النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ قوله تعالى: أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا. سورة النور. فكيف يصح أن يقول فى جميعهم، ( وما أولئك بالمؤمنين ) مع أن الذى تولى منهم هو البعض ؟ قلنا إن قوله ( وما أولئك بالمؤمنين) راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى ، وأيضاً فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله ( ثم يتولى فريق منهم) أى يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ، ونبه بقوله تعالى (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لا نفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا، وفى ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق ، وإنما يريدون النفع المعجل ، وذلك أيضاً نفاق . أما قوله تعالى ( أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله) ففيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول ) كلمة أم للاستفهام وهو غير جائز على اللّه تعالى (والجواب) اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا [وأندى العالمين بطون راح ﴿ السؤال الثانى) أنهم لو خافوا أن يحيف اللّه عليهم فقد ارتابوا فى الدين وإذ ارتابوا ففى قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأى فائدة فى التعديد؟ ( الجواب) قوله ( أفى قلوبهم مرض) إشارة إلى النفاق وقوله ( أم ارتابوا) إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الاسلام فى القلب، وقوله ( أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم) إشارة إلى أنهم بلغوا فى حب الدنيا إلى حيث يتركون الدین بسببه . ﴿ السؤال الثالث) هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم؟ (الجواب) الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان فى قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله (بل أولئك هم الظالمون ) بطلان ماهم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالماً لنفسه أو ظالماً لغيره، ويمكن أن يقال أيضاً لما ذكر تعالى فى الأقسام. كونهم خائفين من الحيف، أبطل ذلك بقوله ( بل أولئك هم الظالمون ) أى لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلوا من له الحق عليهم وهم له جحود، وذلك شىء لا يستطيعونه فى مجلس رسول اللّه ويتهم ثم يأبون المحاكمة إليه. ٢٢ قوله تعالى : إنما كان قول المؤمنين. سورة النور. إِنَّا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ وَمَن يُطِيع اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآءُونَ (﴾ وَأَقْسَمُواْبِلهِ جَهْدَ أْنِهِمْ لَيْ أَمَتْهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَتُقْسِمُواْ طَاعَةُ مَّعْرُوفَةُ إِنَّ اللّهَخَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُواْ الَّسُولٌّ فَإِنِ تَوَلُوا فَمَا ◌َيْهِ مَاْهِلَ وَيْكُمَّ ◌ُلَّمْ وَ إِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ قوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخش اللّه ويتقه فأولئك هم الفائزون، وأقسموا بالله جهد أيمانهم ائن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون. قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين أعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون ، فقال تعالى (إنما كان قول المؤمنين ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن قول المؤمنين بالرفع والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسما لكان أوغلهما فى التعريف وأن يقولوا أوغل لأنه لاسبيل عليه للتفكير بخلاف قول المؤمنين . المسألة الثانية ) قوله ( إنما كان قول المؤمنين ) معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة، ومعنى (سمعنا) أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أى قبل وأجاب، ثم قال (ومن يطع الله ورسوله ) أى فيما ساءه وسره (ويخش اللّه) فيما صدر عنه من الذنوب فى الماضى ( ويتقه ) فيما بقى من عمره (فأولئك هم المفلحون) وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغى للمؤمنين أن يفعلوه ، أما قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لتن أمرتهم ليحرجن ) فقال مقاتل: من حلف بالله ٢٣ قوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا. سورة النور. وَعَدَ اللهُ الَّذِينَءَ امَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَهُمْ فِ الْأَرْضِ كَ أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَيُمَكَِّنَّلَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَا يَعْبُدُونَنِى لَايُشْرِ كُونَ بِ شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ فقد أجهد فى المين ، ثم قال لما بين اللّه تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول اللّه، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله ( قل لا تقسموا) ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهى عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحاً . أما قوله (طاعة معروفة ) فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أى المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة ، أو مبتدأ خبره محذوف أى طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه ، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها. وقرأ اليزيدى ( طاعة معروفة) بالنصب على معنى أطيعوا طاعة الله ( إن الله خبير بما تعملون) أى بصير لا يخفى عليه شىء من سرائركم، وإنه فاضحكم لامحالة ومجازيكم على نفاقكم. أما قوله ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) ، فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ فى تبكيتهم (فان تولوا) يعنى إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة ( وعليكم ما حملتم) من الطاعة (وإن تطيعوه تهتدوا) أى تصيبوا الحق، وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين، والبلاغ بمعنى التبليغ، والمبين الواضح، والموضح لما بكم إليه الحاجة، وعن نافع أنه قرأ ( فانما عليه ماحمل ) بفتح الحاء والتخفيف أى فعليه إثم ماحمل من المعصية . قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدوننى لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ٢٤ قوله تعالى : ليستخلفنهم في الأرض. سورةالنور. أعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون ، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أى الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم فى الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم فى زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما ، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم وبأمنوا بذلك شرهم ، فيعبدونى آمنين لا يشركون فى شيئاً ولا يخافون (فمن كفر) أى من بعد هذا الوعد وارتد (فأولئك هم الفاسقون). واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فانشر إلى معاقدها: ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم) يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس ، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لابد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم . ﴿المسألة الثانية) الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، فانه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الإستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شىء فى المستقبل إخباراً على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم . المسألة الثالثة) الآية تدل على أنه سبحانه حى قادر على جميع الممكنات لأنه قال (ليستخلفهم فى الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً) وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات . المسألة الرابعة) الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال يعبدوتى ، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل اللّه تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكى يعبدونى وقالوا أيضاً الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأن من فعل فعلا لغرض فلا بد وأن يكون مريداً لذلك الغرض. المسألة الخامسة ﴾ دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله ( لا يشركون بى شيئاً ) وذلك يدل على نفى الإله الثانى، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير اللّه تعالى سواء كان كوكباً كما تقوله الصابئة أو صنما كما تقوله عبدة الأوثان . المسألة السادسة﴾ دلت الآية على صحة نبوة محمد لتم لأنه أخبر عن الغيب فى قوله (ميكستخلفتهم فى الأرض وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً) وقد وجد هذا الخبر موافقاً للخبر ومثل هذا الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم . المسألة السابعة﴾ دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافاً للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الايمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه. ٢٥ قوله تعالى : كما استخلف الذين من قبلهم. سورة النور. ﴿ المسألة الثامنة » دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين فى زمان محمد منير اله وهو المراد بقوله ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضى وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً ، ومعلوم أن المرادبهذا الوعد بعدالرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لانبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الامامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذى هذا وصفه إنما كان فى أيام أبى بكر وعمر وعثمان لأن فى أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل ذلك فى أيام على رضى الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغالة بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلاقة هؤلاء ، فان قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضى حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحاً ولم يكن الأمر كذلك. نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله (ليستخلفنهم) هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة اللّه تعالى ومما يدل عليه قوله (كما استخلف الذين من قبلهم) واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الامامة فوجب أن يكون الأمر فى حقهم أيضاً كذلك. نزلنا عنه، لكن ههنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول اللّه لأن من مذهبكم، أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً وروى عن على عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول اللّه. نزلنا عنه. لكن لم لا يجوز أن يكون المرادمنه علياً عليه السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر ) وقال فى حق على عليه السلام (والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) نزلنا عنه، ولكن تحمله على الأئمة الإثنى عشر ( والجواب) عن الأول. أن كلمة من للتبعيض فقوله ( منكم) يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم (وعن الثانى) أن الاستخلاف بالمعنى الذى ذكر تموه حاصل لجميع الخلق فالمذكور ههنا فى معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايراً له . وأما قوله تعالى (كما استخلف الذين من قبلهم) فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الامامة والخلافة حاصلة فى الصورتين (وعن الثالث) أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع فى هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا فى أبى بكر يا خليفة رسول اللّه، فالذى قيل إنه عليه السلام لم يستخلف: أريد به على ربه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمن (وعن الرابع) أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل (وعن الخامس ) أنه باطل لوجهين (أحدهما ) قوله تعالى ( منكم) يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين (الثانى) أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ فى العالم ولم يوجد ذلك فيهم فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة ٢٦ قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. سورة النور. وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ (٥٩) لَأَحْسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَأْوَثُمُ النَّارُ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ (ُ الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبى بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوارج الطاعنين على عثمان وعلى، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله ( ليستخلفنهم ) فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون فى ليستخلفنهم ، قلنا هو محذوف تقديره وعدهم الله ليستلخفنهم أو نزل وعد الله فى تحققه منزلة القسم فتاقى بما يتاقى به القسم كأنه قال أقسم أنته ليستخلفنهم . أما قوله (كما استخلف الذين من قبلهم) يعنى كما استخلف هرون ويوشع وداود وسليمان. وتقدير النظم ليستخلفهم استخلافاً كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقرى. كما استخلف بضم التاء وكسر اللام، وقرى. بالفتح. أما قوله تعالى ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذى ارتضى لهم وهو الاسلام، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب (وليبدلنهم) من الابدال بالتخفيف والباقون بالتشديد، وقد ذكرنا الفرق بينهما فى قوله تعالى (بدلناهم جلوداً غيرها ) . أما قوله ( يعبدونى لا يشركون بي شيئاً) ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة اللّه تعالى إلى الشرك. وقال الزجاج يجوز أن يكون فى موضع الحال على معنى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) فى حال عبادتهم وإخلاصهم الله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم . أما قوله ( ومن كفر بعد ذلك) أى جحد حق هذه النعم ( فأولئك هم الفاسقون ) أى العاصون قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون، لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير﴾. أما تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة . ولَفظة لعل ولفظة الرحمة، فالكل قد تقدم مراراً، وأما قوله (لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض) فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقبن فائقين حتى يعجزوننى عن إدراكهم. وقرىء لا يحسبن بالياء المعجمة من تحتها، وفيه أوجه (أحدها ) أن يكون معجزين فى الأرض هما المفعولان ، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت. سورة النور. ٢٧ ر يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لِيَسْتَعْذِنكُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيَْنُكُمْ وَالَّذِينَ لَّمْ يَبْلُغُواْ الْحُلمَ مِنْكُمْ ثَلَثَ مَرٍَّ مِّنْ قَبْلِ صَلَةِ الْفَجْرِ وَمِينَ تَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَآءِ ثَلَثُ عَوْرَتِ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَيْهِمْ جُنٌَ بَعْدَهُنَّ ◌َّقُونَ عَيْكُ بَعْضُكُمْ عَى بَعْضٍ كَلِكَ يُبَّنُ اللّهُلَهُ الْآَتِ وَاللهُ عَلِيمُ حَكِيمٌ (٨﴾ وَإِذَا بَلَغَ اَلْأَطْفَالُ مِنْكُرُ الْخُلُمَ فَلْيَسْتَعْذِنُوْلَا أَسْتَعْدَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُلَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ وَالْقَوَّعُ مِنَ الْنِسَآءِ أَِّ لَا يَرْجُونَ نِكَامًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ ◌ِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَهُنُّ وَاللّهُ سَمِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أحداً يعجز الله فى الأرض حتى يطمعوا هم فى مثل ذلك ( وثانيها) أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره فى قوله (وأطيعوا الرسول) والمعنى لا يحسبن الذين كفروا معجزين (وثالثها) أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذى هو المفعول الأول . وأما قوله ( ومأواهم النار ولبئس المصير ) فقال صاحب [الكشاف]: النظم لا يحتمل أن يكون متصلابقوله (لا تحسبن) لأن ذلك نفى. وهذا إيجاب، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض بل هم مقهودون ومأواهم النار . قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم، وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنواكما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله الكم آياته والله عليم حكيم، والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاخاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ﴾ ٢٨ قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم. سورة النور. اعلم أن فى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال القاضى: قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذتكم الذين ملكت أيمانكم ) وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم) الكل ويبين ذلك قوله تعالى (الذين ملكت أيمانكم) لأن ذلك يقال فى الرجال والنساء والأولى عندى أن الحكم ثابت فى النساء بقياس جلى، وذلك لأن النساء فى باب حفظ العورة أشد حالا من الرجال ، فهذا الحكم لما ثبت فى الرجال فثبوته فى النساء بطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلى على حرمة التأفيف . المسألة الثانية) ظاهر قوله (الذين ملكت أيمانكم) يدخل فيه البالغون والصغار، وحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن المراد الصغار، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه ، قال ابن المسيب : لا يغرنكم قوله ( وما ملكت أيمانكم) لا ينبغى للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشىء من محاسنها ، وقال الآخرون: بل البالغ من الماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله ، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله ( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ) فانه أباح لهم إلا فى الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالى عليهم بقوله تعالى (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم) أى يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة ، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجرى على سنة من قبلهم من البالغين فى الاستئذان فى سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله ( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ). المسألة الثالثة) قوله ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمراً لهم فى الحقيقة، وإن أريد الذين لم يبلغوا الحلم لم يجز أن يكون أمراً لهم، ويجب أن يكون أمراً لنا بأن أمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبى، وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان فى الظاهر متوجهاً عليهم إلا أنه يكون فى الحقيقة متوجهاً على المولى كقولك للرجل: ليخفك أهلك وولدك، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده . المسألة الرابعة﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائماً فى البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب ٢٩ قوله تعالى : والذين لم يبلغوا الحلم. سورة النور وقاممنخلفه وحر که فلم يستيقظ فقال الغلام أللهم أيقظه لی ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شىء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن اللهنهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا فى هذه الساعات إلا باذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فوجده قد نزل عليه ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) حمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام وما ذاك ياعمر؟ فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه، وقال: إن الله يحب الحليم الحى العفيف المتعفف ، ويبغض البذيء الجرى. السائل الملحف)) فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. وقال بعضهم : نزلت فى أسماء بنت أبى مرئد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان فى لحاف واحد ، وقيل دخل عليها غلام لها كبير فى وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا فى حال نكرهها فنزلت الآية. ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال ابن عمر ومجاهد قوله ( ليستأذنكم) عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله (الذين ملكت أيمانكم) صيغة الذكور لا صيغة الإناث، وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى فى الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار ، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم فى النساء، لأن الانسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت فى النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه. ﴿ المسألة السادسة) من العلماء من قال الأمر فى قوله ( ليستأذنكم) على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى ، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب. أما قوله تعالى ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن عمر الحلم بالسكون. ﴿ المسألة الثانية ﴾ اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ. واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغاً حتى يبلغ ثمانى عشرة سنة ويستكملها وفى الجارية سبع عشرة سنة، وقال الشافعى وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله فى الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازى قوله تعالى (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بأنها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم)) ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها ، فان قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضاً بثمانى عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة فى البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنياً على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه، وقد وجدنا من بلغ فى اثنتى عشرة سنة ، وقد بينا أن الزيادة على ٣٠ قوله تعالى : والذين لم يبلغوا الحلم. سورة النور المعتاد جائرة كالنقصان منه جعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان . وهى ثلاث سنين ، وقد حكى عن أبى حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام، وهو محمول على استكمال ثمانى عشرة سنة والدخول فى التاسعة عشرة. حجة الشافعى رحمه الله ماروى ابن عمر أنه عرض على النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازى عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحداً كان فى سنة ثلاث والخندق فى سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فان الأجازة فى القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته واطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن . ﴿ البحث الثانى) اختلفوا فى الانبات هل يكون بلوغا. فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغاً والشافعى رحمه اللّه جعله بلوغا، قال أبو بكر الرازى رحمه الله ظاهر قوله ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ينفى أن يكون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا وكذلك قوله عليه السلام وعن الصبي حتى يحتلم حجة الشافعى رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقانى قال أبو بكر الرازى هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه: (أحدها ) أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لاسيما مع اعتراضه على الآية، والخبر فى نفى البلوغ إلا بالاحتلام ( وثانيها ) أنه مختلف الألفاظ ففى بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفى بعضها من أخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذى ذكرنا من السن وهى ثمانى عشرة سنة فأكثر ( وثالثها ) أن الانبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذلك لا البلوغ، قال الشافعى رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روى أن عثمان بن عفان رضى الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفقُّ عليه فيما بين الصحابة . ﴿ البحث الثالث﴾ ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا فى البلوغ أن يبلغ الانسان فى طوله خمسة أشبار ، روى عن على عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ، وعن ابن سيرين عن أنس قال أنى أبوبكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أملة خلى عنه ، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق فى قوله : ما زال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلا ، وفوق البلوغ ویکون قصيراً فلا عبرة به . ٣١ قوله تعالى : ثلاث عورات لكم. سورة النور. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو بكر الرازى دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان فى هذه الأوقات ، وقال عليه السلام ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)) وعن ابن عمر رضى الله عنه قال نعلم الصبى الصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال هذا خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رضى الله عنه إذا بلغ الصبى عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم، ثم قال أبو بكر الرازى إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده وبتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير، وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه فى الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) قيل فى التفسير أدبوهم وعدوهم. المسألة الرابعة﴾ قال الأخفش: يقال فى الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، يحلم حلاً بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام، يحلم حلماً بكسر اللام. أما قوله تعالى ( ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ) ففيه مسائل : المسألة الأولى) قوله (ثلاث مرات) يعنى ثلاث أوقات ، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات ، لأنه أراد مرة فى كل وقت من هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا فى كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة، ثم بين الأوقات فقال: من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، يعنى الغالب فى هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجرداً عن الثياب مكشوف العورة . ﴿ المسألة الثانية﴾. قوله ( ثلاث عورات) قرأ أهل الكوفة: ثلاث بالنصب على البدل من قوله ( ثلاث مرات) وكأنه قال فى أوقات ثلاث عورات لكم، فلما حذف المضافي أعرب المضاف إليه إعرابه وقراءة الباقين بالرفع ، أى هى ثلاث عورات فارتفع لا نه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف . المسألة الثالثة ) العورة الخلل ومنه أعور الفارس واعور المكان والأعور المختل العين ، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها. ﴿ المسألة الرابعة) الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل فى الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة فى هذه الأوقات الثلاثة من وجهين (أحدهما ) بقوله تعالى ( ثلاث عورات لكم) (والثانى) بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف فى هذه الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها. وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات . ٣٢ قوله تعالى : ليس عليكم ولا عليهم جناح. سورة النور. المسألة الخامسة) من الناس من قال إن قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) فهذا يدل على أن الاستئذان واجب فى كل حال، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية فى غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن، وما ذكره الله تعالى فى هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن فى بعض الأحوال لا يدخل إلا بأذن ، وفى بعضها بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى (الذين ملكت أيمانكم) يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا يجب ذلك أيضاً ، لأن قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة، وإذا صح ذلك لم يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب الفخ أيضاً على هذا القول ، فأما إن حمل الكلام على صغار الماليك فالقول فيه أبين . المسألة السادسة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية وقوله ( يا أيها الناس إنا خلقنا لم من ذكر وأنثى) وذكر سعيد بن جبيرأن الآية الثالثة قوله (وإذا حضر القسمة أولو القربى ) الآية . أما قوله تعالى ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض)، ففيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول) أتقولون فى قوله ( ليس عليكم ولا عليهم جناح) أنه يقتضى الإباحة على كل حال ؟ ( الجواب ) قد بينا أن ذلك هو فى الصغار خاصة ، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الاذن فى غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً . ﴿ السؤال الثانى) فهل يقتضى ذلك إباحة كشف العورة لهم؟ (الجواب) لا، وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة فى غير تلك الأوقات، فتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها، فإن كان الخادم من يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من الماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال: وفيه ما يختلف حاله بالاضافة فيكون عورة مع الأجنبى غير عورة مع غيره على ما تقدم ذكره . ﴿ السؤال الثالث ) أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم؟ (الجواب ) نعم ٣٣ قوله تعالى : والقواعد من النساء اللاتي .. سورة النور. وفى قوله ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) دلالة على أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره، وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال ( وإذا بلغ الأطفال منتكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه فى وجوب الاستئذان ، فهذا معنى قوله (كما استأذن الذين من قبلهم) وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم فى حال الصغر، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان، فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن . ﴿ السؤال الرابع) الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك، ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوى الرحم؟ والأجنبى أيضاً لو كان المملوك من ذوى الرحم هل يجب عليه الاستثدان؟ ( الجواب) أما الصورة الأولى فنعم، إما لعموم قوله تعالى ( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) أو بالقياس على المملوك، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية . ﴿ السؤال الخامس) ما محل ليس عليكم؟ (الجواب) إذا رفعت ثلاث عورات كان ذلك فى محل الرفع على الوصف ، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالإستئذان ، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالإستئذان فى تلك الأحوال خاصة. ﴿ السؤال السادس) ما معنى قوله (طوافون عليكم)؟ (الجواب) قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك فى الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد، وأصله من الطواف ، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن . ﴿ السؤال السابع) بم ارتفع بعضكم؟ (الجواب) بالإبتداء وخبره على بعض على معنى طائف على بعض ، وإنما حذف لأن طوافون يدل عليه. أما قوله (والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحاً) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن السكيت: امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد، وإذا أردت القعود قلت قاعدة ، وقال المفسرون: القواعد هن اللواتى قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن فى الأزواج، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية ، فالمراد قعودهن عن حال الزوج، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن فى السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال . ﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى فى النساء (لا يرجون) كقوله ( إلا أن يعفون). المسألة الثالثة ﴾ لا شبهة أنه تعالى لم يأذن فى أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة ، فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والبرد والقناع الذى فوق الخمار، وروى الفخر الرازي - ج ٢٤ م ٣ ٣٤ قوله تعالى : ليس على الاعمى حرج. سورة النور تَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ خَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَن تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَبَبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ إِنْخَوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَرَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَسِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ عَِّكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَ لِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَكِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْثُ مَّفَائِهَهُ أَوْ صَدِيقِكٌ لَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاُ أَنْ تَأْكُواْ جَميعًا أَوْ أَشْتَامًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًّا فَسَلِمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَّةُ مِنْ عِندِ اللّهِ مُبَرَكَةً طَيَِّةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيْتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ◌َ عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ أن يضعن جلابيهن وعن السدى عن شيوخه أن يضعن خمرهن رءوسهن وعن بعضهم أنه قرأ أن يضعن من ثيابهن ، وإنما خصهن اللّه تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن ، وقد بلغن هذا المبلغ فاو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب. ولذلك قال (وأن يستعففن خيران) وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضى أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله فى الشابة. المسألة الرابعة﴾ حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب اخفاؤه من قولهم سفينة بارج لاغطاء عليها، والتبرج سعة العين التى يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لأيغيب منه شىء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها . قوله تعالى ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت أخوانكم أو بيوت إخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) اعلم أن فى الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال ٣٥ قوله تعالى : ليس على الاعمى حرج. سورة النور أن زيد المراد أنه لاحرج عليهم ولا إثم فى ترك الجهاد ، وقال الحسن نزلت الآية فى ابن أم مكتوم وضع اللّه الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله (أن تأكلوا) فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج فى ذلك، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفى هذه المنازل ، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله، واختلفوا فى أنهم لأى سبب اعتقدوا ذلك الحظر، أما فى حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح. قال الفراء: فعلى هذا التأويل تكون على بمعنى فى يعنى ليس عليكم فى مواكلة هؤلاء حرج ( وثانيها) أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء: أما الأعمى فقال إنى لا أرى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الأرداً، وأما الأعرج والمريض خاف أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعترى المرضى، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير، وذلك ما يكرهه ذلك الغير . فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء ، فالله تعالى أطلق لهم فى ذلك ( وثالثها) روى الزهرى عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله فى هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسدون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا بما فى بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لاندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضى الله عنها فعلى هذا معنى الآيه نفى الحرج عن الزمنى فى أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو ( ورابعها) نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية فى الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول اللّه ◌ُ لّ غازياً وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، وأما فى حق سائر الناس فذكروا وجهين (الأول ) كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوى العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطمعونهم منها، فلما نزل قوله تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة) أى بيعاً فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية ( الثانى ) قال قتادة : كانت الأنصار قى أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا ، قال السدى كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشىء من الطعام فيتحرج، لأنه ليس ثم رب البيت. فأنزل الله تعالى هذه الرخصة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج الحرج فى اللغة الضيق ومعناه فى الدين الإثم. المسألة الثالثة) أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على ٣٦ قوله تعالى : ولا على انفسكم انْ تأكلوا. سورة النور. أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يحمل، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه (الأول) كان ذلك فى صدر الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) ومما يدل على هذا النسخ قوله ( لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) وكان فى أزواج النبي عَ لِّ من لهن الآباء والإخوة والأخوات، فعم بالنهى عن دخول بيوتهن إلا بعد الإذن فى الدخول وفى الأكل ، فإن قيل إنما أذن تعالى فى هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا، جاز أن يرخص فى ذلك، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم فى ذلك ( الثانى) قال أبو مسلم الأصفهانى: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) ثم إنه سبحانه أباح فى هذه الآية ما حظره هناك، قال ويدل عليه أن فى هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال ( حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) وفى بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم ، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة فى الجملة، لا إثبات الإباحة فى جميع الأوقات (الثالث) أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالاذن فى ذلك ، فيجوز أن يقال خصهم اللّه بالذكر، لأن هذه العادة فى الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الاباحة إنما حصلت فى هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى القول بالنسخ . المسألة الرابعة) أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعاً فى هذه الآية ( أولها) قوله (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) وفيه سؤال وهو أن يقال أى فائدة فى إباحة أ كل الإنسان طعامه فى بيته؟ وجوابه المراد فى بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم ، لأن بيت المرأة كبيت الزوج، وهذا قول الفراء. وقال ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كما له، قال عليه السلام ((إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)) والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذى هو أقرب منهم أولى ( وثانيها) بيوت الآباء ( وثالثها ) بيوت الأمهات ( ورابعها) بيوت الاخران ( وخامسها ) بيوت الأخوات (وسادسها) بيوت الأعمام (وسابعها) بيوت العمات ( وثامنها) بيوت الأخوال (وتاسعها) بيوت الخالات (وعاشرها) قوله تعالى (أو ما ملكتم مفاتحه) وقرى مفتاحه وفيه وجوه (الأول ) قال ابن عباس رضى الله عنهما: وكيل الرجل وقيمه فى ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ٣٧ قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً. سورة النور. ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، وملك المفاتح كونها فى يده وفى حفظه ( الثانى) قال الضحاك: يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة (الثالث) المراد بيوت الماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم ، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر (الحادى عشر) قوله (أو صديقكم) والمعنى أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعد(١) ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الصديق أكثر من الوالدين، لأن أهل جهنم لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم ، وحكى أن أخاً للربيع بن خيثم فى اللّه دخل منزله فى حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل ، فلما عاد أخبرته بذلك ، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة . المسألة الخامسة﴾ احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، على أن من سرق من ذى رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة اللّه تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم ، فلا يكون ماله محرزاً منهم ، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له . أما قوله تعالى ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) فقال أكثر المفسرين: نزلت الآية فى بنى ليث بن عمرو وهم حى من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ، هذا قول ابن عباس رضى اللّه عنهما، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله: كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين. وقال الكلى: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعامة على حدة، وكذلك للزمن والمريض، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب، وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى، فبين اللّه تعالى أنه غير واجب وقوله (جميعاً) نصب على الحال (وأشتاتاً) جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع. أما قوله تعالى (فإذا دخلنم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ) فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ) قال ابن عباس: فان لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا. قال قتادة: وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. قال القفال: وإن كان فى البيت أهل الذمة (١): فى القاموس : العد من القوم من يعد فيهم. ٣٨ قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله. سورة النور. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَ إِذَا كَانُوْ مَعَهُ, عَ أَمْرٍ جَامِيعَ لَّمْ يَذْهَبُوْ حَتَّى يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا أَسْتَعْدَنُوَ لِبَعْضِ شَأْتِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ الَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ لَّا تَجْعَلُوْ دُعَ الَّسُولِ بَيْنَكُمْ كُّعَاءِبَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلُ اللهُالَّذِينَ يَسَلُّونَ مِنْكُمْلِوَذًا فَلْيَحْدَرِ الَّذِينَ يُحَلِمُونَ عَنْ أَمْرِةِ أَنْتُصِيَهُمْ فِتَةٌ أَوْ يُصِيِّهُمْ ٠٠٠٠٠٠٠١٤٠ عَذَابٌ أَلِيُ ◌ّ أَ إِنَّ ◌َِِّمَا فِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَِّثُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( ٦٤ فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله تحية نصب على المصدر، كأنه قال: فيوا تحية من عند الله، أى مما أمركم الله به. قال ابن عباس رضى الله عنهما: من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله (مباركة طيبة) قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب. وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره (كذلك يبين الله الكم الآيات) أى يفصل اللّه شرائعه لكم (لعلكم تعقلون) لتفهمواعن الله أمره ونهيه، وروى حميد عن أنس قال «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لى فى شىء فعلته لم فعلته ولا قال لى فى شىء تركته لم تركته ، وكنت واقفاً على رأس النبى صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلى وقال ن ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن ؟ قلت بأبى وأمى أنت يا رسول اللّه بلى، فقال من لقيت من أمتى فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيناً فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين)). قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستاذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، ألا إن لله ما فى السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبتهم بما عملوا واللّه بكل شيء عليم) وفى الآية مسائل: ٣٩ قوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم. سورة النور المسألة الأولى) قرى على أمر جميع ثم ذكروا فى قوله على أمر جامع وجوهاً (أحدها) أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور فى خطب مهم أو الأمر الذى يعم ضرره ونفعه وفى قوله ( إذا كانوا معه على أمر جامع) إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم فى هذه الحالة بما يشق على قلبه (وثانيها) عن الضحاك فى أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شىء تكون فيه الخطبة (وثالثها) عن مجاهد فى الحرب وغيره. ﴿ المسألة الثانية) اختلفوا فى سبب نزوله قال الكلبى كان صلى الله عليه وسلم يعرض فى خطبته بالمنافقين ويعيهم فينظر المنافقون يميناً وشمالا فاذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا؛ وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً ، فيزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. المسألة الثالثة﴾ قال الجبائى هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملى الإيمان وإن تركوا الاستئذان ، وذلك يدل على أن كل فرض الله تعالى واجتناب محرم من الايمان ( والجواب) هذا بناء على أن كلمة إنما للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع فى أنه كفر . أما قوله تعالى ( إن الذين يستأذنونك) إلى قوله (إن الله غفور رحيم) ففيه مسائل: [ المسألة الأولى ﴾ (إن الذين يستأذنونك) المعنى تعظيمالك ورعاية للأدب (أولئك هم الذين يؤمنون بالله ورسوله ) أى يعملون بموجب الايمان ومقتضاه ، قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وذلك لأنه استأذن فى غزوة تبوك فى الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فو الله ما نراه يعدل، وقال ابن عباس رضى الله عنهما إن عمر استأذن رسول اللّه مؤ تم فى العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، وفى قوله ( واستغفر لهم الله) وجهان: (أحدهما ) أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص ( الثانى ) يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى فى الاستئذان. المسألة الثانية﴾ قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى (لم أذنت لهم). المسألة الثالثة ) الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه. أما قوله تعالى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعا. بعضكم بعضاً) ففيه وجوه: (أحدها) وهو اختيار المبرد والقفال، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذكان ١ ٤٠ قوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره. سورة النور. أمره فرضاً لازماً ، والذى يدل على هذا قوله عقيب هذا ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ( وثانيها) لا تنادوه كما ينادى بعضكم بعضاً، يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله يا نى الله، عن سعيد بن جبير ( وثالثها) لا ترفعوا أصواتكم فى دعائه وهو المراد من قوله ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) عن ابن عباس (ورابعها) احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطةموه فان دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية . أما قوله تعالى ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً) فالمعنى يتسللون قليلا قليلا، ونظير تسلل تدرج وتدخل ، واللواذ الملاوذة وهى أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعنى يتسللون عن الجماعة على سبيل الخفية واستنار بعضهم ببعض ، ولواذاً حال أى ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذى لم يؤذن له معه ، وقرى. لواذاً بالفتح ثم اختلفوا على وجوه : (أحدها) قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبى مؤلفه يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان ( وثانيها) قال مجاهد يتسللون من الصف فى القتال (وثالثها ) قال ابن قتيبة هذا كان فى حفر الخندق (ورابعها) يتسللون عن رسول اللّه بو يتم وعن كتابه وعن ذكره، وقوله (قد يعلم الله) معناه التهديد بالمجازاة. أما قوله ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الأخفش عن صلة والمعنى (يخالفون أمره) وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت عن لتضمين المخالفة معنى الاعراض. ﴿ المسألة الثانية) كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية ، وقال أبو بكر الرازى الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها . ﴿ المسألة الثالثة) الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلاذلك، إنما قلنا إن تارك المأموربه مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضدالموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب ، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب ، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أوأمر رسوله قد وجد فى حقه ما يقتضى نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه ، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه ؟ ثم