النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى : وقوم نوح لما كذبوا الرسل. سورة الفرقان
وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرَّسُلَ أَغْرَقْنَئُهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا
لظَّالِمِينَ عَذَابًا ألماً
﴿ المسألة الأولى﴾ كونه وزيراً لا يمنع من كونه شريكا له فى النبوة، فلا وجه لقول من قال
فى قوله (فقلنا اذهبا) إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجرى مجرى قوله (أذهبا إلى فرعون
إنه طغى ) فإن قيل إن كونه وزيراً كالمنافى لكونه شريكا بل يجب أن يقال إنه لما صار شريكا
خرج عن كونه وزيراً، قلنا لامنافاة بين الصفتين لأنه لا يمتنع أن يشركه فى النبوة ويكون وزيراً
وظهيراً ومعيناً له.
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج الوزير فى اللغة الذى يرجع إليه ويتحصن برأيه والوزر
ما يعتصم به، ومنه (كلا لا وزر) أى لامنجى ولا ملجأ ، قال القاضى، ولذلك لا يوصف تعالى بأن
له وزيراً ولا يقال فيه أيضاً بأنه وزير لأن الإلتجاء إليه فى المشاورة والرأى على هذا الحد لا يصح.
﴿ المسألة الثالثة﴾ (دمر ناهم) أهلكناهم إهلاكا فإن قيل الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل
عقيب ذهاب موسى وهرون إليهم بل بعد مدة مديدة، قلنا التعقيب محمول ههنا على الحكم لا على
الوقوع، وقيل إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما المقصود من
القصة بطولها أعنى إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
﴿ المسألة الرابعة ) قوله تعالى ( اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) إن حملنا تكذيب
الآيات على تكذيب آيات الإلهية فلا إشكال ، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ، وإن
كان للماضى إلا أن المراد هو المستقبل.
القصة الثانية - قصة نوح عليه السلام
قوله تعالى: ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذا بآ أليماً﴾
اعلم أنه تعالى إنما قال ( كذبوا الرسل) إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل
أو لأنه كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع، لأن تكذيب الواحد منهم لا يمكن إلا
بالقدح فى المعجز ، وذلك يقتضى تكذيب الكل ، أولأن المراد بالرسل وإن كان نوحا عليه السلام
وحده ولکنه كما يقال فلان یر کب الأفراس .
أما قوله (أغرقناهم) فقال الكلبى: أمطر اللّه عليهم السماء أربعين يوماً وأخرج ما. الأرض
أيضاً فى تلك الأربعين فصارت الأرض بحراً واحداً (وجعلناهم) أى وجعلنا إغراقهم أو قصتهم
آية ، وأعتدنا للظالمين أى لكل من سلك سبيلهم فى تكذيب الرسل عذاباً أليما، ويحتمل أن
يكون المراد قوم نوح .
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ٦
الفخـ ١١ ٠١١ - ٢٠٢٤

٨٢
قوله تعالى : وعاداً وثمود واصحاب الرس. سورة الفرقان.
وَبَدًا وَتَمُودَا وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَأْ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًاً ﴾ وَكُلَُّ ضَرَبْنَالَهُ
الْأَمْثَلِّ وَكُلُّا تَبَّرْنَا تَغْبِيرًا
القصة الثالثة - قصة عاد وثمود وأصحاب الرس
قوله تعالى: ﴿وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً وكلا ضربنا له الأمثال
وكلا تبرنا نتبيراً﴾ فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ عطف عاداً على (هم) فى و(جعلناهم) أو على (الظالمين) لأن المعنى
ووعدنا الظالمين .
( المسألة الثانية) قرىء ونمود على تأويل القبيلة، وأما على المنصرف فعلى تأويل الحى
أولأنه اسم للأب الأكبر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو عبيدة الرس هو البئرغير المطوية، قال أبو مسلم: فى البلاد موضع
يقال له الرس بجائز أن يكون ذلك الوادى سكناً لهم، والرس عند العرب الدفن، ويسمى به الحفر
يقال رس الميت إذا دفن وغيب فى الحفرة، وفى التفسير أنه البئر، وأى شىء كان فقد أخبر الله تعالى
عن أهل الرس بالهلاك انتهى .
﴿ المسألة الرابعة ) ذكر المفسرون فى أصحاب الرس وجوهاً ( أحدها) كانوا قوماً من
عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش ، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً عليه السلام فدعاهم إلى الإسلام
قتمادوا فى طغيانهم وفى إيذائه فبينماهم حول الرس خسف الله بهم وبدارهم ( وثانيها ) الرس قرية
بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود ( وثالثها ) أصحاب النبى كنظلة بن صفوان كانوا
مبتلين بالعنقاء، وهى أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها. وكانت تسكن جبلهم
الذى يقال له فتخ وهى تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة
فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا ( ورابعها) هم أصحاب الأخدود ،
والرس هو الأخدود ( وخامسها ) الرس أنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار ، وقيل كذبوه ورسوه
فى بر أى دسوه فيها (وسادسها) عن على عليه السلام أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة الصنوبر
وإنما سموا بأصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم فى الأرض (وسابعها) أصحاب الرس قوم كانت
لهم قرى على شاطىء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبياً من ولد يهودا
ابن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمناً فشكى إلى الله تعالى منهم ففروا براً ورسوه فيها. وقالوا
نرجو أن يرضى عنا إلهنا وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهى وسيدى ترى ضيق
مكانى وشدة كربى وضعف قلى وقلة حيلتى فعجل قبض روحى حتى مات ، فأرسل الله تعالى ريحاً

٨٣
قوله تعالى : ولقد اتوا على القرية. سورة الفرقان.
وَلَقَدْ أَتَوْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَِّيّ أُمْطِرَتْ مَطَ الَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ
عاصفة شديدة الخمرة فصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقد وأظلتهم سحابة سوداء فذابت
أبدانهم كما يذوب الرصاص ( وثامنها) روى ابن جرير عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله
بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا عبد أسود ثم عدوا على الرسول خفروا
له بئراً فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه حجراً ضخما، وكان ذلك العبد يحتطب فيشترى له طعاماً
وشراباً ويرفع الصخرة ويدليه إليه فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما أراد أن يحملها وجد
نوماً فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم انتبه وتمطى وتحول الشقه الآخر فنام
سبع سنين أخرى ، ثم هب حمل حزمته فظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته
واشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه وآمنوا به
وصدقوه ، وكان ذلك التى يسألهم عن الأسود، فيقولون لاندرى حاله حتى قبض اللّه النبى وقبض
ذلك الأسود، فقال عليه السلام ((إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة)) واعلم أن القول ما قاله
أ مسلم وهو أن شيئاً من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن، ولا بخبر قوى الإسناد ، ولكنهم
كيف كانوا فقد أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم.
المسألة الخامسة ﴾ قال النخعى: القرن أربعون سنة، وقال على عليه السلام: بل سبعون
سنة ، وقيل مائة وعشرون .
المسألة السادسة ) قوله بين ذلك أى بين ذلك المذكور وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة
ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول فذلك كيت وكيت على معنى
فذلك المحسوب أو المعدود .
أما قوله ( وكلا ضربنا له الأمثال ) فالمراد بينا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا تبرناهم تتبيراً
ويحتمل ( وكلا ضربنا له الأمثال) بأن أجبناهم عما أوردوه من الشبه فى تكذيب الرسل كما
أورده قومك يا محمد، فلما لم ينجح فيهم تبرناهم تتبيراً، فيذر تعالى بذلك قوم محمد صلى الله عليه
وسلم فى الاستمرار على تكذيبه لئلا ينزل بهم مثل الذى نزل بالقوم عاجلا وآجلا .
﴿ المسألة السابعة﴾ كلا الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو أنذرنا أو
حذرنا ، والثانى بتبرنا لأنه فارغ له .
المسألة الثامنة﴾ التقبير التفتيت والتكسير، ومنه التبر وهو كسارة الذهب والفضة
والزجاج.
القصة الرابعة فضة لوط عليه السلام
قوله تعالى : ﴿ولقد أنوا على القرية التى أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا

٨٤
قوله تعالى : وإذا رأوك إن يتخذونك. سورة الفرقان
، وَ إِذَا رَأَوْكَ إِن يَّخِذُونَكَ إِلَّا هُرُ وًا أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
مصر
٤٠
لَا يَرْجُونَ نُشُورًا
إِذْ كَادَ لَيُضِلْنَا عَنْ ءَالَتِنَا لَوْلَ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهاً وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ
٤١
الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٦) أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَّ إِلَهَهُ, هَوَنَّهُ أَفَانْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ
وَكِيلًا ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَّهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّ كَلْأَنَعَِ
بَلْ هُمْ أَضَلُ سَبِيلًا
لا يرجون نشوراً
واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت خمساً أهلك الله
تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة، (ومطر السوء) الحجارة . يعنى أن قريشاً مروا مراراً كثيرة
فى متاجرهم إلى الشأم على تلك القرية التى أهلكت بالحجارة من السماء، ( أفلم يكونوا ) فى
مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله ( بل كانوا قوماً) كفرة ( لايرجون نشوراً)
وذكروا فى تفسير (يرجون) وجوها (أحدها) وهو الذى قاله القاضى وهو الأقوى أنه محمول.
على حقيقة الرجاء لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا ارجاء
ثواب الآخرة، فاذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب (وثانيها)
معناه لا يتوقعون نشوراً، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن،
(وثالثها ) معناه لا يخافون على اللغة التهامية، وهو ضعيف والأول هو الحق.
قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذى بعث الله رسولا ، إن كادليضلنا
عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا، أرأيت من
اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا
کالأنعام بل هم أضل سيلا ﴾
أعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين فى إنكار نبوته وفى إيراد الشبهات فى ذلك، بين بعد
ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً فلم يقتصروا على ترك الايمان به بل زادوا عليه
بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض (أهذا الذُّى بعث الله رسولا) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف إن الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة، واللام
هى الفارقة بينهما.

٨٥
قوله تعالى : لولا أن صبرنا عليها. سورة الفرقان .
المسألة الثانية) جواب إذا هو ما أضمر من القول يعنى وإذا رأوك مستهزئين قالوا
أبعث اللّه هذا رسولا، وقوله ( إن يتخذونك) جملة اعترضت بين إذا وجوابها.
﴿ المسألة الثالثة) اتخذوه هزوا فى معنى استهزؤا به. والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزواً به.
﴿ المسألة الرابعة) اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين
من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به، وفسرذلك الاستهزاء بقوله (أهذا الذى بعث الله رسولا)
وذلك جهل عظيم ، لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته. أما الأول فباطل لأنه عليه
الصلاة والسلام. كان أحسن منهم صورة وخلقة، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه عليه السلام
ما كان يدعى التميز عنهم بالصورة بل بالحجة . وأما الثانى فباطل ، لأنه عليه السلام أدعى التميز عنهم
فى ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح فى حجته ودلالته، ففى الحقيقة هم الذين
يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام، وذلك
يدل على أنه ليس للمبطل فى كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة. وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه
( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) وذلك يدل على أمور (الأول) أنهم سموا ذلك
إضلالا، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين فى تعظيم آلهتهم وفى استعظام صنيعه منّ اله فى صرفهم
عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه ينظل قول أصحاب
المعارف فى أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر
والضلال، وقولهم (لولا أن صبرنا عليها) يدل أيضاً على ذلك (الثانى) يدل هذا القول منهم على
جد الرسول عليه السلام واجتهاده فى صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا ( إن كاد
ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) وهكذا كان عليه السلام فإنه فى أول الأمر بالغ فى إيراد
الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب (الثالث)
أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا البتة على دلائل الرسول مَ يقيم وما عارضوها إلا
بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم (لولا أن صبرنا عليها) إشارة إلى الجحود والتقليد، ولو
ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود
والإصرار الذى هو دأب الجهال، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه
السلام، وأنه ما كان فى أيديهم إلا مجرد الوقاحة ( الرابع ) الآية تدل على أن القوم صاروا فى
ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولا ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن
آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة
الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز، فالقوم
لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين فى أمره، فتارة بالوقاحة
٥، مؤره بانو واجه
يستهز ئون منه، وتارة يصفونه بما لا يليق إلاله بالعالم الكامل ب ثم إنّه سبحانه كما حكى عنهم هذا

٨٦
قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه. سورة الفرقان
الكلام زيف طريقتهم فى ذلك من ثلاثة أوجه ( أولها) قوله ( وسوف يعلمون حين يرون
العذاب من أضل سبيلا) لأنهم لما وصفوه بالإضلال فى قولهم (إن كاد كيضلنا) بين تعالى أنه
سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذى لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم
على التعامى والإعراض عن الاستدلال والنظر (وثانيها) قوله تعالى (أرأيت من اتخذ إلهه هواه
آفأنت تكون عليه وكيلا) والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء فى جهالتهم وإعراضهم عن
الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه
انقادواً له، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع، ثم ههنا أبحاث:
﴿ الأول) قوله (أرأيت) كلمة تصلح للاعلام والسؤال، وههنا هى تعجيب من جهل من
هذا وصفه و نعته .
﴿ الثانى) قوله ( اتخذ إلهه هواه) معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلهاً يهواه، وقيل هو مقلوب
ومعناه اتخذ هواه إلهه، وهذا ضعيف، لأن قوله ( اتخذ إلهه هواه) يفيد الحصر، أى لم يتخذ
لنفسه إلهاً إلا هواه، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب. قال ابن عباس: الهوى إله يعبد، وقال
سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده.
( الثالث) قوله (أفأنت تكون عليه وكيلا) أى حافظاً تحفظه من اتباع هواه أى لست كذلك.
﴿ الرابع ) نظير هذه الآية قوله تعالى (لست عليهم بمسيطر) وقوله (وما أنت عليهم بحبار)
وقوله (لا إكراه فى الدين ) قال الكلبى: نسختها آية القتال ( وثالثها) قوله ( أم تحسب أن أكثرهم
يسمعون أو يعقلون) أم ههنا منقطعة، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من
التى تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهى كونهم مسلوبى الأسماع والعقول، لأنهم لشدة
عنادهم لا يصغون إلى الكلام، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع
البتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام فى عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر
وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول﴾ لم قال (أم تحسب أن أكثرهم) فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟
( والجواب) لأنه كان فيهمْ من يعرف الله تعالى ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب
الرياسة لا للجهل .
﴿السؤال الثانى) لم جعلوا أضل من الأنعام؟ (الجواب) من وجوه (أحدها) أن الأنعام
تنقاد لأربابها والذى يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسىء إليها ،. وتطلب
ما ينفعها وتجتذب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة
الشيطان إليهم الذى هو عدو لهم، ولا يطلبون الثواب الذى هو أعظم المنافع، ولا يحترزون
من العقاب الذى هو أعظم المضار ( وثانيها ) أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهى

قوله تعالى : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل. سورة الفرقان. ٨٧
أَرْ فَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَّ الِظِلّ وَلَوْ شَآءَ لَعَلَهُ سَاكِنَّا فُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
دَلِيلًا (® ثُمْ قَبَضْتَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٦﴾ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُ اَلَّيْلَ لِبَاسًا
وَالَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا () وَهُوَ الَِّىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُثْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ
رَتَّهِ، وَأْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآء ◌َهُورًا (٨) لِنُحْشِىَ بِءَ بَدَةٌ مَّيْتًا وَ نُسْقِيَهُ، ◌ِما
خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا
خالية عن الجهل الذى هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم. وأما هؤلاء فقلوبهم
كما خلت عن العلم فقد اقصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلنون أنهم لا يعلمون، بل هم مصرون
على أنهم يعلمون ( وثالثها ) أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد. أما جهل هؤلاء فإنه منشأ الضرر
العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً (ورابعها) أن الأنعام
لا تعرف شيئاً ولكنهم عاجزون عن الطلب. وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب،
والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون فى استحقاق الذم كالقادر عليه التارك
لسوء اختياره (وخامسها) أن البهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، أما هؤلاء فانهم يستحقون
عليه أعظم العقاب (وسادسها) أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ماقال (وإن
من شىء إلا يسبح بحمده) وقال (ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات) إلى قوله (والدواب)
وقال (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم
من ضلال هذه الأنعام .
﴿ السؤال الثالث) أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل، فكيف ذمهم على الإعراض
عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فان من شرط التكليف العقل؟ ( الجواب ) ليس المراد أنهم
لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت
أعمى وأصم .
قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه
دليلًا ، ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً، وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباقاً وجعل النهار
نشوراً وهو الذى أرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهوراً، لنحيى به بلدة
ميتاً ونسقيه ما حلقنا أنعاماً وأناسى كثيراً

٨٨
قوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف عدَّ الظل. سورة الفرقان.
أعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل اللّه تعالى وفساد طريقهم فى ذلك ذكر بعده
أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع .
﴿ النوع الأول) الإستدلال بحال الطفل فى زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال ،
وفيه مسائل :
المسألة الأولى) قوله ( ألم تر) فيه وجهان (أحدهما ) أنه من رؤية العين ( والثانى) أنه
من رؤية القلب يعنى العلم ، فان حملناه على رؤية العين فالمعنى ألم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن
كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى ألم تعلم
وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى فى تمديده غير مرئى
بالإتفاق ، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز وكل جائز فله مؤثر حمل هذا اللفظ على
رؤية القلب أولى من هذا الوجه .
المسألة الثانية ) المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر
اللفظ ولكن الخطاب عام فى المعنى، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع
المكلفين مشتركون فى أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الإستدلال بها على وجود الصانع.
المسألة الثالثة) الناس أكثروا فى تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين
(الأول) أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو مابين ظهور
الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنيه الجدران وهذه الحالة
أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص وهو
الكيفية الفائضة من الشمس فهى لقوتها تبهر الحس البصرى وتفيد السخونة القوية وهى مؤذية ،
فاذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال (وظل مدود) وإذا ثبت هذا فنقول
إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه
لا يشاهد شيئاً سوى الجسم وسوى اللون ، ونقول الظل ليس أمراً ثالثاً، ولا يعرف به إلا إذا
طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على
الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بإضدادها ، فلولا الشمس
لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على
الأرض وزال الظل ، فيفئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون ، فلهذا قال
سبحانه ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أى خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا
العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة ، ثم قبضناه
أى أزلنا الظل لا دفعة بل يسيراً يسيراً فان كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل فى جانب
المغرب ، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً يسيراً فكذا زوال الإظلال لا يكون

٨٩
قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً. سورة الفرقان
دفعة بل يسيراً يسيراً ، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح ، ولكن قبضها يسيراً
يسيراً يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام . هذا أحد التأويلين.
﴿ التأويل الثانى) وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب
والشمس والقمر وقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلا عليه وذلك لأن
بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما. فبمقدار
ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدى يهتدى بالهادى والدليل ويلازمه، فكذا
الأظلال كأنها مهندية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلا عليها .
وأما قوله ( ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً) فاما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا
إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضاً لها أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام
الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهى الأجرام التى تلقى الأظلال وقوله ( يسيرا) هو كقوله ( ذلك
حشر علينا يسير ) فهذا هو التأويل الملخص .
المسألة الرابعة ﴾ وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر
نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، فهو ليس من
باب المنافع ، حصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أومن الجائزات ، والأول
باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات ، فلابد له
فى وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد الوجود ، من صانع قادر مدير محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك
إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحن
والترتيب الأكمل، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى. فإن قيل الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه
أن يضىء، فكيف استدل بالأمر العدمى على ذاته، وكيف عده من النعم؟ قلنا الظل ليس عدما
محضاً ، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثانى وهو أمر وجودى،
وفى تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية .
﴿ النوع الثانى) قوله تعالى ( وهو الذى جعل لكم الليل لباساً والنوم سباقاً وجعل
النهار نشورا) اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطى باللباس السائر للبدن،
ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله ( والنوم سباتاً ) والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتاً لأنه
سبب للراحة، قال أبو مسلم السبات الراحة . ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة
فيه ، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت، وقال صاحب الكشاف السبات الموت
والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال، وهذا كقوله (وهو الذى يتوفا كم بالليل) وإنما قلنا
إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة ، لأن النشور فى مقابلته يأباه، قال أبو مسلم: وجعل
النهار نشوراً، هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة، فقال ( الله يتوفى الأنفس

٩٠
قوله تعالى : وهو الذي ارسل الرياح بشرا. سورة الفرقان
حين موتها ) والتى لم تمت فى منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت فى التسمية
بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر
الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ،
وعن لقمان أنه قال لابنه: كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتحشر .
﴿النوع الثالث) قوله (وهو الذى أرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته) وقد تقدم تفسيره
فى سورة الأعراف، ثم فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) قرى. الريح والرياح، قال الزجاج: وفى نشراً خمسة أوجه بفتح النون
وبضمها ويضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث، وبشرا بالتنوين، قال أبو مسلم من
قرأ بشرا أراد جمع بشير مثل قوله تعالى ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) وأما بالنون فهو
فى معنى قوله ( والناشرات نشرا) وهى الرياح، والرحمة الغيث والماء والمطر.
المسألة الثانية) قوله ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا) نص فى أنه تعالى ينزل الماء من
السماء، لامن السحاب. وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما
بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى أن الطهور ما هو ؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به
كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروى أيضاً عن ثعلب ، وأنكر صاحب الكشاف
.ذلك، وقال ليس فعول من التفعيل فى شىء والطهور على وجهين فى العربية صفة وأسم غير صفة
فالصفة قولك (ماء طهور) كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به . كالوضوء والوقود
لما يتوضأ به ويوقد به النار. حجة القول الأول قوله عليه السلام ((التراب طهور المسلم. ولو لم يحد
الماء عشر حجج)» ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم
الكلام، وكذا قوله عليه السلام ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً)) ولو كان
الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إنا. أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام، ولأنه تعالى قال( وينزل
عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون
المراد من كونه طهورا أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره فى معرض الإنعام ، فوجب حمله على
الوصف الأكمل . ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر.
﴿ المسألة الرابعة) اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين: (أحدهما) ما يتعلق
بالنبات ( والثانى ) ما يتعلق بالحيوان، أما أمر النبات فقوله ( لنحتى به بلدة ميتاً) وفيه سؤالات:
﴿ السؤال الأول) لم قال لنحي به بلدة ميتاً ولم يقل ميتة؟ (الجواب) لأن البلدة فى معنى
البلد فى قوله ( فسقناه إلى بلد ميت ).
﴿ السؤال الثانى) ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ (الجواب) الناس يسمون ما لا عمارة
فيه من الأرض مواناً، وسقيها المقتضى لعمارتها إحياء لها .

٩١
قوله تعالى : لنحي به بلدة ميتا. سورة الفرقان
﴿السؤال الثالث) أن جماعة الطبائعيين(١) وكذا الكعبى من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض
والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى (لنحمى به بلدة ميتاً) فإن الباء فى
به تقتضى أن للماء تأثيراً فى ذلك (الجواب ) الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام
الدلالة على فساد الطبع. وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه ( ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسى كثيراً)
وفيه سؤالات :
﴿السؤال الأول) لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل
بالماء؟ (الجواب) لأن الطير والوحش تبعد فى طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها
قنية الأناسى وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقى أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم .
﴿ السؤال الثانى) ما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفهما بالكثرة؟ (الجواب) معناه
أن أكثر الناس يجتمعون فى البلاد القريبة من الأودية والأنهار ومنافع المياه فهم فى غنية فى
شرب المياه عن المطر ، وكثير منهم نازلون فى البوادى فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر
وذلك قوله ( لنحي به بلدة ميتاً ) يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل فى كثير
أن يرجع إلى قوله (ونسقيه) لأن الحى يحتاج إلى الماء حالا بعد حال وهو مخالف للنبات الذى
يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج
إليه حالا بعد حال ما دام حياً .
﴿ السؤال الثالث ) لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسى (الجواب ) لأن
حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم
إذا ظفروا بما يكون سقياً لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى ( ولقد
صرفناه بينهم ) يعنى صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر ، وإذا كان كذلك فلا يسقى الكل منه بل
یسقى كل سنة أناسى كثيرا منه .
﴿ السؤال الرابع) ما الأناسى؟ (الجواب) قال الفراء والزجاج الإنسى والأناسى كالكرسى
والكراسى، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة كقوله ( وقروناً بين ذلك
كثيرا) (وحسن أولئك رفيقاً) واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى (وأنزلنا
من السماء ماء طهوراً) ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران: ( أحدهما ) أن
الماء مطهر ( والثانى) أن غير الماء هل هو مطهر أم لا؟ (النظر الأول) أن نقول الماء إما أن
لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذى لا يتغير فهو طاهر فى ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل
(١) هكذا فى الأصل وهو مخالف للقياس فإن النسبة لا تكون إلا للمفرد فالأولى أن يقول (جماعة الطبيعيين ) نسبة للطبيعة،
وقد خطأ العداء ذلك أيضاً فقالوا: الصواب النسبة للطبع وللطبيعة. وحينئذ يكون الصواب أن يقال ( جماعة الطبيعيين ) وقد سبق
المصنف إلى هذا أبو عثمان بن جنى إمام أهل العربية فسمى كتابه بالتصريف الملوكى خروجا على القياس المقتضى كون التسمية التصريف
الملكى فلعله من خطأ النساخ .

٩٢
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
فإنه عند الشافعى طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثورى يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة فى
فى رواية أبى يوسف إنه نجس فههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام ((لا يغتسل أحدكم
فى الماء الدائم وهو جنب)) ولو بقى الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه
القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون فى الأسفاروما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم
بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر
والقياس. أما الآية فمن وجهين (الأول) قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) وقوله
(وينزل عليكم من السماء ماء ليطهر كم به) فدلت الآية عفى حصول وصف المطهرية للماء، والأصل
فى الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا ، وأيضً قوله (طهوراً)
يقتضى جواز التطهر به مرة بعد أخرى ( والثانى) أنه أمر بالغسل مطلقاً فى قوله ( فاغسلوا)
واستعمال كل المائعات غسل ، لأنه لامعنى للغسل إلا أمرار الماء على العضو، قال الشاعر:
فياحسنها إذ يغسل الدمع كلها
فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أبى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئاً له لأنه أتى بما أمر به
فوجب أن يخرج عن العهدة (وأما السنة) فما روى أنه عليه السلام ((توضأ فمسح رأسه بفضل
ما فى يده )) وعنه عليه السلام ((أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه )) وعن ابن عباس
أنه عليه السلام (اغتسل فرأى لمعة فى جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على
تلك اللمعة )). (وأما القياس) فإنه ماء طاهر لقى جسداً طاهراً فأشبه ما إذا لقى حجارة أو جديداً،
وكذا الماء المستعمل فى الكرة الرابعة والمستعمل فى التبرد والتنظف. ولأنه لا خلاف أنه إذا
وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه
فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملا فى أعلى الوجه .
﴿ المسألة الثانية﴾ الدليل على أن الماء المستعمل طاهر، قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء
طهوراً) ومن السنة أنه عليه السلام: أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال (( خلق الماء طهوراً
لا ينجسه شىء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه)) وقال الشافعى: إنه عليه السلام توضأ ولا شك
أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله ، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك،
فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس ، ولأنه ما. طاهر لقى جسما طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
﴿المسألة الثالثة﴾ الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا فى أعضاء الوضوء أو فى غسل الثياب،
أما المستعمل فى أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا فيما كان فرضاً وعبادة، أو فيما كان فرضاً
ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضاً، أو فيما لا يكون فرضاً ولا عبادة.
(أما القسم الأول) وهو المستعمل فيما كان فرضاً وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعى .
( وأما القسم الثانى) فهو كالماء الذى استعملته الذمية التى تحت الزوج المسلم ، أى فى غسل

٩٣
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
حيضها ليحل للزوج غشيانها. (وأما القسم الثالث) فهو كالماء المستعمل فى الكرة الثانية والثالثة ،
والماء المستعمل فى تجديد الوضوء، والماء المستعمل فى الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعى فى
هذين القسمين وجهان. (وأما القسم الرابع) فهو كالماء المستعمل فى الكرة الرابعة، وفى التبرد
والتنظف ، فذاك باتفاق أصحاب الشافعى غير مستعمل ، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل فى
غسل الثياب، فإذا غسل ثوباً من نجاسة وطهر بغسلة واحدة ، يستحب أن يغسله ثلاثاً . فالمنفصل
فى الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح (القسم الثانى) الماء الذى يتغير فنقول الماء إذا تغير،
فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره ، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به ، لأنه عليه
السلام كان يتوضأ من بئر قضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك
الغير إما أن لا يكون متصلا به أو يكون متصلا به . أما الذى لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع
بقرب الماء جيفة فصار الماء منتناً بسيها فهو أيضاً مطهر، وأما إذا تغير بسبب شىء متصل به
فذلك المتصل إما أن يكون ظاهراً أو نجساً (القسم الأول ) إذا كان ظاهراً فهو إما أن لا يخالطه
أو يخالطه، فان لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور
الصلب فيه، وهذا أيضاً مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله ( وأنزلنا
من السماء ماء طهوراً) والأصل فى الثابت بقاؤه ، وأما المتغير بسبب شىء يخالطه ، فذلك المخالط
إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن ، أما الذى لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق
التى تقع فيه والطحلب الذى يتولد فيه ، وهذا أيضاً مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز
عن ذلك عسير ، فيكون مرفوعاً لقوله ( ما جعل عليكم فى الدين من حرج ) وكذا لو جرى الماء
فى طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كمل أو وقع شىء منها فيه أو نبع من معادنها ، أما إذا
تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغنى الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلا ، بحيث لا يضاف الماء
إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلا ، أو دقيق فابيض قليلا ، جاز الوضوء به على الصحيح من
المذهب ، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيراً فان استحدث اسماً جديداً
كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق ، وإن لم يستحدث اسماً جديداً فعند الشافعى لا يجوز الوضوء
به ، وعند أبى حنيفة مجوز.
﴿ حجة الشافعى) من وجوه (أحدها) أنه عليه السلام توضأ ثم قال ((هذا وضوء لا يقبل
اللّه الصلاة إلا به)) فذلك الوضوء إن كان واقعاً بالماء المتغير وحب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق
ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب (وثانيها) أنه إذا اختلط ماء
الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء،
وإذا كان كذلك فقد وقع الشك فى حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائماً ، والشك لا يعارض
اليقين ، فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلا لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم,
١

٩٤
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه (وثالثها) أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه ، فإنه
لو توضاً بماء الورد لا يصح وضوؤه، ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه. وما لا يعقل
معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس .
( حجة أبى حنيفة ) وجوه (أحدها ) قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) دلت
الآية على كون الماء مطهراً والأصل فى الثابت بقاؤه ، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة
( وثانيها ) قوله تعالى (فاغسلوا) أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد
بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم ( وثالثها ) قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) علق جواز التيمم
بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ما. مع صفة التغير،
والموصوف موجود حال وجود الصفة ، فوجب أن لا يجوز له التيمم ( ورابعها ) قوله
عليه السلام فى البحر ((هو الطهور ماؤه)) ظاهره يقتضى جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن
النبى ◌َيتم أطلق ذلك (وخامسها) أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن
خالطه شىء من لعابهما (وسادسها) لاخلاف فى الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة
الطين وما يكون فى الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيراً إلى
السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلا فى جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه
اسم الماء ( القسم الثانى) إذا كان المخالط الماء شيئاً نجساً فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم
يتغير بالنجاسة سواء كان قليلا أو كثيراً وهو قول الحسن البصرى والنخعى ومالك وداود، وإليه
مال الشيخ الغزالى فى كتاب الإحياء، وقال أبو بكر الرازى مذهب أصحابنا ان كل ما تيقنا فيه
جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وما.
البئر والغدير والراكد والجارى، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذى فيه
النجاسة وكذلك الماء الجارى ، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذى إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك
الطرف الآخر ، فإنما هو كلام فى جهة تغليب الان فى بلوغ النجاسة الواقعة فى أحد طرفيه إلى
الطرف الآخر ، وليس هو كلامنا فى أن بعض المياه الذى فيه النجاسة قد يجوز استعمالها، وبعضها
لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبى بكر ( وأقول) من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن
عبدالله بن عمر ((إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شىء)) وعن ابن عباس رضى الله عنهما ((الحوض
لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غرباً)) وهو قول محمد بن كعب القرظى، وقال
مسروق وابن سيرين : إذا كان الماء كثيراً لا ينجسه شىء، وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد
لا ينجسه شىء إذا كان قدر ثلاث قلال (وقال الشافعى) إذا كان الماء قلتين بقلال مجر لم ينجسه
إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه.
واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه (أحدها) قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء

١٥
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
ماء طهوراً) ترك العمل به فى الماء الذى تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما
عداه على الأصل (وثانيها) قوله عليه السلام ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شىء إلا ما غير
طعمه أو لونه أو ربحه)) وهو نص فى الباب (وثالثها) قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والمتوضى.
بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتياً بما أمر به فيخرج عن العهدة (ورابعها) أن من شأن كل
مختلطين كان أحدهما غالباً على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو
وقعت فى الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واقصفت بصفة الماء، وكون أحدهما غالباً على
الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهى الطعم أو اللون أو الريح، فلا جرم
مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكا فيها،
فلا جرم يغلب حكم النجاسة . فاذا لم يظهر شىء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة
مستهلكه ، فيه فيغلب حكم الطهارة (وخامسها) ماروى عن عمر [أنه] توضأ من جرة نصرانية، مع أن
نجاسة أوانى النصارى معلومة بظن قريب من العلم، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم
التغير (وسادسها ) أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعى وعشر فى
عشر عند أبى حنيفة رضى الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه
هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول بوليتم إلى آخر عصر الصحابة لم
ينقل أنهم خاضوا فى تقدير المياه بالمقادير المعينة ، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن
النجاسات وكانت أوانى مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات
(وسابعها) إصغاء رسول اللّه مؤ تم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم
بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة ولم يكن فى بلادهم حياض تلغ السنائير فيها وكانت لا تنزل
إلى الآبار ( وثامنها ) أن الشافعى نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجة إذا
تغيرت ، وأى فرق بين أن يلاقى الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه؟ وأى معنى لقول
القائل إن قوة الورودتدفع النجاسة مع أن قوة الورودلم تمنع المخالطة (وتاسعها) أنهم كانوا يستنجون
على أطراف المياه الجارية القليلة ، ولاخلاف أن مذهب الشافعى إذا وقع بول فى ماء جارولم يتغير
أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلا ، وأى فرق بين الجارى والراكد؟ وليت شعرى الحوالة على
عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان؟ (وعاشرها) إذا وقع بول فى قلتين ثم فرقتا فكل
كوز يؤخذ منه فهو طاهر على قول الشافعى ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل ، فأي فرق بينه
إذا وقع ذلك القليل فى ذلك القدر من الماء ابتداء ، وبينه إذا وصل إليه عنداتصال غيره به ؟ (وحادى
عشرها) أن الحمامات لم تزل فى الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدى والأوانى
فى ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدى الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها
ولو كان التقدير بالقلتين معتبراً لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر، لأن الأمر الذى تشتد حاجة

٩٦
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
الجمهور إليه يجب بلوغ نقلة إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر (وثانى عشرها) أنا لو حكمنا
بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان فى غاية الكثرة مثل ماء الأدوية العظيمة والغدران
الكبار ، فان ذلك بالاجماع باطل ، فلا بد من التقدير بمقدار معين ، وقد نقلنا عن الناس تقديرات
مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط ، أما تقدير أبى حنيفة بعشر فى عشر
فمعلوم أنه مجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعى بالقلتين بناء على قوله عليه السلام ((إذا بلغ الماء قلتين لم
يحمل خبثاً) فضعيف أيضاً لأن الشافعى لما روى هذا الخبر، قال أخبر نى رجل فيكون الراوى مجهولا ،
ويكون الحديث مرسلا وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن
عمررضى الله عنه، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فانها تصلح
للكوز والجرة ولكل مانقل باليد، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل ، سلمنا كون القلة معلومة
لكن فى متن الخبر اضطراب فانه روى إذا بلغ الماء قلتين، وروى إذا بلغ قلة ، وروى أربعين
قلة ، وروى إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً، وروى. إذا بلغ كوزين. سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر
لأن قوله لم يحمل خبثاً لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فان الخبث إذا ورد عليه فقد حمله، سلمنا إمكان
إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعى وخبث حقيقى ، والاسم إذا دار بين المسمى
اللغوى والمسمى الشرعى، كان حمله على المسمى اللغوى أولى، لأن الاسم حقيقة فى المسمى اللغوى
مجاز فى المسمى الشرعى ، دفعاً للاشتراك والنقل، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه، والمسمى اللغوى
للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام (( ما استخبثته العرب فهو حرام)) إذا ثبت هذا فنقول
معنى قوله لم يحمل خبثاً أى لا يصير مستقذرا طبعاً، ونحن نقول بموجبه لكن، لم قلت إنه لا ينجس
شرعا ، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله لم يحمل خبئاً أى يضعف عن حمله
ومعنى الضعف تأثره به، فيكون هذا دليلا على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهرا ( لا يقال )
الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعى وإن لم يذكر اسم الراوى فى بعض المواضع فقد
ذكره فى سائر المواضع نخرج عن كونه مرسلا ، ولان سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوى. قوله إنه
موقوف على ابن عمر ، قلنا لا نسلم فان يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه
على ابن عمر ، فقال إن كان ابن علية وقفه فماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن
جريج قال فى روايته بقلال مجر . ثم قال ، وقد شاهدت قلال مجرفكانت القلة تسع قربتين أو قربتين
وشيئاً. قوله فى منه اضطراب قلنا لانسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيقى
ماذكرناه معتبرا. قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعى اندفع ذلك ، وذلك أولى
لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلى، لاسيما وفى حمله على المعنى
العقلى يلزم التعطيل، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح فى بعض الروايات أنه قال : إذا كان
الماء قلتين لم ينجس ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم، والمعلق على الشرط عدم

٩٧
قوله تعالى : وانزلنا من السماء ماء طهورا. سورة الفرقان.
عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة ( لأنا نقول ) لاشك أن هذا الخبر بتقدير
الصحة يقتضى تخصيص عموم قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) وعموم قوله ( ولكن
يريد ليطهركم) وعموم قوله ( فاغسلوا وجوهكم) وعموم قوله صلى الله عليه وسلم ((خلق الماء
طهوراً لا ينجسه شىء)) وهذا المخصص لابد وأن يكون بعيداً عن الاحتمال والاشتباه وقلال
مجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، ليس بحجة ، لأن القلة كما أنها مجهولة
فكذا القربة مجهولة فانها قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة. ولأن الروايات أيضاً مختلفة فتارة
قال إذا بلغ الماء قلتين ، وتارة أربعين قلة، وتارة كرين فاذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص
عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر . هذا تمام الكلام فى نصرة
قول مالك، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذى تقع النجاسة فيه بوجوه: (أولها) قوله تعالى
( ويحرم عليهم الخبائث) والنجاسات من الخبائث، وقال تعالى (إنما حرم عليكم الميتة والدم)،
وقال فى الخمر ( رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) ومر عليه السلام بقبرين فقال ((إنهما ليعذبان
وما يعذبان فى كبير، إن أحدهما كان لا يستبرى. من البول والآخر كان يمشي بالنميمة)) لحرم الله هذه
الأشياء تحريماً مطلقاً، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل
ما يبقى فيه جزء من النجاسة . أكثر ما فى الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهراً تقتضى
جواز الطهارة به ، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التى ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا
اجتمعا فالغلبة للحاظر ، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء والآخرجزء
واحد، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة ، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا ههنا
( وثانيها) قوله عليه السلام ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة)) ذكره على
الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير ( وثالثها) قوله عليه السلام ((إذا استيقظ أحدكم من
منامه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدرى أين باتت يده ، فأمر بغسل اليد احتياطاً
من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها
تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى ( ورابعها) قوله عليه السلام ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل
خبثاً ) يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث. أجاب مالك عن الوجه الأول
فقال لا نزاع فى أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع فى الماء
لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته ، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت، ولم لا يجوز أن يقال إنها
انقلبت عن صفتها؟ وتقريره ما قدمناه. وأما قوله عليه السلام ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم))
فلم قلتم إن هذا النهى ليس إلا لما ذكرتموه ، بل لعل النهى إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك
مما ينفر طبعه عنه، وليس الكلام فى نفرة الطبع، وأما قوله ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل
يده ثلاثا)) فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب، فالمرتب عليه كيف يكون أمر إيجاب

٩٨
قوله تعالى : ولقد صرفناه بينهم. سورة الفرقان.
وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّ كَّرُواْ فَأَبِىَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا (٢﴾ وَلَوْ شِئْنَا
لَبَعَثْنَا فِى كُلِ قَرْيَّةٍ نَّذِيرًا ﴾ فَلَا تُطِيعُ الْكَفِرِينَ وَجَاهِدْ هُم بِهِجِهَادًا كَبِيرًاً (هـ
ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه؟ وأما قوله
عليه السلام (( إذا بلغ الماء قلتين )) فقد سبق الكلام عليه ، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك
بالمفهوم والنصوص التى ذكر ناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم، والله أعلم.
﴿ النظر الثانى) فى أن غير الماء هل هو طهور أم لا؟ فقال الأصم والأوزاعى يجوز
الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر فى السفر، وقال أيضاً تجوز
إزالة النجاسة بجميع المائعات التى تزيل أعيان النجاسات ، وقال الشافعى رضى الله عنه الطهورية
مختصة بالماء على الإطلاق ودليله فى صورة الحدث قوله تعالى (فإن لم تجدوا ماء فتيمموا) أوجب
التيعم عند عدم الماء ، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء ،
وأما فى صورة الخبث ، فلأن الخل أو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لامعنى للطهور إلا
المظهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام ((لا يقبل الله صلاة
أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه)) وكلمة حتى لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند
استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله
قبول الصلاة ، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية فى الخبث أيضاً مختصة بالماء.
قوله تعالى: ﴿ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، ولو شئنا
لبعثنا فى كل قرية نذيراً، فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنهم اختلفوا فى أن الها. فى قوله (ولقد صرفناه ) إلى أى شىء
يرجع وذكروا فيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو الذى عليه الجمهور أنه يرجع إلى المطر، ثم من
هؤلاء من قال معنى صرفناه أنا أجريناه فى الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع
المعاش به ، وقال آخرون معناه أنه سبحانه ينزله فى مكان دون مكان وفى عام دون عام، ثم فى
العام الثانى يقع بخلاف ما وقع فى العام الأول ، قال ابن عباس ماعام بأكثر مطراً من عام،
ولكن الله يصرفه فى الأرض، ثم قرأ هذه الآية، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((ما من عام بأمطر من عام، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصى حول اللّه ذلك إلى غيرهم، فإذا
عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافى)) (وثانيها) وهو قول أبى مسلم: أن قوله (صرفناه)
واجع إلى المطر والرياح والسحاب والأظلال وسائر ما ذكر الله تعالى من الأدلة (وثالثها)
(.ولقد صرفناه.) أى هذا القول بين الناس فى القرآن وسائر الكتب والصحف التى أنزلت على

٩٩
قوله تعالى : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا. سورة الفرقان
رسل وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع، والوجه
لأول أقرب لأنه أقرب المذكورات إلى الضمير .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الجبائى قوله تعالى ( ليذكروا) يدل على أنه تعالى مريد من الكل أن
يتذكروا ويشكروا ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا لما صح ذلك ، وذلك يبطل قول من
قال إن اللهتعالىمرید للکفرمن یکفر ، قال ودل قوله (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) على قدرتهم
على فعل هذا التذكر إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال أبوا أن يفعلوه كما لا يقال فى الزّمن أبى
أن يسعى ، وقال الكعبى قوله ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) حجة على من زعم أن القرآن وبال
على الكافرين وأنه لم يرد يانزاله أن يؤمنوا لأن قوله ( ليذكروا) عام فى الكل، وقوله ( فأتى
أكثر الناس ) يقتضى أن يكون هذا الأكثر داخلا فى ذلك العام لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه
على قريش ليؤمنوا ، فأبى أكثر - بنى تميم - إلا كفورا. واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مرارا.
﴿ المسألة الثالثة) قوله (فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) المراد كفران النعمة وجحودها
من حيث لا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على وجود الصانع وقدرته وإحسابه، وقيل المراد
من الكفور هو الكفر وذلك الكفر إنما حصل لأنهم يقولون مطرنا بنوء كذا لأن من جحد
كون النعم صادرة من المنعم ، وأضاف شيئاً من هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب فقد كفر،
واعلم أن التحقيق أن من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلاشك فى كفره،
وأما من قال الصانغ تعالى جبلها على خواص وصفات تقتضى هذه الحوادث، فلعله لا يبلغ خطؤه
إلى حد الكفر .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن كلمة أو دلت
على أنه تعالى ماشاء أن يبعث فى كل قرية نذيراً، ثم إنه تعالى أخبر عن كونه قادراً على ذلك فدل
ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له .
أما قوله تعالى ( ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيراً) فالأقوى أن المراد من ذلك تعظيم النبى
صلى الله عليه وسلم وذلك لوجوه (أحدها ) كأنه تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول
ونذير فى كل قرية خصه بالرسالة وفضله يها على الكل ولذلك أتبعه بقوله ( فلا تطع الكافرين ) أى
لا توافقهم (وثانيها) المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين والبعثنا فى كل قرية
نذيرا) ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال
بالتشدد فى الدين ( وثالثها) أن الآية تقتضى مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن
يبعث فى كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة، وقوله ( ولو )
يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك ، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب ، وبالنظر إلى الثانى يحصل
الإعزاز .

١٠٠
قوله تعالى : وهو الذي مرج البحرين. سورة الفرقان.
٠٠٠٠٠٤٩٠
وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ
بَيْنَهُمَا بَرْزَخَا وَبِجْرًا تَحْجُورًا
أما قوله ( فلا تطع الكافرين ) فالمراد نهيه عن طاعتهم ، ودلت هذه الآية على أن النهى عن
الشىء لا يقتضى كون المهى عنه مشتغلا به .
وأما قوله ( وجاهدهم به جهاداً كبيراً ) فقال بعضهم: المراد بذل الجهد فى الأداء، والدعاء
وقال بعضهم: المراد القتال، وقال آخرون: كلاهما، والأقرب الأول لأن السورة مكية، والأمر
بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان وإنما قال ( جهاداً كبيرا ) لأنه لو بعث فى كل قرية نذيراً لوجب
على كل نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت على رسول اللّه تلك المجاهدات وكثر جهاده من أجل ذلك
وعظم فقال له ( وجاهدهم) بسبب كونك نذير كافة القرى ( جهاداً كبيرا) جامعاً لكل مجاهدة .
قوله تعالى: ﴿ وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وجعل بينهما
برزخاً وحجراً محجورا ﴾.
اعلم أن هذا هو (النوع الرابع من دلائل التوحيد ) وقوله (مرج البحرين) أى خلاهما
وأرسلهما ، يقال: مرهجت الدابة إذا خليتها ترعى، وأصل المرج الإرسال والخلط ، ومنه
قوله تعالى (فهم فى أمر مريح) سمى الماءين الكبيرين الواسعين بحرين. قال ابن عباس: مرج
البحرين ، أى أرسلهما فى مجاريهما كما ترسل الخيل فى المرج وهما يلتقيان ، وقوله ( هذا عذاب
فرات ) والمقصود من الفرات البليغ فى العذوبة حتى يصير إلى الحلاوة، والأجاج نقيضه، وأنه
سبحانه بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج، وجعل من عظيم اقتداره برزخاً حائلا من قدرته ،
وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) ما معنى قوله (وحجراً محجوراً)؟ (الجوب) هى الكلمة التى يقولها
المنعوذ وقد فسرناها، وهى ههنا واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من
صاحبه ويقول له حجراً محجوراً، كما قال (لا يبغيان) أى لا يبغى أحدهما على صاحبه بالمازجة
فانتقاء البغى كالتعوذ، وههنا جعل كل واحد منهما فى صورة الباغى على صاحبه ، فهو يتعوذ منه
وهى من أحسن الاستعمارات .
﴿ السؤال الثانى) لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى ههنا؟ لا يقال: هذا
مدفوع من وجهين ( الأول ) أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون (الثانى) لعله جعل فى
البحار موضعاً يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً ، لأنا نقول: أما الأول فضعيف لأن هذه
الأودية ليس فيها ماء ملح ، والبحار ليس فيها ماء عذب ، فلم يحصل البتة موضع التعجب . وأما