النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
قوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. سورة المؤمنون
عن أهل النار فى الآخرة أنهم يسألون الرجعة لكن ذلك بما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة
فى حال المعاينة، والله تعالى يقول (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) فعلق قولهم هذا
بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا فى قوله سبحانه وتعالى ( ارجعون) من المراد به ؟ فقال بعضهم
الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره بلفظ الجمع، وقال آخرون بل المراد هو
الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن يقول يارب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم
بلفظه فيقول فعلنا وصنعنا وقال الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء شواكم
ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم، فكانه عند المعاينة قال بحق الرب ارجعون ،
وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ) كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة، ومن الدين أن
لا رجعة؟ (الجواب) أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن الاستعانة بهذا الجنس من
المسألة تحسن وإن علم أنه لا يقع فأما إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضاً على سبيل ما يفعله المتمنى.
﴿ السؤال الثانى) ما معنى قوله (لعلى أعمل صالحاً) أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك؟
( الجواب ) ليس المراد بلعل الشك فإنه فى هذا الوقت باذل الجهد فى العزم على الطاعة إن أعطى
ماسأل ، بل هو مثل من قصر فى حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنونى من
التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بانه سيتدارك ، ويحتمل أيضاً أن الأمر
المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجى والظن دون اليقين ، فقد قال تعالى ( ولو
ردو العادوا لمانهوا عنه).
( السؤال الثالث) ما المراد بقوله فيما تركت ؟ (الجواب) قال بعضهم فيما خلفت من المال
ليصير عند الرجعة مؤدياً لحق اللّه تعالى منه، والمعقول من قوله (تكت) التركة وقال آخرون بل
المراد أعمل صالحاً فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وهذا أقرب كأنهم
تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا فى كل ماعصوا .
﴿ السؤال الرابع) ما المراد بقوله كلا؟ (الجواب) فيه قولان (أحدهما) أنه كالجواب لهم فى
المنع مما طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات، روى أنه عليه السلام قال لعائشة رضى الله
عنها ((إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا ترجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لابل
قدوماً على الله ، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أى شىء ترغب إلى جمع
المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار ؟ فيقول لعلى أعمل صالحاً فيما تركت !فيقول
فيقول الجبار كلا )) (الثانى) يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر
حق فكأنه قال: حقاً إنها كلمة هو قائلها، والأقرب الأول.

١٢٢
قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم. سورة المؤمنون.
فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمٍَّ وَلَا يَّسَآءَ لُونَ (٣٥) فَمَنْ تَقُلَتْ
مَوَِّينُهُ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ
خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَّمَ خَلِدُونَ ﴿يَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُوَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ
أَلَمْ تَكُزْ ءَايَتِی نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُ بِهَا تُكَذِبُونَ (
١٠٤
أما قوله (إنها كلمة هو قائلها) ففيه وجهان (الأول) أنه لا يخلها ولا يسكت عنها لاستيلا.
الحسرة عليه ( الثانى) أنه قائلها وحده ولا يجاب بإليها ولا يسمع منه .
أما قوله تعالى ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله فى
البحرين ( بينهما برزخ لا يبغيان ) أى فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلافى حاجزة عن
الاجتماع وذلك هو الموت، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث، إنما هو إقناط كلى لما علم أنه
لارجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة
قوله تعالى : ﴿فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، فمن ثقلت موازينه
فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم فى جهنم خالدون، تلفح
وجوههم النار وهم فيها كالحون، ألم تكن آياتى تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾ .
إعلم أنه سبحانه لما قال ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) ذكر أحوال ذلك اليوم فقال
(فإذا نفخ فى الصور ) وفيه ثلاثة أقوال: (أحدها ) أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت
عظيم ، جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، روى عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه قرن ينفخ فيه ( وثانيها ) أن المراد من الصور مجموع الصور ، والمعنى فإذا نفخ فى
فى الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو والفتح والكسر عن أبى رزين
وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة (وثالثها ) أن النفخ فى الصور استعارة والمراد منه
البعث والحشر ، والأول أولى للخبر وفى قوله (ثم نفخ فيه أخرى) دلالة على أنه ليس المراد نفخ
الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر .
أما قوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) فمن المعلوم أنه سبحانه إذا أعادهم فالأنساب
ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب فى الحقيقة بل المراد نفى
حكمه ، وذلك من وجوه: (أحدها ) أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال
فى الدنيا: أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا. فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل النار

١٢٣
قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم. سورة المؤمنون.
يكون مشغولا بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب ، وهكذا الحال فى الدنيا لأن الرجل متى
وقع فى الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده ( وثانيها) أن من حق النسب أن يحصل به
التفاخر فى الدنيا ، وأن يسأل بعضهم عن كيفية نسب البعض ، وفى الآخرة لا يتفرغون لذلك
( وثالثها) أن يجعل ذلك استعارة عن الخوف الشديد. فكل امرىء مشعول بنفسه من بنيه وأخيه
وفصيلته التى تؤويه فكيف بسائر الأمور، قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ العبد والأمة يوم
القيامة على رؤوس الأشهاد وينادى مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح
المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو أيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها (فلا أنساب
بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وعن قتادة لاشىء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه
مخافة أن يثبت له عليه شىء ثم تلا ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه) وعن الشعبى قال: قالت
عائشة رضى الله عنها يا رسول الله، أما نتعارف يوم القيامة، أسمع اللّه تعالى يقول ( فلا أنساب
بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) فقال عليه الصلاة والسلام(( ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس؛ حين
يرمى إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين، وعلى جسر جهنم)، وطعن بعض الملحدة فقال قوله
(ولا يتساءلون) وقوله ( ولا يسأل حميم حميما) يناقض قوله (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)
وقوله ( يتعارفون بينهم) ( الجواب ) عنه من وجوه: (أحدها) أن يوم القيامة مقداره خمسون
ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون فى بعضها، ويتحيرون فى بعضها لشدة
الفزع ( وثانيها ) أنه إذا نفخ فى الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه
أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا ( ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن)
( وثالثها) المراد لا يتساءلون بحقوق النسب ( ورابعها) أن قوله ( لا يتساءلون ) صفة للكفار
وذلك لشدة خوفهم .
أما قوله (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها، واعلم أنه
سبحانه قد بين أن بعد النفخ فى الصور تكون المحاسبة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، وقيل
لما بین سبحانه آنه لیس فى الآخرة إلا ثقل الموازین وخفتها ، و جب أن یکون کل مکلف لا بد
وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق
الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله(فمن
ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) وفى الموازين أقوال: (أحدها ) أنه استعارة من العدل
(وثانيها) أن الموازين هى الأعمال الحسنة فمن أتى بما له قدر وخطر فهو الفائز الظافر ، ومن
أتى بما لا وزن له كقوله تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة بحسبه الظمآن ماء حتى إذا
جاءه لم يجده شيئاً) فهو خالد فى جهنم. قال ابن عباس رضى الله عنهما الموازين جمع موزون وهى
الموزوتات من الأعمال أى الصالحات التى لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله ( فلا نقيم لهم يوم

١٢٤
قوله تعالى : قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا. سورة المؤمنون.
قَالُواْ رَبَّنَا غَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِنَ (ْ رَبَّنَا أَخْرِ جْنَا مِنْهَ فَإِنْ
عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (﴾ قَالَ أَخْسَهُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِمُونِ (﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ
عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَ امَنَّا فَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الَّحِينَ () فَتَّتُهُمْ
◌ِرِ يًّا خَّى أَفْسَوْكُمْ ذِكْرِ وَكُنْتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (٨) إِنِىِ ◌َيُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ
القيامة وزناً ) أى قدراً (وثالثها ) أنه ميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات فى أحسن
صورة ، والسيئات فى أقبح صورة فمن ثقلت حسناته سيق إلى الجنة ومن ثقلت سيئاته فإلى النار ،
وتمام الكلام فى هذا الباب قد تقدم فى سورة الأنبياء عليهم السلام. وأما الأشقياء فقد وصفهم
الله تعالى بأمور أربعة: (أحدها ) أنهم خسروا أنفسهم، قال ابن عباس رضى الله عنهما غنوها
بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وقيل امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم فى العذاب (وثانيها) قوله
(فی جهنم خالدون) ودلالته على خلود الكفار فى النار بينة . قال صاحب الكشاف ( فى جهنم
خالدون ) بدل من خسروا أنفسهم أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف (وثالثها)
قوله ( تلفح وجوههم النار ) قال ابنعباس رضى الله عنهما أى تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم،
قال الزجاج: اللفح والنفخ واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً ( ورابعها) قوله ( وهم فيها كالحون )
والكلوح أن تتقلص الشفتان ويتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرءوس المشوية، وعن التي { ل ◌ّ
نه قال «تشويه النار فنتقاص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى
بلغ سرته))، وقرىء كلحون ، ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم، حكى ما يقال لهم
عند ذلك تقريباً وتوبيخاً ، وهو قوله تعالى ( ألم تكن آياتى تتلى عليكم) ثم إنكم كنتم تكذبون
بها مع وضوحها، فلا جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم . قالت المعتزلة : الآية
تدل على أنهم إنما وقعوا فى ذلك العذاب لسوء أفعالهم ، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى لما
صح ذلك ( والجواب) أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا لمرجح البتة
كان صدورها عنه اتفاقياً لا اختيارياً، فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجع، فذاك
المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل ، فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً
لا اختيارياً ، فوجب أن لا يستحق الثواب .
قوله تعالى : ﴿ قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا
فإنا ظالمون ، قال اخسؤا فيها ولا تكلمون ، إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا

١٢٥
قوله تعالى : قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا. سورة المؤمنون.
أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآءِرُونَ (2)
وارحمنا وأنت خير الراحمين ، فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون، إنى
ـم.
جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون
إعلم أنه سبحانه لما قال (ألم تکن آیانی تتلى علیکم فکنتم بها تكذبون) ذكروا ما يجرى
مجرى الجواب عنه وهو من وجهين (الأول ) قولهم ( ربنا غلبت علينا شقوتنا) وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف: غُلبت علينا ملكتنا من قولك غلبنى فلان على
كذا إذا أخذه منك، والشقاوة سوء العاقبة، قرى: شقوتنا وشقاوتنا بفتح الشين وكسرها فيهما،
قال أبو مسلم: الشقوة من الشقاء بحرية الماء، والمصدر الجرى، وقد يجىء لفظ فعله، والمراد به
الهيئة والحال ، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة ، وتقول عاش فلان عيشة طيبة
ومات ميتة كريمة ، وهذا هو الحال والهيئة، فعلى هذا المراد من الشقوة حال الشقاء.
.المسألة الثانية﴾ قال الجبائى: المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح
سأقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن
لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم فى سوء صنيعهم، قلنا إنك حملت
الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة ، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم
فان حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث ، فان استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز فى كل الحوادث
ذلك، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع ، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو اللّه تعالى؟
فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه ( أحدها ) أن قدرة العبد صالحة الفعل والترك، فان توقف
صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح اخر، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل ، وإن لم يتوقف على
المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفى الممكن على الآخر لا لمرجح، وذلك يسد باب إثبات
الصانع ( وثانيها ) أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها، والجاهل بالشئ لا يكون
محدثاً له ، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم (والثانى) أن أحداً فى الدنيا لا يرضى بأن
يختار الجهل ، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم ، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم، فان كان الموجد
لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه. لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل؟
فثبت أن الموجد للدواعى والبواعث هو اللّه تعالى، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت
سعادة ، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة (الوجه الثانى) لهم فى الجواب قولهم ( وكنا قوماً
ضالين) وهذا الضلال الذى جعلوه كالعلة فى إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك
التكذيب لزم تعليل الشىء بنفسه ، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شىء
آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعى إلى الضلال ، ثم إن القوم لما أوردوا هذين

١٢٦
قوله تعالى : قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا. سورة المؤمنون.
العذرين ، قال لهم سبحانه ( اخسوا فيها ولا تكلمون) وهذا هو صريح قولنا فى أن المناظرة مع
الله تعالى غير جائزة، بل لا يسأل عما يفعل. قال القاضى فى قوله (ربنا غلبت علينا شقوتنا)
دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الإعتراف، فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك
لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب، فنقول قد بينا أن الذى ذكروه ليس إلا ذلك
ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم، قال لهم ( اخسوا فيها ولا تكلمون).
أما قوله ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) فالمعنى : أخرجنا من هذه الدار إلى دار
الدنيا ، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون ، فان قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا
أن عقابهم دائم؟ قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك فى أحوال شدة العذاب فيألون الرجعة.
ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والإسترواح.
أما قوله ( اخسؤا فيها ) فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت ، يقال:
خسأ الكلب وخساً بنفسه .
أما قوله ( ولا تكلمون) فليس هذا نهياً لأنه لا تكليف فى الآخرة، بل المراد لا تكلمون
فى رفع العذاب فانه لا يرفع ولا يخفف ، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك
إلا الشهيق والزفير، والعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس رضى الله
عنهما: أن لهم ست دعوات، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا)
فيجابون ( حق القول منى) فينادون ألف سنة ثانية ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) فيجابون
(ذلك بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم) فينادون ألف ثالثة ( يامالك ليقض علينا ربك) فيجابون
( إنكم ما كثون) فينادون ألفاً رابعة (ربنا أخرجنا) فيجابون (أو لم تكونوا أقسمتم من قبل
ما لكم من زوال) فينادون ألفاً خامسة ( أخرجنا نعمل صالحاً) فيجابون (أو لم نعمركم) فينادون
ألفاً سادسة (رب ارجعون ) فيجابون (اخسؤا فيها ) ثم بين سبحانه وتعالى، أن فزعهم بأمر
يتصل بالمؤمنين، وهو قوله ( إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت
خير الراحمين فاتخذتموهم سخرياً) فوصف تعالى أحد ما لأجله عذبوا وبعدوا من الخير ، وهو
ما عاملوا به المؤمنين . وفى حرف أبى (أنه كان فريق) بالفتح بمعنى لأه. وقرأ نافع وأهل المدينة
وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين فى جميع القرآن ، وقرأ الباقون بالكسرههنا وفى ص قال
الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى. وقال الكسائى والفراء الكسر بمعنى الاستهزاء
بالقول، والضم بمعنى السخرية. قال مقاتل: إن رؤساء قريش مثل أبى جهل وعتبة وأبى بن خلف
كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله و الله ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار
وصهيب ، والمعنى اتخذتوهم هزواً حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى
وأكد ذلك بقوله (وكنتم منهم تضحكون) ثم بين سبحانه ما يقتضى فيهم الأسف والحسرة
بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال ( إنى جزيتهم اليوم بماصبروا أنهم هم الفائزون)

١٢٧
قوله تعالى : قال کم لبثتم في الأرض عدد سنين. سورة المؤمنون
قَالُواْ لَثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْعَلِ
قَلَ كَرْ لَبِثْتُمْ فِى الْأَرْضِ عَدَدَسِنِينَ
الْعَدِينَ ﴿ قَالَ إِن تَِّقْتُمْإِلَّا قَلِلاً لَوْ أَتَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ أَنَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْتَكُمْ عَبَا وَأَنَّكُرُ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٠) فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
رَبُّ الْعَرْشِ الْگَرِيمِ
١١٦
قرأ حمزة والكسائى أنهم بالكسر والباقون بالفتح فالكسر استئناف أى قد فازوا حيث صبروا
بجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء، والفتح على أنه فى موضع المفعول الثانى من جزيت ، ويجوز
أن يكون نصباً بإضمار الخافض أى جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون.
قوله تعالى: ﴿قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسئل العادين،
قال إن ليتتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون، أخسبتم أنما خلقناكم عبئاً وأنكم إلينا لا ترجون،
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾
اعلم أن فى هذه الآية مسائل : .
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف فى مصاحف أهل الكوفة (قال) وهو ضمير أنه أو
المأمور بسؤالهم من الملائكة، و(قل) فى مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام وهو ضمير الملك
أو بعض رؤساء أهل النار .
المسألة الثانية﴾ الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، فقد كان ا ينكرون الليث فى
الآخرة أصلا ولا يعدون اللبث إلا فى دار الدنيا ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة
فلما حصلوا فى النار وأيقنوا أنها دائمة وهم فيها مخلدون سألهم (كم لبثتم فى الأرض) تنبيهاً لهم على
أن ماظنوه دائماً طويلا فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، حينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا
يعتقدونه فى الدنيا من حيث أيقنوا خلافه ، فليس الغرض السؤال بل الغرض ماذكرنا . فان قيل
فكيف يصح فى جوابهم أن يقولوا (لبثنا يوماً أو بعض يوم) ولا يقع من أهل النار الكذب قلنا
أملهم نسوا ذلك لكثرة ماهم فيه من الأهوال وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا (فاسأل العادين)
قال ابن عباس رضى الله عنهما أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين وقيل مرادهم بقولهم
( لبثنايوم أو بعض يوم ) تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من أليم
العذاب والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا فى أن السؤال عن أى لبث وقع، فقال بعضهم لبثهم إحياؤهم فى

١٢٨
قوله تعالى : قال کم لبثتم في الأرض عدد سنين. سورة المؤمنون
الدنيا ويكون المراد أنهم أمهلوا حتى تمكنوا من العلم والعمل فأجابوا بأن قدر لبنهم كان يسيراً
بناء على أن الله تعالى أعلمهم أن الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هى دار القرار، وهذا القائل احتج
على قوله بأنهم كانوا يزعمون أن لا حياة سواها ، فلما أحيام اللّه تعالى فى النار وعذبوا سألوا عن
ذلك توبيخاً لأنه إلى التوبيخ أقرب، وقال آخرون بل المراد البث فى حال الموت، واحتجوا على
قولهم بأمرين (الأول) أن قوله فى الأرض يفيد الكون فى القبر ومن كان حياً فالأقرب أن
يقال إنه على الأرض وهذا ضعيف لقوله (ولا تفسدوا فى الأرض)، (الثانى) قوله تعالى (ويوم
تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة ) ثم بين سبحانه أنهم كذبوا فى ذلك وأخبر عن
المؤمنين قولهم ( لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث).
﴿ المسألة الرابعة ﴾احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال قوله (كم لبتتم فى الأرض)
يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً فى بطن الأرض فلو كانوا معذبين
فى القبر لعلموا أن مدة مكثهم فى الأرض طويلة فما كانوا يقولون (لبثنا يوماً أو بعض يوم)
(والجواب) من وجهين (أحدهما) أن الجواب لابد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا
عن موت لا حياة بعده إلا فى الآخرة ، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر (والثانى) يحتمل أن
يكونوا سألوا عن قدر الليث الذى اجتمعوا فيه، فلا يدخل فى ذلك تقدم موت بعضهم على
البعض، فيصح أن يكون جوابهم ( لبثنا يوماً أو بعض يوم) عند أنفسنا.
أما قوله (فاسأل العادين) ففيه وجوه (أحدها ) المراد بهم الحفظة وأنهم كانوا يحصون
الأعمال وأوقات الحياة ويحسبون أوقات موتهم وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر، وهو معنى
قول عكرمة فاسأل العادين أى الذين يحسبون ( وثانيها) فاسأل الملائكة الذين يعدون أيام الدنيا
وساعاتها ( وثالثها) أن یکون المعنی سل من يعرف عدد ذلك فانا قد نسيناه ( ورابعها) قرى.
العادين بالتخفيف أى الظلمة فإنهم يقولون مثل ما قلنا ( وخامسها) قرىء العاديين أى القدماء
المعمرین، فانهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟
أما قوله (لبتتم إلا قليلا) فالمعنى أنهم قالوا ( لبثنا يوم أو بعض يوم) على معنى أنا لبثنا فى
الدنيا قليلا، فكأنه قيل لهم صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلا إلا أنها انقضت ومضت ، فظهر أن الغرض
من هذا السؤال تعريف قلة أيام الدنيا فى مقابلة أيام الآخرة .
فأما قوله تعالى (لو أنكم كنتم تعلمون) فبين فى هذا الوجه أنه أراد أنه قليل لو علمتم البعث
والحشر، لكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدونه طويلا .
ثم بين تعالى ما هو فى التوبيخ أعظم بقوله ( أختم أنما، خلقناكم عبئاً وأنكم إلينا
لا ترجعون) وفيه مسألتان.
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف (عبثاً) حال أى عابئين كقوله (لاعبين) أو
مفعول به أى ما خلقنا كم للعيث .

١٢٩
قوله تعالى : ومن يدع مع الله إلهاً آخر. سورة المؤمنون.
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَ انَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُوبِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُوْعِندَ رَبِهِ إِنَّهُهُ
لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ﴿ وَقُل رَّبِ أَغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الَّحِينَ (2)
المسألة الثانية ) أنه سبحانه لما شرح صفات القيامة ختم الكلام فيها بإقامة الدلالة على
وجودها وهى أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصى والصديق من الزنديق، وحينئذ يكون
خلق هذا العالم عبثاً ، وأما الرجوع إلى الله تعالى فالمراد إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه لا أنه
رجوع من مكان إلى مكان لاستحالة ذلك على الله تعالى ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله (فتعالى
الله الملك الحق) والملك هو المالك للأشياء الذى لا يبيد ولا يزول ملكه وقدرته، وأما الحق فهو
الذى يحق له الملك لأن كل شىء منه وإليه، وهو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وبين أنه
لا إله سواه وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلهاً وبين أنه تعالى (رب العرش الكريم).
قال أبو مسلم والعرش ههنا السموات بما فيها من العرش الذى تطوف به الملائكة ويجوز أن.
يعنى به الملك العظيم ، وقال الأكثرون المراد هو العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة
تنزل منه والخير والبركة ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً
وقرى. الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد .
قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع اللّه إلهاً آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح
الكافرون ، وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين
اعلم أنه سبحانه لما بين أنه هو الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى إلهاً آخر فقد
ادعى باطلا من حيث لابرهان لهم فيه ، ونبه بذلك على أن كل مالا برهان فيه لا يجوز إثباته، وذلك
يوجب صحة النظر وفساد التقليد ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله (فانما
حسابه عند ربه) كأنه قال إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أخد على حسابه إلا اللّه تعالى وقرى أنه
لا يفلح بفتح الهمزة ومعناه حسابه عدم الفلاح جعل فاتحة السورة ( قد أفلح المؤمنون ) وخاتمتها
(أنه لا يفلح الكافرون) فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ثم أمر الرسول وم لتزم بأن يقول رب اغفر
وارحم ويثنى عليه بأنه خير الراحمين ، وقد تقدم بيان أنه سبحانه خير الراحمين فان قيل. كيف تتصل
هذه الخاتمة بما قبلها؟ قلنا لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار فى جهلهم فى الدنيا وعذابهم فى
الآخرة أمر بالإنقطاع إلى اللّه تعالى والإلتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته، فإنهما هما العاصمان عن كل
الآفات والمخافات، وروى أن أول سورة (قد أملح) وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث
آيات من أولها، وانغظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وعترته وأهل بيته.
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : سورة أنزلناها. سورة النور.
(٢٤) سُورَة النّورِ مَدُ نِيَّة
وَآيَاتِهَا ازِيجُ وَسَيِّبُونَ
سُوَرَهُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِهَآ ءَ ايَتٍ بَيِّنَتِ لَّعَلَّكُمْ تَذَ كَّرُونَ (
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة أنزلثاها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون}
قرأ العامة سورة بالرفع ، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب، أما الذين قرأوا بالرفع فالجمهور
قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز، والتقدير هذه سورة أنزلناها، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ
موصوف، والخبر محذوف أى فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء
بالنكرة فسورة مبتدأ وأنزلنا خبره ، ومن نصب فعلى معنى الفعل ، يعنى اتبعوا سورة أو أقل سورة
أو أنزلنا سورة، وأما معنى السورة،ومعنى الإنزال فقد تقدم، فإن قيل الإنزال إنما يكون من
صعود إلى نزول، فهذا يدل على أنه تعالى فى جهة، قلنا ( الجواب) من وجوه (أخدها ) أن
جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا جاز
أن يقال أنزلناها توسعاً (وثانيها) أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب فى السماء الدنيا دفعة واحدة
ثم أنزلها بعد ذلك نجوماً على لسان جبريل عليه السلام (وثالثها ) معنى ( أنزلناها ) أى أعطيناها
الرسول، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتى، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال
قال الله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ).
أما قوله ( وفرضناها) فالمشهور قراءة التخفيف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد.
أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى (فنصف مافرضتم ) أى قدر تم
( إن الذى فرض عليك القرآن ) أى قدر، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت فى
الوجود وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد وفرضنا مابين فيها، وإنما قال ذلك لأن
أكثر ما فى هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام، وأما قراءة
التشديد فقال الفراء: التشديد للمبالغة والتكثير ، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام
فلا بد من المبالغة فى إيجابها. ليحصل الانقياد لقبولها ، وأما التكثير فلوجهين (أحدهما) أن
اللّه تعالى بين فيها أحكاماً مختلفة (والثانى) أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر

١٣١
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
الَّتِيَةُ وَالَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ ◌ٍَِ مِنْهُمَا مِنَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِى
دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِّهِ وَالْيَوْمِ آَخِرِ وَلَشْهَدْ عَابَهُمَا طَلِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
٢
الدهر، أما قوله ( وأنزلنا فيها آيات بينات) ففيه وجوه ( أحدها ) أنه سبحانه ذكر فى أول
السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفى آخرها دلائل التوحيد فقوله ( وفرضناها ) إشارة
إلى الأحكام التى بينها أولا ثم قوله ( وأنزلنا فيها آيات بينات ) إشارة إلى مابين من دلائل
التوحيد، والذى يؤكد هذا التأويل قوله ( لعكم تذكرون) فان الأحكام والشرائع ما كانت
معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها. أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها.
( وثانيها) قال أبو مسلم بجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكرفيها من الحدود والشرائع كقوله
(رب اجعل لى آية ، قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) سأل ربه أن يفرض عليه عملا
( وثالثها ) قال القاضى إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من
المباحثات بأن بينها الله تعالى، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلا وصف الآيات بأنها بينات.
أما قوله تعالى ( لعلكم تذكرون) فقرى بتشديد الذال وتخفيفها، ومعنى لعل قد تقدم فى
سورة البقرة ، قال القاضى لعل بمعنى كى، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا
(والجواب) أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية، ولو لم توجد
تلك التقوية لزم وقوع الفعل لالمرجح، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث
على وجود المرجح ويلزم نفى الصانع، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة
فى سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر فى هذه السورة أحكاماً كثيرة:"
﴿ الحكم الأول) قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا
تأخذ كم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة
من المؤمنين )
إعلم أن قوله تعالى ( الزانية والزانى ) رفعهما على الإبتداء والخبر محذوف عند الخليل
وسيبويه على معنى: فيما فرض الله عليكم الزانية والزانى أى فاجلدوهما ، ويجوز أن يكون الخبر
فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذى وتضمنه معنى الشرط تقديره التى
زنت والذى زنى فاجلدوهما كما تقول من زنا فاجلدوه، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره
الظاهر، وقرىء والزان بلا ياء، واعلم أن الكلام فى هذه الآية على نوعين (أحدهما) ما يتعلق

١٣٢
:
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
بالشرعيات ( والثانى) ما يتعلق بالعقليات ونحن نأتى على البابين بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى
﴿ النوع الأول ) الشرعيات، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه أمور:
(أحدها ) أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس فى قوله تعالى ( والذين لا يدعون مع الله إلهاً
آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً) وقال ( ولا
تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)، (وثانيها) أنه تعالى أوجب المائة فيها بكالها
بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود
الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين ، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل
(وثالثها ) ما روى حذيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يا معشر الناس اتقوا
الزنا فان فيه ست خصال ثلاث فى الدنيا وثلاث فى الآخرة، أما التى فى الدنيا فيذهب البها.
ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما التى فى الآخرة فسخط اللّه سبحانه وتعالى وسوء
الحساب وعذاب النار)) وعن عبد الله قال قلت يا رسول الله: أى الذنب أعظم عند الله؟
قال (( أن تجعل لله نداً وهو خلفك، قلت ثم أى؟ قال ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك
قلت: ثم أى؟ قال: وأن تزنى بحليلة جارك)) فأنزل الله تعالى تصديقها (والذين لا يدعون مع الله
إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) وأعلم أنه يجب البحث فى هذه
الآية عن أمور (أحدها ) عن ماهية الزنا (وثانيها) عن أحكام الزنا (وثالثها ) عن الشرائط
المعتبرة فى كون الزنا موجباً لتلك الأحكام ( ورابعها ) عن الطريق الذى به يعرف حصول الزنا
(وخامسها) أن المخاطبين بقوله (فاجلدوهم) من هم؟ (وسادسها ) أن الرحم والجلد المأمور بهما
فى الزناكيف يكون حالهما؟.
﴿ البحث الأول ) عن ماهية الزنا قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن إيلاج فرج فى فرج مشتهى
طبعاً محرم قطعاً وفيه مسائل :
[ المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى أن اللواطة هل ينطلق عليها اسم الزنا أم لا؟ فقال قائلون نعم.
واحتج عليه بالنص والمعنى ، أما النص فما روى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه أنه عليه الصلاة
والسلام قال ((إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان)) وأما المعنى فهو أن اللواط مثل الزنا صورة
ومعنى . أما الصورة فلأن الزنا عبارة عن إيلاج فرج فى فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً، والدر
أيضاً فرج لأن القبل إنما سمى فرجا لما فيه من الإنفراج، وهذا المعنى حاصل فى الدبر أكثر
ما فى الباب أن فى العرف لا تسمى اللواطة زنا ولكن هذا لا يقدح فى أصل اللغة، كما يقال هذا
طبيب وليس بعالم مع أن الطب علم ، وأما المعنى فلأن الزنا قضاء للشهوة من محل مشتهى طبعاً على
جهة الحرام المحض، وهذا موجود فى اللواط لأن القبل والدبر يشتهيان لأنهما يشتركان فى المعانى
التى هى متعلق الشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل ، ولذلك فان من يقول بالطبائع لا يفرق

١٣٣
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
بين المحلين ، وإنما المفرق هو الشرع فى التحريم والتحليل ، فهذا حجة من قال اللواط داخل تحت
اسم الزنا ، وأما الأكثرون من أصحابنا فقد سلموا أن اللواط غير داخل تحت اسم الزنا واحتجوا
عليه بوجوه: (أحدها ) العرف المشهور من أن هذا لواط وليس بزنا وبالعكس والأصل عدم
التغيير (وثانيها ) لو حلف لا يزنى فلاط لايحنث ( وثالثها) أن الصحابة اختلفوا فى حكم اللواط
وكانوا عالمين باللغة فلوسمى اللواط زناً لأغناهم نص الكتاب فى حد الزنا عن الاختلاف والاجتهاد،
وأما الحديث فهو محمول على الإثم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا أتت المرأة المرأة فهما
زانيتان» وقال عليه الصلاة والسلام ((اليدان تزنيان والعينان تزنيان)) وأما القياس فبعيد
لأن الفرج وان كان سمى فرجاً لما فيه من الإنفراج فلا يجب أن يسمى كل ما فيه انفراج بالفرج
وإلا لكان الفم والعين فرجاً ، وأيضاً فهم سموا النجم نجماً لظهوره، ثم ما سمواكل ظاهر نجماً .
وسموا الجنين جنيناً لاستناره، وما سمواكل مستتر جنيناً، واعلم أن الشافعى رحمه الله فى فعل
اللواط قولان أصحهما عليه حد الزنا إن كان محصناً يرجم ، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة ويغرب
عاماً ( وثانيهما) يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أو لم يكن محصناً؛ لما روى ابن عباس
رضى الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال ((من وجد تموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل
والمفعول به )) ثم فى كيفية قتله أوجه: (أحدها) تحز رقبته كالمرتد ( وثانيها) يرجم بالحجارة وهو
.قول مالك وأحمد وإسحق ( وثالثها) يهدم عليه جدار، يروى ذلك عن أبى بكر الصديق رضى الله
عنه ( ورابعها) يرمى من شاهق جبل حتى يموت ، يروى ذلك عن على عليه السلام وإنما ذكروا
هذه الوجوه: لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى ( جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا
عليهم حجارة من سجيل ) وعند أبى حنيفة رحمه الله لا يحد اللوطى بل يعذر ، أما المفعول به فان
كان عاقلا بالغاً طائعاً فان قلنا على الفاعل القتل فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل للخبر، وإن
قلنا على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول به مائة جلدة و تغریب عام محصناً کان أو غير محصن، وقيل
إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم، وليس بصحيح لأنها لا قصير محصنة بالتمكين فى الدبر فلا يلزمها
حد المحصنات كما لو كان المفعول به، ذكر حجة الشافعى رحمه الله على وجوب الحد من وجوه:
(الأول) أن اللواط ، إما أن يساوى الزنا فى الماهية أو يساويه فى لوازم هذه الماهية وإذا
كان كذلك وجب الحد ( بيان الأول) قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا أتى الرجل الرجل فهما
زانيان)) فاللفظ دل على كون اللائط زانياً، واللفظ الدال بالمطابقة على ماهية دال بالالتزام على
حصول جميع لوازمها، ودلالة المطابقة والالتزام مشتركان فى أصل الدلالة، فاللفظ الدال على
حصول الزنا دال على حصول جميع اللوازم، ثم بعد هذا إن تحقق مسمى الزنا فى اللواط دخل تحت
قوله (الزانية والزانى فاجلدوا) وإن لم يتحقق مسمى الزنا وجب أن يتحقق لوازم مسمى الزنا لما
ثبت أن اللفظ الدال على تحقق ماهية دال على تحقق جميع تلك اللوازم ترك العمل به فى حق الماهية

١٣٤
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
فوجب أن يبقى معمولا به فى الدلالة على جميع تلك اللوازم ، لكن من لوازم الزنا وجوب الحد
فوجب أن يتحقق ذلك فى اللواط . أكثر ما فى الباب أنه ترك العمل بذلك فى قوله عليه الصلاة
والسلام ((إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان)) لكن لا يلزم من ترك العمل هناك تركه ههنا (الثانى).
أن اللائط يجب قتله فوجب أن يقتل رجماً (بيان الأول) قوله عليه السلام ((من عمل عمل قوم لوط
فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به)) (وبيان الثانى) أنه لما وجب قتله وجب أن يكون زانياً وإلا
لما جاز قتله لقوله عليه السلام ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدي ثلاث)) وهّهنا لم يوجد كفر
بعد إيمان ولاقتل نفس بغير حق فلو لم يوجد الزنا بعد الإحصان لوجب أن لا يقتل، وإذا ثبت أنه
وجد الزنا بعد الإحصان وجب الرجم لهذا الحديث (الثالث) نقيس اللواط على الزنا، والجامع أن
الطبع داع إليه لما فيه من الالتذاذ وهو قبيح فيناسب الزجر، والحد يصلح زاجراً عنه . قالوا:
والفرق من وجهين (أحدهما ) أنه وجد فى الزنا داعيات، فكان وقوعه أكثر فساداً فكانت الحاجة
إلى الزاجر أتم (الثانى) أن الزنا يقتضى فساد الأنساب (والجواب) إلغاؤهما بوط. العجوز الشوها.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه (أحدها) اللواط ليس بزنا على ما تقدم فوجب أن لا يقتل
لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى ثلاث)) (وثانيها) أن اللواط
لا يساوى الزنا فى الحاجة إلى شرع الزاجر ، ولا فى الجناية فلا يساويه فى الحد بيان عدم المساواة
فى الحاجة ، أن اللواطة وإن كانت يرغب فيها الفاعل لكن لا يرغب فيها المفعول طبعاً بخلاف
الزنا ، فان الداعى حاصل من الجانبين ، وأما عدم المساواة فى الجناية فلأن فى الزنا إضاعة النسب
ولا كذلك اللواط ، إذا ثبت هذا فوجب أن لا يساويه فى العقوبة، لأن الدليل ينفى شرع الحد
لكونه ضرراً ترك العمل به فى الزنا، فوجب أن يبقى فى اللواط على الأصل (وثالثها) أن الحد
كالبدل عن المهر فلما لم يتعلق باللواط المهر فكذا الحد ( والجواب) عن الأول أن اللواط وإن
لم يكن مساوياً للزنا فى ماهيته لكنه يساويه فى الأحكام (وعن الثانى) أن المواط وإن كان
لا يرغب فيه المفعول لكن ذلك بسبب اشتداد رغبة الفاعل، لأن الإنسان حريص على ما منع
(وعن الثالث ) أنه لابد من الجامع والله أعلم.
المسألة الثانية) أجمعت الأمة على حرمة إتيان البهائم. والشافعى رحمه الله فى عقوبته
أقوال (أحدها ) يجب به حد الزنا فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب ( والثانى) أنه يقتل
محصناً کان أو غیر محصن. لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله بلێے «من
أنى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه)) فقيل لابن عباس : ماشأن البهيمة؟ فقال: ما أراه قال ذلك إلا أنه
كره أن يؤكل لحمها ، وقد عمل بها ذلك العمل (والقول الثالث) وهو الأصح وهو قول أبى حنيفة
ومالك والثورى وأحمد رحمهم الله: أن عليه التعزير لأن الحد شرع للزجر عما تميل النفس إليه،
وهذا الفعل لا تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس رضى الله عنهما لضعف إسناده وإن
ثبت فهو معارض بما روي أنه عليه السلام نهى عن ذيح الحيوان إلا لأكله.

١٣٥
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
المسألة الثالثة ﴾ السحق من النسوان وإنيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.
﴿البحث الثانى) عن أحكام الزنا. واعلم أنه كان فى أول الإسلام عقوبة الزانى الابس إلى
المات فى حق الثيب ، والأذى بالكلام فى حق البكر . قال اللّه تعالى (واللاتى يأتين الفاحشة من
نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فان شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو
يجعل الله لهن سبيلا، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) ثم نسخ
ذلك جعل حد الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد والتغريب، ولنذكر هاتين المسألتين:
﴿ المسألة الأولى﴾ الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه: (أحدها) قوله تعالى
(فعليهن نصف ما على المحصنات ) فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق
لكن الرجم لانصف له ( وثانيها) أن الله سبحانه ذكر فى القرآن أنواع المعاصى من الكفر
والقتل والسرقة، ولم يستقص فى أحكامها كما استقصى فى بيان أحكام الزنا ، ألا ترى أنه تعالى
نهى عن الزنا بقوله ( ولا تقربوا الزنا ) ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما فى كل المعاصى ، ثم ذكر
الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب احضار المؤمنين رابعاً ، ثم خصه بالنهى عن الرأفة عليه بقوله
( ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله) خامساً ، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة،
وسادساً، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه، ثم قال سابعاً (ولا تقبلوا
لهم شهادة أبداً، ثم ذكر ثامناً من ربى روجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى
ثم ذكر تاسعاً أن (الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)، ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا
مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة فى استقصاء أحكام الزنا قليلا وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو
أجل أحكامها وأعظم آثارها، ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار حيث لم
لم يذكره الله تعالى فى كتابه دل على أنه غير واجب (وثالثها) قوله تعالى (الزانية والزانى فاجلدوا)
يقتضى وجوب الجلد على كل الزناة، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضى تخصيص
عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو غير جائز. لأن الكتاب قاطع فى متنه ، وخبر الواحد غير قاطع
فى منه ، والمقطوع راجح على المظنون، واحتج الجمهور من المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما
ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، قال أبو بكر الرازى روى الرجم أبو بكر وعمر
وعلى وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد فى
آخرين من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية والغامدية
وقال عمررضى الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر فى كتاب الله لأثبته فى المصحف. (والجواب)
عما احتجوا به أولا أنه مخصوص بالجلد. فان قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر
المتواتر لما بينا أن الرجم منقول بالتواتر، وأيضاً فقد بينا فى أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر
الواحد جاز (والجواب) عن الثانى أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح

١٣٦
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
ظبل المصلحة التى تقضى وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك الآيات ( والجواب ) عن الثالث
أنه نقل عن على عليه السلام أنه كان يجمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد واسحق وداود
واحتجوا عليه بوجوه: (أحدما ) أن عموم هذه الآية يقتضى وجوب الجلد والخبر المتواتر
يقتضى وجوب الرجم ولا منافاة فوجب الجمع (وثانيها) قوله عليه السلام ((البكر بالبكر جلد
مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة)» (وثالثها) روى أبو بكر الرازى فى أحكام
القرآن عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر ((أن رجلا زنى بامرأة فأمر النبى ويتم جلد ثم أخبر النبي
بَ لتم أنه كان محصناً فأمر به فرجم » (ورابعها) روى أن علياً عليه السلام جلد شراحة الهمدانية
ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن أكثر المجتهدين متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد، واحتجوا عليه بأمور
( أحدها ) قصة العسيف فإنه عليه السلام قال ((ياً أنيس اغد إلى امرأة هذا ، فان اعترفت فارجمها))
ولم يذكر الجلد ولو وجب الجلد مع الرجم لذكره (وثانيها) أن قصة ماعز رويت من جهات مختلفة
ولم يذكر فى شىء منها مع الرجم جلد ، ولو كان الجلد معتبراً مع الرجم لجلده النبى عليه السلام ولو
جلده لنقل كما نقل الرحم إذايس أحدهما بالنقل أولى من الآخر، وكذا فى قصة الغامدية حين
أقرت بالزنا فرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وضعت ولو جلدها لنقل ذلك ( وثالثها)
ماروى الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضى الله عنهم قال قال عمررضى
الله عنه قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم فى كتاب الله تعالى
فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة ، رجم رسول
الله صلى الله عليه وسلم فرجمنا بعده، فأخبر أن الذى فرضه الله تعالى هو الرجم ولو كان الجلد
واجباً مع الرجم لذكره (أما الجواب) عن التمسك بالآية فهو أنها مخصوصة فى حق المحصن
وتخصيص عموم القرآن بالخبر المتواتر غير ممتنع، وأما قوله عليه السلام (( الثيب بالثيب جلد
مائة ورجم بالحجارة)) فلعل ذلك كان قبل قوله (( يا أنيس اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها))
وأما أنه عليه السلام جلد امرأة ثم رجمها ، فلعله عليه السلام ما علم إحصانها بجلدها، ثم لما علم
إحصانها رجمها، وهو الجواب عن فعل على عليه السلام، فهذا ما يمكن من التكلف فى هذه
الأجوبة والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الشافعى رحمه اللّه يجمع بين الجلد والتغريب فى حد البكر، وقال
أبو حنيفة رحمه الله يجلد، وأما التغريب ففوض إلى رأى الإمام، وقال مالك يجلد الرجل ويغرب
وتجلد المرأة ولا تغرب، حجة الشافعى رحمه الله حديث عبادة أنه عليه السلام قال ((خذوا عنى
خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثب جلد مائة ورجم
بالحجارة)) ويدل أيضاً عليه ماروى أبو هريرة رضى الله عنه وزيد بن خالد ((أن رجلا جاء إلى

١٣٧
قوله تعالى : الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما . سورة النور.
النبى صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إن ابنى كان عسيفاً على هذا وزنى بامرأته فافتديت منه
بوليدة ومائة شاة، ثم أخبرنى أهل العلم أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا
الرجم فاقض بيننا ، فقال عليه الصلاة والسلام والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما
الغنم والوليدة فرد عليك، وأما ابنك فان عليه جلد مائة وتغريب عام، ثم قال لرجل من أسلم اغد
يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» واحتج أبو حنيفة رحمه الله على نفى التغريب
بوجوه ( أحدها ) أن إيجاب التغريب يقتضى نسخ الآية ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز
وقرروا النسخ من ثلاثة أوجه (الأول ) أنه سبحانه رتب الجلد على فعل الزنا بالفاء وحرف
الفاء للجزاء إلا أن أئمة اللغة قالوا اليمين بغير الله ذكر شرط وجزاء وفسروا الشرط بالذى دخل
عليه كلمة إن والجزاء بالذى دخل عليه حرف الفاء والجزاء اسم لما يقع به الكفاية مأخوذ من
قولهم جازيناه أى كافأناه، وقال عليه السلام ((تجزيك ولا تجزى أحداً بعدك)) أى تكفيك، ومنه
قول القائل : اجتزت الإبل بالعشب بالماء وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجب معه شىء آخر فإيجاب
شىء آخر يقتضى نسخ كونه كافياً (الثانى) أن المذكور فى الآية لما كان هو الجلد فقط كان ذلك کمال
الحد فلو جعلنا النفى معتبراً مع الجلد لكان الجلد بعض الحد لا كل الحد فيفضى إلى نسخ كونه
كل الحد (الثالث) ان بتقدير كون الجلد كمال الحد فانه يتعلق بذلك رد الشهادة ولو جعلناه بعض
الحد لزال ذلك الحكم ، فثبت أن إيجاب التغريب يقتضى نسخ الآية ( ثانيها) قال أبو بكر الرازى
لو كان النفى مشروعاً مع الجلد لوجب على النبي ◌َ ◌ّم عند تلاوة الآية توقيف الصحابة عليه
لثلا يعتقدوا عند سماع الآية أن الجلد هو كمال الحد ولو كان كذلك لكان اشتهاره مثل اشتهار
الآية، فلما لم يكن خبر النفى بهذه المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد علم أنه غير معتبر (وثالثها)
ماروى أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى الأمة ((إذا زنت فاجلدوها ، فان زنت
فاجلدوها ، فان زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير)) وفى رواية أخرى ((فليجلدها الحد ولا
تثريب عليه)) ووجه الاستدلال به أنه لو كان النفى ثابتاً لذكره مع الجلد ( ورابعها) أنه إما أن
يشرع التغريب فى حق الأمة أو لا يشرع، ولا جائز أن يكون مشروعاً لأنه يلزم منه الإضرار
بالسيد من غير جناية صدرت منه وهو غير جائز، ولأنه قال صلى الله عليه وسلم ((بيعوها ولو
بطفير)) ولو وجب نفيها لما جاز بيعها لأن المكنة من تسليمها إلى المشترى لا تبقى بالنفى ولا
جائز أن لا يكون مشروعاً لقوله تعالى (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) ( وخامسها)
أن التغريب لو كان مشروعاً فى حق الرجل لكان إما أن يكون مشروعاً فى حق المرأة أولا
یکون، والثانى بطل لأن التساوى فى الجناية قدوجد فى حقهما، وإن كان مشروعاً فى حق المرأة فإما
أن يكون مشروعاً فى حقها وحدها أو مع ذي محرم والأول غير جائز للنص والمعقول، أما
النص فقوله عليه السلام (( لا يحل لامرأة أن تسافر من غير ذى محرم)) وأما المعقول فهو أن

١٣٨
قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور.
الشهوة غالبة فى النساء، والانزجار بالدين إنما يكون فى الخواص من الناس ، فإن الغالب لعدم الزنا
من النساء بوجود الحفاظ من الرجال ، وحياتهن من الأقارب. وبالتغريب تخرج المرأة من أيدى
القرباء والحفاظ، ثم يقل حياؤها لبعدها عن معارفها فينفتح عليها باب الزنا، فربما كانت فقيرة
فيشتد فقرها فى السفر، فيصير مجموع ذلك سبباً لفتح باب هذه الفاحشة العظيمة عليها . ولا جائز أن
يقال إنا نغربها مع الزوج أو المحرم، لأن عقوبة غير الجانى لاتجوزلقوله تعالى (ولا تزروازرة وزر
أخرى) (وسادسها) ماروى عن عمر أنه غرب ربيعة بن أمية بن خلف فى الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل ،
فقال عمر لا أغرب بعدها أحداً ولم يستثن الزنا. وروى عن على عليه السلام أنه قال فى البكرين إذا
زنيا يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما من الفتنة، وعن ابن عمر أن أمة له زنت جلدها ولم ينفها، ولو كان النفى
معتبراً فى حد الزنا لما خفى ذلك على أكابر الصحابة (وسابعها) ماروى «أن شيخاً وجد على بطن جارية
يحنث بها فى خربة فأتى به إلى النبى ◌َ يتم فقال اجلدوه مائة ، فقيل إنه ضعيف من ذلك فقال خذوا
عشكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها وخلوا سبيله» ولو كان النفى واجباً لنفاه ، فإن قيل إنما لم ينفه
لأنه كان ضعيفاً عاجزاً عن الحركة، قلنا كان ينبغى أن يكترى له دابة من بيت المال ينفى عليها.
فان قيل كان عسى يضعف عن الركوب، قلنا من قدر على الرناكيف لا يقدر على الاستمساك!
(وثامنها ) أن التغريب نظير القتل لقوله تعالى (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) فنزله)
منزلة واحدة ، فاذا لم يشرع القتل فى زنا البكر وجب أن لا يشرع أيضاً نظيره وهو التغريب.
( والجواب) عن الأول أنه ليس فى كلام اللّه تعالى إلا إدخال حرف الفاء على الآمر بالجلد ، فأما
أن الذى دخل عليه هذا الحرف فإنه يسمى جزاء، فليس هذا من كلام الله ولا من كلام رسوله ،
بل هو قول بعض الأدباء فلا يكون حجة .
أما قوله ( ثانياً ) لو كان النفى مشروعاً لما كان الجلد كل الحد، فنقول لانزاع فى أنه زال أمره
لأن إثبات كل شىء لا أقل من أن يقتضى زوال عدمه الذى كان، إلا أن الزائل ههنا ليس حكما
شرعياً، بل الزائل محض البراءة الأصلية، ومثل هذه الإزالة لا يمتنع إثباتها بخبر الواحد، وإنما
قلنا إن الزائل محض العدم الأصلى، وذلك لأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب التغريب
وبين إيجابه مع نفى التغريب. والقدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بواحد من القسمين .
فإذن إيجاب الجلد لا إشعار فيه البتة لا بإيجاب التغريب ولا بعدم إيجابه ، إلا أن نفى
التغريب كان معلوماً بالعقل نظراً إلى البراءة الأصلية، فإذا جاء خبر الواحد ودل على وجوب
التغريب، فما أزال البتة شيئاً من مدلولات اللفظ الدال على وجوب الجلد بل أزال البراءة
الأصلية ، فأما كون الجلد وحد، مجزياً ، وكونه وحده كمال الحد. وتعلق رد الشهادة عليه،
فكل ذلك تابع لنفى وجوب الزيادة . فلما كان ذلك النفى معلوماً بالعقل جاز قبول خبر الواحد
فيه ، كما أن الفروض لو كانت خمساً لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف، وقبول الشهادة

١٣٩
قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور.
ولو زيد فيها شىء آخر لتوقف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء تلك الزيادة ، مع أنه
يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس فكذا ههنا. أما لو قال الله تعالى الجلد كمال الحد وعلمنا أنها
وجدها متعلق رد الشهادة ، فلا يقبل ههنا فى إثبات الزيادة خبر الواحد لأن نفى وجوب الزيادة
ثبت بدليل شرعى متواتر (والجواب) عن الثانى أنه لو صح ماذكره لوجب فى كل ما خصص
آية عامة أن يبلغ فى الاشتهار مبلغ تلك الآية، ومعلوم أنه ليس كذلك (والجواب ) عن الثالث
أن قوله ((ثم بيعوها) لا يفيد التعقيب فلعلها تنفى ثم بعد النفى تباع (والجواب) عن الرابع أنه معارض
بما روى الترمذى فى جامعه أنه عليه السلام جلد وغرب، وأن أبا بكر جلد وغرب ( والجواب)
عن الخامس أن الشافعى رحمه الله فى تغريب العبد قولين (أحدهما) لا يغرب لأنه عليه السلام
قال (( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد)) ولم يأمر بالتغريب، ولأن التغريب للمعرة ولا معرة
على العبد فيه ، لأنه ينقل من يد إلى يد، ولأن منافعه للسيد ففى نفيه إضرار بالسيد ( والثانى)
وهو الأصح أنه يغرب لقوله تعالى ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) ولا ينظر إلى
ضرر المولى كما يقتل العبد بسبب الردة ويجلد العبد فى الزنا والقذف، وإن تضرر به المولى فعلى
هذا كم يغرب فيه قولان (أحدهما ) يغرب نصف سنة لأنه يقبل التنصيف كما يجلد نصف حد
الأحرار (والثانى) يغرب سنة لأن التغريب المقصود منه الإيحاش وذلك معنى يرجع إلى الطبع
فيستوى فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء أو العنة ( والجواب ) عن السادس أن المرأة لا تغرب
وحدها بل مع محرم ، فان لم يتبرع المحرم بالخروج معها أعطى أجرته من بيت المال ، وإن لم يكن
لها محرم تغرب مع النساء الثقات، كما يجب عليها الخروج إلى الحج معهن. قوله التغريب يفتح عليها
باب الزنا، قلنا لا نسلم فان أكثر الزنا بالإلف والمؤانسة وفراغ القلب، وأكثر هذه الأشياء
تبطل بالغربة ، فان الأنسان يقع فى الوحشة والتعب والنصب فلا يتفرغ للزنا ( والجواب) عن
السابع، أى استبعاد فى أن يكون الانسان الذى يعجز عن ركوب الدابة يقدر على الزنا؟
(والجواب) عن الثامن أنه ينتقض بالتغريب إذا وقع على سبيل التعزير والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفقت الأمة على أن قوله سبحانه وتعالى (الزانية والزانى) يفيد الحكم
فى كل الزناة ، لكنهم اختلفوا فى كيفية تلك الدلالة فقال قائلون لفظ الزانى يفيد العموم ،
والمختار أنه ليس كذلك ويدل عليه أمور (أحدها) أن الرجل إذا قال لبست الثوب أو شربت
الماء لا يفيد العموم ( وثانيها) أنه لا يجوز توكيده بما يؤكد به الجمع، فلا يقال جاءنى الرجل
أجمعون ( وثالثها) لا ينعت بنعوت الجمع فلا يقال جاءنى الرجل الفقراء، وتكلم الفقيه الفضلاء،
فأما قولهم أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر، فمجاز بدليل أنه لا يطرد، وأيضاً فان كان
الدينار الصفر حقيقة وجب أن يكون الدينار الأصفر مجازاً، كما أن الدنانير الصفر لما كان أو

١٤٠
قوله تعالى : الزانية والزاني. سورة النور.
حقيقة كان الدنانير الأصفر مجازاً (ورابعها) أن الزانى جزئى من هذا الزانى، فإيجاب جلذهذا الزانى
إيجاب جلد الزانى، فلو كان إيجاب جلد الزانى إيجاباً لجلد كل زان لزم أن يكون إيجاب جلد هذا الزانى
إيجاب جلد كل زان، ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوه. فان قيل لم لا يجوز أن يقال اللفظ المطلق إنما
يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين، أو يقال اللفظ المطلق وإن اقتضى العموم إلا أن لفظ
التعيين يقتضى الخصوص ، قلنا أما الأول فباطل لأن العدم لادخل له فى التأثير ، أما الثانى فلأنه يقتضى
التعارض وهو خلاف الأصل (وخامسها ) أن يقال الإنسان هو الضحاك فلو كان المفهوم من قولنا
الإنسان هو كل الانسان لنزل ذلك منزلة ما يقال كل إنسان هو الضحاك، وذلك متناقض لأنه يقتضى
حصر الانسانية فى كل واحد من الناس ومعنى الحصر هو أن يثبت فيه لا فى غيره فيلزم أن يصدق على
كل واحد من أشخاص الناس أنه هو الضحاك لاغير واحتج المخالف بوجهين (الأول ) أنه يجرز
الاستثناء منه لقوله تعالى ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والاستثناء
يخرج من الكلام مالولاه لدخل تحته (الثانى) أن الألف واللام للتعريف، وليس ذلك لتعريف،
الماهية، فإن ذلك قد حصل بأصل الإسم، ولا لتعريف واحد بعينه ، فإنه ليس فى اللفظ دلالة
عليه، ولا لتعريف بعض مراتب الخصوص فإنه ليس بعض المراتب أولى من بعض ، فو حب حمله
على تعريف الكل ( والجواب ) عن الأول أن ذلك الاستثناء مجاز بدليل أنه لا يصح أن يقال
رأيت الإنسان إلا المؤمنين، وعن الثانى أنه يشكل بدخول الألف واللام على صيغة الجمع ، فان
جعلتها هناك للتأكيد فكذا ههنا، ومن الناس من قال إن قوله تعالى ( الزانية والزانى) وإن كان
لا يفيد العموم بحسب اللفظ ، لكنه يفيده بحسب القرينة وذلك من وجهين (الأول) أن ترتيب
الحكم على الوصف المشتق يفيد كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لا سيما إذا كان الوصف
مناسباً وههنا كذلك ، فيدل ذلك على أن الزنا علة لوجوب الجد ، فيلزم أن يقال أينما تحقق الزنا
يتحقق وجوب الجلد ضرورة أن العلة لا تنفك عن المعلول (الثانى) أن المراد من قوله ( الزانية
والزانى) إما أن يكون كل الزناة أو البعض، فان كان الثانى صارت الآية محملة وذلك يمنع من
إمكان العمل به ، لكن العمل به مأمور وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فوجب حمله على
العموم حتى يمكن العمل به والله أعلم .
﴿ البحث الثالث ) فى الشرائط المعتبرة فى كون الزنا موجباً للرجم تارة والجلد أخرى،
فنقول: أجمعوا على أن كون الزنا موجباً لهذين الحكمين مشروط بالعقل وبالبلوغ فلا يجب الرجم
والحد على الصبي والمجنون وهذان الشرطان ليسا من خواص هذين الحكمين بل هما معتبران فى
كل العقوبات ، أما كونهما موجبين للرجم فلا بد مع العقل والبلوغ من أمور أخر: (الشرط
الأول) الحرية وأجمعوا على أن الرقيق لا يجب عليه الرجم البتة (الشرط الثانى) التروج بنكاح
صحيح، فلا يحصل الإحصان بالإصابة بملك اليمين ولا بوطء الشبهة ولا بالنكاح الفاسد ( الشرط