى السحرة ساجدين ، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهرون} اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لابد من أن يبدأموسى أو يبدأوا ثم إنهم تواضعوا له فقدموه على أنفسهم، وقالوا (إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى) فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه ، وقال (ألقوا ما أنتم ملقون) فان قيل كيف جاز موسى عليه السلام أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصى وذلك سحر وتلبيس وكفر والأمر بمثله لا يجوز (الجواب) لاشبهة فى أن ذلك ليس بأمر لأن مراد موسى عليه السلام منهم كان أن يؤمنوا به ولا يقدموا على مايجرى ١٣٤ قوله تعالى : فألقى السحرة ساجدين. سورة الشعراء. مجرى المغالبة ، وإذا ثبت هذا وجب تأويل صيغة الأمر وفيه وجوه ( أحدها ) ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما فى قوله ( فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين ) (وثانيها ) لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً ( وثالثها) أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد ، أى إن فعلتم ذلك أتينا بما تبطله ، كقول القائل لتن رميتنى لأفعلن ولأصنعن ثم يفوق له السهم فيقول له ارم فيكون ذلك منه تهديداً ( ورابعها) ماذكرنا أنهم لما تواضعوا له وقدموه على أنفسهم فهو قدمهم على نفسه على رجاء أن يصير ذلك التواضع سبباً لقبول الحق. ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب، وهذا تنبيه على أن اللائق بالمسلم فى كل الأحوال التواضع، لأن مثل موسى عليه السلام لما لم يترك التواضع مع أولئك السحرة ، فبأن يفعل الواحد منا أولى . أما قوله تعالى ( فألقوا حبالهم وعصيهم ) فروى عن ابن عباس أنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق والعصى مجوفة مملوءة من الزئبق فلما حميت اشتدت حركتها فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض فهاب موسى عليه السلام ذلك، فقيل له ألق مافى يمينك (فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ) ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم حتى أكلت الكل ثم أخذ موسى عصاه، فاذا هى كما كانت فلما رأت السحرة ذلك قالت لفرعون كنا نساحر الناس فاذا غلبناهم بقيت الحبال والعصى ، وكذلك إن غلبونا ولكن هذا حق فسجدوا وآمنوا برب العالمين . واعلم أن فى الآثار اختلافاً فمنهم من كثر الحبال والعصى ، ومنهم من توسط والله أعلم بعدد ذلك ، والذى يدل القرآن عليه أنها كثيرة من حيث حشروا من كل بلد، ولأن الأمر بلغ عند فرعون وقومه فى العظم مبلغاً يبعد أن يدخر عنه ما يمكن من جمع السحرة. وأما قوله ( وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) فالمراد أنهم أظهروا ما يجرى مجرى القطع على أنهم يغلبون ، وكل ذلك لما ظهر كان أقوى لأمر موسى عليه السلام. أما قوله ( فألقى موسى عصاه، فإذا هى تلقف ما يأفكون ) فالمراد من قوله ( ما يأفكون ) ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم فيخيلون فى حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، وسمى تلك الأشياء إفكا مبالغة . لما قوله ( فألقى السحرة ساجدين) فالمراد خروا سيداً لأنهم كانوا فى الطبقة العالية من علم السحر ، فلا جرم كانوا عالمين بمنتهى السحر، فلما رأوا ذلك وشاهدوه خارجاً عن حد السحر علموا أنه ليس بسحر ، وما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم فى علم السحر، ثم إنهم عند ذلك لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحاً، فإن قيل فاعل الإلقاء ما هو لوصرح به؟ (جوابه) هو الله تعالى بما حصل فى قلوبهم من الدواعى الجازمة الخالية عن المعارضات ١٣٥ قوله تعالى : قال أمنتم له قبل ان آذن لكم. سورة الشعراء. قَالَ ءَامَنُمْلَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِرُ كُمُالَّذِى عََّكُ السّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطْعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ ◌َِفٍ وَأَصَلَِّنَّكُمْ أَبْمَعِينَ (٤) قَالُواْ لَـ ضَبِّ إِنَّ إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ (﴾ إِنَّ نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ولكن الأولى أن لا نقدر فاعلا لأن ألقى بمعنى خر وسقط . أما قوله (رب موسى وهرون) فهو عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون كان يدعى الربوبية فأرادوا عزله ومعنى إضافته إليهما فى ذلك المقام أنه الذى دعا موسى وهرون عليهما السلام إليه . قوله تعالى: ﴿ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون ، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلينكم أجمعين ، قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ، إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين أعلم أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول الناس إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وتظاهرهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون مثل طريقهم فلبس على القوم وبالغ فى التنفير عن موسى عليه السلام من وجوه (أولها) قوله ( آمنتم له قبل أن آذن لكم) وهذا فيه إيهام أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على أنكم كنتم مائلين إليه ، وذلك يطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا فى السحر حياله ( وثانيها) قوله ( إنه لكبير كم الذى علمكم السحر) وهذا تصريح بما رمز به أولا ، وغرضه منه أنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى عليه السلام وقصروا فى السحر ليظهر أمر موسى عليه السلام ، وإلا ففى قوة السحرة أن يفعلوا مثل ما فعل موسى عليه السلام، وهذه شبهة قوية فى تنفير من يقبل قوله ( وثالثها) قوله ( فلسوف تعلمون) وهو وعيد مطلق وتهديد شديد (ورابعها) قوله ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) وهذا هو الوعيد المفصل وقطع اليد والرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والصلب معلوم ، وليس فى الإهلاك أقوى من ذلك وليس فى الآية أنه فعل ذلك أو لم يفعل، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين ( الأول) قولهم (لاضير إنا إلى ربنا منقلبون ) الضر والضير واحد، وليس المراد أن ذلك إن وقع لم يضر وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء. ( واعلم) أن قولهم (إنا إلى ربنا منقلبون) فيه نكتة شريفة وهى أنهم قد بلغوا فى حب الله ١٣٦ قوله تعالى : واوحينا إلى موسى أن أسر عبادى. سورة الشعراء. وَأَوْ حَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُمُتَبَعُونَ ﴾ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآ ◌ِنِ خَشِرِينَ (﴿ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْدِمَةٌ قَلِيلُونَ (٤﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَيُِّونَ (2) وَ إِنَّالَمِيُعُ خَذِرُونَ ﴾ فَأَنْرَبْنَهُمْ مِنْ جَّتٍ وَعُونٍ ﴿ وَكُنُوٍ وَمَقَارٍ كَرِيٍ ◌ّ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَآ ءِيلَ () فَأَتْبَعُوهُ مُشْرِقِينَ (٤) فَّا تَرَآءَالْجَمْعَانِ ٠٠٠ قَالَ أَمْعَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَ كُونَ (بَ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سيهدِینٍ تعالى أنهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته، وأنهم ما آمنوا رغبة فى ثواب أورهبة من عقاب، وإنما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته والاستغراق فى أنوار معرفته ، وهذا أعلى درجات الصديقين ( الجواب الثانى) قولهم ( إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) فهو إشارة منهم إلى الكفروالسحر وغيرهما ، والطمع فى هذا الموضع يحتمل اليقين كقول إبراهيم (والذى أطمع أن يغفر لى خطيقتى يوم الدين ) ويحتمل الظن لأن المرء لا يعلم ما سيجىء من بعد. أما قوله ( أن كنا أول المؤمنين ) فالمراد لأن كنا أول المؤمنين من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف ، أو يكون المراد من السحرة خاصة ، أو من رعية فرعون أو من أهل زمانهم ، وقرىء إن كنا بالكسر ، وهو من الشرط الذى يجىء به المدل ، ونظيره قول القائل لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوقی حقى . قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون، فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغاتظون، وإنا لجميع حاذرون، فأخرجناهم من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، كذلك وأورثناها بنى إسرائيل، فأتبعوهم مشرقين، فلما تراءی الجمعان قال أصحاب موسی إنا لمدر کون ، قال كلا إن معی ربی سیهدين ﴾. قرى (أسر) بقطع الهمزة ووصلها وسر لما ظهر أمر موسى عليه السلام بما شاهدوه من · الآية ، أمره الله تعالى بأن يخرج بنى إسرائيل لما كان فى المعلوم من تدبير الله تعالى فى موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم ، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون بنى إسرائيل ما يؤدى إلى الاستئصال ، فلذلك أمره الله تعالى أن يسرى ببنى إسرائيل، قوله تعالى : فأخرجناهم من جنات وعيون. سورة الشعراء. ١٣٧ وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى، ولا شبهة أن فى الكلام حذفاً وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا فى هذه الليلة عيداً، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال فى الليل إلى جانب البحر، فلما سمع ذلك فرعون أرسل فى المدائن حاشرين ، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ووصف قوم نفسه بصفة المدح. أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم . ﴿ فالصفة الأولى ) قوله (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) والشرذمة الطائفة القليلة، ومنه قولهم ثوب شراذم الذى بلى ، وتقطع قطعاً ذكرهم بالإسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل تجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذى هو للقلة ، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة لا قلة العدد، والمعنى أنهم لقلنهم لا يبالى بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون فى عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضى الله عنهما: كانوا ستمائة ألف مقاتل لاشاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفى على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه، وهذا الوصف قد يستعمل فى الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروى أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفى عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف. ﴿ الصفة الثانية) قوله (وإنهم لنا الغائطون) يعنى يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، واختلفوا فى تلك الأفعال على وجوه (أحدها) ما تقدم من أمر الحلى وغيره ( وثانيها) خروج بنى إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم ( وثالثها ) مخالفتهم لهم فى الدين وخروجهم عليهم ( ورابعها ) ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً. أما الذى وصف فرعون به قومه فهو قوله، ( وإنا لجميع حذرون ) وفيه ثلاث قراءات حذرون وحاذرون وحادرون بالدال غير المعجمة . واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهى اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهى المشبهة أفادت الثبوت ، فمن قرأ (حذرون) ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم، ومن قرأ (حاذرون) فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصر ناهذا. وأما من قرأ (حادرون) بالدال غير المعجمة فكانه ذهب إلى نفى الحذر أصلا، لأن الحادر مو المشمر، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد إنا مدججون فى السلاح، والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم . أما قوله تعالى ( فأخر جناهم) فالمراد إنا جعلنا فى قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ، فكان الفعل مضافاً إلى اللّه تعالى لا محالة . وأما قوله ( من جنات وعيون وكنوز) فقال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنهم لم ينفقوا منها فى ١٣٨ قوله تعالى : فأوحينا الى موسى ان اضرب. سورة الشعراء. فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَخْرَ فَأَنفَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْدِ الْعَظِيِ ® وَأَزْلَفْنَا تَمَّ الْآخَرِينَ ﴾ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ ◌ٍ أَتْمَعِينَ ( عُمَّ أَغْرَقْنَا آَرِينَ (8﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَ يَّةٍّ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُ مُؤْمِنِينَ (﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ طاعة الله تعالى، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التى فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة، والمواضع التى كانوا يتنعمون فيها لفسلها إلى بنى إسرائيل. أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخر جناهم مثل ذلك الإخراج الذى وصفناه، والجر على أنه وصف لمقام كريم، أى مقام كريم مثل ذلك المقام الذى كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أى الأمر كذلك. أما قوله (فأتبعوهم ) أى فلحقوهم ، وقرى فأتبعوهم مشرقين داخلين فى وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقاً إذا طلعت. أما قوله ( فلما تراءى الجمعان ) أى رأى بعضهم بعضاً، قال أصحاب موسى (إنا لمدركون) أى لملحقون ( وقالوا ياموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) كانوا يذبحون أبناءنا، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا، أى فى الساعة فيقتلوننا، وقرى (فلما تراءت الفئتان) (إنا لمدركون) بتشديد الدال وكسر الراء من ادرك الشىء إذا تتابع ففنى، ومنه قوله تعالى ( بل أدارك عليهم فى الآخرة) قال الحسن: جهلوا علم الآخرة ، والمعنى إنا لمتتابعون فى الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه، ثم قوى نفوسهم بأمرين (أحدهما ) (إن معى ربى) وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة (والثانى) قوله (سيهدين) والهدى هو طريق النجاة والخلاص ، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه، فقد بلغ النهاية فى النصرة . قوله تعالى: ﴿ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفاق فكان كل فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين، إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. أعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله ( إن معى ربى سيهدين) بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه ، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا، فقال ( فأوحينا ١٣٩ قوله تعالى : وأزلفنا ثم الآخرين. سورة الشعراء. إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق) ولا شبهة فى أن المراد فضرب فانقلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التى ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم فى النعمة عليه، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام، واختلفوا فى البحر ، روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر مع بنى إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا إلا يوشع بن نون فانه ضرب دابته وخاض فى البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لى فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر على العصاة ، فقال موسى يارب قد أبى البحر أن ينفرق ، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه فإنفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أى كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط مهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه جعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة ، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بنى إسرائل وبين آل فرعون وكان يقول لبنى اسرائيل ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول رويدكم ليلحق آخركم، وروى أن موسى عليه السلام قال عند ذلك ((يامن كان قبل كل شىء والمكون لكل شىء والكائن بعد كل شىء )). فأما قوله ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) فالفرق الجزء المنفرق منه ، وقرىء كل فلق والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أى المرتفع فى السماء وهو معجز من وجوه: (أحدها) أن تفرق ذلك الماء معجز (وثانيها) أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضاً لأنه كان لا يمتنع فى الماء الذى أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى حتى يصير كأنه لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكداً لهذا الإعجاز ( وثالثها) أنه إن ثبت ما روى فى الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذى يتكامل معه عبور بنى إسرائيل فهو معجز ثالث ( ورابعها) أن جعل الله فى تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض فهو معجز رابع ( وخامسها) أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز خامس . أما قوله تعالى ( وأزلفنا ثم الآخرين ) ففيه بحثان: ﴿ البحث الأول ) قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدى (وأزلفنا) أى وقربنا ئم "أى حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه: (أحدها) قربناهم من بنى اسرائيل (وثانيها) قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد ( وثالثها) قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال ( وأزلفنا ) أى حبسنا فرعون وقومه عند طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى، وقرىء ( وأزلقنا ) بالقاف أى أزللنا أقدامهم ١٤٠ قوله تعالى : وانجينا موسى ومن معه أجمعين. سورة الشعراء. والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم فى البحر على خلاف ما جعله لبنى اسرائيل يباً وأزلقهم . ﴿ البحث الثانى ) أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك فىطلب موسى كفر (أجاب ) الجبائى عنه من وجهين. ( الأول ) أن قوم فرعون تبعوا بنى إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعاً وهذا كما يتعب أحدنا فى طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبنى الغلام لما حدث ذلك فعله ( الثانى) قيل ( وأز لفنا ثم الآخرين ) أى أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم فى ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد : وكل يوم مضى أوليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف وأجاب الكعبى عنه من وجهين: ( الأول) أنه تعالى لما حلم عنهم، وترك البحر لهم يبساً وطمعوا فى عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مراراً فيحلم عنه، فاذا تمادى فى غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلى ، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل ( الثانى) يحتمل أنه أزلفهم أى جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكى لا يصلوا إلى موسى وقومه ( والجواب) عن الأول أن الذى فعله بنو إسرائيل هل له أثر فى استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أو ليس له أثرفيه . فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل اللّه تعالى أثراً فى حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف، وإن لم يكن له فيه أثر البتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة، وأما إذا تعب أحدنا فى طلب غلام له ، فانما يجوز أن يقول أتعبنى ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر فى حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوما للسيد ، ومتى علمه صار علىه داعياً له إلى ذلك التعب ومؤثراً فيه فصحت الإضافة . وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعى فالداعى مؤثر فى صيرورة القادر مؤثراً فى ذلك الفعل فلا جرم حسنت الاضافة ( والجواب ) عن الثانى وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده، فكيف يجوز إضافة هذا الازلاف الى الله تعالى؟ أما على قولنا فانه جائز لأنه تعالى هو الذى خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف (والجواب) عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك، فنقول ذلك الحلم هل له أثر فى استجلاب هذه الداعية أم لا؟ وباقى التقرير كما تقدم ( والجواب) عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثانى والله أعلم . أما قوله تعالى ( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين) فالمعنى أنه تعالى جعل البحر یبأ فى حق موسى وقومه حتى خرجوا منه وأغرق فرعون وقومه لأنه لما تكامل دخولهم البحر انطبق المناء عليهم فغرقوا فى ذلك الماء.