النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
قوله تعالى : ولولا إذ سمعتموه قلتم. سورة النور.
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا يُمْتَنُ
عَظِيمٌ (3)
(الثالث) الواجب على المكلف فى كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه، إذ لا يأمن أنه من الكبائر،
وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .
﴿ النوع الخامس) قوله تعالى ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن تتكلم بهذا، سبحانك
هذا بهتان عظيم ﴾.
وهذا من باب الآداب، أى هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. وإنما وجب عليهم
الإمتناع منه لوجوه: (أحدها) أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين،
ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين
لها، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز (وثانيها)
وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى ( إن الذين يؤذون الله ورسوله اعنهم
الله فى الدنيا والآخرة) (وثالثها) أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير
سبب عرف إقدامهم عليه ، ولا جناية عرف صدورها منهم ، وذلك حرام (ورابعها) أنه إقدام على
ما يجوز أن يكون سباً للضرر مع الاستغناء عنه، والعقل يقتضى التباعد عنه لأن القاذف بتقدير
كونه صادقاً لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة ، وبتقدير كونه
كاذباً فإنه يستحق العقاب العظيم، ومثل ذلك مما يقتضى صريح العقل الاحتراز عنه (وخامسها)
أنه تضييع الوقت بما لا فائدة فيه، وقال عليه الصلاة والسلام ((من حسن إسلام المرء تركه
ما لا يعنيه)) (وسادسها) أن فى إظهار محاسن الناس وستر مقابجهم تخلقاً بأخلاق اللّه تعالى، وقال
عليه السلام ((تخلقوا بأخلاق اللّه)) فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت
عنه وأن يجتهد فى الاحترازعن الوقوع فيه ،فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف؟
قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به .
أما قوله ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) ففيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول ) كيف يليق سبحانك بهذا الموضع؟ (الجواب) من وجوه: (الأول)
المرادمنه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل فى معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب
من صانعه ثم كثر حتى استعمل فى كل متعجب منه (الثانى) المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكونزوجة
نبيه فاجرة (الثالث ) أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين (الرابع) أنه منزه عن أن
لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة .
١٨٢
قوله تعالى: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً. سورة النور.
يَعِظُكُ اللهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلَِ أَبَدًا إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ (3) وَيُبَيِنُ اللهُ لَكُ
الْآَيَتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
﴿ السؤال الثانى) لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه
كذباً قطعاً؟ (والجواب) من وجهين (الأول) أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتاناً، لأن
زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة ( الثانى) أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب
كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذباً، ونظيره قوله ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون).
﴿ النوع السادس ) قوله تعالى ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين، ويبين
الله لكم الآيات والله عليم حكيم)
وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم اللّه بهذه المواعظ التى بها تعرفون عظم هذا الذنب
وأن فيه الحد والنكال فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، لكى لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدا
وأبدهم ماداموا أحياء مكلفين، وقد دخل تحت ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر، لأن حالهما سواء
فى أن فعلا ما لا يجوز وإن كان من أقدم عليه أعظم ذنباً ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه
الطريقة أن لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ استدلت المعتزلة بقوله (إن كنتم مؤمنين) على أن ترك القذف من
الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان، لأن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط
(والجواب) هذا معارض بقوله ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) أى منكم أيها المؤمنون
فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على
التهييج فى الإنعاظ والإنزجار .
﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه مجانبه
مثل ذلك فى المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم
الطاعة وإن عصوا، لأن قوله ( يعظكم الله أن تعودوا) معناه لكى لا تعودوا لمثله وذلك دلالة
الارادة ( والجواب) عنه قد تقدم مراراً.
﴿ المسألة الثالثة) هل يجوز أن يسمى اللّه تعالى واعظاً لقوله (يعظكم اللّه أن تعودوا)؟
الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معدماً لقوله ( الرحمن علم القرآن).
أما قوله تعالى ( ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) فالمراد من الآيات مابه يعرف المرء
ما ينبغى أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليما حكيما يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع
لأجل ذلك، لأن من لا يكون عالماً لا يجب قبول تكليفه، لأنه قد بأمر بما لا ينبغى، ولأن
١٨٣
قوله تعالى : إن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة. سورة النور.
إِنَّ أَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِعَ الْفَائِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُمْ فِ الدُّنْيَ
وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَثُمْ لَتَعْلُونَ (
المكلف إذا أطاعه فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة، وأما من كان عالماً لكنه
لا يكون حكيما فقد يأمره بما لا ينبغى فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب المطيع وقد يثيب العاصى،
وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان عليما حكيما فإنه لا يأمر إلا بما ينبغى ولا يهمل جزاء
المستحقين ، فلهذا ذكرهاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وههنا سؤالات :
﴿ الأول) الحكيم هو الذى لا يأتى بما لا ينبغى، وإنما يكون كذلك لو كان عالماً بقبح
القبيح وعالماً بكونه غنياً عنه فيكون العليم داخلا فى الحكيم، فكان ذكر الحكيم مغنياً عنه . هذا
على قول المعتزلة ، وأما على قول أهل السنة والجماعة فالحكمة هى العلم فقط ، فذكر العليم الحكيم
يكون تكراراً محضاً (الجواب) يحمل ذلك على التأكيد.
﴿ السؤال الثانى) قالت المعتزلة دلت الآية على أنه إنما يجب قبول بيان اللّه تعالى لمجرد
كونه عالماً حكيما، والحكيم هو الذى لا يفعل القبائح فتدل الآية على أنه لو كان خالقاً للقبائح لما
جاز الاعتماد على وعده ووعيده ( والجواب) الحكيم عندنا هو العليم ، وإنما يجوز الاعتماد على
قوله لكونه عالماً بكل المعلومات ، فان الجاهل لا اعتماد على قوله البتة .
﴿السؤال الثالث) قالت المعتزلة قوله (يبين الله لكم) أى لأجلكم، وهذا يدل على أن أفعاله
معللة بالأغراض، ولأن قوله (لكم) لا يجوز حمله على ظاهره لأنه ليس الغرض نفس ذواتهم بل
الفرض حصول انتفاعهم وطاعتهم وإيمانهم، فدل هذا على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل
(.والجواب) المراد أنه سبحانه فعل بهم مالو فعله غيره لكان ذلك غرضاً .
﴿ النوع السابع ) قوله تعالى { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم
عذاب أليم فى الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون )
أعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الافك وما على من سمع منهم، وما ينبغى أن يتمسكوا به
من آداب الدين أتبعه بقوله ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ) ليعلم أن من أحب ذلك فقد
شارك فى هذا الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أن أهل الافك كما عليهم العقوبة فيما
أظهروه، فكذلك يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة فى المؤمنين ، وذلك يدل
على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم ، وههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ معنى الاشاعة الانتشار يقال فى هذا العقار سهم شائع إذا كان فى الجميع
ولم يكن منفصلا ، وشاع الحديث إذا ظهر فى العامة .
١٨٤
قوله تعالى : إن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة. سورة النور.
المسألة الثانية﴾ لاشك أن ظاهر قوله ( إن الذين يحبون) يفيد العموم ، أنه عادلى كل
من كان بهذه الصفة ، ولا شك أن هذه الآية نزلت فى قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها فى العموم ، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها
بقذفة عائشة قوله تعالى فى ( الذين آمنو١) فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك،
والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبد الله بن أبى ، لأنه هو الذى سعى فى إشاعة
الفاحشة قالوا معنى الآية ( إن الذين يحبون) والمراد عبد الله أن تشيع الفاحشة أى الزنا فى
الذين آمنوا أى فى عائشة وصفوان .
المسألة الثالثة) روى عن رسول الله بر يعلم أنه قال ((إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم
ضربًا يسمعه أهل النار، وهم الهازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم
ويشيعون فيهم من الفواحش ما ليس فيهم» وعنه عليه الصلاة والسلام ((لا يسترعبد مؤمن عورة
عبدمؤمن إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلماً صفقته أقال اللّه عثرته يوم القيامة ومن ستر عورته
ستر الله عورته يوم القيامة)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
والمهاجر من هجرمانهى الله عنه)) وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال ((من سره أن
يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه)) وعن أنس قال: قال عليه الصلاة والسلام
(( لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)).
المسألة الرابعة ) اختلفوا فى عذاب الدنيا، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم، وقال بعضهم
هو الحد واللعن والعداوة من اللّه والمؤمنين، ضرب رسول اللّه ◌َ لل عبد الله بن أبى وحان
ومسطح، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره، وقال الحسن عنى به المنافقين
لأنهم قصدوا أن يغموا رسول الله مرويتم ومن أراد غم رسول اللّه مد طل فهو كافر، وعذابهم فى الدنيا
هو ما كانوا يتعبون فيه وينفقون لمقاتلة أولياتهم مع أعدائهم، وقال أبو مسلم : الذين يحبون هم
المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب فى الدنيا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم
بالمجاهدة لقوله ( جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) والأقرب أن المراد بهذا العذاب
ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم. فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه فى القبر عذابه،
وفى القيامة عذاب النار .
أما قوله ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فهو حسن الموقع بهذا الموضع لأن محبة القلب كامنة
ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات ، أما اللّه سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار هذا الذكر نهاية فى
الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ فى إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك
منه وإن عليه سبحانه بذلك الذى أخفاه كعلمه بالذى أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه .
١٨٥
قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم. سورة النور.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَّحِيْمُ شْ
◌َأَيُّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ وَمَن يَّبِعْ خُطُوَّتِ
الشَّيْطَِ فَإِنَّهُ يَأْمُا بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّلَا وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ،
مَاذَكَى مِنْكُ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللّهَ يُزَكِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ
٢١
المسألة الخامسة ) الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم، وأن إرادة الفسق
فسق ، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة .
. قال الجبانى دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه فلا ثواب له
المسألة السادسة
من حيث استحق هذا العذاب الدائم، وذلك يمنع من استحقاق ضده الذى هو الثواب ، فمن هذا
الوجه تدل على ما نقوله فى الوعيد، واعلم أن حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه.
المسألة السابعة ﴾ قالت المعتزلة: إن الله تعالى بالغ فى ذم من أحب إشاعة الفاحشة ، فلو
كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب أن لا يستحق الذم
على إشاعة الفاحشة إلا هو ، لأنه هو الذى فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئاً منها، والكلام
عليه أيضاً قد تقدم.
المسألةَ الثامنة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: المصابة بالفجور لا تستنطق، لأن استنطاقها
إشاعة الفاحشة وذلك ممنوع منه .
﴿ النوع الثامن ﴾ قوله تعالى { ولولا فضل الله علیکم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم ﴾
وفيه وجوه (أحدها ) أن جوابه محذوف وكأنه قال لهلكتم أو لعذبكم الله واستأضلكم لكنه
رؤوف رحيم ، قال ابن عباس الخطاب لحسان ومسطح وحمنة ، ويجوز أن يكون الخطاب عاماً
(والثانى) جوابه فى قوله (مازكى منكم من أحد أبداً) ( والثالث ) جوابه لكانت الفاحشة تشيع
فتعظم المضرة وهو قول أبى مسلم، والأقرب أن جوابه محذوف لأن قوله من بعد ( ولولا فضل
الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد) كالمنفصل من الأول فلا يجب أن يكون جواباً للأول،
خصوصاً وقد وقع بين الكلامين كلام آخر ، والمراد أنه لولا إنعامه بأن بقى وأمهل ومكن من
التلافى لهلكوا ، لكنه لرأفته لا يدع ما هو للعبد أصلح وإن جنى على نفسه.
﴿ النوع التاسع ) قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع
خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من
أحد أبداً، ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم)
١٨٦
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا. سورة النور.
قرىْ خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو
خطواً ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول، والجمع يفتح أوله ويضم ، والمراد
بذلك السيرة والطريقة، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه فى الإصغاء إلى
الإفك والتلقى له وإشاعة الفاحشة فى الذين آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنین فهو نهى
لكل المكلفين وهو قوله ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) ومعلوم
أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على
اتباع خطواته بقوله ( ومن يتبع خطوات الشيطان ) وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه، ولو كان المراد
به الكفار لكانوا قد اتبعوه، فكانه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين
أيضاً، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا فى ترك المعصية، لئلا يكون حالهم مال أهل الإفك .
والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه.
أما قوله ( ولولا فضل "الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً) فقرأ يعقوب وابن
محيصن مازكى بالتشديد، واعلم أن الزكى من بلغ فى طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع،
فإذا بلغ المؤمن من الصلاح فى الدين إلى ما يزضاه الله تعالى سمى زكياً، ولا يقال زكى إلا إذا
وجد زكياً ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقاً ، بل يقال هداه الله فلم يهتد،
واحتج أصحابنا فى مسألة المخلوق بقوله ( ولكن الله يزكى من يشاء) فقالوا التزكية كالتسويد
والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء فى المحل ، قالت المعتزلة
ههنا تأويلان (أحدهما ) حمل التزكية على فعل الألطاف ( والثانى) حملها على الحكم يكون العبد
زكياً ، قال أصحابنا: الوجهان على خلاف الظاهر ، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضاً (أما
الوجه الأول ) فيدل على فساده وجوه (أحدها ) أن فعل اللطف هل يرجح الداعى أو لا يرجحه
فان لم يرجحه البتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفاً ، وإن رجحه فنقول المرجح لابد وأن يكون
منتهياً إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن
أو يجب ، فإن امتنع كان مانعاً لا داعياً، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم
من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعاً وأخرى غير واقع ،.فامتياز وقت الوقوع عن وقت
اللاوقوع، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أولا يتوقف ، فان توقف كان المرجح هو المجموع
الحاصل بعد انضمام هذا القيد، فلا يكون الحاصل أولا مرجحاً ، وإن لم يتوقف كان اختصاص
أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، وأما إن
اللطف مرجحاً موجباً كان فاعل اللطف فاعلا للملطوف فيه، فكان تعالى فاعلا لفعل العبد
.(الثانى) أنه تعالى قال ( ولكن الله يزنى من يشاء) علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف
واجب، والواجب لا يتعلق بالمشيئة (الثالث) أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق
١٨٧
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُرْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ وَالْمَسَلِكِينَ
وَالْمُهَنِ ينَ فِ سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْوَآلَهُ
ء
غَفُورٌ رَحِيم
الألطاف واجب فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة ( وأما الوجه الثانى) وهو الحكم بكونه زكياً
فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذباً والكذب على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه
بالمشيئة؟ فثبت أن قوله ( ولكن الله يزكى من يشاء ) نص فى الباب.
أما قول ( والله سميع عليم) فالمراد أنه يسمع أقوالكم فى القذف وأقوالكم فى إثبات البراءة،
عليم بما فى قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز
عن معصيته .
قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين
فى سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
اعلم أنه تعالی کما أدب أهل الافك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره، فكذلك أدب أبا بكر
لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبداً، قال المفسرون: نزلت الآية فى أبى بكر حيث حلف أن
لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبى بكر ، وقد كان يتيما فى حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ،
فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم منى ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم، فقال
مسطح أنشدك الله والاسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد، فما كان لنا فى
أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت ! فقال قد كان ذلك تعجباً من قول حصان
فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فان الله لم يجعل لكم عذراً ولا. فرجا، ثمخرجوا لايدرون
أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى
قد أنزل على كتاباً ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره، وقرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم) قال بلى يارب إنى أحب أن
يغفر لى، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت
ما أنزلى الله على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم، أما إذاعفا عنكم
فمرحباً بكم ، وجعل له مثلى ما كان له قبل ذلك اليوم، وههنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ ذكروا فى قوله ( ولا يأتل) وجهين (الأول) وهو المشهور أنه من
انتلى إذا حلف، افتعل من الآلية، والمعنى لايحلف، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين (أحدهما)
:
١٨٨
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضى المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف
على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفى مكان الإيجاب وجعل المنهى عنه مأموراً به؛
(وثانيهما) أنه قلما يوجد فى الكلام افتعلت مكان أفعلت ، وإنما يوجد مكان فعلت، وهنا آليت
من الآلية افتعلت . فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت، ثم قال
فى يأتل إن أصله يأتلى ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلاناً نصحاً، ولم آل
فى أمرى جهداً، أى ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحداً ، فالمراد لا تقصروا فى أن تحسنوا إليهم
ويوجد كثيراً افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت
وارقضيت ، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول، ويروى هذا التأويل أيضاً عن أبى عبيدة.
أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن لاتحذف فى اليمين كثيراً قال الله تعالى ( ولا تجعلوا الله
عرضة لأيمانكم أن تبروا) يعنى أن لا تبروا ، وقال امرؤ القيس :
ولو قطعوا رأسى إليك وأوصالى
فقلت يمين الله أبرح قاعداً
أى لا أبرح، وأجابوا عن السؤال الثانى، أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبى مسلم فسروا
اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة فى اللغة فكيف الكل ، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل .
المسألة الثانية ) أجمع المفسرون على أن المراد من قوله (أولوا الفضل) أبو بكر، وهذه
الآية تدل على أنه رضى الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الفضل
المذكور فى هذه الآية إما فى الدنيا وإما فى الدين، والأول باطل لأنه تعالى ذكره فى معرض المدح
له ، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله ( والسعة ) تكریراً
فتعين أن يكون المراد منه الفضل فى الدن ، فلو كان غيره مساویاً له فى الدرجات فی الدین لم يكن
هو صاحب الفضل لأن المساوى لا يكون فاضلا، فلما أثبت اللّه تعالى له الفضل مطلقاً غير مقيد
بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به فى حق الرسول صلى الله عليه
وسلم فيبقى معمولا به فى حق الغير، فان قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية
بأبى بكر ، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث على أن اختصاص هذه الآية بأبى بكر بالغ
إلى حد التواتر ، فلو جازمنعه لجاز منع كل متواتر ، وأيضاً فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل
الناس، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو على، فإذا بينا أنه ليس المراد علياً تعينت
الآية لأبى بكر ، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه علياً لوجهين (الأول) أن ما قبل هذه الآية وما
بعدها يتعلق بابنة أبى بكر فيكون حديث على فى البين سمجاً ( الثانى) أنه تعالى وصفه بأنه من
أولى السعة، وإن علياً لم يكن من أولى السعة فى الدنيا فى ذلك الوقت ، فثبت أن المراد منه أبو بكر
قطعاً ، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر فى هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه فى الدين
(أحدها ) أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه
١٨٩
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
كقوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر)، (إنا أعطيناك الكوثر) فانظر إلى الشخص الذى كناه الله
سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه! ( وثانيها) وصفه بأنه صاحب الفضل
على الاطلاق من غير تقیید لذلك بشخص دون شخص ، والفضل يدخل فيه الافضال، وذلك يدل
على أنه رضى الله عنه كما كان فاضلا على الاطلاق كان مفضلا على الاطلاق ( وثالثها) أن
الافضال إفادة ما ينبغى لالعوض، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلا لأنه أعطى مالا
ينبغى ، ومن أعطى ليستفيد منه عوضاً إما مالياً أو مدحا أو ثناء فهو مستفيض واللّه تعالى قدوصفه
بذلك فقال ( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه
ربه الأعلى) وقال فى حق على (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، إنا نخاف
من ربنا يوماً عبوساً قطريراً) فعلى أعطى للخوف من العقاب، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه
الأعلى، فدرجة أبى بكر أعلى فكانت عطيته فى الافضال أتم وأكمل ( ورابعها) أنه قال (أولوا
الفضل منكم) فكلمة من للتمييز، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولى الفضل ،
والصفة التى بها يقع الامتياز يستحيل حصولها فى الغير ، وإلا لما كانت مميزة له بعينه . فدل ذلك على
أن هذه الصفة خاصة فيه لا فى غيره البتة (وخامسها) أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته
وقوله (والسعة) على الاحسان إلى المسلمين، فكأنه كان مستجمعاً للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة
على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله ( إن الله
مع الذين اتقوا والذين ثم محسنون) ولأجل اقصافه بهاتين الصفتين قال له ( لا تحزن إن الله معنا)
(وسادسها) إنما يكون الانسان موصوفاً بالسعة لو كان جواداً بذولا، ولقد قال عليه الصلاة
والسلام (( خير الناس من ينفع الناس)) فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة، ولقد كان رضى
الله عنه جواداً بذولا فى كل شىء، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة
والزبير وسعد بن أبى وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا
على يده، وكان جوده فى التعليم والارشاد إلى الدين والبذل بالدنيا كما هو مشهور، فيحق له أن يوصف
بأنه من أهل السعة، وأيضاً فهب أن الناس اختلفوا فى أنه هل كان إسلامه قبل إسلام على أو بعده ،
ولكن اتفقوا على أن علياً حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وأن
أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالا بالدعوة إلى دين محمد، ولا شك أن أجل
المراتب فى الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو
أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها
إلى يوم القيامة)) فوجب أن يكون لأبى بكر مثل أجر كل من يدعو الى اللّه، فيدل على الأفضلية
من هذه الجهه أيضاً (وسابعها) أن الظلم من ذوى القربى أشد ، قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
١٩٠
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
وأيضاً فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا
صدرت الإساءة من الأجنبى، والجهتان كانتا مجتمعتين فى حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع
من الإيذاء الذى هو أعظم أنواع الايذاء، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر فى قلب أبى بكر ، ثم إنه
سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الاحسان، وذلك من أعظم
أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك
مجاهدة مع الكافرو مجاهدة النفس أشق ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((رجعنا من الجهاد الأصغر
إلى الجهاد الأكبر)) ( وثامنها) أن اللّه تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولى الفضل وأولى السعة
كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشىء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً،
فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الاساءة ، ومعلوم أن مثل
هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو فى الدين (وتاسعها) أن الألف واللام يفيدان العموم
فالألف واللام فى الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبى بكر كما يقال فلان هو
العالم يعنى قد بلغ فى الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم، وهذا وأيضاً منقبة عظيمة
(وعاشرها) قوله (وليعفوا وليصفحوا) وفيه وجوه ( منها ) أن العفو قرينة التقوى وكل من
کان أقوی فی العفو كان أقوی فی التقوى ، ومن کان کذلك كان أفضل لقوله تعالى ( إن أكرمكم
عند الله أتقاكم) (ومنها) أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه، أما التقوى
فلقوله تعالى ( وسيجنبها الأتقى ) وأما العفو فلقوله تعالى (وليعفوا وليصفحوا) (وحادى عاشرها)
أنه سبحانه قال لمحمد منير الي (فاعف عنهم واصفح) وقال فى حق أبى بكر (وليعفوا وليصفحوا)
فن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثانى اثنين لرسول اللّه مدير اله فى جميع الأخلاق حتى فى العفو
والصفح (وثانى عشرها) قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) فانه سبحانه ذكره بكناية الجمع على
سبيل التعظيم ، وأيضاً فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط
منه وجب ترتيب الجزاء عليه، ثم قوله ( يغفر الله لكم) بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشى.
دون شىء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له فى مستقبل عمره على الاطلاق فكان من هذا
الوجه ثانى اثنين للرسول بِ القيم فى قوله ( ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ودليلا على صمة
إمامته رضى الله عنه فاذ إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفوراً له على الاطلاق ودليلا
على صحة ما ذكره الرسول ويتم فى خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر فى الجنة ( وثالث عشرها) أنه
سبحانه وتعالى لما قال ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وصف نفسه بكونه غفوراً رحيما، والغفور
مبالغة فى الغفران فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدال على التعظيم، وعظم نفسه سبحانه حيث
وصفه بمبالغة الغفران، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة الصادرة منه لأجله لابد
وأن تكون في غاية التعظيم، ولهذا قلنا بأنه سبحانه لما قال (إنا أعطيناك الكوثر) وجب أن تكون
١٩١
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
العطية عظيمة ، فدلت الآية على أن أبا بكر ثانى اثنين للرسول رقم فى هذه المنقبة أيضاً (ورابع عشرها)
أنه سبحانه لما وصفه بأنه أولوا الفضل والسعة على سبيل المدح وجب أن يقال إنه كان خالياً عن
المعصية ، لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يجوز أن يكون من أهل النار، ولو كان عاصياً لكان كذلك
لقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها) وإذا ثبت أنه كان
خاليا عن المعاصى فقوله ( يغفر الله لكم) لا يجوز أن يكون المراد غفران معصية لأن المعضية
التى لا تكون . لا يمكن غفرانها وإذا ثبت أنه لا يمكن حمل الآية على ذلك وجب حملها على وجه.
آخر ، فكأنه سبحانه قال والله أعلم (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) لأجل تعظيمكم هؤلاء القذفة
العصاة ، فيرجع حاصل الآية إلى أنه سبحانه قال يا أبابكر إن قبلت هؤلاء العصاة فأنا أيضاً أقبلهم
وإن رددتهم ، فأنا أيضاً أردهم فكأنه سبحانه أعطاه مرتبة الشفاعة فى الدنيا ، فهذا ما حضر نافى هذه
الآية والله أعلم (فان قيل) هذه الآية تقدح فى فضيلة أبى بكر من وجه آخر وذلك لأنه نهاه عن
هذا الحلف فدل على صدور المعصية منه (قلنا الجواب) عنه من وجوه (أحدها ) أن النهى لا يدل
على وقوعه ، قال الله تعالى لمحمد ◌َّ (ولا تطع الكافرين والمنافقين) ولم يدل ذلك على أنه عليه
الصلاة والسلام أطاعهم بل دلت الأخبار الظاهرة على صدور هذا الحلف منه ، ولكن على هذا
التقدير لا تكون الآية دالة على قولكم ( وثانيها) هب أنه صدر عنه ذلك الحلف ، فلم قلتم إنه كان
معصية ، وذلك لأن الإمتناع من التفضل قد يحسن خصوصاً فيمن يسىء إلى من أحسن إليه أو فى
حق من يتخذه ذريعة إلى الأفعال المحرمة لا يقال فلولم تكن معصية لما جاز أن ينهى اللّه عنه
بقوله ( ولا يأتل أولوا الفضل ) لأنا نقول هذا النهى ليس نهى زجر وتحريم بل هو نهى عن ترك
الأولى كأنه سبحانه قال لأبى بكر اللائق بفضلك وسعة همتك أن لا تقطع هذا فكان هذا إرشاداً
إلى الأولى لا منعا عن المحرم.
﴿ المسألة الثالثة) أجمعوا على أن المراد من قوله ( أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل
الله) مسطح لأنه كان قريباً لأبى بكروكان من المساكين وكان من المهاجرين ، واختلفوا فى الذنب
الذى وقع منه فقال بعضهم قذف كما فعله عبد الله بن أبى فانه عليه الصلاة والسلام حده وأنه تاب
عن ذلك، وقال ابن عباس رضى الله عنهما كان تاركا للنكر ومظهراً للرضا، وأى الأمرين
کان فهو ذنب .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان المحابطة وقالوا إنه سبحانه وصفه
بكونه من المهاجرين فى سبيل الله بعد أن أتى بالقذف، وهذه صفة مدح، فدل على أن ثواب كونه
مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف.
﴿ المسألة الخامسة﴾ أجمعوا على أن مسطحاً كان من البدريين وثبت بالرواية الصحيحة أنه
عليه الصلاة والسلام قال ((لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ماشئتم فقد غفرت لكم)، فكيف
١٩٢
قوله تعالى : ولا يأتل اولو الفضل. سورة النور.
ضدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدرياً ؟ (والجواب) أنه لا يجوز أن يكون المراد منه افعلوا
ما شئتم من المعاصى فيأمر بها أو يقيمها لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم لو حملناه
على ذلك لاقتضى زوال التكليف عنهم، ولأنه لو كان كذلك لما جاز أن يحد مسطح على ما فعل
ويلعن ، فوجب حمله على أحد أمرين (الأول) أنه تعالى اطلع على أهل بدر وقد علم توبتهم وإنا بتهم
فقال افعلوا ماشئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية
فى الجنة ( الثانى) يحتمل أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال قد غفرت لكم لعلى
بأنكم تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم فى الوقت وأراد العاقبة .
﴿ المسألة السادسة﴾ العفو والصفح عن المسىء حسن مندوب إليه، وربما وجب ذلك ولولم
يدل عليه إلا هذه الآية لكفى، ألا ترى إلى قوله ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم) فعلق الغفران
بالعفو والصفح وعنه عليه الصلاة والسلام ((من لم يقبل عذراً لمتنصل كاذباً كان أو صادقاً فلا يرد
على حوضى يوم القيامة)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((أفضل أخلاق المسلمين العفو، وعنه أيضاً
(« ينادى مناد يوم القيامة ألا من كان له على اللّه أجر فليقم فلا يقوم إلا أهل العفو، ثم تلافمن عفا
وأصلح فأجره على الله)) وعنه عليه الصلاة والسلام أيضاً ((لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل
من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطى من حرمه)) .
﴿ المسألة السابعة) فى هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة، وإنما
تجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه .
المسألة الثامنة﴾ مذهب الجمهور الفقهاء أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أنه
ينبغى له أن يأتى الذى هو خير ثم يكفر عن يمينه، وقال بعضهم إنه يأتى بالذى هو خير ، وذلك
كفارته واحتج ذلك القائل بالآية والخبر، أما الآية فهى أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم
يوجب عليه كفارة، وأما الخبر فما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من حلف على
يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير وذلك كفارته » وأما دليل قول الجمهور فأمور
(أحدها) قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فكفارته وقوله ( ذلك كفارة
أيمانكم إذا حلفتم ) وذلك عام فى الحانث فى الخير وغيره ( وثانيها) قوله تعالى فى شأن أيوب
حين حلف على امرأته أن يضربها (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث) وقد علمنا أن الحنث
كان خيراً من تركه وأمره الله بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل
كان يحنث بلا كفارة (وثالثها) قوله عليه الصلاة والسلام ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً
منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه)) (أما الجواب) عما ذكره أولا فهو أنه تعالى لم يذكر
أمر الكفارة فى قصة أبى بكر لا نفياً ولا إثباتاً لأن حكمه كان معلوماً فى سائر الآيات (والجواب)
عما ذكره ثانياً فى قوله ((وليأت الذى هو خير وذلك كفارته)) فمعناه تكفير الذنب لا الكفارة
١٩٣
قوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات. سورة النور.
إِنَّ الَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَفَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِى الَّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ (چ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلِّنَتُهُمْ وَأَيْدِمْ وَأَرْجُهُم
بِمَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ ( يَوْمٍَ يُوَفِيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقِّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ
هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ هُ
المذكورة فى الكتاب ، وذلك لأنه منهى عن نقض الأيمان فأمره ههنا بالحنث والتوبة، وأخبر أن
ذلك يكفر ذنبه الذى ارتكبه بالحلف .
﴿المسألة التاسعة ﴾ روى القاسم بن محمد عن عائشة رضى الله عنها أنها ((قالت فضلت أزواج
النبى ◌َالتر بعشر خصال تزوجنى رسول بَ لتم بكراً دون غيرى، وأبواى مها جران، وجاء جبريل
عليه السلام بصورتی فی حريرة وأمره أن يتزوحبی، و کنت أغتسل معه فى إناءواحد، و جبريل
عليه السلام ینزل عليه بالوحى وأنا معه فى لحاف واحد، وتزوجنى فى شوال و بنی بی فى ذلك
الشهر، وقبض بين سحرى ونحرى، وأنزل الله تعالى عذرى من السماء، ودفن فى بيتى
وكل ذلك لم يساونى غيرى فيه )) وقال بعضهم برأ اللّه أربعة بأربعة: برأ يوسف عليه السلام
بلسان الشاهد، وشهد شاهد من أهلها ، وبرأ موسى عليه السلام من قول اليهود بالحجر
الذى ذهب بثوبه ، وبرأ مريم بإنطاق ولدها ، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام فى كتابه
المعجز المتلو على وجه الدهر ، وروى أنه لما قربت وفاة عائشة جاء ابن عباس يستأذن عليها ،
فقالت: يجىء الآن فيثنى على، خبره ابن الزبير فقال ما أرجع حتى تأذن لى ، فأذنت له فدخل فقالت
عائشة: أعوذ بالله من النار، فقال ابن عباس يا أم المؤمنين مالك والتار قد أعاذك الله منها، وأنزل
براءتك تقرأ فى المساجد وطيبك فقال (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) كنت أحب نساء
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يحب صلى الله عليه وسلم إلا طيباً وأنزل بسبيك التيمم فقال
(فتيمموا صعيداً طيباً) وروى أن عائشة وزينب تفاخرتا ، فقالت زينب: أنا التى أنزل ربى
تزويجى، وقالت عائشة أنا التى بر أنى ربى حين حملنى ابن المعطل على الراحلة ، فقالت لها زينب: ماقلت
حين ركبتيها ؟ قالت قلت: حسبى الله ونعم الوكيل . فقالت قلت كلمة المؤمنين.
قوله تعالى : ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة ولهم
عذاب عظيم ، يوم تشهد عليهم ألستتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم اللّه
دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ وفيه مسألتان:
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ١٣
١٩٤
قوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات. سورة النور.
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى قوله (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات) هل المراد منه
كل من كان بهذه الصفة أو المراد منه الخصوص؟ أما الأصوليون فقالوا الصيغة عامة ولا مانع
من إجرائها على ظاهرها فوجب حمله على العموم فيدخل فيه قذفة عائشة وقذفة غيرها ، ومن
الناس من خالف فيه وذكر وجوهاً (أحدها) أن المراد قذفة عائشة قالت عائشة ((رميت وأنا
غافلة وإنما بلغنى بعد ذلك ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندى إذ أوحى الله إليه فقال
أبشرى وقرأ ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات)، (وثانيها) أن المراد جملة
أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لا حق به
واحتج هؤلاء بأمور (الأول ) أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله تعالى فى أول السورة
(والذين يرمون المحصنات - إلى قوله - وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا) وأما القاذف
فى هذه الآية ، فإنه لا تقبل توبته لأنه سبحانه قال (لعنوا فى الدنيا والآخرة) ولم يذكر الاستثناء،
وأيضاً فهذه صفة المنافقين فى قوله ( ملعونين أينما ثقفوا)، (الثانى ) أن قاذف سائر المحصنات
لا يكفر ، والقاذف فى هذه الآية يكفر لقوله تعالى (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم)
وذلك صفة الكفار والمنافقين كقوله ( ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النار) الآيات الثلاث.
( الثالث ) أنه قال ( ولهم عذاب عظيم) والعذاب العظيم يكون عذاب الكفر، فدل على أن
عقاب هذا القاذف عقاب الكفر ، وعقاب قذفه سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر (الرابع)
روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن،
فسئل عن تفسير هذه الآية فقال : من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض فى أمر عائشة.
أجاب الأصوليون عنه بأن الوعيد المذكور فى هذه الآية لابد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة
لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فاذا حصلت التوبة منه صار مغفوراً فزال السؤال، ومن
الناس ذ کر فیه قولا آخر ، وهو أن هذه الآية نزلت فی مشرکی مکة حین کان بينهم وبين رسول
الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة. وقالوا إنما
خرجت لتفجر ، فنزلت فيهم والقول الأول هو الصحيح،
﴿ المسألة الثانية ) أن الله تعالى ذكر فيمن يرمى المحصنات الغافلات المؤمنات ثلاثة أشياء
(أحدها ) كونهم ملعونين فى الدنيا والآخرة وهو وعيد شديد، واحتج الجبائى بأن التقييد باللعن
عام فى جميع القذفة ومن كان ملعونً فى الدنيا فهو ملعون فى الآخرة والملعون فى الآخرة لا يكون
من أهل الجنة وهو بناء على المحابطة وقد تقدم القول فيه (وثانيها) قوله ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم
وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) ونظيره قوله ( وقالوا لجلودهم لم شهد تم علينا) وعندنا البنية
ليست شرطاً للحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى فى الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً، وعند المعتزلة
لا يجوز ذلك فلا جرم ذكروا فى تأويل هذه الآية وجهين (الأول) أنه سبحانه يخلق فى هذه
١٩٥
قوله تعالى : الخبيثات للخبيثین. سورة النور.
الْخَبِيشَتُ لِحَبِيْثِيْنَ وَالْخَبِئُونَ لِشَتِ وَِّنَتُ لِلطَِّنَ وَالطُّونَ
لِلَّتِّ أُوْلَئِكَ مُبَّهُ ونَ بَِّّا يَقُولُونٌّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمُ (٣)
الجوارح هذا الكلام ، وعندهم المتكلم فاعل الكلام، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى فى الحقيقة
إلا أنه سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعاً (الثانى) أنه سبحانه بينى هذه الجوارح على خلاف ماهى
عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله، قال القاضى وهذا أقرب إلى الظاهر، لآن
ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة ( وثالثها) قوله تعالى ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) ولا شبهة فى
أن نفس دينهم ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم. بل المراد جزاء عملهم، والدين بمعنى الجزاء
مستعمل كقولهم كماتدين تدان ، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك الدين القيم أى الحساب الصحيح
ومعنى قوله (الحق ) أى أن الذى نوفيهم من الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه
هو الباطل، وقرىء الحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله .
وأما قوله ( ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) فمن الناس من قال إنه سبحانه إنما سمى بالحق
لأن عبادته هى الحق دون عبادة غيره أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى ( المبين) يؤيد
ما قلنا لأن المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره، ومنهم من
قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى المبين
المظهر ومعناه أن بقدرته ظهر وجود الممكنات ، فمعنى كونه حقاً أنه الموجود لذاته ، ومعنى كونه
مبيناً أنه المعطى وجود غيره .
قوله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات
أولئك مبرؤون بما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ﴾.
اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التى هى القذف الواقع من أهل الإفك، ويقع أيضاً على
الكلام الذى هو كالذم واللعن، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التى هى من قبل الله تعالى ، بل
المراد مضمون الكلمة ، ويقع أيضاً على الزوانى من النساء، وفى هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة،
فان حملناها على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك
للخبيثين من الرجال ، وبالعكس والطيبات من قول منكرى الإفك للطيبين. من الرجال
وبالعكس، وإن حملناها على الكلام الذى هو كالذم واللعن ، فالمعنى أن الذم واللعن معدان
للخبيثين من الرجال ، والخبيثون منهم معرضون للعن والذم. وكذا القول فى الطيبات
وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات ، وإن حملناه
حملناه على الزوانى فالمعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس ، على معنى قوله تعالى
١٩٦
قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَى مَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَ
أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ﴾ فَإِن ◌َّْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا
خَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ إِن قِبِلَ لَكُرُ أَرْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْ كَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
( الزانى لا ينكح إلا زانية ) والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والمعنى أن مثل ذلك الرمى
الواقع من المنافقين لا يليق إلا بالخبيئات والخبيثين لا بالطيبات والطيبين ، كالرسول صلى الله عليه وسلم
وأزواجه . فان قيل فعلى هذا الوجه يلزم أن لا يتزوج الرجل العفيف بالزانية (والجواب) ما تقدم
فى قوله (الزانى لا ينكح إلا زانية) وقوله (أولئك مبرءون) يعنى الطيبات والطيبين مما يقوله
أصحاب الإفك، سوى قول من حمله على الكلمات فكأنه قال الطيبون مبرءون مما يقوله الخيثون،
ومتى حمل أولئك على هذا الوجه كان لفظه كمعناه فى أنه جمع، ومتى حملته على عائشة وصفوان وهما
اثنان فكيف يعبر عنهما بلفظ الجمع؟ جوابه من وجهين : (الأول) أن ذلك الرمى قد تعلق بالنبى
صلى الله عليه وسلم وبعائشة وصفوان فبرأ اللّه تعالى كل واحد منهم من التهمة اللائقة به ( الثانى)
أن المراد به كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه تعالى برأهن من هذا الإفك. لكن لا يقدح
فيهن أحد كما أقدموا على عائشة، ونزه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عن أمثال هذا الأمر وهذا
أبين كأنه تعالى بين أن الطبيات من النساء للطيبين من الرجال، ولا أحد أطيب، ولا أطهر من الرسول،
فأزواجه إذن لا يجوز أن يكن إلا طيبات ، ثم بين تعالى (أن لهم مغفرة) يعنى براءة من الله ورسوله
ورزق كريم فى الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك خبراً مقطوعاً به ، فيعلم بذلك أن أزواج الرسول
عليه الصلاة والسلام هن معه فى الجنة ، وقد وردت الأخبار بذلك ويحتمل أن يكون المراد بشرط
اجتناب الكبائر والتوبة، والأول أولى لأنا إنما نحتاج إلى الشرط إذا لم يمكن حمل الآية عليه، أما
إذا أمكن فلا وجه لطلب الشرط ، وهذا يدل على أن عائشة رضى الله عنها تصير إلى الجنة بخلاف
مذهب الرافضة الذين يكفرونها بسبب حرب يوم الجمل فانهم يردون بذلك نص القرآن فان قيل
القطع بأنها من أهل الجنة إغراء لها بالقبيح. قلنا أليس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه الله
تعالى بأنه من أهل الجنة ولم يكن ذلك إغراء له بالقبيح، وكذا العشرة المبشرة بالجنة فكذا ههنا، والله
أعلم تمت قصة أهل الإفك .
﴿ الحكم السادس - فى الاستئذان) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتاً غير
بيوتكم حتى تسأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خيرلكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً
فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون
١٩٧
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
عَلِيمٌ ( لَّيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَعُ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ وَاللهُ
يَعْلَمُ مَاتُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
عليم، ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾
أعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمى والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن
أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة،
فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن فى الدخول لا على
هذا الوجه وقوع التهمة ، وفى ذلك من المضرة مالا خفاء به فقال (يا أيها الذين آمنوا) الخ وفى الآية
سؤالات :
﴿ السؤال الأول) الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة، قال تعالى
ولا مستأنسين لحديث، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على
الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك؟ (والجواب) عن هذا من وجوه: (أحدها ) ما يروى
عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب، وفى قراءة أبى: حتى
تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه
من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب، وفى الحديث ((من سبقت عينه
استئذانه فقد دمر، واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضى الطعن فى القرآن الذى
نقل بالتواتر ويقتضى صحة القرآن الذى لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشبك إلى كل
القرآن وأنه باطل ( وثانيها) ما روى عن الحسن البصرى أنه قال إن فى الكلام تقديماً ونأخيراً ،
والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس ، وفى قراءة
عبد الله: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهذا أيضاً ضعيف لأنه خلاف الظاهر (وثالثها)
أن تجرى الكلام على ظاهره. ثم فى تفسير الاستئناس وجوه: (الأول) حتى تستأنسوا بالإذن
وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت ، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم
(الثانى) تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشىء إذا أبصره
ظاهراً مكشوفاً، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم. ومنه قولهم استأنس
هل ترى أحداً، واستأنست فلم أرأحداً أى تعرفت واستعلمت، فان قيل وإذا حمل على الأنس ينبغى
أن يتقدمه السلام كما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول ( السلام عليكم أدخل)) قلنا المستأذن
ربما لا يعلم أن أحداً فى المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه، والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل
هناك من يأذن ، فإذا أذن ودخل صار مواجهاً له فيسلم عليه (والثالث) أن يكون اشتقاق الاستئناس
١٩٨
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ولا شك أن هذا مقدم على السلام (والرابع) لو سلمنا
أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لاتوجب الترتيب، فتقديم الاستئناس على السلام
فى اللفظ لا يوجب تقديمه عليه فى العمل .
﴿ السؤال الثانى) ما الحكمة فى إيجاب تقديم الاستئذان؟ (والجواب) تلك الحكمة هى
التى نبه اللّه تعالى عليها فى قوله (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) فُدل بذلك على أن
الذى لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن من يهجم
عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر اليه من عورة، أو على مالا يحب القوم أن
يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه تصرف فى ملك الغير
فلا بد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب .
﴿ السؤال الثالث) كيف يكون الاستئذان؟ (الجواب) استأذن رجل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال أ ألج؟ فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة ((قومى إلى هذا فعليه
فإنه لا يحسن أن يستأذن قولى له يقول السلام عليكم أأدخل فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل
فدخل وسأل رسول الله عَّ اليٍ عن أشياء وكان يجيب، فقال هل فى العلم ما لا تعلمه، فقال عليه
الصلاة والسلام: لقدآ تانى الله خيراً كثيراً وإن من العلم مالا يعلمه إلا الله، وتلا إن الله عنده
على الساعة إلى آخره)) وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حييتم صباحاً
وحيدتم مساء، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته فى لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن ذلك
وعلم الأحسن والأجمل، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح، وقال عكرمة هو التسبيح
والتكبير ونحوه .
﴿ السؤال الرابع ) كم عدد الاستئذان (الجواب) روى أبو هريرة رضى الله عنه قال قال
رسول الله عزّ له((الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون، وبالثانية يستصلحون، وبالثالثة يأذنون
أو يردون)) وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إذا استأذن أحدكم
ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع)) وعن أبى سعيد الخدرى قال (( كنت جالساً فى مجلس من مجالس
الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له ما أفزعك؟ فقال أمرنى عمر أن آتيه فأتيته. فاستأذنت
ثلاثاً ، فلم يؤذن لى فرجعت ، فقال ما منعك أن تأتينى؟ فقلت قدجئت فاستأذنت ثلاثاًفلم ؤذن لى .
وقد قال عليه الصلاة والسلام: إذا استأذن أحد كم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع فقال لنأتبنى على هذا
بالبينة ، أو لأعاقبنك . فقال أبى لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام أبو سعيد فشهد له))
وفى بعض الأخبار أن عمر قال لأبى موسى إنى لم أنهمك ، ولكنى خشيت أن يتقول الناس على
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحى، والثانى ليتأهبوا
والثالث إن شاءوا أذنا. وإن شاءوا ردوا، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن فى اول مرة
١٩٩
قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن ، وفى المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضى المنع أو
يقتضى التساوى ، فاذا لم يجب فى الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت ، وربما أوجب ذلك
كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع، ولذلك يقول يجب فى الاستئذان ثلاثاً ، أن لا
يكون متصلا، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب
الدار ، فذاك حرام لأنه يتضمن الايذاء والايحاش ، وكفى بقصة بنى أسد زاجرة وما نزل فيها من
قوله تعالى ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون).
( السؤال الخامس) كيف يقف على الباب (الجواب) روى أن أبا سعيد استأذن على
الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تستأذن وأنت
مستقبل الباب. وروى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء
وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها
حيئذ ستور .
﴿ السؤال السادس) أن كلمة حتى للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ماقبلها فقوله
( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) يقتضى جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم
يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه؟ (الجواب) من وجوه ( أحدها ). أن الله تعالى جعل
الغاية الاستئناس لا الاستئذان، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان
(وثانيها) أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة فى الاستئذان أن لا يدخل الانسان على غيره بغير إذنه
فان ذلك مما يسوءه، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الاذن، علمنا أن الاستئذان
ما لم يتصل به الاذن وجب أن لا يكون كافياً (وثالثها) أن قوله تعالى (فإن لم تجدوا فيها أحداً
فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) فظر الدخول إلا بإذن، فدل على أن الاذن مشروط بإباحة
الدخول فى الآية الأولى، فان قيل إذا ثبت أنه لابد من الاذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟ قلنا
روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((رسول الرجل إلى الزجل إذنه))
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ((إذا دعى أحدكم بجاء مع
الرسول فان ذلك له إذن )) وهذا الخبر يدل على معنيين (أحدهما) أن الاذن محذوف من قوله
(حتى تستأنسوا) وهو المراد منه (والثانى) أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لايحتاج إلى
استئذان ثان، وقال بعضهم إن من قدجرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.
(السؤال السابع) ماحكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟ (الجواب) قال الشافعى رحمه الله:
لو فقئت عينه فهى هدر ،وتمسك بما روى سهل بن سعد قال «اطلع رجل فى حجرة من حجر النبى
صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلى اطعنت بها فى عينك
إنما الاستئذان قبل النظر)) وروى أبو هريرة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال ((من
٢٠٠
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
اطلع فى دار قوم بغير إذنهم ففقوا عينه فقد هدرت عينه)) قال أبو بكر الرازى : هذا الخبر يرد
لوروده على خلاف قياس الأصول ، فانه لاخلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقاً عينه كان
ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع
وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فان صح فمعناه : من أطلع فى
دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه فى حال المانعة فهى هدر ، فأما إذا
لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهى، ثم جاء إنسان ففقاً عينه، فهذا جان يلزمه حكم جنايته
لظاهر قوله تعالى (العين بالعين ) إلى قوله (والجروح قصاص) واعلم أن التمسك بقوله تعالى
(والعين بالعين) فى هذه المسألة ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن
العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم قلت: إن من اطلع فى دار إنسان لم
تكن عينه مستحقة؟ وهذا أول المسألة ..
أما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر ، قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه
إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين
بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه ، فلا يبعد فى حكم الشرع أن يبالغ ههنا فى الزجر
حسما لباب هذه المفسدة، وبالجملة فرد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهذا القدر من
الكلام غير جائز .
﴿ السؤال الثامن ) لما بينتم أنه لابد من الإذن فهل يكفى الإذن كيف كان أولا بد من إذن
مخصوص؟ (الجواب) ظاهر الآية يقتضى قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذن صبياً أو امرأة أو
عبداً أو ذمياً فإنه لا يعتبر فى هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء فى
الهدايا ونحوها.
﴿ السؤال التاسع) هل يعتبر الإستئذار على المحارم؟ (والجواب) نعم ، عن عطاء بن يسار
((أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على أختى؟ فقال النبى عليه الصلاة والسلام
نعم أتحب أن تراها عريانة)) وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختى، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت
ما يسوؤك، وقال عطاء سألت ابن عباس رضى الله عنهما أستأذن على أختى ومن أنفق عليها؟ قال نعم
إن الله تعالى يقول (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنواكما أستأذن الذين من قبلهم) ولم يفرق
بین من كان أجنبياً أو ذا رحم محرم .
واعلم أن ترك الإستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها
وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء. والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل
أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين، وإن.
كان لأجل أنه ربما كان مشتغلا بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعم فى الكل ، حتى لا
يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن .