النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. الثالث) الدخول ولابد منه لقوله عليه السلام ((الثيب بالثيب)) وإنما تصير ثياً بالوط. وههنا مسألتان. ﴿ المسألة الأولى) هل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل، فيه وجهان: (أحدهما) لا يشترط حتى لو أصاب عبد أمة بنكاح صحيح أو فى حال الجنون والصغر ثم كمل حالسفرنى يجب عليه الرجم، لأنه وطء يحصل به التحليل للزوج الأول فيحصل به الإحصان كالوطء فى، حال الكمال، ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء ( والثانى) وهو الأصح وهو ظاهر النص، وقول أبى حنيفة رحمه الله يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل، لأنه لما شرط أكمل الإصابات وهو أن يكون بنكاح صحيح شرط أن يكون تلك الإصابة فى حال الكمال . ﴿ المسألة الثانية) هل يعتبر الكمال فى الطرفين أو يعتبر فى كل واحد منهما كماله بنفسه دون صاحبه فيه قولان: (أحدهما) معتبر فى الطرفين حتى لو وطى الصى بالغة حرة عاقلة فانه لا يحصنها وهو قول أبى حنيفة ومحمد( والثانى) يعتبر فی کل واحد منهما کاله بنفسه وهو قول أبى يوسف رحمه الله . ﴿حجة القول الأول ) أنه وطء لا يفيد الإحصان لأحد الوطتين فلا يفيد فى الآخر كوطء الأمة . ﴿ حجة القول الثانى) أنه لا يشترط كونهما على صفة الاحصان وقت النكاح وكذا عند الدخول ( الشرط الرابع ) الإسلام ليس شرطاً فى كون الزنا موجباً للرجم عند الشافعى رحمه الله وأبى يوسف، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه شرط، احتج الشافعى بأمور: (أحدها) قوله عليه السلام ((فإذا قبلوا الجزية فانبتوهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» ومن جملة ما على المسلم كونه بحيث يجب عليه الرجم عند الاقدام على الزنا، فوجب أن يكون الذمى كذلك لتحصل التسوية ( وثانيها) حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه عليه السلام رجم يهودياً ويهودية زنيا فإما أن يقال إنه عليه السلام حكم بذلك بشريعته أو بشريعة من قبله، فان كان الأول فالاستدلال به بين، وإن كان الثانى فكذلك لأنه صار شرعا له ( وثالثها) أن زنا الكافر مثل زنا المسلم فيجب عليه مثل ما يجب على المسلم وذلك لأن الزنا محرم قبيح فيناسب الزجر وإيجاب الرجم يصلح زاجراً له ولا يبقى إلا التفاوت بالكفر والإيمان، والكفر وإن كان لا يوجب تغليظ الجناية فلا يوجب تخفيفها واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه: (أحدها ) التمسك بعموم قوله (الزانية والزانى ) وجب العمل به فى حق المسلم ولا يجب فى الذمى لمعنى مفقود فى الذمى ، ووجه الفرق أن القتل بالأحجار عقوبة عظيمة فلا يجب إلا بجناية عظيمة ، والجناية تعظم بكفران النعم فى حق الجانى عقلا وشرعاً ، أما العقل فلا ن المعصية كفران النعمة وكلما كانت النعم أ کثر وأعظم کان گفراتها أعظم وأقبح، وأما الشرع فلأن الله تعالى قال فى حق نساء النبى مض اني (يانساء النبى من يأت ١٤٢ قوله تعالى . الزانية والزاني. سورة النور. منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) فلما كانت نعم اللّه تعالى فى حقهن أ کثر كان العذاب فى حقهن أكثر ، وقال فى حق الرسول (لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا، إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف المات) وإنما عظمت معصيته لأن النعمة فى حقه أعظم وهى نعمة النبوة ، ومن المعلوم أن نعم الله تعالى فى حق المسلم المحصن أكثرمنها فى حق الذمى، فكانت معصية المسلم أعظم فوجب أن تكون عقوبته أشد (وثانيها) أن الذى لم يزن بعد الإحصان فلا يجب عليه القتل ( بيان الأول) قوله عليه السلام ((من أشرك بالله طرفة عين فليس بمحصن)) (بيان الثانى) أن المسلم الذى لا يكون محصناً لا يجب عليه القتل لقوله عليه السلام ((لا يحل دم امرى. مسلم إلا لإحدى ثلاث)) وإذا كان المسلم كذلك وجب أن يكون الذمى كذلك لقوله عليه السلام ((إذا قبلوا عقد الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ماعلى المسلمين» (وثالثها) أجمعنا على أن إحصان القذف يعتبر فيه الاسلام، فكذا إحصان الرجم والجامع ما ذكرنا من كمال النعمة (والجواب) عن الأول أنه خص عنه الثيب المسلم فكذا التيب الذمى ، وما ذكروه من حديث زيادة النعمة على المؤمنين فنقول نعمة الاسلام حصلت بكسب العبد فيصير ذلك كالخدمة الزائدة ، وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة، وعن الثانى لا نسلم أن الذمى مشرك سلمناه، لكن الاحصان قد يراد به التزوج لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات) وفى التفسير (فاذا أحصن) يعنى فإذا تزوجن إذا ثبت هذا فنقول الذمى الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله لتر أو زنا بعد إحصان رتب الحكم فى حق المسلم على هذا الوصف فدل على كون الوصف علة والوصف قائم فى حق الذمى فوجب كونه مستلزماً للحكم بالرجم وعن الثالث أن حد القذف لدفع العار كرامة للمقذوف ، والكافر لا يكون محلا للكرامة وصيانة العرض بخلاف ماههنا والله اعلم، أما ما يتعلق بالجلد ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اتفقوا على أن الرقيق لا يرجم واتفقوا على أنه يجلد، وثبت بنص الكتاب أن على الاماء نصف ما على المحصنات من العذاب ، فلا جرم اتفقوا على أن الأمة تجلد خمسين جلدة ، أما العبد فقد اتفق الجمهور على أنه يحلد أيضاً خمسين إلا أهل الظاهر فإنهم قالوا عموم قوله (الزانية والزانى) يقتضى وجوب المائه على العبد والأمة إلا أنه ورد النص بالتنصيف فى حق الأمة ، فلوقسنا العبد عليها كان ذلك تخصيصاً لعموم الكتاب بالقياس وأنه غير جائز، ومنهم من قال الأمة إذا تزوجت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تتزوج فعليها المائة، لظاهر قوله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وذكروا أن قوله (فإذا أحصن) أى تزوجن (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ). ﴿ المسألة الثانية ) قال الشافعى وأبو حنيفة رحمهما الله، الذمى يجلد، وقال مالك رحمه الله لا يجلد لنا وجوه (أحدها) عموم قوله (الزانية والزانى) (وثانيها) قوله عليه السلام ((إذا زنت ١٤٣ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. أمة أحدكم فليجلدها)) وقوله ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)) ولم يفرق بين الذمى، والمسلم (وثالثها ) أنه عليه السلام رجم اليهوديين، فذاك الرجم إن من كان من شرع محمد بدريّ فقد حصل المقصود، وإن كان من شرعهم فلما فعله الرسول ◌ِ التٍّ صار ذلك من شرعه، وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . ﴿ البحث الرابع ) فيما يدل على صدور الزنا منه، اعلم أن ذلك لا يحصل إلا من أحد ثلاثة أوجه ، إما بأن يراه الامام بنفسه أو بأن يقر أو بأن يشهد عليه الشهود، أما الوجه (الأول) وهو ما إذا رآه الإمام قال الإمام محمى السنة فى كتاب التهذيب لا خلاف أن على القاضى أن يمتنع عن القضاء يعلم نفسه مثل ما إذا ادعى رجل على آخر حقاً وأقام عليه بينة ، والقاضى يعلم أنه قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا ، وقد رآه القاضى حياً بعدذلك. أو ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضى طلقها، لا يجوز أن يقضى به وإن أقام عليه شهوداً ، وهل يجوز للقاضى أن يقضى بعلم نفسه مثل أن ادعى عليه ألفاً وقدرآه القاضى أقرضه أو سمع المدعى عليه أقربه فيه قولان أصحهماً وبه قال أبويوسف ومحمد والمزنى رحمهم الله، أنه يجوز له أن يقضى بعلمه لأنه لما جازله أن يحكم بشهادة الشهود وهو من قولهم على ظن فلأن يجوز بما رآه وسمعه وهو منه على علم أولى ، قال الشافعى رحمه اللّه فى كتاب الرسالة أقضى بعلى وهو أقوى من شاهدين أو بشاهدين وشاهد وامرأتين وهو أقوى من شاهد ويمين أو بشاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورذ اليمين . ﴿ والقول الثانى) لا يقضى بعلمه وهو قول ابن أبى ليلى، لأن انتفاء التهمة شرط فى القضاء ولم يوجد هذا فى المال ، أما فى العقوبات فينظر إن كان ذلك من حقوق العباد كالقصاص وحد القذف هل يحكم فيه بعلم نفسه يرتب على المال إن قلنا هناك لا يقضى فههنا أولى وإلا فقولان، والفرق أن مبنى حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة، ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضى فى بلد ولابته وزمان ولايته أو فى غيره ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن حصل له العلم فى بلد ولا يته أو فى زمان ولا يته له أن يقضى بعلمه وإلا فلا ، فنقول العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال، فوجب أن لا يختلف الحكم باختلافها والله أعلم . ﴿ الطريق الثانى) الإقرار قال الشافعى رحمه الله الإقرار بالزنا مرة واحدة يوجب الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله بل لابد من الإقرار أربع مرات فى أربع مجالس ، وقال أحمد لابد من الإقرار أربع مرات لكن لا فرق بين أن يكون فى أربع مجالس أو فى مجلس واحد، حجة الشافعى رحمه الله أمران (الأول) قصة العسيف فانه قال عليه السلام فان اعترفت فارجمها ، وذلك دليل على أن الإعتراف مرة واخدة كاف (الثانى) أنه لما أقر بالزنا وجب الحد عليه لقوله عليه السلام اقض بالظاهر، والإقرارمرة واحدة يوجب الظهور لاسيما ههنا، وذلك لأن الصارف عن الاقرار بالزنا قوي ، لما أنه سبب العار فى الحال والألم الشديد فى المآل، والصارف عن الكذب أيضاً ١٤٤ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. قائم وعند اجتماع الصارفين يقوى الانصراف، فثبت أنه إنما أقدم على هذا الاقرار لكونه صادقاً . وإذا ظهر اندرج تحت الحديث وتحت الآية، أو نقيه على الاقرار بالقتل والردة، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه (أحدها) قصة ماعز والاستدلال بها من وجوه (الأول) أنه عليه السلام أعرض عنه فى المرة الأولى،ولو وجب عليه الحد لم يعرض عنه، لأن الاعراض عن إقامة حد اللّه تعالى بعد كمال الحجة لا يجوز (الثانى) أنه عليه السلام قال «إنك شهدت على نفسك أربع مرات)) ولو كان الواحد مثل الأربع فى إيجاب الحد كان هذا القول لغوا ( والثالث ) روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال لماعز بعد ما أقر ثلاث مرات ((لو أقررت الرابعة لرجمك)) رسول الله (والرابع) عن بريدة الأسلمى قال (( كنا معشر أصحاب النبي صَّ اله نقول لو لم يقر ماعز أربع مرات ما رجمه رسول اللّه ◌َ ي)) (وثانيها) أنهم قاسوا الاقرار على الشهادة فكما أنه لا يقبل فى الزنا إلا أربع شهادات فكذا فى الاقرار به والجامع السعى فى كتمان هذه الفاحشة (وثالثها) أن الزنا لا يفتفى إلا بأربع شهادات أو بأربع أيمان فى اللعان جاز أيضاً أن لا يثبت إلا بالاقرار أربع مرات، وبه يفارق سائر الحقوق فانها تنتفى بيمين واحد ، جاز أيضاً أن يثبت ياقرار واحد ( والجواب) عن الأول أنه ليس فى الحديث إلا أنه عليه السلام حكم بالشهادات الأربع وذلك لا ينافى جواز الحكم بالشهادة الواحدة (وعن الثانى ) أن الفرق بينهما أن المقذوف لو أقر بالزنامرة لسقط الحد عن القاذف، ولولا أن الزنا ثبت لما سقط كما لو شهد اثنان بالزنا لا يسقط الحد عن القاذف حيث لم يثبت به الزنا والله أعلم ، ( والطريق الثالث ) الشهادة وقد أجمعوا على أنه لابد من أربع شهادات، ويدل عليه قوله تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) والكلام فيه سيأتي إن شاء الله تعالى فى قوله (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) . ﴿البحث الخامس) فى أن المخاطب بقوله تعالى (فاجلدوا) من هو ؟، أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الامام، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الامام، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد، وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الامام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فكان نصب الإمام واجباً، وقدمر بيان هذه الدلالة فى قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) بقى ههنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى﴾ قال الشافعى رحمه الله السيد يملك إقامة الحد على ملوكه. وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة . وعند أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وزفررحمهم الله لا يملك ، وقال مالك يحده المولى فى الزنا وشرب الخمر والقذف ولا يقطعه فى السرقة وإنما يقطعه الامام وهو قول الليث، واحتج الشافعى رحمه الله بوجوه (أحدها) قوله عليه السلام (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم )) وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال عليه السلام ((إذا زُنت أمة أحدكم ١٤٥ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. فلیجلدها ، وفى رواية أخرى (فليجلدها الحد)) قال أبو بكر الرازى لا دلالة فىهذهالأخبار، لأن قوله ((أقيموا الحدود على ماملكت أيمانكم)) هو كقوله ( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدمنهما مائة جلدة ) ومعلوم أن المراد منه رفعه إلى الإمام لإقامة الحد والمخاطبون بإقامة الحدهم الأئمة ، وسائر الناس مخاطبون برفع الأمر إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله ((أقيموا الحدود على ماملكت أيمانكم)) على هذا المعنى، وأما قوله ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها )) فانه ليس كل جلد حداً، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرنا فقد وفينا بمقتضى الحديث. (والجواب) أن قوله ((أقيموا الحدود)) أمر بإقامة الحد حمل هذا اللفظ على رفع الواقعة إلى الامام عدول عن الظاهر ، أقصى ما فى الباب أنه ترك الظاهر فى قوله فاجلدوا ، لكن لا يلزم من ترك الظاهر هناك تركه ههنا، أما قوله ((فليجلدها)) المراد هو التعزير فباطل لأن الجلد المذكور عقيب الزنا لايفهم منه إلا الحد ( وثانيها) أن السلطان لما ملك إقامة الحد عليه فيده به أولى لأن تعلق السيد بالعبد أقوى من تعلق السلطان به، لأن الملك أقوى من عقد البيعة، وولاية السادة على العبيد فوق ولاية السلطان على الرعية، حتى إذا كان للأمة سيد وأب فإن ولاية النكاح للسيد دون الأب ، ثم إن الأب مقدم على السلطان فى ولاية النكاح فيكون السيد مقدماً على السلطان بدرجات فكان أولى ، ولأن السيد يملك من التصرفات فى هذا المحل ما لا يملكه الامام فثبت أن المولى أولى (وثالثها) أجمعنا على أن السيد يملك التعزير فكذا الحد ، لأن كل واحد نظير الآخر وإن كان أحدهما مقدراً والآخر غير مقدر، واحتج أبو بكر الرازى على مذهب أبى حنيفة بوجوه (أحدها ) قال قوله تعالى (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) لاشك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس ، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة والحكام كل واحد منهما مائة جلدة ، ولم يفرق فى هذه الآية بين المحدودين من الأحرار والعبيد، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون باقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالى (وثانيها) أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود، لأن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة، لأنه لو لم يكن يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئاً فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم وذلك باطل لأنه ليس لأحد من الناس أن يحكم لنفسه . فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه ( وثالثها ) أن المالك ربما لا يستوفى الحد بكماله لشفقته على ملكه، وإذا كان متهما وجب أن لا يفوض إليه (والجواب) عن الأول أن قوله (فاجلدوا) ليس بصريحه خطاباً مع الامام ، لكن بواسطة أنه لما انعقد الاجماع على أن غير الأمام لا يتولاه حملنا ذلك الخطاب على الامام، وههنا لم ينعقد الاجماع على أن الامام لا يتولاه لأنه غين النزاع ( والجواب) عن الثانى قال محيى السنة فى كتاب التهذيب هل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق ؟ فيه وجهان أصحهما أنه يجوز ، نص عليه فى رواية البويطى لما روي الفخر الرازي - ج ٢٣ م ١٠ ١٤٦ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. عن ابن عمر أنه قطع عبداً له سرق وكما يجلده فى الزنا وشرب الخمر (والثانى) لا بل القطع إلى الإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير ولا يملك جنس القطع، ثم قال وكل حد يقيمه المولى على عبده إنما يقيمه إذا ثبت باعتراف العبد، فان كانت عليه بينة فهل يسمع المولى الشهادة، فيه وجهان (أحدهما) يسمع لأنه ملك الإقامة بالاعتراف فيملك بالبينة كالامام (والثانى) لا يسمع بل ذاك إلى الحكام (والجواب) عن الثالث أنه منقوض بالتعزير. المسألة الثانية﴾ إذا فقد الامام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود، بل الأولى أن يعينوا واحداً من الصالحين ليقوم به. ﴿ المسألة الثالثة ﴾ الخارجى المتغلب هل له إقامة الحدود؟ قال بعضهم له ذلك وقال آخرون: ليس له ذلك، لأن إقامة الحد من جهة من لم يلزمنا أن نزيل ولايته أبعد من أن نفوض ذلك إلى رجل من الصالحين . ﴿ البحث السادس ) فى كيفية إقامة الحد ، أما الجلد، فاعلم أن المذكور فى الآية هو الجلد، وهذا مشترك بين الجلد الشديد، والجلد الخفيف ، والجلد على كل الأعضاء أو على بعض الأعضاء، فيفئذ لا يكون فى الآية إشعار بشىء من هذه القيود، بل مقتضى الآية أن يكون الآتى بالجلد کیف كان خارجا عن العهدة ، لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج من العهدة ، قال صاحب الكشاف وفى لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغى أن يتجاوز الألم إلى اللحم، ولأن الجلد ضرب الجلد ، يتقال جلده كقولك ظهره بفتح الهاء وبطنه ورأسه ، إلا أنا لما عرفنا أن المقصود منه الزجر والزجر لا يحصل إلا بالجلد الخفيف لاجرم تكلم العلماء فى صفة الجلد على سبيل القياس ثم هنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ المحصن يجلد مع ثيابه ولا يجرد، ولكن ينبغى أن يكون بحيث يصل الألم إليه، وينزع من ثيابه الحشو والفرو. روى أن أبا عبيدة بن الجراح أتى برجل فى حد فذهب الرجل ينزع قميصه، وقال ما ينبغى لجسدى هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص ، فقال أبو عبيدة: لاتدعوه ینزع قميصه فضربه عليه. أما المرأة فلا خلاف فى أنه لا يجوز تجريدها ، بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ، وعلى ذلك منها امرأة. ﴿ المسألة الثانية) لا يمد ولا يربط بل يترك حتى يتقى بيديه، ويضرب الرجل قائماً والمرأة جالسة . قال أبو يوسف رحمه الله: ضرب ابن أبى ليلى المرأة القاذفة قائمة خطأه أبو حنيفة. ( المسألة الثالثة) يضرب بسوط وسط لا جديد يجرح ولا خلق لم يؤلم، ويضرب ضرباً بین ضربین لا شدید ولا واه. روى أبو عثمان النهدى قال أتى عمر برجل فى حد ثم جىء بسوط فيه شدة، فقال أريد ألين من هذا، فأتى بسوط فيه لين، فقال أريد أشد من هذا ، فأتى بسوط بين السوطین فرضى به . ﴿ المسألة الرابعة ) تفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها فى موضع واحد، واتفقوا على ١٤٧ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. أنه يتقى المهالك كالوجه والبطن والفرج، ويضرب على الرأس عند الشافعى رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه اللّه: لا يضرب على الرأس، وهو قول على حجة الشافعى رحمه الله . قال أبو بكر أضرب على الرأس فإن الشيطان فيه . وعن عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن الذاريات على وجه التعنت ، حجة أبى حنيفة رحمه الله، أجمعنا على أنه لا يضرب على الوجه فكذا الرأس والجامع الحكم والمعنى. أما الحكم فلأن الشين الذى يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذى يلحق الوجه ، بدليل أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها فى الرأس والوجه واحد ، وفارقا سائر البدن ، لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما يجب فيها حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة الواقعة فى الرأس والوجه ، فوجب استواء الرأس والوجه فى وجوب صونهما عن الضرب . وأما المعنى فهو إنما منع من ضرب الوجه لما كان فيه من الجناية على البصر ، وذلك موجود فى الرأس ، لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر ، وربما حدث منه الماء فى العين ، وربما حدث منه اختلاط العقل. أجاب أصحابنا عنه بأن الفرق بين الوجه والرأس ثابت، لأن الضربة إذا وقعت على الوجه ، فعظم الجبهة رقيق فربما انكسر بخلاف عظم القفا ، فانه فى نهاية الصلابة، وأيضاً فالعين فى نهاية اللطافة ، فالضرب عليها يورث العمى ، وأيضاً فالضرب على الوجه يكسر الأنف لأنه من غضروف لطيف ، ويكسر الأسنان لأنها عظام لطيفة ، ويقع على الخدين وهما لحمان قريبان من الدماغ، والضربة عليهما فى نهاية الخطر لسرعة وصول ذلك الأثر إلى جرم الدماغ ، وكل ذلك لم يوجد فى الضرب على الرأس . ﴿ المسألة الخامسة﴾ لو فرق سياط الحد تفريقاً لا يحصل به التنكيل ، مثل أن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين لا يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين أو أكثر يحسب ، والأولى أن لا يفرق. المسألة السادسة) إن وجب الحد على الحبلى لا يقام حتى تضع، روى عمران بن الحصين: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى حيلى من الزنا، فقالت يا نى الله أصبت حداً فأقمه على ، فدعا نبى الله وليها فقال أحسن إليها ، فاذا وضعت فأتنى بها ففعل ، فأمر بها فى اللّه صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، ولأن المقصود التأديب دون الإتلاف . ﴿ المسألة السابعة ) إن وجب الجلد على المريض نظر، فان كان به مرض يرجى زواله من صداع أو ضعف أو ولادة يؤخر حتى يبرأ. كما لو أقيم عليه حد أو قطع لا يقام عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول ، وإن كان به مرض لا يرجى زواله ، كالسل والزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط فإنه يموت وليس المقصود موته، وذلك لا يختلف سواء كان زناه فى حال الصحة ثم مرض أو فى حال المرض ، بل يضرب بأشكال عليه مائة شمراخ فيقوم ذلك مقام مائة جلدة . كما قال تعالى فى قصة أيوب عليه السلام (وخذ بيدك ضغئاً فاضرب به ولا تحنث ) وعند ١٤٨ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. أبى حنيفة رحمه الله: يضرب بالسياط، دليلنا ما روى أن رجلا مقعداً أصاب امرأة فأمر التى صلى الله عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة، ولأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله فالحد أولى بذلك . ﴿ المسألة الثامنة﴾ يقام الحد فى وقت اعتدال الهواء، فان كان فى حال شدة حر أو برد نظر إن كان الحدرجماً يقام عليه كما يقام فى المرض لأن المقصود قتله، وقيل إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره فيؤخر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض الذى يرجى زواله، لأنه ربما رجع عن إقراره فى خلال الرجم وقد أثر الرجم فى جسمه فتعين شدة الحر والبرد والمرض على أهلاكه بخلاف ما لو ثبت بالبينة لأنه لا يسقط ، وإن كان الحد جلداً لم يجز إقامته فى شدة الحر والبرد كما لا يقام فى المرض . أما الرجم ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الشافعى رحمه الله، ومالك رحمه الله: يجوز للامام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر ، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن ثبت الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس ، وإن ثبت بإقرار بدأ الإمام ثم الناس . حجة الشافعى رحمه الله: أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما. المسألة الثانية) إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك، وقع به بعض الحد أو لم يقع. وبه قال أبو حنيفة رحمه اللّه والثورى وأحمد وإسحق، وقال الحسن وابن أبى ليلى وداود لا يقبل رجوعه ، وعن مالك رحمه الله روايتان . (حجة القول الأول) أن ماءزاً لما مسته الحجارة وهرب، فقال عليه السلام ((هلاز كتموه)» ﴿ المسألة الثالثة﴾ يحفر المرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها ، ولا يحفر للرجل، لما روى أبو سعيد الخدرى «أن ماعزاً أنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يارسول الله إنى أصبت فاحشة فأقم على الحد ، فرده النبى عليه السلام مراراً . ثم سأل قومه ، فقالوا : لا نعلم به بأساً فأمرنا أن ترجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما أو ثقناه ولا حفرنا له ، قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف ، قال فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة وانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكن)) وجه الاستدلال أنه قال ((فما أو ثقناه ولا حفرنا له) ولأنه هرب، ولو كان فى حفرة لما أمكنه ذلك. ﴿ المسألة الرابعة) إذا مات فى الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية . ﴿ أما المباحث العقلية) فاعلم أن من الناس من قال: لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة ، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة، والثانى محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين ١٤٩ قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور. الأول، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حياً على حدة وعالماً على حدة وقادراً على حدة ، وإذا ثبت هذا فنقول الزانى هو الفرج لا الظهر، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفاً نحيفاً ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين: (الأول) وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلا على حدة وحياً على حدة وذلك محال ، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء، فيكون المجموع حياً واحداً عالماً واحداً قادراً واحداً، وعلى هذا التقدير يزول السؤال (الثانى) أن يقال الذى هو الفاعل والمحرك والمدرك شىء ليس بجسم ولا جسمانى. وإنما هو مدبر لهذا البدن ، وعلى هذا التقدير أيضاً يزول السؤال ( والجواب،) أما الأول فضعيف ، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال ، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور، وأما الثانى ففى نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح ، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر، فكان المقصود حاصلا والله أعلم. أما قوله تعالى ( ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله ) ففيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى ﴾ الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرى. رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة . المسألة الثانية ) يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذ كم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير واختيار الفراء والزجاج، ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد ابن المسيب والحسن وقتادة، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذى تقدم ذكره الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعاً اليه وكفى برسول الله أسوة فى ذلك حيث قال ((لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)) ونبه بقوله فى دين الله على أن الدين إذا أوجب أمراً لم يصح استعمال الرأفة فى خلافه . أما قوله تعالى ( إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ) فهو من باب التهيج والنهاب الغضب الله تعالى ولدينه . قال الجبائى تقدير الآية: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا اقامة الحدود، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة (والجواب ) أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لاتقام تلك الحدود، وحينئذ يكون منكراً للدين فيخرج عن الإيمان فى الحديث (( يؤتى بوال نقص من الحد سوطاً، فيقال له لم فعلت ذاك؟ ! ١٥٠ قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية. سورة النور. ج الَِّ لَيَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحَرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فيقول رحمة لعبادك، فيقال له أنت أرحم بهم منى! فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطاً فيقال له لم فعلت ذلك؟ فيقول لينتهوا عن معاصيك، فيقول أنت أحكم به منى! فيؤمر به إلى النار)). أما قوله تعالى ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى) قوله تعالى (وليشهد عذابهما طائفة) أمر وظاهره الوجوب، لكن الفقهاء قالوا يستحب حضور الجمع والمقصود إعلان إقامة الحد ، لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد ، وقيل أراد بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة. ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى أقل الطائفة على أقوال: (أحدها) أنه رجل واحد وهو قول النخعى ومجاهد. واحتجابقوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ( وثانيها) أنه اثنان وهو قول عكرمة وعطاء واحتجا بقوله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين) وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان ، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر (وثالثها) أنه ثلاثة وهو قول الزهرى وقتادة، قالوا الطائفة هى الفرقة التى يمكن أن تكون حلقة ، كأنها الجماعة الحافة حول الشىء، وهذه الصورة أقل ما لابد فى حصولها هو الثلاثة ( ورابعها) أنه أربعة بعدد شهود الزنا، وهو قول ابن عباس والشافعى رضى الله عنهم (وخامسها) أنه عشرة وهو قول الحسن البصرى ، لأن العشرة هى العدد الكامل . المسألة الثالثة ) نسميته عذاباً يدل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى عذاباً لأنه يمنع المعاودة کما سمی نکالا لذلك، ونبه تعالى بقوله (من المؤمنين) علی أن الذین یشهدون يجب أن یکونوا بهذا الوصف، لأنهم إذا كانوا كذلك عظم موقع حضورهم فى الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف المجلود من حضورهم الشهرة، فيكون ذلك أقوى فى الإنزجار. والله أعلم. ﴿ الحكم الثانى) قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين قرى. (لا ينكح) بالجزم عن النهى ، وقرى. (وحرم) بفتح الحاءثم إن فى الآية سؤالات: ﴿ السؤال الأول) قوله (الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة) ظاهره خبر، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر، لأنا نرى أن الزانى قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف . ﴿ السؤال الثانى) أنه قال (وحرم ذلك على المؤمنين) وليس كذلك، فان المؤمن يحل له ١٥١ قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية، سورة النور. التزوج بالمرأة الزانية ( والجواب) اعلم أن المفسرين لأجل هذين السؤالين ذكروا وجوها: (أحدها) وهو أحسنها. ما قاله القفال: وهو أن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك لأن الفاسق الخبيث الذى من شأنه الزنا والفسق لا يرغب فى نجاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب فى فاسقة خبيثة مثله أو فى مشركة ، والفاسقة الخبيثة لا يرغب فى نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا الرجل التقى، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقى فكذا ههنا . وأما قوله ( وحرم ذلك على المؤمنين ) فالجواب من وجهين (أحدهما ) أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها، وانخراطه بذلك فى سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه ، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة ، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة. ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزوانى والفجار (الثانى) وهو أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزوانى وترك الرغبة فى الصالحات محرم على المؤمنين ، لأن قوله (الزانى لا ينكح إلا زانية) معناه أن الزانى لايرغب إلا فى الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة النزوج بالزانية ، فهذا هو المعتمد فى تفسير الآية (الوجه الثانى) أن الألف واللام فى قوله ( الزانى ) وفى قوله (وحرم ذلك على المؤمنين ) وإن كان للعموم ظاهراً لكنه ههنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم ، قال مجاهد وعطاء بن أبى رباح وقتادة. قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ليس لهم أموال ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا بكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار، ليعرف أنها زانية ، وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب فى كسبهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول اللّه بت رقم فنزلت هذه الآية فتقدير الآية أولئك الزوانى لا ينكحون إلا تلك الزانيات ، وتلك الزانيات لا ينكحهن إلا أولئك الزوانى وحرم نكاحهن على المؤمنين ( الوجه الثالث ) فى الجواب أن قوله (الزانى لا ينكح إلا زانية ) وإن كان خبراً فى الظاهر، لكن المراد النهى، والمعنى أن كل من كان زانياً فلا ينبغى أن ينكح إلا زانية وحرم ذلك على المؤمنين. وهكذا كان الحكم فى ابتداء الإسلام، وعلى هذا الوجه ذكروا قولين (أحدهما) أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزانى والزانية التزوج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ويقال هذا مذهب أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وعائشة ، ثم فى هؤلاء من يسوى بين الابتداء والدوام. فيقول كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها. ومنهم من يفصل لأن فى جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة . ١٥٢ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَفَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَأَجْلِدُوهُمْ تَنِينَ جَدَةً ﴿ والقول الثانى) أن هذا الحكم صار منسوخاً واختلفوا فى ناسخه، فعن الجبائى أن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى ( فانكحوا ماطاب لكم من النساء) (وأنكحوا الأيامى) قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان (أما الأول ) فلأنه ثبت فى أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وأيضاً فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة، والإجماع فى هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبى بكر وعمر وعلى فكيف يصح ؟ وأما قوله تعالى (فانكحوا ماطاب لكم) فهو لا يصلح أن يكون ناسخاً ، لأنه لا بدمن أن يشترط فيه أن لا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما ، ولقائل أن يقول لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن،كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ، ونقول إن الزنا تأثيراً فى الفرقة ما ليس لغيره، ألا ترى أنه إذا قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه، ولا يجب مثل ذلك فى سائر ما يوجب الحد، ولأن من حق الزنا أن يورث العارويؤثر فى الفراش ففارق غيره. ثم احتج هؤلاء الذين يدعون هذا النسخ، بأنه سئل ابن عباس رضى الله عنهما عن رجل زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها؟ فأجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعن النبي صَّ الي أنه سئل عن ذلك فقال (أوله سفاح وآخره نكاح)) والحرام لا يحرم الحلال، (الوجه الرابع) أن يحمل النكاح على الوطء والمعنى أن الزانى لا يطأ حين يزنى إلا زانية أو مشركة وكذا الزانية (وحرم ذلك على المؤمنين) أى وحرم الزنا على المؤمنين وعلى هذا تأويل أبى مسلم، قال الزجاج هذا التأويل فاسد من وجهين ( الأول ) أنه ماورد النكاح فى كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، ولم يرد البتة بمعنى الوطء (الثانى) أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة، لأنا لوقلنا المراد أن الزانى لا يطأ إلا الزانية. فالإشكال عائد، لأنا نرى أن الزانى قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها ولو قلنا المراد أن الزانى لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا فهذا الكلام لا فائدة فيه، وهذا آخر الكلام فى هذا المقام. ﴿ السؤال الثالث) أى فرق بين قوله (الزانى لا ينكح إلا زانية) وبين قوله ( والزانية لا ينكحها إلا زان)؟ (والجواب) الكلام الأول يدل على أن الزانى لا يرغب إلا فى نكاح الزانية وهذا لا يمنع من أن يرغب فى نكاح الزانية غير الزانى فلا جرم بين ذلك بالكلام الثان،. ﴿ السؤال الرابع ) لم قدمت الزانية على الزانى فى الآية المتقدمة وههنا بالعكس (الجواب) سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها، والمرأة هى المادة فى الزنا، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطالب . ﴿ الحكم الثالث﴾ القذف قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا باربعة شهداء ١٥٣ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. وَلَ تَقْبَلُوْلَهُمْ شَئِدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (*) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ﴾ اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشىء الذى به رموا المحصنات وذكر الرمى لا يدل على الزنا، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمرو كفر ، بل لابد من قرينة دالة على التعيين ، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمى بالزنا وفى الآية أقوال تدل عليه (أحدها ) تقدم ذكر الزنا (وثانيها) أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمى رميهن بضد العفاف (وثالثها) قوله ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يعنى على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا فى الزنا ( ورابعها) انعقاد الاجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمى بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمى بالزنا، إذا عرفت هذا فالكلام فى هذه الآية يتعلق بالرمى والرامى والمرمى . ﴿ البحث الأول ) فى الرمى وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول يازانية أوزنيت أوزنى قبلك أو دبرك، ولو قال زنىبدنك فيه وجهان(أحدها) أنه كناية کقوله:زنى يدك، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة ( والثانى) وهو الأصح أنه صريح، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن. والفرج آلة فى الفعل. أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة الحرام، أو امرأتى لا ترديد لامس، وبالعكس. فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، وكذلك لو قال لعربى يانبطى ، فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا ، فإن قال عنيت به نبطى الدار واللسان، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف، فالقول قوله مع يمينه. أما التعريض فليس بقذف وإن أراده، وذلك مثل قوله: يا ابن الحلال، أما أنا فما زنيت وليست أمى زانية ، وهذا قول الشافعى وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثورى والحسن بن صالح رحمهم الله. وقال مالك رحمه الله : يجب الحد فيه، وقال أحمد وإسحق: هو قذف فى حال الغضب دون حال الرضا، لنا ، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره ، فوجب أن لا يجب الحد، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك، وأيضاً فلقوله عليه السلام: ((أدرأوا الحدود بالشبهات)، ولأن الحدود شرعت على خلاف النص النافى للضرر. والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض ، واحتج المخالف بما روى الأوزاعى عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر قال : كان تغمر ١٥٤ قوله تعالى : والذين يرمون المحضنات. سورة النور. یضرب الحد فی التعریض . وروی أيضاً أن رجلین استبا فی زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمى بزانية، فاستشار عمر الناس فى ذلك، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، جلده عمر ثمانين جلدة (والجواب) أن فى مشاورة عمر الصحابة فى حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف، وأنهم قالوا رأياً واجتهاداً . ﴿ المسألة الثانية ) فى تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصاً واحداً مزاراً أو يقذف جماعة ، فان قذف واحداً مراراً نظر إن كان أراد بالكل زنية واحدة بأن قال: زنيت بعمرو قاله مراراً لا يجب إلا حد واحد، ولو أنشأ الثانى بعد ماحد للأول عزر الثانى، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد ، ثم قال زنيت بعمرو ، فهل يتعدد الحد أم لا؟ فيه قولان (أحدهما) يتعدد اعتباراً باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون (والثانى) وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فوجب أن يتداخل حدود الزنا، ولو قذف زوجته مراراً، فالأصح أنه يكتفى بلغان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد. أما إذا قذف جماعة معدودين نظر، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل ، وعند أبى حنيفة رحمه الله: لا يجب عليه إلا حد واحد. واحتج أبو بكر الرازى على قول أبى حنيفة بالقرآن والسنة والقياس . أما القرآن فهو قوله تعالى ( والذين يرمون المحصنات) والمعنى أن كل أحد يرمى المحصنات وجب عليه الجلد ، وذلك يقتضى أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية. وأما السنة: فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبى عليه السلام ((لا، البينة أو حد فى ظهرك)) فلم يوجب النبى صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لإمرأته ولشريك بن سحماء، إلى أن نزلى آية اللعان فأقيم اللعان فى الزوجات مقام الحد فى الأجنبيات . وأما القياس: فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مراراً لم يجب إلا حد واحد كمن زنى مراراً أو شرب مراراً أو سرق مراراً فكذا ههنا، والمعنى الجامع دفع مزيد الضرز (والجواب) عن الأول أن قوله (والذين) صيغة جمع، وقوله (المحصنات) صيغة جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الجد ، وعند ذلك يظهر وجه تمسك الشافعى رحمه الله بالآية، ولأن قوله (والذين يرمون المحصنات ناجلدوم) يدل على ترتيب الجلد على رمى المحصّات وترتيب الحكم على الوصف ، لاسيما إذا كان مناسباً فإنه مشعر بالعلية، فدلت الآية على أن رمى المحصن من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت ١٥٥ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات، سورة النور. هذا فنقول: إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للحد ، فإذا قذف الثانى وجب أن يكون القذف الثانى موجباً للحد أيضاً ، ثم موجب القذف الثانى لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال ، فوجب أن يحد بالقذف الثانى حداً ثانياً ، أقصى ما فى الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا.لكنا نقول ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف . وعند ظهور الفارق يتعذر الجمع . وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد ، ولنا فى هذه المسألة تفصیل سیأتی إن شاء. وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمى. بدليل أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمى لا تتداخل بخلاف حد الزنا، فانه حق الله تعالى . هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم ، ففيه قولان (أصحهما ) وهو قوله فى الجديد: يجب لكل واحد حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل ، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات . وفى القديم لا يجب للكل إلا حد واحد اعتباراً باللفظ ، فان اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية . فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان . المسألة الثالثة﴾ فيما يبيح القذف: القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب، وهل يباح أم لا ينظر إن رآها بعينه تزنى أو أقرت هى على نفسها ووقع فى قلبه صدقها أو سمع من يثق بقوله أو لم يسمع ، لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلاناً يزنى بفلانة، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها فى بيت ، فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة ، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها. لما روى ((أن رجلا قال يارسول الله إن لى امرأة لا ترد يد لامس، قال طلقها. قال إنى أحبها ، قال فأمسكها، أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها ، لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفاً من قاصد أو لسرقة أو لطلب جور فتأبى المرأة قال الله تعالى ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) أما إذا كان ثم ولد يريد تفيه ، نظر فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطنها الزوج أو وطئها لكنها أنت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه · باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفى نسبه، لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من اللّه فى شىء ولم يدخلها الله جنته)) فلماحرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم كان الرجل أيضاً كذلك، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين، نظر إن لم ١٥٦ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. يكن قد استبرأها بحيضة، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء، لا يحل له القذف والنفى وإن اتهمها بالزنا ، قال النبى صلى الله عليه وسلم(( أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رءوس الأولين والآخرين)) فان استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفى. والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل وإن أنت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أوذ، نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه «أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حمر، قال فهل فيها أورق؟ قال نعم ، قال فکیف ذاك؟ قال نزعه عرق قال فلعل هذا نزعه عرق » وإن کان یتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان (أحدهما) لا لأن العرق ينزع ( والثانى ) له ذلك لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة . ﴿ البحث الثانى ) فى الرامى وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ إذا قذف الصبى أو المجنون امرأته أو أجنبياً فلا حد عليهما ولا لمان، لا فى الحال ولا بعد البلوغ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((رفع القلم عن ثلاث)) ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز ، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبى حتى بلغ ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان الزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ. المسألة الثانية ) الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد ، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية، وعند أبى حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولالعانه، وقول الشافعى رحمه اللّه أقرب إلى ظاهر الآية لآن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر ، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام. ﴿ المسألة الثالثة﴾. اختلفوا فيما إذا قذف العبد حراً فقال الشافعى وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جادة، روى الثورى عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً عليه السلام قال ((يجلد العبد فى القذف أربعين)) وعن عبد الله بن عمر أنه قال ((أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك فى القذف أربعين) وقال الأوزاعى يجلد ثمانين وهو مروى عن ابن مسعود، وروى أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد فى الفرية ثمانين. ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة فى إيجاب الثمانين فن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن اللّه تعالى قال (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) فنص على أن حد الأمة فى الزنا نصف حد الحرة، ثم قاسوا العبد على الأمة فى تنصيف حد الزنا، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصیف حد الزنا فى حقه، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس . ١٥٧ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. ﴿ المسألة الرابعة﴾ اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله (والذين يرمون المحصنات) لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فاليهودى إذا قذف المسلم يجلد ثمانين والله أعلم. ﴿ البحث الثالث﴾ فى المرمى وهى المحصنة، قال أبو مسلم: اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج، لقوله تعالى فى مريم (والتى أحصنت فرجها ) وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها ، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد ، ويتفرع عليه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة، إلا أن الفقهاء قالوا: شرائط الإحصان خمسة الاسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا، وإنما اعتبرنا الاسلام لقوله عليه السلام ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام ((رفع القلم عن ثلاث)) وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعبير بالزنا ، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف ، فإذا كان المقذوف زانياً فالقاذف صادق فى القذف. وكذلك إذا كان المقذوف وطىء امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل ، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطى. فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضاً، ثم نقول من قذف كافراً أو مجنوناً أو صبياً أو ملوكا، أو من قد رمى امرأة، فلا حد عليه، بل يعزر للأذى، حتى لو زنى فى عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ فى الصلاح لا يحد قاذفه، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لاحد عليه ، بخلاف ما لو زنى فى حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زناً، ولو قذف محصناً فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لآن صدور الزنا يورث ريبة فى حاله فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده فى أول ما يرتكب المعصية، فبظهوره يعلم أنه كان متصفاً به من قبل ، روى أن رجلا زنى فى عهد عمر، فقال والله مازنيت إلا هذه، فقال عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده فى أول مرة ، وقال المزنى وأبو ثور: الزنا الطارى. لا يسقط الحد عن القاذف. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الحسن البصرى قوله ( والذين يرمون المحصنات ) يقع على الرجال والنساء، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع مؤنث فلا يتناول الرجال، بل الاجماع دل على أنه لافرق فى هذا الباب بين المحصنين والمحصنات . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ دمى غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير، فهذا مجموع الكلام فى تفسير قوله سبحانه ( والذين يرمون المحصنات ) ، أما قوله سبحانه ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) ففيه بحثان : (البحث الأول) اعلم أن الله تعالى حكم فى القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام ١٥٨ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. (أحدها ) جلد ثمانين ( وثانيها) بطلان الشهادة (وثالثها ) الحكم بفسقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم فى كيفية ثبوت هذه الأحكام ، بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول الشافعى والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد . قال أبو بكر الرازى وهذا مقتضى قولهم إنه غير موسوم بسمة الفسق مالم يقع به الحد ، لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها، ثم احتج أبو بكر على صحة قول أبى حنيفة رحمه اللّه بأمور (أحدها) قوله سبحانه (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ظاهر الآية يقتضى ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة، فلو علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك فى كونه معلقاً على الأمرين وذلك بخلاف الآية، وأيضاً فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلاناً فأنت طالق ، فأنت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا ههنا ( وثانيها ) أن القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته بمجرد القذف. بيان الأول من ثلاثة أوجه (الأول) أن مجرد قذفه لو أوجب كونه كاذباً لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه، والحكم بكذبه فى قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه فى كون المقذوف زانياً، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه (الثانى) أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس قذفه، وإلا لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه. ولما قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد ما لاعن بين الزوجين ((أنته يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب)) فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف، وفى ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب كونه كاذباً ( الثالث ) قوله تعالى ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فاذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون) فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط ، فثبت بهذه الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذباً بمجرد القذف، وإذا كان كذلك وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلا ثقة والصادر عنه غير معارض ، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة (وثالثها) قوله عليه الصلاة والسلام ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً فى قذف)) أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد ( ورابعها ) ماروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قصة هلال ابن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ((يحلد هلال وتبطل شهادته فى المسلمين) فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد، به وذلك يدل على أن مجرد القذف ١٥٩ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. لا يبطل الشهادة ( وخامسها) أن الشافعى رحمه اللّه زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه ، وفى قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف، وأما وجه قول الشافعى رحمه الله فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفاً بعضها على بعض بحرف الواو ، وحرف الواو لا يقتضى الترتيب. فوجب أن لا يكون بعضها مرتباً على البعض ، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد ، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم والله أعلم. ﴿ البحث الثانى ) فى كيفية الشهادة على الزنا قال اللّه تعالى (واللائى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وقال سعد بن عبادة ((يارسول الله أرأيت إن وجدت مع امر أتى رجلا أمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ قال نعم )) ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى ﴾ الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان (أحدهما) لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا ( والثانى) يثبت بخلاف فعل الزنا، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الإطلاع عليه ، المسألة الثانية﴾ إذا شهدوا على فعل الزنا يحب أن يذكروا الزانى ومن زنى بها، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل فى فرجها دخول الميل فى المكحلة ، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنساناً فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر، ولو أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يستفسر؟ فيه وجهان (أحدهما) نعم كالشهود (والثانى ) لا يجب كما فى القذف. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعى رحمه الله لافرق بين أن يجىء الشهود متفرقين أو مجتمعين، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف، حجة الشافعى رحمه الله من وجوه (الأول ) أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على مابه الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فالآتى بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة ( الثانى) كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضى فى شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت فى شهادتهم (الثالث ) أنه لا يشترط أن يشهدوا معاً فى حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا عند القاضى وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم ، فكذا إذا اجتمعوا على بابه. ثم كان يدخل واحد بعد واحد، حجة أبى حنيفة رحمه الله من وجهين (الأول) أن الشاهد الواحد ١٦٠ قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور. لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) أقصى مافى الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لاعبرة به لأنه يؤدى إلى إسقاط حد القذف رأساً ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه، ويحصل مقصوده من القذف (الثانى) ماروى ((أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو ورجلاها على عاتقه كأذنى حمار، ولا أدرى ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر» فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان (أحدهما) لا يجب لأنهم جاءوا مجىء الشهود ، ولأنا لو حددنا لانسد باب لشهادة على الزنا، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد (والقول الثانى) وهو الأصح. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: يجب عليهم الحد، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكر ناهما فى المسألة الثالثة . المسألة الخامسة﴾ إذا قذف رجل رجلا فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله: يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود، وقال الشافعى رحمه الله فى أحد قوليه؛ يحدون، وجه قول أبى حنيفة قوله (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) وهذا قد أى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد. ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضى ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ، فكما اعتبرنا التهمة فى نفى الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها فى نفى الحد عنهم ، ووجه قول الشافعى رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة فى قبول الشهادة خرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ، وههنا آخر الكلام فى تفسير قوله تعالى (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء). أما قوله تعالى (فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ المخاطب بقوله (فاجلدوهم) هو الإمام على ما بيناه فى آية الزنا، أو المالك على مذهب الشافعى ، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام . ﴿ المسألة الثانية﴾ خص من عموم هذه الآية صور (أحدها) الوالد يقذف ولذه أو أحداً من نوافله ، فلا يجب عليه الحد، كما لا يجب عليه القصاص بقتله ( الثانية ) القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلد أربعين ، وكذا المكاتب وأم الولد ، ومن بعضه حر وبعضه رقيق جدهم حد العبيد (الثالثة ) من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت فى قديم الأيام ثم تابت فهى بموجب اللغة محصنة ، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها .