النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
قوله تعالى : ويوم يحشرهم وما يوعدون. سورة الفرقان.
الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًاً (﴾
ويمشون فى الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً
أعلم أن قوله تعالى (ويوم يحشرهم) راجع إلى قوله (واتخذوا من دونه آلهة) ثم ههنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ (يحشرهم) فنقول كلاهما بالنون والياء وقرى. (نحشرهم) بكسر الشين.
المسألة الثانية) ظاهر قوله ( وما يعبدون) أنها الأصنام، وظاهر قوله ( فيقول أ أنتم
أضلاتم عبادى) أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما ، لأن الإضلال وخلافه منهم
يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف
خاطبه اللّه تعالى، وكيف قدر على الجواب؟ فعند ذلك ذكروا وجهين (أحدهما) أن اللّه تعالى يخلق
فيهم الحياة ، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب (وثانيها) أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللسانى
بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم فى تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل ، وكما قيل:
سل الأرض من شق أنهارك، ونغرس أشجارك؟ فان لم تجبك حواراً ، اجابتك اعتبارا! وأما
الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام، قالوا ويتأكد هذا القول
بقوله تعالى ( ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إيا كم كانوا يعبدون ) وإذا قيل لهم:
لفظة ما لا تستعمل فى العقلاء أجابوا عنه من وجهين (الأول ) لا نسلم أن كلمة ما لما لا يعقل
بدليل أنهم قالوا من لما لا يعقل ( والثانى) أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم، وقوله تعالى
( والسماء وما بناها) ( ولا أنتم عابدون ما أعبد) لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، وكيف
كان فالسؤال ساقط .
المسألة الثالثة) حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم
عبادى فى الضلال عن طريق الحق ، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم ؟ قالت المعتزلة: وفيه كسر بين لقول
من يقول إن الله يضل عباده فى الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن
يقولوا إلهنا ههناقسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا
إضلالهم إلى أنفسهم ، علينا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده. فإن قيل لا نسلم أن المعبودين
ما تعرضوالهذا القسم بل ذكروه ، فإنهم قالوا (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) وهذا تصريح
بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا .
قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوجاً فى يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه
ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة فى
فى الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من اللّه تعالى، وإن
صلحت له لم تترجح مصدريتها للاضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند

١٦٢
قوله تعالى : ما كأن ينبغي لنا ان نتخذ من دونك. سورة الفرقان.
الك يعود السؤال، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر
المطابقة لقولنا .
المسألة الرابعة﴾ ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال - من اللّه تعالى، وإن احتمل أن
مكون ذلك من الملائكة - يأمر الله تعالى. بقى على الآية سؤالات.
﴿الأول) ما فائدة أنتم وهم؟ وهلا قيل أأضللتم عبادى هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ (الجواب)
ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن فاعله
فلا بد من ذكره، وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسئول عنه .
﴿ السؤال الثانى) أنه سبحانه كان عالماً فى الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة هذا السؤال؟
(الجواب) هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى ( أأنت قلت للناس اتخذونى
وأمى إلهين من دون الله) ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم ، وأحالوا ذلك الضلال عليهم
صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد فى حسرتهم وحيرتهم .
﴿ السؤال الثالث) قال تعالى (أم هم ضلوا السبيل) والقياس أن يقال ضل عن السبيل،
(الجواب) الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً فى التفريط وقلة الإحتياط ، يقال
ضل السبيل.
أما قوله ( سبحانك ) فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، وفى قوله (سبحانك) وجوه (أحدها)
أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال
الذى هو مختص بإبليس وحزبه ( وثانيها ) أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون
المقدسون المؤمنون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده ( وثالثها ) قصدوا به تنزيهه عن
الأنداد ، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكا (ورابعها) قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا
السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار
وتوبيخاً لهم.
أما قوله ( ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ القراءة المعروفة أن نتخذ بفتح النون وكسر الخاء وعن أبى جعفر وابن
عامر برفع النون وفتح الخاء على مالم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ أن تتخذ بضم النون لأن
من إنما تدخل فى هذا الباب فى الأسماء إذا كانت مفعولا أو لاولا تدخل على مفعول الحال تقول
ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولى، قال صاحب الكشاف اتخذ يتعدى إلى
مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً، قال الله تعالى (واتخذ
اللّه إبراهيم خليلا) والقراءة الأولى من المتعدى إلى واحد وهو من أولياء، والأصل أن نتخذ أوليا.
فزيدت من التأكيد معنى النفى، والثانية من المتعدى إلى مفعولين، فالأول مابنى له الفعل، والثانى من

٦٣
قوله تعالى : ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا. سورة الفرقان.
أولياء من للتبعيض ، أى لا نتخذ بعضاً أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم
الجن والأصنام.
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى تفسير هذه الآية وجوهاً (أولها) وهو الأصح الأقوى، أن
المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك (وثانيها) ما كان
ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين فى توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى (فقاتلوا أولياء
الشيطان) يريد الكفرة، وقال والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت عن أب مسلم (وثالثها) ما كان
لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أى لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، والحاصل أنه
حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (ورابعها) قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغى لعبيدك
أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً، فضلا عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلها لنفسه
(وخامسها) أن على قراءة أبى جعفر الإشكال زائل ، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل
لهم فى أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا
(وسادسها) أن هذا قول الأصنام ، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف
يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين .
﴿ المسألة الثالثة﴾. الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، فكل ولاية
مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع .
أما قوله تعالى ( ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهى توجب
الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم
لا يإضلالنا، فإنه لولا عنادهم الظاهر، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله
تعالى. وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام فى قوله (إن هى إلا
فتنتك ) وذلك لأن المجيب قال : إلهى أنت الذى أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق
فى بحر الشهوات ، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك ،
فإن هى إلا فتنتك .
﴿ المسألة الثانية﴾ الذكر ذكر الله والإيمان به والقرآن والشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم
فى الدنيا والآخرة .
المسألة الثالثة ﴾ قال أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور، وكذلك
الأنثى ، ومعناه هالك، وقد يقال رجل بائر وقوم بور، وهو مثل هائر وهور ، والبوار الهلاك.
وقد احتج أصحابنا بهذه الآية فى مسألة القضاء والقدر، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين
حكم عليهم فى الآخرة بالعذاب والهلاك، فالذى حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته

٦٤
قوله تعالى: ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً. سورة الفرقان.
فى اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه، لوصار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذياً، ولصار العلم جهلا
ولصارت الكتابة المثبتة فى اللوح المحفوظ باطلة ، ولصار اعتقاد الملائكة جهلا . وكل ذلك محال
ومستلزم المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً،
والشقى لا يمكنه أن ينقلب سعيداً، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب
الضلال وهو إعطاء المرادات فى الدنيا واستغراق النفس فيها، ودلت الآية على أن ذلك السبب
بلغ مبلغاً يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل
ذلك السبب ، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ماصار معه بحيث لا يمكنه ترك
الكفر، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً ، وأن الشقى لا ينقلب سعيداً.
أما قوله تعالى (فقد كذبولم بما تقولون ) فاعلم أنه قرى يقولون بالياء والتاء، فمعنى من قرأ
بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أى كذبوكم فى قولكم إنهم آلهة ، ومن قرأ بالياء المنقوطة
من تحت ، فالمعنى أنهم كذبوكم بقولكم سبحانك، ومثاله قولك كتبت بالقلم.
أما قوله ( فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً) فاعلم أنه قرى يستطيعون بالياء والتاء أيضاً،
يعنى فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، وقيل الصرف التوبة، وقيل الحيلة
من قولهم إنه ليتصرف، أى يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفواعنكم العذاب وأن يحتالوا لكم.
أما قوله تعالى ( ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قرى يذقه بالياء وفيه ضمير اللّه تعالى أو ضمير الظلم.
المسألة الثانية ) أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية فى القطع بوعيد أهل الكبائر، فقالوا ثبت
أن من للعموم فى معرض الشرط، وثبت أن الكافر ظالم لقوله ( إن الشرك لظلم عظيم) والفاسق
ظالم لقوله ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه ، بل يعذب
لا محالة ( والجواب ) أنا لا نسلم أن كلمة من فى معرض الشرط للعموم ، والكلام فيه مذكور فى
أصول الفقه ، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً؟ ودعوى القطع منوعة ، فانا نرى فى العرف
العام المشهور استعمال صيغ العموم، مع أن المراد هو الأكثر، أو لأن المراد أقوام معينون،
والدليل عليه قوله تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ثم إن
كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله (الذين كفروا) وإن كان يفيد
العموم، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون. وعلى التقديرين ثبت أن استعمال
ألفاظ العموم فى الأغلب عرف ظاهر، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم
دلالة ظاهرة لاقاطعة ، وذلك لا ينفى تجويز العفو. سلمنا دلالته قطعاً، ولكنا أجمعنا على أن قوله
(ومن يظلم منكم)مشروط بأن لا يوجد ما يزيله، وعند هذا نقول هذا مسلم. لكن لم قلت بأن لم
يوجد ما يزيله؟ فان العفو عندنا أحد الأمور التى تزيله، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا.

٦٥
قوله تعالى : ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا. سورة الفرقان.
دلالته على ماقال، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم
جنات الفردوس نزلا) فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التشكيل ومن لم يكن
مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل ، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق
الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل
التنكيل ، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة، نزلنا عن هذه
المقامات، ولكن قوله تعالى (ومن يظلم منكم) إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه
لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم ؟
أما قوله تعالى (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق)
ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا جواب عن قولهم ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى
الأسواق) بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله فى كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.
﴿ المسألة الثانية) حق الكلام أن يقال (إلا أنهم) بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة
لا تليق إلا بالإبتداء، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً (أحدها) قال الزجاج: الجملة بعد إلا صفة
الموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آ كاين وماشين، وإنما
حذف لأن فى قوله ( من المرسلين ) دليلا عليه ، ونظيره قوله تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم)
على معنى وما منا أحد (وثانيها ) قال الفراء إنها صلة لاسم متروك اكتفى بقوله ( من المرسلين )
عنه ، والمعنى إلا من أنهم كقوله ( وما منا إلا له مقام معلوم ) أى من له مقام معلوم، وكذلك
قوله ( وإن منكم إلا واردها) أى إلا من يردها فعلى قول الزجاج: الموصوف محذوف، وعلى
قول الفراء: الموصول هو المحذوف. ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين ،
(وثالثها) قال ابن الأنبارى: تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم (ورابعها)
قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم .
﴿المسألةُ الثالثةَ﴾َ قرىء (يمشون) على البناء للمفعول أى يمشيهم حوابجهم أو الناس ،
ولو قرى. يمشون لكان أوجه لولا الرواية .
أما قوله تعالى ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فيه أقوال (أحدها) أن هذا فى رؤساء المشركين وفقراء الصحابة ، وإذا
رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة
والفضل عليه، ودليله قوله تعالى (لو كان خيراً ماسبقونا إليه) وهذا قول الكلبى والفراء والزجاج
(وثانيها) أن هذا عام فى جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل المالك من
الفخـ الـ از٢ - -٥٠٢١
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ٥

٦٦
قوله تعالى: ولكن متعتهم وآباءهم. سورة الفرقان. الجزء التاسع عشر
المملوك ، وويل للشديد من الضعيف، والضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة)) وقرأ هذه الآية
(وثالثها) أن هذا فى أصحاب البلاء والعافية، هذا يقول لم لم أجعل مثله فى الخلق والخلق وفى
العقل وفى العلم وفى الرزق وفى الأجل ؟ وهذا قول ابن عباس والحسن (ورابعها) هذا احتجاج
عليهم فى تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم فى البشرية وصفاتها ، فابتلى المرسلين بالمرسل
إليهم وأنواع أذاهم على ماقال ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا
أذى كثيراً) والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة
وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع
قدراً مشتركا .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال ( وجعلنا بعضكم
لبعض فتنة ) قال الجبانى هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق ، إن فلاناً لص جعله
لصاً ، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه
كذلك، بل العقل يدل على أن المراد غير ماذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للسبب ، فمن
خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذى يطلعه
على الشىء المغضب . فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة ، وكذا القول فى الحسد
وسائر الأخلاق والأفعال ، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذى جعل البعض فتنة للبعض . سلمنا
أن المراد ما قاله الجبائى أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه
انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال ، فانقلاب ذلك الجعل محال ، فانقلاب
المجعول أيضاً محال ، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر .
المسألة الثالثة﴾ الوجه فى تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا فى الرسول سيد اله
بأنه يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات ، فإنه
لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشىء من هذه الأشياء أثر فى القدح فيها، فكان النبي صلى اللّه
عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج
الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية، وبين أنه
جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض .
أما قوله تعالى ( أتصبرون وكان ربك بصيراً) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ) قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة )
الخبر لما ذكر عقيبه (أتصبرون) لأن أمر العاجز غير جائز.
المسألة الثانية ﴾ المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين (وكان زبك
بصيراً) أى هو العالم بمن يصبر. ومن لا يصبر، فيجازى كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب

٦٧
قوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا. سورة الفرقان
وَقَالَ الَّذِينَ لَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَتَبْكُ أَوْ زَى رَبَّنَا لَقَدٍ
أَسْتَكْبَرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْعُنُوا كَبِيرًا (٣) يَوْمَ يَوْنَ الْمَلَكَةَ لَأُشْرِى يَوْمَيٍِ
لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِرًا نَحْجُورًا (٨﴾ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عِلُوْ مِنْ عَمَلٍ بَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنْتُورًا (*) أَعَْبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (﴾
المسألة الثالثة) قوله (أتصبرون) استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة
موقع أيكم بعد الابتلاء فى قوله ( لنبلوكم أيكم أحسن عملا).
قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد
استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً، يوم برون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين
ويقولون حجراً محجوراً، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباء منثوراً، أصحاب الجنة يومئذ
خير مستقراً وأحسن مقيلا
اعلم أن قوله تعالى ( وقال الذين لايرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا)
هو الشبهة الرابعة لمنكرى نبوة محمد فهد اله، وحاصلها: لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا
محق فى دعواه ( أو نرى ربنا) حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل
شىء ، وكان له إلى تحصيله طريقان، أحدهما يفضى إليه قطعاً والآخر قد يفضى وقد لا يفضى ،
فالحكيم يجب عليه فى حكمته أن يختار فى تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن،
ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود،
فلو أراد الله تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد
تصديقه . هذا حاصل الشبهة ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الفراء قوله تعالى (وقال الذين لايرجون لقاءنا) معناه لا يخافون
لقاءنا ووضع الرجاء فى موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان معه جحد ، ومثله قوله تعالى ( مالكم
لا ترجون لله وقاراً) أى لاتخافون له عظمة، وقال القاضى لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن
حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب
لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لايرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من

٦٨
قوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا. سورة الفرقان
لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً ، فالخوف تابع لهذا الرجاء.
﴿ المسألة الثانية﴾ المجسمة تمسكوا بقوله تعالى (لقاءنا) أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول
يقال هذا الجسم لقى ذلك أى وصل إليه واتصل به ، وقال تعالى ( فالتقى الماء على أمر قد قدر )
فدات الآية على أنه سبحانه جسم (والجواب) على طريقين (الأول) طريق بعض أصحابنا قال المراد
من اللقاء هو الرؤية . وذلك لأن الرائى يصل برؤيته إلى حقيقة المرئى فسمى اللقاء أحد أنواع
الرؤية والنوع الآخر الإتصال والماسة ، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية (الطريق الثانى)
وهو كلام المعتزلة ، قال القاضى تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة ، فيقال فى الدعاء لقاك اللّه الخير
وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه، ويقال فى الضرير لقى الأمير إذا
أذن له ولم يحجب وقد يلقاه فى الليلة الظلماء. ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه
حيث لاحكم لغيره فى ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً) لا أنه رؤية البصر، واعلم أن هذا الكلام
ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر ، وبين الاتصال
والمماسة وهو الوصول إلى الشىء، وقد بينا أن الرائى يصل برؤيته إلى المرئى واللفظ الموضوع
لمعنى مشترك بين معان كثيرة، ينطلق على كل واحد من تلك المعانى فيصح قوله لقاك الخير، ويصح
قول الأعمى لقيت الأمير ، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه،
وإذا ثبت هذا فنقول قوله ( وقال الذين لايرجون لقاءنا) مذكور فى معرض الذم لهم ، فوجب
أن يكون رجاء اللقاء حاصلا ، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكانى، وبين الوصول بالرؤية ،
وقد تعذر الأول فتعين الثانى، وقوله المراد من اللقاء الوصول الى حكمه صرف اللفظ عن ظاهره
بغير دليل . فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها ، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين
الكفار .
المسألة الثالثة) قوله (لولا أنزل) معناه هلا أنزل، قال الكلى ومقاتل نزلت هذه الآية فى
أبى جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث.
أما قوله تعالى ( لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً) فاعلم أن هذا هو الجواب عن
تلك الشبهة ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى تقرير كونه جواباً، وذلك من وجوه: (أحدها) أن القرآن لما
ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه
الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت ( وثانيها) أن نزول الملائكة لو حصل لكان
أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزاً،
فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد
فائدة ومرجح، وهو محض الاستكبار والتعنت (وثالثها) أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن

٦٩
قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون لقاءنا. سورة الفرقان
صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يقول نعم هو رسولى، فذلك لا يزيد فى التصديق على
إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ
لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقاً فأحى هذا الميت فيحييه الله تعالى
والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل
بالمعجز سيين فى كونه تصديقاً للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت (ورابعها)
وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة، أو نقول إن الله
تعالى يفعل بحسب المشيئة على ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجزلهم أن يعينوا المعجز إذربما
كان إظهار ذلك المعجز مشتملا على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى، وكان التعيين استكبارا وعتواً
من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد فى نفسه أنه عالم بكل
المعلومات، وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثانى وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه
فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكباراً وعتواً وخروجاً عن حد العبودية إلى مقام
المنازعة والمعارضة (وخامسها) وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير
إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد
هذا بل أريد ذاك، حسن أن يقال إن هذا المكدى قد استكبر فى نفسه وعتا عتواً شديداً من حيث
لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا (وسادسها) يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى
قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم،
ولكنى علمت أنهم ذكرواهذا الاقترح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا
به فلا جرم لا أعطيهم ذلك، وهذا التأويل يعرف من اللفظ (وسابعها) لعلهم سمعوا من أهل
الكتاب أن الله تعالى لا يرى فى الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة فى الدنيا على عوام الخلق ، ثم
إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء.
﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته
لو كانت جائزة لما كان سؤالها عنواً واستكباراً، قالوا وقوله ( لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا
عنواً كبيراً) ليس إلا لأجل سؤال الرؤية. حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا
بذلك، والدليل عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية فى آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو
قوله ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) وذكر نزول الملائكة على حدة فى
آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم ( لولا أنزل علينا الملائكة) وهل نرى الملائكة فثبت
بهذا أن الاستكبار والعتو فى هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية .
واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم فى سورة البقرة، والذى نريده ههنا أنا بينا أن قوله

٧٠
قوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا. سورة الفرقان
(وقال الذين لا يرجون لقاءنا) يدل على الرؤية، وأما الاستكبار والعتو، فلا يمكن أن يدل ذلك
على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئاً محالا ، لا يقال إنه عنا واستكبر، ألا ترى أنهم لما قالوا
(اجعل لنا إلهاً ا لهم آلهة) لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتواً واستكبارا، بل قال (إنكم قوم
تجهلون ) بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الانسان ما لا يليق به من فوقه أوكان لائقاً
به ، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت. وبالجملة فقد ذكرنا وجوهاً كثيرة فى تحقيق معنى الاستكبار
والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله
تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء طلبوها امتحاناً وتعنتاً،
لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة .
﴿ المسألة الثالثة) إنما قال فى أنفسهم لأنهم أضمروا الاستكبار فى قلوبهم واعتقدوه كما
قال ( إن فى صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه) وقوله (وعتوا عدواً كبيراً) أى تجاوزوا الحد فى الظلم
يقال عنا فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ فى إفراطه ، يعنى أنهم لم يجترئوا على هذا القول
العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو .
أما قوله تعالى (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً) فهو
جواب لقولهم (لولا أنزل علينا الملائكة ) فبين تعالى أن الذى سألوه سيوجد، ولكنهم يلقون
منه ما يكرهون ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى ﴾﴾ ذكروا فى انتصاب يوم وجهين (الأول) أن العامل مادل عليه لا بشرى
أى يوم يرون الملائكة يبغون البشرى ويومئذ للتكرير (الثانى) أن التقدير اذكر يوم
يرون الملائكة .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى ذلك اليوم، فقال ابن عباس يريد عند الموت، وقال الباقون
يريد يوم القيامة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالا مضلا إلا أنه يعتقد
فى نفسه أنه كان هادياًمهتدياً، فكان يطمع فى ذلك الثواب العظيم، ولأنهم ربما عملوا مارجوا فيه
النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم ، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم فى أول
الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة ، وذلك هو النهاية فى الإيلام وهو المراد من قوله
( وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون).
﴿ المسألة الرابعة﴾ حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم، لكنه قال
لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان ( أحدهما ) أنه ظاهر فى موضع ضمير (والثانى ) أنه عام فقد
تناولهم بعمومه ، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو ، لأن قوله (لا
بشرى للمجرمين) نكرة فى سياق النفى، فيعم جميع أنواع البشرى فى جميع الأوقات ، بدليل أن من

٧١
قوله تعالى : وقدمنا الى ما عملوا. سورة الفرقان.
أراد تكذيب هذه القضية قال بل له بشری فیالوقت الفلانى ،فلما كان ثبوت البشری فی و قت من
الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية ، علينا أن قوله تعالى (لا بشرى) يقتضى نفى جميع أنواع
البشرى فى كل الأوقات ، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفى بقوله ( حجراً محجورا) والعفو من الله
من أعظم البشرى، والخلاص من النار بعد دخولها من أعظم البشرى، وشفاعة الرسول ومؤ لف من أعظم
البشرى. فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين . والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم
غير مرة، قال المفسرون المراد بالمجرمين ههنا الكفار بدليل قوله ( إنه من يشرك بالله فقد حرم
اللّه عليه الجنة).
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى تفسير قوله ( حجراً محجورا) ذكر سيبويه فى باب المصادر غير
المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك وعمرك، وهذه كلمة كانوايتكلمون
بها عند لقاء عدو أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ، قال سيبويه يقول الرجل
للرجل يفعل كذا وكذا فيقول حجراً، وهى من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله أن
يمنع المكروه فلا يلحقه، فكان المعنى أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً ومجيئه على فعل
أو فعل فى قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، فان قيل لما ثبت أنه من باب
المصادر فما معنى وصفه بكونه محجورا؟ قلنا جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا ذبل
ذابل فالذبل الهوان وموت مائت وحرام محرم.
﴿ المسألة السادسة﴾ اختلفوا فى أن الذين يقولون حجراً محجوراً من هم؟ على ثلاثة أقوال:
(القول الأول) أنهم هم الكفار وذلك لأنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، ثم إذا
رأوهم عند الموت ويوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم، لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون.
فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو ونزول الشدة (القول الثانى) أن القائلين م
الملائكة ومعناه حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى، أى جعل الله ذلك حراماً عليكم، ثم
اختلفوا على هذا القول فقال بعضهم إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم ، قالت الحفظة لهم حجراً
محجورا ، وقال الكلبى الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين
حجرا محجورا ، وقال عطية إذا كان يوم القيامة يلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار
ذلك قالوا لهم بشرونا فيقولون حجراً محجوراً (القول الثالث) وهو قول القفال والواحدى
وروى عن الحسن أن الكفار يوم القيامة إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذون منه ويقولون حجراً
محجوراً، فتقول الملائكة لا يعاذ من شر هذا اليوم .
أما قوله تعالى ( وقدمنا) فقد استدلت المجسمة بقوله (وقدمنا) لأن القدوم لا يصح إلا على
الأجسام ، وجوابه أنه لما قامت الدلالة على امتناع القدوم عليه لأن القدوم حركة والموصوف
بالحركة محدث ، ولذلك استدل الخليل عليه السلام بأفول الكواكب على حدوثها وثبت أن الله عز

٧٢
قوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً. سورة الفرقان.
وجل لا يجوز أن يكون محدثاً، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه ( أحدها ) ( وقدمنا
إلى ما عملوا من عمل) أى وقصدنا إلى أعمالهم، فإن القادم إلى الشىء قاصد له ، فالقصد هو
المؤثر فى المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازاً ( وثانيها) المراد قدوم الملائكة
إلى موضع الحساب فى الآخرة، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقول، وقدمنا على
سبيل التوسع ونظيره قوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم) (وثالثها) (إن الملوك إذا دخلوا قرية
أفسدوها ) فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت شبيهة بالمواضع التى يقدمها الملك فلا جرم
قال وقدمنا .
أما قوله ( إلى ما عملوا من عمل) يعنى الأعمال التى اعتقدوها براً وظنوا أنها تقربهم إلى الله
تعالى، والمعنى إلى ما عملوا من أى عمل كان .
أما قوله ( جعلناه هباء منتوراً) فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء
المنثور الذى لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله تعالى ( كسراب بقيعة) (كرماد اشتدت به الريح)
(كعصف مأكول) قال أبو عبيدة والزجاج: الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس.
وقال مقاتل : إنه الغبار الذى يستطير من حوافر الدواب .
أما قوله ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا ) فاعلم أنه سبحانه لما بين حال
الكفار فى الخسار الكلى والخيبة التامة شرح وصف أهل الجنة تنبيهاً على أن الحظ كل الحظ فى
طاعة الله تعالى، وههنا سؤالات :
( الأول) كيف يكون أصحاب الجنة خيراً مستقراً من أهل النار، ولا خير فى النار ، ولا
يقال فى العسل هو أحلى من الخل؟ (والجواب) من وجوه (الأول) ما تقدم فى قوله ( أذلك خير
أم جنة الخلد) (والثانى) يجوز أن يريد أنهم فى غاية الخير، لأن مستقر خير من النار، كقول الشاعر:
إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
( الثالث ) التفاضل الذى ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع، والموضع من حيث إنه
موضع لا شر فيه ( الرابع ) هذا التفاضل واقع على هذا التقدير ، أى لو كان لهم مستقر فيه خير
لكان مستقر أهل الجنة خيراً منه .
﴿السؤال الثانى) الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك؟ (والجواب) من وجوه
(الأول ) أن المستقر مكان الاستقرار، والمقيل زمان القيلولة، فهذا إشارة إلى أنهم من المكان
فى أحسن مكان ، ومن الزمان فى أطيب زمان ( الثانى ) أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم، فانهم
يقيلون فى الفردوس ، ثم يعودون إلى مستقرهم (الثالث) أن بعد الفراغ من المحاسبة والذهاب
إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة، قال ابن مسعود: ((لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى
يقيل أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار)) وقرأ ابن مسعود: ثم إن مقيلهم- لإلى الجحيم.

٧٣
قوله تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام. سورة الفرقان.
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمِمِ وَنُزِّلَ الْمَلَتِكُ تَزِيلًا (يّ الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ
◌َِّنْ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَّفِينَ عَِرًا ﴾ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ
يَلَيْفَنِى أَحَدْتُ مَعَ الَّسُولِ سَبِيلًا (٦) يَشَ يْلَنَى لَيْقَنِى ◌َمْ أَخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (﴾
لَقَدْ أَضَلَِّ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِّ وَكَانَ الَّيْطَانُ لِلْإِنْسَنِ خَذُولًا (﴾
وقال سعيد بن جبير: إن الله تعالى إذا أخذ فى فصل القضاء قضى بينهم بقدر ما بين صلاة الغداة
إلى انتصاف النهار، فيقيل أهل الجنة فى الجنة ، وأهل النار فى النار. وقال مقاتل: يخفف الحساب
على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، ثم يقيلون من يومهم ذلك فى الجنة .
﴿ السؤال الثالث) كيف يصح القيلولة فى الجنة والنار، وعندكم أن أهل الجنة فى الآخرة
لا ينامون، وأهل النار أبدا فى عذاب يعرفونه، وأهل الجنة فى نعيم يعرفونه؟ ( والجواب) قال
الله تعالى ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) وليس فى الجنة بكرة وعشى، لقوله تعالى ( لا يرون
فيها شمساً ولا زمهريراً) ولأنه إذا لم يكن هناك شمس لم يكن هناك نصف النهار ولا وقت القيلولة،
بل المراد منه بيان أن ذلك الموضع أطيب المواضع وأحسنها ، كما أن موضع القيلولة يكون أطيب
المواضع والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا، الملك يومئذ الحق للرحمن
وكان يوماً على الكافرين عسيراً، ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول
سبيلا، ياويلتى ليقنى لم أتخذ فلاناً خليلا، لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان
للانسان خذولا
أعلم أن هذا الكلام مبنى على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين سبحانه أنه يحصل ذلك فى
يوم له صفات :
﴿ الصّفة الأولى ) أن فى ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام، وفيه مسائل :
المسألة الأولى) قوله ( إذا السماء انفطرت) يدل على التشقق وقوله (هل ينظرون إلا
أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ) يدل على الغمام فقوله ( تشقق السماء بالغمام ) جامع لمعنى الآيتين
ونظيره قوله تعالى ( وفتحت السماء فكانت أبواباً) وقوله ( فهى يومئذ واهية).

٧٤
قوله تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام. سورة الفرقان.
المسألة الثانية) قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين ههنا، وفى سورة ق والباقون
بالتشديد ، قال أبو عبيدة: الاختيار التخفيف كما يخفف تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق.
﴿ المسألةُ الثالثة﴾ قال الفراء: المراد من قوله (بالغمام) أى عن الغمام، لأن السماء لا تتشقق
بالغمام بل عن الغمام، وقال القاضى: لا يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه
وهو كقوله ( السماء منفطر به).
المسألة الرابعة ﴾ لابد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة ، فقيل الملائكة فى
أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة والسماء على اتصالها ، ثم فى ذلك اليوم
تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن يكون حائلا بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة
إلى الأرض .
المسألة الخامسة) قوله (ونزل الملائكة) صيغة عموم فيتناول الكل، ولأن السماء مقر
الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض ، ثم قال مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها
وهم أكثر من سكان الدنيا، كذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم
ينزل الرب تعالى . وروى الضحاك عن ابن عباس : قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون
بالعالم ويصيرون سبع صفوف حول العالم، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعاً ، لأن النزول
حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثاً . وأما نزول الملائكة إلى الأرض فعليه
سؤال، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كلقة فى فلاة، فكيف بالقياس إلى
الكرسى والعرش فلائكة هذه المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعاً؟ فلعل الله تعالى
يزيد فى طول الأرض وعرضها ويبلغها مبلغاً يتسع لكل هؤلاء، ومن المفسرين من قال: الملائكة
يكونون فى الغمام منه، واللّه تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة.
قال الحسن: والغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بنى آدم
والمحاسبة تكون فى الأرض.
﴿ المسألة السادسة) أما نزول الملائكة فظاهر، ومعنى تنزيلا تؤكيد للنزول ودلالة على
إسراعهم فيه .
﴿ المسألة السابعة﴾ الألف واللام فى الغمام ليس للعموم فهو للمعهود، والمراد ماذكروه
فى قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة).
﴿ المسألة الثامنة) قرى .: وتنزل الملائكة، وتنزل الملائكة، ونزل الملائكة، ونزلت الملائكة
ونزل الملائكة على حذف النون الذى هو فاء الفعل من تنزل قراءة أهل مكة .
﴿الصفة الثانية لذلك اليوم) قوله ( الملك يومئذ الحق الرحمن) قال الزجاج الحق صفة للملك
وتقديره الملك الحق يومئذ للرحمن، ويجوز الحق بالنصب على تقدير أعنى ولم يقرأ به، ومعنى

٧٥
قوله تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه. سورة الفرقان
وصفه بكونه حقاً أنه لايزول ولا يتغير، فان قيل مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن فما الفائدة
فى قوله يومئذ؟ قلنا لأن فى ذلك اليوم لا مالك سواه لا فى الصورة ولا فى المعنى، فتخضع له الملوك
وقعنو له الوجوه وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام، واعلم أن هذه الآية دالة على فساد قول
المعتزلة فى أنه يجب على اللّه الثواب والعوض وذلك لأنه لو وجب لاستحق الذم بتركه فكان
خائفاً من أن لا يفعل فلم يكن ملكا مطلقاً. وأيضاً فقوله (الملك يومئذ الحق للرحمن) يفيد أنه ليس
لغيره ملك وذلك لا يتم على قول المعتزلة ، لأن كل من استحق عليه شيئاً فانه يكون مالكا له ، ولا
يكون هو سبحانه مالكاً لذلك المستحق، ولأنه سبحانه إذا استحق على أحد شيئاً أمكنه أن يعفو
عنه ، أما غيره إذا استحق عليه شيئاً فانه لا يصح إبراؤه عنه، فكانت العبودية ههنا أتم ، ولأن من
كفر بالله إلى آخر عمره ثم فى آخر عمره عرف الله لحظة ومات فهو سبحانه لو أعطاه ألف ألف
سنة أنواع الثواب وأراد بعد ذلك أن لا يعطيه لحظة واحدة صار سفيهاً ، وهذا نهاية العبودية
والذل فكيف يليق بمن هذا حاله أن يقال له (الملك يومئذ الحق للرحمن ) وأيضاً فكل من فعل
فعلا لو لم يفعله لكان مستوجباً للذم وكان بذلك الفعل مكتسباً للكمال وبتركه مكتسباً للنقصان
فلم يكن ملكا بل فقيراً مستحقاً، فثبت أن قوله سبحانه ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) غير لائق
بأصول المعتزلة.
﴿ الصفة الثالثة) قوله ( وكان يوماً على الكافرين عسيراً) فالمعنى ظاهر لأنه تعالى عالم
بالأحوال قادر على كل مايريده. وأما غيره فالكل فى ربقة العجز ولجام القهر ، فكان فى نهاية
العسر على الكافر .
﴿ الصفة الرابعة) قوله ( ويوم يعض الظالم على يديه) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الألف واللام فى الظالم فيه قولان (أحدهما) أنه للعموم (والثانى) أنه
للمعهود، والقائلون بالمعهود على قولين (الأول ) قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط
ابن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاماً يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر
مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاماً ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ماآكل من
طعامك حتى تأتى بالشهادتين ففعل فأ كل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ أمية بن
خلفب فقال صبوت ياعقبة. وكان خليله . فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامى فقال لاأرضى
أبدا حتى تأتيه فتبزق فى وجهه وقطأ على عنقه، ففعل ، فقال عليه السلام لاألقاك خارجا من مكة
إلا علوت رأسك بالسيف فنزل ( ويوم يعض الظالم على يديه ) ندامة يعنى عقبة يقول : ياليتنى
لم أتخذ أمية خليلا لقد أضلى عن الذكر. أى صرفنى عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ
جاءنى مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبةيوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير
النضر بن الحارث ( الثانى) قالت الرافضة: هذا الظالم هو رجل بعينه . وإن المسلمين غيروا اسمه

٧٦
قوله تعالى : وقال الرسول يا رب. سورة الفرقان
وَقَالَ الَّسُولُ يَشْرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُ واْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (يَ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّنَبٍِ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَل ◌ِيِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًاً (3)
وكتموه وجعلوا فلاناً بدلا من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله، واعلم أن إجراء
اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ ، لأنا بينا فى أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على
الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر
بعلية الوصف ، فدل ذلك على أن المؤثر فى العض على اليدين كونه ظالما وحينئذ يعم الحكم لعموم
علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذى ذكرناه يقتضى العموم،
ونزوله فى واقعة أخرى خاصة لا ينافى أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة
وغيرها . ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم ، وأما قول
الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن فى القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع فى أنه كفر .
﴿ المسألة الثانية) استدلت المعتزلة بقوله ( ويوم يعض الظالم على يديه) قالوا الظالم يتناول
الكافر والفاسق ، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم.
المسألة الثالثة) قوله ( يعض الظالم على يديه ) قال الضحاك: ياً كل يديه إلى المرفق ثم
تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم،
يقال عض أنامله وعض على يديه .
﴿ المسألة الرابعة كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا
المراد بقوله فلاناً ليس شخصاً واحداًبل كل من أطيع فى معصية الله، واستشهد القفال بقوله (وكان
الكافر على ربه ظهيراً)، (ويقول الكافر ياليتنى كنت تراباً) يعنى به جماعة الكفار.
﴿ المسألة الخامسة) قرى. ياويلتى بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادى ويلته وهى هلكته
يقول لها: تعالى فهذا أوانك، وإنما قلبت الياء ألفاً كما فى صحارى وعذارى.
﴿ المسألة السادسة) قوله ( عن الذكر) أى عن ذكر الله أو القرآن وموعظة الرسول
ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق وغيرته على الإسلام والشيطان ، إشارة إلى خليله سماه شيطاناً
لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه فى العاقبة، أو أراد إبليس فانه هو الذى حمله على
أن صار خليلا لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله ، أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن
والإنس، ويحتمل أن يكون ( وكان الشيطان ) حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام الله.
قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، وكذلك جعلنا
لكل فى عدواً من المجرمين وكفى يربك هادياً ونصيراً ﴾

٧٧
قوله تعالى : وقال الرسول يا رب إن قومي. سورة الفرقان.
اعلم أن الكفار لما أ كثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول
ټلتے و شکاهم إلى الله تعالى وقال ( یارب إن قومی اتخذوا) وفيه مساتل:
المسألة الأولى﴾ أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول ◌َ لّم وقال أبو مسلم بل المراد
أن الرسول عليه السلام يقوله فى الآخرة وهو كقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا
بك على هؤلاء شهيداً) والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله (وكذلك
جعلنا لكل فى عدواً من المجرمين ) تسلية للرسول بَ يّم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه.
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى المهجور قولين (الأول) أنه من الهجران أى تركوا الإيمان به
ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه (الثانى) أنه من أهجر أى مهجوراً فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله
تعالى (مستكبرين به سامراً تهجرون) ثم مجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب
وهجر أى هذيان، وروى أنس عن النبى مَّ الي أنه قال ((من تعلم القرآن وعلق مصحفاً لم يتعهده
ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يارب العالمين عبدك هذا اتخذنى مهجوراً، اقض بينى
وبينه)) ثم إنه تعالى قال مسلياً لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزياً له ( وكذلك جعلنا لكل نبى
عدواً من المجرمين) وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل ، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا
ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق الخير والشر لأن قوله تعالى
( جعلنا لكل نى عدواً ) يدل على أن تلك العداوة من جعل الله ولا شك أن تلك العداوة كفر
قال الجبائى: المراد من الجعل التبيين ، فانه تعالى لما بين أنهم أعداؤه، جاز أن يقول: جعلناهم
أعداءه، كما إذا بين الرجل أن فلانا لص يقال جعله لضاً كما يقال فى الحاكم عدل فلاناً وفسق فلاناً
وجرحه، قال الكعبى: إنه تعالى لما أمر الأنبياء بعداوة الكفار وعداوتهم للكفار تقتضى عداوة
الكفار لهم، فلهذا جاز أن يقول ( وكذلك جعلنا لكل نى عدواً من المجرمين ) لأنه سبحانه هو
الذى حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة ، وقال أبو مسلم: يحتمل فى العدوأنه البعيد لا القريب
إذ المعاداة المباعدة كما أن النصر القرب والمظاهرة، وقد باعد الله تعالى بين المؤمنين والكافرين
(والجواب عن الأول) أن التبيين لا يسمونه البتة جعلا لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه
لا يقال إنه جعل الصانع وجعل قدمه (والجواب عن الثانى) أن الذى أمره الله تعالى به هل له تأثير
فى وقوع العداوة فى قلوبهم أوليس له تأثير؟ فان كان الاول فقد تم الكلام لأن عداوتهم للرسول
ويتم كفر فاذا أمر اللّه الرسول بما له أثر فى تلك العداوة فقد أمره بما له أثر فى وقوع الكفر
وإن لم يكن فيه تأثير البتة كان منقطعاً عنه بالكلية فيمتنع إسناده إليه. وهذا هو الجواب عن
قول أبى مسلم .
المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول إن قول محمد عليه السلام (يارب إن قومى اتخذوا هذا

٧٨
قوله تعالى : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن. سورة الفرقان
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ بُهْلَّةً وَاحِدَةٌ كَّلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْتِيلًا (﴾ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْتَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ
تَفْسِيرًا (® الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَى وُجُوِهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضَلُ
سَبِيلاً
٣٤
القرآن مهجوراً) فى المعنى كقول نوح عليه السلام (رب إنى دعوت قومى ليلا ونهاراً، فلم يزدهم
دعائى إلا فراراً) وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه
الله بالرحمة فى قوله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ؟ (جوابه) أن نوحا عليه السلام لما ذكرذلك
دعا عليهم، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر فلما قال تعالى
(وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) كان ذلك كالأمرله بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم
فظهر الفرق .
المسألة الثالثة) قوله جعلنا صيغة العظماء والعظيم إذا ذكرنفسه فى كل معرض من التعظيم
وذكر أنه يعطى فلابد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله ( ولقد آتيناك سبعاً من المثانى)
وقوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هى العداوة التى
هى منشأ الضرر فى الدين والدنيا؟ (وجوابه) أن خلق العداوة سبب لازدياد المشقة التى هى موجبة
لمزيد الثواب والله أعلم .
﴿ المسألةَ الرابعة) يجوز أن يكون العدو واحداً وجمعاً كقوله (فإنهم عدو لى) وجاء فى
التفسير أن عدو الرسول مؤلتم أبو جهل .
أما قوله ( وكفى بربك هادياً ونصيراً) فقال الزجاج الباء زائدة يعنى كفى ربك وهادياً ونصيراً
منصوبان على الحال هادياً إلى مصالح الدين والدنيا، ونصيراً على الأعداء، ونظيره ( يا أيها النبى
حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) .
قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك
ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً ، الذين يحشرون على وجوههم
إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضل سبيلا﴾.
اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكرى نبوة محمد ية لم ، وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول
من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى
١

٧٩
قوله تعالى : كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. سورة الفرقان.
والزبور على داود ، وعن ابن جريج بين أوله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة وأجاب الله
بقوله ( كذلك لنثبت به فؤادك ) وبيان هذا الجواب من وجوه: (أحدها) أنه عليه السلام لم
يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ولجاز عليه الغلط.
والسهو ، وإنما نزلت التوراة جملة لأنها مكتوبة يقرؤها موسى ( وثانيها) أن من كان الكتاب
عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل فى الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل
كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهلة وقلة التحصيل ( وثالثها)
أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق
فكان يثقل عليهم ذلك، أما لما نزل مفرقاً منجماً لاجرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها
أسهل (ورابعها) أنه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء
ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد ( وخامسها) أنه
لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً ، فانه لو كان ذلك فى مقدور البشر لوجب
أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً (وسادسها) كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم
فكانوا يزدادون بصيرة، لأن بسبب ذلك كان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب
( وسابعها) أن القرآن لما نزل منجماً مفرقاً وهو عليه السلام كان يتحداهم من أول الأمر
فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى
فبهذا الطريق ثبت فى فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة (وثامنها) أن السفارة
بين اللّه تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم فيحتمل أن يقال إنه تعالى لو أنزل
القرآن على محمد عَلّ دفعة واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقاً
منجماً بقى ذلك المنصب العالى عليه فلأجل ذلك جعله الله سبحانه وتعالى مفرقاً منجماً .
أما قوله ( كذلك) ففيه وجهان (الأول) أنه من تمام كلام المشركين أى جملة واحدة
كذلك أى كالتوراة والإنجيل، وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار فى الآية وهو أن يقول: أنزلناه
مفرقاً لنثبت به فؤادك (الثانى) أنه كلام اللّه تعالى ذكره جواباً لهم أى (كذلك أنزلناه مفرقاً)
فان قيل ذلك فى كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شىء تقدمه والذى تقدم فهو إنزاله جملة فكيف
فسر به. كذلك أنزلناه مفرقاً؟ قلنا لأن قولهم لولا نزل عليه جملة واحدة معناه لم نزل مفرقاً
فذلك إشارة إليه .
أما قوله تعالى ( ورتلناه ترتيلا ) فمعنى الترتيل فى الكلام أن يأتى بعضه على أثر بعض على
تؤدة وتمهل وأصل الترتيل فى الأسنان وهو تفاجها يقال ثغر رتل وهو ضد المتراص ، ثم إنه
سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح قال (ولا يأتونك بمثل) من الجنس الذى تقدم
ذكره من الشبهات إلا جئناك بالحق الذى يدفع قولهم، كما قال تعالى (بل نقذف بالحق على الباطل

٨٠
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب. سورة الفرقان.
ـنْ فَقُلْنَا
٠,٠٠٠٠٠
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ ◌ٍ أَخَاهُ هُرُونَ وَزِيرًا
أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِعَايَتِنَا فَدَمَّهْنَهُمْ تَدْمِيرًا ﴾
فيدمغه فإذا هو زاهق ) وبين أن الذى يأتى به أحسن تفسيراً لأجل ما فيه من المزية فى البيان
والظهور، ولما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا
تفسير هذا الكلام کیت و کیت کما قيل معناه كذا وكذا.
أما قوله ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) عن أبى هريرة عن رسول الله الله و يقيمه («يحشر الناس على ثلاثة أصناف
صنف على الدواب وصنف على الأقدام. وصنف على الوجوه)) وعنه عليه السلام ((إن الذى
أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » .
﴿ المسألة الثانية) الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت، وإن
کان غيرهم من أهل النار یدخل معهم .
المسألة الثالثة﴾ حمله بعضهم على أنهم يمشون فى الآخرة مقلوبين، وجوههم إلى القرار
وأرجلهم إلى فوق ، روى ذلك عن الرسول بوليتم وقال آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على
وجوههم، وهذا أيضاً مروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أولى، وقال الصوفية: الذين
تعلقت قلوبهم بما سوى الله فاذا ماتوا بقى ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على
وجوههم إلى جهنم ، ثم بين تعالى إنهم شر مكانا من أهل الجنة وأضل سبيلا وطريقاً، والمقصود
منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً )
وقد تقدم الجواب عنه .
وأعلم أنه تعالى بعد أن تكلم فى التوحيد ونفى الأنداد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات
المنكرين لها وفى أحوال القيامة شرع فى ذكر القصص على السنة المعلومة .
القصة الأولى - قصة موسى عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيراً فقلنا اذهبا إلى القوم
الذين كذبوا بآياتنا فدمر ناهم تدميراً
أعلم أنه تعالى لما قال ( وكذلك جعلنا لكل فى عدواً) أتبعه بذكر جماعة من الأنبياء وعرفه
بما نزل بمن كذب من أهم فقال ( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيراً)
والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب، وآتيناه الآيات فرد، فقد آتينا موسى التوراة
وقوینا عضده بأخيه هرون ومع ذلك فقد رد ، وفيه مسائل :